Thursday, November 08, 2018

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي
علي زبيدات - سخنين

الانتخابات المحلية من وراء ظهورنا غير أن تبعاتها ونتائجها سوف تلاحقنا لفترة طويلة من الزمن. ولا أبالغ إذا قلت اننا لن نتخلص منها ابدا لأنها تتجدد كل خمس سنوات بالشكل نفسه والمضمون نفسه. وإذا طرأت عليها بعض التغيرات ستكون هامشية وجانبية ولن تمس جوهرها.
بعض الدول تسن القوانين لاجبار مواطنيها على المشاركة في الانتخابات برلمانية كانت أو المحلية وذلك من منطلقات سياسية أو ايديولوجية لا مجال للخوض بتفاصيلها هنا، وإلا تعرض المواطنون للعقوبات من دفع غرامات مرورا بأشغال لخدمة الجمهور وحتى السجن في بعض الحالات. تصل نسبة المصوتين في هذه الدول إلى 90% وأكثر.
 تصل مشاركة العرب في هذه البلاد في الانتخابات المحلية هذه النسبة وقد تتجاوزها بدون أن يكون هناك قانون الانتخابات اجبارية. فهم يذهبون الى صناديق الاقتراع بمحض ارادتهم وبحماس يحسدون عليه. يقف جميع المحللين والمراقبين عند شكل هذه الانتخابات ويتفقون على أن هذا الشكل يقوم على أساس عائلي يتلاءم وينسجم مع تركيبة المجتمع. وربما وجدوا هنا وهناك بعض الدلائل لمؤشرات حزبية أو شبه حزبية أو طائفية أو نوع من الخليط العائلي - الحزبي - الطائفي. فالحزب السياسي مهما كانت عراقته ضاربة الجذور ومهما تزين بالايديولوجيات والنظريات والشعارات البراقة فأنه يعترف في نهاية المطاف أن كل هذه الامور لا تملأ الصناديق بالاصوات وأنه من أجل ذلك لا غنى عن الانتماءات العائلية.  فيبحث عن عائلة أو عائلات تشد من عضده وفي كثير من الاحيان يبحث عن عائلة كبيرة تتبناه كحزب. وتشعر العائلة أيضا بتغير الازمنة فتبدأ بتقليد الاحزاب بطريقة اختيار مرشحها وبكيفية إدارة حملته الانتخابية. الطوائف المختلفة لا تبتعد كثيرا عن هذا النموذج  فمنها من أقامت احزابا طائفية بشكل علني ومفضوح ومنها، خصوصا الطوائف الصغيرة، فقد شكلت لنفسها قوائم طائفية خجولة بعض الشيء.
أهتمام المحللين والمراقبين بالشكل فقط أفقدهم الاهتمام بالجوهر، مع أنه هو الجانب الرئيسي والأكثر أهمية في هذه المعادلة. حسب رأيي، والذي أؤكد عليه كل التأييد، أن جوهر هذه الانتخابات ( وعلى فكرة كل انتخابات) هو طبقي وربما الاصح أن نسميه: صراع طبقي. بذلك فأنا هنا لا أعيد اختراع العجلة أو اكتشاف امريكا. فالأمر واضح كل الوضوح ولا ادري لماذا يتجاهله الجميع ويخافون من سبر غوره.
المرشحون أصحاب الحظوظ الاوفر بالنجاح لا ينتمون لعائلة كبيرة فحسب بل يعتبرون من أغنياء هذه العائلات.  وغالبا ما يكونون رجال أعمال أو أصحاب ممتلكات أو ذوي مهنة رفيعة ومكانة مرموقة وربما جمعوها كلها أو معظمها في آن واحد. وهكذا يكونون قادرين على شراء الاصوات بشكل مباشر أو بواسطة مقاولي أصوات. هذا بالاضافة الى كرمهم الزائد في توزيع الوعود. بالمقابل هناك جمهور المصوتين الذين لا يكادون يملكون شيئا، وتحت وطأة الحاجة والفقر ومقابل النزر القليل المدفوع مسبقا والوعود المستقبلية نراهم يهرعون لصناديق الاقتراع. ومن الطبيعي أن تذهب اصواتهم للقريبين اليهم عائليا أو سياسيا ضاربين بمصالحهم الحقيقية عرض الحائط. وكما تزعم الزعامات على المستوى الوطني أن الوطن للجميع ولكنهم يخفون ما في سرائرهم بأن لهم في هذا الوطن حصة الأسد، كذلك تردد الزعامات المحلية القول ذاته بأن البلد للجميع وفي الوقت نفسه ينسون أو يتناسون القول بأن لهم حصة الاسد في هذا البلد. 
قلت أن جوهر الانتخابات المحلية طبقي بل صراع طبقي. وقد يعترض البعض قائلا: ولكن اين هو الصراع؟  ما نشاهده ليس صراعا بل هو أقرب إلى  التعاون والانسجام. نعم، هذا صحيح، وهذا ما يبدو للوهلة الاولى. فقد يبدو الصراع الطبقي في مرحلة معينة تعاونا وذلك لاسباب كثيرة وتحت ظروف شتى أهمها انعدام الوعي الطبقي عند الجماهير، تقهقر النضال الوطني التحرري وتقاعس وفي بعض الأحيان خيانة القيادات التي مهمتها قيادة الصراع الطبقي وتطويرة بشكل يحقق أماني هذه الجماهير ويخدم مصالحها . 
قلت في الماضي وها أنا أعود وأكرر ما قلت: إن الهدف من الانتخابات المحلية في ظل هذا الكيان الاستيطاني العنصري هو خدمة الدولة وسياستها وليس خدمة الجماهير. مع تزايد الوعي الطبقي عند الجماهير وبزوغ قيادة جديدة ثورية تقدمية مخلصة سوف يعود الصراع الطبقي الى مساره السليم، وسوف تقترب الزعامات المحلية المنتفعة أكثر فأكثر للطبقة الحاكمة في الدولة لتشكل جبهة واحدة. وفي المقابل سوف يلتحم النضال الطبقي المحلي بالنضال الوطني العام. عندها سوف تبزغ شمس الحرية وسوف تكنس هذه الديمقراطية المزيفة الى مزبلة التاريخ.

