Thursday, January 31, 2019

الثورة العربية الدائمة

الثورة العربية الدائمة
علي زبيدات - سخنين

أولا وقبل كل شيء ينبغي أن أنوه بأنه لا علاقة لعنوان هذه المقالة بما كتبه ليون تروتسكي حول الثورة الدائمة. وفي الوقت نفسه لا علاقة له بالصراع الدامي الذي نشب بين تروتسكي وستالين والذي ظهرت بذوره الايديولوجية والسياسية في أعقاب فشل الثورة الروسية الاولى عام 1905 وتفاقمت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 حتى وصلت ذروتها بعد وفاة لينين حيث انتهت بطرد تروتسكي من الحزب ومن ثم من البلاد واغتياله في عام 1940 في المكسيك. لم يكن تروتسكي أول من تكلم عن الثورة الدائمة فقد سبقة في ذلك كل من ماركس وانجلز ولينين وكل حسب رؤيته. لذلك اسمح لنفسي استعمال هذا المصطلح حسب رؤيتي الخاصة وكما تمليه علي تطور العمل الثوري. فلا أحد يمتلك حق احتكار اي مصطلح سياسي خصوصا وأن ظروف الثورات العربية الحديثة التي أطلق عليها ثورات الربيع العربي والتي نقف أمام الذكرى الثامن لانطلاقها تختلف كليا عن ظروف الثورتين الروسيتين. هذا بالإضافة إلى أن معظم  التيارات الستالينية والتروتسكية  الراهنة قد تخلت منذ زمن طويل عن الثورة الاشتراكية الدائمة وغير الدائمة.
اليوم يقف معظم اليساريين من شيوعيين، اشتراكيين، راديكاليين، تقدميين وممانعين  في صف واحد مع الرجعيين التقليدين يصرخون بمناسبة وغير مناسبة حتى وصل صراخهم السماء بأن ما حدث في العالم العربي في السنوات الثماني الاخيرة وما زال يحدث لا صلة له بالثورات لا من بعيد ولا من قريب. واصطف كل فريق يدافع عن النظام الذي يفرد جناحي حمايته ونعمه عليهم واصفين ما يحدث بالمؤامرة الكونية هدفها تخريب لا بل تدمير الجنة التي شيدتها أنظمة الاستبداد وتعيش في ربوعها الشعوب العربية السعيدة. هذه المؤامرة التي تقوم الماسونية والصهيونية والامبريالية والعملاء المحليين بتنفيذها. حيث بدأت المؤامرة في تونس، ولا أدري لماذا قام قادة المؤامرة الكونية باختيار تونس لكي تكون نقطة الانطلاق خصوصا وأن نظامها كان من اشد الانظمة اخلاصا وطاعة لهؤلاء المتآمرين!. ومن ثم تمددت هذه المؤامرة الكونية الى مصر وليبيا واليمن والبحرين حتى وصلت الى سوريا، حيث سقطت كافة اقنعتها وبانت جميع ابعادها. وبدت حالة الانظمة كمن تلقى ضربة عنيفة على رأسه أدخلته في حالة من الدوخان، فاختصروا  المؤامرة الكونية تارة بفيلسوف فرنسي من الدرجة الثالثة يدعى برنارد هنري ليفي والذي كان بجرة قلم قادرا على إخراج ملايين المصريين الى ميدان التحرير وبكلمة واحدة كان يشتت دبابات معمر القذافي هذا، وتارة أخرى بعزمي بشارة حيث توجوه قائدا لثورات الربيع العربي، ومرة ثالثة يلصقون التهمة بامارة قطر، التي تكاد لا تحمي نفسها بدون القاعدة العسكرية الأمريكية، بزعزعة استقرار الأنظمة خدمة لاسيادها الاجانب. وتنتقل التهمة  بالسرعة نفسها الى دولة الامارات التي وضعت بترودولاراتها تحت تصرف الثوار. وأخيرا رست التهمة على مجموعة من الاشباح تلبس قبعات الاختفاء تقمع هنا لتظهر هناك وأطلقوا عليها اسم داعش. وقد راقت هذه الفكرة لجميع الاطراف وهكذا تشكلت تحالفات اقليمية ودولية لم تعرفها الحرب العالمية الأولى ولا الثانية هدفها الوحيد محاربة هؤلاء الأشباح.
