Tuesday, April 15, 2008

نكبة الثقافة والتراث



النكبة التي حلت بشعبنا منذ 60 عاما ولم تتوقف حتى هذه اللحظة لم تستهدف النواحي المادية وحسب، ولم تسفر عن تشريد شعب آمن ونهب أرضه وتدمير بناه التحتية فحسب، بل طالت ايضا تدمير حياته الثقافية وتشويه هويته الوطنية.
في هذه الايام ونحن نستعد لإحياء الذكرى الستين للنكبة، وفي وسط الكم الهائل من الكتابات، والدراسات والابحاث والنشاطات، والتي تتحد جميعها في وصف أهوال النكبة وتداعياتها التي لم تتوقف، ولكنها تحاول في الوقت نفسه أن تدفع الى زاوية من النسيان جانب هام من النكبة، واذا تم ذكره فإنه يذكر بشكل عابر. اقصد بذلك أن النكبة كانت وما زالت أولا وقبل كل شيء هزيمة. هزيمة تتعدى الهزيمة العسكرية والسياسية. انها هزيمة على الصعيد الحضاري الذي يشمل في طياته النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية.
الكلام عن النكبة كنكبة وحسب، اي كمأساة حلت بنا وقلبت حياتنا رأسا على عقب، كمصيبة نزلت علينا من السماء وكأنها كارثة طبيعية، وعدم الكلام عنها كهزيمة يعني التنصل من المسؤولية، يعني عدم محاسبة المهزومين، يعني عدم وعي اسباب الهزيمة والعمل على التخلص منها. بعد ستين عاما من النكبة ما زلنا نحتضن ثقافة الهزيمة وفكر الهزيمة وتراث الهزيمة. وأنكى من ذلك، فقد جبلنا كل هذه الامور الانهزامية وجعلنا منها هوتنا الوطنية وتراثنا الذي ينبغي أن نحافظ عليه.
لقد أصبح الكلام عن التراث الشعبي وعن دوره الحاسم في تكوين هويتنا الوطنية والحفاظ عليها بعد النكبة، سلعة رائجة في الاسواق. فكل يوم نسمع عن مؤتمر "تراثي" جديد، او ندوة أو بحث أو إحتفال أو أمسية، الخ.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع مثل هذا التراث البائد أن يكوّن هوية وطنية تقدمية مقاومة؟
هل تنظيم مهرجان للزجل والفلكلور في سخنين من قبل "مركز ثقافي" مأجور وبالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والعلوم التي يراسها وزير عربي عضو في الحزب الذي صنع النكبة ممكن أن تعبر عن تراث تقدمي يساهم في تطوير هوية وطنية حقيقية؟
وهل تنظيم مؤتمر للتعليم العربي في الناصرة تحت وصاية وزيرة التربية والتعليم ومشاركة العديد من "المربين" يمكن أن يخدم التعليم العربي، مهما تفنن هؤلاء المربون من اختراع المصطلحات والشعارات حول الرؤى والتطلعات والمسؤولية؟
وهل مهرجان مسرحي ينظم في عكا تحت رعاية مؤسسات اسرائيلية رسمية ممكن أن تغير الواقع الاليم الذي يعاني منه اهالي عكا العربية من سياسة هذه المؤسسات بالذات؟
إن تراثا يرعاه وزير في حزب العمل الاسرائيلي لا يستحق أن يحافظ عليه بل يجب التخلص منه كأحد اسباب الهزيمة.
إن مؤتمرا تعليميا تشارك فيه وزيرة هدفها الاول تجهيل الجماهير العربية بالتعاون "مثقفين" محليين هم في نهاية المطاف موظفون عند هذه الوزيرة مهما سبق اسمائهم من القاب بروفيسور ودكتور، لن يكون الا مؤتمرا تجهيليا هو الآخر. وكما قال كارل ماركس: ان المربين هم انفسهم بحاجة للتربية
لقد آن الاوان أن نغربل تراثنا ونلقي بالزوان الى مزبلة التاريخ. يجب أن نبدأ وبكل جرأة ومسؤولية بعملية فرز شاملة حتى نتخلص من هذه الادران التي نضرب حولها هالة من القدسية ونضمها الى قلبنا بحجة انها تراث شعبي يجب حمايتها.
الطابون ليس تراثا، بل هو شاهد على فقرنا وتخلفنا، ولا انسى قصة احد متاحف إحياء "التراث" الذي انفق اموالا طائلة من أجل بناء طابون.
المحراث الحديدي، وجاروشة القمح، والقنديل، والبريموس، والادوات البدائية من منجل وبلطة وطاحونة قهوة قديمة، الخ. ليست تراثا وطنيا يجب المحافظة عليها حتى ولو كدست ليتفرج عليها سعادة الوزير. بل هي الاخرى شاهد على تخلفنا.
الدجل الذي نمارسه تحت ما نسميه الطب الشعبي والمليئ بالشعوذة وقراءة الفنجان، وكتابة الأحجبة، الخ. ليست تراثا يجب التمسك به، بل يجب التخلص منه نهائيا لأنه كان عاملا حساما في الهزيمة التي منينا بها عام النكبة.
عندما يكون حاضر الشعب تعيسا، بائسا وعندما يكون مستقبله قاتما، محبطا يعود لينبش في ماضيه، يحن الى تخلفه ويشتاق الى كسله الذي سبق الهزيمة ويعتبرها تراثا يجب أن يتمسك به والا ضاعت هويته الوطنية وتمكن منه الاستعمار الغاشم. وهذا هو حال شعبنا الفلسطيني.
يجب شن حملة شاملة على علماء الانتروبولوجيا ومفكري التراث على كافة مدارسهم ومشاربهم، الذين يروجون لمثل هذا التراث المشوه والمزيف، وفي الوقت نفسه يطمسون التراث الحقيقي، الثوري التقدمي الذي يجسد خلاصة نضال الجماهير ضد الاحتلال والاستعمار والطغيان.
تراثنا الحقيقي ليس زجل يصفّه زجالون مؤجورون لمدح هذا الوجيه او ذاك، او للمبارزة الوهمية فيما بينهم. بل تراثنا الحقيقي هو زجل انبثق من خلال مواجهة الاستعمار والصراع ضد الصهيونية والرجعية. تراثنا الحقيقي هي التشبث بمكارم الاخلاق، بالنخوة والتعاضد والتضامن، وليس التزلف الى المسؤولين لنيل بعض الفتات. هذه الامور لن نراها ولن نجدها في أي عمل يقوم تحت وصاية او رعاية اية مؤسسة حكومية.
هذا التراث الذي نشهده اليوم لا يبني ولا يبلور هويتنا الوطنية بل على العكسن يشوهها ويقوضها. لذلك ينبغي أن نهمله حتى يندثر.
بالمقابل يجب إحياء التراث التقدمي، الحضاري، الانساني، الضروري في مسيرة الحرية من أجل بناء مجتمع أفضل.

No comments: