Wednesday, December 31, 2008

غزة..صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم



على عكس أولئك الذين يتباكون على غزة ويذرفون عليهاالدموع (ومعظمها دموع تماسيح) بسبب الدمار الشامل الذي تتعرض له والمجازر الرهيبة التي يرتكبها الجلاوزة الاسرائيلين، ارى أن قطاع غزة هو أكثر مكان طبيعي في العالم العربي في هذه الايام. انه المكان الوحيد المضيء بالرغم من انعدام الاضواء في ربوعه. بينما تغط باقي الاماكن التي تنعم بالكهرباء وأضواء النيون في ظلام دامس.
هذا هو الوضع الطبيعي، في مكان محاصر من جميع الجهات، في مكان اصبحت لقمة الخبز فيه مبللة بالدماء وجرعة الدواء مفقودة، في مكان تداس به كرامة الانسان صباح مساء، هذا هو الوضع الطبيعي، المقاومة والتمرد والعنفوان. بينما وضعنا هو غير الطبيعي، حيث نرفل برفاهية قاذروت المجتمع الاستهلاكي وننظر الى الصور الآتية الينا من القطاع وكأننا نشاهد فلما سينمائيا صنع في هوليوود تحت إدارة مخرج صهيوني.
أهل غزة هم وحدهم الاحياء بالرغم من إن الموت يحصدهم رجالا ونساء واطفالا. وهم وحدهم من يستحقون الحياة لذلك يستفزون ملاك الموت. ونحن هم الاموات بالرغم من تشبثنا بقشور الحياة.
ما نحتاج اليه في هذه الايام هو أن نصنع المزيد من قطاعات غزة في كل مكان من العالم العربي، من المحيط الى الخليج. ما أحوجنا لأن نتذكر صرخة الثائر العالمي تشي جيفارا عندما دعى الى تفجير فيتنام ثانية وثالثة ورابعة من أجل الحاق الهزيمة بالامبريالية الامريكية لنيل الحرية والاستقلال.
ما نراه اليوم في غزة هو السلام الذي وعدونا به في مؤتمر انابوليس قبل سنة. هل تذكرون تصريحات بوش واولمرت وعباس التي بشرتنا بحلول السلام حتى نهاية العام؟ نعم هذا هو سلامهم. سلامهم حرب ودمار ومجازر. فليذهبوا الى الجحيم غير مأسوف عليهم هم وسلامهم المزعوم.
كما قال الشيخ حسن نصرالله في خطابه الاخير: هذه الحرب ليست حربا على حماس لكونها تنظيما اسلاميا أو ارهابيا، كما لم تكن الحرب الاخيرة في لينان حربا على حزب الله. ما يهم أمريكا واسرائيل أن تكون خاضعا لهيمنتهما وتقبل ما يمليانه عليك وآمن بما تشاء.
الحرب في غزة اليوم لا تهدف فقط الى تصفية المقاومة بل الى تصفية القضية الفلسطينية تصفية كاملة وفرض الحل الاسرائيلي- الامريكي على الشعب الفلسطيني. المقاومة الفلسطينية ومركزها في غزة هي حجر العثرة الأخير المتبقي أمام فرض مثل هذه التسوية. سقوط غزة يعني إنتهاء الحرب التي تفجرت عام النكبة بإنتصار الصهيونية النهائي.
الحرب على غزة اسقطت آخر قناع عن وجوه كافة الاطراف. أسقطت آخر قناع عن الدولة "الديموقراطية" الوحيدة في المنطقة وبان وجهها الحقيقي بدون رتوش: دولة فاشية بإمتياز. هذه الحرب أسقطت نهائيا صفة "وطنية" عن سلطة اوسلو التي ظهرت بوجهها الخياني البشع بإمتياز هي أيضا حيث تفوقت على سلطة كرزاي والمالكي في افغانستان والعراق وقوات العميل لحد في الجنوب اللبناني قبل تحريره. وسقط القناع الاخيرعن جميع الانظمة العربية فلم يعد هناك أية فوارق بين انظمة جمهورية او ملكية، تقدمية أو رجعية، معسكر اعتدال أو معسكرممانعة. عورات الجميع إنكشفت على حقيقتها لمن يحب أن يشاهد . وسقط القناع عما يسمى بالمجتمع الدولي والشرعية الدولية. هذا المجتمع الذي يراوح بين الصمت والتواطؤ والمشاركة بالجريمة. الفوارق شكلية لا جوهرية. الاتحاد الاوروبي يلعب لعبة قذرة ما زالت وصمة عار ورثها من ماضية الاستعماري. روسيا والصين وباقي الدول العظمى هي عظمى بالحجم ولكنها وضيعة فيما عدا ذلك. الامم المتحدة ومجلس الامن اصبحا مرتعا لللصوص وقطاع الطرق.
