Wednesday, June 04, 2008

ما وراء المفاوضات السورية - الاسرائيلية



هل نحن أمام نسخة جديدة من المفاوضات العبثية الاسرائيلية - السورية، على غرار المفاوضات العبثية الاسرائيلية -الفلسطينية؟ وإذا كانت امريكا تملك 90% من اوراق حل قضايا المنطقة فكم تملك تركيا؟ وما هو الفرق الجوهري بين خيار السلام الاسترانيجي الذي إختاره النظام السوري وبين خيار السلام الاستراتيجي الذي إختارته السلطة الفلسطينية؟ هذه الاسئلة والعديد غيرها تجول في الاذهان عند سماع الغزل الراهن بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية.
في الواقع هذا النوع من الغزل بين سوريا واسرائيل ليس جديدا، فقد بدأ بعد حرب تشرين عام 1973 مباشرة في مفاوضات فك الارتباط تحت رعاية وزير الخارجية الامريكي آنذاك هنري كيسنجر والتي تمخضت عن اتفاقية الفصل بين القوات وانسحاب الجيش الاسرائيلي من القنيطرة، ومن ثم محادثات مؤتمر جنيف التي لم تتمخض عن أية نتائج بسبب تعنت الطرف الاسرائيلي ورفضه الانسحاب من هضبة الجولان المحتلة تطبيقا لقراري مجلي الامن 242 و 338 . بينما استمر السادات في المفاوضات التي انتهت بمعاهدة كامب ديفيد. عاد هذا الغزل ليظهر من جديد في أعقاب حرب الخليج الاولى التي شارك فيها النظام السوري الى جانب امريكا وحلفائها فيما يسمى حرب "تحرير الكويت" وذلك في مؤتمر مدريد. مرة أخرى لم يسفر هذا الغزل عن إقامة علاقات عاطفية بين الطرفين ومرة أخرى بسبب التعنت الاسرائيلي. الا ان الغزل بين الطرفين لم يتوقف حيث استمر تحت رعاية الرئيس كلينتون في منتصف سنوات التسعينات حيث لوحت وسائل الاعلام السورية بحصول نوع من التقدم فيما يسمى "وديعة رابين" تروج للمزاعم التي تدعي بتعهد يتسحاق رابين بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967. ووصل هذا الغزل ذروته في نهاية سنوات التسعين عندما كان الطرفان اقرب ما يكونا الى التوقيع على اتفاقية سلام لولا تراجع ايهود براك في اللحظة الاخيرة عن "وديعة رابين".
خلال هذه الفترة كانت الحدود السورية الاسرائيلية الاكثر هدوءا وامنا بالنسبة لاسرائيل.
إذن ما هو الجديد في المفاوضات الراهنة؟ هل هي الوساطة التركية؟ من السذاجة التفكير بأن تركيا تقوم بواستطها بشكل مستقل، فهي في هذا الدور تنوب عن الطرف الامريكي وتتحرك حسب توجيهاته وتعليماته. وذلك لحساسية الدور الامريكي عند شعوب المنطقة، وكأن تركيا كدولة اسلامية لها علاقات جيدة مع كافة اطراف النزاع تصلح أكثر لتلعب دور الوسيط الموضوعي. وفي الوقت نفسه تفوز تركيا برضى الغرب مما يحسن صورتها في الغرب ويزيد من إمكانية قبولها في الاتحاد الاوروبي.
بالطبع سوريا هي الاخرى لها دوافعها الخاصة وأهمها درء الضغوطات الامريكية والاوروبية عنها ومحاولة فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها وتحاشي إمكانية التعرض لضربة عسكرية اسرائيلية – أمريكية. وخصوصا وأن الوضع الداخلي للنظام السوري ليس على احسن ما يرام.
أما دوافع الحكومة الاسرائيلية للإعلان عن هذه المفاوضات في هذا الوقت بالذات هي الاخرى واضحة ولا تخفى على أحد. فقد جاءت أولا وقبل كل شيء لإنقاذ الحكومة الاسرائلية من خطر السقوط السريع في أعقاب فضائح الفساد التي تلاحق رئيس الحكومة أولمرت. ولكن هذا ليس السبب الوحيد، وحسب رايي ليس السبب الرئيسي. السبب الرئيسي هو تحييد سوريا وضمها الى معسكر المعتدلين العرب إستعدادا لحرب إنتقامية ضد المقاومة اللبنانية. حتى لو سقطت الحكومة الاسرائيلية الراهنة، فلن تقبل اية حكومة الهزيمة العسكرية التي منيت بها قبل سنتين في لبنان. وكل رئيس حكومة اسرائيلي قادم سوف يحاول الانتقام لهذه الهزيمة، خصوصا اذا كان رئيس الحكومة القادم هو ايهود براك أو بيبي نتانياهو. تحييد سوريا ضروري أيضا في حالة شن حرب على ايران. وكما نرى فإن الحكومة الاسرائيلية تشن حربا تحريضية على مستوى عالمي لتوجيه ضربة قاضية على ايران. ولن يهدأ لها بال حتى تحقق هدفها هذا تماما كما فعلت في التحريض على شن الحرب ضد العراق.
الخلاصة هي أن هدف هذا المفاوضات ليس التوصل الى سلام عادل وشامل في المنطقة، بل هدفها إعادة الترتيبات والتحالفات لشن الحرب القادمة. والا كيف نفهم هذه المفاوضات في ظل الخروقات المتكررة للطيران الاسرائيلي لحرمة الاجواء السورية؟ كيف نفهم تحليقها فوق القصر الرئاسي في اللاذقية؟ وقصف الموقع الذي تدعي بكونه قاعدة نووية؟
تستطيع سوريا في كل مرة تتعرض له للإستفزاز او العدوان الاسرائيلي أن تصرح بأنها " تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن نفسها في الوقت المناسب" ومن الطرف الآخر يستطيع أولمرت أن يصرح بأن " تحقيق السلام مع سوريا يتطلب تنازلات مؤلمة".
نعم، لقد حضرنا هذه المسرحية من قبل مرات عديدة حتى حفظنا كامل فصولها عن ظهر قلب. فلا سوريا تستعمل حقها بالدفاع عن النفس ولا تقوم اسرائيل بتنازلات "مؤلمة". الكيان الصهيوني والنظام السوري يتسابقان مع الزمن تشبثا باللبقاء غير أن الزمن يقهقه ساخرا ولا مباليا بمصيرهما.

Wednesday, May 28, 2008

نكبة اللغة العربية



نكبة فلسطين التي أحيت جماهير شعبنا ذكراها ال60 لم تقتصر على الارض والانسان، بل طالت أحد العناصر الاساسية للهوية القومية للفلسطينيين الباقين على ارضهم ألا وهي اللغة العربية. لقد عادت نكبة اللغة العربية لتحتل العناويين الرئيسية مؤخرا في أعقاب إقتراح عضوة الكنيست عن حزب الليكود ووزيرة المعارف سابقا، ليمور ليفنات لقانون يلغي مكانة اللغة العربية كلغة رسمية اساسية ويثبت اللغة العبرية كلغة رسمية اساسية وحيدة، وفي أعقاب ردرود الفعل المتشنجة من قبل أعضاء الكنيست العرب وبعض المثقفين على هذا الاقتراح.
أولا وقبل كل شيء، لا يشرف اللغة العربية أبدا أن تكون لغة رسمية في دولة عنصرية هي المسؤولة الاولى عن نكبة الشعب الفلسطيني. ولا يشرفنا نحن، الناطقون بهذه اللغة العريقة، أن تكون لغتنا رسمية في مثل هذا الكيان العنصري.
مشكلتنا ليست عضوة الكنيست ليفنات ومن على شاكلتها من أعضاء عنصريين تنضح بهم الكنيست، بل مشكلتنا الحقيقية تقبع في داخلنا نحن، الناطقين بهذه اللغة. لنسأل أعضاء الكنيست العرب الاشاوس بمن فيهم الوزير العربي والذين يتسابقون "للدفاع" عن اللغة العربية: ما دامت اللغة العربية، على مدار 60 سنة، كانت لغة رسمية، فكم خطابا القيتموه من على منصة الكنيست باللغة العربية؟ وكم التماسا قدمتموه بهذه اللغة؟
قبل أن تطالبوا بجعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة لماذا لا تجعلوها لغتكم الرسمية أولا؟ ولمعلوماتكم فقط، عندما تذكرون بلجيكا كمثال على دولة بها لغتان رسميتان، هل تعلمون أن أعضاء البرلمان من الفلمنك يلقون خطاباتهم باللغة الفلمنكية ومن لا يجيد هذه اللغة من الناطقين بالفرنسية فهذه مشكلته؟.
إلا أن نكبة اللغة العربية في هذه البلاد أعمق من ذلك بكثير، وهي تتعدى المتأسرلين على كافة انواعهم وأشكالهم وتكاد تخييم على كافة تصرفاتنا وتفكيرنا. وهذه بعض الامثلة على نكبة اللغة العربية في هذه البلاد:
سرت بالشارع الرئيسي في مدينة سخنين. نظرت يمينا وشمالا الى المحلات التجارية من مطاعم ومقاهي وحوانيت مختلفة وحتى مكاتب اطباء، وكلاء تأمين، ومحامين فوجدت أن لغة الدعايات المكتوبة على اليافطات بالخط العريض الذي يؤذي العيون هي اللغة العبرية، اما اللغة العربية فإما أت تكون معدومة تماما واما انها تظهر بخط رفيع هامشي وكأن صاحبها يخجل من إبرازها. حتى المجمع التجاري الجديد الذي لم يفتح ابوابه بعد فقد وضع واجهته لافتة عملاقة باللغة العبرية "سخنين مول" ولا يوجد أي ذكر للغة العربية. اتابع المسير عرابة البطوف واشاهد الواقع المرير نفسه: يافطات ضخمة، على اليمين وعلى الشمال باللغة العبرية، بالرغم من أن جميع أصحاب هذه المصالح عرب ومعظم زبائنهم عرب. مدننا وقرانا العربية الاخرى لا تختلف في هذا المجال، من حيث المبدأ، عن سخنين وعرابة. هل يوجد وضع أتعس من ذلك؟
مثال آخر: دخلت أحد اقسام البلدية وكان الموظف بصدد كتابة رسالة داخلية الى مدير قسم آخر. سألني عن معنى كلمة باللغة العبرية فأجبته، ومن ثم سالته: لماذا تكتب باللغة العبرية رسالة داخلية الى زميل لك باللغة العبرية؟ فأجابني: هذه هي الاوامر، إذ أن جميع مراسلاتنا باللغة العبرية.
إذا كنا عاجزين عن جعل اللغة العربية لغتنا الرسمية في بلدياتنا وفي مجالسنا المحلية فبإية عين يمكننا أن نطالب الآخرين بأن تكون كذلك؟
لا أريد أن اتكلم عن ظواهر تشويه اللغة العربية بكلمات ماخوذة من اللغة العبرية في حياتنا اليومية، حتى اصبح المثقف منا قبل غير المثقف عاجزا عن إجراء محادثة عادية بسيطة بلغة عربية سليمة. هذه الظاهرة معروفة لنا جميعا، نتكلم عنها كثيرا ونكتب عنها في الصحف ومع ذلك فإنها تتفاقم اكثر فأكثر. ناهيك الى اننا نصدرها الى البلدان المجاورة حتى أصبحنا نعرف في الاردن ومصر من خلال استعمالنا للعربية يشوبها الكثير من المفردات الغريبة القادمة من العبرية.
لنعود الى اقتراح قانون السيدة ليفنات. بالرغم من دوافعها العنصرية ومن نواياها السيئة، فلن يعود قانونها هذا إذا ما قبل الا بالفائدة وبالخير على اللغة العربية. يجب أن نعمل كل ما في وسعنا لكي نحافظ على استقلالية اللغة العربية وفصلها عن المؤسسات الرسمية لهذه الدولة. علينا أن نعمل أكثر من المستحيل لكي نجعل اللغة العربية لغتنا الرسمية الوحيدة، في حياتنا اليومية، في حديثنا وتفكيرنا وأحلامنا. علينا أن نعمل المستحيل وأكثر من المستحيل لكي نحافظ على هذه اللغة وعلى نقائها من خلال التعليم والثقافة والفن. لأنها في ظروفنا الراهنة هي الضمان الوحيد للحفاظ على هويتنا القومية.

Wednesday, May 21, 2008

بؤس المؤتمر القومي العربي



تحت شعار:"العمل العربي المشترك- التحديات والآفاق" عقد المؤتمر القومي العربي في العاصمة اليمنية صنعاء دورته التاسعة عشرة. وفي جلسته الاولى أنتخب "المفكر العربي" عضو الكنيست السابق عزمي بشارة بالاجماع رئيسا لهذه الدورة. بعد 4 أيام من النقاشات والخطابات والجلسات تمخض المؤتمر عن بيان أو نداء للأمة تناول بها القضايا المصيرية التي تواجه الامة العربية وخصوصا في فلسطين ولبنان والعراق.
وقد عقد هذا المؤتمر في ذكرى مناسبتين ذات بعد قومي وهي الذكرى الثامنة عشرة لقيام "الوحدة اليمنية" التي يعتبرها المؤتمر " الانجاز الوطني القومي البارز" والذكرى الستين لنكبة فلسطين.
وكما يعرف المؤتمر القومي العربي نفسه فهو " جهة مستقلة لا ينحاز لنظام ضد آخرولا لطرف دون ثان يضم قادة الفكر والرأي من مختلف الدول العربية" وبالرغم من انه عقد دورته الاولى عام 1990 في تونس الا انه يعتبر نفسه امتدادا طبيعيا للمؤتمر العربي الاول الذي عقد في باريس عام 1913 والذي يعتبره الكثيرون بداية التحرك العربي القومي الحديث.
من هذه المعلومات الاولية عن المؤتمر، المقتبسة عن موقعه الرسمي في الشبكة العنكبوتية ومن خلال تقييم أعمال الدورة الاخيرة نلمس وبوضوح أن تخلف الامة العربية لا يقتصر على انظمتها وعلى ملوكها ورؤسائها بل يشمل أيضا تلك المؤسسات التي تدعي رفع راية النهضة العربية والكلام بإسم الامة العربية من خلال حمل الاسماء الضخمة التي تتمخض عادة عن عمل تافه لا يتعدى اصدار بيان تتناوله وسائل الاعلام لفترة وجيزة ثم يغرق في بحر من النسيان.
يهدف المؤتمر القومي العربي، حسب قول القيمين عليه الى:" المساهمة في شحذ الوعي العربي بغايات الامة العربية العليا عن طريق إتخاذ واعلان مواقف فكرية رصينة وملتزمة سياسيا تجاه اوضاع الامة وغاياتها مما يساعد على تعبئة الطاقات الشعبيةمن اجل تحقيق هذه الغايات، وتوثيق روابط التعاون والتنسيق مع الهيئات المماثلة في اهدافها ومبادئها".
نظرة خاطفة الى اعضاء المؤتمر تبين أن معظم "قادة الفكر والراي" هم وزراء سابقون في بلدانهم ومنهم مدراء في المخابرات او موظفون في الانظمة العربية القائمة وشخصيات عديدة لا ناقة لها ولا جمل لا في الفكر القومي ولا في العمل القومي. يكفي أن نذكر هنا أن المؤتمر عقد جلساته في نادي ضباط الشرطة في صنعاء. في الوقت الذي تقوم به هذه الشرطة بقمع كل صوت معارض للسياسة التي يقودها الرئيس اليمني علي عبدالله الصالح المؤيدة للغرب. ومن هذا المنطلق جاء توجيه الشكر لليمن حكومة وشعبا على إستضافة المؤتمر ووصف "الوحدة اليمنية" بالانجاز القومي البارز مع انه لم يكن سوى احتلال والحاق اليمن الجنوبي بعد تصفية النظام الاكثر قومية هناك وجر اليمن "الموحد" للتحالف مع أمريكا.
أما انتخاب "المفكر العربي" عضو الكنيست السابق الدكتور عزمي بشارة رئيسا لهذه الدورة وبالاجماع فهو قصة في حد ذاته. عزمي بشارة يقود اليوم ما يسميه" تجديد القومية العربية" وملخص مشروعه التجديدي هو جعل القومية العربية قومية واقعية ذات بعد ليبرالي على الطريقة الغربية. فالقومية العربية قبل مجيء المفكر عزمي بشارة كانت بالاساس قومية عدمية ذات ملامح استبدادية وجاء هو لينزلها الى ارض الواقع ويضخ بها الروح الديموقراطية. وهذا يعني من ضمن ما يعنيه القبول بالكيان الصهيوني كحقيقة واقعة في فلسطين وجل ما يمكن فعله في هذا المجال هو تحويل دولة اسرائيل الى دولة كل مواطنيها من خلال اقامة دولة ثنائية القومية. عزمي بشارة الذي اقسم يمين الولاء في الكنيست الاسرائيلي اربعة مرات ورشح نفسه يوما لرئاسة حكومتها يعين اليوم رئيسا بالاجماع لدورة المؤتمر وهذا بحد ذاته مؤشر الى أن الحركة القومية العربية مستعدة لضم دولة اسرائيل الى أحضانها. فقط بهذه الطريقة تعبر القومية العربية على انها اصبحت واقعية. لذلك ليس من الغريب أن يتباكى البيان الختامي للمؤتمر على الوضع الماساوي في غزة ويطالب برفع الحصار الظالم عنها، ولكنه يتجاهل الكلام عن ضرورة تحرير جزء لا يتجزء من جسد الامة العربية يرزح تحت احتلال استيطاني منذ 60 سنة.
من خلال تعينه رئيسا للدورة الاخيرة فرض عزمي بشارة رؤيته التجديدية للقومية العربية والتي يحاول أن يطبقها هنا على ارض الواقع من خلال الشعار الاساسي لحزبه: "هوية قومية ومواطنة كاملة". وهذا يعني تشويه وتقزيم الهوية لكي يتم استيعابها في اطار المواطنة الكاملة. كما يقول المثل الصيني: "قص القدم لكي تتلاءم مع الحذاء". وانا لا الوم سكرتير عام حزب التجمع الوطني الديموقراطين عوض عبد الفتاح إذ يطير فرحا بهذا التعيين في المقالة التي نشرها بعنوان: "عزمي بشارة من الغيتو الى الوطن العربي"
السؤال الذي يطرح نفسه هنا وينتظر اجابة صريحة وجريئة هو: هل قام هذا الغيتو بتصدير عزمي بشارة للوطن العربي من اجل تحديثه؟

