Wednesday, July 30, 2008

أزمة الفكر العربي


دراسة الفكر العربي موضوع واسع لا تستطيع اية مقالة صحفية أن توفيه حقه. وقد كتب في هذا المجال العديد من الدراسات والابحاث والكتب. لعل اوسعها واشملها واعمقها كانت الكتاب الموسوعي للمفكر محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي" والرد الموسوعي ايضا على هذا الكتاب للمفكر جورج طرابيشي: "نقد نقد العقل العربي". ولكن يبدو ان النقد بحد ذاته مهما كانت أهميته ومهما كان عمقه وصوابه فإنه لا يكفي لإجراء تغيير جذري على الفكر العربي وبالتالي على نتائج نشاطاته.
في هذه المقالة المقتضبة أود أن اضع الاصبع على بعض الصفات التي تجسد أزمة الفكر العربي الراهن، خاصة الفكر السياسي، والتي حسب إعتقادي هي السبب الرئيسي في شلل العالم العربي وتخلفه على كافة المستويات.
ننطلق من بديهية لم يعد ينكرها أحد وهي أن العالم العربي يعاني من تخلف حضاري على كافة المستويات، تخلف وضعه على هامش التاريخ بل وفي كثير من الاحيان أقصاه عن التاريخ نهائيا. مظاهر هذا التخلف عديدة تكاد لا تعد ولا تحصى أكتفي بذكر أهمها:
اولا، على الصعيد السياسي:
بعد قرون من الركود الذي ميز الحكم العثماني وقعت البلدان العربية تحت الهيمنة الامبريالية اما مباشرة واما بشكل غير مباشر. بعد رحيل القوى الامبريالية ونيل الاستقلال، لم يكن هذا الاستقلال الا شكليا، حتى في البلدان التي خاضت نضالا ثوريا من أجل استقلالها مثل الجزائر واليمن. وهكذا خرج الاستعمار بشكله القديم وعاد بشكله الجديد الامبريالي. ولعل أكبر دليل على تخلف العالم العربي في هذا المجال هو هزيمته المتكررة أمام الحركة الصهيونية وفشله في منعها من تحقيق مشروعها الا وهو قيام دولة اسرائيل. مظهر آخر ومهم للتخلف السياسي هو حالة التشرذم الذي يعيشه العالم العربي وصراعاته المتبادلة وإخفاقه في بناء نظام حديث يواكب التطورات العالمية.
ثانيا،على الصعيد الاقتصادي:
بالرغم من غنى البلدان العربية في المعادن ومواد الخام وخصوصا النفط الذي يعتبر روح الصناعة الحديثة، وبالرغم من سعة هذه البلدان وخصوبة اراضيها، الا انها من أكثر بلدان العالم تخلفا على الصعيد الصناعي والزراعي. أغلبية السكان يعيشون في ظل فقر مدقع يقارب المجاعة، بينما تعيش طبقة ضئيلة في ثراء فاحش. بشكل عام، العالم العربي من المحيط الى الخليج هو عالم استهلاكي غير منتج وهذا الامر يكرس التخلف.
ثالثا،على الصعيد الفكري والثقافي:
ما زالت نسبية الامية في العالم العربي من أعلى النسب في العالم. يكاد يكون الابداع في كافة المجالات معدوما، مما يؤدي الى هروب العقول العربية الى اوروبا وامريكا. حتى في حياتنا اليومية ما زلنا ضحايا لعادات وتقاليد بالية أكل الدهر عليها وشرب، وهي التي تحدد افقنا الحضاري والثقافي.
إذن، هذا هو واقعنا بإختصار. أمام هذا الواقع هل من باب الصدفة أن تستطيع دولة اسرائيل الصغيرة أن تسيطر على المارد العربي الذي يغط في سبات عميق يشبه الموت؟. كلا بالطبع. السبب يكمن في تخلفنا الحضاري. ولا يفيدنا قيد انملة التباكي على ماضينا المجيد عندما كنا مهد الحضارة بينما كان غيرنا يعيش في ظلمات القرون الوسطى.
حسب رأيي تخلفنا هذا هو نتيجة مباشرة وحتمية لتخلف الفكر العربي، العقل العربي او العقلية العربية، وكلها مصطلحات متقاربة تشير الى شيء واحد. المجتمعات مثل الافراد. فإذا كان الفرد مضروب في عقله فلن تفيده صحته ولا جماله ولا طيبة قلبه. العقل السليم هو المحرك لكل شيء وهو الذي يحدد كل شيء، لسلوك الافراد كما لسلوك الشعوب والامم.
لا يستطيع أحد أن ينكر انه كانت هناك، على الاقل في القرن الاخير، محاولات لتجديد الفكر العربي. وظهرت هناك تيارات عديدة ومتنوعة تنادي بالاصلاح والتجديد، ولكنها باءت بالفشل. كلما ازدادت هذه التيارات عددا كلما زاد عقمها، وبدلا من أن تقود الى تعددية وثراء قادت الى تشرذم وإنغلاق. إذا صنفنا هذه التيارات الفكرية الى ثلاثة معسكرات واسعة هي الاسلامية والقومية والاشتراكية، نرى انها جميعها فشلت بالرغم من انها جميعها تدعي النجاح الباهر. فالتيارات الاسلامية ما لبثت حتى اصطدمت مع نفسها، فمنها من نادى بعودة الخلافة الاسلامية ومنها من نادى بإقامة دولة ثيوقراطية يحكمها رجال الدين، ومنها من نادى بالاصلاح والصحوة وولاية الفقيه، الخ. ولكنها جميعها وقفت عاجزة امام انجاز عملي واحد. وذلك حسب اعتقادي لعدم مقدرة المفكر المسلم أن يتخذ موقفا نقديا من الاسلام نفسه. فما زال الاحياء يحملون على اكتافهم الموتى وتراثهم.
التيار القومي لم يكن أحسن حظا. حيث فشلت جميع محاولاته للنهوض بالفكر القومي العربي. وفي محاولاته لبناء نظام قومي عربي واحد على الاقل، حتى في البلدان التي استلم القوميون بها زمام الحكم ولفترات طويلة. فقد قاد القوميون العرب هذه البلدان لمزيد من الشرذمة والانغلاق تماما على عكس ما كان يدعون له.
التيار الاشتراكي بجميع اشكاله هو الآخر، بسبب عقمه وجموده العقائدي بقي على هامش العملية التاريخية وفرض على نفسه التقوقع بعيدا عن الجماهير الشعبية التي يتكلم بإسمها.
اذا اراد الفكر العربي أن يخرج من أزمته عليه أن يتخلص من إرهاصات الصراع بين الاصالة والمعاصرة، بين التراث والتجديد، بين الدين والعلمانية. يجب إستيعاب التناقضات بين هذه المصطلحات وحلها بشكل ديناميكي وديالكتيكيي. وعدم الخوف من الخوض في غمارها.
لكي يخرج الفكر العربي من أزمته القاتلة عليه أن يضع كل شيء في موضع السؤال والنقد وألا يقبل الاشياء مسلمة. عليه الا يقبل الافكار الجاهزة مهما كان مصدرها مع الادراك تماما انه لا يوجد هناك أجوبة نهائية لكل شيء، واذا وجدت فإننا لا نملكها.
على الفكر العربي للخروج من أزمته أن يذبح الكثير من بقراته المقدسة وأن يحطم العديد من الاصنام التي ورثها ابا عن جد. عليه أن ينفض عنه غبار الركود ويتخلص من الاتكالية وعدم الابداع والخلق.
يجب تحطيم جميع القيود التي تكبل الفكر العربي. فقط الفكر الحر يستطيع أن يحلق في أعالي السماء وينتشل الامة العربية من الحضيض الذي تقبع به الآن.

الاحتلال والعملاء وجهان لعملة واحدة



ما يجري في قطاع غزة وفي الضفة الغربية تجاوز منذ زمن حدود المأساة وأصبح فضيحة، بل وصمة عار على جبين تاريخ النضال الفلسطيني الأغر. لن نحلم حتى في أسوأ كوابيسنا أن تصل الامور الى ما وصلت اليه في الاسبوع الاخير. التفجير على شاطئ غزة الذي طال عشرات الابرياء هو خط أحمر. لم يعد ذلك صراعا بين فريقين متكالبين على سلطة زائفة نتنة. بل أصبح جريمة ينبغي إجتثاثها من جذورها. لا أدري مدى صحة تورط تنظيم فتح في هذه التفجيرات، وأظن أن كل تعميم خاطئ، ولكن، بغض النظر عن الإنتماءات التنظيمية للايدي المجرمة التي اقترفتها، فهم لا يعدو كونهم سوى عملاء مباشرين للإحتلال. ويجب التعامل معهم من هذا المنطلق.
الاعتقالات العشوائية الانتقامية التي مارستها قوات أمن السلطة بتنسيق كامل مع قوات الاحتلال والتي طالت العديد من المناضلين الشرفاء ومن المواطنين المسالمين الآمنين وعلى رأسهم الزميل المناضل الوطني الذي يحظى بمكانة عالمية، البروفيسور عبدالستار قاسم، هي الاخرى خط أحمر لا يمكن الصمت عنها وتجاوزها.
يقول المثل المستخلص من تجارب الشعوب التي خاضت نضالا طويلا ومريرا من أجل حريتها واستقلالها: أينما يوجد إحتلال وإضطهاد توجد هناك مقاومة. هذه البديهية صحيحة في حالتنا الفلسطينية كذلك. ولكن يبدو انه لكي تكتمل الصورة ويصبح هذا المثل عاما وشاملا، علينا أن نعترف ايضا انه اينما توجد مقاومة توجد هناك عمالة وخيانة. واقعنا الفلسطيني يثبت أن قضيتنا ليست إستثناء. الى جانب المقاومين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الدفاع عن الوطن وعن كرامة الانسان نمت وترعرعت شريحة لا يستهان بها من عملاء الاحتلال. المصيبة أن هذه الشريحة تتبوأ اليوم مراكز قيادية بإستطاعتها أن تفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري ومن عدالة مطالبها. علينا الا نستخف في هذه الظاهرة الخطيرة.
تجارب الشعوب تشير الا أن الثورات التحررية قد أجهضت بالاساس بواسطة الاعداء الداخليين الذين ترعرعوا في صفوف الثورة ولكنهم انتهوا في أحضان المستعمرين. في فيتنام مثلا، نصف الشعب الفيتنامي حارب ضد الهيمنة الامبريالية الامريكية بينما النصف الآخر حارب الى جانبها. وكذلك الامر في كوريا، افغانستان، العراق، لبنان وأماكن عديدة على وجهة كرتنا الارضية. وكما قلنا سابقا، فلسطين ليست إستثناء.
بحجة مفاوضات السلام، والوصول الى اتفاقية سلام وانهاء الصراع وإجراء المصالحة التاريخية بين "الشعبين" أصبح واضحا انه يوجد هناك تقسيم خطير للأدوار بين دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينية. بينما يواصل الاحتلال بحماس جنوني مخططات تهويد القدس وبناء الجدار العازل وبناء المستوطنات من جهة، ويواصل الاغتيالات وهدم البيوت والحصار التجويعي والمداهمات والاعتقالات من جهة اخرى، تقوم السلطة الفلسطينية بالتنسيق الامني الكامل معه، تلاحق المقاومين وتعتقلهم وتغلق المؤسسات المدنية التي تحاول التخفيف من معاناة الجماهير.
هذا التنسيق مستمر بالرغم من إنفضاخ ما يسمى بالمسيرة السلمية وإفلاس مساعي التوصل الى اتفاقية سلام.
ما زلنا نذكر موجات عملاء الاحتلال التي إجتاحت قرانا ومدننا العربية أثناء وفي أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الاولى، ومقاومة جماهيرينا توطين هذه الحثالات بين ظهرانينا. يبدو انه اليوم لم يعد هناك حاجة لكي يغادر هؤلاء اماكن سكناهم بعد أن اصبحوا يتمتعون بحماية الدولة والسلطة الفلسطينية. من سخرية الاقدار أن يصبح الواقع معكوسا: خيث أصبح المقاوم منبوذا ومطاردا بينما يتبختر العميل علنا في الاماكن العامة.
بعد موجة الاعتقالات الانتقامية التي نفذتها السلطة في الضفة الغربية وخصوصا في نابلس، وزجهم في سجن نابلس الذي كانت تستعمله دولة الاحتلال لسجن المناضلين الفلسطينيين، تطالعنا بعض الصحف الاسرائيلية المطلعة، ذات المصادر الموثوقة (هآرتس 30/8) أن رئيس السلطة الفلسطينية بعث بمذكرة إحتجاجية شديدة اللهجة تحذر اسرائيل من إطلاق سراح شخصيات قيادية في صفقة لتبادل الاسرى مع الجندي الاسرائيلي المأسور جلعاد شاليط. لأن من شأن ذلك أن يضعف السلطة الضعيفة أصلا ويقوي أعدائها. من بين هؤلاء الاسرى 40 نائبا في المجلس التشريعي الذي يستمد رئيس السلطة بعض شرعيته منه. وبعض هذه القيادات (احمد سعادات، امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مثلا) تم تسليمهم بتواطؤ مباشر من اجهزة السلطة الامنية.
لقد أصبح واضحا أن هذه السلطة التي جلبتها إتفاقيات أوسلو المشؤومة لا تختلف من حيث الجوهر عن سلطة كرزاي في افغانستان او سلطة المالكي في العراق وأن المقاومة الحقيقية سوف تكنسها مع الاحتلال الى مزبلة التاريخ.