منذ البداية، وصفت ثورات الربيع العربي بأنها ثورات متواضعة وجاءت متأخرة بعد حوالي خمسة قرون من الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولهذه الاسباب بالذات كان المفروض دعمها على علاتها على أمل أن تتعمق وتتطور وتختصر الزمن من منطلق أن الثورات حسب التعريف التقليدي هي قاطرة التاريخ. ولكن إنصافا للتاريخ أيضا اعتبرت هذه الثورات هي موجة ثورية ثانية إذ كانت بشكل أو آخر امتدادا للموجة الثورية التي اجتاحت العالم العربي في سنوات الخمسين والستين في خضم النضال ضد الاستعمار القديم ومن أجل الاستقلال الوطني. وأخص هنا بالذكر الثورة الجزائرية التي قدمت مليون شهيد لكي تنتهي إلى نظام فاسد يقوده رجل مقعد، والثورة اليمنية التي قطعت خطوات واسعة ليس على طريق التحول السياسي فحسب بل التغيير الاقتصادي والاجتماعي أيضا ولكنها انتهت بحرب أهلية دمرت كل شيء. والثورة العراقية التي أسقطت الملكية ولكنها انتجت نظاما استبداديا لم يعرف التاريخ الحديث مثله إلا قليلا من أيام عبدالكريم قاسم ومرورا بحكم البعث وصدام حسين تحت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية إلى ما بعد صدام حسين وقيام نظام طائفي برعاية الاحتلال الامريكي المباشر والهيمنة الايرانية. والثورة المصرية التي بدأت بإسقاط النظام الملكي ومواجهة مباشرة للاستعمار وانتهت الى  نظام فاسد موالي للاستعمار الأجنبي. وأخيرا وليس آخرا الثورة الفلسطينية والتي اعتبرت طليعة الثورات العربية وأطولها حيث انطلقت في عام 1965 تحت شعار التحرير وانتهت  باتفاقيات أوسلو التصفوية في أوائل سنوات التسعين من القرن الماضي.
عبرت ثورات الربيع العربي عن تواضعها ونسبيتها بطرح الشعار الجذاب ولكن الساذج في الوقت نفسه: "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي انتشر كالنار بالهشيم، حتى عندما بدأ في سوريا تحت شعار:" الشعب يريد إصلاح النظام". محدودية هذا الشعار بأن لشعوب فهمته وذوتته على أنه يعني اسقاط راس النظام، أي هروب بن علي، سقوط حسني مبارك، استقالة علي عبدالله الصالح، وهكذا. نادرا ما كانت تعني أن إسقاط النظام لا يقتصر على إسقاط النخبة الحاكمة بل يشمل تغيير جذري لكل نواحي الحياة.
حتى هذه الثورات المتواضعة استكثروها علينا. حيث تكالب الاعداء من قريب ومن بعيد لقمعها. ليس هنا المكان الملائم لسرد تفاصيل اسباب هذا الفشل، اكتفي بذكر ثلاثة أسباب رئيسية: أولا، استماتة الطبقات الحاكمة في الدفاع عن حكمها مستعملة جهاز الدولة القمعي المكون من جيش وشرطة ومخابرات وسجون.
 ثانيا، تكالب القوى الاقليمية والدولية لاخمادها.
 ثالثا، وهو الاهم الضعف الذاتي لقوى الثورة وخصوصا غياب قيادة ثورية وايديولوجية ثورية بالاضافة إلى سهولة اختراقها من قبل عناصر الثورة المضادة.
نعم، فشلت الثورات العربية. ولكنه فشل مؤقت، فهي سوف تعود بعنفوان أشد وبعمق أكبر. ما دام الاستبداد موجودا فلن تنتهي المقاومة. من هنا أقول أن الثورات العربية دائمة، تخمد هنا لتنطلق هناك. تتقهقر هنا لكي تتقدم هناك. تاريخ الشعوب لا يحصى بعدة سنوات. بهذا المعنى هي ثورة دائمة وعلى أنظمة الاستبداد الا تستعجل الاحتفال بانتصارها. فالنصر الأخير لثورات الشعوب.
l  

