Wednesday, June 25, 2008

عندما يصبح الاحتلال طوعيا



يصر العديد من الاكاديميين العرب الذين يحرصون حرصا شديدا على إلصاق لقبهم الجامعي بإسمهم في جميع الندوات والمؤتمرات والايام الدراسية التي يدعون اليها والتي تلاقي رواجا كبيرا في هذه الايام، على إعتبار دولة إسرائيل في نهاية المطاف وبالرغم من كل انتقاداتهم دولة طبيعية تمثل شعبا طبيعيا له الحق في تقرير مصيره. ويبدأون في تنظيرات لا اول لها ولا آخر ولا تقوم على اية اسس موضوعية علمية. كل همهم هو تسويق نظرياتهم التي تعلموها في الجامعات الاسرائيلية والآن يعلمونها بدورهم لطلابهم.
منهم من يدعي أن دولة إسرائيل لم تعد ذلك الكيان الكولونيالي الذي اقامته الحركة الصهيونية قبل 60 عاما، بل اصبحت دولة عادية تعبر عن حق تقرير المصير للشعب اليهودي الاسرائيلي. ومنهم من يزعم أن الصهيونية كحركة وكأيديولوجية قد انتهت ونحن نعيش فيما يسمى "عهد ما بعد الصهيونية" (بوست صهيونية). من هذا المنطلق، حتى لو قبلنا أن قيامها كان على أنقاض وعلى حساب الشعب الفلسطيني، علينا أن نعترف بحقها في الوجود كأية دولة أخرى.
هذه النظرة العامة لا تقتصر على الاكاديميين المحسوبين على الاحزاب العربية الاسرائيلية الممثلة في الكنيست فحسب بل تشمل ايضا أولئك الذين يدعون الرديكالية وينظرون لدولة ثنائية القومية، دولة لجميع مواطنيها أو دولة ديموقراطية علمانية.غير أن نظرياتهم هذه تتبخر وتتلاشى حتى قبل مغادرتهم لقاعة المؤتمرات التي يعرضون بها نظرياتهم حال اصطدامها. إذ أن دولة اسرائيل تأبى أن تغير طبيعتها وهي لا تستطيع أن تخرج من جلدها. طبيعة اسرائيل الكولونيالية ما زالت مستمرة الى هذه اللحظة وسوف تستمر ما دامت هذه الدولة قائمة. ولا يستطيع أي شخص مهما كبر لقبه الجامعي أن يقنعنا بغير ذلك. النظريات مهما كانت منمقة تبقى أعجز من أن تغير الحقائق على ارض الواقع. طبيعة هذه الدولة الكولونيالية تتجسد في كل بيت تبنيه في المستوطنات وليس في القدس والضفة الغربية فحسب، بل في الجليل والنقب وفي كل مكان في فلسطين.
بينما تتجه جميع الانظار الى بناء الاحياء الاستيطانية او وحدات السكن في القدس وضواحيها أو في الكتل الاستيطانية نتعامى عما يحصل في النقب والجليل من أعمال استيطانية. السياسة واحدة والاهداف واحدة. أستطيع أن أجزم أن وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية في هذا المجال أفضل بما لا يقاس من وضعنا في الداخل، على الاقل هناك مازال الفلسطينيون يملكون أكثر من نصف الاراضي بينما لا نملك نحن أكثر من 3% من الاراضي. وما زال العالم يرى بها أراض محتلة بينما نحن جزء من دولة مستقلة، والأهم من ذلك كله، ما زال الفلسطينيون في الضفة يقاومون الاستيطان بجميع اشكاله ويقدمون التضحيات في سبيل ذلك، بينما نحن خضعنا للأمر الواقع وأصبحنا نشارك الحكومة حتى في استعمال مصطلحاتها وأصبحنا نسمي الاستيطان تطويرا. فهناك ثمة سياسة لتطوير الجليل والنقب تشرف عليها وزارة خاصة وكل ما ينبغي علينا عمله هو المطالبة بالحصول على حصة أكبر. قبل ايام نشرت جريدة هآرتس تقريرا عن "تطوير الجليل والنقب" تقوم بتمويله ليس فقط الحكومة الاسرائيلية بل بمشاركة فعالة للتنظيمات الصهيونية في أمريكا والعالم حيث تم جمع 60 مليون دولار كمساهمة في حملة استيطانية جديدة سيكون ضحاياها المباشرين بدو النقب والقرى العربية في المثلث والجليل. سياسة التطهير العرقي التي بدأت في عام 1948 ما زالت مستمرة وجميعنا نشعر بها على أجسادنا ولكن كيف نواجهها؟ بالشعارات والخطابات والتباكي والتسول على ابواب المسؤولين، ولكن الاخطر من ذلك كله هي تلك التنظيرات التي يروج لها بعض المثقفين والتي تؤمن للحكومة التبريرات اللازمة للإستمرار بسياستها الكولونيالية العنصرية.
فلسطين بإسرها ترزح تحت الاحتلال والشعب الفلسطيني بجميع أماكن تواجده يعاني من هذا الاحتلال. ولكن ككل إحتلال في العالم وفلسطين ليست إستثناء، يوجد هناك فئات مستفيدة تتعاون مع المحتلين من أجل تحقيق مكاسب خاصة، ويوجد هناك فئات خاملة أو متهادنة، ولكن يوجد هناك دائما فئات مقاومة وهي التي تصنع التاريخ في نهاية المطاف.
لا يكفي أن نردد صباحا مساء، أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ولا يكفي أن نربت على أكتفنا ونعلل نفوسنا المهزومة بأننا الجزء الباقي المتشبث بإرضه حتى نرسخ وجودنا على هذه الارض ونستعيد حقوقنا السليبة. علينا أولا وقبل كل شيء أن نتخلص من أوهام المواطنة المزيفة التي تروجها السلطة ويقوم على تجميلها نخبة من المثقفين. ينبت الى جانب القمح الزوان ويختلط به ولكن مهمتنا هي أن ننقي القمح من الزوان.