Thursday, October 25, 2018

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية!

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية
علي زبيدات - سخنين

من يظن أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة فهو مخطئ. يوجد هناك دولة أخرى تنافسها بالديمقراطية وهي دولة فلسطين. نعم يوجد هناك من يصر على تسميتها دولة بينما يكتفي البعض بتسميتها سلطة وطنية أو سلطة فلسطينية، إما تواضعا وإما تشكيكا. عن "الديمقراطية" الاسرائيلية نحن نعرف كل شيء أو تقريبا كل شيء: فهي دولة قانون ودولة مؤسسات. لها برلمان يسمى الكنيست منتخب بشكل ديمقراطي كل اربع سنوات أو كلما دعت الحاجة لذلك. وهو مفتوح أمام الجميع بمن فيهم نواب يمثلون من يطلقون على أنفسهم الاقلية الاصلانية الفلسطينية مواطني الدولة. وهناك سلطة تنفيذية تسمى الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي يستطيع أن يحجب عنها الثقة ويسقطها. وهناك جهاز قضائي "مستقل" يستطيع أن يضع البرلمان والحكومة عند حدهما إذا تجاوزا القوانين الأساسية. وهذه الدولة تملك جيشا يعتبر من أقوى جيوش العالم، ولكن هذه الصفة ليست أهم صفاته. ما يميزه عن باقي جيوش العالم هو كونه الأكثر أخلاقية حتى أصبحت ابشع الجرائم التي يقترفها تخرج من تحت يديه نعمة على المقتولين بسبب "طهارة" سلاحه. ويمارس احتلالا متنورا لا مثيل له في العالم إلى درجة أن الذين يعيشون تحت هذا الاحتلال لا يموتون من أجل دحره والتخلص منه بل على العكس يموتون حرصا عليه وعلى بقائه ويعشقون الحواجز والجدران العازلة والاغتيالات. أصلا لا يوجد هناك احتلال وبالتالي لا يوجد جيش احتلال إذ هل يعقل أن يحتل جيش أرضه؟ هذا غيض من فيض من سمات "الديمقراطية" الاسرائيلية. ومن يريد أن يتنور أكثر في هذا المجال سوف يجد الجواب عند معتوهي الأرض وأشدهم عنصرية ليزودوه بما يريد من معلومات.
ولكن ما هي حكاية الديمقراطية الفلسطينية؟ في هذا الصدد لدي تجربة شخصية مع هذه الديمقراطية تعود إلى ما قبل قيام السلطة، عفوا الدولة، واسمحوا لي أن أقصها عليكم بإختصار: في نهاية عام 1988 قدم ياسر عرفات على رأس وفد فلسطيني رفيع المستوى من أجل إلقاء خطاب في مقر الأمم المتحدة في جنيف. وكان ذلك بناء على إملاءات أمريكية في إطار المساعي للتوصل إلى اتفاقية سلام مع اسرائيل. وقد وصلت هذه المساعي إلى ذروتها شهرا قبل موعد الخطاب المذكور في جنيف، وبالتحديد في الدورة ال19 للمجلس التشريعي في الجزائر حيث تم الإعلان عن " استقلال" فلسطين والاعتراف الضمني بدولة إسرائيل. ولكن التنازلات التي قدمها المجلس الوطني في الجزائر لم تكن كافية بالنسبة للادارة الامريكية حتى تقبل بمنظمة التحرير شريكا رسميا وتبدأ بمفاوضات مباشرة معها. وطالبت ياسر عرفات بالقدوم الى جنيف لكي يلقي خطابا ينص بشكل صريح على الاعتراف بقرار 242 الذي كانت المنظمة بكافة فصائلها ترفضه وإدانة كافة انواع الارهاب والذي يعني نبذ الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الكيان الصهيوني. 