العالم بأسره يعرف بالضبط ماذا يحدث في غزة من جرائم. الصور لا تكذب ابدا. أكاذيب اسرائيل بحاجة الى صنف آخر من البشر لكي يصدقها. هل يوجدعاقل واحد يملك ذرة من الضمير الحي يصدق أن طائرات ال أف 16 والاباتشي والقنابل الذكية والصواريخ المتطورة هي دفاع عن النفس بينما صواريخ القسام البدائية هي رمز العدوان؟ هل يحق للفلسطينيين المحاصرين برا وبحرا وجوا الدفاع عن أنفسهم؟ أم أن هذا الحق حصرا على الاسرائيليين المغتصبين؟ ما هي القوانين وما هي الشرائع التي تحدد وتعرف الدفاع عن النفس؟
وأخيرا أوجه كلامي للجماهير الفلسطينية في الداخل وللاحزاب السياسية والحركات الفاعلة على الساحة. إن رد فعلنا على جرائم غزة مكلل بالخزي وبالعار وإن دل على شيء فإنه يدل على عقمنا وعجزنا. هل هذه المظاهرات الهزيلة ترتقي الى مستوى الاحداث؟ اليست من باب رفع العتب ؟ وتصريحات المسؤولين في الشجب والادانة اليست دفع ضريبة كلامية لا أكثر ولا أقل؟ اليس من المخجل الدعوة الى مظاهرة قطرية يأتي بعد اسبوع على بداية الجرائم؟ ولو لم تكن الانتخابات للكنيست الصهيوني على الابواب لما تحرك أحد؟.
إذا ارادت الاحزاب السياسية العربية المتكالبة على الانتخابات أن تنقذ ما تبقى من ماء وجهها ( ولا أقول من دماء) أن تعلن عن انسحابها الجماعي من هذه اللعبة وتنزع الشرعية عن الكنيست التي منحت ثقتها ودعمها لهذه الحكومة المتعطشة للدماء.
على الجمعيات المدنية واللجان الشعبية وأخص بالذكر لجنة اهالي شهداء الاقصى أن تكف منذ اليوم اتهام ايهود براك بالمسؤولية عن قتل 13 شهيدا، فهو المسؤول عن قتل 400 شهيد وهذا ليس العدد النهائي. على هذه الجمعيات واللجان أن تذكر 27 كانون الاول - ديسمبر كما تذكر الاول من تشرين الاول – أكتوبر وتجعل منهما مناسبة واحدة.

Wednesday, December 24, 2008

تهافت التهافت الى الكنيست



بعد العرض الرديء الذي قدمته لنا الاحزاب العربية (وغير العربية) في الانتخابات المحلية الاخيرة تعود الينا بمسلسل آخر عن الانتخابات للكنيست شاهدنا في الايام الاخيرة الحلقة الاولى منه التي تدور حول تعيين "إنتخاب" مرشحيها لهذه الانتخابات، والتي تسمى باللغة السياسية الدارجة "البرايمريز".
ليس من الضروري أن يكون الشخص محللا سياسيا أو خبيرا بشؤون الاحزاب لكي يستنتج أن هذه الاحزاب قد تفوقت على نفسها من حيث الاداء الرديء والمستوى الهابط في هذه الحلقة وعلى كافة المستويات.
كما ذكرت تقتصر هذه الحلقة التي أكتب عنها الآن على إختيار المرشحين "البرايمريز". وسوف تليها بلا شك حلقات أخرى مثيرة بالرغم من رداءتها المعروفة سلفا حول المفاوضات والتداولات بين الاحزاب التي سوف تتمخض عن تحالفات غريبة عجيبة حتى تتوصل الى قوائم نهائية للمرشحين. هذا ناهيك عن الدعاية الانتخاية. وسوف أتناول هذه الحلقات في وقتها.