Thursday, January 24, 2019

المقاطعة الفاشلة

المقاطعة الفاشلة
علي زبيدات - سخنين
طالما كتبت أنا شخصيا وكتب رفاق آخرون عن ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست. ذكرنا كل ما يخطر ببال من أسباب سياسية واجتماعية وأخلاقية لشرح وتعميم موقف المقاطعة. ولا أخفي عليكم أنني قبل كتابة هذه السطور راجعت ما كتبته في هذا المجال في السنوات الماضية وما كتبه غيري  فلم أجد شيئا جديدا يمكن إضافته. ولو اخترت كتابة مقالا جديدا حول ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست لوجدت نفسي أغوص في تكرار ممل لا بل في اجترار أفكار وآراء كتبت مرارا وتكرارا. 
كتبت، وكتب غيري، عن خطر انتخابات الكنيست على هويتنا الوطنية الفلسطينية. إذ لا يعقل أن نهرول لانتخابات يحرم منها 80% من ابناء شعبنا بينما نهتف ليل نهار بأننا جزء لا يتجرأ من هذا الشعب المنكوب وقضيته هي قضيتنا ومصيره هو مصيرنا، وبالتالي نهرول إلى صناديق الاقتراع بحجة وضعنا الخاص الذي يختلف عن وضع باقي أبناء شعبنا ودورنا الخاص. 
كتبت عن عبثية التواجد في الكنيست وهي أرفع وأهم مؤسسة صهيونية في الدولة وعن عقم "النضال" الكلامي
كتبت عن المشكل الاخلاقي إذ كيف يعقل أن نكون جزءا من مؤسسة هدفها الأول والأخير العمل على استمرارية نكبة شعبك؟ بل كيف يعقل أن تكون شريكا في سن قوانين عنصرية تعاني منها حتى وإن كانت مشاركتك سلبية؟
وكتبت عن أمور أخرى كثيرة لن أدخل في تفاصيلها هنا حيث باتت معروفة لكل من يهمه الامر.
وجدت أنه يوجد هناك مقاطعة جماهيرية نقية، عفوية ووجدانية لانتخابات الكنيست ولكني لم أجد، مع الأسف الشديد، حركة مقاطعة منظمة، هادفة وأمينة. وعن هذا الموضوع بالذات قررت أن أكتب هذه المرة. العمل العفوي جيد خصوصا إذا كان نابعا من القلب وصادرا عن قاعدة واسعة من الناس، ولكنه سرعان ما يهدر إذا لم تكن هناك حركة طلائعية تنظم هذا العمل، تبث فيه روح الوعي الوطني الصادق وتقوده حتى يصبح سلاحا فعالا لتغيير الواقع نحو الأفضل. حتى الآن كانت مقاطعتنا لانتخابات الكنيست فاشلة، كما يقول عنوان هذا المقال، وعلينا أن نعترف بذلك. شخصيا، لا أملك أجوبة نهائية وحاسمة عن أسباب هذا الفشل، ولا أملك وصفات سحرية تحول هذا الفشل الذريع إلى نجاح باهر بجرة قلم. هذه المسؤولية ملقاة على عاتق جميع المقاطعين وأخص بالذكر منهم الناشطين والمثقفين الملتزمين (المثقفين العضويين على حد تعريف انطونيو غرامشي، أو المثقفين المشتبكين على حد تعبير الشهيد باسل الأعرج).
بالطبع هذا لا يعفيني من ذكر، حسب وجهة نظري، أسباب هذا الفشل وكيف يمكن تحويله الى نقيضه أي الى نجاح. وأكتفي هنا بذكر بعض النقاط الاساسية في هذا المضمار على أمل أن تتظافر الجهود لجعل موضوع مقاطعة انتخابات الكنيست في صلب كل برنامج وطني تحرري.
1- يعاني النشطاء، كافراد أو كمجموعات سياسية صغيرة، من حالة ركود أو سبات عميق تستمر اربع سنوات (تقريبا) وتستيقظ شهر أو شهرين قبل الانتخابات. مع أن المطلوب هو حالة من النشاط والعمل المستمر.
2- توجد هناك مشاكل تواصل تصل في كثير من الاحيان الى قطيعة كاملة بين النشطاء وبين القاعدة الجماهيرية بما في ذلك القطاعات المقاطعة ذاتها مما يترك الجماهير فريسة سائغة للأحزاب الكنيستية عربية كانت أم يهودية.
3- السماح لبعض الانتهازيين والمتسلقين ممن يتلفعون بشهادات أكاديمية تبوء مراكز قيادية في حركة المقاطعة لخدمة مصالحهم الخاصة.
4- التهاون مع المواقف الوسطية والمتذبذبة التي تتخذها بعض الأحزاب والحركات السياسية ذات القاعدة الجماهيرية وهدفها من وراء ذلك الربح من الطرفين.
5- تجاهل أو استخفاف بالجانب الإعلامي على أهميته، وعدم الاهتمام بتأسيس جهاز إعلامي مقاطع ومستقل.
6- بما أن المقاطعين ينتمون إلى تيارات سياسية، فكرية واجتماعية شتى ينبغي العمل الجاد على إيجاد معادلة تتيح التعايش بين المقاطعين رغم الاختلافات في الآراء والأفكار.
7- وأخيرا وليس آخرا،وهذا موضوع قائم بذاته، يجب التركيز على أن البديل لمقاطعة انتخابات الكنيست هو بناء وتنظيم مؤسساتنا الوطنية على أسس علمية وتحريرية تحت شعار: لا تنتخب بل تنظم. Don't vote-organize
  



