Thursday, November 17, 2016

أقلية قومية؟ لأ شكرا

أقلية قومية؟ لأ شكرا
علي زبيدات - سخنين

ليس كل ما يريده النائب في الكنيست جمال زحالقة جيد للفلسطينيين وليس كل ما ترفضه الوزيرة أيليت شاكيد سيء للفلسطينيين. قدم النائب زحالقةمؤخرا، وخلفه باقي نواب القائمة المشتركة وبتأييد من اعضاء حزب ميرتس الصهيوني اليساري، مشروع قانون اساس "الاقلية القومية العربية". الوزيرة شاكيد وخلفها باقي اعضاء الكنيست من الائتلاف والمعارضة عارضوا هذا القانون. وأعادت الوزيرة بهذا الصدد إلى أذهاننا ما قالته الوزيرة السابقة تسيبي ليفني قبل سنوات: "من يريد حقوق قومية فليذهب للدول العربية". لا اريد هنا أن اخوض بعنصرية شاكيد ونواياها الخبيثة هي وزملائها التي تكمن وراء رفضهم لهذا القانون "الدستوري" ، فالعنصرية والخبث من طرف هؤلاء ليست ضمانا أو معيارا لصحة مواقف الطرف الآخر.
قضية الاعتراف بفلسطينيي المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948كأقلية قومية هي قضية قديمة  طرحت مرارا وتكرارا في محافل عديدة ولا أدري ما الذي اعادها لكي تطفو على السطح في هذه الايام بالذات. لقد طرحت، لمن يذكر، قبل عدة سنوات في "التصور المستقبلي" الصادر عن لجنة المتابعة بالتعاون مع عدد من الاكاديميين. وأعيد طرحها في "وثيقة حيفا" الصادرة عن مركز مدى الكرمل، وبعد ذلك في مشروع جمعية عدالة كأقتراح ل"دستور ديمقراطي". وقد كتبت في وقته ردودا تعبر عن موقفي الرافض لهذه الاقتراحات. وبالرغم من أن استعمال مصطلح "أقلية قومية" أصبح واسع الانتشار خصوصا بين نواب الكنيست العرب ورؤساء البلديات وعدد من الاكاديميين الا انه لم يطرح امام المؤسسة الاسرائيلية كمطلب للفلسطينيين حتى قدمت االقائمة المشتركة اقتراح قانونها الاخير الذي تم رفضه جملة وتفصيلا من كافة التيارات الصهيونية الاساسية مما حدا بي أن أعود للتذكير بموقفي السابق.
لا يوجد هناك في هذا العالم بلد واحد يخلو من الاقليات: اقليات قومية، إثنية، دينية، ثقافية، جنسية، اجتماعية وغيرها.  في الوقت نفسه لا يوجد هناك تعريف واحد متعارف عليه دوليا للمصطلح أقلية قومية كما لا يوجد هناك قانون دولي شامل وواضح يحدد حقوق الاقليات. كل ما هنالك نوع من التوافق على ان الحقوق الجماعية للاقليات هي جزء من حقوق الانسان العامة التي تنادي بعدم التمييز والمساواة أمام القانون. في هذا السياق لا يوجد هناك أية امتيازات للاقليات القومية على الاقليات الاخرى. طبعا هذا اذا افترضنا جدلا ان حقوق الانسان تحترم في كل مكان وزمان، في الواقع هذا الامر غير متوفر في أي مكان وأي زمان.
لندع بعض الاحصائيات والارقام تتكلم: حسب الاحصائيات الاسرائيلية الاخيرة يبلغ عدد اليهود في البلاد (الاغلبية) 6.377 مليون شخص. بالمقابل يبلغ عدد الفلسطينيين 12.370مليون شخص فأين الاغلبية وأين الاقلية في هذه الحالة؟ صحيح، نحن حاليا مشتتون وارضنا محتلة ولكننا نصر على اننا شعب واحد، أليس كذلك؟ ونرفض الامر الواقع ونناضل من أجل تغييره جذريا، من أجل التحرير ولم الشمل والعودة. فإذا أراد  أي جزء من الشعب الفلسطيني الاعتراف به كاقلية، فهذا ممكن ولكن عليه أولا أن يتخلى عن  اصراره على أنه يشكل شعبا واحدا وأن يكف عن المطالبة بلم الشمل والعودة.  المطالبة بالاعتراف بنا كأقلية قومية تعني الرضوخ للامر الواقع بما فيه من تهجير وتشريد، اما مطلب التواصل واعتراف الدولة بالعلاقة الخاصة بين "الاقلية والشعب الفلسطيني والعربي" كما ينص عليه مشروع القانون  فهو ليس أكثر من ذر الغبار في العيون ولا يغير من الامر شيئا.  وإذا اعتبرنا انفسنا جزءا من الامة العربية، ونحن كذلك شئنا ذلك أم أبينا، حتى وان كانت موزعة حاليا على 22 دولة فاننا نصبح 370 مليونا. أي أكبر ب60 مرة من "الاغلبية".
وهناك جانب آخر: إذا كنا أقلية قومية فمن هي الاغلبية القومية؟ اليهود؟ ألا ندعي بأن اليهودية دين وليست قومية؟ وهي منتشرة في أماكن عديدة من أرجاء العالم. اليهود الاسرائيليون؟ ولكنهم يرفضون أن تكون قوميتهم اسرائيلية. البلدان التي قدموا منها؟ أي انهم في الحقيقة مجموعة من القوميات: روس، اثيوبيين، مغاربة، يمنيين، رومانيين وهلم جرا، في هذه الحالة أيضا يشكل الفلسطينيون الاغلبية حتى في حالة القبول بواقع التهجير والتشريد.
الخلاصة، مطالبة الدولة الاعتراف بنا كأقلية قومية ليست انتزاعا للحقوق بل هي على العكس من ذلك تماما  تفريط بالحقوق. من أجل الحفاظ على كرامتنا الوطنية والقومية والانسانية ينبغي أن نرفض العيش وعلى جباهنا  ختم الأقلية. في مجتمع مستقل تسوده الحرية والمساواة تصبح الاقلية والاغلبية مجرد مصطلحات ميتافيزيقية فارغة من أي معنى.