من المفروض أن تكون البرايمريز وسيلة "ديموقراطية" يتنافس من خلالها المرشحون داخل كل حزب من أجل إختيار الافضل لقيادة هذا الحزب في الانتخابات. هل كانت هناك حقا منافسة شريفة ( أو حتى في بعض الاحيان منافسة غير شريفة؟) داخل هذه الاحزاب؟ لنلق نظرة سريعة وندع الحقائق تتكلم عن نفسها ولنستمع لبعض ما قاله المتنافسون انفسهم عن أحزابهم وذلك لتفادي أن اتهم باللاموضوعية والمواقف المغرضة ضد هذه الاحزاب.
قبل حوالي اسبوع عقدت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة مؤتمرها القطري لإنتخاب مرشحيها للكنيست. كان النائب محمد بركة هو المرشح الوحيد للمكان الاول، واجهته مشكلة صغيرة فقط: بصفته عضو كنيست مخضرم ومن المفروض إخلاقيا أن يتنحى جانبا لكي يفسح المجال لمرشح آخر، ولكن بالطبع الاعتبارات الاخلاقية لا تلعب دورا في العمل السياسي، فكان عليه، حسب النظام الداخلي للجبهة، أن ينال موافقة ثلثي أعضاء المؤتمر الحاضرين. فما المشكلة؟ لا مشكلة على الاطلاق، فبعد أن صفى معارضيه في القمة خلال السنتين الاخيرتين فقد نال 98% من أصوات المؤتمرين. وهذه نسبة لا تعيب اي زعيم عربي يتزين بالديموقراطية. هكذا حسم المكان الاول بدون منافسة وبدون إنتخابات حقيقية. المرشح الثاني تاريخيا (لنقل في العقدين الاخيرين) يجب أن يكون مسيحيا وهذا المكان مفصل على مقاس حنا سويد. وكان من المتوقع أن يكون التنافس على هذا المكان شيقا لأن المرشح اليهودي (الثالث تاريخيا) متشجعا من نجاحه النسبي في الانتخابات المحلية لرئاسة بلدية تل ابيب قد أعلن عن نيته المنافسة على هذا المكان. ولكن ولإعتبارات نفعية مختلفة وضغوطات من أجل الحفاظ على التوازن، سحب ترشيحه في اللحظة الاخيرة. وهكذا حسم المكان الثاني ايضا بدون منافسة وبدون إنتخاب. المكان الثالث اصبح من نصيب دوف حنين، الممثل اليهودي، ايضا بدون منافسة وبدون انتخاب. وهكذا صمدت المعادلة المعروفة التي تقول: الاماكن الثلاثة الاولى للجبهة يجب أن تكون محصورة علة مرشح مسلم ثم مسيحي ثم يهودي بالترتيب، مرة أخرى. وبذلك إنحصرت المنافسة الحقيقية على المكان الرابع فقط حيث شهد هذا المكان إزدحاما غير مسبوق مؤلف من ثمانية مرشحين، تنازل إثنان منهما فيما بعد. وهنا دخل عنصر آخر معركة التنافس وهو التآمر وعقد الصفقات. وكانت عايدة توما مرشحة العنصر النسائي ضحية هذه المنافسة حيث خرجت من المولد بدون حمص تعض على أصبعها.