Thursday, December 06, 2018

ماذا بعد السقوط الكبير للإيديولوجيات؟

ماذا بعد السقوط الكبير للايديولوجيات؟
علي زبيدات - سخنين

لا أدري مدى صحة تنظيرات فوكوياما حول نهاية عصر الأيديولوجيات وعدم حاجة العالم لها بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة واعلانه انتصار النظام الرأسمالي النهائي على الصعيد الاقتصادي: العولمة واقتصاد السوق المفتوح وعلى الصعيد السياسي بقيام انظمة "الديمقراطية الليبرالية" الغربية.
ولا أدري ما هو موقف فوكوياما الآن بعد قيام جدران أعلى وأعتى من جدار برلين،  وعودة الحرب الباردة بشراسة تفوق الحرب الاولى وترافقها حروب ساخنة لا تعد ولا تحصى في شتى أصقاع العالم. أما على الصعيد الاقتصادي فحدث ولا حرج عن الأزمات المزمنة لهذا النظام "المنتصر" والمجاعات والأمراض والحروب والاستعمار بأشكاله الحديثة.
ولكن بغض النظر عن تنظيرات فوكوياما المتناقضة والتي شكلت أساسا نظريا لقيام أشد الأنظمة رجعية ابتداء من رئاسة رونالد ريغن مرورا ببوش الاب والابن وحتى دونالد ترامب والمحافظين الجدد، علينا أن نعترف بسقوط الايدولوجيات الكبيرة التي طرحت نفسها كبديل للراسمالية العالمية. ولا يفيد الإنكار أحدا هنا والاكتفاء بالقول العيب ليس في الايديولوجية بل في معتنقيها وفي تطبيقاتها. وكأنه من الممكن الفصل بين  النظرية والتطبيق وتبرئة المعتنقين خصوصا بعدما شاركوا في وضع هذه الايدولوجيات.
وبما اننا بصدد مقالة صحفية وليس دراسة أو بحث أكاديمي (يوجد هناك كم لا يحصى ولا يعد من الدراسات والكتب حول هذا الموضوع) فإنني سأقتصر الكلام وباختصار شديد حول تبعات سقوط الأيديولوجيات في عالمنا العربي. حيث تنافست ثلاثة ايدولوجيات رئيسية فيما بينها لتغيير الواقع وكل واحدة ادعت بانها الافضل بل هي الوحيدة التي لا بديل لها وهي:
1- الأيديولوجية الشيوعية وتضم النموذج السوفياتي ممثلا بالاحزاب الشيوعية التقليدية، النموذج الصيني، الكوبي، الفيتنامي، الشيوعية الاوروبية والحركات الاشتراكية بمختلف اشكالها.
2- الايديولوجية القومية التي نمت وترعرعت في خضم النضال ضد الاستعمار ووصلت ذروتها مع جمال عبد الناصر وقيام الوحدة المصرية-السورية ومن ثم قيام حركات ناصرية في ارجاء العالم العربي وكذلك قيام حزب البعث واحزاب قومية اخرى عديدة تأرجحت بين الشيوعية يسارا وبين الفاشية يمينا. 
3- الايديولوجية الدينية. خصوصا بعدما تحول الدين من معتقدات وعبادة وطقوس الى ايديولوجية اتفق على تسميتها بالاسلام السياسي على يد حركة الاخوان المسلمين ومن ثم كافة مشتقاتها من سلفيين وجهاديين على شاكلة القاعدة وداعش وغيرها.
هذه الايدلوجيات الثلاثة قد سقطت في منطقتنا سقوطا مدويا. وكما قلت لن يفيدنا الانكار شيئا ولم يعد التبرير بأن العيب ليس في الايديولوجية نفسها بل بمعتنقيها وبتطبيقها كافيا وقد نسي هؤلاء أن الانسان هو الذي صنع الايديولوجية قبل أن تصنعه.
الشيوعية انهارت في الاتحاد السوفياتي والمعسكر التابع له ليس فقط بسبب الأفراد الذين قادوها من لينين وستالين مرورا بخورتشوف وبرجينف وحتى غورباتشوف، وليس فقط بسبب تطبيقات خاطئة من سياسة النيب مرورا بسياسة التصنيع السريع والاحتكار القصري للدولة وحتى سياسة السوق والانفتاح، بل أيضا وبالاساس بسبب فشل الايديولوجية الشيوعية في التطور ومواكبة التطورات الحديثة. بالرغم من أن جميع أتباعها كانوا يرددون: الماركسية ليست نظرية جامدة بل هي مرشد للعمل. ولكنهم في الواقع كانوا يفسرون كل ظاهرة جديدة بمفاهيم القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد باءت جميع المحاولات الجادة والرصينة لتطوير الشيوعية لكي تلائم متطلبات العصر بالفشل أولا وقبل كل شيء بسبب معاداة الشيوعيون  الذين وضعوا أنفسهم حراسا على "نقائها".
الايديولوجية القومية، منذ بدايتها لم تعرف كيف تتعامل مع الأقليات القومية التي تشاركها في الجغرافيا والتاريخ ولم تعرف كيف تتعامل مع نفسها. بالرغم من توفر ظروف موضوعية قابلة لنجاح المشروع القومي على الأقل على طريقة بيسمارك وغاريبالدي (توحيد ألمانيا وإيطاليا) إلا أنها فشلت في ذلك لأن قيادتها لم تكن مهيئة تاريخيا للقيام بهذا الدور. "الثورة العربية الكبرى" التي قادتها بدلت الاحتلال التركي بالاحتلال البريطاني والفرنسي ومن ثم بالهيمنة الامريكية والمساهمة في تمهيد الطريق لقيام الكيان الصهيوني. ومن ثم أصبح شعار الوحدة العربية قناعا للدفاع عن دول سايكس-بيكو واللهث وراء السلطة من قبل عائلات كومبرادورية في كل الدول العربية. أكبر برهان على فشل المشروع القومي العربي هو قيام ما يسمى بجامعة الدول العربية ومن ثم مجلس التعاون الخليجي. برهان آخر على فشل المشروع القومي العربي والذي لا يقل من حيث أهميته عن سابقه هو الحروب الحالية التي تمزق العالم العربي في العراق وسوريا واليمن وليبيا والتي تخوضها انظمة ومليشيات محسوبة على هذا التيار. وبرهان أخير، هو موقف الأنظمة العربية من دولة اسرائيل والذي تجاوز التطبيع ووصل الى مرحلة التحالف.
 الايديولوجية الدينية التي حلمت بملأ الفراغ بعد تقهقر الاستعمار القديم وفشل الشيوعية والقومية في إنجاز مشروعيهما. سرعان ما كان مصيرها مشابها من حيث الفشل والسقوط. كل ما فعلته هو اذكاء النعرات الطائفية التي وصلت في بعض الحالات الى حروب طائفية. هذا ناهيك عن تحالفها مع الاستعمار القديم لمواجهة منافسيها الآخرين. لقد أثبت التاريخ أن تحويل الدين الى ايديولوجية لا يختلف عن تحويل الايديولوجية الى دين وبالتالي لا غرابة أن تكون النتيجة واحدة. لقد حققت الأيديولوجية الدينية بعض النجاحات في أماكن معينة ولفترات زمنية معينة، تماما كما فعلت الأيديولوجيات الاخرى. فبينما كانت النجاحات نسبية ومشروطة كان الفشل مطلقا وشاملا.
سقوط هذه الأيديولوجيات المدوي لا يعني نهاية الصراع في المنطقة، على العكس فالصراع يتصاعد والمطلوب أولا وقبل كل شيء صراع ايديولوجي يخرجنا في نهاية المطاف من هذا المأزق.  