Wednesday, June 18, 2008

توضيح أخير حول المؤتمر" الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين"


في إطار النقاش الذي أثاره ودعا اليه مؤتمر حيفا: "من أجل العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" الذي بادرت له حركة أبناء البلد، كنت قد نشرت مقالين تناولا بشكل نقدي الاطروحات المنشورة في الموقع الرسمي للمؤتمر وكذلك الكم الهائل حول هذا الموضوع في العديد من المواقع الاخرى. وقد اثار هذين المقالين استياء بعض الرفاق من المبادرين والقيمين على المؤتمر مدعين بأنني أوزع الاتهامات وأصدر الاحكام جزافا وألجأ الى التعميم وغير مطلع على كل ما كتب ونشر في هذا الموضوع.
لكي لا يتحول الحوار الى جدل بيزنطي لا طائل منه، يدور في فراغ ولا يستمع به أحد للآخر لذلك فضلت عدم الرد على كافة ردود الفعل هذه وبالمقابل الاكتفاء بتأكيد النقاط التي أراها اساسية في هذا الموضوع وتوضيح بعض الالتباسات في طرحها السابق.
لقد قلت أن المنادين بحل الدولة الواحدة، او الدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون "خليطا غريبا" وبالرغم من الاختلاف فيما بينهم فثمة خطوط عامة مشتركة تربطهم جميعا. وأحد الخطوط العامة هذه والتي تناولتها بالنقد هو: " تغييب الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني وبالتالي تغييب الطابع التحرري للنضال ضد هذا الكيان".
مما لا شك فيه أن كل تعميم هو خاطئ أو على الاقل صحته نسبية، ولكن في بعض الاحيان، وفي سياق النقاش العام لا بد منه. فمثلا الرفيق سلامة كيلة، رئيس تحرير موقع أجراس، يقول انه هو والعديد من المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية، ليس فقط انهم لا يغيبون الطابع الكولونيالي لدولة اسرائيل بل على العكس فإنهم حريصون على تأكيده، وبالتالي يرون بشعار الدولة الديموقراطية العلمانية شعارا تحرريا.
حسنا جدا، كما يقول المثل، الطريق الى جهنم مليء بالنوايا الحسنة. الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني حقيقة تاريخية وسياسية. ولا يتغير شيء على هذه الحقيقة اذا اعترف بها البعض وانكرها البعض الآخر. المهم هو كيف نتعامل مع هذه الحقيقة. انا أدعي أن البعض يتعامل مع هذا الكيان كدولة عادية هذا بالرغم من معرفته بطابع هذا الكيان الكولونيالي العنصري. وهنا يدخل العديد منا في تناقض داخلي: كيف يمكن رفض هذا الكيان وقبوله بشكل ما في آن واحد؟ لنأخذ مثلا موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الفصيل الاكثر جذرية في طرحه لشعار الدولة الديموقراطية العلمانية. هذا الموقف يؤكد على الطبيعة الكولونيالية للكيان الصهيوني وعلى ضرورة إنهائه من جهة، ولكنه يتشبث بما يسمى ب"الشرعية الدولية" من جهة أخرى. هذه "الشرعية" التي منحت الكيان الصهيوني "شرعيته". ألا يوجد تناقض داخلي في هذا الموقف؟
على كل حال وإختصارا للنقاش، كل ما اردت أن اقوله ببساطة: ما دامت فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الصهيوني فالمطروح في هذه الحقبة من التاريخ هو التحرير، المطروح هو الثورة لا الدولة. هذا التحول الخطير في الاستراتيجية الفلسطينية بدأ في الدورة الثانية عشرة من المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 وتبني ما يسمى "البرنامج المرحلي" والذي اصبح اليوم برنامجا دائما. المفروض طرح قضايا الثورة للنقاش: هل ينبغي أن تكون ثورة وطنية ديموقراطية أم ثورة إشتراكية، ام ثورة اسلامية؟ ما هو البرنامج السياسي لهذه الثورة ومن هي القيادة التي تضمن إنتصارها؟ الخ. وليس المطروح حاليا الدولة، واحدة كانت او إثنتان أو أكثر، علمانية او غير علمانية، ثنائية القومية أو متعددة القوميات أولاقومية، إسراطين القذافي أو دولة جميع مواطنيها لعزمي بشارة.
بالطبع لا يمكن الفصل نهائيا بين مفهومي الدولة والثورة. وينبغي فهم العلاقة الديالكتيكية بين المفهومين. فكل ثورة لها تصورها عن الدولة التي تسعى لتحقيقها. المقصود هنا هو ترتيب الأولويات. لن أفضح سرا اذا قلت أن مفهوم "الثورة الفلسطينية" لم يعد أكثر من شعار فارغ يردده بعض الخطباء الديماغوغيين عندما ينهون خطاباتهم: "وانها لثورة حتى النصر".
من هذا المنطلق أكرر أن طرح "الدولة الفلسطينية" على كافة اشكالها يغيب طرح الثورة والتحرير. ولا استطيع استثناء طرح "الدولة الديموقراطية العلمانية" من هذا السياق. هذا الشعار أصبح قناعا يختبئ وراءه العديد من الانتهازيين. فثمة مفاوض فلسطيني فاشل يهدد إسرائيل بأنها اذا لم تسرع بإقامة الدولة الفلسطينية الى جانبها فأنه سوف يطالب بدولة واحدة. وآخر يقول: فقط في إطار الدولة الواحدة تستطيع الكتل الاستيطانية الصهيونية في الضفة الغربية أن تبقى مكانها بينما حل الدولتين يحتم تفكيكها. هذه القضية تلتبس على الرفيق سلامة كيلة في رده المذكور عندما يقول: اليهود المستوطنون، نطردهم ام نقبل بهم؟ ويجيب قائلا: الحل الديموقراطي يقوم على قبول من تبقى منهم.
اليهود كمستوطنين لا حق لهم في العيش في أي مكان في فلسطين او خارج فلسطين. فقط بعد القضاء على الطبيعة الكولونيالية لتواجدهم ونزع صفة الاستيطان عنهم وبعد أن يصبحوا مواطنين عاديين كغيرهم يمكن القبول بهم. فالقضية لا تكمن في كونهم يهودا أم لا بل في كونهم مستوطنين أم لا.
القضية الاخرى التي يتحاشى المؤتمر، حسب رأيي، الخوض بها هي قضية القومية العربية والوحدة العربية بما يتجاوز الشعارات الروتينية. وهذا المكان أضيق من تناول هذه القضية بإسهاب وآمل أن تجد متسعا في ورشات عمل المؤتمر.
لكي يصبح شعار"الدولة الديموقراطية العلمانية" شعارا نضاليا وليس تصفويا يجب أن يناقش كل هذه القضايا بجرأة ويحدد موقفا واضحا منها.