Tuesday, July 22, 2008

في الذكرى 56 لثورة يوليو المجيدة: الثورة هي الطريق الوحيد للحرية ولااستقلال


الثورات في العالم العربي نادرة. بينما كانت الثورات الاجتماعية والسياسية تجتاح أوروبا وتغير وجهها تغييرا جذريا كان العالم العربي خلال قرون طويلة يغط في سبات يكاد أن يكون موتا سريريا على كافة المستويات. في القرن العشرين كانت هناك بعض الاستثناءات أو على الاصح بعض المحاولات لثورات كانت تهدف إجراء تغيرات جذرية شاملة على مبنى المجتمع العربي. ولكن سرعان ما كانت هذه المحاولات تجهض قبل أن تحقق أهدافها أو سرعان ما تنحرف عن مسارها وتتحول الى ثورة مضادة.
يبدو أن القانون الذي يتحكم في تفجر الثورات وتطورها ونهايتها هو قانون ديالكتيكي ديناميكي مشحون بالتناقضات الداخلية والخارجية وتحت ظروف معينة يتحول الى ضده. هكذا تحولت الثورات الكبرى بعد فترة، كانت تطول أو تقصر، الى ضدها، الى ثورات مضادة بعد أن أكلت ابناءها الذين صنعوها. هذا ما حدث للثورة الفرنسية الكبرى التي انتهت الى أعمال إرهابية وحروب مستمرة وكانت فاتحة لعصر استعماري بغيض إجتاح العديد من بلدان العالم، وهذا ما حدث لكومونة باريس ومن ثم لثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا التي اندثرت نهائيا وللثورات في الصين وفيتنام والجزائر وغيرها.
غير أن تحول الثورة الى ضدها لا يقلل من ضرورتها ولا من اهميتها التاريخية. فهي قبل أن تجهض أو تنحرف تكون قد حققت أهدافا كان من المستحيل تحقيقها في فترة زمنية قصيرة. فالثورات تختصر المسافات. وفي معظم الاحيان حتى الثورة المضادة لا تستطيع أن تمحو كل الانجازات التي حققتها الثورة ونرها في كثير من المجالات تحقق وصية الثورة مرغمة.
ثورة 23 يوليو التي فجرها الضباط الاحرار بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في مصر هي إحدى الثورات الفريدة من نوعها التي حاولت نقل العالم العربي ( وليس مصر فحسب) من ركود وتخلف القرون الوسطى الى العصر الحديث واللحاق بقطار المدنية.
بعد 56 سنة من إنطلاقها، نستطيع أن نقول أن مصير هذه الثورة كان كمصير الثورات الكبرى التي ذكرناها. حيث تكالب عليها الاعداء من الداخل ومن الخارج، منعوها من تحقيق أهدافها، حرفوها عن مسارها الصحيح ومن ثم أجهضوها نهائيا. ولكن هذا المصير الماساوي لا يقلل من أهميتها التاريخية ولا ينفي ضرورة حصولها.
ما هي الظروف التي جعلت الثورة ضرورية وحتمية؟ وماهي الانجازات التي حققتها الثورة وما هي الانجازات التي لم تستطع تحقيقها؟
لقد كانت ثورة يوليو 1952 أولا وقبل كل شيء ثورة على النظام الاقطاعي الفاسد الذي كان سائدا في مصر. هذا النظام الطفيلي الذي اوصل الجماهير الى حافة المجاعة بينما كانت خيرات مصر حكرا على طبقة ضئيلة من الاقطاعيين الملتفين حول الملك والخاضعين في الوقت نفسه للهيمنة الاجنبية. لقد سددت الثورة ضربة قاضية الى هذا النظام. وخلال ايام قليلة من انطلاقة الثورة تم الغاء الملكية الى الابد واعلان الجمهورية. في الوقت نفسه تم توجيه ضربة قاسية الى البناء الاقطاعي من خلال الاصلاح الزراعي الذي جرد الاقطاعيين من إحتكارهم للأرض وإعادة تقسيمها على الفلاحين الفقراء. ولكن للأسف الشديد أحجمت قيادة الثورة عن تسديد ضربة قاضية للاقطاع مما أتاح له فيما بعد من رفع رأسه والعودة الى الواجهة.
وكانت الثورة ثانيا ضد الاستعمار. فقد كان استقلال مصر شكليا وكانت بريطانيا هي التي تحدد وتنفذ جميع السياسات. وفي بعض القطاعات كانت السيطرة الاستعمارية مباشرة وكاملة، خصوصا سيطرتها على قناة السويس. لقد طالبت الثورة منذ البداية بجلاء آخر مستعمر عن ارض مصر الامر الذي رفضته القوى الاستعمارية التي قامت بش هجوم ثلاثي انجليزي – فرنسي – اسرائيلي للقضاء على الثورة وتخليد السيطرة الاستعمارية. خرجت الثورة من هذا العدوان منتصرة بفضل البطولات والتضحيات التي قدمها الشعب المصري. ورحل الاستعمار بجميع أشكاله عن ارض مصر. غير أن الاستعمار بشكله الجديد ( الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية) قد عاد بعد إجهاض الثورة.
لقد خطت الثورة خطوات جبارة لتحقيق عدالة إجتماعية وإقامة حياة ديموقراطية سليمة. فقد أعلنت الثورة عن مجانية التعليم العالي، وهكذا وجد ابناء الفقراء طريقهم الى الجامعات بعد أن كانت حكرا على أبناء الاغنياء، وتم بناء السد العالي وهو أكبر مشروع تنموي على المستوى العالمي، وأتخذت الاجراءات اللازمة لبناء جيش وطني قوي. الا أن هذه الخطوات قد تعثرت من بدايتها. لم يكن لدى معظم قيادة الثورة رؤية واضحة للمجتمع الجديد الذي يناضلون من أجله وكانت تنقصهم النظرية الثورية الضرورية للتقدم على الطريق السليم.
لعل الانجاز الاهم لثورة يوليو كان يكمن في طابعها القومي التحرري المعادي للإستعمار. فقد اصبحت هذه الثورة نموذجا للبلدان العربية (الجزائر، اليمن، فلسطين) وللدول النامية خصوصا في أفريقيا وآسيا. للمرة الاولى منذ قرون شعرت الشعوب العربية بإنها ليست خارج التاريخ بل بدأت تصنعه بعد أن أعادت الثورة لها كرامتها القومية والانسانية.
ثورة يوليو، كما قلنا، لم تحقق كافة مهامها. وهناك من غير شك مهام يجب أن تنجز، ليس على صعيد مصر فحسب بل على صعيد العالم العربي. لذلك فإن ثورة يوليو جديدة هي ضرورية وحتمية. فقط من خلال ثورة جديدة، تتعلم من أخطاء الماضي، لا تقدم التنازلات المبدئية للعهد البائد، ولا تتوقف في منتصف الطريق، تستطيع الشعوب العربية توحيد صفوفها وانتزاع حريتها وإستقلالها.

Wednesday, July 16, 2008

بشار الاسد على طريق انور السادات


لقد أثار الاسد دهشة خصومه ومؤيديه في تصريحه المفاجئ في مؤتمر "الاتحاد من أجل المتوسط" في باريس أمام العديد من الزعماء العرب والاوروبيين. جاء على لسان بشار الاسد ما يلي:"إن توقيع إتفاق سلام مع اسرائيل هو مسألة تحتاج من ستة أشهر الى سنتين بحد أقصى في حال كان الطرفان جادين للإنخراط في محادثات مباشرة".
في الحقيقة كنت من أكثر الناس اندهاشا لمثل هذا التصريح الى درجة انني شككت في صحته. وبالرغم من سماعي له في عدة نشرات إخبارية صادرة عن محطات مختلفة، وقرآتي له في عدة مواقع الا انني لم اصدقه نهائيا حتى شاهدته بنفسي يتكلم.
هذا التصريح البائس هو أكثر تصريح مؤيد لاسرائيل سمعته من زعيم عربي في السنوات الاخيرة. وهو بمثابة شهادة زور تمنح لإسرائيل على إعتبار انها دولة محبة للسلام وكأنها حمامة سلام ناصعة البياض. هذا التصريح لا يختلف بشيء عن تصريحات زعماء العالم الذين حجوا الى اسرائيل هذا العام، مثل المستشارة الالمانية ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي، نهايك عن الرئيس الامريكي بوش ومرشح الحزب الديموقراطي أوباما. بل أدعي أن تصريح الرئيس السوري اشد خطورة كونه صادر عن دولة عربية تعتبر ركيزة ما يسمى معسكر الممانعة.
خلال 6 أشهر وكحد اقصى سنتين ويوجد هناك اتفاقية سلام؟؟ حتى رئيس السلطة محمود عباس توقف عن ترديد احلامه بإمكانية التوصل الى اتفاق سلام حتى نهاية السنة كما وعده جورج بوش في آنابوليس. هدئ أعصابك يا الرئيس، ولا تكن شديد الحماس، فما زلت جديد العهد في مهنة المفاوضات. حتى الان لا يوجد لديك "خارطة طريق" تضيع في شعابها سنوات طويلة لكي تجد نفسك في نقطة البداية. وهذا هو مؤتمرك الاول تحت رعاية ساركوزي الذي ينوب عن بوش. فلا يوجد لديك حتى الآن مؤتمرات قمة وقمامة في شرم الشيخ أو كامب ديفيد أو آنا بوليس.
ليس من العيب أن يتعلم الانسان العاقل من تجارب غيره. أنظر الى المفاوض الفلسطسني الذي اضاع 17 سنة من عمره يركض من مدينة الى أخرى ومن مؤتمر الى آخر. وقدم التنازل تلو التنازل لاهثا وراء وهم اتفاق سلام مع اسرائيل. وماذا كانت النتيجة؟ لا شيء، صفر=صفر.
انت تصرح كل يوم: "السلام هو خيار استراتيجي لسوريا" و "لا خيار أمامنا سوى السلام". وهنا أيضا يصرح المسؤولون الاسرائيليون يوميا كم هم حريصون على السلام، وانهم على استعداد لتقديم تضحيات أليمة من أجله، مشكلتهم انهم لا يجدون شريكا للسلام في الطرف الآخر. مساكين، يثيرون الشفقة. فبعد أن عصروا ياسر عرفات عصرا وجدوا انه ليس شريكا ملائما فتخلصوا منه نهائيا، وها هم يعصرون محمود عباس والنتيجة يعرفها القاصي والداني.
نعم، يا فخامة الرئيس، انتم الطرفان جديان في سعيكم الدؤوب من أجل السلام. وهذا يعني أن طريق المفاوضات سوف تكون قصيرة وهي كما يبدو تتطور وتحقق إنجازات فقد بدأت مفاوضات سرية وها هي اليوم تصبح علنية ولكنها غير مباشرة وغدا سوف تصبح علنية ومباشرة ومن يدري ربما بعد غد سو ف تؤتى ثمارها. وقد نراك في الصيف القادم تسبح مع نظيرك الاسرائيلي في بحيرة طبريا.
أنا أعتقد، وبجد هذه المرة، أن اسرائيل تريد السلام مع سوريا وهي لا تخفي ذلك بل تعلنه في كل مناسبة وأمام كل من يريد أن يسمع. هذا هو السلام الذي تريده الاسرائيل:
أولا، وقبل كل شيء انتزاع سوريا من محيطها العربي ومن إنتمائها العربي، تماما كما فعلت مع مصر في كامب ديفيد. وهذا يعني أن تتخلى سوريا عن تحالفها مع المقاومة العربية في لبنان وأن تطرد "الارهابيين" الفلسطينيين من دمشق، وأن تتخلى عن "محور الشر" وتلتحق ب"محور الخير" الذي تقوده امريكا وأسرائيل.
ثانيا، أن تأخذ سوريا دورها في معسكر الاعتدال العربي وتشارك في الحرب الدولية ضد الارهاب الاسلامي وضد كل من تسول له نفسه معارضة الهيمنة الامريكية او التغلغل الاسرائيلي.
ثالثا، أن تطبع علاقتها مع اسرائيل وتفتح اسواقها على مصارعها أمام السلع والرأسمال الاسرائيلي.
مقابل ذلك قد تنسحب إسرائيل من هضبة الجولان ولكن بشرط أن تبقى منزوعة السلاح، ولن ترفض تواجد قوات فرنسية لحفظ السلام بدل او الى جانب قوات الامم المتحدة. أي بإختصار أن تتحرر الجولان كما "تحررت" سيناء من قبل، أي بعد 30 سنة اسرائيل هي التي تقرر من يدخل سيناء وكم يكون عددهم.
السؤال الذي اطرحه هنا: هل حضور مؤتمر باريس وما تمخض عنه من وعود اوروبية هو الخطوة الاولى نحو الإرتماء في أحضان الغرب؟ وهل عودة الاستعمار الفرنسي من الشباك بعد أن خرج من الباب هو الدفعة الاولى على الحساب؟

Wednesday, July 09, 2008

لم يعد هناك من يدق الخزان يا غسان


قبل 36 عاما طالت يد الغدر الاسرائيلية المناضل والمفكر والكاتب العربي الفلسطيني غسان كنفاني. لقد خطفته يد الغدر هذه وهو في ريعان شبابه وفي أوج عطائه. لم يكن غسان مقاتلا بالمعنى الحرفي للكلمة. لم يحمل كلاشينكوف ويطلق الرصاص في إتجاه مغتصبي أرضه ومهجري أهله ولم يفجر عبوات ناسفة. كان يحمل قلما يكتب كلمات. ولكنها كلمات كانت تخرج صرخات من أعماق جرحه وجرح شعبه، كانت أقوى من الرصاص وأشد دمارا من العبوات الناسفة ولهذا السبب بالذات كان مستهدفا من قبل العصابات الارهابية التي تسمي نفسها مجازا الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة.
غسان كان يزرع الكلمات في البيارات المهجورة لكي لا تنسى وفي بيوت حيفا التي أفرغت من اهلها بالقوة وفي قلوب اللاجئين الذين شردوا في الفيافي والصحاري وهاموا على وجوههم لتحصيل لقمة العيش. بينما كان مجرمو الموساد وبإعترافهم الصريح هم الذين يزرعون العبوة الناسفة في سيارتة ويفجرون معه إبنة أخته لميس.
لقد كان غسان صاحب قضية وصاحب موقف. وقد يظن البعض أن قضيته كانت قضية فلسطين وهذا خطأ شائع، لأن قضيته تجاوزت الحدود الجغرافية لفلسطين، تجاوزت كل الحدود وأصبحت قضية إنسانية من الطراز الاول. الحس الانساني المرهف ينتشر بين سطور "رجال في الشمس" "عائد الى حيفا" "أم سعد" وغيرها من الروايات والقصص. وليس غريبا أن تترجم أعماله الى معظم لغات العالم. في إغتيالهم له قام عملاء الموساد من حيث لا يدرون بتخليده.
لا ترمي هذه المقالة تناول مؤلفاته الادبية والفكرية بالتحليل، فالمكتبات تعج بالكتب والمقالات والدراسات في هذا المجال. كل ما اطمح اليه في هذه العجالة هو نفض بعض الغبار الذي تراكم على بعض الكلمات التي تعبر عن المواقف التي عاش غسان واستشهد من أجلها، ونحاول نحن الفلسطينيون عن قصد أو عن غير قصد التغاضي عنها.
قال غسان: " إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية" وكأنك يا رفيق كنت تتنبأ بما سيحدث. لقد بقي المدافعون الفاشلون في مواقعهم بينما تغيرت القضية الى حد التشويه. ولو عدت الينا يا رفيق لما تعرفت على قضيتك. فقد أدخلنا كل زناة الارض الى حجرتها وسحب هؤلاء المدافعون خناجرهم وتنافخوا شرفا وصرخوا فيها أن تسكت صونا للعرض... مع المعذرة للشاعر مظفر النواب.
لقد كنت تقول:" إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين" وكان الاحرى بك أن تقول إن قضية الحياة ليست على الاطلاق قضية الباقين ... أنها قضية الاموات. فالشهداء هم الوحيدين الاحياء أما نحن فلسنا أحياء سوى مجازا.
قلت: "إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال
الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه". ولكن سلاحنا اليوم يا رفيق هبة من إسرائيل تحت إشراف مدربين أمريكيين وعملاء من بعض الدول العربية، لذلك اليوم لا يجود تعويض لكلماتك.
وقلت أيضا: " لا تمت قبل أن تكون ندا" الحمد لله انك استشهدت يا رفيق لأنك لو عشت حتى هذه الايام فلن تستطيع أن تكون ندا لكبار المفاوضين وكبار المهربين وكبار المقامرين.
وأخيرا كتبت تقول:" بالدم نكتب لفلسطين" ونحن نقول لك في هذه الذكرى: بالدم نقرأ لفلسطين.

