Wednesday, August 26, 2009

ما افسده الدهر لا يصلحه العطارون


أنا لا افهم بالضبط ما هو المقصود من شعار "إعادة البناء" الذي نستعمله بكثرة في الآونة الأخيرة كحل سحري للخروج من أزمتنا على المستوى الوطني والمحلي. فالفصائل الفلسطينية على شتى مشاربها الفكرية والسياسية تدعو إلى "إعادة بناء" منظمة التحرير الفلسطينية كحل وحيد لإنهاء حالة الانقسام والعودة إلى أيام "الوحدة الوطنية" السعيدة. وعلى الساحة المحلية تدعو كافة الأحزاب والحركات العربية الإسرائيلية (ومن عنده اعتراض على هذه التسمية فليقف) إلى إعادة بناء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل (لاحظوا الاسم).
قبل سنوات اشتريت سيارة قديمة(موديل 1977) أصبحت مثلا عندنا في الحارة. نظرا لضيق الحالة المادية وثمنها الزهيد قررت شراءها ضاربا بعرض الحائط نصائح المحذرين من الأهل والأصدقاء. اشتريتها من هنا وبدأ الخراب بها من هنا. أصلح رأس المحرك فيخرب الكلاتش، أصلح الكلاتش فينتقل الخراب إلى شبكة الكهربائية وهكذا دواليك. حتى دفعت على التصليحات إضعاف ما كلفني ثمنها. وفي النهاية، وبعد أن كادت أن تقضي علي ماديا حاولت بيعها كقطع غيار لعلي أستطيع أن أعوض بعض الشيء. فلم أجد أي كراج يقبلها. وأخيرا توقفت نهائيا والقي بها في مجمع للنفايات غير مأسوف عليها.
ماذا بقي من منظمة التحرير الفلسطينية لإعادة بنائه؟ معروف أن المنظمة تتكون من ثلاث مؤسسات رئيسية: المجلس الوطني الفلسطيني، المجلس المركزي واللجنة التنفيذية؟
إذا كان مؤتمر فتح السادس عقد بعد عشرين سنة من المؤتمر الخامس، فهل أحد يعرف متى عقد المجلس الوطني للمرة الأخيرة؟ هل أحد يعرف من هم أعضاء المجلس وما هو عددهم. نحن نهاجم الكنيست الإسرائيلي بمناسبة ومن غير مناسبة، ولكن على الأقل أعضاء الكنيست معروفون بأسمائهم وبعددهم. عدت إلى الأرشيفات فوجدت أن المؤتمر الفلسطيني الأول المؤسس للمنظمة في عام 1964 ضم 397 عضوا أصبحوا أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الأول. وبعد استيلاء فصائل المقاومة على المنظمة في أعقاب هزيمة حزيران وحسب طريقة المخاصصة تقلص العدد إلى 143 عضوا. ولكن هذا العدد كان يزيد وينقص حسب رغبة القيادة المتنفذة في اللجنة المركزية وعند الحاجة كان يصل إلى عدة مئات. بعد اتفاقيات أوسلو تخلى المجلس الوطني الفلسطيني نهائيا عن كونه الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني وأصبح أداة للترويج وتمرير هذه الاتفاقيات. وبصفته هذه عقد في عام 1998 في غزة تحت رعاية أمريكية- إسرائيلية (على غرار مؤتمر فتح السادس) من أجل تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني لكي يتلاءم مع المرحلة الجديدة، مرحلة الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها. وهكذا تم شطب 12 بندا تدعوا إلى التحرير ومقاومة الاحتلال وتعديل 16 بندا آخرا.
أليس من السخرية أن يقوم اليوم سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني(وهو بالمناسبة مثل رئيس السلطة محمود عباس منتهية صلاحيته) بدعوة هذا المجلس للانعقاد من أجل اختيار أعضاء جدد للجنة التنفيذية بدلا من الذين توفوا؟ أنا أتحدى الزعنون أن يكشف لنا عن أسماء الذين وجه لهم الدعوات لحضور هذه الجلسة. إلى هذا الحد وصل الاستهتار بأعلى هيئة تشريعية فلسطينية، المجلس الوطني الفلسطيني.