Tuesday, May 20, 2008

هل أصبحت الخيانة وجهة نظر؟



عندما كنت صغيرا كنت مولعا بمشاهدة افلام رعاة البقر الامريكية، هذه الافلام الرديئة التي تصور بطولة المستعمرين البيض مقابل همجية الهنود الحمر. في ذلك الوقت لم أكن ادرك البعد السياسي لهذه الافلام الهابطة. كنت كغيري من الشباب مشدودا الى صورة البطل الذي يطلق النار من مسدسه بسرعة ويصيب دائما الرجل الشرير. ما زال عالقا في ذهني قصة احد هذه الافلام: زعيم عصابة من قطاع الطرق يقرر ان يسطو مع عصابته على بنك مركزي في أحدى البلدات سمع انه يحتوي على كميات كبيرة من سبائك الذهب. عندما هاجم البنك، نزل الى السراديب بحثا عن الذهب، أخذ يكسر الاقفال الحديدية ويفتح الابواب الواحد تلو الآخر. وكم كانت مفاجأته كبيرة عندما لم يجد اثرا للذهب وبدل ذلك كانت السراديب مكتظة بالمساجين حيث حولت الحكومة من حيث لا يعلم البنك الى سجن زجت به مئات المتمردين. وهكذا من غير قصد يطلق سراحهم. وتبدأ الشرطة والجيش بمطاردة العصابة التي انضم اليها بعض المتمردين المحررين، ويضطر رئيس العصابة مواجهة الشرطة والجيش لكي ينقذ نفسه وعصابته. وهكذا وجد نفسه بين ليلة وضحاها بطلا قوميا ثوريا.
اسرد هذه المقدمة لأبين ان السلطة الغبية المتعنتة في كل مكان قد تزود بعض الناس بقناع من الوطنية المزيفة وتفرض عليهم رغم انوفهم صورة بعيدة كل البعد عن حقيقتهم. دولة اسرائيل هي احدى هذه السلطات الغبية المتعنتة. ومن شدة غبائها (وقد يقول البعض بل من شدة ذكائها) ومن شدة عنصريتها تضفي حتى على بعض المتعاونين صفة الوطنية التي هي بريئة منهم كل البراءة.
خذوا مثلا موقف وسائل الاعلام العربية التي كالت في الفترة الاخيرة المديح للوزير العربي في الحكومة، وزير التعليم والثقافة والرياضة، غالب مجادلة على موقفه وانتقاده لتصرفات جمهور فريق بيتار القدس ومطالبته بمعاقبة هذا الفريق، وكيف تعرض للإهانة أثناء توزيع الميداليات للاعبين بعد فوزهم بكأس الدولة. للوهلة الاولى يبدو وكأن وسائل الاعلام هذه قد نسيت أو تناست أنه وزير في حكومة عنصرية ترتكب المجازر اليومية في حق الشعب الفلسطيني، وكأنه أصبح يمثل المسحوقين من الطرف الآخر. ولكن الوزير قد ابتلع هذه الاهانات وإستمر في تأدية دوره.
وهناك العديد من زعامتنا "الوطنية" من أعضاء كنيست عرب الى رؤساء مجالس محلية ومؤسسات "وطنية" يقومون هم الآخرين بتأدية دورهم على أحسن وجه. فالمؤسسات الحكومية الرسمية تعاملهم بإستعلاء وعجرفة وعنصرية مما يغطيهم بعباءة الوطنية ويضفي عليهم صبغة المعارضين المبدئيين لهذه الحكومة ولسياستها وتقوم الجماهير بمنحهم الدعم والتاييد. ولكنهم في نهاية المطاف يبتلعون هم الآخرين الاهانات المستمرة والمتكررة يصححون مسارهم ويمشون بالركب مع التيار.
الاسلوب نفسه تستعمله إسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وبصورة أعنف وأقسى وليس فقط إتجاه من تسميهم إرهابيين ومتطرفين بل ايضا مع المعتدلين والمتعاونين. فهي تعامل هؤلاء بصلافة وأحتقار وتذلهم بمناسبة ومن غير مناسبة، حيث تقتحم المكان الذي تريده متى تشاء ولو كان هذا المكان وراء شرفة رئيس السلطة الفلسطينية، وتحتجز الوزير على الحواجز كما تحتجز المواطن العادي. هذا الامر يبقي بعض القناع الوطني على وجوه أعتى المتعاونين مع الاحتلال. ودائما يجدون من يدافعون عنهم: كلنا نرزح تحت نير الاحتلال، ما في أحد افضل من أحد.
ولكن في اليوم التالي يبتلع هؤلاء هم أيضا الاهانات المتكررة ويلتقون مع المحتلين للمزيد من التنسيق الامني والترتيبات ، او لمزيد من المفاوضات الفريدة من نوعها.
نعم، اسرائيل تساهم مساهمة فعالة من حيث تدري ام لا تدري، بغباء أو عن خبث في خلق الزعامة الفلسطينية على الصعيدين المحلي والقطري. وهي في الحقيقة تفضل الزعامات التي تحتج على الاذلال والاهانات وتكتسب بعض التأييد والمصداقية من قبل الجماهير ولكنها تعود في نهاية المطاف وتسير مع التيار على الزعامات المتعاونة بشكل مباشر ومكشوف ولكنها تعود وتتقبل الاهانات بخنوع حتى تظن البصاق رذاذا او قطرات من الندى. وأنا هنا أخاطر بالقول، وأترك لكل واحد من القراء أن يقرر اذا كان في كلامي بعض الصحة أم لا: أن أعضاء الكنيست العرب المنتمين للأحزاب العربية يخدمون، في نهاية المطاف، السياسة العامة للدولة افضل بما لا يقاس من زملائهم المنتمين للأحزاب الصهيونية. وأن الفلسطينيين الذين يتبؤون مراكزا قيادية في السلطة ويؤمنون أن اسرائيل سوف تقدم لهم سلام الشجعان اذا ما ثابروا على المفاوضات الابدية يخدمون الاحتلال بما لا يقاس افضل من المتعاونين المكشوفين.
نعم، ما كنا نخشاه قد اصبح واقعا، لقد اصبحت الخيانة وجهة نظر، بل أكثر من ذلك أصبحت عند البعض وسام شرف.

Wednesday, May 14, 2008

الدولة الديموقراطية العلمانية- برنامج نضالي أم شكل جديد لتسوية تصفوية؟


كميات هائلة من المداد سكبت في الآونة الاخيرة على الاوراق تطرح وتنظر وتدعو الى إقامة "دولة ديموقراطية علمانية" كحل للصراع الفلسطيني (العربي) الاسرائيلي، كبديل لحل "الدولتين لشعبين" ذلك الحل "السهل الممتنع" الذي تتبناه منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل (اتفاقيات اوسلو) والدول العربية ( مبادرة السلام العربية) والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي أو ما يسمى بإختصار المجتمع الدولي، والذي وصل الى طريق مسدود حتى بإعتراف جهات مركزية من المطالبين به. هذا بالاضافة للمؤتمرات واللقاءات والنقاشات التي تكاد لا تحصى والمنتشرة في شتى أنحاء العالم.
ينضم الى هذه الجوقة الغريبة العجيبة في تركيبها وطرحها رفاقنا في حركة أبناء اللبلد الذين يستعدون لأن يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع في مؤتمر حيفا "لأجل حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" والمزمع عقده في 20-21 حزيران 2008.
وبذلك تتسع صفوف المنادين بهذا الحل وتتنوع مشاربهم الفكرية والتنظيمية. فهي تشمل الآن حركات سياسية، جمعيات مدنية، شخصيات أكاديمية مستقلة وغير مستقلة، حتى اصبح شعار "الدولة الديموقراطية العلمانية" وخلال فترة وجيزة يفوق شعار "الدولتين لشعبين" من حيث الابتذال والقولبة.
وبما انني كنت في فترة من الفترات من بين الذين نادوا بمثل هذا الحل، وبعدما أدركت هذا الكم الهائل من التحريف والانتهازية على الصعيدين النظري والعملي، ارى من الواجب أن اقوم بنقد ذاتي من جهة ونقد أولي للافكار المطروحة في هذا السياق.
كما ذكرت سابقا، هذه الجوقة غريبة في تركيبتها غير متجانسة في طرحها ولكنها تتفق على خطوط عامة توحدها وحسب رأيي هذه الخطوط العامة هي الحاسمة بينما الاختلافات شكلية، ثانوية وهامشية.
في نهاية السنة الماضية عقد في لندن مؤتمر نظمته مجموعة من الاسرائليين والفلسطينيين تطلق على نفسها "مجموعة لندن للدولة الواحدة" (The London One State group) تحت إسم "تحدي الحدود: ولة واحدة في إسرائيل/فلسطين" حاز على نوع من الترويج شارك فيه عدد من الاكاديميين العرب واليهود والاجانب اذكر منهم مدير مركز مدى الكرمل نديم روحانا، مدير مركز ابن خلدون أسعد غانم، المؤرخ إلان بابي ونور مصالحة بالاضافة الى عمر برغوثي وغادة كرمي وآخرون. أصدر هذا المؤتمر في نهاية أعماله بيانا بمناسبة 60 عاما على قرار التقسيم، يقول فيه: "أن حل الدولتين قد فشل لإحقاق العدالة والسلام للشعبين الفلسطيني واليهودي الاسرائيلي لأنه يتجاهل الواقع ولا يقدم حلا لجميع المشاكل"، الخ. ويدعو الى اقامة دولة واحدة على أساس أن فلسطين التاريخية هي ملك لكل من يعيش فيها والاعتراف بشخصية المجتمع التعددية بالاضافة الى الشعارات المعروفة حول حق العودة والمساواة الخ. ومن يقرأ هذا الاعلان كاملا يلمس روح "الدولة ثنائية القومية" التي يروج لها روحانا وغانم ( وثيقة حيفا على سبيل المثال).
متشجعة من نجاح هذا المؤتمر، تحضر المجموعة نفسها لمؤتمر جديد يعقد في احدى الجامعات الانجليزية الشهر القادم، مرة أخرى بمشاركة الان بابي ونور مصالحة وغادة كرمي وسمدار لافي.
هذه المجموعة ليست الوحيدة الناشطة في هذا المجال بل يوجد هناك مجموعات أخرى عديدة. ما يهمنا هنا تلك المعدودة على اليسار الفلسطيني والتي تعتبر نفسها بشكل أو بآخر امتدادا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أذكر منها: أجراس العودة، ناطرينكم، وبعض الناشطين الفلسطينيين مثل أحمد قطامش وعادل سمارة. هؤلاء طبعا (بصفتهم أكثر راديكالية) لا يتكلمون عن دولة ثنائية القومية على غرار روحانا- غانم ولا عن دولة لكل مواطنيها على غرار "المفكر القومي" عزمي بشارة بل عن دولة ديموقراطية علمانية "صرف" في فلسطين التاريخية. ولكن نظرة أخرى على أطروحات هذه المجموعة تشير الى عدم وجود فوارق جوهرية مع الباقين. وهنا أكتفي بذكر ثلاثة ملاحظات انتقادية حول هذه الاطروحات:
1) تغييب طبيعة الكيان الصهيوني الكولونيالية العنصرية: بالرغم من الاعتراف بتاريخه الكولونيالي، الا انه كما يبدو، مع الوقت نال نوعا من الشرعية، حيث أصبح يمثل شعبا يعيش في هذه البلاد، وكأن المطلوب هو تحويل الدولة القائمة، بقدرة قادر، حتى تصبح دولة ديموقراطية علمانية بالفعل.
2) تغييب حقيقة أن فلسطين واقعة منذ 60 عاما تحت الاحتلال، وبالتالي تغييب مفهوم التحرير. حيث ان التحرير يجب أن يكون في صلب البرنامج الوطني لكل شعب يرزح تحت نير الاحتلال الاجنبي. وكل كلام حول حل ديموقراطي أو علماني بمعزل عن الحل الثوري التحرري لن يكون سوى شكل آخر من أشكال التفريط. من الواضح أن الكلام المبالغ فيه من جهة والمجرد من جهة أخرى عن الديموقراطية والعلمانية جاء ليغطي على الانسحاب من مشروع تحرير فلسطين كاملة من الاحتلال الكولونيالي.
3) ما عدا الشعار الكلامي " دولة ديموقراطية علمانية" لا يوجد اي اشارة الى جوهر هذه الدولة المقترحة من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هل هذه الدولة ستكون رأسمالية أم إشتراكية؟ وما علاقتها بمحيطها العربي؟ وما هو موقفها ودورها في الصراع الدائر على الصعيد العالمي، هل ستكون حيادية أم معادية للإمبريالية؟
حسب ما قرأته من افكار صادرة عن هذه المجموعات تستطيع إسرائيل وبكل سهولة أن تدعي انها دولة ديموقراطية علمانية. وكما قال أحد الصحفيين الاسرائيليين معلقا على مؤتمر لندن:"أن المطالبة بدولة واحدة تعيد الى الاذهان فكرة "اسرائيل الكبرى" التي تخلى عنها اليمين الصهيوني مؤخرا بعد أن عجز عن تحقيقها".
قبل أن نطرح شعار " دولة ديموقراطية علمانية" يجب إعادة تعريف هذه المصطلحات الثلاثة. ما هي الدولة؟ وهل يوجد أصلا ضرورة لوجودها؟ وهل ينبغي أن تكون على رأس سلم اولوياتنا؟ ما هي الديموقراطية؟ وعن اية ديموقراطية نتحدث؟ وماذا نعني بالعلمانية؟ هل هي علمانية أتاتورك؟ أم علمانية شيراك وسراكوزي؟ سوف أتناول الاجابة عن هذه الاسئلة المفصلية مستقبلا وبكل جرأة وصراحة.
قبل الانزلاق الى متاهات الانتهازية والتفريط التي لا رجعة منها، أنصح الجميع من ذوي النوايا الحسنة الى دراسة افكارهم مرة أخرى وإعادة النظر بخطواتهم.


مثلث المقاومة غزة - بيروت - بغداد ينتصر على المشروع الامريكي - الصهيوني



أحداث بيروت الاخيرة تعيد الى أذهاننا بقوة ما حدث في قطاع غزة في حزيران الماضي. خلال ساعات قليلة استطاعت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله تطهير بيروت ومناطق أخرى من لبنان من عناصر المرتزقة التي رعتها الولايات المتحدة واسرائيل منذ سنوات وقامت بإعدادها لكي تستطيع القيام بدورها في خدمة المشروع الامريكي – الاسرائيلي في المنطقة.
لم تكن قوات جنبلاط – الحريري في لبنان بإحسن حالا من قوات دحلان – عباس في غزة. هذه القوات هزمت بسهولة فاجأت حتى الذين راهنوا عليها، ليس فقط بسبب فساد قيادتها وإنعدام الدافع الوطني الحقيقي في نشاطها، بل في الاساس لأن الجماهير الشعبية الفلسطينية واللبنانية ترفض وتمقت المشاريع الامريكية والاسرائيلية وهي مستعدة لتقديم التضحيات الجسيمة في محاربتها حتى دحرها نهائيا.
هذا الواقع تعرفه المخابرات الامريكية والاسرائيلية نفسها، وطالما حذرت قياداتها منه. هذا الواقع الذي يقول: إذا اردت لأحد الزعماء أن يفلس سياسيا ووطنيا ويلقى به عاجلا ام آجلا الى مزبلة التاريخ، يكفي أن تعلن أمريكا واسرائيل عن دعمها له.
هذا ما صرح به مؤخرا الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الاسرائيلية، اهارون زئيفي عندما قال: "لقد نصحنا المخابرات الامريكية عدم الاعتماد على جنبلاط- الحريري – جعجع لأننا جربناهم في تموز 2006 ولم يتبين أن لديهم الجرأة أو القدرة على مواجهة حزب الله، الآن خرج كل عملاء المخابرات من بيروت وضاعت جهود دولية وعربية استمرت 3 سنوات من العمل". وهذا يعيد الى اذهاننا توسلات الاشخاص الذين يحيطون بمحمود عباس مطالبين اسرائيل بالكف عن التصريحات التي تشير الى دعمه لأنها تعود عليه بالضرر. وكذلك تحذيرات العديدين من الاسرائليين لحكومتهم بألا تصرح علنا عن دعمها للسلطة الفلسطينية ولحكومة فياض اللاشرعية.
ستون عاما، هي تاريخ النكبة الفلسطينية، كانت كافية لشعوب المنطقة لأن تعرف السياسة الامريكية- الاسرائيلية على حقيقتها. لا يعد بالامكان خداع هذه الشعوب بالكلام المعسول عن الديموقراطية والسلام. وحتى ليس بصرف ملايين الدولارات على بعض المنتفعين.
اننا امام مثلث من المقاومة تمتد أضلاعه بين غزة وبيروت وبغداد بينما تشكل قاعدته الجماهير الغفيرة من الشعوب العربية من المحيط الى الخليج. هذا المثلث يقول لأمريكا بكل بساطة إن ما تسمينه "الحرب على الارهاب العالمي" هو نفسه الارهاب، هو حرب إمبريالية مكشوفة هدفها استعباد الشعوب ونهب خيراتها وحماية ربيبتها اسرائيل. لم يعد هناك أحد في العالم يتمتع بقليل من الموضوعية والنزاهة يصدق الكلام حول نشر الديموقراطية والسعي وراء السلام ومساعدة الشعوب الفقيرة وغيرها من الخدع.
من أجل إحكام سيطرتها على العراق قامت أمريكا بتدمير هذا البلد العربي ذي التاريخ والحضارة العريقتين وإحتلاله. ولم تكتف بذلك، بل قامت بتأجيج الصراعات العرقية والطائفية لتمزيق الشعب العراقي من الداخل وأستفردت ببعض العملاء وقلدتهم مناصب حكم وهمية. الا أن المقاومة العراقية الباسلة تلقن هؤلاء المحتلين وعملائهم دروسا لا يمكن نسيانها كل يوم وتزجرهم في منطقة ضيقة من بغداد حيث يعيشون في رعب دائم. لم تعد مسألة دحر هؤلاء المحتلين وترحيلهم عن العراق سوى مسألة وقت ليس إلا.
الامر نفسه يحاولون صنعه في لبنان حيث يعملون كل ما يستطيعونه لتفجير فتنة طائفية ويصورون الصراع وكأنه بين طائفة شيعية مدعومة من سوريا وأيران وبين طائفة سنية مهددة بالقتل. وتقوم بعض الانظمة العربية الرجعية وابواق دعايتها بالترويج لهذه الفرية الامريكية. غير أن الجميع يعرف أن الصراع في لبنان سياسي. في لبنان وكما في فلسطين الصراع بين تيارين متناقضين: تيار المقاومة الرافض للهيمنة الامريكية – الاسرائلية على المنطقة وتيار الخضوع لهذه الهيمنة.
قبل حوالي السنة حاولوا أن يلعبوا اللعبة نفسها في قطاع غزة. ولكن بما أن الشعب الفلسطيني ينتمي للطائفة السنية من حيث الاساس والكلام عن صراع شيعي سني غير وارد في هذه الحالة فقد استعاضوا عنها بالكلام عن الصراع بين حركات اسلامية ظلامية متطرفة مدعومة من ايران مقابل معتدلين علمانيين ومتنورين يجنحون الى السلام.
الاكاذيب وتزييف الحقائق لا تغير من الواقع شيئا. هذا الواقع الذي يؤكد أن المحور الامريكي – الاسرائيلي يتلقى الهزائم المتتالية، أمريكا تفقد مواقعها في العراق اسرائيل ما زالت تلعق هزيمتها في لبنان وفشلها في غزة. هذا الواقع يؤكد ايضا أن المقاومة تنتشر ويشتد عودها في كل مكان وتحظى بإلتفاف جماهيري حولها.
الشعوب تتوق للحرية والاستقلال ولن توقفها جيوش الاحتلال والاستعمار مهما كانت مدججة بالسلاح.