Thursday, November 29, 2018

ضد الإقطاع السياسي

ضد الإقطاع السياسي
علي زبيدات - سخنين

الإقطاع هو نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عرفته معظم بلدان العالم في مرحلة ما من تاريخها. ومثله مثل أي نظام عالمي كان تجسيده على أرض الواقع يختلف من بلد لآخر من حيث الشكل والتفاصيل والسمات الخاصة. غير أن جوهره يبقى واحدا ويقوم على اسس ثلاثة:
 1- الإقطاعي: الذي يملك المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية وينتمي عادة للطبقة الحاكمة التي عرفت في أوروبا، حيث بلغ النظام الإقطاعي ذروة تطوره وأخذ شكله الكلاسيكي، بطبقة النبلاء.
2- التابع: وهو الفلاح الذي يعمل في أرض الإقطاعي. وكان تابعا للأرض بمعنى انه كان يباع ويشترى مع الأرض إذا ما باعها الإقطاعي. فكان يملك حياته ولكنه لا يملك حريته وبذلك كان وضعه الاقتصادي والاجتماعي لا يختلف كثيرا عن وضع العبيد عندما كانت العبودية هي النظام السائد. وينتمي إلى طبقة الاقنان أو الفلاحين الفقراء.
3- الارض: وهي الأساس لكل نظام يقوم على الزراعة وكما سبق أن ذكرت، كان يمتلكها الإقطاعيون ويفلحها التابعون والفلاحون الفقراء.
ساد النظام الاقطاعي أوروبا في القرون الوسطى وأخذ يتقهقر تدريجيا وينهار مع تطور الصناعة وظهور النظام الرأسمالي. وكانت الثورة الفرنسية الكبرى أول ضربة قوية كادت أن تقوض هذا النظام تماما. وقد انهار نهائيا مع توالي الثورات في القرن التاسع عشر. في باقي بلدان العالم ومن ضمنها العالم العربي، استمر النظام الإقطاعي لفترة أطول لأسباب عديدة أهمها الاستعمار وغياب التطور الصناعي. في البلدان العربية، ساد النظام الاقطاعي اربعة قرون هي سنوات الحكم العثماني. وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى ومغادرتها لهذه البلدان بدأ هذا النظام هو الآخر بالتلاشي تدريجيا وخصوصا على الصعيد الاقتصادي. تغيرات جذرية عديدة لعبت دورا هاما في هذا التلاشي منها تقسيم المنطقة حسب اتفاقية سايكس بيكو ووقوع بلدان اخرى تحت الاستعمار المباشر أو الوصاية الاستعمارية، وفيما بعد اكتشاف البترول في شبه الجزيرة العربية، مما سبب إهمال الزراعة. هكذا تحول النظام العام الى مزيج من الاقطاعية والراسمالية التابعة وغير المتطورة. في مصر، قام جمال عبد الناصر بعد الثورة  ومن خلال الإصلاح الزراعي بالقضاء العملي على الإقطاع. في فلسطين ساد النظام الإقطاعي حتى عام النكبة 1948  حيث قام الكيان الصهيوني باحتلال 80% من أراضي فلسطين التاريخية وبعد أقل من عقدين احتل كامل التراب الفلسطيني. وكانت بعض العائلات الاقطاعية اللبنانية والسورية قد باعت أراضيها للحركة الصهيونية قبل عام النكبة.
انهار النظام الإقطاعي على الصعيد الاقتصادي نهائيا ولكنه ما زال موجودا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. كما هو معروف قد تتحول البنى التحتية (وسائل الإنتاج) بسرعة ولكن البنى الفوقية ومن ضمنها النظم والمؤسسات السياسية فإنها تتغير ببطء شديد وفي بعض الأحيان تدخل في مرحلة من الركود بحكم ارتباطها الشديد بالتقاليد والمعتقدات والموروث الاجتماعي والثقافي. يشكل النظام السياسي في لبنان نموذجا كلاسيكيا للإقطاع السياسي بالرغم من زوال الاقطاع الاقتصادي. تظهر اهم صفات الاقطاع السياسي باقامة الأحزاب العائلية والطائفية ومبدأ التوريث. لا يوجد في لبنان تقريبا عائلة اقطاعية الا وحافظت على هذا الشكل أو ذاك من الاقطاعية السياسية (عائلة الجميل، جنبلاط، كرامة ـ فرنجية، ارسلان  الخ.)  ولا تغرنك الأسماء التي اطلقوها على أحزابهم من الاشتراكية وحتى الفاشية).
في فلسطين، انهارت الاقطاعية على الصعيد الاقتصادي مع فقدان الأرض. وتلقت ضربة قاسية على الصعيد السياسي بسبب الهزائم التي مثلتها عائلتي الحسيني والنشاشيبي. إلا أن العقلية الاقطاعية السياسية لم تختفي نهائيا. خصوصا وأن مصالح الدول العربية المهزومة من جهة والكيان الصهيوني من جهة اخرى التقت في الحفاظ على هذه العقلية لا بل تقويتها أيضا. لفترة معينة ولدرجة معينة لعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا متمردا على هذا النظام الاقطاعي السياسي ولكنها فشلت في تمردها هذا كما فشلت في امور اخرى عديدة. ومع الوقت، خصوصا بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية واندثار دور منظمة التحرير الفلسطينية الريادي تماما أصبحت من أركان نظام الإقطاع السياسي في فلسطين.
لم تكن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 بمعزل عن هذا التطور، بعد أن تمت مصادرة أكثر من 90% منها لصالح الدولة و مستوطنيها اليهود. غير أن عقلية الاقطاع السياسي ما زالت مهيمنة على صعيد المدن والقرى وتظهر هذه العقلية بأبشع صورها في الانتخابات المحلية وانتخابات الكنيست. وأظن لا حاجة هنا لذكر أسماء العائلات والأفراد ذوي العقلية الاقطاعية في السياسة. هذه الظاهرة ليست بحاجة للدراسات والابحاث للبرهنة على وجودها، فمن منا لا يشعر بارهاصاتها على جسده؟
لم يكن النظام الاقطاعي بكافة اشكاله عائقا في الماضي أمام تطور بلداننا فحسب بل هو العائق الرئيسي لأي تطور مستقبلي. من أجل الحرية والعودة والاستقلال لا بد من التخلص من أدران ومفاسد هذه العقلية الاقطاعية السياسية المتخلفة مرة واحدة والى الابد.