Tuesday, July 08, 2008

هل نحن بحاجة الى بلديات؟



من يزور مدينة سخنين في هذه الايام لا بد أن يشعر بالاكتئاب. واذا كان مرهف الحس رقيق المشاعر فقد يشعر بالغثيان أيضا. تبدو المدينة في هذه الايام منكوبة وكأنها خارجة للتو من تسونامي مدمر لا يعرف الرحمة. أكوام الزبالة على طرفي الطرقات. كل عدة أمتار كوم، بل قل تلة صغيرة تنمو باستمرار. على ربوع هذه التلال ترتع الققط باحثة عن قوتها اليومي، وربما كانت هي المخلوقات الوحيدة السعيدة بهذه المناظر. لا آسف، هناك الجرذان ايضا ولكن ما يتغص سعادتها تواجد القطط المكثف من حولها. من يسير على الاقدام ويمر بالقرب من هذه المزابل يوسع خطاه، يغلق انفه بسبابته وابهامه حتى يتجاوزها، ويتمتمم ببعض الكلمات، أغلب الظن انها شتائم من النوع الثقيل للمسوؤلين عن هذا الوضع المأسوى. ومن ثم يتابع مسيره وكأن هذا الشيء اصبح شيئا عاديا.
ولكن هذا ليس كل شيء. يدخل هذا المواطن الى بيته، غالبا بعد يوم من العمل الشاق. يفتح حنفية الماء، فإذا كان محظوظا، اي اذا كان يسكن في مكان منخفض بعض الشي، فسوف ينساب من الحنفية بعض القطرات من الماء تشبه طفلا صغيار يبول. ولكن اذا كان نكد الحظ، فلن يجد ولا لحسة. يتمتم مرة أخرى ببعض كلمات، وأترك فحواها لخيال القارئ. يجمع بعض قناني البلاستك ويذهب الى العين حيث يقف الناس بالدور كل مع قنانيه. أراقب هذا المشهد من قرب، وتعود بي الذاكرة 40 عاما الى الوراء عندما كنا اطفالا صغار يرسلنا اهلنا الى جلب الماء من العين مع حمار وضعوا عليه جلنين من الحديد. طبعا الحمير انقرضت من المدينة وحلت مكانها السيارات الفخمة والجلن ايضا إختفى وأخذت مكانه قنينة البلاسيك.
هذا المشهد السريالي نشهده كل يوم. وأدعوا الجميع لمشاهدته لكي لا يظن انني ابالغ. وأظن أن الاوضاع في باقي المدن والقرى في هذه البلاد لا تختلف كثيرا عنها في سخنين.
استمع الى احاديث المواطنين في البيوت، في الاماكن العامة،في اماكن العمل والدواوين وفي كل مكان. وضع المدينة المزري هو موضوع الساعة. لم يبق هناك مكان لحصار غزة او للهدنة أو لتبادل الاسرى أو للملف النووي الايراني الخ. كل هذه الامور بردت إزاء هذا الموضوع الساخن: الزبالة وانقطاع الماء.
ولكن للاسف الشديد، استمعت الى العامل والمعلم، للشباب والشيوخ، للرجال والنساء، للمثقفين وللأميين فلم أسمع سوى الشتائم، حتى بصراحة بدأت اتعاطف مع المسؤولين المساكين، واتعجب كيف يتحملون كل هذا الكم الهائل من الشتائم، الا يسمعونها؟ واكتشفت ان لكل شريحة من مجتمعنا لها شتائمها الخاصة بمفرداتها الخاصة. ولكن شيء واحد مشترك يجمع كل هذه الشرائح: لم اسمع اية نظرة تحليلية نقدية للأوضاع. والانكى من ذلك، لا يوجد هناك اي روح للمبادرة وكل محاولة للتغيير معدومة. وهكذا تستمر الحياة. حتى يفرجها ربك كما يقول كبارنا.
قال لي أحد المواطنين الحكماء وفي اعقاب اقواله أخترت عنوان هذه المقالة: ما أغبى إدارة هذه البلدية فالمواطن العادي لا يسأل وقد لا يهمه ما تقوم به او لا تقوم به البلدية في مجال التربية والتعليم والتطوير والتخطيط الخ. ولكنه من كل مهام البلدية يرى أمرين: الزبالة والماء. فإذا كانت البلدية تعاني بالفعل من عجز في الميزانيات ومن تمييز من السلطات وهذا الامر الذي يشل عملها. فلماذا لا تقلص من تلك الخدمات "الخفية" وتركز على توفير الماء وجمع الزبالة وهي الاقل تكليفا؟.
سؤال وجيه، اليس كذلك؟ ماذا تعمل بلدياتنا غير جمع الزبالة وتوفير المياه؟ فإذا كانت لا تستطيع تأمين هذين المطلبين البسيطين فما الحاجة الى هذه البلديات أصلا؟
ولكن السؤال الاوجه الذي يجب أن يسال هنا هو: هل من أجل جمع الزبالة وتوفير المياه يجب أن يكون ليدينا بلدية مع رئيس ونواب واعضاء ولجان؟
جوابي القطاع هو لا، لسنا بحاجة الى اية بلدية من أجل انجاز مثل هذا العمل البسيط. ولكن مشكلتنا أعمق واكثر تعقيدا من ذلك بكثير: لقد تعودنا على الاتكالية وانعدام روح المبادرة تماما. دع اكوام الزبالة تنمو وتصبح تلالا بل تصبح جبالا شاهقة في ارتفاع جبال هملايا، فلن تكون هناك اي مبادرة ذاتية للخلاص من هذا المأزق. سوف نستمر في رمي زبالتنا على الكومة.
لا اريد هنا أن أفتح موضوع الانتخابات الوشيكة للسلطات المحلية. فهذا موضوع واسع وقائم بذاته، ولكني أود هنا أن أدون مسبقا هذه الملاحظات:
اولا) طبعا لم يسقط المسؤولين علينا من كوكب آخر، فنحن الذين انتخبناهم، والشخص الذي نشتمه اليوم أغلب الظن اننا منحناه صوتنا بالامس، او سوف نصوت له في الانتخابات القادمة بناء على إعتبارات لنقل انها خاصة.
ثانيا) جربنا العديد من المسؤولين، منهم الامي ومنهم المتعلم، منهم من وصفناه بالعائلي ومنهم من تلفع بعباءة الحزبية فوجدنا أن جميعهم بالهواء سواء. واسمحوا لي أن ابالغ قليلا واقول: اننا ظلمنا المخاتير كثيرا، فعلى الاقل كان للمختار كلمة وكان "يمون" على جماعته، ليس مثل الرئيس "الديموقراطي" اليوم.
ثالثا) لقد آن الاوان، كما يقول المثل الا ننظر الى الاناء بل الى ما يوجد بداخله. سوف يصدر كل رئيس سابق قبل الانتخابات كتيبا يعدد فيه إنجازاته التي تؤهله لولاية جديدة وسوف يقوم منافسوه بزرع المقاثي بالوعود. فلا تنسوا ان هذه "الانجازات" كانت "وعودا" وأن "الوعود" سوف تصبح "انجازات" ولكن جميعها سوف يكون جزءا من تلة الزبالة.
رابعا) هل حقا يجب علينا دائما ان نختار بين العائلية التي تحزبت او بين الحزب الذي اصبح عائليا؟
في الاشهر القادمة، التي تسمى بالمعركة الانتخابية سوف نرى ونسمع العجب، وسيكون لنا لقاءات أخرى.

Monday, July 07, 2008

انقذونا من هذه الصحافة "الصفراء"


"هل هناك أمل بأن تصبح مليونيرا؟ هيا أدخل وافحص"
"أكتب اسمك واسمها واعرف نسبة الامل تكونوا لبعض"
"كوني متجددة في الفراش. كيف تثيرينه بعد كل جماع"
" شاهدوا الحلقة 93 من مسلسل نور" "شاهدوا الحلقة 109 من مسلسل سنوات الضياع"
هذه فقط غيض من فيض العناوين الرئيسية التي تزين غالبية المواقع الاخبارية المحلية وتنغل بها الصحف المكتوبة. نتكلم كثيرا عن المستوى الهابط للعديد من الفضئيات التي التي تتحفنا بمستوى هابط من الفن ولكننا نخرس عن الكلام حول المستوى الاشد هبوطا الذي تشهده صحافتنا المحلية المنتشرة عبر الشبكة العنكبوتية والمكتوبة على حد سواء.
لا أدري من أول من أطلق على مثل هذه الصحافة بالصحافة الصفراء، أنا شخصيا أحبذ أن نطلق عليها اسما آخرا، لأننا نظلم اللون الاصفر، وخصوصا وأنه أحد الالوان المفضلة لدي. فهو حسب رأيي لون جميل وناعم وجذاب. على عكس هذه الصحافة التي تقوم على الفضائح والإثارة والشائعات والمبالغة والتشهير ودغدغة غرائز القراء، والضحالة والعقم، الخ.
مع الانتشار السريع للانترنت والتوزيع المجاني للجرائد المطبوعة في الحوانيت والمقاهي ومحطات البنزين أصبحت هذه الصحافة آفة، لا بل وبأ يجب التصدي له. فهذه الجريدة تنشر الاستطلاعات المزيفة التي تؤكد أنها الجريدة الاكثر انتشارا في البلاد، بينما تقوم الجريدة المنافسة بتزوير الحقائق. ومن يقرأ مثل هذه الادعاءات يظن بأنه امام جريدة عريقة كالاهرام أو النيويورك تايمز، وذاك الموقع يعلن بأنه الاكثر ارتيادا من قبل الزوار ليس على المستوى المحلي وحسب بل وعالميا أيضا. ولكن عندما تفتح هذه الجريدة من الصفحة الاولى الى الصفحة الاخيرة، من الغلاف الى الغلاف، لا يستوقفك شيء ذو أهمية. وبعد لحظات وجيزة تنبذها جانبا وانت تردد في قرارة نفسك: خسارة على الورق وعلى الوقت الضائع. الشيء نفسه يحدث أثناء زيارة المواقع الالكترونية التابعة لهذه الجرائد. العبرة ليست في كمية مرات الدخول لها بل في فترة المكوث بها ومقدار الفائدة التي تقدمها. وحسب رايي، قارئ يحترم نفسه لا يستطيع أن يمكث بها أكثر من لحظات معدودة وبعد أن يغادرها يشعر بالندم لتبديده هذا الوقت نظرا لتفاهتها وضحالة محتواها.
لا اريد هنا أن أذكر جرائد ومواقع بأسمائها، فالقارئ المتوسط يعرف بالضبط أي منها هو المقصود. قد يدعي البعض أن مثل هذه الجرائد والمواقع تلاقي رواجا ملحوظا وتحظى بشعبية خصوصا عند الاجيال الشابة بينما تلاقي الجرائد والمواقع الجدية كسادا. قد تكون هذه الظاهرة صحيحة نسبيا، وهنا بالضبط تكمن خطورتها. وإن دلت على شيء فإنها تدل على عمق الازمة الثقافية والاجتماعية التي تجتاح مجتمعنا، والتي هي جزء من الازمة العامة التي نعاني منها على كافة الاصعدة. غياب المؤسسات الثقافية والتعليمية الوطنية الملتزمة يلعب دورا سلبيا في رواج هذه الصحف والمواقع. اننا نقف هنا بالاساس امام مشاريع تجارية هدفها جني الارباح الطائلة بأسرع وقت وأقل تكلفة. هذه الظاهرة بدأت تتفشى لتشمل العديد من المؤسسات التعليمية، فقد أصبحت رياض الاطفال، مثلا تباع للمقاولين وكأنها سلعة عادية ضاربين بعرض الحائط مستقبل أطفالنا. وبسبب الاهمال الحكومي المبرمج والمقصود اصبحت المدارس على كافة مستوياتها والكليات مرتعا لشتى اشكال الانتهازيين الذين يلهثون وراء الربح السريع. يقول المثل الشعبي: اعط الخبز لخبازه. وهل هناك خبز أهم من خبز الثقافة والتعليم؟ فكيف نفرط به لكل من هب ودب ممن يحترف مهنة تحويل التعليم الى سلعة.
في صباح كل يوم جمعة، عندما أجمع هذا الكم الهائل من الصحف المحلية الصادرة في هذا اليوم، اشعر للوهلة الاولى وكأن هناك مدا ثقافيا هائلا يجرف مجتمعنا، ولكني سرعان ما اصاب بخيبة أمل وإحباط بعد تصفح عدة صفحات. الامر نفسه ينتابني عندما ابحر في عباب الشبكة العنكبوتية، وأرى الكم الهائل من المواقع المحلية التي تعد بالكثير ولكنها تفي بالقليل، خصوصا إذا قارناها بالصحف والمواقع العبرية.
لقد آن الاوان أن ننقي القمح من الزوان وأن نقتلع الاعشاب الضارة التي تحاصر الورود في بساتيننا. اننا نستحق صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة والكترونية راقية ومحترمة تكون مرآة صادقة لتطلعاتنا وطموحتنا وليس لواقعنا البائس. هذه المهمة تقع على عاتق المثقفين الواعين الملتزمين وطنيا وخصوصا من بين الاجيال الشابة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, July 02, 2008

عيد إستقلال سعيد يا أمريكا


تحتفل الولايات المتحدة الامريكية في هذا اليوم بعيد إستقلالها الذي أعلن عنه في 4 يوليو من عام 1776. في هذه المناسبة لا بد من فضح الاساطير التي روجتها الامبيريالية الامريكية على مدار ما يقارب قرنين ونصف من الزمن. هذه الاساطير المؤسسة على إعلان وثيقة الاستقلال ومن ثم على الدستور الامريكي والتي تصور الولايات المتحدة الامريكية نبراسا للحرية ونصيرا للديموقراطية والاستقلال في العالم بإسره.
جاء في وثيقة الاستقلال الامريكية: "يولد كل الناس متساوين، وقد وهبهم الخالق حقوقا غير قابلة للتنازل عنها: حق الحياة وحق، وحق الحرية، وحق البحث عن السعادة." (هذا الكلام المعسول يذكرنا بوثيقة إستقلال أخرى أعلنت عام 1948 هي وثيقة الاستقلال الاسرائيلية التي أعلنت هي الاخرى انها "تحافظ على المساواة التامة في الحقوق اجتماعيا وسياسيا بين جميع رعاياها دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس...الخ" بينما كانت ترتكب المجازر وتهدم القرى وتهجر شعبا بإسره ).
الوثيقة الامريكية التي كانت تعلن أن "كل الناس يولدون متساوين" كانت تعني في حقيقة الامر انه يوجد ناس متساوين أكثر من غيرهم، بل كانت تقول أكثر من ذلك: أنهم هم "الناس" بينما الآخرون هم أقل من الناس. فعند الاعلان عن هذه الوثيقة كان قطعان المستوطنين القادمين من أوروبا يشنون حرب إبادة وتطهير عرقي لا شبيه لها في التاريخ ضد الهنود الحمر، سكان البلاد الاصليين والذين اعتبروا في عرف هؤلاء المستوطنين ك"متوحشين، لا يعرفون الرحمة"، وكانوا يمارسون ابشع اشكال العبودية ضد الزنوج الذين اقتلعوا من أوطانهم في افريقيا وجلبوا الى أمريكا من أجل العمل بالسخرة في المناجم وحقول التبغ والقطن.
عندما كانت وثيقة الاستقلال تتكلم عن الحق بالحياة والحرية والبحث عن السعادة التي منحها الخالق للناس كانت تعني بالذات حق هذا المستوطن بالحياة حتى ولو قتل غيره وحقه بالحرية حتى ولو استعبد أهل الارض جميعا وحقه بالسعادة ولو كانت هذه السعادة مبنية على تعاسة الآخرين.
إن استقلال الولايات الامريكية لم يأت نتيجة نضال شعب مضطهد، يرزح تحت الاحتلال الاجنبي، ويصبو للحرية والاستقلال من أجل أن ينمي قيمه وثاقفته ويحافظ على حضارته، وليس نتيجة لثورة إجتماعية وسياسية تقدمية، كما يحاولون إقناعنا من خلال مناهج التعليم التجهيلية في المدارس والجامعات، بل جاء بسبب تذمر هؤلاء المستوطنين من الضرائب الباهضة لتي كانت المملكة البريطانية تفرضها عليهم وتثقل بها كاهلهم، ومن التقيدات الاقتصادية والفساد الاداري لهذه المملكة والتي تفاقمت في تلك الفترة نتيجة حرب السبع سنوات بين أنجلترا وفرنسا ومحاولة انجلترا تعويض خسائرها عن طريق مستوطناتها. ما يسمى بالثورة الامريكية لم تكن مستوحاة من الثورة الفرنسية ومن مبادئها التحررية في ذلك الوقت. مؤسسوا الولايات المتحدة الامريكية لم يكونوا ثوارا إجتماعيين يتمتعون بمزايا أخلاقية سامية كما يصورنهم لنا، بل كانوا مستعمرين متعطشين للمال والسلطة. جورج واشنطن، جون آدمز، توماس جفرسون وغيرهم من المؤسسين مسؤولين عن إقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في حق السكان الاصليين.
لقد كتب سيمون بوليفار أحد أبطال استقلال أمريكا اللاتينية يقول:"يبدو أنه كتب على الولايات المتحدة الامريكية أن تقوم بتعذيب القارة بإسم الحرية".
الطبيعة العدوانية لهذا الكيان لم تبق محصورة داخل القارة الامريكية بل تم تصديره الى باقي بلدان العالم تحت شعارات الحرية والديموقراطية واستقلال الشعوب. لعل أشهر هذه الاكاذيب والتي انطلت على العديد من الناس جاءت في أعقاب الحرب العالمية الاولى وإقامة عصبة الامم المتحدة، في بنود السلم ال14 التي قدمها وويدرو ويلسون الذي أعتبر محرر أوروبا ونصير الشعوب المظلومة الذي ينادي بحق الامم في تقرير مصيرها، حيث كتب يقول: " واجبنا الخاص تجاه كل شعب مستعمر هو أن نعيد لهذا الشعب النظام والسيادة وندربه على القانون والتعود عليه وطاعته" بروح مبادئ ويلسون تم إصدار صك الانتداب على فلسطين الذي تعهد بتنفيذ وعد بلفور المشؤوم، وباقي القصة معروفة.
في تلك الفترة بدأت الولايات المتحدة الامريكية تحل مكان الاستعمار القديم الذي كانت تمثله من حيث الاساس بريطانيا وفرنسا. وقد إكتمل هذا الدور بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن ليس قبل أرتكاب جرائم ضد الانسانية لا تقل من حيث بشاعتها وهمجيتها عن جرائم النازية. يكفي أن نذكر هنا القتل المكثف للمدنيين خصوصا قصف وتدمير مدينة درسدرن حيث قتل أكثر من 130 ألف مدني بالرغم من قيام الجيش الاحمر بتحرير تلك المنطقة التي لم تعد تشكل هدفا حربيا، وكذلك إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وقتل 75 ألف مدني بالرغم من قبول إمبراطور اليابان لمبدا ألإستسلام.
منذ ذلك الحين وحتى اليوم قامت الولايات المتحدة الامريكية بشن الحروب المتواصلة في جميع أرجاء العالم من كوريا وفيتنام وكمبوديا الى بنما وتشيلي ونيكارغوا، الى افغانستان والعراق وفلسطين. وأين لا؟ لقد أصبحت الولايات المتحدة الامريكية من غير منازع وبإمتياز العدو رقم واحد لكافة الشعوب وتشكل خطرا داهما على المجتمع الانساني ككل.
عيد إستقلال سعيد يا أمريكا