Friday, May 09, 2008

الفرسان الثلاثة والسباق نحو الهاوية



من منا لم يقرأ رواية الفرسان الثلاثة الشهيرة للكاتب الفرنسي الكبير الكسندر دوما الاب؟ أو لم ير أحد الافلام أو المسلسلات او افلام الصور المتحركة المأخوذة عن هذه القصة المملوءة بالمغامرات الشائقة البطولية والعاطفية والمكائد السياسية؟ من لم يتمتع بمغامرات دارتانيان وأراميس وبورتس؟
يبدو أن لكل عصر فرسانه. حيث لا يتغير الفرسان فحسب بل تتغير معهم ايضا أخلاقهم وقيمهم ومغامراتهم، فليس من الغريب أن تصبح الفضيلة رذيلة وتتحول المغامرة العاطفية الى دعارة وتصبح المواقف النبيلة مرتعا للأنذال يمارسون فيه مؤامراتهم على اهوائهم. ولكن ما العمل؟ نستمر في تسميتهم فرسانا وناتبع مغامراتهم، ولكن في هذه الايام على القنوات الفضائية وعلى الشبكة العنكبوتية.
فرسان هذا العصر الثلاثة الذين يلعبون الدور الرئيسي في منطقتنا هم من غير منازع: جورج بوش الابن، ايهود اولمرت ومحمود عباس.
الفارس الاول، جورج بوش ملأ العالم بمغمراته الشائقة، حيث تكاد يده الطويلة أن تصل الى كل زاوية في العالم . بحجة شن الحرب على الارهاب العالمي، جمع حوله بعض الفرسان المرتزقة الصغار وقام بإحتلال افغانستان عقابا للإرهابيين، ومن ثم إحتل ودمر لعراق، باحثا عن اسلحة الدمار الشامل ولكنه في الحقيقة باحثا عن الكنوز المدفونة في جوف هذا البلد العربي الاصيل. وفي الوقت نفسه يعبث في فلسطين ولبنان والصومال والسودان، وأصلا، اين لا؟ لو لم تكن مغامرات هذا الفارس مأساوية تكلف شعوب العالم ارواح الآلاف من أبنائها وتعيث دمارا وفسادا اينما حلت، لكانت مغامرات فكاهية ممتعة.
لا يوجد ضرورة هنا للتوسع في سرد مغامرات الفارس بوش الابن فهي معروفة للجميع. مغامرته الاخيرة سوف تكون زيارة منطقتنا قريبا ليشارك فارس آخر هو ايهود اولمرت افراحه في عيد استقلاله وربما ليشاركه ايضا اتراحه نتيجة مغامرته التي سنتكلم عنها بعد قليل. يكفي أن نذكر هنا أن مغامراته قد أزفت على الانتهاء. حيث سيغادر دوره في نهاية هذا العام ولا أظن أن أحدا سوف يشتاق اليه اللهم سوى زميلية في الفروسية. لقد ترك بوش الابن امريكا والعالم اسوأ مما كان عليه قبل مجيئه. فالحروبات التي شنها والنزاعات التي اثارها ما زالت مستشرية تحصد الضحايا في شتى انحاء العالم. بينما ترك الازمات الاقتصادية تعصف ببلاده وتهدد بانهيارها التام. حيث زاد المشردون الذين لا يملكون بيوتا تأويهم عددا وتفاقمت البطالة وتصاعدت الجريمة.

الفارس الظريف الثاني كما اسلفنا هو أيهود اولمرت، رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يخوض حاليا مغامرته الاخيرة والتي كما يتفق جميع المراقبين سوف تجيب اجله. وكما يقول مثلنا الشعبي: لا تسلم الجرة كل مرة. لقد نجا اولمرت حتى الآن من ستة او سبعة مغامرات فسادية وكان كل مرة يتخلص منها مثل الشعرة من العجين. ولسان حاله يقول: هكذا يكون الفارس أو عمره لا يكون. بل ونجا ايضا من أول هزيمة عسكرية تتكبدها اسرائيل في تاريخها. حيث أنقذته لجنة فينوجراد من نهاية تعيسة لم يحلم بها حتى في أحلام يقظته. بصفته فارس لبق وذكي تعلم ايضا كيف ينجو من مغامراته، فوجد طريقة سهلا جدا، وهي طريق الرشوات. والرشوات لمن لا يعرف، طريق ذات إتجاهين. خذ وهات. فهو لم يتلق الرشوات فحسب بل أعطاها ايضا. حيث اعطى المقربين اليه وظائف هامة، حتى انه أختار أعضاء الكنيست في حزبه بنفسه واختار الوزراء. فعندما يساعدوه في التملص من مغامراته هذه فهم يردون له بعض الجميل.
المغامرة القديمة الجديدة الاخيرة لم تأت من فراغ فهناك العديد من الذين يقفون له بالمرصاد وهم الذين سربوا الاخبار في هذا الوقت بالذات بالرغم من قرار منع النشر حول حيثيات هذه القضية. ايهود اولمرت هو الآخر يسير بخطى حثيثة نحو الهاوية، المسالة مسألة وقت ليس أكثر، ووقت ليس بطويل على كل حال. مثله مثل الفارس الاول هو ايضا ترك البلاد والعالم أسوأ مما كانا عليه قبل مجيئة. الجرائم التي اقترفها في فترة حكمه سوف تبقى وصمة عار على جبينه مدى التاريخ. هل سيشتاق اليه أحد؟
الفارس الثالث، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ذو الشخصية التراجيكوميدية. فهو من المفروض أن يمثل شعبا مظلوما مشردا سلبت اراضية ودمرت بيوته، ولكنه في الوقت نفسه يتوق الى معاشرة الفارسيين الآخرين ويشاركهما مغامراتهما. مغامرات عباس هي أيضا لو لم تكن مأساوية تستنزف الشعب الفلسطيني لكانت على غاية من الطرافة. قبل مجيئه الى "السلطة" وتسمى كذلك مجاز،ا كان شعار الفلسطيني: قاوم قاوم، فقام بتحويله الى: فاوض فاوض. مما لا شك فيه أن المفاوضات في السياسة امر مشروع وفي بعض الاحيان لا بد منه. ولكن مثل هذه المفاوضات لم أصادف لا في كتب التاريخ ولا في كتب السياسة. يفاوض من أجل وقف الاستيطان فيزداد الاستيطان انتشارا، يفاوض على وضع القدس فتزداد القدس تهويدا، يفاوض على تهدئة على الاقل في الضفة الغربية حيث ما زالت سلطته قائمة فيرد الفارس الثاني الذي يفاوضه بإجتياح نابلس او رام الله او الخليل. الجميع يعرف أن هذه المفاوضات عقيمة وعبثية ولكن فارسنا يؤمن بضرورة الاستمرار في المفاوضات في كل الحالات وتحت كل الظروف. المهزلة الاخيرة تقول بأنه لن يقابل "مؤقتا" أي زعيم يأتي الى اسرائيل لمشاركتها إحتفالها بالاستقلال، وهو نفسه يلتقي بالفارس الثاني أولمرت يوما قبل هذه الاحتفالات. وطبعا سوف يستثني بوش الذي سيحل ضيفا عليهما قريبا.
نعم سيجتمع الفرسان الثلاثة قريبا وربما يكون هذا هو اللقاء الاخير، وعلى الارجح سوف يخرجون الى العالم بالتصريح التالي: سوف نتوصل الى إتفاقية سلام في نهاية السنة عندما تنتهي فترة حكمنا. ولكنهم سوف ينسوا أن يقولوا انهم يقصدون إتفاقية سلام فيما بينهم عندما يتدحرجون نحو الهاوية.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, May 07, 2008


الذكرى الستون لنكبة الشعب الفلسطيني
من كثرة الطباخين شاطت الطبخة

في هذه الايام أصبح الجميع من أنصار حق العودة. يتسابقون لإحياء الذكرى الستين لنكبة الشعب الفلسطيني. حتى أن بعض المسؤولين الذين صرحوا بالماضي عن استعدادهم للتخلي عن حق العودة وأنخرطوا في مفاوضات وتسويات تؤدي في نهاية المطاف الى التضحية بهذا الحق، نراهم اليوم يصححون من مسارهم ويسيرون مع التيار. حتى إختلط الحابل بالنابل ولم نعد نميز بين الغث والسمين، بين المخلص والمنافق.
مركز العودة، مركز بديل، مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني (شمل)، تحالف حق العودة الى فلسطين، عائدون، الهيئة الفلسطينية لحماية حقووق اللاجئين، لقاء حق العودة ، اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة، اللجنة العربية الدولية لإحياء الذكرى ال60 لنكبة إحتلال فلسطين، لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين في اسرائيل، لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل، هذه هي فقط قائمة جزئية للتنظيمات واللجان الناشطة في هذه الايام لإحياء ذكرى النكبة والتي تدعو الى التمسك بحق العودة للاجئين والمهجرين الى ديارهم التي هجروا منها قسرا.

هل نحن أمام ظاهرة جديدة؟ هل بدأت أجراس العودة تقرع أخيرا؟ هل هذ صوت فيروز يصدح في وديان وسهول فلسطين؟ أم هل يا ترى ما نسمعه من بعيد هو صوت نزار قباني يقول ساخرا: عفوا فيروز أقاطعك ... أجراس العودة لن تقرع ... خازوق دق بأسفلنا من شرم الشيخ الى سعسع... الى آخر القصيدة.
هل كثرة اللجان وكثرة النشاطات والخطابات الملتهبة والشعارات الرنانة تشير الى قرب العودة؟ أم كما يقول شكسبير: ضجة كبيرة بدون طحن؟ Much ado about nothing؟
في الذكرى الستين، صرحت احدى اللجان بانها تقوم بخياطة أكبر علم فلسطيني لكي يدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية العالمية. بينما أعلنت لجنة أخرى بانها سوف تبني في مخيم عايدة بوابة تحمل أكبر مفتاح في العالم ليدخل هو الآخر الى موسوعة غينيس. أحد المسؤولين في السلطة الفلسطينية التي تتبع سياسة " شيء قابل للتفاوض"، يدعو الى غزو إسرائيل برا وجوا وبحرا بجحافل اللاجئين لتنفيذ قرار الامم المتحدة 194 بطريقة سلمية وما علينا الا أن نسير رافعين أعلام الامم المتحدة حتى تفتح لنا لإسرائيل لنا الحدود وتقول: تفضلوا.
ونحن هنا في الداخل الفلسطيني مدعوين للمشاركة في مسيرة العودة الى بلدة صفورية المهجرة حيث تختتم المسيرة بمهرجان شعبي نستمع خلاله الى خطاب رئيس لجنة المتابعة ولجنة المهجرين وفقرات فنية ملتزمة ومن ثم يعود كل واحد الى بيته راضيا عن نفسه وعن يومه.
ولكن عفوا، ألم نكون في هذا الفلم من قبل؟ هل ما زال أحد منا يذكر الذكرى الخمسين للنكبة والتي اقيمت على اراضي بلدة صفورية المهجرة بالذات؟ الكلمات؟ الخطابات؟ الفقرات الفنية الملتزمة؟
نحن مهووسون بالارقام المدورة، الذكرى ال 50 والذكرى ال60 والذكرى ال100 الخ. ولكن ما هو التغيير النوعي، ما هو الجديد الذي يجلبه إحياء ذكرى النكبة ال60 عن الذكرى ال50 على الارض نفسها؟
عشرة سنوات، الا تستحق أن نعيد تقييم نشاطتنا وفعاليتنا وخطاباتنا وشعاراتنا؟ هل نحن اليوم أقرب الى العودة مما كنا عليه قبل عشرة سنوات؟ بماذا سيختلف خطاب رئيس لجنة المتابعة اليوم عن خطابة قبل عشرة سنوات في نفس المناسبة؟
يوم استقلالهم يوم نكبتنا، لا عودة عن حق العودة، لا بديل عن حق العودة، حسنا، حسنا، كفى، وماذا بعد؟ الا من محاولة مهما كانت بسيطة لترجمة هذه الشعارات الى عمل؟ الى ممارسة؟
اذا كانت جميع اللجان والتنظيمات الناشطة في هذا المجال، الفلسطينية منها والعربية، المحلية والقطرية مخلصة لما تقوله فلماذا لا تتحد حول عمل جبار واحد في هذه المناسبة؟. مثلا، اذا صحت المعلومات حول تنظيم مسيرة 100 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان تتجه نحو حدود فلسطين في 15 ايار، فلماذا لا نستقبلها بمسيرة 100 ألف فلسطيني من الداخل؟ لماذا لا نسمع عن أي تنسيق فيما بين هذه اللجان والتنظيمات؟ أم هل هذه ليست سوى فقاقيع صابون تستعمل لإستهلاك المحلي؟
لماذا لا نعيد تجربة سفينة العودة؟ لماذا لا نبدأ بدراسة سبل تحقيق حق العودة على أرض الواقع؟ بعض الاقتراحات التي صدرت عن أحد رجالات السلطة الفلسطينية، زياد ابو عين، حول تنفيذ قرار الامم المتحدة 194 جديرة بالمناقشة، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل طرحت هذه الاقتراحات من باب المزايدة ام من باب رفع العتب أم من باب العزف على وتر حساس من أجل رفع اسهم البعض؟
مبدئيا، تنفيذ حق العودة لن يتم الا بواسطة اللاجئين والمهجرين انفسهم. من خلال تحركهم الجماهيري الفعلي، من خلال تجاوزهم لمرحلة الشعارات والخطابات الى مرحلة الممارسة والعمل. لا يوجد هناك اي مؤسسة محلية كانت ام عالمية، تستطيع أن تقوم بهذا العمل بديلا عنهم وتقدم العودة على طبق من ذهب. مسيرة مئات الآلاف من اللاجئين نحو فلسطين ستكون محاولة جدية جديدة تلهب حماس الملايين على طريق تنفيذ حق العودة.
هنا في الداخل الفلسطيني، اقترحت منذ سنوات، أن تختتم مسيرة العودة ليس بمهرجان خطابي وبرنامج ترفيهي ( تسمى فقرات فنية ملتزمة) بل بعودة فعلية الى هذه القرية المهجرة من قبل اهلها والتفاف كافة الجماهير المشاركة حولهم من أجل حمايتهم والدفاع عن حقهم بالعودة الى ديارهم. ولكن حتى الآن يتجنب المسؤولون في لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين ولجنة المتابعة مناقشة مثل هذه الامكانية بشكل جدي.
لنجعل من الذكرى الستين للنكبة حافزا من أجل ايجاد مبادرات خلاقة لعودة اللاجئين والمهجرين.



Wednesday, April 30, 2008

صناعة الهولوكوست في إسرائيل



تحيي دولة إسرائيل في هذه الايام ما يسمى " يوم الذكرى للكارثة والبطولة" بطقوس رسمية تبدأ اليوم (الاربعاء) في متحف "يد وشم" بحضور رئيس الدولة ورئيس الحكومة حيث يذرفان دموع التماسيح على ضحايا النازيين من يهود أوروبا وتستمر غدا (الخميس). بمراسيم أخرى مثل صافرة صمت لمدة دقيقتين، إنزال العلم الى النصف، وكذلك برامج خاصة حول هذه المناسبة في المؤسسات التربوية والرسمية والتلفزيون والراديو وإغلاق الملاهي والمرافق الترفيهية.
من يرى هذه الاحتفالات ويستمع لخطابات السياسيين يظن للوهلة الاولى أن الدولة تقدس هذه الذكرى وتقدس ضحايا الجرائم النازية. ولكن نظرة أخرى الى الواقع تشير الى العكس من ذلك تماما. لنستمع الى صرخة إمرأة من ضحايا الهولوكوست والتي نجت من أحد معسكرات التركيز النازية وتناقلتها وسائل الاعلام الاسرائلية نفسها: " ألا يكفي اننا عشنا في أوشفيتس مثل الكلاب؟ انني أشعر بالذنب لأني بقيت على قيد الحياة"
لماذا تقول هذه السيدة هذه الكلمات شديدة اللهجة ولمن توجه صرختها المدوية هذه؟ هل هي إمرأة أخرى لاسامية تكره اليهود؟ كلا بالطبع بل هي يهودية ومن ضحايا النازية كما اسلفنا. انها توجه صرختها للمؤسسات الرسمية التي تنظم هذه الاحتفالات. ولماذا؟ لأنهم نهبوها وتركوها تعيش باقي حياتها في فقر ومذلة.
في تقرير رسمي نشرته إحدى الجمعيات التي تدافع عن ضحايا الهولوكوست يتضح أنه يعيش في اسرائيل 250 ألف من الناجين، يعيش ثلثهم تحت خط الفقر. وإن الدولة والبنوك قد استولوا على معظم اموال التعويضات التي دفعتها المانيا لهم.
أمور تكاد لا تصدق. البنوك الاسرائيلية ( بنك هبوعليم، ديسكونت، لئومي وغيرها) تحتجز مئات الملايين من الدولارات التي حولت من المانيا كتعويضات شخصية للمتضررين. قسم من هذه الاموال يشكل جزءا من المعاشات الفاحشة لمدراء هذه البنوك. منذ سنوات تماطل هذه البنوك في كشف المبالغ التي تحتجزها، وسلاح المماطلة في هذه الحالة هو سلاح فعال حيث يموت كل يوم 7 من الناجين وهذا يعني 7 أشخاص أقل سوف تدفع لهم التعويضات. الدولة هي ايضا شريكة في عملية النهب هذه حيث حولت مئات الملايين من هذه الدولارات الى مجالات أخرى وخصوصا الى مجالات عسكرية. دولة اسرائيل التي تعيش ماديا ومعنويا على الهولوكوست هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطلب من الناجين أن يثبتوا أن إعاقاتهم كانت بسبب معاناتهم في معسكرات التركيز. وحتى اليوم ترفض دولة اسرائيل الاعتراف بمكانة الناجين قانونيا. انها صناعة مخيفة، المخفي منها أعظم من الظاهر.
نورمان فينكلشتاينن وهو مفكر يهودي امريكي، وابن لأبويين نجيا من معسكرات الابادة النازية، أصدر كتابا يفضح بعض هذه المماسات، اسمه: " صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية" يتهم به التنظيمات اليهودية العالمية ودولة اسرائيل ألاستيلاء على معظم اموال التعويض من أجل زيادة ارباحها الفاحشة.
الصحفي الاسرائيلي يوسي غورفيتش يقول في احدى مقالاته أن معاملة ناجي الهولوكوست بهذه الطريقة المخزية ليست جديدة بل تعود الى السنوات الاولى من قيام الدولة حيث وقع دافيد بن غوريون في عام 1952 إتفاقا مع المانيا يتلقى بموجبه مساعدات منها لبناء الدولة وخصوصا من الناحية العسكرية بشرط أن يتخلى عن المطالبة بتعويضات خاصة للمتضررين.
ويضيف أن بن غوريون وباقي زعامة "اليشوف" كانوا يتعاملون مع الناجين بطريقة الاستعلاء والتعجرف ولم يخفوا سلوكهم هذا، خصوصا وان معظم الناجين لم يكونوا صهاينة وفضلوا البقاء في بلدانهم ورفضوا الانجرار وراء دعاية الحركة الصهيونية. خلال الحرب العالمية الثانية والفترة التي سبقتها، 10% من يهود اوروبا فقط إعتبروا انفسهم صهيونيين. لذلك قال بن غوريون: اذا كان الخيار بين انقاذ مليون طفل بشرط ان يهاجروا الى بريطانيا، وبين إنقاذ نصف مليون طفل فقط ولكن يهاجرون الى اسرائيل، لإخترت الخيار الثاني".
ولكن هذا لم يمنع اسرائيل من استغلال هؤلاء الناجين في عدة مجالات اخرى اهمها ابتزاز العالم وتبرير وجودها وجرائمها المستمرة منذ قيامها وحتى اليوم.
لقد استغلت الحركة الصهيونية الجرائم النازية لكي تبتز الضمير العالمي وخصوصا الاوروبي من أجل الحصول على دعمها لأقامة كيانها، بعد أن نصبت نفسها وريثا ليهود اوروبا، الذين نبذوا ايديولوجيتها ورفضوا الهجرة الى فلسطين.
بمفارقة صارخة وتناقض مباشر مع سلوكها جعلت من الهولوكوست حدثا فريدا من نوعه وبنت حوله هالة من القدسية حتى اصبح مقتل عشرات الملايين من الشعوب الاخرى في الحرب العالمية الثانية امرا عاديا يكاد أن يكون تافها. وفي الوقت نفسه كانت تنظر نظرة إزدراء لهؤلاء الناجين وتعاملهم بإهمال وإستعلاء وتتهمهم بالذهاب الى المحرقة كالنعاج بدون مقاومة وكأن الصهاينة هم الوحيدين الذين يجسدون "اليهودي الجديد" المحارب والمستقل. مع أن الحركة الصهيونية لم تقم بأي دور ذي اهمية في مقاومة النازية والفاشية في اوروبا. ولكن هذا موضوع آخر.
في هذه الاثناء بينما يستمر عرض مسرحية "ذكرى البطولة والكارثة" يواصل العديد من الناجين مظاهراتهم واحتجاجاتهم ضد هذا النفاق الرسمي ومن أجل إعادة الاموال المسلوبة بإسمهم ويصرخون: لقد أذللنا وداسوا على كرامتنا.
نعم، دولة إسرايل هي آخر من يستحق شرف ذكرى ضحايا النازية.