Thursday, November 08, 2018

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي
علي زبيدات - سخنين

الانتخابات المحلية من وراء ظهورنا غير أن تبعاتها ونتائجها سوف تلاحقنا لفترة طويلة من الزمن. ولا أبالغ إذا قلت اننا لن نتخلص منها ابدا لأنها تتجدد كل خمس سنوات بالشكل نفسه والمضمون نفسه. وإذا طرأت عليها بعض التغيرات ستكون هامشية وجانبية ولن تمس جوهرها.
بعض الدول تسن القوانين لاجبار مواطنيها على المشاركة في الانتخابات برلمانية كانت أو المحلية وذلك من منطلقات سياسية أو ايديولوجية لا مجال للخوض بتفاصيلها هنا، وإلا تعرض المواطنون للعقوبات من دفع غرامات مرورا بأشغال لخدمة الجمهور وحتى السجن في بعض الحالات. تصل نسبة المصوتين في هذه الدول إلى 90% وأكثر.
 تصل مشاركة العرب في هذه البلاد في الانتخابات المحلية هذه النسبة وقد تتجاوزها بدون أن يكون هناك قانون الانتخابات اجبارية. فهم يذهبون الى صناديق الاقتراع بمحض ارادتهم وبحماس يحسدون عليه. يقف جميع المحللين والمراقبين عند شكل هذه الانتخابات ويتفقون على أن هذا الشكل يقوم على أساس عائلي يتلاءم وينسجم مع تركيبة المجتمع. وربما وجدوا هنا وهناك بعض الدلائل لمؤشرات حزبية أو شبه حزبية أو طائفية أو نوع من الخليط العائلي - الحزبي - الطائفي. فالحزب السياسي مهما كانت عراقته ضاربة الجذور ومهما تزين بالايديولوجيات والنظريات والشعارات البراقة فأنه يعترف في نهاية المطاف أن كل هذه الامور لا تملأ الصناديق بالاصوات وأنه من أجل ذلك لا غنى عن الانتماءات العائلية.  فيبحث عن عائلة أو عائلات تشد من عضده وفي كثير من الاحيان يبحث عن عائلة كبيرة تتبناه كحزب. وتشعر العائلة أيضا بتغير الازمنة فتبدأ بتقليد الاحزاب بطريقة اختيار مرشحها وبكيفية إدارة حملته الانتخابية. الطوائف المختلفة لا تبتعد كثيرا عن هذا النموذج  فمنها من أقامت احزابا طائفية بشكل علني ومفضوح ومنها، خصوصا الطوائف الصغيرة، فقد شكلت لنفسها قوائم طائفية خجولة بعض الشيء.
أهتمام المحللين والمراقبين بالشكل فقط أفقدهم الاهتمام بالجوهر، مع أنه هو الجانب الرئيسي والأكثر أهمية في هذه المعادلة. حسب رأيي، والذي أؤكد عليه كل التأييد، أن جوهر هذه الانتخابات ( وعلى فكرة كل انتخابات) هو طبقي وربما الاصح أن نسميه: صراع طبقي. بذلك فأنا هنا لا أعيد اختراع العجلة أو اكتشاف امريكا. فالأمر واضح كل الوضوح ولا ادري لماذا يتجاهله الجميع ويخافون من سبر غوره.
المرشحون أصحاب الحظوظ الاوفر بالنجاح لا ينتمون لعائلة كبيرة فحسب بل يعتبرون من أغنياء هذه العائلات.  وغالبا ما يكونون رجال أعمال أو أصحاب ممتلكات أو ذوي مهنة رفيعة ومكانة مرموقة وربما جمعوها كلها أو معظمها في آن واحد. وهكذا يكونون قادرين على شراء الاصوات بشكل مباشر أو بواسطة مقاولي أصوات. هذا بالاضافة الى كرمهم الزائد في توزيع الوعود. بالمقابل هناك جمهور المصوتين الذين لا يكادون يملكون شيئا، وتحت وطأة الحاجة والفقر ومقابل النزر القليل المدفوع مسبقا والوعود المستقبلية نراهم يهرعون لصناديق الاقتراع. ومن الطبيعي أن تذهب اصواتهم للقريبين اليهم عائليا أو سياسيا ضاربين بمصالحهم الحقيقية عرض الحائط. وكما تزعم الزعامات على المستوى الوطني أن الوطن للجميع ولكنهم يخفون ما في سرائرهم بأن لهم في هذا الوطن حصة الأسد، كذلك تردد الزعامات المحلية القول ذاته بأن البلد للجميع وفي الوقت نفسه ينسون أو يتناسون القول بأن لهم حصة الاسد في هذا البلد. 
قلت أن جوهر الانتخابات المحلية طبقي بل صراع طبقي. وقد يعترض البعض قائلا: ولكن اين هو الصراع؟  ما نشاهده ليس صراعا بل هو أقرب إلى  التعاون والانسجام. نعم، هذا صحيح، وهذا ما يبدو للوهلة الاولى. فقد يبدو الصراع الطبقي في مرحلة معينة تعاونا وذلك لاسباب كثيرة وتحت ظروف شتى أهمها انعدام الوعي الطبقي عند الجماهير، تقهقر النضال الوطني التحرري وتقاعس وفي بعض الأحيان خيانة القيادات التي مهمتها قيادة الصراع الطبقي وتطويرة بشكل يحقق أماني هذه الجماهير ويخدم مصالحها . 
قلت في الماضي وها أنا أعود وأكرر ما قلت: إن الهدف من الانتخابات المحلية في ظل هذا الكيان الاستيطاني العنصري هو خدمة الدولة وسياستها وليس خدمة الجماهير. مع تزايد الوعي الطبقي عند الجماهير وبزوغ قيادة جديدة ثورية تقدمية مخلصة سوف يعود الصراع الطبقي الى مساره السليم، وسوف تقترب الزعامات المحلية المنتفعة أكثر فأكثر للطبقة الحاكمة في الدولة لتشكل جبهة واحدة. وفي المقابل سوف يلتحم النضال الطبقي المحلي بالنضال الوطني العام. عندها سوف تبزغ شمس الحرية وسوف تكنس هذه الديمقراطية المزيفة الى مزبلة التاريخ.

Thursday, October 25, 2018

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية!