Tuesday, June 17, 2008

قطاع غزة: سنة أولى حماس



قبل سنة، في أعقاب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، كتبت قائلا:" لم ولن اذرف الدموع على تنظيف غزة من موبقات عصابات ما يسمى بالأمن الوقائي التي شكلها دحلان بتمويل وتسليح وتدريب إسرائيلي- أمريكي لكي تسهر على أمن قوات الاحتلال الإسرائيلية زارعة في الأراضي الفلسطينية الموت والدمار والخوف". وأضفت قائلا:" ولكن، وفي الوقت نفسه لم ولن أصفق لحماس ولانتصارها الباهر، هذا الانتصار الذي هو أشر من الهزيمة. لم ولن أوزع الحلوى وأشارك نسائهن الزغاريت وأطلق النار بالهواء واصرخ: الله أكبر، الله وأكبر وكأنهم حرروا تل أبيب".
سنة طويلة مرت على تلك الاحداث، سنة غزيرة بالدم الفلسطيني، خصبة بالألم والمعاناة والجوع والحصار. نعم، لقد تخلصت جماهير غزة من موبقات عناصر الامن الوقائي الفاسدين غير المأسوف عليهم من غير رجعة، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يسأل بعد مرور سنة هو: هل إستطاعت القيادة البديلة لحركة حماس أن تقود الشعب الى بر الامان؟ او على الاقل هل استطاعت أن تدخل بصيصا من النور الى مستقبل نفق غزة المظلم؟
لا أريد هنا ان أتكلم عن الحصار التجويعي المجرم الذي يفرضه العالم أجمع على قطاع غزة. وأنا اقول العالم اجمع وهذا لا يعني اسرائيل وامريكا فحسب بل اولا وقبل كل شيء الدول العربية والسلطة الفلسطينية. إن هذا الحصار هو وصمة عار في جبين الانسانية ولكن في المقام الاول في جبين الوطن العربي من المحيط الى الخليج. لماذا نلوم الاسرائيلي الغاصب لإغلاقه المعابر ولا نلوم أكبر دولة عربية لإغلاقها معبر رفح والتهديد بكسر رجل كل من تسول له نفسه إجتياز الحدود بحثا عن رغيف الخبز؟ وكيف لا نلوم السلطة التي تحرض النظام المصري وتحذره من إجتياح الفلسطينيين للحدود المصرية؟ أمور لا تصدق.
ولكن هذا الحصار الاجرامي يجب الا يشكل تبريرا لأخطاء حماس أو غيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية، ويجب ألا يكون شماعة نعلق عليه أخطاءنا وتخبطنا وإنتهازية زعمائنا.
بعد سنة، من حق جماهير الشعب الفلسطيني، وخصوصا جماهير غزة، أن تعرف ما هي حقيقة سياسة حماس وخصوصا في الامور الاساسية التالية:
أولا): الحوار الفلسطيني من أجل إنهاء حالة الانقسام الداخلي: أو كما تصفه السلطة:" إنهاء الانقلاب على الشرعية الفلسطينية". هل يوجد حوار أم لا يوجد؟ ما هي قواعد هذا الحوار إذا وجد وما هي غاياته؟ وهل من أجل الحوار يجب أن نطير من مكة الى صنعاء الى دمشق الى القاهرة؟ بماذا يختلف هذا الحوار عن حوار الطرشان؟ وهل من المعقول أن يؤدي مثل هذا الحوار الى نتائج إيجابية ما دام يقوده ويحدد أجندته رجل المخابرات عمر سليمان؟ يدعو محمود عباس للحوار عندما يشعر بخيبة أمل من صديقه أولمرت ومن وعوده العرقوبية. وذلك لكي يستعمل الحوار كورقة ضغط للحصول على بعض التسهيلات من سلطات الاحتلال يلوح بها لمؤيديه. بينما تدعو حماس للحوار كلما زاد الضغط الاوروبي والعربي عليها. مثل هذا الحوار اصبح يثير الغثيان عند غالبية الشعب الفلسطيني. الحوار الوحيد الذي ينبغي أن يلتف حوله الفلسطينيون بغض النظر عن إنتماءاتهم التنظيمية هو كيفية مواجهة ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
ثانيا): التهدئة: أصبح الكلام عن التهدئة بالنسبة لحركة حماس مثل الكلام عن المفاوضات بالنسبة للسلطة. فالكلام حول التهدئة أصبح مثيرا للإشمئزاز لا يقل عبثية عن الكلام حول المفاوضات. في الضفة الغربية تقوم اسرائيل يوميا بتوسيع الاستيطان وتهويد القدس وبناء الجدار العازل وهدم البيوت والاجتياحات المتكررة للمكان الذي تريده، وبعد هذا كله تنادي للمفاوضات. حيث يبتلع المسؤولون الفلسطينيون هذا الطعم ويطفون على شبر من الماء ويدخلون في مفاوضات لا بداية لها ولا نهاية. أما في قطاع غزة، فهم يقصفون ويدمرون ويغتالون وفي الوقت نفسه يتكلمون عن التهدئة. وكالعادة نسير وراء سراب الوعود الاسرائيلية. ونتحول من ضحايا الى مجرمين في أعين العالم. هل تنسجم المقاومة مع التهدئة؟
ثالثا: يجب على حماس أن تحسم موقفها: هل هي مع اتفاقيات اوسلو أم ضدها؟ لا يمكن أن تمسك الحبل من الطرفين، ولا تستطيع أن تأكل من الكعكة وتبقيها سالمة في الوقت نفسه. إن المواقف المتناقضة لا يمكن أن تنطلي على الجميع والى الابد، بل هي من حيث طبيعتها قصيرة الامد. لا يمكن أن تعارض الاتفاقيات التفريطية وفي الوقت نفسه تنخرط بها. لا يمكن أن تعارض السلطة المنبثقة عن هذه الاتفاثيات وتنخرط بها حتى النخاع. ما الفرق بين التسويات المطروحة وبين التهدئة طويلة الامد التي تتكلم عنها حماس. ومن حقنا أن نتساءل: اليس الصراع بين فتح وحماس هو في نهاية المطاف على سلطة أوسلو؟
في الامور المبدئية المصيرية لا يوجد حل وسط. وينبغي قيادة النضال الى نهايته الحتمية، الى التحرير الكامل والشامل. لقد أثبت الشعب الفلسطيني بالرغم من إمكانياته المحدودة والمتواضعة أنه لا حدود لصموده ولا حدود لتضحياته. المطلوب هنا من القيادة أن تكون على مستوى هذا الصمود. وأن تكون قادرة على تصحيح مسارها.