Tuesday, April 29, 2008

عن أي إستقلال يتكلمون؟



يحكى أن ناسكا هنديا رزق بطفل فبكى. فسأله أهله مستغربين: الاحرى بك أن تفرح وتحتفل فلماذا تبكي؟ فقال لهم: اليوم مات.
يخلق الانسان وهو يحمل عنصر موته في داخله ولا يستطيع أن يهرب أو يتخلص منه. كذلك الدول تولد وعنصر فنائها في صلبها ولا تستطيع الخلاص منه. دولة اسرائيل ليست استثناء بل هي تأكيد لهذه القاعدة. قبل 60 عاما ولدت دولة اسرائيل وقبل 60 عاما بدأت تموت. وها نحن نرى هذه الدولة تموت أمام أعيننا ليس من جراء حرب خارجية تشن عليها وليس من جراء استعمال اسلحة نووية او اسلحة دمار شامل ضدها ولا من جراء تسونامي مدمر أو هزة أرضية رهيبة. بل هي تموت لأنها منذ ولادتها حملت عناصر فنائها في أحشائها. واليوم هذه العناصر ستتفحل وتخطو بخطى سريعة نحو الانفجار.
لا يوجد هناك إستقلال ولا يحزنون. فالاستقلال هو تحرر شعب من نير إحتلال أجنبي. فأي شعب هذا الذي يحتفل بإستقلاله؟ واين الاحتلال الاجنبي الذي كان يربض تحت نيره؟ إن بناة هذه الدولة ليسوا أكثر من عصابات من الكولونياليين. وهم هم الاحتلال.
لقد أن الآوان أن نعيد تعريف بعض المفاهيم والمصطلحات وأولها مفهوم الاستقلال. ونتوقف عن تبني الشعارات الخاطئة والمضللة التي تدل على محدودية فهمنا للواقع. علينا أن نتوقف منذ الآن عن رفع شعار: "يوم إستقلالهم هو يوم نكبتنا" لأنه لا يوجد لديهم يوم استقلال. بل يوجد لديهم يوم إحتلال. هذا تشويه لمفهوم الاستقلال الذي يعبر عن التحرر وعن نضالات الشعوب ضد الظلم والعدوان، هذا إهانة لمفهوم الاستقلال كما تفهمه الشعوب وكما نص عليه إعلان الامم المتحدة حول منح الاستقلال للشعوب والبلدان المستعمرة. هم يستطيعون أن يطلقوا على يوم إحتلالهم ما يشاؤون من أسماء. ولكن ذلك لا يكفي لجعل ادعاءاتهم حقيقية. فالاحتلال يبقى الاحتلال بالرغم من كافة التسميات الجميلة. فقط نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر من نير هذا الاحتلال وفي حال تكلله بالنجاح يمكن أن يسمى إستقلالا وهذا حسب كافة المواثيق الدولية.
لقد قامت هذه الدولة منذ البداية على أسس عنصرية وتغذت من أيديولوجية عنصرية رجعية حتى قبل أن تبدأ بالغزو العملي لفلسطين وهي الايديولوجية الصهيونية.
قبل أن تمارس الصهيونية جرائمها على الشعب الفلسطيني إقترفت جرائم عديدة في حق يهود العالم أنفسهم.
لقد قامت الحركة الصهيونية على ثلاثة مبادئ عامة كلها خاطئة ومضللة تعبر عن مصالح فئة قليلة من الرأسماليين اليهود الذين كانوا جزء وفي خدمة النظام الاستعماري العالمي.
اولا) إعتبار يهود العالم شعبا واحدا لا تربطهم أي علاقة بالبلاد التي يسكنونها وبالشعوب التي يعيشون بينها. وهذا زعم واضح الكذب. فيهود فرنسا مثلا هم فرنسيين تماما كباقي الفرنسيين ومن يقول غير ذلك فهو عنصري (ولا سامي)، ويهود روسيا هم روس ويهود المغرب مغاربة ويهود اثيوبيا اثيوبيين وهكذا دواليك. لا يوجد هناك شعب يهودي عالمي. وهذا ما يقوله كل يهودي يحترم هويته الحضارية والثقافية وانتمائه الوطني.
ثانيا) إن كراهية اليهود (اللاسامية) هي صفة أبدية عند كافة الشعوب. وهذه الكراهية تشكل خطرا على أمن اليهودي اينما تواجد. هذا الادعاء هو أيضا خاطئ ومضلل. فاللاسامية ليست صفة ازلية مرافقة لجميع الشعوب. بل كانت وسيلة سياسية تستعملها الطبقات الرجعية في صراعها على السلطة في حقبات تاريخية محددة.
ثالثا) الحل الوحيد لإنقاذ "الشعب اليهودي العالمي" من براثن اللاسامية هو بناء الوطن القومي اليهودي.
وهذا ما عملت الحركة الصهيونية على تحقيقه على مدار أكثر من قرن، وكانت دولة اسرائيل هي نتاج هذا النشاط الصهيوني.
قيام دولة اسرائيل لم يكن يعني نكبة الشعب الفلسطيني، تشريده وإغتصاب ارضه وتدمير مجتمعه فحسب. بل كان يعني قبل ذلك نكبة المجتمعات اليهودية التي اقتلعت من ارضها وبيوتها في أرجاء عديدة من العالم. بواسطة اساطير حول شعب بلا ارض يعود الى ارض بلا شعب تم تدمير جاليات يهودية آمنة في اوروبا وافريقيا وآسيا.
عندما قامت الصهيونية السياسية في اروروبا كانت حركة هامشية بين اليهود انفسهم. وقد نبذهاغالبيتهم العظمى بل حاربوها ورؤوا بها حركة رجعية تتعاون مع الحركات الرجعية المحلية من أجل زعزعة احوالهم وإجبارهم على الرحيل. ورؤوا بالحركة الصهيونية واللاسامية وجهان لعملة واحدة. فالصهيوني يقول لليهودي: ارحل وطنك ليس هنا وشعبك ليس هنا. واللاسامي كان يقول لليهودي الشيء نفسه: ارحل، لا مكان لك هنا.
لظروف تاريخية ملموسة نجحت الحركة الصهيونية بتحقيق بعض مآربها وخصوصا بإقتلاع بعض الجاليات اليهودية وجلبها الى فلسطين وأقتلاع الشعب الفلسطيني وإحتلال أرضه وإقامة دولة إسبارطة الحديثة. ولكنها فشلت تاريخيا:
اولا: فشلت في ترحيل معظم اليهود الى فلسطين. فبعد قرن من التهجير استطاعت جلب 20% من يهود العالم فقط. واليهود الذين يهجرونها اليوم أكثر من القادمين اليها. وثانيا) فشلت في تصفية قضية الشعب الفلسطيني بالرغم من التشريد والدمار والقتل الذي لم يتوقف حتى يومنا هذا. ثالثا) بعد ستين عاما من قيام دولة اسرائيل المدججة بأحدث انواع السلاح فشلت بتحقيق الامن الذي وعدته للمهاجرين اليهود. المكان الوحيد غير الآمن لليهود اليوم هو فلسطين، لأنه لا يوجد أمن في ظل الاحتلال، أي إحتلال.
إن مصلحة الشعب الفلسطيني، ومصلحة الجماهير اليهودية ومصلحة كافة الشعوب المحبة للحرية والسلام هي أن تتخلص من هذا الكابوس الذي يسمى صهيونية وآله الحرب الوحشية التي صنعتها والتي تسمى اسرائيل، قبل فوات الاوان وقبل أن تقودنا جميعا الى نكبة جديدة.

Wednesday, April 23, 2008

صباح الخير هيلاري - صباح الخير أمريكا



مضى حوالي 63 عاما منذ أن أصدر الرئيس الامريكي ترومان أوامره بالقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وذلك بحجة إنهاء الحرب العالمية الثانية التي أزفت على الانتهاء من غير استعمال السلاح النووي. هذه القنبلة اسفرت عن سقوط أكثر من 200000 قتيلا. وما زالت آثارها الوخيمة ملموسة حتى يومنا هذا.
قبل عدة أيام، وفي مقابلة مع شبكة ABC الامريكية وفي البرنامج الشهير "صباح الخير أمريكا" صرحت هيلاري كلينتون والتي من المحتمل أن تكون المرأة الاولى التي تتبوأ رئاسة الويات المتحدة الامريكية: أنها سوف تقوم بإبادة ايران نهائيا إذا ما قامت ايران بمهاجمة اسرائيل بسلاح نووي. أي أن الرئيسة المستقبلية للدولة العظمى الوحيدة في العالم سوف تكون مستعدة لقتل 70 مليون ايراني من أجل عيون إسرائيل. في هذه الحالة تستطيع أن تدخل التاريخ من أوسع أبوابه بصفتها أكبر مجرمة حرب عرفها تاريخ البشرية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس إذا كانت المرشحة الديموقراطية للرئاسة، ذات الحظ الاوفر تعني ما تقول أم لا، السؤال هنا هل تعي ما تقول أم لا. مثل هذا التصريح الدموي غير المسبوق لا يمكن أن يكون مجرد دعاية انتخابية، بل يجب أن يكون كافيا على الاقل لأرسال هذه السيدة الى إحدى المصحات العقلية او على الاقل إعادتها الى منزلها لكي تهتم بمغامرات زوجها الغرامية.
حتى وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس وفي اليوم نفسه، بمحاضرة في احدى الكليات الحربية حذر من عواقب حرب ضد ايران، نووية كانت أم تقليدية. بينما المرشحة التي تذرف دموع التماسيح على الجنود الامريكيين الذين يعودون الى بيوتهم بالتوابيت من العراق وتطالب بسحب الجيوش الامريكية منها، تعلن مثل هذا التصريح الوحشي لكي تنال حفنة من الاصوات السامة وبعض الرضى من اللوبي الصهيوني الفاشي.
لو كان الصحفي الذي اجرى المقابلة معها والتي بثت من المحيط الى المحيط يحترم مهنته لسألها سؤال واحد بسيط: هل كانت ستفعل الشيء نفسه اذا قامت دولة اسرائيل بمهاجمة سوريا او ايران بالسلاح النووي، هل كانت ستبيد إسرائيل نهائيا؟؟ في نهاية المطاف تعد اسرائيل 5 ملايين فقط وليس 70 مليونا.
لقد أعلن تقرير أمريكي تناقلته وسائل الاعلام العالمية أن ايران لا تملك سلاحا نوويا، وانها أوقفت برنامجها للتسلح النووي منذ اكثر من خمسة سنوات. وقد صادقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على صحة ومصداقية هذا التقرير. بينما يعلم العالم أجمع أن دولة اسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الاوسط التي تمتلك الاسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.
فلماذا لا تتجرأ هيلاري كلنتون أن تفتح فمها منتقدة البرنامج النووي الاسرائيلي؟
إسرائيل والادارة الامريكية فقط تصران على تكذيب هذا التقرير الصادر عن أعلى مؤسسة امريكية مختصة في هذا المجال. وتتعاملان بلغة التهديد والتحريض وفرض العقوبات وتأزيم الوضع المتأزم أصلا، حتى دفعتا المنطقة بإسرها الى حافة حرب جديدة لا يعرف أحد ماذا ستكون نتائجها.
حسب معلوماتي المتواضعة في هذا المجال أعرف أن ايران وكافة الدول العربية قد وقعت على معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية وهي تخضع للرقابة الدائمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. الدولة الوحيدة في المنطقة التي ترفض التوقيع على هذه المعاهدة وترفض اي رقابة دولية عليها هي دولة اسرائيل. فاين يكمن خطر حرب قادمة تستعمل بها اسلحة دمار شامل؟
لنعود الى السيدة كلينتون والتي على ما أظن ما زالت تحتفل بفوزها في الانتخابات المسبقة في ولاية بنسلفانيا وتعلن مواصلة حملة ترشيحها للرئاسة. أنصحها، وهي ترفع كأس الشمبانيا الى فمها، أن تتوقف قليلا وتفكر بأن هذا الكأس قد يكون مليئا بدم الناس الابرياء في منطقتنا إذا ما حالفها الحظ ووصلت الى البيت الابيض.
لقد تناولت وسائل الاعلام الاسرائيلية تصريح كلينتون هذا بنوع من الاعتزاز والافتخار، بينما تغاضت عنه وسائل الاعلام العربية. وهذا امر مشين في حد ذاته. علينا أن نقرع كل أجراس الانذار ضد هذا الحلف غير المقدس بين اسرائيل بغض النظر عن رؤساء حكوماتها وبين الولايات المتحدة الامريكية بغض النظر عن رؤسائها ومرشحيها.
على جميع القوى المحبة للسلام في العالم أجمع أن توقف هذه المرأة قبل أن تصبح قادرة على أن تحقق مثل هذا الحلم المرعب.

Tuesday, April 22, 2008

زيارة جيمي كارتر - هل نقف أمام كامب ديفيد جديد؟


نشر الرئيس الامريكي السابق، جيمي كارتر كتابا بإسم: "فلسطين سلام وليس أبرتهايد". حمل اسرائيل مسؤولية عرقلة التوصل الى اتفاقية سلام في المنطقة واتهمها بمارسة سياسة ابرتهايد، اي سياسة تمييز عنصري، في حق الشعب الفلسطيني خصوصا فيما يتعلق بنهب الاراضي وبناء المستوطنات والجدار العازل. وبالرغم من أن كارتر لم يكتب شيئا جديدا لم يكن معروفا، وبالرغم من ان ما نشره ليس سوى غيض من فيض مما تقترفه اسرائيل من جرائم وكنا وما زلنا نقوله لكل من يحب أن يسمع، ولم يصغ الينا احد في هذا العالم المتنور، نرى أن كتاب كارتر حظي بردود فعل شديدة خصوصا من اللوبي الصهيوني المهيمن في واشنطن ومن الدوائر في الادارة الامريكية التي تدور في فلك هذا اللوبي.
لم يشفع لكارتر انه اسدى لإسرائيل أكبر خدمة عرفتها في تاريخها الدامي وهي اتفاقيات كامب ديفيد التي سلخت مصر من حضن الامة العربية والقت بها في احضان امريكا واسرائيل ووضع الاساس لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق حل الحكم الذاتي الذي يتكرر بأشكال مختلفة. هذه الاتفاقيات هي أم جميع الاتفاقيات التصفوية التي لحقتها مثل اتفاقيات اوسلو ووادي عربة وغيرها.
لم يكتف كارتر بنشر كتابه المثير للجدل. ولم يتراجع أمام هجوم اللوبي الصهيوني عليه، بل خطى خطوة أخرى تبدو جريئة في ظاهرها. فقد قام، من ضمن الاماكن التي زارها، بزيارة دمشق ومقابلة الرئيس السوري ومقابلة زعامة حماس. على عكس السياسة الامريكية الرسمية التي تفرض العزل والحصار على سوريا وتعتبر حركة حماس حركة ارهابية غير شرعية. ولم يكتف بزيارة مجاملة، بل صرح أن سياسة استبعاد حماس وسوريا غير ناجحة ودعا الى ضرورة التفاوض معهما.
هل نحن أمام صديق جديد للشعب الفلسطيني وللأمة العربية؟ يجب أن نرفعه عاليا ونضمه الى قلوبنا؟
اذا تغاضينا عن تاريخه الحافل في خدمة اسرائيل عندما كان رئيسا، وتغاضينا عن مركزه الحالي غير المؤثر أو كما وصفه تسحي هنغبي وشاؤول موفاز بانه منقطع عن الواقع يعيش في حالة من الهذيان، فهل حقا غير كارتر قناعاته بشكل جذري؟ الجواب، ومن تصريحاته المتكررة، هو لا. فما زال يؤمن بحق اسرائيل بالوجود ويدين "العنف" الفلسطيني ويعترف بكافة الاتفاقيات المجحفة في حق الشعب الفلسطيني.
إذن ما الذي دعا كارتر الى أن يغرد خارج السرب الامريكي؟ في الحقيقة موقف كارتر ليس فريدا من نوعه كما يبدو للوهلة الاولى. لم يعد خافيا وجود تيارات متباينة في دوائر الادارة الامريكية بخصوص سياسة بوش الغبية في المنطقة وخصوصا توريط امريكا في افغانستان والعراق. حتى أن بعض معاوني ومؤيدي بوش المعروفين قد استقالوا وتركوه لوحده يقضي السنة الاخيرة في البيت الابيض. ونرى أنه تحت الضغط الشعبي أجبر مرشحا الحزب الديموقراطي كلنتون وأوباما ان يضعا مسألة انسحاب الجيوش الامريكية من العراق في صلب برنامجهما الانتخابي. وهناك تقرير جيمس بيكر ولي هاملتون والذي يدعو الى ضرورة التفاوض مع سوريا وايران والى تطبيق قرارات الامم المتحدة.
بالرغم من تنصل الحزب الديموقراطي رسميا من كتاب وتحركات كارتر غير انها تعكس توجهات متنامية تدعو الى إعادة تقييم السياسة الامريكية في المنطقة التي اوصلتها ادارة بوش الى أزمة حقيقية.
هناك نوع من تقاسم الادوار. الجناح اليميني المتشدد الذي يقوده المحافظون الجدد الذين يحيطون بجورج بوش مقابل الجناح الليبرالي. تختلف الاساليب والتوجهات وتتوحد الاهداف والاستراتيجيات وهي المحافظة على هيمنة الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل.
خطوة كارتر الاخيرة بدأت تؤتي ثمارها. فها هي زعامة حماس قد غمرها كرم التنازلات وصرحت بقبولها للتهدئة وقبولها بالدولة الفلسطينية في الاراضي المحتلة عام 1967 وقبولها بأي اتفاق يتوصل اليه محمود عباس من خلال المفاوضات مع اسرائيل اذا قبله الشعب الفلسطيني عن طريق استفتاء. ولم تشرح لنا حماس ماذا تعني بالاستفتاء، هل سيكون مقتصرا على سكان قطاع غزة والضفة الغربية أم سوف يشمل كافة الفلسطينيين في أماكن تواجدهم؟ ولم تشرح لنا أيضا كيف ستنفذ مثل هذا الاستفتاء على ارض الواقع. من أجل ان تبقى حماس في السلطة أو على الاقل أن تشارك بها فهي مستعدة أن تقدم تنازلات كبيرة. وهذا ليس جديدا عليها، فقد أقدمت على ذلك من قبل، ولكن حتى الان لم بأخذها اي طرف على مأخذ الجد. هذا التنازل بدا بالمشاركة في الانتخابات في ظل الاحتلال، وتفاقم بعد تحقيقها الفوز في هذه الانتخابات. فما زلنا نذكر موافقتها على اتفاقية مكة وعلى ما يسمى بمبادرة السلام العربية، وصرحت مرارا وتكرارا انها سوف تحترم الاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل.
جاء كارتر ليقول للعرب وللفلسطينيين: كلما تنازلتم أكثر كلما ازدادت فرصكم لكي تحصلوا على شيء. جاءت رحلة كارتر لكي يذكرنا بصحة وضرورة النظرية التي وضعها أنور السادات في فترة ولايته والتي تقول: 99% من اوراق الحل في يد أمريكا. هذه النظرية التي يتبناها حاليا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وقام بتطويرها بشكل خلاق.
يقول مثلنا الشعبي: أحذر عدوك مرة وأحذر صديقك الف مرة. وخصوصا اذا كان الصديق على شاكلة جيمي كارتر ومن يقف وراءه.