في الوقت نفسه عقد التجمع الوطني الديموقراطي مؤتمره والذي يحب أن يطلق على نفسه ممثل "التيار القومي". من حيث الجوهر لم يختلف هذا المؤتمر عن مؤتمر الجبهة. المكان الاول لم يشهد أية منافسة فقد كان محسوما مسبقا لصالح عضو الكنيست جمال زحالقة. كان من المتوقع أن يجري التنافس الحقيقي على المكان الثاني. ولكن قبل المؤتمر بعدة أيام اعلن النائب واصل طه عن قراره بعدم ترشيح نفسه لفترة جديدة وبالمقابل تم إختياره رئيسا للحزب. وحتى الآن لا أدري كيف يكون للحزب رئيسين، حيث لا يزال عزمي بشارة رئيسا للحزب من منفاه ولم اسمع عن تخليه عن هذا المنصب. هل يدري احدكم؟
علىأي حال، حل واصل طه بتنحيه عن المنافسة مشكلة ولكنه في الوقت نفسه خلق عدة مشاكل. هنا ايضا التوازن الطائفي على درجة عالية من الاهمية ولا يصح الاخلال به خصوصا وأن المكان الاول قد آل مرشح مسلم فإذا لم يكن المرشح الثاني مسيحيا فهذا يعني المخاطرة بفقدان الاصوات المسيحية وهكذا تم دفع انطون ليوس لينافس على المكان الثاني أمام النائب سعيد نفاع. يبدو انه ليس نحن فقط، الموجودين خارج التجمع، لم نسمع بهذا المرشح من قبل بل أغلبية أعضاء التجمع ايضا، وهكذا تم إنتخاب النائب سعيد نفاع. ولكن حالا بعد انتهاء المؤتمر تناولت وسائل الاعلام العربية انباء من داخل التجمع تتذمر من هذا الاختيار لأنه لن يجلب للتجمع أصوات جديدة. هذه الاصوات التجمعية كانت أجبن من أن تصرح علنا بما كان واضحا من الخبر ومفاده أن نفاع ينتمي للطائفة الدرزية التي تمنح معظم اصواتتها للأحزاب الصهيونية، بينما مرشح مسيحي يستطيع أن يحافظ على الاصوات المسيحية خصوصا وأن مؤسس الحزب ينتمي لهذه الطائفة. المكان الثالث كان مخصصا لإمرأة وفازت به حنين الزعبي من غير منافسة. ولو خاضت المنافسة كما يجب لما نالت اصوات تؤهلها للمكان العاشر كما كانت الحال عندما تركت خارج المكتب السياسي للتجمع.
المشهد التراجوكوميدي تكرر عند الاحزاب الاخرى: رئيس الحزب، وهو في معظم الاحيان يعتبر الحزب حانوتا خاصا به، يؤمن المكان الاول لنفسه ويتفنن في عقد الصفقات التي تضمن ترشيح المقربين.
الحركة الاسلامية الجنوبية على سبيل المثال: الشيخ عبدالله صرصور وضع المكان الاول فوق المنافسة وجرى العراك على المكان الثاني شبه المضمون في القائمة الموحدة. وعندما فاز مسعود غنايم بهذا المقعد خرج المرشح الآخر سليمان ابو أحمد وجماعته غاضبين وأعلن عن انسحابه من الحركة. وهكذا أثبتت الحركة الاسلامية مرة أخرى انها حزب يتكالب على متع الدنيا مثله مثل باقي الاحزاب الدنيوية.
وكيف لا يمكن أن نذكر الحزب الديموقراطي العربي، حيث أعلن مختار الحزب بأنه يتنازل عن رئاسة الحزب "مؤقتا" للنائب طلب الصانع الذي سوف يبقى المرشح الاول ولكن ليس قبل أن يؤمن مستقبل ابنه باسل دراوشه الذي أختير كمرشح ثاني، بشرط أن تعود رئاسة الحزب اليه في الفترة القادمة.
القائمة العربية للتغيير، وهي تدار كمزرعة خاصة للنائب احمد الطيبي وقريبه اسامة السعدي، وسوف يبقيان في المكان الاول والثاني الى ما شاء الله.
حزب الوسط العربي، الذي يضم النائب السابق عباس زكور والاسبق محمد حسن كنعان. كلاهما يبحث عن حضن دافئ يحتضنه حتى ولو لم يؤد هذا الاحتضان الى اروقة الكنيست، فهما على استعداد لقبول شريحة متواضعة من التمويل.
إن نسينا فإننا لا ننسى المرشحين العرب في الاحزاب الصهيونية. هذه المرة وضعهم أصعب. وأخير حزب العمل سوف يكون نظيفا من العرب. الوزير العربي الاول، غالب مجادلة وضع في المكان 15 بينما جميع الاستطلاعات تمنح حزبه 10 مقاعد، النائبان الآخران، ناديا الحلو وشكيب شنان سيكونان هما ايضا في خبر كان. أما مرشح كديما "العربي" مجلي وهبي، رجل تسيبي ليفني فقد حصل على مكانه بعد شجار مع أكرم حسون رجل شاؤول موفاز والمرشحين الاخرين، شجار لا يشرف حتى قطاع الطرق.