Wednesday, June 11, 2008

عودة الى شعار: الدولة الديمقراطية العلمانية

20-عودة الى شعار: الدولة الديموقراطية العلمانية
بمناسبة مؤتمر حيفا 21 /6/2008

في الاسبوع القادم سوف يعقد في حيفا وبمبادرة حركة ابناء البلد ومشاركة جهات أخرى مؤتمر:" حول حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين". كنت قد كتبت مقالة نقدية عن هذ المؤتمر تناولت فيها الشعار الذي اصبح موضة رائجة في صالونات بعض الاكاديميين والناشطين، بعنوان: "الدولة الديموقراطية العلمانية- برنامج نضالي أم شكل جديد لتسوية تصفوية" وقد توصلت الى نتيجة انها تسوية تصفوية أكثر من كونها برنامج نضالي. وقد سردت الاسباب التي حسب رأيي تؤكد هذا الاستنتاج. غير أن مقالة صحفية قصيرة لم تكن كافية لتناول كافة جوانب شعار "الدولة الديموقراطية العلمانية" وقد وعدت بالعودة لهذا الموضوع قبل انعقاد المؤتمر لتوضيح بعد النقاط التي غابت عن المقال الاول.
لمن فاته قراءة المقال الاول قلت هناك بإختصار أن المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون خليطا غريبا من الناحية الفكرية والسياسية فمنهم من يتكلم عن دولة "ثنائية القومية" ومنهم من يتكلم عن "دولة لجميع مواطنيها" ومنهم من يتكلم عن دولة واحدة في فلسطين التاريخية من خلال القفز عن الواقع الذي فرضه الكيان الصهيوني في فلسطين على مدى 60 سنة من الاحتلال. وزعمت أن جميع المنادين بهذا الحل بالرغم من خلافاتهم الظاهرية يتفقون على تغييب طبيعة التحرير الثوري للنضال ضد الكولونيالية لصهيونية الحاكمة.
في هذه المقالة أود العودة الى المصطلحات الثلاثة التي يتكون منها هذا الشعار: دولة – ديموقراطية – علمانية محاولا إعادة تعريفها خصوصا واننا نستعملها بطريقة خاطئة وإما بطريقة مغرضة كل حسب نواياه وإما بدون وعي لما تعنيه هذه المصطلحات. وفي جميع الحالات النتيجة واحدة: بلبلة وعدم وضوح في الرؤيا وبالتالي الانزلاق الى متاهات الانتهازية والتفريط.
الدولة:
من افلاطون وارسطو مرورا بالفارابي وابن خلدون وجان جاك روسو وهوبس ولوك الى ماركس وانجلز ولينين وباقي الفلاسفة الاجتماعيين والسياسيين تنوعت تعريفات الدولة وإختلفت فيما بينها إختلافا كبيرا. ليس هنا المكان الملائم للخوض في هذه التعريفات وفي هذه الخلافات. ولكن بما أن حركة ابناء البلد، وأنا ايضا، نتبنى التعريف الماركسي – اللينيني للدولة بالرغم من كافة التحريفات التي طالت هذا التعريف من الذين يتبنون الماركسية اللينينية انفسهم ومن غيرهم ومن كافة أشكال سوء الفهم له فلا غرابة أن ننطلق من هذا المفهوم.
المفهوم الماركسي للدولة الذي يرتكز على الفهم المادي لتطور التاريخ البشري يقول بإختصار: بما أن المجتمع البشري هو مجتمع طبقي في جوهره ويتطور من خلال الصراع الطبقي فالدولة هي هيئة، جهاز للسيادة الطبقية، هي نتاج المجتمع عند وصوله الى درجة من تطوره وتورطه في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله. أي أن الدولة هي اداة للسيطرة والقمع في ايدي الطبقة او الطبقات السائدة وليست "عقد" أو "اتفاق" طوعي بين مركبات المجتمع لترتيب الامور الحياتية كما يروج علم الاجتماع البرجوازي. الدولة هي جهاز قمعي متكامل يمتلك الجيش المحترف والشرطة والسجون والبيروقراطية الادارية والسياسية ولكنه ايضا لكي يقوم بمهمته على افضل وجه يقوم بإفراز ايديولوجية سلطوية سائدة وقمع للايديولوجيات المناوئة، ومن اجل ذلك يقف ظاهريا فوق المجتمع وكأنه منفصل عنه هدفه تلطيف الصدام بين الطبقات المتناقضة في إطار المحافظة على النظام. هذه الخاصية تخدع العديد من الجماهير المسحوقة التي تتوهم أن الدولة هي لجميع المواطنين على قدم المساواة وليس للطقات السائدة. في هذا العصر وصلت الدولة الى ذروة تطورها إلا أن جوهرها لم يتغير. فهي ما زالت جهازا للقمع في يد الطبقة البرجوازية المسيطرة في معظم بلدان العالم.
التغيير الاجتماعي الثوري في بلد ما يحتم القضاء على جهاز الدولة التي أنشأته الطبقة السائدة. حتى الآن كانت الطبقات الثائرة تحافظ على هذا الجهاز في اعقاب الاستيلاء على الحكم أو تستعيض عنه بجهاز مشابه سرعان ما يتحول هو الاخر الى أداة سيطرة وقمع. ومن هنا جاءت الفكرة الماركسية التي تقول: أن القضاء على المجتمع الطبقي سوف يؤدي بالضروة الى الغاء الدولة. في هذه النقطة بالذات، مبدأ الغاء الدولة كدولة، تلتقي الماركسية مع الفوضوية. الخلاف فيما بينهما تمركز حول نقطتين اساسيتين: الاولى، من هي الجهة المهيئة تاريخيا بالقيام بهذه المهمة؟ الماركسية قالت البروليتاريا الثورية هي الطبقة الوحيدة القادرة على ذلك، بينما أنكرت الفوضوية ذلك وركزت على العمل الفردي. النقطة الثانية: رأى ماركس أن القضاء على المجتمع الطبقي ومن ثم الغاء الدولة لن يتم مباشرة بل سوف تكون هناك فترة إنتقالية يكون شكل الحكم فيها "ديكتاتورية البروليتاريا الثورية" بينما طالب الفوضويون إلغاء الدولة مباشرة. وقد شن ماركس هجوما عنيفا على الفوضويين وخصوصا أتباع لاسال الاشتراكي الذي نادى برفع شعار "الدولة الحرة" لأن هذا المصطلح يحتوي على تناقض داخلي، فالدولة في طبيعتها لا يمكن أن تكون حرة.
مهما كانت النظرية جميلة ومنطقية وخلاقة الا أنه فقط من خلال الممارسة العملية ممكن ان تثبت صحتها او عدمها. ليس سرا أن تطور المجتمع البشري في القرنين الاخيرين، وعلى ضوء الثورات العديدة منذ الثورة الفرنسية الكبرى مرورا بكومونة باريس وثورة اكتوبر في روسيا وحتى الثورات في الصين وكوبا وفيتنام وغيرها من البلدان قد أبرزت فجوة ساحقة بين النظرية والممارسة. مما يحتم إعادة النظر في النظرية وفي الممارسة على حد سواء.
لنعود الى حالتنا هنا، ولنطرح السؤال التالي: ما هي طبيعة "الدولة الديموقراطية العلمانية" التي نتكلم عنها؟ هل هي دولة طبقية؟ وما هي الطبقة او الطبقات السائدة؟ هل ستكون شكلا من "ديكتاتورية البروليتارية الثورية"؟ اذا كان الامر كذلك فلماذا لا نسمي الاشياء باسمائها؟ وهل هذه الدولة تعني القضاء على جهاز سلطة الدولة الذي أنشأته الحركة الصهيونية والتي تسمى اسرائيل؟ أم الحفاظ عليه بعد ترميمه وتحويله سلميا الى هيئة لسيادة الطبقية الجديدة؟ مما لا شك فيه أن معظم الذين ينادون بالدولة الديموقراطية العلمانية الآن يتبنون المفهوم البرجوازي الليبرالي للدولة خصوصا عندما يقرنونها بالدموقراطية.
أنا شخصيا أتبنى الفكرة التي تقول أن الدولة، كل دولة، هي جهاز للقمع يجب مبدئيا القضاء عليه. وإذا كان لا بد من "دولة" جديدة من أجل القضاء على الدولة البائدة، فلا بد أن تكون هذه الدولة "ديكتاتورية ثورية" في أيدي البروليتاريا والطبقات المسحوقة بشرط ألا تكتفي بالقضاء على الدولة البائدة بل تعمل في الوقت نفسه على الغاء نفسها ايضا.