Wednesday, June 25, 2008

عندما يصبح الاحتلال طوعيا



يصر العديد من الاكاديميين العرب الذين يحرصون حرصا شديدا على إلصاق لقبهم الجامعي بإسمهم في جميع الندوات والمؤتمرات والايام الدراسية التي يدعون اليها والتي تلاقي رواجا كبيرا في هذه الايام، على إعتبار دولة إسرائيل في نهاية المطاف وبالرغم من كل انتقاداتهم دولة طبيعية تمثل شعبا طبيعيا له الحق في تقرير مصيره. ويبدأون في تنظيرات لا اول لها ولا آخر ولا تقوم على اية اسس موضوعية علمية. كل همهم هو تسويق نظرياتهم التي تعلموها في الجامعات الاسرائيلية والآن يعلمونها بدورهم لطلابهم.
منهم من يدعي أن دولة إسرائيل لم تعد ذلك الكيان الكولونيالي الذي اقامته الحركة الصهيونية قبل 60 عاما، بل اصبحت دولة عادية تعبر عن حق تقرير المصير للشعب اليهودي الاسرائيلي. ومنهم من يزعم أن الصهيونية كحركة وكأيديولوجية قد انتهت ونحن نعيش فيما يسمى "عهد ما بعد الصهيونية" (بوست صهيونية). من هذا المنطلق، حتى لو قبلنا أن قيامها كان على أنقاض وعلى حساب الشعب الفلسطيني، علينا أن نعترف بحقها في الوجود كأية دولة أخرى.
هذه النظرة العامة لا تقتصر على الاكاديميين المحسوبين على الاحزاب العربية الاسرائيلية الممثلة في الكنيست فحسب بل تشمل ايضا أولئك الذين يدعون الرديكالية وينظرون لدولة ثنائية القومية، دولة لجميع مواطنيها أو دولة ديموقراطية علمانية.غير أن نظرياتهم هذه تتبخر وتتلاشى حتى قبل مغادرتهم لقاعة المؤتمرات التي يعرضون بها نظرياتهم حال اصطدامها. إذ أن دولة اسرائيل تأبى أن تغير طبيعتها وهي لا تستطيع أن تخرج من جلدها. طبيعة اسرائيل الكولونيالية ما زالت مستمرة الى هذه اللحظة وسوف تستمر ما دامت هذه الدولة قائمة. ولا يستطيع أي شخص مهما كبر لقبه الجامعي أن يقنعنا بغير ذلك. النظريات مهما كانت منمقة تبقى أعجز من أن تغير الحقائق على ارض الواقع. طبيعة هذه الدولة الكولونيالية تتجسد في كل بيت تبنيه في المستوطنات وليس في القدس والضفة الغربية فحسب، بل في الجليل والنقب وفي كل مكان في فلسطين.
بينما تتجه جميع الانظار الى بناء الاحياء الاستيطانية او وحدات السكن في القدس وضواحيها أو في الكتل الاستيطانية نتعامى عما يحصل في النقب والجليل من أعمال استيطانية. السياسة واحدة والاهداف واحدة. أستطيع أن أجزم أن وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية في هذا المجال أفضل بما لا يقاس من وضعنا في الداخل، على الاقل هناك مازال الفلسطينيون يملكون أكثر من نصف الاراضي بينما لا نملك نحن أكثر من 3% من الاراضي. وما زال العالم يرى بها أراض محتلة بينما نحن جزء من دولة مستقلة، والأهم من ذلك كله، ما زال الفلسطينيون في الضفة يقاومون الاستيطان بجميع اشكاله ويقدمون التضحيات في سبيل ذلك، بينما نحن خضعنا للأمر الواقع وأصبحنا نشارك الحكومة حتى في استعمال مصطلحاتها وأصبحنا نسمي الاستيطان تطويرا. فهناك ثمة سياسة لتطوير الجليل والنقب تشرف عليها وزارة خاصة وكل ما ينبغي علينا عمله هو المطالبة بالحصول على حصة أكبر. قبل ايام نشرت جريدة هآرتس تقريرا عن "تطوير الجليل والنقب" تقوم بتمويله ليس فقط الحكومة الاسرائيلية بل بمشاركة فعالة للتنظيمات الصهيونية في أمريكا والعالم حيث تم جمع 60 مليون دولار كمساهمة في حملة استيطانية جديدة سيكون ضحاياها المباشرين بدو النقب والقرى العربية في المثلث والجليل. سياسة التطهير العرقي التي بدأت في عام 1948 ما زالت مستمرة وجميعنا نشعر بها على أجسادنا ولكن كيف نواجهها؟ بالشعارات والخطابات والتباكي والتسول على ابواب المسؤولين، ولكن الاخطر من ذلك كله هي تلك التنظيرات التي يروج لها بعض المثقفين والتي تؤمن للحكومة التبريرات اللازمة للإستمرار بسياستها الكولونيالية العنصرية.
فلسطين بإسرها ترزح تحت الاحتلال والشعب الفلسطيني بجميع أماكن تواجده يعاني من هذا الاحتلال. ولكن ككل إحتلال في العالم وفلسطين ليست إستثناء، يوجد هناك فئات مستفيدة تتعاون مع المحتلين من أجل تحقيق مكاسب خاصة، ويوجد هناك فئات خاملة أو متهادنة، ولكن يوجد هناك دائما فئات مقاومة وهي التي تصنع التاريخ في نهاية المطاف.
لا يكفي أن نردد صباحا مساء، أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ولا يكفي أن نربت على أكتفنا ونعلل نفوسنا المهزومة بأننا الجزء الباقي المتشبث بإرضه حتى نرسخ وجودنا على هذه الارض ونستعيد حقوقنا السليبة. علينا أولا وقبل كل شيء أن نتخلص من أوهام المواطنة المزيفة التي تروجها السلطة ويقوم على تجميلها نخبة من المثقفين. ينبت الى جانب القمح الزوان ويختلط به ولكن مهمتنا هي أن ننقي القمح من الزوان.

Wednesday, June 18, 2008

توضيح أخير حول المؤتمر" الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين"


في إطار النقاش الذي أثاره ودعا اليه مؤتمر حيفا: "من أجل العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" الذي بادرت له حركة أبناء البلد، كنت قد نشرت مقالين تناولا بشكل نقدي الاطروحات المنشورة في الموقع الرسمي للمؤتمر وكذلك الكم الهائل حول هذا الموضوع في العديد من المواقع الاخرى. وقد اثار هذين المقالين استياء بعض الرفاق من المبادرين والقيمين على المؤتمر مدعين بأنني أوزع الاتهامات وأصدر الاحكام جزافا وألجأ الى التعميم وغير مطلع على كل ما كتب ونشر في هذا الموضوع.
لكي لا يتحول الحوار الى جدل بيزنطي لا طائل منه، يدور في فراغ ولا يستمع به أحد للآخر لذلك فضلت عدم الرد على كافة ردود الفعل هذه وبالمقابل الاكتفاء بتأكيد النقاط التي أراها اساسية في هذا الموضوع وتوضيح بعض الالتباسات في طرحها السابق.
لقد قلت أن المنادين بحل الدولة الواحدة، او الدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون "خليطا غريبا" وبالرغم من الاختلاف فيما بينهم فثمة خطوط عامة مشتركة تربطهم جميعا. وأحد الخطوط العامة هذه والتي تناولتها بالنقد هو: " تغييب الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني وبالتالي تغييب الطابع التحرري للنضال ضد هذا الكيان".
مما لا شك فيه أن كل تعميم هو خاطئ أو على الاقل صحته نسبية، ولكن في بعض الاحيان، وفي سياق النقاش العام لا بد منه. فمثلا الرفيق سلامة كيلة، رئيس تحرير موقع أجراس، يقول انه هو والعديد من المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية، ليس فقط انهم لا يغيبون الطابع الكولونيالي لدولة اسرائيل بل على العكس فإنهم حريصون على تأكيده، وبالتالي يرون بشعار الدولة الديموقراطية العلمانية شعارا تحرريا.
حسنا جدا، كما يقول المثل، الطريق الى جهنم مليء بالنوايا الحسنة. الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني حقيقة تاريخية وسياسية. ولا يتغير شيء على هذه الحقيقة اذا اعترف بها البعض وانكرها البعض الآخر. المهم هو كيف نتعامل مع هذه الحقيقة. انا أدعي أن البعض يتعامل مع هذا الكيان كدولة عادية هذا بالرغم من معرفته بطابع هذا الكيان الكولونيالي العنصري. وهنا يدخل العديد منا في تناقض داخلي: كيف يمكن رفض هذا الكيان وقبوله بشكل ما في آن واحد؟ لنأخذ مثلا موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الفصيل الاكثر جذرية في طرحه لشعار الدولة الديموقراطية العلمانية. هذا الموقف يؤكد على الطبيعة الكولونيالية للكيان الصهيوني وعلى ضرورة إنهائه من جهة، ولكنه يتشبث بما يسمى ب"الشرعية الدولية" من جهة أخرى. هذه "الشرعية" التي منحت الكيان الصهيوني "شرعيته". ألا يوجد تناقض داخلي في هذا الموقف؟
على كل حال وإختصارا للنقاش، كل ما اردت أن اقوله ببساطة: ما دامت فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الصهيوني فالمطروح في هذه الحقبة من التاريخ هو التحرير، المطروح هو الثورة لا الدولة. هذا التحول الخطير في الاستراتيجية الفلسطينية بدأ في الدورة الثانية عشرة من المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 وتبني ما يسمى "البرنامج المرحلي" والذي اصبح اليوم برنامجا دائما. المفروض طرح قضايا الثورة للنقاش: هل ينبغي أن تكون ثورة وطنية ديموقراطية أم ثورة إشتراكية، ام ثورة اسلامية؟ ما هو البرنامج السياسي لهذه الثورة ومن هي القيادة التي تضمن إنتصارها؟ الخ. وليس المطروح حاليا الدولة، واحدة كانت او إثنتان أو أكثر، علمانية او غير علمانية، ثنائية القومية أو متعددة القوميات أولاقومية، إسراطين القذافي أو دولة جميع مواطنيها لعزمي بشارة.
بالطبع لا يمكن الفصل نهائيا بين مفهومي الدولة والثورة. وينبغي فهم العلاقة الديالكتيكية بين المفهومين. فكل ثورة لها تصورها عن الدولة التي تسعى لتحقيقها. المقصود هنا هو ترتيب الأولويات. لن أفضح سرا اذا قلت أن مفهوم "الثورة الفلسطينية" لم يعد أكثر من شعار فارغ يردده بعض الخطباء الديماغوغيين عندما ينهون خطاباتهم: "وانها لثورة حتى النصر".
من هذا المنطلق أكرر أن طرح "الدولة الفلسطينية" على كافة اشكالها يغيب طرح الثورة والتحرير. ولا استطيع استثناء طرح "الدولة الديموقراطية العلمانية" من هذا السياق. هذا الشعار أصبح قناعا يختبئ وراءه العديد من الانتهازيين. فثمة مفاوض فلسطيني فاشل يهدد إسرائيل بأنها اذا لم تسرع بإقامة الدولة الفلسطينية الى جانبها فأنه سوف يطالب بدولة واحدة. وآخر يقول: فقط في إطار الدولة الواحدة تستطيع الكتل الاستيطانية الصهيونية في الضفة الغربية أن تبقى مكانها بينما حل الدولتين يحتم تفكيكها. هذه القضية تلتبس على الرفيق سلامة كيلة في رده المذكور عندما يقول: اليهود المستوطنون، نطردهم ام نقبل بهم؟ ويجيب قائلا: الحل الديموقراطي يقوم على قبول من تبقى منهم.
اليهود كمستوطنين لا حق لهم في العيش في أي مكان في فلسطين او خارج فلسطين. فقط بعد القضاء على الطبيعة الكولونيالية لتواجدهم ونزع صفة الاستيطان عنهم وبعد أن يصبحوا مواطنين عاديين كغيرهم يمكن القبول بهم. فالقضية لا تكمن في كونهم يهودا أم لا بل في كونهم مستوطنين أم لا.
القضية الاخرى التي يتحاشى المؤتمر، حسب رأيي، الخوض بها هي قضية القومية العربية والوحدة العربية بما يتجاوز الشعارات الروتينية. وهذا المكان أضيق من تناول هذه القضية بإسهاب وآمل أن تجد متسعا في ورشات عمل المؤتمر.
لكي يصبح شعار"الدولة الديموقراطية العلمانية" شعارا نضاليا وليس تصفويا يجب أن يناقش كل هذه القضايا بجرأة ويحدد موقفا واضحا منها.