Wednesday, April 16, 2008

الدوحة بين ليفني والطيبي



رسميا، لا تقيم دولة قطر اية علاقات رسمية مع اسرائيل. ولكن عمليا أصبحت الدوحة مرتعا للسياسيين ورجال الاعمال والمخابرات الاسرائيليين. في نهاية السنة الماضية حل شمعون بيرس، صاحب نظرية الشرق الاوسط الجديد، ضيفا معززا على حكام قطر. واليوم تكتسح وزيرة الخارجية ليفني قلوب أمراء قطر. على الصعيد العملي، علاقات إسرائيل مع دولة قطر متطورة أكثر وعلى كافة الاصعدة عن علاقتها مع مصر والاردن حيث تربطها بهما اتفاقيات سلام رسمية. هذا بالاضافة الى أن قطر تستضيف أكبر قاعدة عسركية امريكية في المنطقة.
رسميا، أحمد الطيبي هو عضو في الكنيست الاسرائيلي بل هو نائب رئيس الكنيست. ولكنه في قطر يلبس قناع العضو العربي في البرلمان وفي مناسبات عديدة يدعي تمثيل ليس عرب الداخل فحسب بل وفي حالات كثيرة السلطة الفلسطينية أيضا. حيث نقل ولاءه ودعمه بعد رحيل ياسر عرفات الى محمود عباس وسلطته.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا يحدث عندما يلتقي أحمد الطيبي مع تسيبي ليفني في الدوحة؟؟
ظاهريا، تبدو الامور، خصوصا للمشاهد العربي البسيط والبعيد عن الاحداث انهما يقفان على طرفي نقيض: فهذه ليفني تقول امام الزعماء العرب وامام وسائل اعلامهم أن اسرائيل بريئة كالحمل، ولا علاقة لها اصلا بالصراع الدائر في المنطقة. وأن الصراع هو بين المتطرفين والمعتدلين واسرائيل بالطبع تقف دائما مع المعتدلين. بينما يتهم الطيبي اسرائيل بالعنصرية وبعدم الرغبة في السلام.
هذا الخلاف التكتيكي وهو بالمناسبة موجود في اروقة الكنيست وليس بحاجة لأن ينتقل للدوحة الا اذا كان وراء الاكمة ما وراؤها. المراقب الذي يتمتع بقليل من بعد النظر يستطيع أن يشاهد ماذا يكمن وراء هذه الاكمة بوضوح وهو تجميل صورة اسرائيل في العالم العربي وإظهارها كدولة ديموقراطية حضارية.
حتى توقيت منتدى الدوحة "حول الديموقراطية والتنمية والتجارة الحرة" لم يكن من باب الصدفة. بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها قطاع غزة خصوصا منذ بداية السنة وفي ظل مرور الذكرى ال60 للنكبة وعودة أعمال التطهير العرقي التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني الى الواجهة، كانت اسرائيل بأمس الحاجة الى مثل هذا المؤتمر من أجل ترميم صورتها. ومن هنا جاء التعاون بين "النقيضين" ليفني – الطيبي لكي يكمل احدهما الآخر.
في هذا السياق ينبغي الا ننسى الدور "المتناقض" ولكن المنسجم مع هذه الاستراتيجية حتى النهاية لقناة الجزيرة التي تمتلكها العائلة القطرية المالكة. قبل شهر فقط طالبت ليفني، على لسان مساعدها مجلي وهبي بمقاطعة هذه القناة لأنها متحيزة للجانب الفلسطيني، او بالاحرى لأنها متحيزة لصالح حماس، ولأن تغطيتها لأحداث غزة كانت أحادية الجانب بينما كانت الرواية الاسرائيلية مغيبة عن هذه التغطية. بعد زيارة ليفني ومقابلتها للأمير وللمسؤولين في القناة عادت المياه الى مجاريها بعد أن تمت تسوية الخلافات، اقصد سوء التفاهم. ها هي اسرائيل تعترف مجددا بمدى اهمية قناة الجزيرة واهمية التعاون المشترك بينهما. ووعدت ليفني بإرسال وفد رفيع المستوى من الاعلاميين الاسرائيليين الذين يخدمون في وزارة الخارجية لتطوير العلاقات الثنائية.
قد يقول البعض، إن زيارات بعض الشخصيات العربية من الداخل للدول العربية ومن ضمنها لدولة قطر هي عملية تواصل مع الشعوب العربية وهي حق طبيعي يجب أن نستغل كل فرصة للقيام به. هل حقا مثل هذه الزيارات هي تواصل؟ أم لها اسم آخر هو تطبيع؟
الجواب على هذا السؤال يتعلق بمن تسأل. اذا توجهت بهذا السؤال لأعضاء الكنيست العرب ولبعض رجال الاعمال والاعلاميين المستفيدين بشكل او بآخر من الوضع القائم فسوف يكون جوابهم الجاهز: انه تواصل. يجب أن نبني الجسور بين أطراف العالم العربي. ولكن اذا كان هذا السؤال موجها لشخص يمتلك الحد الادنى من الانتماء والشعور بالكرامة الوطنية سيكون جوابه القاطع: هذا تطبيع مع كيان مغتصب متعجرف يرتكب جرائم الحرب ليس ضد الشعب الفلسطيني فحسب بل ضد الانسانية ايضا.
التواصل الحقيقي لا يمكن أن يتم من خلال اتفاقيات خيانية تمنح المجرم صك براءة. اننا جميعا مع التواصل الحقيقي مع جماهير الامة العربية من المحيط الى الخليج. ولكن هذا التواصل لا يمكن أن يتم من خلال مباركة الكيان الذي قطع أوصال الجسد الفلسطيني ويمنع تواصل الاهل حتى بين المدن والقرى الفلسطينية ويعمل كل ما في وسعه لإثارة نعرات الشقاق وتخليد التفرقة في كافة الدول العربية. كلنا نعلم ما هو دور اسرائيل التخريبي في العراق ولبنان والسودان والصومال وغيرها.
يجب مكافحة التطبيع مهما كانت أشكاله. ويجب فضحه مهما وضع من أقنعة.

Tuesday, April 15, 2008

نكبة الثقافة والتراث



النكبة التي حلت بشعبنا منذ 60 عاما ولم تتوقف حتى هذه اللحظة لم تستهدف النواحي المادية وحسب، ولم تسفر عن تشريد شعب آمن ونهب أرضه وتدمير بناه التحتية فحسب، بل طالت ايضا تدمير حياته الثقافية وتشويه هويته الوطنية.
في هذه الايام ونحن نستعد لإحياء الذكرى الستين للنكبة، وفي وسط الكم الهائل من الكتابات، والدراسات والابحاث والنشاطات، والتي تتحد جميعها في وصف أهوال النكبة وتداعياتها التي لم تتوقف، ولكنها تحاول في الوقت نفسه أن تدفع الى زاوية من النسيان جانب هام من النكبة، واذا تم ذكره فإنه يذكر بشكل عابر. اقصد بذلك أن النكبة كانت وما زالت أولا وقبل كل شيء هزيمة. هزيمة تتعدى الهزيمة العسكرية والسياسية. انها هزيمة على الصعيد الحضاري الذي يشمل في طياته النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية.
الكلام عن النكبة كنكبة وحسب، اي كمأساة حلت بنا وقلبت حياتنا رأسا على عقب، كمصيبة نزلت علينا من السماء وكأنها كارثة طبيعية، وعدم الكلام عنها كهزيمة يعني التنصل من المسؤولية، يعني عدم محاسبة المهزومين، يعني عدم وعي اسباب الهزيمة والعمل على التخلص منها. بعد ستين عاما من النكبة ما زلنا نحتضن ثقافة الهزيمة وفكر الهزيمة وتراث الهزيمة. وأنكى من ذلك، فقد جبلنا كل هذه الامور الانهزامية وجعلنا منها هوتنا الوطنية وتراثنا الذي ينبغي أن نحافظ عليه.
لقد أصبح الكلام عن التراث الشعبي وعن دوره الحاسم في تكوين هويتنا الوطنية والحفاظ عليها بعد النكبة، سلعة رائجة في الاسواق. فكل يوم نسمع عن مؤتمر "تراثي" جديد، او ندوة أو بحث أو إحتفال أو أمسية، الخ.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع مثل هذا التراث البائد أن يكوّن هوية وطنية تقدمية مقاومة؟
هل تنظيم مهرجان للزجل والفلكلور في سخنين من قبل "مركز ثقافي" مأجور وبالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والعلوم التي يراسها وزير عربي عضو في الحزب الذي صنع النكبة ممكن أن تعبر عن تراث تقدمي يساهم في تطوير هوية وطنية حقيقية؟
وهل تنظيم مؤتمر للتعليم العربي في الناصرة تحت وصاية وزيرة التربية والتعليم ومشاركة العديد من "المربين" يمكن أن يخدم التعليم العربي، مهما تفنن هؤلاء المربون من اختراع المصطلحات والشعارات حول الرؤى والتطلعات والمسؤولية؟
وهل مهرجان مسرحي ينظم في عكا تحت رعاية مؤسسات اسرائيلية رسمية ممكن أن تغير الواقع الاليم الذي يعاني منه اهالي عكا العربية من سياسة هذه المؤسسات بالذات؟
إن تراثا يرعاه وزير في حزب العمل الاسرائيلي لا يستحق أن يحافظ عليه بل يجب التخلص منه كأحد اسباب الهزيمة.
إن مؤتمرا تعليميا تشارك فيه وزيرة هدفها الاول تجهيل الجماهير العربية بالتعاون "مثقفين" محليين هم في نهاية المطاف موظفون عند هذه الوزيرة مهما سبق اسمائهم من القاب بروفيسور ودكتور، لن يكون الا مؤتمرا تجهيليا هو الآخر. وكما قال كارل ماركس: ان المربين هم انفسهم بحاجة للتربية
لقد آن الاوان أن نغربل تراثنا ونلقي بالزوان الى مزبلة التاريخ. يجب أن نبدأ وبكل جرأة ومسؤولية بعملية فرز شاملة حتى نتخلص من هذه الادران التي نضرب حولها هالة من القدسية ونضمها الى قلبنا بحجة انها تراث شعبي يجب حمايتها.
الطابون ليس تراثا، بل هو شاهد على فقرنا وتخلفنا، ولا انسى قصة احد متاحف إحياء "التراث" الذي انفق اموالا طائلة من أجل بناء طابون.
المحراث الحديدي، وجاروشة القمح، والقنديل، والبريموس، والادوات البدائية من منجل وبلطة وطاحونة قهوة قديمة، الخ. ليست تراثا وطنيا يجب المحافظة عليها حتى ولو كدست ليتفرج عليها سعادة الوزير. بل هي الاخرى شاهد على تخلفنا.
الدجل الذي نمارسه تحت ما نسميه الطب الشعبي والمليئ بالشعوذة وقراءة الفنجان، وكتابة الأحجبة، الخ. ليست تراثا يجب التمسك به، بل يجب التخلص منه نهائيا لأنه كان عاملا حساما في الهزيمة التي منينا بها عام النكبة.
عندما يكون حاضر الشعب تعيسا، بائسا وعندما يكون مستقبله قاتما، محبطا يعود لينبش في ماضيه، يحن الى تخلفه ويشتاق الى كسله الذي سبق الهزيمة ويعتبرها تراثا يجب أن يتمسك به والا ضاعت هويته الوطنية وتمكن منه الاستعمار الغاشم. وهذا هو حال شعبنا الفلسطيني.
يجب شن حملة شاملة على علماء الانتروبولوجيا ومفكري التراث على كافة مدارسهم ومشاربهم، الذين يروجون لمثل هذا التراث المشوه والمزيف، وفي الوقت نفسه يطمسون التراث الحقيقي، الثوري التقدمي الذي يجسد خلاصة نضال الجماهير ضد الاحتلال والاستعمار والطغيان.
تراثنا الحقيقي ليس زجل يصفّه زجالون مؤجورون لمدح هذا الوجيه او ذاك، او للمبارزة الوهمية فيما بينهم. بل تراثنا الحقيقي هو زجل انبثق من خلال مواجهة الاستعمار والصراع ضد الصهيونية والرجعية. تراثنا الحقيقي هي التشبث بمكارم الاخلاق، بالنخوة والتعاضد والتضامن، وليس التزلف الى المسؤولين لنيل بعض الفتات. هذه الامور لن نراها ولن نجدها في أي عمل يقوم تحت وصاية او رعاية اية مؤسسة حكومية.
هذا التراث الذي نشهده اليوم لا يبني ولا يبلور هويتنا الوطنية بل على العكسن يشوهها ويقوضها. لذلك ينبغي أن نهمله حتى يندثر.
بالمقابل يجب إحياء التراث التقدمي، الحضاري، الانساني، الضروري في مسيرة الحرية من أجل بناء مجتمع أفضل.

Wednesday, April 09, 2008

عندما يصبح الفدائي شرطيا


في الآونة الاخيرة تتزايد الاخبار والتقارير الواردة من عدة مصادر حول خطة أمنية تقوم الولايات المتحدة الامريكية، اسرائيل والسلطة الفلسطينية بإعدادها بالتعاون مع بعض الدول العربية وخصوصا مصر والاردن وبدعم وتمويل الاتحاد الاوروبي. ما تناقلته وسائل الاعلام الاسرائيلية، بالرغم من انها لم تكشف سوىا عن جزء بسيط من هذا المخطط السري نظرا لطبيعته الامنية والعسكرية، هو في غاية الخطورة خصوصا في ظل التعتيم الذي تفرضه وسائل الاعلام الفلسطينية والعربية.
قام الصحفي الاسرائيلي رون بن يشاي، المطلع على مصادر موثوقة وصاحب الاتصالات مع الدوائر الامنية الاسرائيلية، بنشر مفال في جريدة يديعوت احرونوت يكشف بعض جوانب هذه الخطة وجدير بالتوقف عنده:
الخطة بإشراف المارشال الامريكي دايتون الذي بدأ بحياكتها منذ وقت طويل والتي باءت الى الفشل في مرحلتها الاولى بعدما فشل محمد دحلان وجهاز امنه الوقائي بالقضاء على المقاومة والسيطرة على غزة ومن ثم قبول الحل الامريكي – الاسرائيلي للقضية الفلسطينية. يبدو أن دايتون قد تعلم بعض الدروس من هزيمة دحلان وجهازه في غزة ويعمل الآن على تطوير خطة امنية جديدة تضمن القضاء على اية مقاومة فلسطينية لما يسمى بالعملية السلمية.
يمكن تلخيص هذه الخطة بما يلي:
1) توحيد الاجهزة الامنية الفلسطينية بحيث يبقى في النهاية شرطة واحدة وجهاز امن وقائي واحد وجيش واحد يسمى ب"جهاز الامن الوطني" مهمته طبعا ليس مواجهة اسرائيل او مقاومة الاحتلال بل القضاء على "فوضى السلاح" وحفظ الامن والنظام. وكما صرح بها وزير الداخلية بالسلطة عبد الرزاق اليحيى امام المجندين الجدد:" انتم هنا ليس لمواجهة اسرائيل. الصراع مع اسرائيل لم يؤد الى اي مكان، مهمتكم هي فرض الامن والنظام. يجب أن تثبتوا لإسرائيل انكم تستطيعون القيام بهذه المهمة".
2) من أجل القيام بهذه المهمة الجديدة يجب على المنتسبين لهذا الجهاز أن يقوموا بتدريبات خاصة والتي بدأت منذ فترة في الاردن حيث يقوم ضباط اردنيون بإشراف ضباط امريكيين بتدريب عناصر هذا الجهاز الجديد على كيفية قمع وتفريق المظاهرات الشعبية، السيطرة على البيوت، الاعتقالات، اطلاق سراح رهائن، الخ.
3) تشرف الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ليس فقط على التدريب وتحديد المهمات التي ينبغي انجازها، بل ايضا التزويد بالمعدات اللوجستية والسلاح. فحتى الان قد تم تزويد هذا الجهاز بخمسين مجنزرة وبكميات كبيرة من الاسلحة الخفيفة والذخيرة، وعندما يتم انجاز التدريبات، وبعدما يثبت هذا الجهاز انه قادر على القيام بمهمته سوف يتم تزويده بالمزيد من الاسلحة.
4) المخاوف الاساسية من فشل هذا الجهاز، والتي يعبر عنها رون بن يشاي في مقاله المذكور، نيابة عن المسؤولين الاسرائيليين والامريكان هو أن المنتسبين ينقصهم الدافع الوطني والحماس والاخلاص. الدافع الوحيد الذي يجلبهم حتى الان هو المال الضروري لهم من أجل إعالة عائلاتهم. ودافع كهذا غير كاف للنجاح.
تقول الاخبار التي يتناولها الناس في الضفة انه يجري البحث عن اشخاص بسطاء لا يتمتعون بأي التزام وطني او سياسي لكي يتم تجنيدهم. ويجري اعدادهم لكي يكونوا جنود جيدين حسب المبدأ القائل:" الجندي الجيد هو الجندي الذي يطيع الاوامر" ويتم الاستغناء عن كل واحد يبدي نوع من الالتزام او الوعي الوطني. وقد طال هذا التصنيف العديدين من أعضاء حركة فتح نفسها الذين يجري ابعادهم.
اذا نجحت السلطة الفلسطينية بواسطة هذا الجهاز المحافظة على الامن والنظام، وبالمفهوم الاسرائيلي هذا يعني القضاء على "الاعمال الارهابية" فإن اسرائيل سوف تعمل بالمقابل على إزالة المزيد من الحواجز، وعلى الخروج من المدن الفلسطينية وتسليم المهام الامنية للأجهزة الامنية الفلسطينية، كما صرحت مؤخرا بالنسبة للوضع الامني في مدينة جينين. وسوف تعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على رفع مستوى المعيشة في الضفة الغربية وبناء المناطق الصناعية المشتركة. وسوف تتوج هذه العملية في نهاية المطاف بإتفاقية سلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
في ظل هذه الظروف ماذا بقي من الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ ماذا بقي من صورة الفدائي الذي يحمل روحه على كفه فداء للوطن؟.
خلال الحرب العالمية الثانية، قامت المانيا النازية بإحتلال النرويج وعينت فيدكون كويزلينغ، هو فاشي محلي لأن يكون رئيسا للحكومة تتعاون مع الاحتلال. وقد اصبح بعد الحرب اسما مرادفا للخائن المتعامل مع المحتلين. بعد الحرب تمت محاكمته واعدامه. ولكنه بقي كنموذج يضرب به المثل. هل نحن أمام حكومة كويزلينغ في فلسطين؟
بعد القضاء على النازية تبنت الولايات المتحدة الامريكية هذه الاستراتيجية وطورتها. فعينت حكومة كويزلينغية في كل بلد فرضت عليه هيمنتها. يكفي أن نذكر هنا بعض الامثال التي نعرفها جميعنا من أحمد كرزاي في افغانستان الى الشلبي والمالكي في العراق الى فؤاد السنيورة في لبنان. هل حكومة عباس – فياض في فلسطين من هذا الطراز؟.
هذه الخطة الجهنمية التي تهدد بتصفية القضية الفلسطينية عن بكرة ابيها والتي يجري اعدادها على قدم وساق يجب إفشالها ويمكن إفشالها وذلك عن طريقة زيادة منسوب الوعي الوطني عند كافة أبناء شعبنا.