الديموقراطية:
لعل هذا المصطلح من أكثر المصطلحات الذي نال نصيبه من حيث التحريف والتشويه والترويج حتى اصبح أكبر كذبة في العصر الحديث. فقد أحتلت بريطانيا معظم العالم ونهبته تحت شعار الديموقراطية. وقامت الولايات المتحدة الامريكية بشن الحروب البشعة في كوريا وفيتنام وافغانستان والعراق وغيرها بحجة نشر الديموقراطية أو الدفاع عنها. بينما تمارس اسرائيل جرائمها ضد الشعب الفلسطيني وضد الانسانية متلفعة بقناع الديموقراطية.
لنعود قليلا الى الجذور. هذه الكلمة اليونانية الاصل تعني حرفيا حكم الشعب. وهذا يقودنا الى مصطلحين جديدين تعريفهما بحد ذاته يشكل قضية فلسفية من الدرجة الاولى. ما هو الحكم؟ ومتى يكون الحكم ضروريا وعادلا؟ وما هو تعريف الشعب؟ حسب رأيي يحتوي المصطلح نفسه تناقضا مستعصيا. هل يستطيع الشعب أن يحكم؟ ويحكم من؟ هل يحكم غيره أم يحكم نفسه؟ فأذا كان الاول هو الجواب الصحيح (يحكم غيره) فكيف يكون ديموقراطيا؟ واذا كان الثاني (يحكم نفسه) هو الجواب الصحيح، فما هي ضرورة لذلك؟ تعريف الشعب عند اليونان كان يستثني النساء وهم نصف الشعب. وكان يستثني العبيد وهم أكثر من ضعف الشعب. أثينا القديمة التي تعتبر منبع الديموقراطية لم تكتف بإقصاء النساء والعبيد عن الحكم بل قامت أيضا بشن الغارات والحروب على جيرانها واحتلت بلدانهم. ولا ننسى أن هذه الديموقراطية اعدمت اول شهيد سياسي الا وهو الفيلسوف سقراط. إذن، "الديموقراطية" هي شكل من أشكل الحكم وقد يدعي البعض انها بالرغم من جميع مساوئها هي أفضل شكل. ولكن من يرفض الحكم أصلا لا يستطيع أن يقبل شكل من أشكاله. الديموقراطية في شكلها الحديث، البرجوازي الليبرالي، هي من أسوأ اشكال الحكم. وكما وصفها ماركس: الديموقراطية البرجوازية هي أن تمنح المسحوقين الحرية كل بضع سنوات أن يختاروا من يسحقهم ويستغلهم.
هل يوجد هناك ثمة ديموقراطية أخرى غير الديموقراطية البرجوازية؟ يجيب اليساريون العرب: نعم هناك الديموقراطية الشعبية. وعندما تسألهم: أين توجد هذه الديموقراطية؟ يبحثون عنها في اروقة الكي جي بي والستازي. علينا أن نتحرر من سحر هذه الكلمة المخادعة ونكف حتى عن استعمالها. أنا شخصيا أقترح استعمال كلمة "التحررية" في كل مكان تظهر به كلمة "الديموقراطية".
التحررية تعني اللاسلطة، تعني اللاحكم. تمزج بشكل خلاق بين الحرية الفردية والادارة الجماعية للمجتمع القائمة على الوعي الثوري ونبذ الاستعباد والاستغلال مهما كان شكله.
ماذا يقصد رفاقنا عندما يطالبون بدولة ديموقراطية؟ انتخابات للكنيست الصهيوني مرة كل 4 أعوام؟ لكي تقوم هذه بسن القوانين العنصرية "ديموقراطيا" لقمعنا؟ أم إحتلالنا إحتلالا متنورا يحصد أجسادنا بالاسلحة الحديثة؟ إذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل هي النموذج الارقى للديموقراطية، فأقول لهذه الديموقراطية: لا شكرا فأنا لا ديموقراطي.