Tuesday, June 17, 2008

قطاع غزة: سنة أولى حماس



قبل سنة، في أعقاب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، كتبت قائلا:" لم ولن اذرف الدموع على تنظيف غزة من موبقات عصابات ما يسمى بالأمن الوقائي التي شكلها دحلان بتمويل وتسليح وتدريب إسرائيلي- أمريكي لكي تسهر على أمن قوات الاحتلال الإسرائيلية زارعة في الأراضي الفلسطينية الموت والدمار والخوف". وأضفت قائلا:" ولكن، وفي الوقت نفسه لم ولن أصفق لحماس ولانتصارها الباهر، هذا الانتصار الذي هو أشر من الهزيمة. لم ولن أوزع الحلوى وأشارك نسائهن الزغاريت وأطلق النار بالهواء واصرخ: الله أكبر، الله وأكبر وكأنهم حرروا تل أبيب".
سنة طويلة مرت على تلك الاحداث، سنة غزيرة بالدم الفلسطيني، خصبة بالألم والمعاناة والجوع والحصار. نعم، لقد تخلصت جماهير غزة من موبقات عناصر الامن الوقائي الفاسدين غير المأسوف عليهم من غير رجعة، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يسأل بعد مرور سنة هو: هل إستطاعت القيادة البديلة لحركة حماس أن تقود الشعب الى بر الامان؟ او على الاقل هل استطاعت أن تدخل بصيصا من النور الى مستقبل نفق غزة المظلم؟
لا أريد هنا ان أتكلم عن الحصار التجويعي المجرم الذي يفرضه العالم أجمع على قطاع غزة. وأنا اقول العالم اجمع وهذا لا يعني اسرائيل وامريكا فحسب بل اولا وقبل كل شيء الدول العربية والسلطة الفلسطينية. إن هذا الحصار هو وصمة عار في جبين الانسانية ولكن في المقام الاول في جبين الوطن العربي من المحيط الى الخليج. لماذا نلوم الاسرائيلي الغاصب لإغلاقه المعابر ولا نلوم أكبر دولة عربية لإغلاقها معبر رفح والتهديد بكسر رجل كل من تسول له نفسه إجتياز الحدود بحثا عن رغيف الخبز؟ وكيف لا نلوم السلطة التي تحرض النظام المصري وتحذره من إجتياح الفلسطينيين للحدود المصرية؟ أمور لا تصدق.
ولكن هذا الحصار الاجرامي يجب الا يشكل تبريرا لأخطاء حماس أو غيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية، ويجب ألا يكون شماعة نعلق عليه أخطاءنا وتخبطنا وإنتهازية زعمائنا.
بعد سنة، من حق جماهير الشعب الفلسطيني، وخصوصا جماهير غزة، أن تعرف ما هي حقيقة سياسة حماس وخصوصا في الامور الاساسية التالية:
أولا): الحوار الفلسطيني من أجل إنهاء حالة الانقسام الداخلي: أو كما تصفه السلطة:" إنهاء الانقلاب على الشرعية الفلسطينية". هل يوجد حوار أم لا يوجد؟ ما هي قواعد هذا الحوار إذا وجد وما هي غاياته؟ وهل من أجل الحوار يجب أن نطير من مكة الى صنعاء الى دمشق الى القاهرة؟ بماذا يختلف هذا الحوار عن حوار الطرشان؟ وهل من المعقول أن يؤدي مثل هذا الحوار الى نتائج إيجابية ما دام يقوده ويحدد أجندته رجل المخابرات عمر سليمان؟ يدعو محمود عباس للحوار عندما يشعر بخيبة أمل من صديقه أولمرت ومن وعوده العرقوبية. وذلك لكي يستعمل الحوار كورقة ضغط للحصول على بعض التسهيلات من سلطات الاحتلال يلوح بها لمؤيديه. بينما تدعو حماس للحوار كلما زاد الضغط الاوروبي والعربي عليها. مثل هذا الحوار اصبح يثير الغثيان عند غالبية الشعب الفلسطيني. الحوار الوحيد الذي ينبغي أن يلتف حوله الفلسطينيون بغض النظر عن إنتماءاتهم التنظيمية هو كيفية مواجهة ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
ثانيا): التهدئة: أصبح الكلام عن التهدئة بالنسبة لحركة حماس مثل الكلام عن المفاوضات بالنسبة للسلطة. فالكلام حول التهدئة أصبح مثيرا للإشمئزاز لا يقل عبثية عن الكلام حول المفاوضات. في الضفة الغربية تقوم اسرائيل يوميا بتوسيع الاستيطان وتهويد القدس وبناء الجدار العازل وهدم البيوت والاجتياحات المتكررة للمكان الذي تريده، وبعد هذا كله تنادي للمفاوضات. حيث يبتلع المسؤولون الفلسطينيون هذا الطعم ويطفون على شبر من الماء ويدخلون في مفاوضات لا بداية لها ولا نهاية. أما في قطاع غزة، فهم يقصفون ويدمرون ويغتالون وفي الوقت نفسه يتكلمون عن التهدئة. وكالعادة نسير وراء سراب الوعود الاسرائيلية. ونتحول من ضحايا الى مجرمين في أعين العالم. هل تنسجم المقاومة مع التهدئة؟
ثالثا: يجب على حماس أن تحسم موقفها: هل هي مع اتفاقيات اوسلو أم ضدها؟ لا يمكن أن تمسك الحبل من الطرفين، ولا تستطيع أن تأكل من الكعكة وتبقيها سالمة في الوقت نفسه. إن المواقف المتناقضة لا يمكن أن تنطلي على الجميع والى الابد، بل هي من حيث طبيعتها قصيرة الامد. لا يمكن أن تعارض الاتفاقيات التفريطية وفي الوقت نفسه تنخرط بها. لا يمكن أن تعارض السلطة المنبثقة عن هذه الاتفاثيات وتنخرط بها حتى النخاع. ما الفرق بين التسويات المطروحة وبين التهدئة طويلة الامد التي تتكلم عنها حماس. ومن حقنا أن نتساءل: اليس الصراع بين فتح وحماس هو في نهاية المطاف على سلطة أوسلو؟
في الامور المبدئية المصيرية لا يوجد حل وسط. وينبغي قيادة النضال الى نهايته الحتمية، الى التحرير الكامل والشامل. لقد أثبت الشعب الفلسطيني بالرغم من إمكانياته المحدودة والمتواضعة أنه لا حدود لصموده ولا حدود لتضحياته. المطلوب هنا من القيادة أن تكون على مستوى هذا الصمود. وأن تكون قادرة على تصحيح مسارها.

Wednesday, June 11, 2008

عودة الى شعار: الدولة الديمقراطية العلمانية

20-عودة الى شعار: الدولة الديموقراطية العلمانية
بمناسبة مؤتمر حيفا 21 /6/2008

في الاسبوع القادم سوف يعقد في حيفا وبمبادرة حركة ابناء البلد ومشاركة جهات أخرى مؤتمر:" حول حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين". كنت قد كتبت مقالة نقدية عن هذ المؤتمر تناولت فيها الشعار الذي اصبح موضة رائجة في صالونات بعض الاكاديميين والناشطين، بعنوان: "الدولة الديموقراطية العلمانية- برنامج نضالي أم شكل جديد لتسوية تصفوية" وقد توصلت الى نتيجة انها تسوية تصفوية أكثر من كونها برنامج نضالي. وقد سردت الاسباب التي حسب رأيي تؤكد هذا الاستنتاج. غير أن مقالة صحفية قصيرة لم تكن كافية لتناول كافة جوانب شعار "الدولة الديموقراطية العلمانية" وقد وعدت بالعودة لهذا الموضوع قبل انعقاد المؤتمر لتوضيح بعد النقاط التي غابت عن المقال الاول.
لمن فاته قراءة المقال الاول قلت هناك بإختصار أن المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون خليطا غريبا من الناحية الفكرية والسياسية فمنهم من يتكلم عن دولة "ثنائية القومية" ومنهم من يتكلم عن "دولة لجميع مواطنيها" ومنهم من يتكلم عن دولة واحدة في فلسطين التاريخية من خلال القفز عن الواقع الذي فرضه الكيان الصهيوني في فلسطين على مدى 60 سنة من الاحتلال. وزعمت أن جميع المنادين بهذا الحل بالرغم من خلافاتهم الظاهرية يتفقون على تغييب طبيعة التحرير الثوري للنضال ضد الكولونيالية لصهيونية الحاكمة.
في هذه المقالة أود العودة الى المصطلحات الثلاثة التي يتكون منها هذا الشعار: دولة – ديموقراطية – علمانية محاولا إعادة تعريفها خصوصا واننا نستعملها بطريقة خاطئة وإما بطريقة مغرضة كل حسب نواياه وإما بدون وعي لما تعنيه هذه المصطلحات. وفي جميع الحالات النتيجة واحدة: بلبلة وعدم وضوح في الرؤيا وبالتالي الانزلاق الى متاهات الانتهازية والتفريط.
الدولة:
من افلاطون وارسطو مرورا بالفارابي وابن خلدون وجان جاك روسو وهوبس ولوك الى ماركس وانجلز ولينين وباقي الفلاسفة الاجتماعيين والسياسيين تنوعت تعريفات الدولة وإختلفت فيما بينها إختلافا كبيرا. ليس هنا المكان الملائم للخوض في هذه التعريفات وفي هذه الخلافات. ولكن بما أن حركة ابناء البلد، وأنا ايضا، نتبنى التعريف الماركسي – اللينيني للدولة بالرغم من كافة التحريفات التي طالت هذا التعريف من الذين يتبنون الماركسية اللينينية انفسهم ومن غيرهم ومن كافة أشكال سوء الفهم له فلا غرابة أن ننطلق من هذا المفهوم.
المفهوم الماركسي للدولة الذي يرتكز على الفهم المادي لتطور التاريخ البشري يقول بإختصار: بما أن المجتمع البشري هو مجتمع طبقي في جوهره ويتطور من خلال الصراع الطبقي فالدولة هي هيئة، جهاز للسيادة الطبقية، هي نتاج المجتمع عند وصوله الى درجة من تطوره وتورطه في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله. أي أن الدولة هي اداة للسيطرة والقمع في ايدي الطبقة او الطبقات السائدة وليست "عقد" أو "اتفاق" طوعي بين مركبات المجتمع لترتيب الامور الحياتية كما يروج علم الاجتماع البرجوازي. الدولة هي جهاز قمعي متكامل يمتلك الجيش المحترف والشرطة والسجون والبيروقراطية الادارية والسياسية ولكنه ايضا لكي يقوم بمهمته على افضل وجه يقوم بإفراز ايديولوجية سلطوية سائدة وقمع للايديولوجيات المناوئة، ومن اجل ذلك يقف ظاهريا فوق المجتمع وكأنه منفصل عنه هدفه تلطيف الصدام بين الطبقات المتناقضة في إطار المحافظة على النظام. هذه الخاصية تخدع العديد من الجماهير المسحوقة التي تتوهم أن الدولة هي لجميع المواطنين على قدم المساواة وليس للطقات السائدة. في هذا العصر وصلت الدولة الى ذروة تطورها إلا أن جوهرها لم يتغير. فهي ما زالت جهازا للقمع في يد الطبقة البرجوازية المسيطرة في معظم بلدان العالم.
التغيير الاجتماعي الثوري في بلد ما يحتم القضاء على جهاز الدولة التي أنشأته الطبقة السائدة. حتى الآن كانت الطبقات الثائرة تحافظ على هذا الجهاز في اعقاب الاستيلاء على الحكم أو تستعيض عنه بجهاز مشابه سرعان ما يتحول هو الاخر الى أداة سيطرة وقمع. ومن هنا جاءت الفكرة الماركسية التي تقول: أن القضاء على المجتمع الطبقي سوف يؤدي بالضروة الى الغاء الدولة. في هذه النقطة بالذات، مبدأ الغاء الدولة كدولة، تلتقي الماركسية مع الفوضوية. الخلاف فيما بينهما تمركز حول نقطتين اساسيتين: الاولى، من هي الجهة المهيئة تاريخيا بالقيام بهذه المهمة؟ الماركسية قالت البروليتاريا الثورية هي الطبقة الوحيدة القادرة على ذلك، بينما أنكرت الفوضوية ذلك وركزت على العمل الفردي. النقطة الثانية: رأى ماركس أن القضاء على المجتمع الطبقي ومن ثم الغاء الدولة لن يتم مباشرة بل سوف تكون هناك فترة إنتقالية يكون شكل الحكم فيها "ديكتاتورية البروليتاريا الثورية" بينما طالب الفوضويون إلغاء الدولة مباشرة. وقد شن ماركس هجوما عنيفا على الفوضويين وخصوصا أتباع لاسال الاشتراكي الذي نادى برفع شعار "الدولة الحرة" لأن هذا المصطلح يحتوي على تناقض داخلي، فالدولة في طبيعتها لا يمكن أن تكون حرة.
مهما كانت النظرية جميلة ومنطقية وخلاقة الا أنه فقط من خلال الممارسة العملية ممكن ان تثبت صحتها او عدمها. ليس سرا أن تطور المجتمع البشري في القرنين الاخيرين، وعلى ضوء الثورات العديدة منذ الثورة الفرنسية الكبرى مرورا بكومونة باريس وثورة اكتوبر في روسيا وحتى الثورات في الصين وكوبا وفيتنام وغيرها من البلدان قد أبرزت فجوة ساحقة بين النظرية والممارسة. مما يحتم إعادة النظر في النظرية وفي الممارسة على حد سواء.
لنعود الى حالتنا هنا، ولنطرح السؤال التالي: ما هي طبيعة "الدولة الديموقراطية العلمانية" التي نتكلم عنها؟ هل هي دولة طبقية؟ وما هي الطبقة او الطبقات السائدة؟ هل ستكون شكلا من "ديكتاتورية البروليتارية الثورية"؟ اذا كان الامر كذلك فلماذا لا نسمي الاشياء باسمائها؟ وهل هذه الدولة تعني القضاء على جهاز سلطة الدولة الذي أنشأته الحركة الصهيونية والتي تسمى اسرائيل؟ أم الحفاظ عليه بعد ترميمه وتحويله سلميا الى هيئة لسيادة الطبقية الجديدة؟ مما لا شك فيه أن معظم الذين ينادون بالدولة الديموقراطية العلمانية الآن يتبنون المفهوم البرجوازي الليبرالي للدولة خصوصا عندما يقرنونها بالدموقراطية.
أنا شخصيا أتبنى الفكرة التي تقول أن الدولة، كل دولة، هي جهاز للقمع يجب مبدئيا القضاء عليه. وإذا كان لا بد من "دولة" جديدة من أجل القضاء على الدولة البائدة، فلا بد أن تكون هذه الدولة "ديكتاتورية ثورية" في أيدي البروليتاريا والطبقات المسحوقة بشرط ألا تكتفي بالقضاء على الدولة البائدة بل تعمل في الوقت نفسه على الغاء نفسها ايضا.

الديموقراطية:
لعل هذا المصطلح من أكثر المصطلحات الذي نال نصيبه من حيث التحريف والتشويه والترويج حتى اصبح أكبر كذبة في العصر الحديث. فقد أحتلت بريطانيا معظم العالم ونهبته تحت شعار الديموقراطية. وقامت الولايات المتحدة الامريكية بشن الحروب البشعة في كوريا وفيتنام وافغانستان والعراق وغيرها بحجة نشر الديموقراطية أو الدفاع عنها. بينما تمارس اسرائيل جرائمها ضد الشعب الفلسطيني وضد الانسانية متلفعة بقناع الديموقراطية.
لنعود قليلا الى الجذور. هذه الكلمة اليونانية الاصل تعني حرفيا حكم الشعب. وهذا يقودنا الى مصطلحين جديدين تعريفهما بحد ذاته يشكل قضية فلسفية من الدرجة الاولى. ما هو الحكم؟ ومتى يكون الحكم ضروريا وعادلا؟ وما هو تعريف الشعب؟ حسب رأيي يحتوي المصطلح نفسه تناقضا مستعصيا. هل يستطيع الشعب أن يحكم؟ ويحكم من؟ هل يحكم غيره أم يحكم نفسه؟ فأذا كان الاول هو الجواب الصحيح (يحكم غيره) فكيف يكون ديموقراطيا؟ واذا كان الثاني (يحكم نفسه) هو الجواب الصحيح، فما هي ضرورة لذلك؟ تعريف الشعب عند اليونان كان يستثني النساء وهم نصف الشعب. وكان يستثني العبيد وهم أكثر من ضعف الشعب. أثينا القديمة التي تعتبر منبع الديموقراطية لم تكتف بإقصاء النساء والعبيد عن الحكم بل قامت أيضا بشن الغارات والحروب على جيرانها واحتلت بلدانهم. ولا ننسى أن هذه الديموقراطية اعدمت اول شهيد سياسي الا وهو الفيلسوف سقراط. إذن، "الديموقراطية" هي شكل من أشكل الحكم وقد يدعي البعض انها بالرغم من جميع مساوئها هي أفضل شكل. ولكن من يرفض الحكم أصلا لا يستطيع أن يقبل شكل من أشكاله. الديموقراطية في شكلها الحديث، البرجوازي الليبرالي، هي من أسوأ اشكال الحكم. وكما وصفها ماركس: الديموقراطية البرجوازية هي أن تمنح المسحوقين الحرية كل بضع سنوات أن يختاروا من يسحقهم ويستغلهم.
هل يوجد هناك ثمة ديموقراطية أخرى غير الديموقراطية البرجوازية؟ يجيب اليساريون العرب: نعم هناك الديموقراطية الشعبية. وعندما تسألهم: أين توجد هذه الديموقراطية؟ يبحثون عنها في اروقة الكي جي بي والستازي. علينا أن نتحرر من سحر هذه الكلمة المخادعة ونكف حتى عن استعمالها. أنا شخصيا أقترح استعمال كلمة "التحررية" في كل مكان تظهر به كلمة "الديموقراطية".
التحررية تعني اللاسلطة، تعني اللاحكم. تمزج بشكل خلاق بين الحرية الفردية والادارة الجماعية للمجتمع القائمة على الوعي الثوري ونبذ الاستعباد والاستغلال مهما كان شكله.
ماذا يقصد رفاقنا عندما يطالبون بدولة ديموقراطية؟ انتخابات للكنيست الصهيوني مرة كل 4 أعوام؟ لكي تقوم هذه بسن القوانين العنصرية "ديموقراطيا" لقمعنا؟ أم إحتلالنا إحتلالا متنورا يحصد أجسادنا بالاسلحة الحديثة؟ إذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل هي النموذج الارقى للديموقراطية، فأقول لهذه الديموقراطية: لا شكرا فأنا لا ديموقراطي.