هذه هي الاحزاب التي سوف تتوجه اليك أخي المواطن لتمنحها صوتك وثقتك. هل تغير عليها شيء؟ الا يحق لنا أن نقول: تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما أجيتي؟
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, December 17, 2008

اين حل قضيتنا القومية وأين حل قضيتكم القومية؟



يبدو اننا كجماهير فلسطينية في هذه البلاد نعاني من مشكلة في فهم المقروء ومشاكل في إستيعاب المسموع ايضا. وإلا كيف نفسر ردود الفعل المتشنجة التي صدرت عن الزعامات والاحزاب العربية بخصوص تصريحات تسيبي ليفني الاخيرة عندما قالت أمام طلاب أحدى المدارس الثانوية في تل أبيب:" عندما تقوم الدولة الفلسطينية استطيع أن أقول لمواطني دولة اسرائيل الفلسطينيين، الذين نطلق عليهم اليوم اسم عرب اسرائيل، أن الحل القومي لقضيتكم موجود في مكان آخر"؟
ما الجديد في تصريح ليفني هذا؟ هل الان فقط اكتشفت هذه الاحزاب والزعامات أن ايديولوجية الترانسفير ليست حكرا على ليبرمان وعلى ما يسمى اليمين المتطرف، بل هي في صميم الحركة الصهيونية على كافة تياراتها؟ الم تقم الحركة الصهيونية منذ البداية على اسطورة: "شعب بلا ارض يعود الى أرض بلا شعب"؟ ولمعلوماتكم من إختلق هذه الاسطورة، طورها وجعل منها سياسة عملية ووضعها في موقع التنفيذ لم يكن تيارا هامشيا عنصريا ينتمي لليمين المتطرف، بل كان التيار الاساسي في الحركة الصهيونية ممثلا بحزب العمل بكافة تجلياته واشكاله السابقة والراهنة. ما جرى في عام 1948 من عمليات تطهير عرقي لم يعد ينكره أحد حتى أولئك الذين خططوا له ونفذوه وحاولوا لفترة طويلة إخفاء جرائمهم من خلال إعادة كتابة التاريخ بعد تزييف الحقائق. وأكثر من ذلك، فإن أغلبهم اليوم نادمون على عدم إكمال المهمة حتى النهاية ولم يطهروا فلسطين من الفلسطينيين حتى بكرة ابيهم.
ليست التصريحات التي نسمعها من فترة لأخرى من زعماء الدولة سوى حنين الى تلك الايام والتباكي على الفرصة التاريخية التي ضاعت من بين ايديهم.
ما قالته ليفني مؤخرا ليس سوى تكرار لما ورد فيما يسمى "وثيقة الاستقلال" الصهيونية. هذه الوثيقة التي تعتبر نموذجا لتزييف التاريخ، حيث اعلنت عن قيام دولة " يهودية" كأستمرار طبيعي لدولة وهمية قامت قبل أكثر من الفين سنة شاطبة تماما شعوبا وحضارات متعددة نمت وترعرعت خلال قرون طويلة على أرض فلسطين.
كل ما فعلته ليفني هو انها عبرت عن الايديولوجية الصهيونية بكلماتها الخاصة، ولم تأت بشيء جديد. وإذا كان هناك ثمة شيء جديد هو صراحتها ووضوحها، فهي مقبلة على انتخابات برلمانية ومن أجل الحصول على حفنة من الاصوات جرت العادة أن يتنافس المرشحون فيما بينهم حول أمرين: الاول تصعيد عمليات القتل والدمار والتهديد كما يجري في غزة والخليل ونابلس وباقي المناطق الفلسطينية. والثاني هو تبني المواقف العنصرية والمجاهرة بها.
الرد على تصريحات الساسة الاسرائيليين المتكررة يجب أن يتجاوز الادانة والتنديد، وهي الطريقة الوحيدة التي تعرفها الاحزاب العربية وأعضاء الكنيست ، الذين بمجرد وجودهم في ذلك المكان يمنحون الشرعية لهذه المؤسسة العنصرية بكافة أعضائها ولكل ما يصدر عنهم.