العلمانية:
هذا المصطلح هو الآخر نال نصيبه من الاختلاف والتشويه والتزوير. وأنا هنا لست بصدد تعريف جديد لهذا المصطلح. تعدد التعريفات في هذه الحالة ليس بالضرورة سلبيا بل على العكس من ذلك تماما إذ يغني محتواه ومضمونه. العلمانية تعني من ضمن ما تعنيه فصل الدين عن الدولة في السياسة. ولكنها تعني في الوقت نفسه حرية المعتقدات والتدين. يستطيع كل إنسان أن يكون متدينا بالطريقة التي تقنعه في حياته الخاصة وأن يكون علمانيا في حياته العامة. الحل الفلسفي للتناقض بين الدين والعلمانية يكمن في جعل هذا التناقض مستحيلا. الدولة العلمانية يجب الا تشجع أية معتقدات دينية وفي الوقت ذاته ألا تمنع أية معتقدات دينية. الدين هو قناعة ذاتية بحت وعلى الانسان أن يملك حرية أن يكون متدينا بالدين الذي يختاره بمحض إرادته أو أن يكون ملحدا. الدولة، مهما كانت، لا تملك حق التدخل في هذا المجال. الدولة العلمانية لا تعني ملاحقة النساء المحجبات ومنعهن من دخول الجامعات أو المؤسسات العامة كما هو الأمر في تركيا وفرنسا مثلا. تماما كما لا يحق للدولة ملاحقة غير الملتزمين بالصوم أو راحة يوم السبت مثلا. على العكس من ذلك تماما: على الدولة العلمانية ان توفر الحماية للمرأة المحجبة كما عليها أن توفر الحماية لمن لا يصوم ولمن يقود سيارته يوم السبت. العلمانية في نهاية المطاف هي مبدأ انساني.
وأخيرا، لنعود الى مؤتمر "حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" المزمع عقده في حيفا قريبا. وأقول: ما دمنا نخشى الخوض في أعماق المفاهيم التي نرددها يوميا فلن يتمخض عن هذا المؤتمر سوى الشعارات الرنانة الجوفاء. وما دام المنادون بهذا الشعار يدفنون رؤوسهم بالرمل ويدعون أن أحدا لا يراهم فلن يكون هذا المؤتمر أكثر من ذر الغبار في العيون. يجب أن نقولها بصراحة أية دولة نريد وأية دولة نرفض، والى اية ديموقراطية نصبو وبأية علمانية نطالب.