العلمانية:
هذا المصطلح هو الآخر نال نصيبه من الاختلاف والتشويه والتزوير. وأنا هنا لست بصدد تعريف جديد لهذا المصطلح. تعدد التعريفات في هذه الحالة ليس بالضرورة سلبيا بل على العكس من ذلك تماما إذ يغني محتواه ومضمونه. العلمانية تعني من ضمن ما تعنيه فصل الدين عن الدولة في السياسة. ولكنها تعني في الوقت نفسه حرية المعتقدات والتدين. يستطيع كل إنسان أن يكون متدينا بالطريقة التي تقنعه في حياته الخاصة وأن يكون علمانيا في حياته العامة. الحل الفلسفي للتناقض بين الدين والعلمانية يكمن في جعل هذا التناقض مستحيلا. الدولة العلمانية يجب الا تشجع أية معتقدات دينية وفي الوقت ذاته ألا تمنع أية معتقدات دينية. الدين هو قناعة ذاتية بحت وعلى الانسان أن يملك حرية أن يكون متدينا بالدين الذي يختاره بمحض إرادته أو أن يكون ملحدا. الدولة، مهما كانت، لا تملك حق التدخل في هذا المجال. الدولة العلمانية لا تعني ملاحقة النساء المحجبات ومنعهن من دخول الجامعات أو المؤسسات العامة كما هو الأمر في تركيا وفرنسا مثلا. تماما كما لا يحق للدولة ملاحقة غير الملتزمين بالصوم أو راحة يوم السبت مثلا. على العكس من ذلك تماما: على الدولة العلمانية ان توفر الحماية للمرأة المحجبة كما عليها أن توفر الحماية لمن لا يصوم ولمن يقود سيارته يوم السبت. العلمانية في نهاية المطاف هي مبدأ انساني.
وأخيرا، لنعود الى مؤتمر "حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" المزمع عقده في حيفا قريبا. وأقول: ما دمنا نخشى الخوض في أعماق المفاهيم التي نرددها يوميا فلن يتمخض عن هذا المؤتمر سوى الشعارات الرنانة الجوفاء. وما دام المنادون بهذا الشعار يدفنون رؤوسهم بالرمل ويدعون أن أحدا لا يراهم فلن يكون هذا المؤتمر أكثر من ذر الغبار في العيون. يجب أن نقولها بصراحة أية دولة نريد وأية دولة نرفض، والى اية ديموقراطية نصبو وبأية علمانية نطالب.

Tuesday, June 10, 2008

جادلهم بالتي هي أحسن يا شيخ


في عدد الاسبوع الماضي من جريدة العنوان الرئيسي (6-6-2008) نشر الرفيق الشيخ عبد الحكيم مفيد مقالا إحتفاليا هجوميا بالانتصار الذي حققته الحركة الاسلامية في جامعة تل ابيب. وأنا اصر على تسميته ب"الرفيق الشيخ" ليس من باب التهكم لا سمح الله بل من باب التحبب، إذ قبل أن يغير قناعاته وينتقل الى المعسكر الآخر كان رفيقا. صحيح كان رفيقا في حركة ابناء البلد وليس في الجبهة الديموقراطية ولكنه في مقاله المذكور لا يوفر احد، فكل من خارج الحركة الاسلامية فهو مستهدف.
للوهلة الاولى يبدو غريبا أن أحشو انفي في هذه المسألة. فأنا كما هو معروف غير منتمي لأي حزب أو تنظيم كان، ولم أعد طالبا جامعيا، مع أني أب لطالبتين جامعيتين نشيطتين. غير أن هذا المقال اعادني الى ذكريات كاد الزمن أن يطمسها عندما كنت طالبا في الجامعة وكنت نشيطا على طريقتي الخاصة (خارج لجنة الطلاب العرب التي يبدو انها لم تتغير كثيرا منذ ربع قرن).
خلاصة المقال المذكور، أن الحركة الاسلامية تمتلك مشروعا بينما باقي التنظيمات، حتى ولو كان لديها مشروع، فمشروعها هو الانتخابات بحد ذاتها. اي أن الانتخابات بالنسبة للحركة الاسلامية هي وسيلة لتحقيق هدف سام. ومن هذا المنطلق فإن الارقام مع اهميتها ليست الاساس. بينما بالنسبة للآخرين قالانتخابات هي الهدف. ولكن في خضم حماسه من نتائج الانتخابات فقد نسي أن يخبرنا ما هو هذا المشروع ؟ اللهم سوى بعض العبارات الروتينية مثل: "التيار الاسلامي شيء طبيعي للغاية في حياة الناس وهو جزء من فطرتهم، اصيلا وليس دخيلا". أو "التيار الاسلامي يعيد ترتيب علاقة الناس بالدين في معظم مجالات الحياة". الخ. ولكن يا شيخ من قال لك أن التيارات الاخرى ليست طبيعية للغاية وليست جزءا من فطرة الناس الذين يؤمنون بها؟ ومن يقول أن التيارات الاخرى لا تعيد ترتيب علاقة الناس، ربما ليس بالدين ولكن في مجالات الحياة الاخرى؟.
يصل مقال عبدالحكيم ذروة تجنيه في العنوان الذي إختاره له وكأن "اصوليات" "وأصوليو" الحركة الاسلامية الذين حققوا الفوز في الانتخابات قد بنو المجد بينما يرتع الخاسرون في "حضيض بوهيميا تل أبيب". مثل هذه الالفاظ لا تليق بك يا شيخ. لا أريد هنا أن اردد مثلنا الممجوج الذي يقول:"إختلاف الراي لا يفسد للود قضية". إذ في كثير من الاحيان وعندما يكون الاختلاف مبدئيا قد يفسد أمور كثيرة. ولكن نصيحة، من شخص غير متدين، أن تضع نصب عينيك في نقاشاتك ومجادلاتك الآية القرآنية المذكورة أعلاه: "وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل 124). فما الفرق بين من يصفونك بالظلامية والتخلف والانغلاق وما الى ذلك من هذه المصطلحات وبين أن تصفهم بالدخلاء والسقوط بالحضيض؟ الشتائم هي الشتائم يا رفيقي ليس عندما تسمعها فقط بل عندما تقولها أيضا.
لنعد الى لجنة الطلاب العرب والى دورها، ولنتطرق قليلا الى دور طلابنا الجامعيين في المجتمع. وأرجو الا أظلم أحد في انتقادي القاسي هذا.
أنا ازعم بكل بساطة وصراحة أن الاحزاب السياسية العربية الفاعلة على الساحة من غير استثناء قد جلبت كافة سلبياتها والصقتها بهذه اللجنة التي تسمي نفسها مجازا "لجنة الطلاب العرب". فكما تكاد هذه الاحزاب لا تتذكر المواطن العادي إلا في ايام الانتخابات كذلك لا تتذكر هذه اللجنة والقوائم التي تؤلفها الطالب العادي إلا في يوم الانتخابات. وكما تثرثر هذه الاحزاب طول الوقت عن خدمتها للجماهير ودفاعها المتفاني عن حقوقها تقوم لجان الطلاب بالثرثرة عن الدفاع عن حقوق الطلاب. ولكن كما تعلم الثرثرة عمرها ما انتزعت حقوق ولا دافعت عنها. الشيء الوحيد الذي كانت لجنة الطلاب تنجح في تنظيمه (قبل حوالي ربع قرن، هل يوجد الآن اي تغيير؟!!) هو حفلة "يوم الطالب" السنوية.
,اكاد أجزم، وقد يكون هناك بعض الاستثناءات، أن الطلاب النشطاء باللجنة، المتفرغين، الكوادر، هم من الطلاب الفاشلين تعليميا والذين يقضون معظم أوقاتهم يتسكعون في الكافيتيريا او ينبطحون على العشب او يحتلون المقاعد في بعض الاروقة الاستراتيجية. وبدل أن ينهوا دراستهم للقب الاول في ثلاث سنوات ينهونها في ست سنوات او يغادرون الجامعة من غير ان ينهوا دراستهم. وفي كثير من الحالات يكونون ممولين من الحزب الام.
يشن عبدالحكيم هجوما كاسحا على الجبهة في شخص صديق سابق له هو المحامي وليد الفاهوم لمشاركته في "التآمر" على طلاب الحركة الاسلامية في الجامعات، وقرر أن يتخلى عن هذه الصداقة بعد أن اكتشف هذا التآمر. ولكن يا شيخ الا تفعل الحركة الاسلامية الشيء نفسه؟ وماذا تردعلى الطلاب الذين يتهمون طلاب الحركة الاسلامية بانهم يتلقون الاوامر من الشيخ كمال أو غيره من قادة الحركة الاسلامية؟ وماذا يفعل أعضاء الكنيست من حزب التجمع في اروقة الجامعة يوم الانتخابات؟ لقد آن الاوان أن يرفع هؤلاء السياسيون الفاشلون ايديهم عن الجامعات وعن طلاب الجامعات. الا يكفيهم ما يسببونه من أضرار خارج الجامعات.
القضية يا شيخ ليست أن يصل التيار الاسلامي (او اي تيار آخر) الى الصدارة أو يستلم الصدارة في هذه الجامعة او تلك. السؤال الذي يجب أن يطرح: ماذا تعمل عندما تستلم الصدارة؟ وبماذا تختلف عن الذين وصلوا للصدارة من قبلك؟ وما هي الطرق التي اوصلتك الى هذه الصدارة أصلا.
هل أظلم أحدا عندما اقول أن الطلاب الجامعيين النشيطين سياسيا (ولا اقول الواعين سياسيا) عندما يعودون الى مدنهم او قراهم يندمجون في مجتمعهم العائلي او الطائفي الضيق او يهتمون بمصالحهم الشخصية ولا يساهمون بمثقال ذرة في خدمة مجتمعهم ورفع مكانته؟
فوز الحركة الاسلامية في انتخابات جامعة تل ابيب ومن قبلها في جامعة حيفا والقدس الذي يتكلم عنه عبد الحكيم ويري به فاتحة لتيار جارف ليس سوى انتصارا وهميا. إذ أن معظم الطلاب غير مبالين وغير مهتمين لا بالانتخابات ولا باللجنة المنبثقة عن هذه الانتخابات (30% من الطلاب فقط شاركوا في الانتخابات).
على عكس عبدالحكيم مفيد الذي تخلى عن صديقه وليد الفاهوم لإختلافهما بالرأي فأنا لا أتخلى عن صداقتهما بالرغم من إختلافي معهما. علينا يا مشايخ ويا رفاق أن نتدرب على التعايش بالرغم من الاختلاف.
من الحري بطلابنا الجامعيين أن ينجحوا اولا وقبل كل شيء في تحصيلهم العلمي وأن يساهموا عند عودتهم الى مدنهم وقراهم في خدمة مجتمعهم ودفعه الى الامام. وهذا لا يتناقض مع التزامهم بقضايا شعبهم اثناء دراستهم ودفاعهم عن حقوقهم.
هذه ليست دعوة للإنفضاض من حول لجان الطلاب العرب في الجامعات ولكنها بالتأكيد دعوة لإعادة بناء هذه اللجان على اسس سليمة خالية من سلبيات أحزابنا السياسية.

Wednesday, June 04, 2008

ما وراء المفاوضات السورية - الاسرائيلية



هل نحن أمام نسخة جديدة من المفاوضات العبثية الاسرائيلية - السورية، على غرار المفاوضات العبثية الاسرائيلية -الفلسطينية؟ وإذا كانت امريكا تملك 90% من اوراق حل قضايا المنطقة فكم تملك تركيا؟ وما هو الفرق الجوهري بين خيار السلام الاسترانيجي الذي إختاره النظام السوري وبين خيار السلام الاستراتيجي الذي إختارته السلطة الفلسطينية؟ هذه الاسئلة والعديد غيرها تجول في الاذهان عند سماع الغزل الراهن بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية.
في الواقع هذا النوع من الغزل بين سوريا واسرائيل ليس جديدا، فقد بدأ بعد حرب تشرين عام 1973 مباشرة في مفاوضات فك الارتباط تحت رعاية وزير الخارجية الامريكي آنذاك هنري كيسنجر والتي تمخضت عن اتفاقية الفصل بين القوات وانسحاب الجيش الاسرائيلي من القنيطرة، ومن ثم محادثات مؤتمر جنيف التي لم تتمخض عن أية نتائج بسبب تعنت الطرف الاسرائيلي ورفضه الانسحاب من هضبة الجولان المحتلة تطبيقا لقراري مجلي الامن 242 و 338 . بينما استمر السادات في المفاوضات التي انتهت بمعاهدة كامب ديفيد. عاد هذا الغزل ليظهر من جديد في أعقاب حرب الخليج الاولى التي شارك فيها النظام السوري الى جانب امريكا وحلفائها فيما يسمى حرب "تحرير الكويت" وذلك في مؤتمر مدريد. مرة أخرى لم يسفر هذا الغزل عن إقامة علاقات عاطفية بين الطرفين ومرة أخرى بسبب التعنت الاسرائيلي. الا ان الغزل بين الطرفين لم يتوقف حيث استمر تحت رعاية الرئيس كلينتون في منتصف سنوات التسعينات حيث لوحت وسائل الاعلام السورية بحصول نوع من التقدم فيما يسمى "وديعة رابين" تروج للمزاعم التي تدعي بتعهد يتسحاق رابين بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967. ووصل هذا الغزل ذروته في نهاية سنوات التسعين عندما كان الطرفان اقرب ما يكونا الى التوقيع على اتفاقية سلام لولا تراجع ايهود براك في اللحظة الاخيرة عن "وديعة رابين".
خلال هذه الفترة كانت الحدود السورية الاسرائيلية الاكثر هدوءا وامنا بالنسبة لاسرائيل.
إذن ما هو الجديد في المفاوضات الراهنة؟ هل هي الوساطة التركية؟ من السذاجة التفكير بأن تركيا تقوم بواستطها بشكل مستقل، فهي في هذا الدور تنوب عن الطرف الامريكي وتتحرك حسب توجيهاته وتعليماته. وذلك لحساسية الدور الامريكي عند شعوب المنطقة، وكأن تركيا كدولة اسلامية لها علاقات جيدة مع كافة اطراف النزاع تصلح أكثر لتلعب دور الوسيط الموضوعي. وفي الوقت نفسه تفوز تركيا برضى الغرب مما يحسن صورتها في الغرب ويزيد من إمكانية قبولها في الاتحاد الاوروبي.
بالطبع سوريا هي الاخرى لها دوافعها الخاصة وأهمها درء الضغوطات الامريكية والاوروبية عنها ومحاولة فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها وتحاشي إمكانية التعرض لضربة عسكرية اسرائيلية – أمريكية. وخصوصا وأن الوضع الداخلي للنظام السوري ليس على احسن ما يرام.
أما دوافع الحكومة الاسرائيلية للإعلان عن هذه المفاوضات في هذا الوقت بالذات هي الاخرى واضحة ولا تخفى على أحد. فقد جاءت أولا وقبل كل شيء لإنقاذ الحكومة الاسرائلية من خطر السقوط السريع في أعقاب فضائح الفساد التي تلاحق رئيس الحكومة أولمرت. ولكن هذا ليس السبب الوحيد، وحسب رايي ليس السبب الرئيسي. السبب الرئيسي هو تحييد سوريا وضمها الى معسكر المعتدلين العرب إستعدادا لحرب إنتقامية ضد المقاومة اللبنانية. حتى لو سقطت الحكومة الاسرائيلية الراهنة، فلن تقبل اية حكومة الهزيمة العسكرية التي منيت بها قبل سنتين في لبنان. وكل رئيس حكومة اسرائيلي قادم سوف يحاول الانتقام لهذه الهزيمة، خصوصا اذا كان رئيس الحكومة القادم هو ايهود براك أو بيبي نتانياهو. تحييد سوريا ضروري أيضا في حالة شن حرب على ايران. وكما نرى فإن الحكومة الاسرائيلية تشن حربا تحريضية على مستوى عالمي لتوجيه ضربة قاضية على ايران. ولن يهدأ لها بال حتى تحقق هدفها هذا تماما كما فعلت في التحريض على شن الحرب ضد العراق.
الخلاصة هي أن هدف هذا المفاوضات ليس التوصل الى سلام عادل وشامل في المنطقة، بل هدفها إعادة الترتيبات والتحالفات لشن الحرب القادمة. والا كيف نفهم هذه المفاوضات في ظل الخروقات المتكررة للطيران الاسرائيلي لحرمة الاجواء السورية؟ كيف نفهم تحليقها فوق القصر الرئاسي في اللاذقية؟ وقصف الموقع الذي تدعي بكونه قاعدة نووية؟
تستطيع سوريا في كل مرة تتعرض له للإستفزاز او العدوان الاسرائيلي أن تصرح بأنها " تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن نفسها في الوقت المناسب" ومن الطرف الآخر يستطيع أولمرت أن يصرح بأن " تحقيق السلام مع سوريا يتطلب تنازلات مؤلمة".
نعم، لقد حضرنا هذه المسرحية من قبل مرات عديدة حتى حفظنا كامل فصولها عن ظهر قلب. فلا سوريا تستعمل حقها بالدفاع عن النفس ولا تقوم اسرائيل بتنازلات "مؤلمة". الكيان الصهيوني والنظام السوري يتسابقان مع الزمن تشبثا باللبقاء غير أن الزمن يقهقه ساخرا ولا مباليا بمصيرهما.