كانت الجلسة مفتوحة، وقد غصت القاعة بالوفود القادمة من كافة أرجاء العالم. وكان هناك وفد كبير من عرب اسرائيل ( في ذلك الوقت لم تكن هذه التسمية حساسة كما هي عليه اليوم). كنت هناك، جئت بمفردي قادما من دولة أوروبية. بعد عاصفة من التصفيق استمرت لبضع بدأ ياسر عرفات بإلقاء خطابه.دقائق وفي مرحلة ما من الخطاب قال:" إن الشعب الفلسطيني يعترف بقرار مجلس الأمن 242 ويستنكر ويدين كافة أشكال الإرهاب". فلم أجد نفسي الا وأنا واقفا في احد الصفوف الخلفية في القاعة صارخا في وجه عرفات: " هذا الكلام كذب. فالشعب الفلسطيني يرفض قرار 242 المجحف في حقه وقد قدم آلاف الشهداء لاسقاطه، كما أن الكفاح الفلسطيني ليس إرهابا بل ما تقوم به إسرائيل وامريكا هو الارهابي". فما كان من عرفات الا أن صمت للحظة وقد بدت على وجهه الصدمة، اذ كيف يقوم شخص نكرة بمقاطعة الرئيس بهذه الوقاحة.  ومن ثم قال: "هذه هي الديمقراطية الفلسطينية"  وتابع خطابه بعد أن تفجرت عاصفة التصفيق.
وقعت هذه الحادثة قبل 30 سنة. ولكن ما هي مناسبة سرد هذه القصة الآن؟ المناسبة هي أن منظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت تقريرا يدين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية (وسلطة حماس في غزة) باعتقال وتعذيب منهجي للمنتقدين والمعارضين السلميين. وأنها شكلت كيانات بوليسية تمارس انتهاك حقوق الانسان. وطالبت الدول المانحة بتعليق مساعداتها للوحدات والاجهزة الامنية الضالعة بمثل هذه الممارسات. وقد كان رد السلطة على هذه الاتهامات عنيفا ملخصه: أن دولة فلسطين هي دولة ديمقراطية، دولة قانون ومؤسسات (لاحظوا، العبارات نفسها التي تستعملها إسرائيل)، تلتزم بتعهداتها وواجباتها، تحترم حقوق الإنسان وتدافع عنها، وتعتمد في ذلك ليس على المعاهدات الدولية بهذا الخصوص فحسب بل على وثيقة الاستقلال الفلسطينية من حيث الاساس، وأن تقرير هيومن رايتس ووتش حول التعذيب الممنهج والاعتقال هو تقرير سياسي يتوافق مع الموقف الأمريكي.
لست هنا بصدد الدفاع عن هذه المنظمة أو مهاجمتها. ولكن اظن اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا التقرير لمعرفة ما يدور في دهاليز الأجهزة الامنية  الفلسطينية (في الضفة وفي قطاع غزة على حد سواء) من تعذيب واعتقالات تعسفية. قامت الادارة الامريكية مؤخرا بتقليص مساعداتها للصحة والتعليم في فلسطين وإيقاف مساعداتها لمنظمة الأونروا، الاجهزة الامنية كانت الوحيدة التي استثنيت من هذه التقليصات. على غرار الديمقراطية الاسرائيلية، اعترفت الديمقراطية الفلسطينية بحصول بعض التجاوزات الفردية التي تقوم الاجهزة الامنية بواجبها بالتحقيق في حيثياتها، ولكن النتيجة كانت دائما، كما في الجارة اسرائيل، عندما يقوم جهاز أمني بالتحقيق مع نفسه، انه لم تتم محاسبة او ادانة أي عنصر ارتكب مثل هذه التجاوزات.
خذوا ديمقراطيتكم وانصرفوا. ليست هذه هي الديمقراطية التي يطمح بها ويناضل من أجلها الشعب الفلسطيني. 