Tuesday, June 10, 2008

جادلهم بالتي هي أحسن يا شيخ


في عدد الاسبوع الماضي من جريدة العنوان الرئيسي (6-6-2008) نشر الرفيق الشيخ عبد الحكيم مفيد مقالا إحتفاليا هجوميا بالانتصار الذي حققته الحركة الاسلامية في جامعة تل ابيب. وأنا اصر على تسميته ب"الرفيق الشيخ" ليس من باب التهكم لا سمح الله بل من باب التحبب، إذ قبل أن يغير قناعاته وينتقل الى المعسكر الآخر كان رفيقا. صحيح كان رفيقا في حركة ابناء البلد وليس في الجبهة الديموقراطية ولكنه في مقاله المذكور لا يوفر احد، فكل من خارج الحركة الاسلامية فهو مستهدف.
للوهلة الاولى يبدو غريبا أن أحشو انفي في هذه المسألة. فأنا كما هو معروف غير منتمي لأي حزب أو تنظيم كان، ولم أعد طالبا جامعيا، مع أني أب لطالبتين جامعيتين نشيطتين. غير أن هذا المقال اعادني الى ذكريات كاد الزمن أن يطمسها عندما كنت طالبا في الجامعة وكنت نشيطا على طريقتي الخاصة (خارج لجنة الطلاب العرب التي يبدو انها لم تتغير كثيرا منذ ربع قرن).
خلاصة المقال المذكور، أن الحركة الاسلامية تمتلك مشروعا بينما باقي التنظيمات، حتى ولو كان لديها مشروع، فمشروعها هو الانتخابات بحد ذاتها. اي أن الانتخابات بالنسبة للحركة الاسلامية هي وسيلة لتحقيق هدف سام. ومن هذا المنطلق فإن الارقام مع اهميتها ليست الاساس. بينما بالنسبة للآخرين قالانتخابات هي الهدف. ولكن في خضم حماسه من نتائج الانتخابات فقد نسي أن يخبرنا ما هو هذا المشروع ؟ اللهم سوى بعض العبارات الروتينية مثل: "التيار الاسلامي شيء طبيعي للغاية في حياة الناس وهو جزء من فطرتهم، اصيلا وليس دخيلا". أو "التيار الاسلامي يعيد ترتيب علاقة الناس بالدين في معظم مجالات الحياة". الخ. ولكن يا شيخ من قال لك أن التيارات الاخرى ليست طبيعية للغاية وليست جزءا من فطرة الناس الذين يؤمنون بها؟ ومن يقول أن التيارات الاخرى لا تعيد ترتيب علاقة الناس، ربما ليس بالدين ولكن في مجالات الحياة الاخرى؟.
يصل مقال عبدالحكيم ذروة تجنيه في العنوان الذي إختاره له وكأن "اصوليات" "وأصوليو" الحركة الاسلامية الذين حققوا الفوز في الانتخابات قد بنو المجد بينما يرتع الخاسرون في "حضيض بوهيميا تل أبيب". مثل هذه الالفاظ لا تليق بك يا شيخ. لا أريد هنا أن اردد مثلنا الممجوج الذي يقول:"إختلاف الراي لا يفسد للود قضية". إذ في كثير من الاحيان وعندما يكون الاختلاف مبدئيا قد يفسد أمور كثيرة. ولكن نصيحة، من شخص غير متدين، أن تضع نصب عينيك في نقاشاتك ومجادلاتك الآية القرآنية المذكورة أعلاه: "وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل 124). فما الفرق بين من يصفونك بالظلامية والتخلف والانغلاق وما الى ذلك من هذه المصطلحات وبين أن تصفهم بالدخلاء والسقوط بالحضيض؟ الشتائم هي الشتائم يا رفيقي ليس عندما تسمعها فقط بل عندما تقولها أيضا.
لنعد الى لجنة الطلاب العرب والى دورها، ولنتطرق قليلا الى دور طلابنا الجامعيين في المجتمع. وأرجو الا أظلم أحد في انتقادي القاسي هذا.
أنا ازعم بكل بساطة وصراحة أن الاحزاب السياسية العربية الفاعلة على الساحة من غير استثناء قد جلبت كافة سلبياتها والصقتها بهذه اللجنة التي تسمي نفسها مجازا "لجنة الطلاب العرب". فكما تكاد هذه الاحزاب لا تتذكر المواطن العادي إلا في ايام الانتخابات كذلك لا تتذكر هذه اللجنة والقوائم التي تؤلفها الطالب العادي إلا في يوم الانتخابات. وكما تثرثر هذه الاحزاب طول الوقت عن خدمتها للجماهير ودفاعها المتفاني عن حقوقها تقوم لجان الطلاب بالثرثرة عن الدفاع عن حقوق الطلاب. ولكن كما تعلم الثرثرة عمرها ما انتزعت حقوق ولا دافعت عنها. الشيء الوحيد الذي كانت لجنة الطلاب تنجح في تنظيمه (قبل حوالي ربع قرن، هل يوجد الآن اي تغيير؟!!) هو حفلة "يوم الطالب" السنوية.
,اكاد أجزم، وقد يكون هناك بعض الاستثناءات، أن الطلاب النشطاء باللجنة، المتفرغين، الكوادر، هم من الطلاب الفاشلين تعليميا والذين يقضون معظم أوقاتهم يتسكعون في الكافيتيريا او ينبطحون على العشب او يحتلون المقاعد في بعض الاروقة الاستراتيجية. وبدل أن ينهوا دراستهم للقب الاول في ثلاث سنوات ينهونها في ست سنوات او يغادرون الجامعة من غير ان ينهوا دراستهم. وفي كثير من الحالات يكونون ممولين من الحزب الام.
يشن عبدالحكيم هجوما كاسحا على الجبهة في شخص صديق سابق له هو المحامي وليد الفاهوم لمشاركته في "التآمر" على طلاب الحركة الاسلامية في الجامعات، وقرر أن يتخلى عن هذه الصداقة بعد أن اكتشف هذا التآمر. ولكن يا شيخ الا تفعل الحركة الاسلامية الشيء نفسه؟ وماذا تردعلى الطلاب الذين يتهمون طلاب الحركة الاسلامية بانهم يتلقون الاوامر من الشيخ كمال أو غيره من قادة الحركة الاسلامية؟ وماذا يفعل أعضاء الكنيست من حزب التجمع في اروقة الجامعة يوم الانتخابات؟ لقد آن الاوان أن يرفع هؤلاء السياسيون الفاشلون ايديهم عن الجامعات وعن طلاب الجامعات. الا يكفيهم ما يسببونه من أضرار خارج الجامعات.
القضية يا شيخ ليست أن يصل التيار الاسلامي (او اي تيار آخر) الى الصدارة أو يستلم الصدارة في هذه الجامعة او تلك. السؤال الذي يجب أن يطرح: ماذا تعمل عندما تستلم الصدارة؟ وبماذا تختلف عن الذين وصلوا للصدارة من قبلك؟ وما هي الطرق التي اوصلتك الى هذه الصدارة أصلا.
هل أظلم أحدا عندما اقول أن الطلاب الجامعيين النشيطين سياسيا (ولا اقول الواعين سياسيا) عندما يعودون الى مدنهم او قراهم يندمجون في مجتمعهم العائلي او الطائفي الضيق او يهتمون بمصالحهم الشخصية ولا يساهمون بمثقال ذرة في خدمة مجتمعهم ورفع مكانته؟
فوز الحركة الاسلامية في انتخابات جامعة تل ابيب ومن قبلها في جامعة حيفا والقدس الذي يتكلم عنه عبد الحكيم ويري به فاتحة لتيار جارف ليس سوى انتصارا وهميا. إذ أن معظم الطلاب غير مبالين وغير مهتمين لا بالانتخابات ولا باللجنة المنبثقة عن هذه الانتخابات (30% من الطلاب فقط شاركوا في الانتخابات).
على عكس عبدالحكيم مفيد الذي تخلى عن صديقه وليد الفاهوم لإختلافهما بالرأي فأنا لا أتخلى عن صداقتهما بالرغم من إختلافي معهما. علينا يا مشايخ ويا رفاق أن نتدرب على التعايش بالرغم من الاختلاف.
من الحري بطلابنا الجامعيين أن ينجحوا اولا وقبل كل شيء في تحصيلهم العلمي وأن يساهموا عند عودتهم الى مدنهم وقراهم في خدمة مجتمعهم ودفعه الى الامام. وهذا لا يتناقض مع التزامهم بقضايا شعبهم اثناء دراستهم ودفاعهم عن حقوقهم.
هذه ليست دعوة للإنفضاض من حول لجان الطلاب العرب في الجامعات ولكنها بالتأكيد دعوة لإعادة بناء هذه اللجان على اسس سليمة خالية من سلبيات أحزابنا السياسية.