هل المجلس المركزي أحسن حالا؟ أراهن أن معظم الفلسطينيين لا يعرفون أصلا بوجوده. هذا المجلس الذي من المفروض أن يكون هيئة دائمة ويشكل حلقة وصل بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية ويجتمع مرة كل شهرين على الأقل. أعضاء هذا المجلس بالأساس مندوبون عن الفصائل الفلسطينية المسلحة التي اختفت معظمها عن الساحة. وعدده هو أيضا كان يتغير حسب رغبة القيادة المتنفذة فبدأ ب32 عضوا عام 1973 وأخذ يزداد حتى وصل حسب آخر معلوماتي إلى 59 عضوا بالإضافة إلى ستة مراقبين. ولكن طبعا هذا الرقم غير ذي أهمية لأن المجلس ككل مشلول شللا كاملا.
وأخيرا اللجنة التنفيذية، وهي حسب تعريفها:"أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة، وتكون دائمة الانعقاد، وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية". فهي إذن توازي الحكومات في الدول الأخرى.
أكثر من ثلث اللجنة التنفيذية (6 أعضاء) توفوا (بعضهم قبل 13 سنة) وما زالت أماكنهم شاغرة. تصورا أن ستة وزراء في الحكومة الإسرائيلية ماتوا وما زالت الحكومة تمارس نشاطها وكأن شيئا لم يحدث. بعد أوسلو هذه اللجنة أسوة بالمجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفروض أن ينتخبها تنازلت عن دورها طوعا لصالح حكومة السلطة الفلسطينية التي يرأسها حاليا سلام فياض الذي لا تربطه لا ناقة ولا جمل بأي شكل من أشكال النضال الفلسطيني. ماذا تعمل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اليوم؟ هل سمعتم لها أي صوت ضد الحرب الأخيرة على غزة؟ ضد الحصار الذي تجاوز عامه الثالث؟ ضد تهويد القدس؟ ضد الاستيطان؟ حتى الدول الغربية الصديقة لإسرائيل انتقدت السياسة الإسرائيلية أكثر من هذه اللجنة.
النتيجة، هل جسم كهذا يمكن أن يعاد بناؤه؟ إذا كانت هذه الجثة الميتة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فعلى هذا الشعب السلام. على الشعب الفلسطيني أن يدفن موتاه ويكف عن البكاء وينهض.
الدعوة إلى إعادة بناء "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل" هي نصيبنا من هذه المأساة. أصلا وجود مثل هذه اللجنة يعني تخليد انسلاخنا عن شعبنا الفلسطيني بما يرضي الكيان الصهيوني. المصيبة أننا ننظر إلى هذه اللجنة كحامية لهويتنا الوطنية وليست كوسيلة لأسرلتنا. لقد باءت جميع المحاولات للتوفيق بين هذين النقيضين بالفشل. إننا بحاجة إلى بناء، وليس إلى إعادة بناء، لجنة متابعة للجماهير الفلسطينية في فلسطين المحتلة. ولكن أحيانا قبل البناء لا مفر من الهدم.