Wednesday, November 09, 2016

إرهاب أم حرب على الإرهاب؟

إرهاب أم حرب على الإرهاب؟

علي زبيدات - سخنين

عندما شن جورج بوش حربه التي اشتهرت تحت اسم الحرب العالمية على الإرهاب كان واضحا منذ البداية أن الأهداف الحقيقية لهذه الحرب لم تكن ملاحقة ومعاقبة الإرهابيين الذين نفذوا عمليات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. الأهداف الحقيقية كانت احكام السيطرة الأمريكية على المنطقة بشكل عام وعلى المناطق التي تحتوي على أكبر احتياطي للنفط بشكل خاص، بالإضافة إلى حماية دولة إسرائيل بصفتها حليف استراتيجي. ومن هنا بدأ احتلال أفغانستان ومن ثم العراق وتكثيف التدخلات في الشؤون الداخلية لباقي الدول في المنطقة.
لا يوجد هناك تعريف واحد متعارف عليه دوليا للإرهاب، ولكن إذا أخذنا تعريف القانون الجنائي الدولي الذي اعتمدته المحكمة الجنائية الدولية والذي يمكن تلخيصه بأنه استعمال العنف أو التهديد باستعماله من قبل افراد او مجموعات او حتى دول ضد المدنيين من حيث الأساس لزرع الرعب والخوف في صفوفهم من أجل تحقيق مآرب سياسية، كنقطة انطلاق وكمعيار لتقييم السياسة الأمريكية لوجدنا ان أمريكا تفوقت على كافة المجموعات الارهابية مجتمعة. فإذا أسفرت غزوة بن لادن على نيويورك عن 3000 ضحية معظمهم من المدنيين فإن  غزوة جورج بوش الابن للعراق أسفرت لوحدها عن مقتل مليون ونصف مليون ضحية غالبيتهم العظمى من المدنيين. وإذا كان هدف الإرهاب زرع الرعب والخوف في صفوف المدنيين بواسطة استعمال العنف أو التهديد باستعماله لتحقيق مآرب سياسية، أليس هذا هو جوهر وغاية السياسة الأمريكية؟
يعترف بعض الباحثين، في سياق تصنيفهم للإرهاب، بأنه يصدر بشكل فردي أو بشكل جماعي غير منظم أو بشكل جماعي منظم أو إرهاب صادر عن الدولة، ولكنهم سرعان ما يتناسون هذا الصنف الأخير المسؤول، حسب رأيي، عن 90% على الأقل من الإرهاب في العالم  ويقتصرون في تحليلاتهم على الإرهاب الصادر عن أفراد أو مجموعات هامشية منظمة كانت أو غير منظمة. هكذا حصل إرهاب الدولة على نوع من الشرعية في أعين القانون الدولي والمحاكم الدولية بل في أعين بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية أيضا.  