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية
علي زبيدات - سخنين

من يظن أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة فهو مخطئ. يوجد هناك دولة أخرى تنافسها بالديمقراطية وهي دولة فلسطين. نعم يوجد هناك من يصر على تسميتها دولة بينما يكتفي البعض بتسميتها سلطة وطنية أو سلطة فلسطينية، إما تواضعا وإما تشكيكا. عن "الديمقراطية" الاسرائيلية نحن نعرف كل شيء أو تقريبا كل شيء: فهي دولة قانون ودولة مؤسسات. لها برلمان يسمى الكنيست منتخب بشكل ديمقراطي كل اربع سنوات أو كلما دعت الحاجة لذلك. وهو مفتوح أمام الجميع بمن فيهم نواب يمثلون من يطلقون على أنفسهم الاقلية الاصلانية الفلسطينية مواطني الدولة. وهناك سلطة تنفيذية تسمى الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي يستطيع أن يحجب عنها الثقة ويسقطها. وهناك جهاز قضائي "مستقل" يستطيع أن يضع البرلمان والحكومة عند حدهما إذا تجاوزا القوانين الأساسية. وهذه الدولة تملك جيشا يعتبر من أقوى جيوش العالم، ولكن هذه الصفة ليست أهم صفاته. ما يميزه عن باقي جيوش العالم هو كونه الأكثر أخلاقية حتى أصبحت ابشع الجرائم التي يقترفها تخرج من تحت يديه نعمة على المقتولين بسبب "طهارة" سلاحه. ويمارس احتلالا متنورا لا مثيل له في العالم إلى درجة أن الذين يعيشون تحت هذا الاحتلال لا يموتون من أجل دحره والتخلص منه بل على العكس يموتون حرصا عليه وعلى بقائه ويعشقون الحواجز والجدران العازلة والاغتيالات. أصلا لا يوجد هناك احتلال وبالتالي لا يوجد جيش احتلال إذ هل يعقل أن يحتل جيش أرضه؟ هذا غيض من فيض من سمات "الديمقراطية" الاسرائيلية. ومن يريد أن يتنور أكثر في هذا المجال سوف يجد الجواب عند معتوهي الأرض وأشدهم عنصرية ليزودوه بما يريد من معلومات.
ولكن ما هي حكاية الديمقراطية الفلسطينية؟ في هذا الصدد لدي تجربة شخصية مع هذه الديمقراطية تعود إلى ما قبل قيام السلطة، عفوا الدولة، واسمحوا لي أن أقصها عليكم بإختصار: في نهاية عام 1988 قدم ياسر عرفات على رأس وفد فلسطيني رفيع المستوى من أجل إلقاء خطاب في مقر الأمم المتحدة في جنيف. وكان ذلك بناء على إملاءات أمريكية في إطار المساعي للتوصل إلى اتفاقية سلام مع اسرائيل. وقد وصلت هذه المساعي إلى ذروتها شهرا قبل موعد الخطاب المذكور في جنيف، وبالتحديد في الدورة ال19 للمجلس التشريعي في الجزائر حيث تم الإعلان عن " استقلال" فلسطين والاعتراف الضمني بدولة إسرائيل. ولكن التنازلات التي قدمها المجلس الوطني في الجزائر لم تكن كافية بالنسبة للادارة الامريكية حتى تقبل بمنظمة التحرير شريكا رسميا وتبدأ بمفاوضات مباشرة معها. وطالبت ياسر عرفات بالقدوم الى جنيف لكي يلقي خطابا ينص بشكل صريح على الاعتراف بقرار 242 الذي كانت المنظمة بكافة فصائلها ترفضه وإدانة كافة انواع الارهاب والذي يعني نبذ الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الكيان الصهيوني. 
كانت الجلسة مفتوحة، وقد غصت القاعة بالوفود القادمة من كافة أرجاء العالم. وكان هناك وفد كبير من عرب اسرائيل ( في ذلك الوقت لم تكن هذه التسمية حساسة كما هي عليه اليوم). كنت هناك، جئت بمفردي قادما من دولة أوروبية. بعد عاصفة من التصفيق استمرت لبضع بدأ ياسر عرفات بإلقاء خطابه.دقائق وفي مرحلة ما من الخطاب قال:" إن الشعب الفلسطيني يعترف بقرار مجلس الأمن 242 ويستنكر ويدين كافة أشكال الإرهاب". فلم أجد نفسي الا وأنا واقفا في احد الصفوف الخلفية في القاعة صارخا في وجه عرفات: " هذا الكلام كذب. فالشعب الفلسطيني يرفض قرار 242 المجحف في حقه وقد قدم آلاف الشهداء لاسقاطه، كما أن الكفاح الفلسطيني ليس إرهابا بل ما تقوم به إسرائيل وامريكا هو الارهابي". فما كان من عرفات الا أن صمت للحظة وقد بدت على وجهه الصدمة، اذ كيف يقوم شخص نكرة بمقاطعة الرئيس بهذه الوقاحة.  ومن ثم قال: "هذه هي الديمقراطية الفلسطينية"  وتابع خطابه بعد أن تفجرت عاصفة التصفيق.
وقعت هذه الحادثة قبل 30 سنة. ولكن ما هي مناسبة سرد هذه القصة الآن؟ المناسبة هي أن منظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت تقريرا يدين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية (وسلطة حماس في غزة) باعتقال وتعذيب منهجي للمنتقدين والمعارضين السلميين. وأنها شكلت كيانات بوليسية تمارس انتهاك حقوق الانسان. وطالبت الدول المانحة بتعليق مساعداتها للوحدات والاجهزة الامنية الضالعة بمثل هذه الممارسات. وقد كان رد السلطة على هذه الاتهامات عنيفا ملخصه: أن دولة فلسطين هي دولة ديمقراطية، دولة قانون ومؤسسات (لاحظوا، العبارات نفسها التي تستعملها إسرائيل)، تلتزم بتعهداتها وواجباتها، تحترم حقوق الإنسان وتدافع عنها، وتعتمد في ذلك ليس على المعاهدات الدولية بهذا الخصوص فحسب بل على وثيقة الاستقلال الفلسطينية من حيث الاساس، وأن تقرير هيومن رايتس ووتش حول التعذيب الممنهج والاعتقال هو تقرير سياسي يتوافق مع الموقف الأمريكي.
لست هنا بصدد الدفاع عن هذه المنظمة أو مهاجمتها. ولكن اظن اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا التقرير لمعرفة ما يدور في دهاليز الأجهزة الامنية  الفلسطينية (في الضفة وفي قطاع غزة على حد سواء) من تعذيب واعتقالات تعسفية. قامت الادارة الامريكية مؤخرا بتقليص مساعداتها للصحة والتعليم في فلسطين وإيقاف مساعداتها لمنظمة الأونروا، الاجهزة الامنية كانت الوحيدة التي استثنيت من هذه التقليصات. على غرار الديمقراطية الاسرائيلية، اعترفت الديمقراطية الفلسطينية بحصول بعض التجاوزات الفردية التي تقوم الاجهزة الامنية بواجبها بالتحقيق في حيثياتها، ولكن النتيجة كانت دائما، كما في الجارة اسرائيل، عندما يقوم جهاز أمني بالتحقيق مع نفسه، انه لم تتم محاسبة او ادانة أي عنصر ارتكب مثل هذه التجاوزات.
خذوا ديمقراطيتكم وانصرفوا. ليست هذه هي الديمقراطية التي يطمح بها ويناضل من أجلها الشعب الفلسطيني. 