Tuesday, April 08, 2008

اللاجئون اليهود واللاجئون الفلسطينيون

من يبحث عن المنطق في السياسة الامريكية في المنطقة فقد يطول بحثه، ومن يبحث عن العدالة او النزاهة في هذه السياسة فأغلب الظن انه لن يجد شيئا من هذا القبيل مهما طال بحثه. بات معروفا أن السياسة الامريكية وخصوصا في ظل إدارة جورج بوش الابن لا تتقيد بأية معايير أخلاقية فكم بالاحرى معايير منطقية او عقلانية. آخر دليل على ذلك هو القرار غير الملزم الذي إتخذه الكونغرس الامريكي مؤخرا بإعتبار اليهود الذين قدموا من الدول العربية وايران مهاجرين تسري عليهم القوانين الدولية تماما مثل اللاجئين الاخرين وخصوصا الفلسطينيين. وعندما يتم طرح قضايا اللاجئين في المحافل الدولية يجب أن يتم شمل اللاجئين اليهود ايضا.
من الواضح أن الهدف من هذا القرار الذي ينضح غباء وسخافة هو التنكر لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتصفية قضيتهم بواسطة دفع بعض التعويضات.
السؤال الاول الذي يجب أن يطرح على أعضاء الكونغرس غير المحترمين هو: لماذا فقط إعتبار اليهود الذين قدموا من البلدان العربية لاجئين؟ ولماذا لا يعتبروا اليهود الذين قدموا من اوروبا وامريكا ايضا لاجئين؟
يقول احد أعضاء الكونغرس، الذي يلعب دور الخادم الامين للوبي الصهيوني في امريكا: " يجب على العالم أن يفهم، أن الحديث لا يدور حول العرب فقط وليس حول الفلسطينيين فقط في الشرق الاوسط، بل ايضا اليهود الذين سلبت ممتلكاتهم وبيوتهم وكانوا ضحايا أعمال ارهابية، هؤلاء ناس عاشوا في تجمعات في بلدان الشرق الاوسط ليس لعشرات السنينبل لآلاف السنين" ويضيف عضو كونغرس آخر:" النقاش حول اللاجئين في الشرق الاوسط يتمحور بسبب قصر النظر حول اللاجئين من اصل فلسطيني، ولكن ماذا عن الظلم الذي لحق باللاجئين اليهود من البلدان العربية وايران؟ فقد شاهدوا مجتمعاتهم تنهار بصورة منهجية، حيث فقدو مصادر رزقهم وبيوتهم وهربوا من الاضطهاد والقمع وأعمال البوغروم، وقرار مجلس الامن 242 يدعو الى حل قضية اللاجئين حلا عادلا بدون أن يشير الى هوية هؤلاء اللاجئين"
ليس غريبا على كونغرس غبي كهذا أن يتوج على بلاد الامكانيات اللامحدودة رئيسا غبيا مثل جورج بوش الابن.فلو عادوا الى مقاعد المدرسة وتعلموا بعض دروس التاريخ لما تفوهوا بمثل هذه الترهات.
عندما بدأت اوروبا تلاحق اليهود أولا في اسبانيا بعد مغادرة العرب ومن ثم في باقي الدول الاوروبية لوجدوا أن يهود أوروبا وجدوا ملجأ آمنا في البلدان العربية. إن أعمال القمع والاضطهاد والبوغرومات هي صناعة اوروبية بحتة، حتى المستشارة الألمانية ميركل في زيارتها الاخيرة لإسرائيل اعترفت بذلك وقالت انها تشعر بالعار من جراء ذلك. فلماذا لا تعتبر هي الاخرى اليهود الذين هربوا من جحيم النازية لاجئين؟ ولماذا لا توافق على حقهم بالعودة؟. ولكنها فضلت، مثلها مثل الطبقة الحاكمة في اسرائيل، أن تبقى مخلصة لمبادئها الرأسمالية وعملت على حل القضية عن طريق دفع التعويضات السخية ولكن ليس للمتضررين انفسهم بل للذين يدعوا تمثيلهم.
وكما أن الغباء في نهاية المطاف يعود ويضر بصاحبه، فإن قرار الكونغرس الامريكي سوف يعود بالضرر على متخذيه وعلى الجهة التي جاء يخدمها وهي دولة اسرائيل.
وأنا أضم صوتي المتواضع الى اصوات الكونغرس الامريكي وأقول: نعم، يجب إعتبار اليهود الذين غادروا بلدانهم لاجئين (حتى هؤلاء الذين غادروها بمحض اردتهم، فقد يكونوا قد خدعوا). ويجب أن يتمتعوا بكافة الحقوق التي تكفلها لهم القوانين الدولية وعلى رأسها حق العودة الى اوطانهم الاصلية.
الحركة الصهيونية، ومن ثم عندما اصبحت دولة هي المسؤولة الاولى عن تهجير الفلسطينيين وجعلهم لاجئين من خلال عمليات التطهير العرقي التي جرت عام النكبة. ولكنها في الوقت نفسه هي المسؤولة الاولى عن تهجير اليهود وجعلهم لاجئين ايضا. الوسائل التي استعملها العملاء الصهاينة لإقتلاع يهود العراق ومصر وسوريا معروفة للجميع، والارشيف الصهيوني مليء بقصص الاعمال الارهابية التي مارستها هذه الدولة بحق اليهود.
الايديولوجية الصهيونية هي ايديولوجية تهجيرية في جوهرها. فهي تحث يهود العالم على ترك اوطانهم والهجرة الى فلسطين. وبالنسبة لها كافة اساليب الترغيب والتهديد متاحة (كوشر) وما زال عملاء الوكالة اليهودية يجوبون العالم لإقتلاع اليهود وجعلهم لاجئين. وعندما تخلص مهمتهم أو ينتهي عقد عملهم بعد أن جنوا الاموال الطائلة والسهلة فهم انفسهم لا .
على برلمانات الدول العربية، وخصوصا الدول التي غادرها مواطنوها اليهود الى فلسطين، مثل المغرب، اليمن، العراق وغيرها، أن تتخذ قرارا على غرار قرار الكونغرس الامريكي وتعتبر اليهود الذين غادروها لاجئين وتمنحهم حق العودة، هذا بالرغم من عدم مسؤوليتها في جعلهم لاجئين. على دول اوروبا أن تحذو حذو بولونيا وتفتح باب العودة لليهود الذين غادروها وتعيد لهم جنسيتهم.
لقد قلنا دائما أن حق العودة هو حق خاص وجماعي لا يسقط بالتقادم ولا يمكن إبداله أو إختزاله بالتعويض فقط، وهذا المبدأ ينطبق على كافة اللاجئين في العالم وليس على اللاجئين الفلسطينيين فحسب.
مارتن لوثر كينغ والحلم الذي اصبح كابوسا

في عام 1963 وقف القس مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الامريكية، أمام النصب التذكاري للرئيس أبراهام لنكولن "محرر العبيد" وألقى خطابه المشهور: "أنا عندي حلم" (I have a dream) حيث قال:" أحلم أن يوما سيأتي يعيش فيه اولادي الاربعة الصغار في وطن يحكم عليهم حسب شخصيتهم وليس حسب لونهم. أحلم أن يوما سيأتي سيجلس فيه معا على تلال ولاية جورجيا الحمراء وحول مائدة الاخاء، اولاد الذين كانوا رقيقا واولاد الذين كانوا يملكون رقيقا..."
بعد سنوات قليلة بعد هذا الخطاب، وفي مثل هذه الايام قبل 40 عاما، وبالتحديد في 4 نيسان 1968 لاقى مارتن لوثر كينغ حتفه على يد أحد العنصريين البيض.
للوهلة الاولى، وعلى ضوء النجاح الذي يحققه مرشح الحزب الديموقراطي الاسود براك أوباما في الانتخابات التمهيدية للرئاسة الامريكية يبدو وكأن هذا الحلم يتحقق. ولكن نظرة اخرى على واقع السود في الولايات المتحدة الامريكية تشير الى أن هذا الحلم بالنسبة للغالبية العظمى للسود قد تحول الى كابوس يجثم على صدورهم ويحول حياتهم الى جحيم.
قبل حوالي قرن ونصف، أعلن ابراهم لنكولن الغاء العبودية ونال اللقب التاريخي الذي لا يستحقه: "محرر العبيد". ما جرى في ذلك الوقت وخلال الحرب الاهلية الامريكية لم يكن أكثر من تغيير شكل العبودية ولم يرتق قطعا الى مستوى الغاء العبودية. فبعد أن كان الزنوج عبيدا لإقطاعيي الولايات الجنوبية الزراعية يعملون بالاساس في حقول القطن الشاسعة، أصبحوا بعد "التحرير" عبيدا في الولايات الامريكية الشمالية الصناعية. أي أن ما حدث لم يكن سوى الانتقال من العبودية الاقطاعية الى العبودية الرأسمالية. بينما لم يطرأ في معظم النواحي الاجتماعية والاقتصادية أي تغيير جذري، فقد بقي السود محرومين من حق الانتخابات، يتعرضون للتمييز العنصري في كافة مجالات الحياة حتى في المواصلات العامة حيث كانت الاماكن الامامية للحافلات مخصصة للبيض بينما كانت الاماكن الخلفية مخصصة للسود وكل من يخالف هذه القاعدة يتعرض للعقاب.
كان هذا الوضع سائدا حينما انطلقت في سنوات الستين حركة الحقوق المدنية بزعامة مارتن لوثر كينغ مطالبة بالحقوق المدنية الاساسية للسود كحق الانتخاب والغاء مظاهر التمييز العنصري في مجالات الحياة المختلفة.
كما هو معروف سلك كينغ طريق المقاومة السلمية وأدان المقاومة العنيفة حتى عندما كانت تعني الدفاع عن النفس. ظانا أن العدالة سوف تنتصر من تلقاء نفسها وأن النظام الذي يمارس التمييز سوف يغير سلوكه بعد إقتناعه بخطأ هذا السلوك. تحت ضغط التحرك الجماهيري أضطرت الادارة الامريكية أن تقدم بعض التنازلات خصوصا في ظل الخوف من أن يفقد مارتن لوثر كينغ السيطرة على حركة الاحتجاج مع تنامي تأثير مناضل زنجي آخر هو مالكوم إكس وحركات أخرى مثل الفهود السود والتي كانت تناضل من أجل إحاث تغييرا نوعيا.
بعد إغتيال مارتن لوثر كينغ ولإحتواء حركة الاحتجاج، تبنت الادارة الامريكية قرار جعل ذكراه عيدا قوميا أمريكيا. وفي هذه المناسبة إجتمع مرشحا الحزب الديموقراطي، براك اوباما وهيلاري كلنتون مؤخرا محتفلين بتحقيق "حلم مارتن لوثر كينغ".
ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا: هل هذا هو الحلم الذي يراود ملايين السود؟ أم أن هذا الحلم ليس سوى كابوس رهيب؟ تشير الاحصائيات الامريكية الرسمية أن البطالة بين السود هي ضعف البطالة بين البيض. وأن دخل العائلة الزنجية أقل من 70% من دخل العائلة البيضاء. بينما تصل نسبة السود من نزلاء السجون ( الذين يبلغ عددهم 2.5 مليون) الى 53% ( مع ان نسبتهم العامة من السكان تبلغ حوالي 12%). وكما هو في بلادنا، تكون ايدي رجال الشرطة اقرب الى الزناد عندما تتعلق الامور بالسود. وهناك قصص لا تعد ولا تحصى حول العنف البوليسي في حق الزنزج. هذا ناهيك عن اوضاعهم المزرية في أحياء الفقر في كافة المدن الامريكية الكبرى. بالاضافة الى ذلك يشكل السود وقودا لآلة الحرب الامريكية التي تشن حروبها الامبريالية في شتى ارجاء العالم.
إذن السيد براك اوباما لا يمثل هؤلاء السود التواقيين للحرية وللتغيير الحقيقي. بل يمثل كبار الرأسماليين والشركات الرأسمالية العالمية ويخدمها. وليس من باب الصدفة أنه يحاول أن يطمس ماضيه الافريقي ويركز على كونه "امريكيا" عاديا، يقدم الولاء للوبي الصهيوني ويؤكد كونه صديقا وفيا لدولة اسرائيل مثله مثل باقي المرشحين وربما أكثر منهم. بينما لا تهمه معاناة الشعب الفلسطيني، بل على العكس من ذلك، نراه ينضم الى جوقة التحريض على الشعب الفلسطيني وعلى نضاله من أجل الحصول على حقوقه الطبيعية، ويدعم فرض الحصار الجائر على غزة وإحكام القبضة عليه. أما معارضته الخجولة لسياسة جورج بوش في العراق فإنها لا ترتقي الى المطالبة بالرحيل الفوري لقوات الاحتلال الامريكية عن هذا البلد العربي.
براك اوباما لن يجلب اي تغيير جذري على السياسة الامريكية بالرغم من كثرة استعماله لهذه الكلمة. التغيير الجذري في الولايات المتحدة الامريكية وكذلك في اسرائيل لن يأتي إلا من خلال النضال الشعبي من أجل تغيير النظام الرأسمالي الظالم.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 26, 2008

ماذا تبقى من يوم الارض؟

انبش الجرائد العربية الصادرة في نهاية الاسبوع المنصرم، اقلب صفحاتها. اتنقل بين مواقع الاخبار العربية على الشبكة العنكبوتية. ارصد نشاطات الاحزاب والتنظيمات والجمعيات المختلفة باحثا عن الارض في ذكرى يوم الارض فلا اجد سوى كلمات مستعارة مجترة منذ سنوات: لجنة المتابعة تجتمع. البعض يأتي والبعض لا يأتي والبعض يتم تجاهله أو عدم الاصغاء له. يبحثون في مائة موضوع وموضوع. طبعا مواضيع النقاش متواجدة بوفرة، فهناك التهديدات الصادرة عن اوساط في اليمين الصهيوني لبعض الزعامات العربية وهناك سياسة هدم البيوت وهناك مكانة المرأة العربية وغياب دورها وصوتها في لجنة المتابعة، الخ. الخ. وجميعها يجب أن تطرح ويتم القرار بشأنها. وأخيرا يتم الاتفاق على مهرجان مركزي كالعادة في مكان ما ونشاطات محلية هذا بالاضافة الى توزيع البيانات وإخراج الخطابات القديمة من الادراج بعد نفض الغبار عنها.
أعود وأتساءل بحنق: ولكن أين الارض؟؟ لا يوجد هناك ارض. هذه هي الحقيقة التي يعرفها الجميع. ألا يقولون في دراساتهم المنشورة أن 97% من الارض الفلسطينية قد صودرت؟ وأن ما بقي في حوزة الفلسطينيين لا يتجاوز ال3%؟ أتذكر قصة ذلك الاعرابي الذي اعترضه بعض قطاع الطرق ونهبوا قطيعة وعندما عاد الى عشيرته خالي الوفاض سألوه: ماذا جرى لك؟ فقص عليهم حكايته. فقالوا له: وماذا فعلت؟ الم تفعل شيئا؟ فقال بلى، اوسعتهم شتما وأودوا بالابل. فذهب قوله مثلا. ماذا نعمل نحن في ذكرى يوم الارض؟ سوى انها مناسبة لوسع المؤسسة الاسرائيلية شتما، نصفها بابشع الصفات واقبح الاقوال. هذا يصرخ بأعلى صوته: انها دولة عنصرية وذاك يقول: بل هي دولة فاشية وآخر يلطم: انها تقتل الابرياء وتهدم البيوت وتبني جدار التمييز العنصري. ويختلط الحابل بالنابل ومن كثرة المسبات والشتائم لم يعد أحد يفهم على أحد. وبكل هدوء تسحب المؤسسة الاسرائيلية الارض من تحت أقدامنا، تبني مستوطنة هنا، تهدم بيتا هناك، تخطط لقلع هذه القرية، تسيج منطقة هناك وتعلن عنها حديقة عامة وتقيم معسكرا هناك ...
بالطبع نتغنى بأمجاد يوم الارض الاول، بالتضحيات التي قدمناها وبصمودنا وتحدينا للسلطة بالرغم من سياسة الترهيب. وكل واحد منا يروي روايته الخاصة. ولكن بشرط: ألا نعيدها. لقد كان قرار الاضراب قرارا تاريخيا وبطوليا ولكن يجب الا نفكر بإضراب آخر لأن الجماهير غير مستعدة لذلك، وقد كان التصدي لقوات الشرطة والجيش اسطوريا، ولكن الان يجب أن نبتعد عن أية مواجهة لأن ذلك ضرب من التهور والمزاودة.
الفشل يتيم والنجاح له مائة أب. من من الاحزاب القائمة، وحتى التي لم تكن قائمة في ذلك الوقت بعد، لم تزعم انها هي التي صنعت يوم الارض؟ ها هو الرفيق توفيق طوبي على سبيل المثال لا الحصر، بعد أن يشن هجوما على التنظيمات الاخرى التي تدعي تفجير يم الارض يقول:" يوم الارض الذي فجرته جماهير شعبنا بقيادة حزبنا الشيوعي..." هل يستطيع أحدكم أن يقول لنا الى أي تنظيم سياسي كان ينتمي الشهداء الستة؟
نعم، في عام 30 آذار 1976 هبت جماهير شعبنا رافضة الاسرلة التي حاولت السلطة فرضها، متشبثة بهويتها الوطنية وبحقها بالعيش بكرامة على ارضها، ولكن بعد هذا التاريخ عادت الجماهير لتغط في سبات عميق. ولماذا؟ من كثرة مخدرات الاسرلة التي حقنتها القيادة لهذه الجماهير: الاضراب غير مطروح، الجماهير غير مهيئة لذلك، مواجهة الشرطة هي أعمال زعرنة، رفع العلم الفلسطيني هو ايضا من أعمال الزعرنة، لنطالب بالمساواة ولا اقل من المساواة، هذه هي الاسطوانة التي إنتشرت بين الناس بعد هبة يوم الارض الاولى، فهل من عجب اذا وصلنا لما وصلنا اليه اليوم؟
لماذا كان الاضراب العام والشامل جيدا في عام 1976 ولكنه أصبح سيئا في عام 2008؟ هل الاوضاع اليوم أفضل؟ كلنا يعرف ان اوضاعنا حينذاك كانت أفضل بما لا يقاس من اليوم. فإذا فمنا حينذاك بإضراب شامل ليوم واحد فإننا بحاجة اليوم الى إضراب مفتوح.
لم يعد لدينا أرض نطالب بعدم مصادرتها، ولكن لدينا أرض مسلوبة نطالب بتحريرها، نعم تحريرها، هل هذه الكلمة تخيف بعض الناس؟ يجب إعادة التي سلبتها الدولة من اللاجئين والمهجرين، يجب إعادة ارض البطوف والنقب والساحل وكل فلسطين. هذا هو الشعار الرئيسي الذي يجب أن يهيمن على كافة نشاطات ذكرى يوم الارض ومن غيرها لن تكون هذه النشاطات أكثر من إستمناء سياسي يمارسه بعض المحترفين.
من أجل إنقاذ الارض وإنقاذ الانسان الفلسطيني الذي يحيى على هذه الارض أو الذي اقتلع منها، علينا أن نستوحي التاريخ النضالي لشعبنا الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني وخصوصا النواحي التالية:
1) إعلان الاضراب العام والشامل سنويا في ذكرى يوم الارض، وفي حالة إشتداد الازمة السياسية (كما هو عليه اليوم) يجب الدعوة الى إضراب مفتوح على غرار إضراب عام 1936 ولكن هذه المرة بعد أن نتعلم دروس هذا الاضراب: عدم الاصغاء الى الحكام العرب مثلا!
2) مقاطعة المستوطنات التي قامت على الارض العربية المصادرة وكافة منشآتها التجارية. لا يعقل أن يقوم رؤساء بلدياتنا ومجالسنا المحلية بالتنسيق الكامل مع هذه المستوطنات التي قامت بهدف خنق مدننا وقرانا. ولا يعقل أن نحج يوميا، جماعات ووحدانا الى مراكزها التجارية للتسوق.
3) يجب طرق كافة المنصات الدولية من حقوقية وسياسية وإعلامية لفضح سياسة الدولة العنصرية ومقاومتها.
4) يجب أن نقاوم سياسة الدمج على كافة المستويات وبالمقابل يجب أن نبدأ بتشييد مؤسساتنا الوطنية المستقلة وعلى كافة المستويات أيضا. يجب مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية التي يمكن الاستغناء عنها وإستبدالها بمنتوجات وطنية، وتشجيع الصناعة والزراعة الوطنيتين.
غدا سوف تنتهي المسيرات وسوف تخفت الخطابات وتتلاشى إلا أن نداء الارض سوف يلاحقنا فلنلبي هذا النداء
مؤتمر القمة العربية في دمشق- هل سيكون مختلفا؟