Wednesday, May 28, 2008

نكبة اللغة العربية



نكبة فلسطين التي أحيت جماهير شعبنا ذكراها ال60 لم تقتصر على الارض والانسان، بل طالت أحد العناصر الاساسية للهوية القومية للفلسطينيين الباقين على ارضهم ألا وهي اللغة العربية. لقد عادت نكبة اللغة العربية لتحتل العناويين الرئيسية مؤخرا في أعقاب إقتراح عضوة الكنيست عن حزب الليكود ووزيرة المعارف سابقا، ليمور ليفنات لقانون يلغي مكانة اللغة العربية كلغة رسمية اساسية ويثبت اللغة العبرية كلغة رسمية اساسية وحيدة، وفي أعقاب ردرود الفعل المتشنجة من قبل أعضاء الكنيست العرب وبعض المثقفين على هذا الاقتراح.
أولا وقبل كل شيء، لا يشرف اللغة العربية أبدا أن تكون لغة رسمية في دولة عنصرية هي المسؤولة الاولى عن نكبة الشعب الفلسطيني. ولا يشرفنا نحن، الناطقون بهذه اللغة العريقة، أن تكون لغتنا رسمية في مثل هذا الكيان العنصري.
مشكلتنا ليست عضوة الكنيست ليفنات ومن على شاكلتها من أعضاء عنصريين تنضح بهم الكنيست، بل مشكلتنا الحقيقية تقبع في داخلنا نحن، الناطقين بهذه اللغة. لنسأل أعضاء الكنيست العرب الاشاوس بمن فيهم الوزير العربي والذين يتسابقون "للدفاع" عن اللغة العربية: ما دامت اللغة العربية، على مدار 60 سنة، كانت لغة رسمية، فكم خطابا القيتموه من على منصة الكنيست باللغة العربية؟ وكم التماسا قدمتموه بهذه اللغة؟
قبل أن تطالبوا بجعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة لماذا لا تجعلوها لغتكم الرسمية أولا؟ ولمعلوماتكم فقط، عندما تذكرون بلجيكا كمثال على دولة بها لغتان رسميتان، هل تعلمون أن أعضاء البرلمان من الفلمنك يلقون خطاباتهم باللغة الفلمنكية ومن لا يجيد هذه اللغة من الناطقين بالفرنسية فهذه مشكلته؟.
إلا أن نكبة اللغة العربية في هذه البلاد أعمق من ذلك بكثير، وهي تتعدى المتأسرلين على كافة انواعهم وأشكالهم وتكاد تخييم على كافة تصرفاتنا وتفكيرنا. وهذه بعض الامثلة على نكبة اللغة العربية في هذه البلاد:
سرت بالشارع الرئيسي في مدينة سخنين. نظرت يمينا وشمالا الى المحلات التجارية من مطاعم ومقاهي وحوانيت مختلفة وحتى مكاتب اطباء، وكلاء تأمين، ومحامين فوجدت أن لغة الدعايات المكتوبة على اليافطات بالخط العريض الذي يؤذي العيون هي اللغة العبرية، اما اللغة العربية فإما أت تكون معدومة تماما واما انها تظهر بخط رفيع هامشي وكأن صاحبها يخجل من إبرازها. حتى المجمع التجاري الجديد الذي لم يفتح ابوابه بعد فقد وضع واجهته لافتة عملاقة باللغة العبرية "سخنين مول" ولا يوجد أي ذكر للغة العربية. اتابع المسير عرابة البطوف واشاهد الواقع المرير نفسه: يافطات ضخمة، على اليمين وعلى الشمال باللغة العبرية، بالرغم من أن جميع أصحاب هذه المصالح عرب ومعظم زبائنهم عرب. مدننا وقرانا العربية الاخرى لا تختلف في هذا المجال، من حيث المبدأ، عن سخنين وعرابة. هل يوجد وضع أتعس من ذلك؟
مثال آخر: دخلت أحد اقسام البلدية وكان الموظف بصدد كتابة رسالة داخلية الى مدير قسم آخر. سألني عن معنى كلمة باللغة العبرية فأجبته، ومن ثم سالته: لماذا تكتب باللغة العبرية رسالة داخلية الى زميل لك باللغة العبرية؟ فأجابني: هذه هي الاوامر، إذ أن جميع مراسلاتنا باللغة العبرية.
إذا كنا عاجزين عن جعل اللغة العربية لغتنا الرسمية في بلدياتنا وفي مجالسنا المحلية فبإية عين يمكننا أن نطالب الآخرين بأن تكون كذلك؟
لا أريد أن اتكلم عن ظواهر تشويه اللغة العربية بكلمات ماخوذة من اللغة العبرية في حياتنا اليومية، حتى اصبح المثقف منا قبل غير المثقف عاجزا عن إجراء محادثة عادية بسيطة بلغة عربية سليمة. هذه الظاهرة معروفة لنا جميعا، نتكلم عنها كثيرا ونكتب عنها في الصحف ومع ذلك فإنها تتفاقم اكثر فأكثر. ناهيك الى اننا نصدرها الى البلدان المجاورة حتى أصبحنا نعرف في الاردن ومصر من خلال استعمالنا للعربية يشوبها الكثير من المفردات الغريبة القادمة من العبرية.
لنعود الى اقتراح قانون السيدة ليفنات. بالرغم من دوافعها العنصرية ومن نواياها السيئة، فلن يعود قانونها هذا إذا ما قبل الا بالفائدة وبالخير على اللغة العربية. يجب أن نعمل كل ما في وسعنا لكي نحافظ على استقلالية اللغة العربية وفصلها عن المؤسسات الرسمية لهذه الدولة. علينا أن نعمل أكثر من المستحيل لكي نجعل اللغة العربية لغتنا الرسمية الوحيدة، في حياتنا اليومية، في حديثنا وتفكيرنا وأحلامنا. علينا أن نعمل المستحيل وأكثر من المستحيل لكي نحافظ على هذه اللغة وعلى نقائها من خلال التعليم والثقافة والفن. لأنها في ظروفنا الراهنة هي الضمان الوحيد للحفاظ على هويتنا القومية.

Wednesday, May 21, 2008

بؤس المؤتمر القومي العربي



تحت شعار:"العمل العربي المشترك- التحديات والآفاق" عقد المؤتمر القومي العربي في العاصمة اليمنية صنعاء دورته التاسعة عشرة. وفي جلسته الاولى أنتخب "المفكر العربي" عضو الكنيست السابق عزمي بشارة بالاجماع رئيسا لهذه الدورة. بعد 4 أيام من النقاشات والخطابات والجلسات تمخض المؤتمر عن بيان أو نداء للأمة تناول بها القضايا المصيرية التي تواجه الامة العربية وخصوصا في فلسطين ولبنان والعراق.
وقد عقد هذا المؤتمر في ذكرى مناسبتين ذات بعد قومي وهي الذكرى الثامنة عشرة لقيام "الوحدة اليمنية" التي يعتبرها المؤتمر " الانجاز الوطني القومي البارز" والذكرى الستين لنكبة فلسطين.
وكما يعرف المؤتمر القومي العربي نفسه فهو " جهة مستقلة لا ينحاز لنظام ضد آخرولا لطرف دون ثان يضم قادة الفكر والرأي من مختلف الدول العربية" وبالرغم من انه عقد دورته الاولى عام 1990 في تونس الا انه يعتبر نفسه امتدادا طبيعيا للمؤتمر العربي الاول الذي عقد في باريس عام 1913 والذي يعتبره الكثيرون بداية التحرك العربي القومي الحديث.
من هذه المعلومات الاولية عن المؤتمر، المقتبسة عن موقعه الرسمي في الشبكة العنكبوتية ومن خلال تقييم أعمال الدورة الاخيرة نلمس وبوضوح أن تخلف الامة العربية لا يقتصر على انظمتها وعلى ملوكها ورؤسائها بل يشمل أيضا تلك المؤسسات التي تدعي رفع راية النهضة العربية والكلام بإسم الامة العربية من خلال حمل الاسماء الضخمة التي تتمخض عادة عن عمل تافه لا يتعدى اصدار بيان تتناوله وسائل الاعلام لفترة وجيزة ثم يغرق في بحر من النسيان.
يهدف المؤتمر القومي العربي، حسب قول القيمين عليه الى:" المساهمة في شحذ الوعي العربي بغايات الامة العربية العليا عن طريق إتخاذ واعلان مواقف فكرية رصينة وملتزمة سياسيا تجاه اوضاع الامة وغاياتها مما يساعد على تعبئة الطاقات الشعبيةمن اجل تحقيق هذه الغايات، وتوثيق روابط التعاون والتنسيق مع الهيئات المماثلة في اهدافها ومبادئها".
نظرة خاطفة الى اعضاء المؤتمر تبين أن معظم "قادة الفكر والراي" هم وزراء سابقون في بلدانهم ومنهم مدراء في المخابرات او موظفون في الانظمة العربية القائمة وشخصيات عديدة لا ناقة لها ولا جمل لا في الفكر القومي ولا في العمل القومي. يكفي أن نذكر هنا أن المؤتمر عقد جلساته في نادي ضباط الشرطة في صنعاء. في الوقت الذي تقوم به هذه الشرطة بقمع كل صوت معارض للسياسة التي يقودها الرئيس اليمني علي عبدالله الصالح المؤيدة للغرب. ومن هذا المنطلق جاء توجيه الشكر لليمن حكومة وشعبا على إستضافة المؤتمر ووصف "الوحدة اليمنية" بالانجاز القومي البارز مع انه لم يكن سوى احتلال والحاق اليمن الجنوبي بعد تصفية النظام الاكثر قومية هناك وجر اليمن "الموحد" للتحالف مع أمريكا.
أما انتخاب "المفكر العربي" عضو الكنيست السابق الدكتور عزمي بشارة رئيسا لهذه الدورة وبالاجماع فهو قصة في حد ذاته. عزمي بشارة يقود اليوم ما يسميه" تجديد القومية العربية" وملخص مشروعه التجديدي هو جعل القومية العربية قومية واقعية ذات بعد ليبرالي على الطريقة الغربية. فالقومية العربية قبل مجيء المفكر عزمي بشارة كانت بالاساس قومية عدمية ذات ملامح استبدادية وجاء هو لينزلها الى ارض الواقع ويضخ بها الروح الديموقراطية. وهذا يعني من ضمن ما يعنيه القبول بالكيان الصهيوني كحقيقة واقعة في فلسطين وجل ما يمكن فعله في هذا المجال هو تحويل دولة اسرائيل الى دولة كل مواطنيها من خلال اقامة دولة ثنائية القومية. عزمي بشارة الذي اقسم يمين الولاء في الكنيست الاسرائيلي اربعة مرات ورشح نفسه يوما لرئاسة حكومتها يعين اليوم رئيسا بالاجماع لدورة المؤتمر وهذا بحد ذاته مؤشر الى أن الحركة القومية العربية مستعدة لضم دولة اسرائيل الى أحضانها. فقط بهذه الطريقة تعبر القومية العربية على انها اصبحت واقعية. لذلك ليس من الغريب أن يتباكى البيان الختامي للمؤتمر على الوضع الماساوي في غزة ويطالب برفع الحصار الظالم عنها، ولكنه يتجاهل الكلام عن ضرورة تحرير جزء لا يتجزء من جسد الامة العربية يرزح تحت احتلال استيطاني منذ 60 سنة.
من خلال تعينه رئيسا للدورة الاخيرة فرض عزمي بشارة رؤيته التجديدية للقومية العربية والتي يحاول أن يطبقها هنا على ارض الواقع من خلال الشعار الاساسي لحزبه: "هوية قومية ومواطنة كاملة". وهذا يعني تشويه وتقزيم الهوية لكي يتم استيعابها في اطار المواطنة الكاملة. كما يقول المثل الصيني: "قص القدم لكي تتلاءم مع الحذاء". وانا لا الوم سكرتير عام حزب التجمع الوطني الديموقراطين عوض عبد الفتاح إذ يطير فرحا بهذا التعيين في المقالة التي نشرها بعنوان: "عزمي بشارة من الغيتو الى الوطن العربي"
السؤال الذي يطرح نفسه هنا وينتظر اجابة صريحة وجريئة هو: هل قام هذا الغيتو بتصدير عزمي بشارة للوطن العربي من اجل تحديثه؟