Thursday, October 11, 2018

ما وراء البرامج الانتخابية

ما وراء البرامج الانتخابية
علي زبيدات - سخنين

للوهلة الاولى، قد يظن القارئ أن هذه المقالة تدور حول الانتخابات المحلية الوشيكة. ولكنها بكل تأكيد ليست كذلك حتى ولو تم ذكر اسمها مرات عديدة. فالقصد منها أبعد ما يكون عن الانتخابات المحلية. موقفي كان ولا يزال مقاطعة هذه الانتخابات أسوة بمقاطعة شقيقتها الكبرى، انتخابات الكنيست. وقد سبق وشرحت الاسباب التي دفعتني لاتخاذ مثل هذا الموقف ولا رغبة لدي لتكرار ما قلته في هذا المجال. أعتقد أننا ظلمنا المرشحين لرئاسة البلديات والمجالس المحلية والمرشحين  لعضوية مجالس هذه البلديات. وأعترف بأنني كنت ممن ظلموا هؤلاء المرشحين في بعض الأمور من أهمها أنه لا يوجد هناك اي مرشح قد طرح برنامجا انتخابيا. ولكني غيرت رأيي تماما في هذه النقطة بالذات بعد أن استمعت إلى خطاباتهم في المهرجانات الداعمة وشاهدت عشرات الفيديوهات ومئات البوستات على شبكات التواصل الاجتماعي وتبين لي أن لجميعهم برامج انتخابية رهيبة تعجز عن تحقيقها الدول طوال عشرات السنوات فكم بالاحرى بلديات محدودة الصلاحيات والميزانيات في خمس سنوات؟ هل صادفتم مرشحا لرئاسة بلدية أو حتى لمجلس محلي متواضع ولم يضع على رأس سلم أولوياته واهتماماته البنود التالية:
التربية والتعليم، بناء المدارس والروضات والمراكز الثقافية، رفع نسبة النجاح في البجروت، وتخصيص المنح للطلاب الجامعيين.
حل مشاكل الازواج الشابة وأزمة السكن من خلال توفير القسائم وبناء الدور والشقق لجميع المحتاجين وباسعار شعبية.
توسيع مناطق النفوذ والمسطحات في كل مدينة وقرية.
محاربة العنف في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع.
محاربة الفساد في البلدية وفي كافة المؤسسات التابعة لها.
تمكين المرأة ودمجها بالعمل البلدي هذا بالاضافة الى محاربة العنف والتحرش والتمييز الذي تتعرض له ومحاربة القتل على خلفية ما يسمى ب"شرف العائلة".
بناء المرافق الثقافية والاقتصادية والترفيهية.
ألا تشكل كل هذه البنود برنامجا انتخابيا تعجز عن تحقيقه دولة تتحكم بميزانيات تفوق ميزانيات البلديات مجتمعة وكل على حدة بمئات وربما بآلاف المرات؟ وهذا ليس كل شيء، إذا ما أضفنا "الانجازات" التي يروجها رؤساء البلديات الحاليين والذين يطمحون بالعودة لفترة أخرى والتي لا تقل عن "برامجهم" المستقبلية.
هذا يذكرني ببرامج وانجازات أحزابنا و تنظيماتنا على الصعيد الوطني التي لا تتوقف عن أحصاء انتصاراتها على الكيان الصهيوني الغاصب. فمن يستمع لخطاب رئيس اصغر حزب وحتى خطاب أكبر تنظيم فلسطيني في اي مهرجان أو ذكرى أو مناسبة يخرج بشعور لا يقاوم بأن الاحتلال يلفظ أنفاسه الاخيرة وأن الاعداء من تل أبيب إلى واشنطن على وشك رفع الراية البيضاء والاستسلام من غير قيد أو شرط. برامج براقة شكلا فارغة مضمونا كالطبل الأجوف كلما اتسع حجما ضخم صوته وبقي خاويا.
هذا الكلام الذي أقوله هنا يحاكم صاحبه في كافة الدول العربية بتهمة تخريب معنويات الأمة والمس بالامن القومي وتحطيم مناعة الدولة وقد تصل التهم الى الخيانة ومساعدة العدو.
أظن أنه بعد سبعين عاما من العيش بالاوهام ومن غرس وتربية الأوهام والمتاجرة بها آن الأوان لكي نستفيق ونبحث لنا عن بديل آخر. أن نضع على الاقل رجلا واحدة على الأرض ولتبق الرجل الاخرى مرفوعة في الفضاء. أن نتوقف للحظة واحدة عن عد الانتصارات والانجازات ونتذكر الهزائم والنكبات المستمرة. لنبدأ بتواضع وعلى مهلنا: نعترف أولا بضعفنا وعجزنا، وهذا ليس عيبا، لأنه من غير هذا الاعتراف لن نستطيع قلب الضعف إلى قوة والعجز إلى مقدرة. لنبدأ بتنظيف عقولنا وأفكارنا من الغبار المتراكم طوال قرون عديدة من الركود والتخلف. لتكن بداية جديدة على أسس متينة جديدة نستطيع من خلالها أن نكمل المسيرة. دعونا نبدأ من مدننا وقرانا، نتخلص من تفكيرنا العائلي الضيق العقيم، نتوقف عن اللهث وراء مصالحنا الشخصية وننفض عن وجوهنا وكواهلنا غبار الماضي السحيق. ولا تقلقوا سوف يأتي دور البرامج الطموحة التي سوف تصبح قابلة للتطبيق وليس مرتعا للاوهام كما  هي عليه اليوم.
يقول بعض سياسيينا الذين اتحفونا على مدى عقود بمعاركهم الدونكيشوتية وبعنترياتهم داخل أروقة الكنيست وخارجه، أن قانون القومية الاسرائيلي قد أعاد الصراع إلى المربع الأول. حسنا ما السيء في ذلك؟ هذا يعني أن الطريق الذي سلكتموه قد وصل الى نهايته المسدودة بل أعادنا الى نقطة الانطلاق الأولى. فلماذا لا تكملون معروفكم وتتنحون جانبا وتفسحون المجال لغيركم من الأجيال الشابة أن تجرب حظها وتقود المسيرة بفكر جديد ومعنويات جديدة وأساليب عمل جديدة؟.