لقد قيل وكتب الكثير عن جامعة الدول العربية منذ تأسيسها قبل أكثر من 60 عاما بمبادرة أنجليزية قبل ان يسلموا فلسطين للحركة الصهيونية ويعودوا الى جزيرتهم. لا حاجة للتنويه الى أن معظم ما كتب عن هذه المنظمة كان سلبيا للغاية. يكفي أن نذكر هنا أن تاريخ الجامعة العربية كان مواكبا لتاريخ نكبة فلسطين. كلاهما ترعرع في أجواء الهزائم المتواصلة والعجز والفشل. وليس من باب الصدفة أن الشعار الذي كان وما زال سائدا على هذا التاريخ المشترك: إتفق العرب على الا يتفقوا.
وقد قيل وكتب الكثير عن مؤتمرات القمة العربية، ومؤتمر دمشق سوف يكون المؤتمر العشرين من حيث الترتيب. هذه المؤتمرات هي أيضا لم تسلم من الشتائم. فمنهم من أطلق عليها مؤتمر "القمامة" العربية ومؤتمرات العجز والخيانة الى آخره من هذه الصفات.
الشتائم والمسبات قد تنفس عن بعض الاحتقان والغيظ عند الناس ولكنها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة وبالتأكيد لا تستطيع أن تقدم بديلا او تؤدي الى تغيير جذري نحو الافضل. مؤتمرات القمة العربية هي في نهاية المطاف مؤتمرات النخب الحاكمة في البلدان العربية. وكما يقول المثل: الاناء بما فيه ينضح. مؤتمر القمة هو مرآة يعكس حقيقة الحكام المشاركين لا أكثر ولا اقل. هل ممكن أن نتوقع من رئيس وصل الى كرسي الرئاسة بواسطة انقلاب دموي ويحافظ عليه بواسطة المخابرات أن يكون مثالا للتسامح والديموقراطية؟ هل نتوقع من أمير نشأ وترعرع في ظل الحماية الامبريالية أن يشهر سيفه في وجه حماته؟ وهل من المعقول أن يخرج أحد الملوك من جلده ويرفع علم الاشتراكية والتقدم؟ لماذا إذن نحمل هؤلاء المؤتمرين فوق طاقتهم؟ خلاصة القول: اذا أردنا مؤتمرات قمة عربية بالمعنى الحقيقي للكلمة فلا بد من تغيير كافة الملوك والامراء والرؤساء العرب. أي لا بد من إعلان الثورة العربية الشاملة. ولكن حتى ذلك الحين، لا بد من أن نتوقف ولو للحظة عند مؤتمر القمة الاخير في دمشق من أجل تسجيل بعض الملاحظات:
بالنسبة للكثيرين، من مؤيدين ومعارضين لمؤتمرات القمة، مجرد عقده في دمشق هو أمر بحد ذاته يستحق التوقف عنده وسبر مكنوناته . دمشق في نهاية المطاف ليست الرياض حيث عقد المؤتمر الاخير وهي ليست تونس أو شرم الشيخ. دمشق هي عاصمة الممانعة الوحيدة الباقية في الوطن العربي حتى وإن كانت هذه الممانعة واهنة وهزيلة. وهذا بحد ذاته يضفي على المؤتمر جوا خاصا مغايرا نسبيا عن الاجواء التي سادت المؤتمرات السابقة.
ذاكرة المواطن العربي العادي لا تحمل من مؤتمرات القمة السابقة سوى النزر القليل. ولعل المؤتمر الوحيد العالق في ذاكرتنا خصوصا نحن الفلسطينيون هو مؤتمر الخرطوم بعد نكسة 1967 ولاءاته الثلاث: لا صلح ولا مفاوضات ولا إعتراف بإسرائيل. وبالرغم من أن هذا المؤتمر قد عقد بعد هزيمة اليمة، وبالرغم من تحول السياسة العربية الحاد من مبدأ محو "مصدر العدوان" الى مبدأ محو "آثار العدوان" الا انه ما زال حاضرا في ذهن جميع الافراد والتنظيمات المعادية للهيمنة الصهيونية والامبريالية.
إذا أخذنا مؤتمر الخرطوم كمقياس وكنموذج للمقارنة فأين يقع منه مؤتمر دمشق؟ واضح أن لاءات الخرطوم قد سقطت منذ زمن طويل. حيث قامت دولتان عربيتان بالصلح العلني والرسمي مع اسرائيل اما باقي الدول العربية فإنها تمارس الصلح العملي معها على مستويات مختلفة. الاعتراف بإسرائيل أصبح شاملا ليس فقط من جراء اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو بل أيضا من خلال ما يسمى: مبادرة السلام العربية. اما المفاوضات فإنها لا تتوقف حتى عندما تكون عديمة الجدوى خصوصا في ظل رؤيا محمود عباس للمفاوضات ولسان حاله يقول: أنا افاوض فأنا موجود. والبلد المضيف نفسه لا يرفض المفاوضات مع اسرائيل مبدئيا بل على العكس من ذلك، فهو لا يترك مناسبة الا ويصرح بها عن استعداده للبدء بالمفاوضات ومن دون اية شروط مسبقة وإن "خيار السلام هو خيار استراتيجي" للنظام السوري.
هل سيتخلى مؤتمر دمشق عن "مبادرة السلام العربية" التي اطلقها مؤتمر بيروت في أوج حصار رام الله وأكدها مؤتمر الرياض في أوج حصار غزة؟ خصوصا وأن اسرائيل بالرغم من كل التنازلات التي قدمتها، قد القت بها في سلة المهملات؟ لا اظن ذلك. سوف يتمسك القادة العرب بمبادرتهم هذه وسيكتفون بتوجيه بعض كلمات العتاب الى اسرائيل راجين منها ان تنقذهم وتقبل المبادرة ولو بشروطها المهينة. إذن ماذا سيقدم المؤتمر للقضية الفلسطينية؟ لا شيء سوى المزيد من الادانات اللفظية للسياسة الاسرائيلية في غزة. من المتوقع أصلا الا تكون القضية الفلسطينية في أعلى سلم اولويات المؤتمرين. هناك على الاقل 3 قضايا أخرى سوف تستحوذ على هذه الاولوية وهي:1) الازمة اللبنانية 2) العلاقات مع ايران والتحالف الامريكي – الاسرائيلي – العربي لمواجهة ما يسمى الخطر الايراني 3) الوضع في العراق.
وربما جاءت قضايا الصومال والسودان والعلاقات بين الدول العربية قبل القضية الفلسطينية. دعوة نوري المالكي لكي يتراس الوفد العراقي تعني ضمنا قبول الاحتلال الامريكي والتعامل مع العراق المحتل وعملائه. ودعوة محمود عباس لتراس الوفد الفلسطيني تعني الوقوف الى جانب خيار المفاوضات وإقصاء المقاومة.
هذه قراءة سريعة لمؤتمر القمة العربية العشرين المزمع عقده غدا في دمشق. لن يطرأ اي تغيير جذري على أوضاع المنطقة بعد المؤتمر او من جراء المؤتمر. التغيير سوف يأتي فقط من خلال تحرك جماهيري ثوري يسقط كافة الانظمة القائمة.

Wednesday, March 19, 2008

راشيل كوري: أشرف الموت موت الشهداء

راشيل كوري: أشرف الموت موت الشهداء

بين يوم المرأة العالمي وعيد الأم وبالضبط في 16 آذار قبل خمسة أعوام إنضمت راشيل كوري الى قافلة شهداء فلسطين فتركت ورائها أما نستطيع أن ندعوها بكل فخر وإعتزاز أم الشهيدة وتركت ورائها ذكرى لإمرأة شابة قدمت روحها الطاهرة على مذبح الحرية والعدالة.
الذكرى الخامسة لاستشهاد راشيل كانت ذكرى مميزة وخصوصا في حيفا والناصرة بعد العرض الاحتفالي لمسرحية:"اسمي راشيل كوري" التي انتجها مسرح الميدان من إخراج رياض مصاروة والرائعة لانا زريق. وقد بلغ هذا العرض ذروته الانسانية عندما أعتلت أم الشهيدة المنصة وقالت وعيونها تغرورق بالدموع مثل باقي عيون المشاهدين: "لقد خسرت ابنة ولكني قد ربحت حتى الآن عشرة بنات (مشيرة الى عدد الممثلات اللاتي قمن بدور راشيل على منصات المسارح في جميع ارجاء العالم) عزائي أن صوت راشيل يسمع الان في كل مكان".
من هي راشيل كوري؟ وما هو صوتها الذي يجلجل في أروقة العالم بالرغم من رقته وعذوبته؟ راشيل انها فتاه أمريكية عادية أثبت الايام انها ليست عادية بل مميزة الى ابعد الحدود. فتاة كباقي الفتيات تذهب الى المدرسة، تلعب، تحلم وتخربش احلامها البريئة على دفتر يومياتها. منذ نعومة أظافرها اظهرت حساسية فائقة إتجاه هموم الآخرين وشعرت بآلامهم. كان يحزنها أن تسمع عن المجاعات في افريقيا، وعن الحروب المتواصلةفي بقاع كثيرة من العالم. لم تكن تعي بعد مسؤولية الادارة الامريكية عن هذه الاوضاع.
هل هو القدر الاعمى أحمق الخطى الذي ساقها الى بلادنا التي تسمى مجازا الاراضي المقدسة؟ وهل هو القدر الذي اوصلها الى أتعس بقعة في هذه البلاد؟ الى قطاع غزة، حيث يتبارز قبضايات العالم من امريكا واوروبا واسرائيل والدول العربية على فرض الحصار عليها، تجويع أهلها، إغتيالهم، هدم بيوتهم من أجل تركيعهم. لا أدري، ولكنها وصلت.
كانت في ال23 من عمرها. لم تأت لتحارب، لم تتدرب في حياتها القصيرة على السلاح مثل بنات سنها الاسرائيليات اللاتي في مثل هذا الجيل يكن قد أنهين الخدمة العسكرية وتخرجن وهن يحملن صورهن بالزي العسكري والبندقية أو وهن يعتلين ظهر دبابة. لم تأت حتى لضرب حجر على دبابة كما تفعلنه زميلاتها الفلسطينيات. جاءت بجسدها النحيل وقلبها الكبير لتقدم رسالة سلام، كم كنت ساذجة يا راشيل.
هل يستطيع القلب مهما كان كبيرا أن يوقف آلة هدم صماء أمريكية الصنع تسمى بلدوزر يقودها شخص أشد صمما من الآلة نفسها؟ الفلسطينيون إرهابيون ومن يأني لمساعدتهم يدمغ فورا هو الآخر بالارهاب او بمناصرة الارهاب وبالتالي لا فرق بينهما. كم كان حظك سيئا يا راشيل! لو قتلت في مكان آخر ولو كان من قتلوك غير الاسرائيليين لفعلت الحكومة الامريكية الكثير لمعاقبتهم.
قبل خمس سنوات وقفت راشيل بين البلدوزر وبيت عائلة فلسطينية رافعة ايديها وصوتها، تصرخ: لا تتقدم، لا تهدم. إلا أن البلدوزر والسائق ومن ارسلوه كانوا يقهقهون وما زالوا يقهقهون حتى الان. وهكذا إنضمت راشيل القادمة من بعيد الى قافلة شهداء فلسطين من مناضلين واطفال وشيوخ ونساء.
بالموت لا بالكلام يؤكد الشهداء ايمانهم. كانت راشيل تؤمن بعالم افضل، عالم يخلو من الظلم والاستبداد. وبموتها لم تؤكد ايمانها هذا فحسب بل نقلته الى غيرها من الزهرات في شتى ارجاء العالم.
لقد ضحت راشيل بروحها لكي تنعش ارواحنا وتقوي ايماننا بأن حلمها سوف يصبح حقيقة. لقد حفرت راشيل اسمها عميقا في قلوب الجماهير الفلسطينية. وعلينا أن نحمل اسمها وحلمها بكل فخر وأعتزاز حتى يبزغ فجر الحرية في سماء فلسطين.
نعم على مستشارة المانيا أنجيلا ميركل أن تشعر بالعار

في خطابها من على منصة الكنيست الاسرائيلي يوم الثلاثاء 18/3/2008 قالت ميركل انها تشعر بالعار بسبب الكارثة التي سببتها المانيا النازية في حق الشعب اليهودي. نعم، على مستشارة المانيا أن تشعر بالعار ولكن ليس بسبب الكارثة التي سببها النازيون وتتحمل مسؤوليتها المانيا حتى اليوم فحسب بل بسب صمتها المخزي عن كارثة أخرى صنعتها وتتحمل مسؤوليتها دولة إسرائيل أقترفتها في حق الشعب الفلسطيني، سنوات قليلة فقط بعد حدوث الكارثة التي تكلمت عنها.
في إطار خطابها المذكور ومن خلال كيلها المدائح لدولة اسرائيل قامت ميركل بتزييف الحقائق وتشويه التاريخ. بدأت خطابها بالتعبير عن "الشرف" العظيم الذي حظيت به لمنحها الفرصة بالكلام بلغة امها في الكنيست. بينما حتى العديد من الاسرائيليين لا يجدون أي شرف من الوقوف على منصة الكنيست والقاء خطاب به أمام عدد كبير من العنصريين الذين يحملون ايديولوجية لا تختلف جوهريا عن الايديولوجية النازية التي تشعرها بالعار. تكلمت ميركل عن 60 عاما من "البناء العظيم" ولكنها تعامت وصمتت عن 60 عاما من الهدم العظيم لشعب كامل، عن هدم أكثر من 500 قرية فلسطينية وتشريد أهلها، عن أكبر عملية تطهير عرقي عرفته البشرية في تاريخها الحديث اسفر عن تدمير مجتمع بإسره.
تكلمت المستشارة الألمانية عن 60 عاما من "التحديات والنضال ضد التهديدات ومن أجل السلام" بينما يعرف العالم بأسره انه منذ تأسيس دولة اسرائيل لم تنعم المنطقة بيوم واحد من السلام الحقيقي بل بحروبات متواصلة قامت اسرائيل اما بشنها واما بتأجيجها والمشاركة فيها. وليس من باب الصدفة أن تنظر كافة الشعوب الاوروبية الى اسرائيل بأنها أكبر تهديد للسلام العالمي.
تواصل ميركل هذيانها المنافق الرخيص وتقول: " 60 سنة من استيعاب المهاجرين" وليس 60 سنة من نهب وسلب اراضي الآخرين وزرع مستوطنات فاشية لا تخفي على أحد طبيعتها الفاشية وبالمقابل تنكر حق الللاجئين بالعودة وتعمل جاهدة على تهجير من تبقى منهم.
وقد بلغت المستشارة ذروة نفاقها اللامنطقي واللامعقول عندما كررت الكذبة التي تروجها حكومة اسرائيل عندما قالت : " بينما نتكلم هنا يخيم على آلاف الناس تهديد من ارهاب صواريخ حماس..." وكأنها لم تسمع على صواريخ وطائرات ودبابات اسرائيل تقصف يوميا قطاع غزة. وكأن سكان غزة اشباح لا يشعرون بتهديد الارهاب الاسرائيلي ولا بشلالات الدم التي تسفكها اعتى آلة حربية في المنطقة. المستشارة الالمانية تدرك تمام الادراك ماذا يجري في غزة، بل تدرك أيضا انها شريكة فعالة في أقتراف جرائم ضد الانسانية في غزة من خلال مساهمتها في فرض الحصار اللاانساني على القطاع، من خلال منع الطعام عن أطفال يتضورون جوعا والدواء عن مرضى يتقلبون من الاوجاع. بل واكثر من ذلك: من خلال بناء الغواصات الحربية ومنحها مجانا لإسرائيل وتقديم المساعدات العسكرية وتأمين الدعم المادي والسياسي لها.
مما لا شك فيه ان المانيا واسرائيل، على حد تعبير المستشارة، سوف تبقيان مرتبطتان بأواصر فريدة من نوعها ولكن ليس بسبب الكارثة وتداعيتها بل بسبب الشراكة في الجرائم الراهنة ضد الشعب الفلسطيني.
الكل يعرف، بما فيهم العديد من الاسرائليين، أن أموال التعويض التي قدمتها المانيا خلال 60 عامت استغلت لبناء أكبر دولة عسكرية تملك أكبر ترسانة حربية في العالم والقسم الآخر من أموال التعويضات وجد طريقه الى جيوب كبار الراسماليين الذين يحتكرون السلطة الاقتصادية والسياسية في هذه الدولة. وفقط النزر القليل وصل الى ضحايا جرائم النازيين. معظم الناجين من الكارثة يتضورون جوعا ويخوضون نضاال مستمرا للحصول على بعض المخصصات التي تحتجزها البنوك وتستغلها الحكومة.
لا يمكن أن تستمر دولة اسرائيل بإبتزاز العالم بالكارثة بينما هي تصنع الكارثة تلو الكارثة. وها هي اليوم تحاول أن تنصع كارثة جديدة على مستوى عالمي من خلال دق طبول الحرب وتحريض العالم لشن حرب نووية على ايران. وحتى اليوم لن ننسى الدور التحريضي الاجرامي لدولة اسرائيل من خلال الترويج للأكاذيب الذي أدى تدمير العراق.
إن ما حدث في اوروبا خلال الحرب العالمية الثانية هو جريمة في حق البشرية جمعاء ويجب أن يدان في كل مكان وزمان، ولكن ما الذنب الذي اقترفه الشعب الفلسطيني لكي يشرد ويقتل؟
من المعروف أن الحركة الصهيونية كانت أكثر الاطراف لا مبالية بمصير يهود اوروبا ولم تساهم بشيء يذكر في النضال ضد النازية، ولكنها كانت أكثر الاطراف مستفيدة بسبب تدفق أموال التعويض عليها وبسبب مصادرة الكارثة من أصحابها الحقيقيين واحتكارها لها.
في الذكرى ال60 لنكبة فلسطين على انجيلا ميركل وزمرتها من اولمرت الى بوش أن يخجلوا ويخرصوا.