الرد على هذه التصريحات يجب أن يكون واضحا ومن غير تلعثم. وهو حسب رأيي يتلخص في نقطتين اساسيتين:
اولا: هذه الدولة، سموها كما شئتم، " اسرائيل"، دولة "يهودية ديموقراطية" هي ليست دولتنا وانتم على حق في ذلك. فهي لا يمكن أن تعبر عن طموحاتنا القومية ولا يمكن أن تكون اساسا لحل قضيتنا القومية. وصدقت ليفني عندما قالت أن حل قضيتنا القومية موجود في مكان آخر، ولكنها نسيت أن تقول: أن المكان الآخر هو فلسطين التاريخية التي لا تقبل القسمة او التجزئة؟
ثانيا، من جهة أخرى، على تسيبي ليفني وباقي القيادات الصهيونية أن تبحث هي أيضا عن مكان آخر لتحقيق طموحاتها القومية، فمن جاء من روسيا فهي بلاد واسعة يستطيع أن يعود اليها ويحل قضيته القومية هناك، او في اوكراينا او جورجيا أو بولندا أو رومانيا أو المغرب أو اليمن أو أمريكا، الخ.
فلسطين هي أولا وقبل كل شيء وطن الشعب الفلسطيني. هي وطن اللاجئين الذين شردوا من ديارهم عام 1948 كما هي وطن الذين بقوا يرزحون تحت الاحتلال في المناطق التي احتلت عام 1948 وعام 1967. ومن لا يعترف بهذه البديهية لا يمكن أن تكون فلسطين وطنا له وعليه أن يبحث عن وطن آخر.
وأخيرا أعيد صياغة اقوال تسيبي ليفني وأعيدها اليها من غير إحترام: " عندما تقوم الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، من البحر الى النهر، أستطيع أن أقول لمواطني دولة فلسطين الاسرائيليين، الذين نطلق عليهم اليوم اسم يهود صهاينة، أن الحل القومي لقضيتكم موجود في مكان آخر".

Tuesday, December 16, 2008

حذاء واحد أفضل من ألف خطاب



الحذاء سلاح ذو حدين. ممكن أن تداس تحته وممكن أن تضرب به أعداءك. في عالمنا العربي القاعدة هي في الاستعمال الاول. فنحن نداس تحت نعال المحتلين في فلسطين والعراق والصومال وتحت نعال الحكام والمخابرات وقوات الامن المختلفة في باقي البلدان. الاستثناء هو أن نستعمل الحذاء لضرب أعدائنا من محتلين وقامعين. من هنا تنبع أهمية حذاء منتظر الزيدي الذي قذف به الى وجه بوش. انه استثناء فريد من نوعه. لذلك يصلح لأن يكون نموذجا يحتذى به. إذا كنت لا تستطيع أن تقاوم محتلك بوسائل اخرى فالحذاء يفي بالغرض وقد يكون فتاكا أكثر من اسلحة الدمار الشامل. تصوروا أن حذاء المنتظري حرك الشارع العربي، حرك الضمير العربي أكثر من كل الشعارات والخطابات، واخيرا تنفسنا الصعداء، تبسمنا بل ضحكنا من أعماق قلوبنا.
طرق المقاومة، الاحتجاج، التعبير عن مكنونات النفس عديدة ومتنوعة. بعضها بسيط الى ابعد حدود البساطة ولكنها تكون خلاقة ومميزة خصوصا عندما تأتي في الوقت المناسب وفي المكان المناسب وفي الظروف المناسبة. كل هذه كانت متوفرة عندما خلع منتظر حذائه وارسله ليودع الرئيس بوش الذي اراد، إمعانا منه في إذلال وتحقير العرب أن ينهي ولايته في البلد الذي دمره وقتل أهله.
تداعيات هذه القضية ما زالت في اوجها. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد العام. مما لا شك فيه أن منتظر الزيدي عندما قام بهذا العمل الجريء قد خاطر بحياته وحتى الان دفع الثمن ببعض الكدمات والضلوع المكسرة والاعتقال. وقد يقدم للمحاكمة ويزج بالسجن مثله مثل آلاف العراقيين. وقد يصفى جسديا، وقد يطلق سراحه تحت مطرقة الضغط الشعبي وقد تستغله الحكومة العميلة لتبرهن على ديموقراطيتها المزيفة. حتى الان كتب الكثير عن هذه الحادثة وسوف يكتب أكثر من ذلك. فقد اصبحت ملكا للجميع، أصبحت بسرعة البرق تراثا، والهمت العديد من الشعراء وكتاب القصة والمقالات والخواطر، وربما قريبا صانعي الافلام والمسرحيات ايضا. ولا أخفي أن حذاء الزيدي قد دفعني بقوة الى كتابةهذه السطور.