Thursday, September 27, 2018

أمام الكواليس وخلف الكواليس

 أمام الكواليس وخلف الكواليس
علي زبيدات - سخنين

عند كتابة هذه السطور لم يكن محمود عباس قد القى خطابه أمام الجمعية العمومية بعد. وأعتقد لا يوجد هناك أية ضرورة لانتظار هذا الخطاب لكي تكتب عما يجري في اروقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وأعتقد أيضا أن هذا الوضع لا ينطبق حصرا على رئيس السلطة الفلسطينية بل يشمل معظم إن لم يكن كافة الزعامات التي ألقت خطاباتها والتي لم يأت دورها بعد. خطابات ترامب واردوغان وروحاني كانت مكشوفة ومتداولة بين الناس وفي وسائل الإعلام قبل وقوفهم على المنصة. في حالة محمود عباس لم يترك المحيطين به والمقربين منه إلى حد الاحتضان مثل عريقات، العالول وشعث بالإضافة لابواق الدعاية الخاصة في وسائل الإعلام التابعة حتى ولو كلمة واحدة يفاجئنا بها الرئيس. فالرسالة وصلت قبل الخطاب وسوف تصل بعد الخطاب أو بدون خطاب. ولكن أحد قوانين اللعبة ينبغي على المسرحية أن تتم على المنصة، أمام الكواليس وخلف الكواليس، لم تعد تفرق فقد أصبح المكانان سيين.
فور عودة الرئيس الى رام الله، سوف يدعو الرئيس الى عقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير لاتخاذ القرارات. وكأن هذا المجلس لم يجتمع بدل المرة مرتين ولم يتخذ القرارات. صحيح أن ذاكرتنا قصيرة ولم نعد نتذكر بالضبط ما هي القرارات التي اتخذها هذا المجلس في اجتماعاته السابقة ولكن ليس إلى درجة أن ننسى تماما اجتماعاته واتخاذه للقرارات الحاسمة. في الماضي وعدونا باتخاذ القرارات ولكنهم لم يعدونها بتطبيقها أو أنهم لم يحددوا وقتا لتطبيقها. هذه المرة ستكون هناك خطوة مميزة وجريئة إلى الأمام، حيث سيكون النقاش المركزي ليس حول اتخاذ القرارات بل حول كيفية تطبيقها. صدق أو لا تصدق، هذه المرة سوف يكون هناك قرارات وتطبيق في الوقت نفسه. يبدو أن أحدهم قرأ عن العلاقة الديالكتيكية بين النظرية والممارسة. أنا شخصيا أحب مشاهدة المسرحيات والافلام. وقد شاهدت بعضها عدة مرات وشعرت وكأني أحضرها للمرة الاولى. ولكن يوجد هناك مسرحيات مملة حالما تبدأ بمشاهدتها يهجم عليك النعاس فكيف يكون شعورك إذا أخبرك احدهم على مشاهدتها عدة مرات؟ الان، وفي وقت كتابة هذه السطور اشعر بالنعاس كلما فكرت بمراجعة قرارات المجلس المركزي من أجل إنعاش الذاكرة لا اكثر ولا اقل. وأعترف، بالتالي تغلب على الكسل والملل ولم استطع أن اضغط على كبسة أو كبستين لكي تظهر هذه القرارات أمامي على الشاشة.
سوف يقول الرئيس أيضا أن السلطة الفلسطينية لن تكون الطرف الوحيد الذي يلتزم بالقرارات المبرمة. ولكن في الوقت نفسه لن يخفي فخره واعتزازه بأنه الطرف الوحيد الملتزم بها. سوف يعبر الرئيس عن خيبة أمله من الادارة الامريكية ويسهب في عتابه للقائمين عليها. سوف يصرح بصوت مثير للشفقة: لماذا تعاملونني هكذا؟ ما الخطأ الذي فعلته؟ تريدون مفاوضات؟ فأنا مع المفاوضات بالسر والعلن واليوم قبل غدا فلماذا تعاملونني وكأنني قطعة أثاث في صالونكم؟ لماذا لا تعطوني شيئا مهما كان بسيطا لكي الوح به أمام شعبي وأقول لهم: ها انا قد حققت لكم بعض المكاسب؟
 وربما سيدعو الرئيس الدول  ال132 التي اعترفت بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة أن تكمل معروفها وتعترف بها كدولة تحت الاحتلال، وكأن هذا التعريف افضل، ولكنه قد يدري او لا يدري أن العديد من هذه الدول على أتم الاستعداد للتراجع عن اعترافها المنقوص ومنها دول عربية شقيقة. وبعد عودته لأرض الوطن سوف يسيل الكلام كالفيضانات حول صلابة الموقف الفلسطيني والتمسك بالثوابت والوقوف أمام القوة الأكبر في العالم.
نعم، اكتب هذه السطور قبل إلقاء الخطاب ولكنها على الأرجح سوف تنشر بعد إلقاء الخطاب. فهل سوف اندم على ما كتبته؟ وهل ساضطر إلى لحس كل ما بصقته؟ هل سيفاجئنا الرئيس ويقول لأمريكا: أغربي عن وجهي، لا نريد سلامك ولا نريد أموالك وسوف ننتزع حقنا بسواعدنا، بدم شهدائنا، بتضحيات أسرانا وبعرق جماهيرنا؟. وهل سيقول لنتنياهو: ايها المحتل الغاشم سوف تغادر ارضنا مهما طال الزمن ومهما غلا الثمن؟. وهل سيقول للأمم المتحدة: أيها المنافقون، أنتم شركاء في هذه الجريمة كل على حدة وكلكم مجتمعين؟ لا أتصور أن يقول مثل هذا الكلام وبالتالي لا أتصور أن تخرج المسرحية عن روتينها المستمر منذ سنوات طويلة. لم يعد هناك أي فرق بين ما يجري أمام الكواليس وبين ما يجري خلفها.
قلت سابقا بأنني احب المسرحيات، ولكن المسرحيات الواقعية الجيدة. وأظن أن غالبية الناس تحب مثل المسرحيات. وأنا مثلي مثل غيري أكره المسرحيات المملة التافهة التي تقوم على النفاق. المسرحية الحقيقية التي تستحق المشاهدة هي المسرحية التي يكون أبناء الشعب ابطالها والتي يكون نضال الشعب وحريته موضوعها، وأرض الوطن منصتها. 