Thursday, October 11, 2018

ما وراء البرامج الانتخابية

ما وراء البرامج الانتخابية
علي زبيدات - سخنين

للوهلة الاولى، قد يظن القارئ أن هذه المقالة تدور حول الانتخابات المحلية الوشيكة. ولكنها بكل تأكيد ليست كذلك حتى ولو تم ذكر اسمها مرات عديدة. فالقصد منها أبعد ما يكون عن الانتخابات المحلية. موقفي كان ولا يزال مقاطعة هذه الانتخابات أسوة بمقاطعة شقيقتها الكبرى، انتخابات الكنيست. وقد سبق وشرحت الاسباب التي دفعتني لاتخاذ مثل هذا الموقف ولا رغبة لدي لتكرار ما قلته في هذا المجال. أعتقد أننا ظلمنا المرشحين لرئاسة البلديات والمجالس المحلية والمرشحين  لعضوية مجالس هذه البلديات. وأعترف بأنني كنت ممن ظلموا هؤلاء المرشحين في بعض الأمور من أهمها أنه لا يوجد هناك اي مرشح قد طرح برنامجا انتخابيا. ولكني غيرت رأيي تماما في هذه النقطة بالذات بعد أن استمعت إلى خطاباتهم في المهرجانات الداعمة وشاهدت عشرات الفيديوهات ومئات البوستات على شبكات التواصل الاجتماعي وتبين لي أن لجميعهم برامج انتخابية رهيبة تعجز عن تحقيقها الدول طوال عشرات السنوات فكم بالاحرى بلديات محدودة الصلاحيات والميزانيات في خمس سنوات؟ هل صادفتم مرشحا لرئاسة بلدية أو حتى لمجلس محلي متواضع ولم يضع على رأس سلم أولوياته واهتماماته البنود التالية:
التربية والتعليم، بناء المدارس والروضات والمراكز الثقافية، رفع نسبة النجاح في البجروت، وتخصيص المنح للطلاب الجامعيين.
حل مشاكل الازواج الشابة وأزمة السكن من خلال توفير القسائم وبناء الدور والشقق لجميع المحتاجين وباسعار شعبية.
توسيع مناطق النفوذ والمسطحات في كل مدينة وقرية.
محاربة العنف في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع.
محاربة الفساد في البلدية وفي كافة المؤسسات التابعة لها.
تمكين المرأة ودمجها بالعمل البلدي هذا بالاضافة الى محاربة العنف والتحرش والتمييز الذي تتعرض له ومحاربة القتل على خلفية ما يسمى ب"شرف العائلة".
بناء المرافق الثقافية والاقتصادية والترفيهية.
ألا تشكل كل هذه البنود برنامجا انتخابيا تعجز عن تحقيقه دولة تتحكم بميزانيات تفوق ميزانيات البلديات مجتمعة وكل على حدة بمئات وربما بآلاف المرات؟ وهذا ليس كل شيء، إذا ما أضفنا "الانجازات" التي يروجها رؤساء البلديات الحاليين والذين يطمحون بالعودة لفترة أخرى والتي لا تقل عن "برامجهم" المستقبلية.
هذا يذكرني ببرامج وانجازات أحزابنا و تنظيماتنا على الصعيد الوطني التي لا تتوقف عن أحصاء انتصاراتها على الكيان الصهيوني الغاصب. فمن يستمع لخطاب رئيس اصغر حزب وحتى خطاب أكبر تنظيم فلسطيني في اي مهرجان أو ذكرى أو مناسبة يخرج بشعور لا يقاوم بأن الاحتلال يلفظ أنفاسه الاخيرة وأن الاعداء من تل أبيب إلى واشنطن على وشك رفع الراية البيضاء والاستسلام من غير قيد أو شرط. برامج براقة شكلا فارغة مضمونا كالطبل الأجوف كلما اتسع حجما ضخم صوته وبقي خاويا.
هذا الكلام الذي أقوله هنا يحاكم صاحبه في كافة الدول العربية بتهمة تخريب معنويات الأمة والمس بالامن القومي وتحطيم مناعة الدولة وقد تصل التهم الى الخيانة ومساعدة العدو.
أظن أنه بعد سبعين عاما من العيش بالاوهام ومن غرس وتربية الأوهام والمتاجرة بها آن الأوان لكي نستفيق ونبحث لنا عن بديل آخر. أن نضع على الاقل رجلا واحدة على الأرض ولتبق الرجل الاخرى مرفوعة في الفضاء. أن نتوقف للحظة واحدة عن عد الانتصارات والانجازات ونتذكر الهزائم والنكبات المستمرة. لنبدأ بتواضع وعلى مهلنا: نعترف أولا بضعفنا وعجزنا، وهذا ليس عيبا، لأنه من غير هذا الاعتراف لن نستطيع قلب الضعف إلى قوة والعجز إلى مقدرة. لنبدأ بتنظيف عقولنا وأفكارنا من الغبار المتراكم طوال قرون عديدة من الركود والتخلف. لتكن بداية جديدة على أسس متينة جديدة نستطيع من خلالها أن نكمل المسيرة. دعونا نبدأ من مدننا وقرانا، نتخلص من تفكيرنا العائلي الضيق العقيم، نتوقف عن اللهث وراء مصالحنا الشخصية وننفض عن وجوهنا وكواهلنا غبار الماضي السحيق. ولا تقلقوا سوف يأتي دور البرامج الطموحة التي سوف تصبح قابلة للتطبيق وليس مرتعا للاوهام كما  هي عليه اليوم.
يقول بعض سياسيينا الذين اتحفونا على مدى عقود بمعاركهم الدونكيشوتية وبعنترياتهم داخل أروقة الكنيست وخارجه، أن قانون القومية الاسرائيلي قد أعاد الصراع إلى المربع الأول. حسنا ما السيء في ذلك؟ هذا يعني أن الطريق الذي سلكتموه قد وصل الى نهايته المسدودة بل أعادنا الى نقطة الانطلاق الأولى. فلماذا لا تكملون معروفكم وتتنحون جانبا وتفسحون المجال لغيركم من الأجيال الشابة أن تجرب حظها وتقود المسيرة بفكر جديد ومعنويات جديدة وأساليب عمل جديدة؟.