لماذا المصداقية ضرورية؟
علي زبيدات – سخنين

قرأت خبرا ظننته للوهلة الأولى ملفقا إلى درجة الافتراء. يقول الخبر: أن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة سوف تطرح على لجنة المتابعة العليا للشؤون العربية أن تتبنى موقف الإضراب العام في ذكرى هبة أكتوبر. هل يمكن تصديق مثل هذا الخبر؟ قد يكون صادر من أحد المزايدين الذين يتهمون الجبهة بمناسبة وبغير مناسبة بالتقاعس وعدم تصعيد النضال لكي يرتقي إلى مستوى الأحداث وغيرها من الشعارات. فالجبهة تقريبا منذ يوم الأرض الأول وهي تعارض مبدئيا اللجوء إلى الإضرابات العامة بحجة أن الجماهير غير مستعدة لذلك أو أن أضرارها تفوق فوائدها. وفي الحالات القليلة التي اتخذت بها لجنة المتابعة قرارا بالإضراب واضطرت الجبهة قبول هذا القرار على مضض لم تتجند بما فيه الكفاية لإنجاحه وكان لسان حالها يقول: ألم اقل لكم أن الجماهير غير جاهزة للإضراب؟
ولكن سرعان ما تبين لي أن هذا الخبر ليس ملفقا. حيث وجدت مقالا مطولا في موقع الجبهة الالكتروني بقلم سكرتير الجبهة القطرية المحامي أيمن عودة بعنوان:" لماذا الإضراب". يقول أيمن في بداية المقال:" الإضراب ليس رد فعل مباشر وغريزي. وإنما رد فعل سياسي مدروس ومخطط له لمواجهة مجمل سياسة التحريض والإقصاء ونزع الشرعية من المواطنين العرب". كلام جميل، أليس كذلك؟
ولكن وراء هذه الكلمات الجميلة تكمن حسب رأيي نوايا قبيحة. هل هذا يعني أن الذين اقترحوا الإضراب العام في ذكرى أيام الأرض وهبة أكتوبر والحروب التي شنتها الدولة على شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة ولبنان كانت رد فعل مباشر وغريزي؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجلس حضرتك وحزبك وتحضر رد فعل "سياسي" و"مدروس" و"مخطط له"؟ ما الذي يجعل مجمل سياسة التحريض والإقصاء ونزع الشرعية التي تتحدث عنها تختلف عن السياسة التي مارستها الدولة طوال الأربعين سنة الأخيرة على الأقل؟
تعميم هذا الخبر قبل ذكرى أكتوبر بفترة تقارب الشهرين جاء ليضفي صبغة من الجدية والمصداقية عليه. فهو ليس رد فعل غريزي بل هو مدروس ومخطط له. وهذه الفترة ضرورية لتجنيد الرفاق من أجل إنجاح الإضراب العام. والإضراب العام لا يعني إغلاق بعض الحوانيت في الناصرة وأم الفحم وسخنين. بل عام بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. أي شل جميع مرافق الحياة من مدارس وجامعات ومؤسسات حكومية وخاصة. وهذه الفترة ضرورية أيضا لإقناع المترددين أو غير المقتنعين، وللكاتب يوجد تصور كيف يمكن إقناع هؤلاء. ولكن حسب رأيي كل هذا الكلام لا يجدي فتيلا. المصداقية تبدأ بنقد الذات ومحاولة تصحيح الأخطاء السابقة. فقبل أن تسأل "لماذا الإضراب" يجب أن تعطي جوابا مقنعا على السؤال الذي يقول: لماذا كنا كل هذه الفترة ضد الإضراب العام؟
مع كل الاحترام لذكرى هبة أكتوبر وكل الاحترام للشهداء الذين سقطوا برصاص الشرطة، إلا أن هذه الحادثة لا تشكل المفصل الأساسي في تاريخنا كشعب فلسطيني يناضل لتحرير أرضه وعودته إلى دياره. حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة وأسفرت عن استشهاد حوالي 1500 شهيد أكثر من 80% منهم من المدنيين وأكثر من 300 طفل، أليست مفصلا أهم؟ فلماذا لم يفكر أحد برد فعل سياسي ومدروس ومخطط له؟ واكتفت الأحزاب من باب رفع العتب بأعمال احتجاجية هزيلة، حتى المظاهرة الجبارة التي جرت في سخنين في نهاية الحرب كانت قد أفرغت من مضمونها النضالي.
وما زالت الدماء التي سفكت في حرب الإبادة التي شنتها الدولة على لبنان في عام 2006 والتي استمرت 33 يوم لم تجف بعد. إلا إنها لم تكن كافية للجنة المتابعة بجميع مركباتها أن تدعو لإضراب عام.
بدل أن تكون ذكرى هبة أكتوبر ويوم الأرض مناسبات للتأكيد على لحمة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده تستغله الأحزاب العربية الإسرائيلية المنضوية تحت كنف لجنة المتابعة للتشديد على ما يميزنا ويفصلنا عن الشعب. كيف تستطيع الدولة أن تطلق النار وتقتل ستة من مواطنيها في يوم الأرض؟ وكيف تستطيع أن تقتل بدم بارد 13 شابا من مواطني الدولة في هبة أكتوبر. بالنسبة لهذه الأحزاب هذه الناحية بالذات هي التي ميزت يوم الأرض وهبة أكتوبر. أما آلاف الشهداء الذين يسقطون يوميا في غزة والضفة فهم في المرتبة الثانية.