Thursday, September 13, 2018

شعب واحد... ولكن

شعب واحد … ولكن
علي زبيدات سخنين

نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده… ولكن
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني… ولكن
قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد… ولكن
من منا لم يسمع ولم يردد هذه الشعارات وما شابهها مرات لا تحصى ولا تعد؟ من أعضاء الكنيست العرب، من رؤساء البلديات والمجالس المحلية، من قيادات الاحزاب السياسية الاسلامية والقومية والعلمانية، من الناشطين في الجمعيات والمؤسسات المدنية وحتى الناس البسطاء في الشارع والبيوت.
ولكن ما قصة هذه الـ "لكن" التي تتكرر؟ حتى أن البعض يسميها "لكن كبيرة".
لغويا (حسب معجم المعاني الجامع) هي حرف عطف واستدراك يثبت لما بعده حكما مخالفا لما قبله. كمن يقول: الطقس جميل لكن الجو ملبد بالغيوم. فعندما تقول: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وتتبعها بكلمة لكن.. فهذا يعني انه لديك تحفظ ما، يختلف عما قلته سابقا. وفي سياق هنا المقصود اننا جزء يختلف عن باقي الاجزاء وتميزنا عنها.ل دينا ظروفنا الخاصة.
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
صحيح، قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
وبالتالي إذا جمعنا كافة هذه "اللكنات" لتبين اننا في الواقع جزء يتجزأ من الشعب الفلسطيني وان قضيتنا ليست واحدة ومصيرنا ليس واحدا. على سبيل المثال لا الحصر: نطالب الشعب الفلسطيني بعدم التطبيع مع إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نطالب بالاندماج معها ونطالبها بمنحنا المساواة مع مستوطنيها. نطالب العالم بمقاطعة إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نحن معفيين من هذه المقاطعة. مشاركة أهالي القدس في الانتخابات البلدية تعتبر خيانة بينما في الناصرة تعتبر موقفا وطنيا. لأن القدس محتلة وكأن الناصرة "محررة". لا بأس في أن تدير بلدية القدس الصهيونية شؤون الفلسطينيين. إذ حسب القانون الدولي على المحتل أن يوفر المتطلبات الاساسية لمن يقع تحت الاحتلال. ولكن في الوقت نفسه مرفوض رفضا باتا أن تعين الحكومة لجنة تدير شؤون أية بلدية عربية لأن مثل هذه اللجنة لن تكون حريصة على مصالح البلد.  لو شارك أهالي القدس بالانتخابات المحلية لاستطاعوا التأثير أكثر من تأثير من يشارك من العرب في انتخابات تل ابيب أو حيفا أو أي مدينة أخرى مما تسمى بالمدن المختلطة. طبعا أنا هنا لا اعمل دعاية بضرورة مشاركة أهل القدس بالانتخابات البلدية أو أية انتخابات أخرى، العكس تماما هو الصحيح، أنا أعمل دعاية لمقاطعة فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 لمقاطعة هذه الانتخابات. فنحن شعب واحد أليس كذلك؟ وجميعنا تحت الاحتلال والفرق بين الاحتلالين أقل من عشرين سنة، وعلى الاحتلال حسب القانون الدولي أن يوفر الظروف المعيشية الاساسية لجميع يرزحون تحت نير الاحتلال. ولن تكون آخر الدنيا أذا عينت الحكومة لجان لتدير كافة البلديات والمجالس العربية.
هذه يعني اننا شعب واحد وهذا يعني اننا جزء لا يتجزأ من هذا الشعب وغير ذلك ليس سوى كذب وغش وخداع. إذا كانت قضيتنا واحدة فحلها يجب أن يكون واحدا. الاعتراف بنا كأقلية قومية، منح الباقين دولة العوبة والمساومة على عودة الآخرين، هذا لا يعني قضية واحدة ولا يعني حلا واحدا. هل مصيرنا واحد أم لكل جزء فينا مصيره وعليه يسعى إليه ويتقبله؟
إذا أردنا حقا أن نكون شعبا واحدا يتكون من أجزاء لا تتجزأ وإذا أردنا أن تكون لنا قضية واحدة ومصير واحد، وليس من باب الشعارات والخطابات فحسب، علينا أن نمحى هذه الكلمة "لكن" بهذا المعنى من قاموسنا.
من هذا المنطلق ارفض شرعية السلطة الفلسطينية لأنها في أحسن الأحوال تستفرد بجزء واحد من الشعب الفلسطيني. وارفض سلطة حماس في غزة من المنطلق نفسه. وارفض أوهام الاقلية القومية التي تحيط بها غالبية عنصرية والتي تروج لها لجنة المتابعة. قد يقول البعض: ولكن ماذا عن الظروف الخاصة التي تميزنا وتفصل فيما بيننا موضوعيا ولا يمكن بأي حال من الاحوال تجاهلها أو إنكارها؟ ماذا يعني التمرد إذا لم يكن يعني التمرد على الظروف؟ ماذا يعني النضال إذا لم يكن ضد هذه الظروف؟ وماذا تعني الثورة إذا لم يكن هدفها قلب الواقع رأسا على عقب. فالظروف ليست أمرا منزلا حتى ولو آمن بذلك الكثيرون.
لنتذكر مقولة كارل ماركس الشهيرة: "إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان فعلينا أن نصنع ظروفا إنسانية"