اود هنا أن اركز على نقطتين لا غير.
الاولى: هل بوش هو وحده من يستحق الحذاء في وجهه؟ وماذا عن الملوك والرؤساء العرب، الجبناء أمام المحتلين والابطال الصناديد مع مواطني بلدانهم. متى سنرى النعال تتطاير فوق رؤوس هؤلاء؟ متى سوف يقف منتظر جديد في كل عاصمة من العواصم العربية ملوحا بحذائه؟ لا اشك أن مثل هذا الخوف ساورجميع الحكام العرب ومن يدري قد يطلبوا من رجال مخابراتهم منذ اليوم أن يدخلوا اليهم المواطنين وهم حفاة.
على جماهير الشعوب العربية، من المحيط الى الخليج، أن تحول القاعدة الى إستثناء والاستثناء الى قاعدة. اي بدل أن يكون الحذاء أداة للدوس على كرامة المواطن وحقوقه يصبح صفعة على وجوه العتاة.
النقطة الثانية، موجهة الى جماهيرنا في الداخل. الى متى سنبقى نلعق أحذية محتلينا الذين يقترفون جرائم الحرب منذ 60 سنة ولم يتوقفوا حتى هذا اليوم؟ هل من المعقول أن نستقبل هؤلاء المجرمين بالولائم والفرق الكشفية وفرق الرقص وخطابات النفاق، كما استقبل شمعون بيرس في سخنين مؤخرا؟ الى متى كلما زارنا وزير او مسؤول حكومي يخشى أن يغادر البلاد خوفا من ملاحقته قضائيا نزج ب"وجهاء" البلد لإستقبالهم بالطبول والزمور؟ ألم يحن الوقت لإستعمال الحذاء كأداة استقبال؟
نرى هؤلاء المسؤولين، من رئيس الدولة مرورا برئيس الحكومة وحتى آخر وزير، يزورون بلدات يهودية فلا نراهم يحظون بإستقبال حافل كالذي يحظون به في قرانا ومدننا. هل سبب ذلك الكرم وحسن الضيافة أم الجبن وفقدان الكرامة؟
تحية الى منتظر الزيدي والى حذائه الذهبي.

Wednesday, December 03, 2008

أم كامل تنقذ شرف الامة



في هذا الليل العربي الطويل حالك السواد، في هذا الزمن البائس حيث تعيش غزة في ظل ابشع حصار ظلما وظلاما، ولا اقول بعد الآن تحت عيون وأنوف العرب، بل بمشاركتهم الفعالة في هذا الحصار، في هذا الزمن حيث يعيش الشعب الفلسطيني حالة من التشرذم والتمزق تفوق ما تعرض له عام النكبة 1948، ظهر هناك في نهاية النفق المدلهم بصيص من النور ومن الامل اضاءته سيدة فاضلة تدعى الحاجة فوزية، ام كامل الكرد.
قبل حوالي شهر قامت قوات إسرائلية ليست مدججة بالسلاح فحسب، بل تلوح في يدها بقرار صادر عن أعلى مؤسسة قضائية في هذه الدولة "الديموقراطية" بطرد عائلة الكرد من بيتها في حي الشيخ جراح والإلقاء بها في العراء وهي تدوس ابسط الحقوق الانسانية: حق كل شخص أن يعيش في بيته بأمن وسلام. وفي الوقت نفسه سمحت لمجموعة من قطعان الفاشية المستوطنين بالسيطرة على البيت وتقوم بحمايتهم.
لم تستسلم أم كامل لهذا الاعتداء الغاشم ولم تنحني أمام هذه الجريمة النكراء. فقد واصلت صمودها الذي بدأته في رفض كافة التهديدات والعروض المغرية لإجبارها على ترك بيتها بمحض ارادتها بكل شموخ وكبرياء. وانتقلت من البيت الى خيمة الاعتصام وصرحت لكل من يريد أن يسمع انها لن تغادر الخيمة الا بالعودة الى بيتها المغتصب. وقد دفعت أم كامل ثمنا باهضا مقابل صمودها الاسطوري هذا وكان آخرها أستشهاد زوجها الذي كان يعاني من مرض مزمن والذي لم يستطع جسمه العليل تحمل جريمة الطرد.