لقد عبر سكرتير الجبهة القطرية عن خوفه، وهو خوف مشترك لكافة الأحزاب العربية الإسرائيلية، من السياسة الإسرائيلية التي:"كشفت عن عوراتها في السنوات الأخيرة، والتي تقول جهارا، الدولة ليست لكم. وانتم غير مرغوب ببقائكم هنا".
هذا الشيء الوحيد الصحيح الذي تقوله السياسة الإسرائيلية: هذه الدولة ليست لنا. ولكن بقاءنا هنا غير مرهون برغبة أحد.
وأخيرا، ولكي لا افهم غلط ويقول أحدهم تحيرنا معكم فعندما نرفض الإضراب تنتقدوننا وعندما ندعو للإضراب تنتقدوننا، الإضراب العام يبقى وسيلة نضالية لتعبئة الجماهير ورفع وعيها لمواصلة نضالها بغض النظر عن نوايا البعض. ويجب بذل كل الجهود لإنجاح الإضراب.

Monday, August 17, 2009

الارتقاء نحو الحضيض
علي زبيدات

لم يعد ذو أهمية إن كان محمود عباس اختير بالتزكية رئيسا لحركة فتح كما أفادت بعض المصادر أو أنه انتخب بالإجماع كما أكدت مصادر أخرى. وليس ثمة من فرق بين من نجح من المرشحين للجنة المركزية وبين من لم ينجح. الآمر سيان بين الحرس القديم الذي تقهقر وبين الدماء "الشابة" التي ضخت. الأمر الوحيد ذات الأهمية هو أن فتح خرجت من مؤتمرها السادس بريئة من تهمة الثورة والمقاومة كبراءة الذئب من دم يوسف. لم تعد تربطها أية علاقة بشيء اسمه حركة تحرير وطني سوى اسمها المعكوس الذي عاد إلى طبيعته. لقد أصبحت فتح حزبا سياسيا آخرا مثلها مثل باقي الأحزاب التي تعج بها ساحتنا العربية. مع فارق بسيط هو أنها حزب لسلطة مشوهة فمن الطبيعي أن تكون هي الأخرى حزبا سياسيا مشوها. لذلك لم استغرب أن ينشر عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي أحمد سعد في موقع الجبهة مقالا طويلا يكيل المديح على المؤتمر والرئيس محمود عباس وقيادته الحكيمة التي " تقود المقاومة الوطنية بواسطة المفاوضات من غير التفريط بالثوابت ..."
قد تكون فتح هي التي أطلقت الرصاصة الأولى ضد العدو فيما يسمى مجازا بالثورة الفلسطينية في الفاتح من يناير عام 1965 – وهي حقيقة قابلة للنقاش- ولكنها في أعقاب هذا المؤتمر، قد أطلقت الرصاصة الأخيرة ولكن هذه المرة على نفسها وعلى جماهيرها.
لا أكتب اليوم كمراقب أو كناقد يتابع الإحداث، بل كعضو سابق في هذه الحركة قضى ستة أعوام في السجون الإسرائيلية بتهمة الانتماء لحركة فتح. وغيري قد قضى فترة أطول أو اقصر. أعود بالذاكرة إلى بداية سنوات السبعين حيث كانت السجون الإسرائيلية مليئة بالمناضلين من فلسطينيي الداخل الذين التحقوا بصفوف فتح لكي يشاركوا في تحرير الوطن المحتل. أذكر على سبيل المثال لا الحصر عشرات الأسرى من عكا ومجد الكروم والناصرة والطيرة وغيرها. في تلك الأيام كانت فتح تشكل حلم مشترك للجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها. وأنظر اليوم إلى المؤتمرين في بيت لحم والمرشحين للجنة المركزية والمجلس الثوري فلا أرى اسما واحدا من فلسطينيي الداخل. الاسم الوحيد الذي لفت نظري ونظر العديدين ولا أدري كيف أصنفه هو اسم أوري ديفيس، ولكن هذه قصة أخرى.