Thursday, September 06, 2018

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم
علي زبيدات - سخنين

 تنشر دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية كل سنة قبيل رأس السنة العبرية تقريرا يحتوي على معلومات إحصائية أساسية عن السكان، الاقتصاد والمجتمع والتي تستعمل، بعد دراستها وتحليلها، من قبل الوزارات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتحديد سياساتها وبرامجها.
لن أخوض هنا بتفاصيل هذا التقرير فهو متوفر وفي متناول اليد لكل من يهتم بهذا الموضوع وقد نشرته معظم وسائل الإعلام الاسرائيلية إن لم يكن كافتها. جملة صغيرة وردت في صفحات التقرير لفتت نظري وهي محور مقالتي هذه. تقول هذه الجملة: " 89% من الإسرائيليين من سن عشرين فما فوق راضون عن حياتهم. 6% فقط يشعرون بالوحدة في أوقات متقاربة". على عكس غالبية الاحصائيات التي تأخذ بعين الاعتبار انتماءات السكان القومية لم يذكر هنا أي انتماء قومي، مما يوحي أن هذه النسبة تشمل اليهود والعرب على حد سواء وقد تكون نسبة غير الراضين من العرب أعلى من نسبة اليهود، ويظهر ذلك بشكل أوضح عندما تصبح نسبة عدم الراضين عن وضعهم الاقتصادي 37%.
لو افترضنا أن هذه المعلومات الاحصائية صحيحة، وهي حسب رأيي صحيحة ولو بشكل  تقريبي، فإننا نستنتج أن كل نضالاتنا داخل الكنيست وخارج الكنيست وكل احتجاجاتنا وإدانتنا لسياسة الحكومة قد فشلت حتى في أن تقض مضاجع المواطن الاسرائيلي المتوسط، بل أسوأ من ذلك، فإن هذه الاحصائيات تثبت بأننا شركاء في هذا الرضا. وإذا أضفنا إليها نضالات إخواننا في غزة والضفة الغربية ودول الجوار فهي الاخرى قد فشلت في أن تمس رضا غالبية السكان عن حياتهم. إن دل ذلك على شيء فإنه يدل إما على ضعفنا المطلق وإما على قوتهم الخارقة وربما يدل على الامرين معا. أنا شخصيا لا أؤمن بوجود ضعف مطلق. فالضعف قد يتحول إلى قوة إذا تعرفت على مصدره وأسبابه وعرفت كيف تعالجه وتعمل على تغييره. وفي الوقت نفسه لا أؤمن بوجود قوة خارقة. فكل قوة يمكن أن تتحول إلى ضعف أو على الاقل تواجه قوة أخرى مثلها أو أقوى منها. ولكن في لحظة معينة من الزمن، قد تطول أو تقصر، يبدو وكأنه يوجد هناك ضعف مطلق مقابل قوة خارقة، وهذه الحالة قريبة جدا من حالتنا في الوقت الراهن. وخير دليل على ذلك أن نسبة الراضين عن حياتهم تصل إلى 89%. فقط عندما تنعكس الصورة ويصرح 89% من السكان إنهم غير راضين عن حياتهم، تصبح امكانية التغيير الجذري إمكانية واردة بل ضرورية. من حيث المبدأ، نحن نطمح بالطبع لأن تكون نسبة الراضين عن حياتهم 100% ولكن بعد التخلص من هذا النظام الكولونيالي العنصري الذي يعمل على رفاهية مجتمعه الاستيطاني فقط، وبعد تحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني وعودته إلى وطنه.
المستوطن الصهيوني في الضفة الغربية يشعر بالأمن والرفاهية وبالتالي يصرح لدائرة الاحصاء المركزية بأنه راض عن حياته ليس  بسبب الدعم الحكومي (الاسرائيلي- الأمريكي) فحسب بل بسبب الحماية التي توفرها له أجهزة امن السلطة الفلسطينية وتقهقر النضال الشعبي المناهض للاستيطان أيضا. المستوطنون في الجليل والنقب راضون عن حياتهم ليس بسبب سياسة التهويد الحكومية ومنحهم كافة التسهيلات والامتيازات فحسب بل بسبب نضالنا البائس الذي أسفر عن مصادرة 93% من أراضينا أيضا. الاسرائيليون بشكل عام راضون عن حياتهم لأن الكنيست التابعة لهم لا تتوقف عن سن القوانين العنصرية بينما تتمسك بها الأحزاب العربية وكأنها حبل النجاة. المحاكم الاسرائيلية تفاجئنا كل يوم بأحكامها القراقوشية ولكننا نتهافت عليها بإستمرار طالبين الإنصاف والعدالة. نطالب الشرطة التي تتفنن في قمعنا و إذلالنا بترخيص وحماية مظاهراتنا واحتجاجاتنا. وأكثر من ذلك، بعد سن قانون القومية الأخير، وتعبيرا عن رفضنا لهذا القانون نناشد الدولة ونتوسل اليها أن تعيد لنا مواطنتنا الاسرائيلية كما كانت حتى ولو كانت مواطنة درجة ثانية أو ثالثة. في هذه الأيام، مع بداية الحملة الانتخابية المحلية، ننسى نكبتنا ونكستنا وكل قضايانا الجوهرية ونبدأ بعملية نهش جماعي لبعضنا من أجل الفوز ببعض الفتات التي القته الحكومة على طاولتنا.
لا أريد أن أتكلم هنا عن دور ومساهمة أشقائنا في الدول العربية من المحيط الى الخليج في تعزيز شعور الاسرائيلي بالرضا عن حياته. فالحديث في هذا المجال ذو شجون لا أول له ولا آخر. في ظل هذا الواقع المرير أصبح الاحتلال الإسرائيلي إحتلالا متنورا، وأصبح الجيش الإسرائيلي أكثر جيش أخلاقي في العالم بغض النظر عن جرائمه المثبتة والموثقة، وأصبح هذا الكيان هو الضحية والشعب الفلسطيني هو الإرهابي والمعتدي. وما زال العالم يفرد جناحية ويحتضن هذا الكيان العنصري.
للنتظر تقرير دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية  قبيل السنة العبرية القادمة لعل وعسى..