لقد قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ اليوم الاول لإحتلال القدس وعلى مدار 41 سنة، هي عمر الاحتلال، بتنفيذ سياسة رهيبة معدة مسبقا لتهويد القدس. بدأت بطرد المواطنين العرب من أحد أحياء القدس القديمة وإقامة ما يسمى بالحي اليهودي ومن ثم السيطرة على حائط البراق والاماكن المحيطة به والسيطرة على عشرات المنازل في شتى ارجاء القدس العتيقة عن طريق القوة والخداع والابتزاز وفي الوقت نفسه فرضت حصارا شاملا على المسجد الاقصى ولم تتوقف للحظة واحدة من الحفر والتنقيب من تحته بهدف تقويض اركانه، هذا ناهيك عن المحاولات العديدة للإعتداء عليه بدأ بالحرق مرورا بالاقتحامات المتكررة وانتهاء بالمؤامرات الحثيثة لتقويضه.
سياسة تهويد القدس استمرت بشكل منهجي ومكثف من خلال بناء عشرات المستوطنات على الارض العربية حول القدس وضمها الى المدينة. خلال 40 عاما من الاحتلال استوطن في القدس أكثر من 200 ألف مستوطن من حدود رام الله في الشمال الى بيت لحم في الجنوب الى مشارف اريحا والبحر الميت في الشرق.
سياسة تهويد القدس شملت ايضا سياسة تطهير عرقي للسكان العرب من خلال عمليات الطرد ومصادرة الهويات والملاحقة والتضييق ومن خلال بناء جدار الفصل العنصري. في هذه الايام تصل سياسة تهويد القدس العنصرية الى اوج شراستها مع تكثيف الاستيطان في جبل ابو غنيم وجبل المكبر والطور والشيخ جراح وباقي الاحياء العربية. طرد عائلة الكرد من بيتها هو مقدمة لطرد 27 عائلة اخرى في الحي نفسه، وقطعان المستوطنين الذين إحتلوا البيت هم نواه لحي صهيوني جديد سوف يقوم على انقاض البيوت العربية.
هذه الجرائم في حق اهلنا في القدس وهي في الوقت ذاته جرائم في حق الانسانية، تجري امام انظار العالم الذي لا ولن يحرك ساكنا، ولكن المصيبة الاكبر انها تجري امام انظارنا نحن ولا نحرك ساكنا، اللهم سوى الاستنكار ومزيد من الاستنكار الذي لم يعد يجدي فتيلا. في اليوم التالي لطرد عائلة الكرد من بيتها كان رئيس السلطة الفلسطينية يجتمع مع رئيس الحكومة الاسرائيلي أولمرت في القدس. عملية الطرد لم تطرح للنقاش اصلا بل دار الحديث حول كيفية تركيع غزة ومواصلة المفاوضات "السسلمية"، بينما بعث رئيس السلطة بعض مؤيديه للمشاركة في عملية الاستنكار. أما أحزابنا السياسية العربية "الوطنية" فقد كانت مشغولة بالانتخابات للسلطات المحلية.
لقد وصلت صرخة أم كامل الى جميع أنحاء العالم ولبى هذه الصرخة الكثيرين من شتى انحاء العالم. ولكنها يبدو انها لم تصل الى آذنانا جميعا، نحن أصحاب القضية.
على جميع الاهالي الذين يؤمون الاقصى للصلاة في هذه الايام، ونحن نقف على تبة عيد الاضحى، أن يعرجوا على خيمة أم كامل، ليس من أجل التضامن فحسب، بل بالاساس من أجل التزود بروح الصمود والتضحية التي تبثها أم كامل.
إن سياسة تهويد القدس هي نفسها سياسة تهويد الجليل والمثلث والنقب وسياسة التطهير العرقي في القدس هي نفسها سياسة التطهير العرقي التي يتعرض لها أهلنا حاليا في النقب. فلا تدعوا هذه السياسة تمر.