أنا شخصيا أفقت من هذا الحلم الزائف مبكرا. أصلا، لم يكن انتمائي لحركة فتح منذ البداية نابعا عن قناعاتي بأفكارها ومبادئها. الأفكار والمبادئ كانت آخر شيء يهم الحركة منذ اليوم الأول لتأسيسها وحتى ما آلت إليه اليوم. لذلك كنت ترى في صفوفها اليساري واليميني والقومي والمتدين والاشتراكي والماركسي. وكنت أظن في ذلك الوقت أن ذلك ليس بمصيبة ما دام الجميع متفقين على مقاومة الدولة الصهيونية ومعادين للإمبريالية.
قد يقول البعض، كما قال أحمد سعد في مقاله المذكور:" صحيح أن المؤتمر قد تمسك بالخيار السلمي ولكنه لم يتنازل عن حقه باستعمال كافة أشكال النضال". ويشددون على كلمة "كافة" لكي نفهم أن الكفاح المسلح الذي شرعته القوانين الدولية هو من ضمن هذه الأشكال. ولكن هذا الشكل بالذات له اسمه، وكان يذكر في قرارات كافة المجالس الوطنية الفلسطينية خوفا من الالتباس حتى تم وأده مع بداية مرحلة المفاوضات. إن هذا الكلام ليس فقط استهتارا بعقولنا بل تلاعب بعواطفنا وأحلامنا أيضا. من لا يتنازل عن كافة أشكال النضال لا يلاحق المقاومين ويطلق النار عليهم أو يزج بهم في السجون أو يسلمهم للمحتلين أو يسومهم أبشع أنواع التعذيب.
بعد عشرين سنة عقدت حركة فتح مؤتمرها السادس. اللعنة، ألا يوجد تقرير واحد من اللجنة المركزية يقيم هذه الفترة؟ يشير إلى "الانجازات" التي حققتها على الأقل؟ ومن جهتي يستطيع أن يتغاضى عن الإخفاقات. تعقد المؤتمرات عادة لتصحيح مسارات، لمكافأة من قدم وضحى، ومحاسبة من قصر وتقاعس. في مؤتمر فتح لم يكن أي شيء من هذا القبيل. لذلك أقول انه كان مؤتمرا لحزب سياسي مفلس ويعرف انه مفلس، ولكن باقي الأطراف المشاركة تريده أن يبقى. السعودية والأردن ومصر قامت بتمويل هذا المؤتمر، إسرائيل وفرت له الحماية والرعاية وأمريكا باركته.
لم تعد الشعارات تخدعنا. الكلام حول التمسك بالثوابت وبكافة أشكال المقاومة لا يساوي قشرة ثوم. خرتشوف أجهض ثورة بكاملها ولم يكف عن الكلام حول انتصارات الاشتراكية والدخول إلى مرحلة الشيوعية. أنور السادات، قاد الثورة المضادة في مصر في كافة المجالات بينما كان يحتفل سنويا بثورة يوليو المجيدة. فما الذي يمنع محمود عباس من السير على نفس الطريق؟
يقولون لنا، بعد المؤتمر، مع انه لم يكن هناك أي تصريح رسمي بذلك، لن تكون هناك عودة إلى المفاوضات من غير وقف كامل للاستيطان في الضفة والقدس. هل يوجد من يصدق هذا الكلام؟ 16 سنة من المفاوضات الأخيرة كانت تجري مع تزايد الاستيطان، فما الذي تغير خصوصا بعد إعادة انتخاب كبير المفاوضين؟ على كل حال إن غدا لناظره قريب.
تشير تجارب الشعوب التي خاضت تجارب مريرة من أجل حريتها واستقلالها أن أفراد من القيادة أو حركات كاملة قد تتساقط في خضم النضال. وبعض هؤلاء الأفراد وهذه الحركات ترتقي بهذا السقوط مكتفية بخدمة المحتلين مقابل الشزر القليل من الامتيازات. ولكن يبدو أن مثل هؤلاء لا يعرف أن السمك الميت وحده الذي يطفو على سطح الماء.
لقد آن الأوان أن ندفن موتانا ونتابع المسيرة.
دولة واحدة؟ دولتان؟ ثلاث دول؟ لا، شكرا لا دولة
علي زبيدات – سخنين

من حين لآخر تخرج إلينا مجموعة من " المثقفين" الذين تسبق أسماؤهم ألقابا رفيعة بمؤتمر يهدف إلى إنقاذنا من هذا الصراع المزمن والمستعصي الذي أنهك جميع المتصارعين من خلال إيجاد حل عادل وشامل. آخر هذه المؤتمرات كان المؤتمر الذي نظمه مركز مدى الكرمل وجمعية ابن خلدون في حيفا تحت شعار:" فقط حل الدولة الواحدة وثنائية القومية يضمن العدل والمساواة المدنية والقومية للطرفين".
لا أدري ما هو الجديد الذي طرحه هؤلاء"المثقفون" في هذا الموضوع ولم يطرح سابقا في مؤتمر لندن مثلا وفي المؤتمر الذي نظمته حركة أبناء البلد في حيفا أيضا قبل أكثر من عام وفي العديد من اللقاءات والمحاضرات وما تضمنته وثيقة حيفا التي أصدرها مركز مدى نفسه قبل سنوات. أنا شخصيا لم المس أي شيء جديد. ربما الشيء الوحيد الجديد هو التوقيت، يعني الموضة. فكلما تجدد الكلام عن حل الدولتين نلاحظ مثل هذه التحركات التي سرعان ما تتلاشى وتخمد. وحسب رأيي، جاء هذا المؤتمر كرد فعل لخطف الأضواء بعد خطاب اوباما الذي جدد تعهد الإدارة الأمريكية وتمسكها بحل الدولتين وكذلك رد على خطاب نتنياهو الذي تضمن تصوره للدولة الفلسطينية.
إذن، وباختصار، يوجد هناك حل الدولتين الذي يتراوح بين دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة أي في أحسن الحالات على حوالي 20% من فلسطين التاريخية وبين تصور نتنياهو لدولة منزوعة السلاح لا سلطة فعلية لها على الأرض أو الجو أو البحر مع تنازل كامل عن حق العودة وعن القدس. حل الدولتين هذا الذي يتأرجح بين هذين الطرفين يحظى بما يسمى الشرعية الدولية والمجتمع الدولي أي الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والدول العربية والسلطة الفلسطينية.
تعثر هذا الحل لفترة طويلة أثار بالمقابل النقاش حول ما يسمى: "حل الدولة الواحدة" وهو أيضا يتأرجح بين طرفين متباعدين. فهناك العديد من أنصار "ارض إسرائيل الكاملة" ممن كان شعارهم في سنوات الثمانين والتسعين: "أف شاعل" أي "ولا خطوة" يرقصون طربا لدى سماعهم "الدولة الواحدة" وفي الطرف الآخر يوجد من يفهم الدولة الواحدة على أنها دولة "جميع مواطنيها". طبعا في الوسط يوجد قوس واسع من الاجتهادات والتسميات مثل دولة ثنائية القومية، دولة كونفدرالية، دولة المواطنين، دولة ديمقراطية علمانية، الخ.
في ظل هذا الصراع السياسي حدث ما لم يكن بالحسبان. فبينما كان من المفروض أن تتطور السلطة الفلسطينية حتى تصبح الدولة الفلسطينية المستقلة كتجسيد لحل الدولتين، قامت حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزة. ووجد من يقول: إننا في الحقيقة أمام ثلاث دول وليس دولتين. إذ أن سيطرة حماس لن تكون أمرا عابرا وهي تتصرف كدولة أكثر بكثير من السلطة في رام الله.