Thursday, August 16, 2018

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة
علي زبيدات - سخنين

تحيرنا معكم ولم نعد نفهم عليكم. هل نعيش أصعب أيام حياتنا وأحلك ليالينا؟ أم أن وضعنا على أحسن ما يرام بعد أن ولى زمن الهزائم من غير رجعة وأصبحنا نحقق الانتصارات كل نصر تلو الآخر؟ من أين نبدأ وماذا نقول؟ دعونا، بشكل عشوائي، نبدأ من إيران وهي كما هو معروف إحدى أعمدة جبهة المقاومة الأساسيين التي طالما رفعت معنوياتنا حتى السماء من كثرة ما بشرتنا به منذ سنوات بمحو دولة إسرائيل عن الخارطة وشكلت من أجل ذلك فيالق القدس التي بالفعل اتجهت غربا، وفي طريقها لتحرير القدس شاركت في تدمير بغداد ودمشق. ولكنها والحق يقال تابعت سيرها حتى وقفت أخيرا على مشارف فلسطين. عندها ظهرت على حقيقتها، حيث قامت دولة اسرائيل باستهداف مواقعها واصطياد جنودها من غير أن تحرك ساكنا. بعد ذلك سمحت لها، بوساطة روسية، أن تقيم مضاربها على بعد مائة كم من الحدود بشكل مؤقت حتى تنجز بعض المهام التي ما زالت معلقة ومن ثم تعود من حيث أتت. أما روسيا، زعيمة معسكر المقاومة والممانعة، والتي كان هدفها الوحيد محاربة الارهاب الداعشي ( لكي لا تظنوا خطأ أنها جاءت لمحاربة الإرهاب الصهيوني) والدفاع عن "الشرعية" في سوريا في وجه المؤامرة الكونية. وعندما تم لها ذلك ووصلت طائراتها وجنودها هي الأخرى إلى مشارف فلسطين، سارع الزعيم بوتين وبحضور ترامب وأمام العالم بالتعبير عن التزامه بأمن اسرائيل ووضعه في أولوية السياسة الروسية في المنطقة.
 الطرف الاخر في جبهة الممانعة، النظام الاسدي، أرسل جنوده بعد انقطاع دام سبع سنوات لحراسة حدوده المحتلة لحساب وصالح إسرائيل وذلك بمباركة من نتنياهو وليبرمان. الكلام عن جبهة المقاومة والممانعة لا يكتمل من غير التطرق لموقف حزب الله وزعيمه حسن نصرالله. فهو منذ 12 عاما يقول لنا أن حزب الله خرج من حرب 2006 اقوى، وأن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، ولكنه في خطابه الاخير قد تفوق على نفسه عندما صرح على الملأ ليسمعه خصومه قبل مؤيديه بأن حزب الله اليوم اقوى من الجيش الاسرائيلي ليس بالسلاح والعتاد فحسب بل في الخبرات والتجارب أيضا تلك التي اكتسبها في محاربة الشعب السوري.
إذا كانت هذه هي حالة جبهة المقاومة والممانعة فما بالك بجبهة الخنوع والعمالة؟ ولنبدأ بالسعودية وحلفها العربي المكون من دول الخليج (ومن ضمنها قطر المتمردة) ومن نظام السيسي في مصر فقد انتقلت هذه الدول من مرحلة التطبيع الرسمي وغير الرسمي مع دولة إسرائيل إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي معها حتى اصبحت شريكة فعالة في تصفية القضية الفلسطينية وفرض السلام الاسرائيلي- الأمريكي على المنطقة.
أما حركة حماس الغادرة التي طعنت ظهر جبهة المقاومة من الخلف، على حد تعبير هذه الاخيرة، فقد خضعت لضغوط المخابرات المصرية والخليجية ومن ورائها أمريكا وإسرائيل ووافقت على هدنة طويلة الامد مقابل بعض الفتات الذي سيعود، من حيث الأساس، على الفئات المتنفذة ولن يغير من واقع البؤس والحصار الذي يرزح تحته معظم أهالي القطاع شيئا. 
السلطة الفلسطينية التي فقد دوختنا وهي تدور فينا من المجلس الوطني إلى المجلس المركزي إلى المجلس التشريعي إلى اللجنة التنفيذية إلى المجلس الثوري، ودوختنا وهي تدور فينا في متاهات لعبة المصالحة، من وسيط إلى وسيط ومن اجتماع إلى اجتماع ومن قرار إلى قرار، ودوختنا وهي  تتخذ القرار ونقيضه في آن واحد، نراها ف\من جهة تسعى لتجميد عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة ومن جهة أخرى تجاهر بالاعتراف بها بشرعيتها. تقول لنا بأنها سوف تقدم مجرمي الحرب الاسرائيليين للمحاكمة في محكمة الجنائيات الدولية، وفي الوقت نفسه إذا ما قامت لجنة دولية بإصدار تقرير يدين الجرائم الإسرائيلية عملت على اجهاضه وافشاله. تدين التطبيع العربي مع إسرائيل وتقف على راس المطبعين معها. هذا ناهيك عن التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي مع الكيان الصهيوني. 
وأخيرا وليس آخرا، ها هم عربنا، الذين يطلقون على انفسهم عرب الداخل ويحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، يكاد يجن جنونهم من قانون القومية الاسرائيلي لأنه يسلبهم اسرائيليتهم المنقوصة ولكن الناعمة ويطالبون بمنحهم الفرصة لكي يكونوا اسرائيليين متساوين مع إخوانهم اليهود. 
على ضوء ما تقدم وعلى ضوء ما تخبئه لنا الأيام القادمة، نعود للمربع الاول ونسأل: هل نعيش اوقات عصيبة لم يسبق أن عشناها من قبل أم أن حالتنا على أحسن ما يرام؟ أترك الإجابة لكم.