يجب هدم بيت ايهود اولمرت وأيهود براك أولا



بعد زيارتها للمدرسة الدينية " مركاز هراب" التي تعرضت مؤخرا لعملية فدائية، طالبت داليا أيتسك رئيسة الكنيست والقائمة باعمال رئيس الدولة بهدم بيت عائلة منفذ العملية. عادة، وفي مثل هذه الحالات تقوم قوات الامن الاسرائيلية فورا بدون مطالبة أحد وبدون اللجوء الى اية محكمة بهدم بيت عائلة منفذي مثل هذه العمليات من أجل الإنتقام أولا ومن ثم كعقاب جماعي وكوسيلة للردع. ولكن في هذه الحالة وبسبب وجود هذا البيت في جبل المكبر في القدس والتي تعتبرها اسرائيل عاصمتها الابدية فإن الامر يختلف قليلا.
حتى لو لم يتم هدم البيت فعليا الا انه لا يضر إستعمال هذا التهديد للتحريض وبث سموم العنصرية من جهة وكورقة يستعملها المسؤولون المعدودون على المركز واليسار الصهيوني لتحسين صفحتهم عند التيار اليميني الاستيطاني المتطرف والتي تشكل مدرسة "مركاز هراب" أبرز رموزه.
قبل هذه العملية بعدة أيام قامت دولة اسرائيل بقتل أكثر من 125 "مخرب" أكثر من ثلثهم من الاطفال والنساء بعضهم لا يتعدى عمره عدة شهور لم تجف دمائهم بعد، وهدمت العديد من البيوت على رؤوس ساكنيها. فإذا كان بيت عائلة منفذ عملية القدس يستحق الهدم، بالرغم من إن جميع أفراد العائلة لا يعرفون ولم يشاركوا من قريب او بعيد بعملية ابنهم، فلماذا لا نطالب بهدم بيوت أولئك الذين إقترفوا مجازر غزة؟، ولا اقول بيوت عائلاتهم.
لنبدأ ببيوت الاربعة الاوائل المسؤولين مباشرة عن سفك الدماء في غزة.
أولا، بيت رئيس الحكومة، ايهود اولمرت المسؤول الاول عن مجازر غزة. لماذا لا نطالب بهدم بيته الذي دفع ثمنه من أموال دافع الضرائب ومن خلال الرشوات والفساد؟ ثانيا، بيت وزير الحرب أيهود براك. ولا ادري كم بيت يملك ولكن لكثرة الجرائم التي صنعتها يداه فجميعها تستحق الهدم. ثالثا، بيت رئيس اركان الجيش، غابي اشكنازي في كفر سابا. رابعا، بيت يوآب جلانط قائد المنطقة الجنوبية الذي ضم الى بيته مساحات واسعة من الارض العامة بدون مشاكل تذكر ما عدا شكاوي بعض الجيران وذلك بسبب مركزه وقربه من شارون.
أصلا، في دولة طبيعية، دولة ديموقراطية حقا، يجب هدم مدرسة "مركاز هراب" نفسها. هذه المدرسة التي لا تعلم سوى الكراهية ولا تربي سوى على العنصرية منذ تأسيسها عام 1924 على يد الراب العنصري كوك وحتى يومنا هذا. وقد خرجت أجيالا من المستوطنين الذين اقترفوا وما زالوا الجرائم التي لا تعد ولا تحصى في حق الشعب الفلسطيني. حركة غوش امونيم التي عاثت بالضفة الغربية فسادا وأرهبت المواطنين الآمنين والمسؤولة الاولى عن زرع الضفة بالمستوطنات الفاشية تعتبر تجسيدا للإيديولوجية السائدة في هذه المدرسة. يكفي أن نذكر هنا بعض غلاة الفاشيين من خريجي هذه المدرسة: الوزير وعضو الكنيست رافي ايتام، بنيامين ألون رئيس حزب مولدت الفاشي، موشه ليفنغر وحايم دروكمان ومثلهم كثيرون.
عنصرية هذه المدرسة لم تكن موجهة حصريا ضد الفلسطينيين والعرب. بل لم يسلم من شرها حتى أوساط واسعة من الحركة الصهيونية نفسها التي دمغت بالاعتدال. الاجواء التي أدت الى مقتل اسحاق رابين نمت وترعرعت في اروقة هذه المدرسة وغمرت أرجاء واسعة من البلاد. خريجو هذه المدرسة لم يكفيهم ولم يعجبهم ما كسره رابين من عظام الفلسطينينن خلال الانتفاضة الاولى. انهم يريدون المزيد وعندما لم يستطع تلبية كافة مطالبهم بدأو بالتحريض عليه والنتيجة يعرفها كل إسرائيلي. لم يكفيهم ولم يعجبهم ما بناه شارون من مستوطنات وما اقترفه من جرائم لإرضائهم، وعندما طلب منهم مغادرة غزة حفاظا على ارواحهم لم يسلم من شرهم. والامثلة عديدة. حتى ايهود اوولمرت لم يجرؤ على زيارة هذه المدرسة للتعزية، بينما تعرضت الوزيرة يولي تمير لما يشبه اللينش. اما ايهود براك فلم يجرؤ على زيارتها الا بعد أن صرح بإن هذه المدرسة روح الصهيونية النابض وكال لها المديح لدورها في تاريخ الصهيونية.
لنعود الى دالية ايتسك، وهي مدرسة في حد ذاتها في الانتهازية والنفاق. فقد ترعرعت في حزب العمل وتسلقت المناصب الى درجة كبيرة بفضل العرب الذين خدعوا بإبتسامتها الصفراء التي تكشف عن انياب دراكولا. مثلها مثل معلمها شمعون بيرس وزميلها حايم رامون تركوا حزب العمل الغارق وقفزوا الى حزب كديما لتأمين مقاعدهم. هذه الوزيرة السابقة ورئيسة الكنيست حاليا والتي تقوم مقام رئيس الدولة تتزعم حاليا التحريض ضد العرب لأرضاء هذه المدرسة الفاشية وتطالب بهدم بيت عائلة منفذ عملية القدس.
وأخيرا أنصح الزعامة العربية في هذه البلاد ممثلة في لجنة المتابعة بكافة مركباتها أن تحول حملتها العقيمة لتوقيع ربع مليون على عريضتها من أجل " لجنة حيادية مع مختصين دوليين" لفحص أحداث اكتوبر 2000 الى عريضة تطالب بهدم بيوت الاربعة المذكورين أعلاه وانا أضمن لها النجاح في جمع مليون وربع مليون توقيع.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 12, 2008

حول شعار الوحدة الوطنية


في سياق دفاعه عن النظرية الماركسية الثورية ومن خلال نضاله ضد التحريفيين على مختلف انواعهم ومشاربهم كتب لينين يقول:" لو أن البديهيات الهندسية كانت تصدم مصالح الناس لسعوا بكل تأكيد الى دحضها وتشويهها". فكم بالاحرى المبادئ السياسية الثورية والتقدمية التي من غير شك تصدم مصالح الكثيرين؟. ولعل أكثر مبدأ على الساحة الفلسطينية تعرض للتشويه هو شعار الوحدة الوطنية. لقد أصبح هذا الشعار جسرا يعبر فوقه الانتهازيون من كل حدب وصوب وأصبح قناعا يختبئ خلفه أعداء الوحدة وأعداء الوطنية.
لقد سمعت هذا الشعار يكرر بشدة خلال جنازة الحكيم جورج حبش، حيث هتف رفاق الجبهة الشعبية: "الحكيم وصانا وصية صونوا الوحدة الوطنية". هذا الشعار كما سبق وقلت هو شعار سليم لا يمكن أن تتخلى عنه اية حركة تحرير وطني ولكن.. قبل أن نهتف هذا الشعار يجب أن نعي تماما ماذا تعني الوحدة؟ وماذا تعني الوحدة الوطنية؟ هل الوحدة تعني فرض هيمنة طرف على طرف آخر؟ هل الوحدة تعني فقدان استقلالية أي تنظيم ناشط على الساحة النضالية وقبول التبعية؟ بالطبع لا. فقد كان نضال الحكيم ضد هيمنة طرف معين على منظمة التحرير الفلسطيني جزؤ لا يتجزأ من نضاله الوطني العام. وهل كان الحكيم يطرح شعار الوحدة الوطنية على أساس التفريط بالثوابت الوطنية؟ بالطبع لا، بل على العكس من ذلك تماما، كان شرطه للوحدة الوطنية هو التشبث بهذه الثوابت والدفاع عنها.
عاد هذا الشعار ليحتل مؤخرا مكانا مركزيا في نشاطتنا السياسية بعد الصراع الدامي الذي شهدته جهات معينة من فتح وحماس وحسم الوضع لصالح حماس في قطاع غزة. وأصبحنا نردد كالببغاوات:" يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس". وقد كان يمكن التغاضي عن ذلك ما دامت هذه الهتافات تصدر بحسن نية من قبل جماهير اثار سخطها التشرذم السائد والذي لا يفيد سوى إسرائيل التي تقصف وتغتال في غزة وتبني المستوطنات والجدار في الضفة وتقتل وقت الحاجة ايضا ولا يسلم من شرها أحد. ولكن عندما يتناول هذا الشعار سياسيون لكي يمرروا مفهومهم الخاص له تتغير النظرة تماما. مثلا عندما نشر الشيخ ابراهيم عبدالله في جميع وسائل الاعلام العربية مقالا تحت عنوان: "نعم هناك حل للأزمة الفلسطينية" وبه يحاول أن يلقي المسؤولية بالتساوي على الطرفين (فتح وحماس)، يقفز عن أسباب الصراع وجوهرة ويطالبهما بالعودة للوحدة وكأن الامر لا يعدو كونه أكثر من طوشة عمومية يمكن إحتواءه ببوس اللحى.
والمثال الآخر، ما قاله الشيخ هاشم عبد الرحمن رئيس بلدية أم الفحم التي استضافت المظاهرة القطرية ضد إجتياح غزة يوم الثلاثاء الماضي والذي هتف من على المنصة: "يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس" و "يا عباس ويا هنية وحدتنا وحدة قوية" وفسر كلامه لاحقا عندما قال: أن المقاومة لا تجدي بدون الوحدة وأن المفاوضات ايضا لا تجدي بدون الوحدة، وعلى المقاوم والمفاوض أن يتحدوا.
ولكن كيف يمكن يا شيخ أن يتحد المقاوم الذي يقدم الشهداء مع المفاوض الذي يقدم للعدو التنازلات المجانية عن الثوابت الوطنية؟ كيف يمكن أن تقاوم القوات الاسرائلية الغازية وتتحد مع الذين يقدمون لعدوانها التبريرات بل وأكثر من ذلك يساهمون بفرض الحصار ويلهثون وراء أوهام الحلول الامريكية – الاسرائيلية؟. هل يمكن أن نسمي مثل هذه الوحدة وحدة وطنية؟
مما لا شك فيه أن الوحدة الوطنية تطوي في أحشائها عنصر التنازلات المتبادلة. ولكن ألا ينبغي أن يكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها؟ لقد أصبح واضحا أمام كل مراقب قيام معسكرين متناقضين بل متناحرين الاول يضم أمريكا واسرائيل وحلفائهما من الانظمة العربية "المعتدلة" في المنطقة بما فيها رئاسة السلطة الفلسطينية ومعسكر المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية وجماهيرها الداعمة. وكلما تفاقمت الازمة كلما تسارعت عملية الفرز وإشتدت التناقضات . حتى أصبحت الوحدة بين طرفين أو أكثر متواجدين في كلا المعسكرين مستحيل أن تكون وحدة وطنية. إذ لا يعقل أن تسير في ركب الامبريالية الامريكية وتدعي مقاومة الامبريالية، لا يمكن أن تقدم التازلات عن الثوابت الوطنية لاسرائيل على طبق من ذهب وتدخل في عملية مفاوضات عبثية وعقيمة وتدعي مقاومة الاحتلال.
لا يمكن الاستخفاف بعقول الجماهير الى هذا الحد. كل فرد فينا، حتى اولئك البعيدين كل البعد عن النشاط الوطني المباشر والذين بنقصهم الوعي السياسي، يعرف ما هي سياسة اسرائيل الحقيقية. وهي لا تخفيها اصل، بل تعلنها بمناسبة ومن غير مناسبة وفي كافة وسائل الاعلام العبرية والعربية والعالمية انها لن تقبل في يوم من الايام عودة اللاجئين الفلسطينيين ولن تنهي الاحتلال ولن تقتلع المستوطنات. ولنسأل انفسنا سؤالا بسيطا: ماذا كانت نتائج المفاوضات طوال 15 سنة منذ توقيع اتفاقيات أوسلوا وحتى اليوم؟
نعم للوحدة الوطنية على اساس الثوابت الوطنية المتعارف عليها ولا للوحدة مع عملاء على شاكلة لحد وكرزاي. نعم لوحدة القوى التي تخوض النضال من أجل انتزاع الحقوق الوطنية المشروعة ولا للوحدة مع تيار التفريط والمساومة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 05, 2008

عارنا في غزة



إنتهت الجولة الاولى من الاجتياح الاسرائيلي الاخير لقطاع غزة. أسدل الستار مؤقتا من أجل التحضير للمشهد القادم من هذا المسلسل المستمر منذ اليوم الاول للاحتلال. لقد كانت مشاهد هذه الجولة عنيفة بإمتياز حيث ابدعت اسرائيل في إنتاج وإخراج وتنفيذ هذه المشاهد التي شدت أنظار العالم أجمع اليها. وقد أصاب نائب وزير الحرب الاسرائيلي، متان فلنائي، الذي يفتخر بعلاقاته الحميمة والمتشعبة بالوسط العربي بوصف هذه المشاهد: "انها المحرقة". وبهذه المناسبة لا بد من توجيه الشكر الى قناة الجزيرة التي أوصلت هذه الصور في جميع ارجاء العالم.
كان حصاد الجولة الاولى لهذا الاجتياح وفيرا للغاية، خلال خمسة ايام سقط 120 شهيدا معظمهم من المدنيين بينهم عدد كبير من الاطفال وحوالي 400 جريح بالاضافة الى عدد كبير من البيوت المدمرة. وهذه طبعا إحصائيات اولية إذ أن الفلسطينيين لم يحصوا جميع قتلاهم بعد ولا يعرف كم من الجرحى سوف يموتون موتا بطيئا بسبب نقص العلاج والادوية. على كل حال العدد لم يعد مهما لأحد. فقد أصبح دم الفلسطيني ارخص من الماء.
انتهت هذه الجولة وعلامات الرضى ظاهرة على وجوه معظم الاطراف المشاركة. فهذه اسرائيل، واحة الديموقراطية في المنطقة تقترف جرائمها الديموقراطية في وضح النهار، أمام بصر وسمع العالم الذي يقف مشاهدا منجذبا الى منظر الدماء، يتلذذ بآهات الألم الصاعدة من صدور الجرحى والعائلات الثكلى. بينما ينعقد مجلس الامن، الذي يمثل الشرعية الدولية لأدانة هذه الجرائم، ولكنه ينفض مبرئا المجرمين ومدينا للضحايا. هكذا يصرح الكوري القذر بان كي مون، الذي ما زال يراه بعض العرب حارسا للسلام والامن العالميين، بينما لا يعدو كونه أكثر من عميل صغير لأمريكا واسرائيل. ويضيف انه من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، بينما لا يحق للفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة الدفاع عن أنفسهم حتى وهم يتعرضون لعملية تطهير عرقي.
طرف آخر تبدو علامات الرضى عليه هو الطرف الامريكي. حيث سارعت وزيرة الخارجية الامريكية لزيارة اللاعبين الثلاثة، الذين قاموا بدور البطولة هذه الجولة لكي تطمئن على سير الامور وعلى مدى نجاح تنفيذ المشروع الامريكي. بدأت وزيرة الخارجية الامريكية زيارتها بمصر حيث هنأت النظام على إعادة اغلاق معبر رفح وعلى تهديده بكسر أرجل كل فلسطيني تسول له نفسه عبور الحدود مستقبلا ولخدمات أخرى عديدة. ثم عرجت الى زيارة رئيس السلطة الفلسطينية وهنأته على دوره الفذ في توفير التبرير اللازم لشن العدوان حيث القى المسؤولية على "الصورايخ العبثية التي تطلقها حماس على جنوب اسرائيل". وهمست في أذنه كلمة عتاب على تعليقه للمفاوضات مع اسرائيل ونصحته بإعادتها على جناح السرعة.
ولكن هذه الاطراف لم تكن هي الوحيدة التي عبرت عن إرتياحها ورضاها من انتهاء هذه الجولة. هناك الطرف الذي يهمنا نحن فلسطينيو الداخل مباشرة، وأعني زعامتنا المحلية ممثلة بلجنة المتابعة العليا على كافة مركباتها من أحزاب سياسية وجمعيات أهلية. والذين ما زالوا يربتون على أكتاف بعضهم البعض ويتنفسون الصعداء بعد المسيرة الضخمة يوم الثلاثاء في مدينة أم الفحم إحتجاجا على مجازر غزة. فقد حققت هذه المظاهرة إنجازات عديدة كان أولها رفع العتب عنهم وآخرها تنفيس الاحتقان المتراكم في صدور الجماهير.
غير أن هذه المظاهرة اكدت وبشكل قاطع أن هذه الزعامة لا يمكنها أن ترتقي الى مستوى الاحداث الجسيمة التي تعصف بالمنطقةا. ينطبق عليها المثل الشعبي القائل: "رايحين عالحج والناس راجعة". ما زلنا نذكر الماضي القريب، اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على لبنان، بعد حوالي ثلاثة اسابيع من هذه الحرب وبعد تدمير كافة الجسور والطرق وارتكاب المجازر، وبعد أن بدأ الحديث يتعالى حتى بين مؤيدي هذه الحرب عن ضرورة وقف اطلاق النار وإنهاء الحرب، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا. وهذا الامر يتكرر الان، بعد أن إرتكبت إسرائيل جرائمها التي صعقت العالم وأعلنت عن سحب قواتها، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا، أما في أوج العدوان فقد إكتفت جميع الاحزاب المنضوية تحت كنف لجنة المتابعة بتنظيم إحتججات هزيلة على المفارق كل واحد على حدة، لا تسمن ولا تغني من جوع. بينما كانت الجماهير تغلي من الداخل ولا تجد طريقة هادفة للتعبير عن سخطها. من المفروض، نظريا على الاقل، أن تقوم القيادة بتعبئة الجماهير وتنظيمها وقيادة نضالها بشكل هادف وواعي، ولكن الوضع هنا على العكس من ذلك تماما. فالقيادة تتحرك فقط تحت وطأة الضغط الجماهيري وتصب جل جهدها في كيفية إحكام قبضتها على التحرك الجماهيري ولجمها والحرص على عدم فقدان سيطرتها عليها، مستخدمة الشعارات الرنانة والخطابات النارية. إلا أن هذه الشعارات مهما علت وهذه الخطابات مهما التهبت فإنها أعجز من أن تخفي هذا الواقع. وليس صدفة أن الجماهير التي تكون على أتم الاستعداد للخروج في مسيرات جبارة باتت تمقت المقطع الاخير من هذه المسيرات المتمثل بالخطابات. ويبدو أن هذه الزعامة نفسها بدأت تشعر بذلك وتقوم بالاختصار منها.
قصف الاماكن المأهولة واستهداف المدنيين والأطفال من قبل القوات الاسرائيلية ليس من باب الصدفة وليس لأنه لا يوجد هناك آخر، وهو أكيد ليس خطأ عرضيا، بل هو سياسة مدروسة ومنظمة. سياسة تعبر عن النظرية العنصرية التي تتبناها المؤسسة الصهيونية والتي تقول: أن قتل المدنيين سوف يدق الاسفين بين المقاومة والجماهير، وسوف يؤدي الى تمرد الجماهير على المقاومة. غير أن الواقع يؤكد العكس من ذلك تماما، فكلما تصاعد إستهداف المدنيين والاطفال كلما أنضم إتسعت دائرة الملتحقين بالمقاومة. هذه النظرية العنصرية التي تقول ايضا: أن العرب لا يفهمون سوى لغة العنف والقوة. وإذا لم يفهموا بالعنف القوة فسوف يفهمون بمزيد من العنف ومزيد من القوة.
هذه النظرية ليست حصرا على إسرائيل فقد إستعملتها جميع القوى الاستعمارية والكولونيالية وجميعها منيت بالفشل وتبقى الحقيقة التي تقول: اينما يوجد إضطهاد توجد هناك مقاومة، سارية المفعول.