Wednesday, June 04, 2008

ما وراء المفاوضات السورية - الاسرائيلية



هل نحن أمام نسخة جديدة من المفاوضات العبثية الاسرائيلية - السورية، على غرار المفاوضات العبثية الاسرائيلية -الفلسطينية؟ وإذا كانت امريكا تملك 90% من اوراق حل قضايا المنطقة فكم تملك تركيا؟ وما هو الفرق الجوهري بين خيار السلام الاسترانيجي الذي إختاره النظام السوري وبين خيار السلام الاستراتيجي الذي إختارته السلطة الفلسطينية؟ هذه الاسئلة والعديد غيرها تجول في الاذهان عند سماع الغزل الراهن بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية.
في الواقع هذا النوع من الغزل بين سوريا واسرائيل ليس جديدا، فقد بدأ بعد حرب تشرين عام 1973 مباشرة في مفاوضات فك الارتباط تحت رعاية وزير الخارجية الامريكي آنذاك هنري كيسنجر والتي تمخضت عن اتفاقية الفصل بين القوات وانسحاب الجيش الاسرائيلي من القنيطرة، ومن ثم محادثات مؤتمر جنيف التي لم تتمخض عن أية نتائج بسبب تعنت الطرف الاسرائيلي ورفضه الانسحاب من هضبة الجولان المحتلة تطبيقا لقراري مجلي الامن 242 و 338 . بينما استمر السادات في المفاوضات التي انتهت بمعاهدة كامب ديفيد. عاد هذا الغزل ليظهر من جديد في أعقاب حرب الخليج الاولى التي شارك فيها النظام السوري الى جانب امريكا وحلفائها فيما يسمى حرب "تحرير الكويت" وذلك في مؤتمر مدريد. مرة أخرى لم يسفر هذا الغزل عن إقامة علاقات عاطفية بين الطرفين ومرة أخرى بسبب التعنت الاسرائيلي. الا ان الغزل بين الطرفين لم يتوقف حيث استمر تحت رعاية الرئيس كلينتون في منتصف سنوات التسعينات حيث لوحت وسائل الاعلام السورية بحصول نوع من التقدم فيما يسمى "وديعة رابين" تروج للمزاعم التي تدعي بتعهد يتسحاق رابين بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967. ووصل هذا الغزل ذروته في نهاية سنوات التسعين عندما كان الطرفان اقرب ما يكونا الى التوقيع على اتفاقية سلام لولا تراجع ايهود براك في اللحظة الاخيرة عن "وديعة رابين".
خلال هذه الفترة كانت الحدود السورية الاسرائيلية الاكثر هدوءا وامنا بالنسبة لاسرائيل.
إذن ما هو الجديد في المفاوضات الراهنة؟ هل هي الوساطة التركية؟ من السذاجة التفكير بأن تركيا تقوم بواستطها بشكل مستقل، فهي في هذا الدور تنوب عن الطرف الامريكي وتتحرك حسب توجيهاته وتعليماته. وذلك لحساسية الدور الامريكي عند شعوب المنطقة، وكأن تركيا كدولة اسلامية لها علاقات جيدة مع كافة اطراف النزاع تصلح أكثر لتلعب دور الوسيط الموضوعي. وفي الوقت نفسه تفوز تركيا برضى الغرب مما يحسن صورتها في الغرب ويزيد من إمكانية قبولها في الاتحاد الاوروبي.
بالطبع سوريا هي الاخرى لها دوافعها الخاصة وأهمها درء الضغوطات الامريكية والاوروبية عنها ومحاولة فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها وتحاشي إمكانية التعرض لضربة عسكرية اسرائيلية – أمريكية. وخصوصا وأن الوضع الداخلي للنظام السوري ليس على احسن ما يرام.
أما دوافع الحكومة الاسرائيلية للإعلان عن هذه المفاوضات في هذا الوقت بالذات هي الاخرى واضحة ولا تخفى على أحد. فقد جاءت أولا وقبل كل شيء لإنقاذ الحكومة الاسرائلية من خطر السقوط السريع في أعقاب فضائح الفساد التي تلاحق رئيس الحكومة أولمرت. ولكن هذا ليس السبب الوحيد، وحسب رايي ليس السبب الرئيسي. السبب الرئيسي هو تحييد سوريا وضمها الى معسكر المعتدلين العرب إستعدادا لحرب إنتقامية ضد المقاومة اللبنانية. حتى لو سقطت الحكومة الاسرائيلية الراهنة، فلن تقبل اية حكومة الهزيمة العسكرية التي منيت بها قبل سنتين في لبنان. وكل رئيس حكومة اسرائيلي قادم سوف يحاول الانتقام لهذه الهزيمة، خصوصا اذا كان رئيس الحكومة القادم هو ايهود براك أو بيبي نتانياهو. تحييد سوريا ضروري أيضا في حالة شن حرب على ايران. وكما نرى فإن الحكومة الاسرائيلية تشن حربا تحريضية على مستوى عالمي لتوجيه ضربة قاضية على ايران. ولن يهدأ لها بال حتى تحقق هدفها هذا تماما كما فعلت في التحريض على شن الحرب ضد العراق.
الخلاصة هي أن هدف هذا المفاوضات ليس التوصل الى سلام عادل وشامل في المنطقة، بل هدفها إعادة الترتيبات والتحالفات لشن الحرب القادمة. والا كيف نفهم هذه المفاوضات في ظل الخروقات المتكررة للطيران الاسرائيلي لحرمة الاجواء السورية؟ كيف نفهم تحليقها فوق القصر الرئاسي في اللاذقية؟ وقصف الموقع الذي تدعي بكونه قاعدة نووية؟
تستطيع سوريا في كل مرة تتعرض له للإستفزاز او العدوان الاسرائيلي أن تصرح بأنها " تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن نفسها في الوقت المناسب" ومن الطرف الآخر يستطيع أولمرت أن يصرح بأن " تحقيق السلام مع سوريا يتطلب تنازلات مؤلمة".
نعم، لقد حضرنا هذه المسرحية من قبل مرات عديدة حتى حفظنا كامل فصولها عن ظهر قلب. فلا سوريا تستعمل حقها بالدفاع عن النفس ولا تقوم اسرائيل بتنازلات "مؤلمة". الكيان الصهيوني والنظام السوري يتسابقان مع الزمن تشبثا باللبقاء غير أن الزمن يقهقه ساخرا ولا مباليا بمصيرهما.