للوهلة الأولى،قد يظن البعض، أن ثمة تناقض صارخ ومباشر بين هذين الطرحين: حل الدولتين مقابل حل الدولة الواحدة. ولكن نظرة أخرى إلى جوهر القضية تبين أن التناقض بينهما نسبي جدا وعلى جانب كبير من الوهم والخداع. الجميع يدعو إلى الدولة من غير أن نسمع شيئا عن طبيعة هذه الدولة وجوهرها اللهم سوى بعض الشعارات الرنانة مثل الديمقراطية والمساواة. هل رأيتم في التاريخ الحديث دولة لا تدعي الديمقراطية ولا تنصب نفسها حارسا على حقوق المواطنين ومنحهم المساواة؟ جميع هذه الحلول تدور في محور واحد: الدولة وقدسية الدولة.
في المؤتمر المذكور يقول الدكتور أسعد غانم: " حل الدولتين في حالة تلاش وآن الأوان لمناقشة حلول أخرى بما فيها حل الدولة الواحدة". وأنا أقول: نعم لقد آن الأوان لمناقشة حلول أخرى بما فيها حل أللا دولة.
هل الدولة هي قيمة عليا تستحق أن نقدم الشهداء من أجلها؟ هل هي ضرورية للمواطن العادي من أجل أن يعيش حياة حرة كريمة؟ الجواب القاطع هو لا. لا يوجد للدولة أية قيمة أخلاقية. الفاشيون وحدهم من يمنحون الدولة مثل هذه القيمة. بينما هي أداة وظيفتها تعكير صفو حياة المواطن العادي.
لا ينبغي أن يكون المرء ماركسيا أو فوضويا لكي يشعر بأن الدولة في حقيقة الأمر ليست سوى آلة قمع في أيدي الطبقات الحاكمة مكونة من جيش وشرطة وسجون ومؤسسات سلطوية مختلفة. وأن الكلام حول الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون لا تهدف إلا إلى تشديد الرقابة والسيطرة وفي بعض الأحيان تلطيف الأجواء لكي لا تتمرد الطبقات المسحوقة.
نعم، لقد آن الأوان لكي نناقش حلول أخرى. فلماذا لا نحيي النقاش الذي كان رائجا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بين جميع الحركات الثورية والتقدمية حول ضرورة إلغاء الدولة كدولة. حول هذا الموضوع بالذات كان هناك توافق مبدئي بين الشيوعيين والفوضويين ليس فقط حول ضرورة نفي الدولة الرأسمالية بل الدولة بحد ذاتها. الخلاف كان بالأساس حول الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. بينما أصر الشيوعيون على ضرورة تنظيم الطبقة العاملة وعلى دورها التاريخي في صنع الثورة ركز الفوضويون على العمل الفردي.
الفكرة الأساسية في البيان الشيوعي تقول أنه بعد القضاء على المجتمع الطبقي لن تبقى هناك حاجة لجهاز خاص يسمى الدولة. للأسف الشديد بدأ التراجع عن هذه الفكرة بعد سحق كومونة باريس في نهاية القرن التاسع عشر عندما بدأ ماركس وانجلز يتكلمان عن ضرورة مرحلة انتقالية أسمياها: "ديكتاتورية البروليتاريا الثورية" وفيما بعد، في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في روسيا كتب لينين : أن الماركسية تناضل من أجل إلغاء الدولة الرأسمالية، أما الدولة العمالية فإنها تضمحل تدريجيا حتى تختفي بعد الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. ما حدث في الواقع كان على العكس تماما هو أن الدولة العمالية عادت إلى الرأسمالية ولم تتطور أبدا نحو الشيوعية.
اليوم، مع تطور العلم والتكنولوجيا وأساليب الإدارة جعلت من الدولة جهازا قمعيا بحتا ينبغي التخلص منه. وعلينا ألا ننسى أن هذا الجهاز هو المسئول الأول عن الحروب والمجاعات والأهوال على المستوى العالمي.
لا يناضل المواطن المضطهد واللاجئ المشرد من أجل الدولة مهما كان القناع التي تضعه على وجهها. إنه لا يقدم التضحيات الجسام حتى الشهادة من أجل من الذي سيحكمه، هذا التنظيم أم ذاك، هذه الحكومة أو تلك. بل يناضل من أجل مثل أعلى سام، من أجل تحرير وطن مسلوب مثلا، من أجل الحرية. الدولة لم ولن تكون هذا المثل السامي.