فالجندي المدجج بالسلاح يتمتع بالحصانة حتى عندما يطلق نيرانه على مجموعة من المدنيين ويرديهم كلهم أو بعضهم بين قتيل وجريح، بينما الفرد الذي يرمي دبابة بحجر لانها تدمر حياته يوميا فهو ارهابي وقتله مباح. تستطيع الدولة أن ترسل إحدى طائراتها الحربية مزودة بصاروخ متطور أو قنبلة ذكية وزنها طن أو تحمل برميلا من المتفجرات وتدمر بناية كاملة أو عدة بنايات وفي بعض الأحيان أحياء كاملة او مدن كاملة بحجة وجود إرهابي أو أكثر، وتقتل ما تيسر من المدنيين ومن ثم تسجل على إنها عملية للدفاع عن النفس.
يصل إرهاب الدولة إلى أعلى مستوياته والى ابشع صوره عندما يقترن بايدولوجية رجعية وينظرة عنصرية للآخر كما هو الحال في بلادنا. في الفكر الصهيوني (الإسرائيلي) كل فلسطيني هو ارهابي إذا لم يكن بالفعل فبالقوة. فالطفل الفلسطيني هو ارهابي بالقوة لانه سوف يصبح ارهابي بالفعل عندما يكبر، وفي كثير من الأحيان لا يوجد حاجة لانتظاره حتى يكبر، فإذا حمل سكينا أو حجرا في مواجهة جندي إسرائيلي فيمكن إطلاق النار عليه وقتله وتقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية بوصف الحادث على أن محارب إسرائيلي قتل أو (حيّد) مخربا أو إرهابيا فلسطينيا. وهكذا أصبح الطفل أحمد مناصرة إرهابيا خطيرا بينما أصبح الجنود الذين لاحقوه محاربين ونالوا الاوسمة. لا تقتصر هذه النظرة على المؤسسة العسكرية بل تنضم إليها المؤسسة القضائية وتحكم عليه 12 عاما في السجن (كل سنة من حياته يقابلها سنة سجن). وهكذا تصبح هديل وأشرقت اللتان قتلن بدم بارد مثلهن مثل عشرات الشهيدات، إرهابيتين خطيرتين.
صدّرت دولة إسرائيل هذه النظرة: إرهاب الدولة ممزوجا بأيديولوجية عنصرية الى دول العالم. وكان أول من استوردها واستعملها كما أسلفت الرئيس الأمريكي جورج بوش وها هو الرئيس الجديد دونالد ترامب قد تبناها كمرشح وتعهد بأن يطورها ويزيد من استعمالها.
الأهم من ذلك كله أن الأنظمة العربية من غير استثناء هي الأخرى قد تبنت هذه الايديولوجية بحذافيرها. لم يعد مصطلح الإرهاب (الفلسطيني، العربي، الإسلامي) حكرا على إسرائيل وأمريكا والدول الغربية بل أصبح كل معارض لأي نظام عربي ارهابيا. بالنسبة لهذه الأنظمة لا يوجد هناك معارضة أصلا شرعية كانت أم غير شرعية، يوجد هناك: اما ولاء وإما ارهاب. والإرهاب يعني حق الدولة في الملاحقة حتى التصفية الجسدية.

لقد آن الأوان أن نشير بأصابع الاتهام الى الارهاب الحقيقي، إرهاب الدولة ويجب توحيد النضال لمحاربة هذا الارهاب والانتصار عليه عن طريق الوقوف إلى جانب قضايا الشعوب العادلة وحقهم في الحرية والاستقلال.