Tuesday, May 20, 2008

هل أصبحت الخيانة وجهة نظر؟



عندما كنت صغيرا كنت مولعا بمشاهدة افلام رعاة البقر الامريكية، هذه الافلام الرديئة التي تصور بطولة المستعمرين البيض مقابل همجية الهنود الحمر. في ذلك الوقت لم أكن ادرك البعد السياسي لهذه الافلام الهابطة. كنت كغيري من الشباب مشدودا الى صورة البطل الذي يطلق النار من مسدسه بسرعة ويصيب دائما الرجل الشرير. ما زال عالقا في ذهني قصة احد هذه الافلام: زعيم عصابة من قطاع الطرق يقرر ان يسطو مع عصابته على بنك مركزي في أحدى البلدات سمع انه يحتوي على كميات كبيرة من سبائك الذهب. عندما هاجم البنك، نزل الى السراديب بحثا عن الذهب، أخذ يكسر الاقفال الحديدية ويفتح الابواب الواحد تلو الآخر. وكم كانت مفاجأته كبيرة عندما لم يجد اثرا للذهب وبدل ذلك كانت السراديب مكتظة بالمساجين حيث حولت الحكومة من حيث لا يعلم البنك الى سجن زجت به مئات المتمردين. وهكذا من غير قصد يطلق سراحهم. وتبدأ الشرطة والجيش بمطاردة العصابة التي انضم اليها بعض المتمردين المحررين، ويضطر رئيس العصابة مواجهة الشرطة والجيش لكي ينقذ نفسه وعصابته. وهكذا وجد نفسه بين ليلة وضحاها بطلا قوميا ثوريا.
اسرد هذه المقدمة لأبين ان السلطة الغبية المتعنتة في كل مكان قد تزود بعض الناس بقناع من الوطنية المزيفة وتفرض عليهم رغم انوفهم صورة بعيدة كل البعد عن حقيقتهم. دولة اسرائيل هي احدى هذه السلطات الغبية المتعنتة. ومن شدة غبائها (وقد يقول البعض بل من شدة ذكائها) ومن شدة عنصريتها تضفي حتى على بعض المتعاونين صفة الوطنية التي هي بريئة منهم كل البراءة.
خذوا مثلا موقف وسائل الاعلام العربية التي كالت في الفترة الاخيرة المديح للوزير العربي في الحكومة، وزير التعليم والثقافة والرياضة، غالب مجادلة على موقفه وانتقاده لتصرفات جمهور فريق بيتار القدس ومطالبته بمعاقبة هذا الفريق، وكيف تعرض للإهانة أثناء توزيع الميداليات للاعبين بعد فوزهم بكأس الدولة. للوهلة الاولى يبدو وكأن وسائل الاعلام هذه قد نسيت أو تناست أنه وزير في حكومة عنصرية ترتكب المجازر اليومية في حق الشعب الفلسطيني، وكأنه أصبح يمثل المسحوقين من الطرف الآخر. ولكن الوزير قد ابتلع هذه الاهانات وإستمر في تأدية دوره.
وهناك العديد من زعامتنا "الوطنية" من أعضاء كنيست عرب الى رؤساء مجالس محلية ومؤسسات "وطنية" يقومون هم الآخرين بتأدية دورهم على أحسن وجه. فالمؤسسات الحكومية الرسمية تعاملهم بإستعلاء وعجرفة وعنصرية مما يغطيهم بعباءة الوطنية ويضفي عليهم صبغة المعارضين المبدئيين لهذه الحكومة ولسياستها وتقوم الجماهير بمنحهم الدعم والتاييد. ولكنهم في نهاية المطاف يبتلعون هم الآخرين الاهانات المستمرة والمتكررة يصححون مسارهم ويمشون بالركب مع التيار.
الاسلوب نفسه تستعمله إسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وبصورة أعنف وأقسى وليس فقط إتجاه من تسميهم إرهابيين ومتطرفين بل ايضا مع المعتدلين والمتعاونين. فهي تعامل هؤلاء بصلافة وأحتقار وتذلهم بمناسبة ومن غير مناسبة، حيث تقتحم المكان الذي تريده متى تشاء ولو كان هذا المكان وراء شرفة رئيس السلطة الفلسطينية، وتحتجز الوزير على الحواجز كما تحتجز المواطن العادي. هذا الامر يبقي بعض القناع الوطني على وجوه أعتى المتعاونين مع الاحتلال. ودائما يجدون من يدافعون عنهم: كلنا نرزح تحت نير الاحتلال، ما في أحد افضل من أحد.
ولكن في اليوم التالي يبتلع هؤلاء هم أيضا الاهانات المتكررة ويلتقون مع المحتلين للمزيد من التنسيق الامني والترتيبات ، او لمزيد من المفاوضات الفريدة من نوعها.
نعم، اسرائيل تساهم مساهمة فعالة من حيث تدري ام لا تدري، بغباء أو عن خبث في خلق الزعامة الفلسطينية على الصعيدين المحلي والقطري. وهي في الحقيقة تفضل الزعامات التي تحتج على الاذلال والاهانات وتكتسب بعض التأييد والمصداقية من قبل الجماهير ولكنها تعود في نهاية المطاف وتسير مع التيار على الزعامات المتعاونة بشكل مباشر ومكشوف ولكنها تعود وتتقبل الاهانات بخنوع حتى تظن البصاق رذاذا او قطرات من الندى. وأنا هنا أخاطر بالقول، وأترك لكل واحد من القراء أن يقرر اذا كان في كلامي بعض الصحة أم لا: أن أعضاء الكنيست العرب المنتمين للأحزاب العربية يخدمون، في نهاية المطاف، السياسة العامة للدولة افضل بما لا يقاس من زملائهم المنتمين للأحزاب الصهيونية. وأن الفلسطينيين الذين يتبؤون مراكزا قيادية في السلطة ويؤمنون أن اسرائيل سوف تقدم لهم سلام الشجعان اذا ما ثابروا على المفاوضات الابدية يخدمون الاحتلال بما لا يقاس افضل من المتعاونين المكشوفين.
نعم، ما كنا نخشاه قد اصبح واقعا، لقد اصبحت الخيانة وجهة نظر، بل أكثر من ذلك أصبحت عند البعض وسام شرف.

Wednesday, May 14, 2008

الدولة الديموقراطية العلمانية- برنامج نضالي أم شكل جديد لتسوية تصفوية؟


كميات هائلة من المداد سكبت في الآونة الاخيرة على الاوراق تطرح وتنظر وتدعو الى إقامة "دولة ديموقراطية علمانية" كحل للصراع الفلسطيني (العربي) الاسرائيلي، كبديل لحل "الدولتين لشعبين" ذلك الحل "السهل الممتنع" الذي تتبناه منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل (اتفاقيات اوسلو) والدول العربية ( مبادرة السلام العربية) والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي أو ما يسمى بإختصار المجتمع الدولي، والذي وصل الى طريق مسدود حتى بإعتراف جهات مركزية من المطالبين به. هذا بالاضافة للمؤتمرات واللقاءات والنقاشات التي تكاد لا تحصى والمنتشرة في شتى أنحاء العالم.
ينضم الى هذه الجوقة الغريبة العجيبة في تركيبها وطرحها رفاقنا في حركة أبناء اللبلد الذين يستعدون لأن يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع في مؤتمر حيفا "لأجل حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" والمزمع عقده في 20-21 حزيران 2008.
وبذلك تتسع صفوف المنادين بهذا الحل وتتنوع مشاربهم الفكرية والتنظيمية. فهي تشمل الآن حركات سياسية، جمعيات مدنية، شخصيات أكاديمية مستقلة وغير مستقلة، حتى اصبح شعار "الدولة الديموقراطية العلمانية" وخلال فترة وجيزة يفوق شعار "الدولتين لشعبين" من حيث الابتذال والقولبة.
وبما انني كنت في فترة من الفترات من بين الذين نادوا بمثل هذا الحل، وبعدما أدركت هذا الكم الهائل من التحريف والانتهازية على الصعيدين النظري والعملي، ارى من الواجب أن اقوم بنقد ذاتي من جهة ونقد أولي للافكار المطروحة في هذا السياق.
كما ذكرت سابقا، هذه الجوقة غريبة في تركيبتها غير متجانسة في طرحها ولكنها تتفق على خطوط عامة توحدها وحسب رأيي هذه الخطوط العامة هي الحاسمة بينما الاختلافات شكلية، ثانوية وهامشية.
في نهاية السنة الماضية عقد في لندن مؤتمر نظمته مجموعة من الاسرائليين والفلسطينيين تطلق على نفسها "مجموعة لندن للدولة الواحدة" (The London One State group) تحت إسم "تحدي الحدود: ولة واحدة في إسرائيل/فلسطين" حاز على نوع من الترويج شارك فيه عدد من الاكاديميين العرب واليهود والاجانب اذكر منهم مدير مركز مدى الكرمل نديم روحانا، مدير مركز ابن خلدون أسعد غانم، المؤرخ إلان بابي ونور مصالحة بالاضافة الى عمر برغوثي وغادة كرمي وآخرون. أصدر هذا المؤتمر في نهاية أعماله بيانا بمناسبة 60 عاما على قرار التقسيم، يقول فيه: "أن حل الدولتين قد فشل لإحقاق العدالة والسلام للشعبين الفلسطيني واليهودي الاسرائيلي لأنه يتجاهل الواقع ولا يقدم حلا لجميع المشاكل"، الخ. ويدعو الى اقامة دولة واحدة على أساس أن فلسطين التاريخية هي ملك لكل من يعيش فيها والاعتراف بشخصية المجتمع التعددية بالاضافة الى الشعارات المعروفة حول حق العودة والمساواة الخ. ومن يقرأ هذا الاعلان كاملا يلمس روح "الدولة ثنائية القومية" التي يروج لها روحانا وغانم ( وثيقة حيفا على سبيل المثال).
متشجعة من نجاح هذا المؤتمر، تحضر المجموعة نفسها لمؤتمر جديد يعقد في احدى الجامعات الانجليزية الشهر القادم، مرة أخرى بمشاركة الان بابي ونور مصالحة وغادة كرمي وسمدار لافي.
هذه المجموعة ليست الوحيدة الناشطة في هذا المجال بل يوجد هناك مجموعات أخرى عديدة. ما يهمنا هنا تلك المعدودة على اليسار الفلسطيني والتي تعتبر نفسها بشكل أو بآخر امتدادا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أذكر منها: أجراس العودة، ناطرينكم، وبعض الناشطين الفلسطينيين مثل أحمد قطامش وعادل سمارة. هؤلاء طبعا (بصفتهم أكثر راديكالية) لا يتكلمون عن دولة ثنائية القومية على غرار روحانا- غانم ولا عن دولة لكل مواطنيها على غرار "المفكر القومي" عزمي بشارة بل عن دولة ديموقراطية علمانية "صرف" في فلسطين التاريخية. ولكن نظرة أخرى على أطروحات هذه المجموعة تشير الى عدم وجود فوارق جوهرية مع الباقين. وهنا أكتفي بذكر ثلاثة ملاحظات انتقادية حول هذه الاطروحات:
1) تغييب طبيعة الكيان الصهيوني الكولونيالية العنصرية: بالرغم من الاعتراف بتاريخه الكولونيالي، الا انه كما يبدو، مع الوقت نال نوعا من الشرعية، حيث أصبح يمثل شعبا يعيش في هذه البلاد، وكأن المطلوب هو تحويل الدولة القائمة، بقدرة قادر، حتى تصبح دولة ديموقراطية علمانية بالفعل.
2) تغييب حقيقة أن فلسطين واقعة منذ 60 عاما تحت الاحتلال، وبالتالي تغييب مفهوم التحرير. حيث ان التحرير يجب أن يكون في صلب البرنامج الوطني لكل شعب يرزح تحت نير الاحتلال الاجنبي. وكل كلام حول حل ديموقراطي أو علماني بمعزل عن الحل الثوري التحرري لن يكون سوى شكل آخر من أشكال التفريط. من الواضح أن الكلام المبالغ فيه من جهة والمجرد من جهة أخرى عن الديموقراطية والعلمانية جاء ليغطي على الانسحاب من مشروع تحرير فلسطين كاملة من الاحتلال الكولونيالي.
3) ما عدا الشعار الكلامي " دولة ديموقراطية علمانية" لا يوجد اي اشارة الى جوهر هذه الدولة المقترحة من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هل هذه الدولة ستكون رأسمالية أم إشتراكية؟ وما علاقتها بمحيطها العربي؟ وما هو موقفها ودورها في الصراع الدائر على الصعيد العالمي، هل ستكون حيادية أم معادية للإمبريالية؟
حسب ما قرأته من افكار صادرة عن هذه المجموعات تستطيع إسرائيل وبكل سهولة أن تدعي انها دولة ديموقراطية علمانية. وكما قال أحد الصحفيين الاسرائيليين معلقا على مؤتمر لندن:"أن المطالبة بدولة واحدة تعيد الى الاذهان فكرة "اسرائيل الكبرى" التي تخلى عنها اليمين الصهيوني مؤخرا بعد أن عجز عن تحقيقها".
قبل أن نطرح شعار " دولة ديموقراطية علمانية" يجب إعادة تعريف هذه المصطلحات الثلاثة. ما هي الدولة؟ وهل يوجد أصلا ضرورة لوجودها؟ وهل ينبغي أن تكون على رأس سلم اولوياتنا؟ ما هي الديموقراطية؟ وعن اية ديموقراطية نتحدث؟ وماذا نعني بالعلمانية؟ هل هي علمانية أتاتورك؟ أم علمانية شيراك وسراكوزي؟ سوف أتناول الاجابة عن هذه الاسئلة المفصلية مستقبلا وبكل جرأة وصراحة.
قبل الانزلاق الى متاهات الانتهازية والتفريط التي لا رجعة منها، أنصح الجميع من ذوي النوايا الحسنة الى دراسة افكارهم مرة أخرى وإعادة النظر بخطواتهم.


مثلث المقاومة غزة - بيروت - بغداد ينتصر على المشروع الامريكي - الصهيوني



أحداث بيروت الاخيرة تعيد الى أذهاننا بقوة ما حدث في قطاع غزة في حزيران الماضي. خلال ساعات قليلة استطاعت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله تطهير بيروت ومناطق أخرى من لبنان من عناصر المرتزقة التي رعتها الولايات المتحدة واسرائيل منذ سنوات وقامت بإعدادها لكي تستطيع القيام بدورها في خدمة المشروع الامريكي – الاسرائيلي في المنطقة.
لم تكن قوات جنبلاط – الحريري في لبنان بإحسن حالا من قوات دحلان – عباس في غزة. هذه القوات هزمت بسهولة فاجأت حتى الذين راهنوا عليها، ليس فقط بسبب فساد قيادتها وإنعدام الدافع الوطني الحقيقي في نشاطها، بل في الاساس لأن الجماهير الشعبية الفلسطينية واللبنانية ترفض وتمقت المشاريع الامريكية والاسرائيلية وهي مستعدة لتقديم التضحيات الجسيمة في محاربتها حتى دحرها نهائيا.
هذا الواقع تعرفه المخابرات الامريكية والاسرائيلية نفسها، وطالما حذرت قياداتها منه. هذا الواقع الذي يقول: إذا اردت لأحد الزعماء أن يفلس سياسيا ووطنيا ويلقى به عاجلا ام آجلا الى مزبلة التاريخ، يكفي أن تعلن أمريكا واسرائيل عن دعمها له.
هذا ما صرح به مؤخرا الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الاسرائيلية، اهارون زئيفي عندما قال: "لقد نصحنا المخابرات الامريكية عدم الاعتماد على جنبلاط- الحريري – جعجع لأننا جربناهم في تموز 2006 ولم يتبين أن لديهم الجرأة أو القدرة على مواجهة حزب الله، الآن خرج كل عملاء المخابرات من بيروت وضاعت جهود دولية وعربية استمرت 3 سنوات من العمل". وهذا يعيد الى اذهاننا توسلات الاشخاص الذين يحيطون بمحمود عباس مطالبين اسرائيل بالكف عن التصريحات التي تشير الى دعمه لأنها تعود عليه بالضرر. وكذلك تحذيرات العديدين من الاسرائليين لحكومتهم بألا تصرح علنا عن دعمها للسلطة الفلسطينية ولحكومة فياض اللاشرعية.
ستون عاما، هي تاريخ النكبة الفلسطينية، كانت كافية لشعوب المنطقة لأن تعرف السياسة الامريكية- الاسرائيلية على حقيقتها. لا يعد بالامكان خداع هذه الشعوب بالكلام المعسول عن الديموقراطية والسلام. وحتى ليس بصرف ملايين الدولارات على بعض المنتفعين.
اننا امام مثلث من المقاومة تمتد أضلاعه بين غزة وبيروت وبغداد بينما تشكل قاعدته الجماهير الغفيرة من الشعوب العربية من المحيط الى الخليج. هذا المثلث يقول لأمريكا بكل بساطة إن ما تسمينه "الحرب على الارهاب العالمي" هو نفسه الارهاب، هو حرب إمبريالية مكشوفة هدفها استعباد الشعوب ونهب خيراتها وحماية ربيبتها اسرائيل. لم يعد هناك أحد في العالم يتمتع بقليل من الموضوعية والنزاهة يصدق الكلام حول نشر الديموقراطية والسعي وراء السلام ومساعدة الشعوب الفقيرة وغيرها من الخدع.
من أجل إحكام سيطرتها على العراق قامت أمريكا بتدمير هذا البلد العربي ذي التاريخ والحضارة العريقتين وإحتلاله. ولم تكتف بذلك، بل قامت بتأجيج الصراعات العرقية والطائفية لتمزيق الشعب العراقي من الداخل وأستفردت ببعض العملاء وقلدتهم مناصب حكم وهمية. الا أن المقاومة العراقية الباسلة تلقن هؤلاء المحتلين وعملائهم دروسا لا يمكن نسيانها كل يوم وتزجرهم في منطقة ضيقة من بغداد حيث يعيشون في رعب دائم. لم تعد مسألة دحر هؤلاء المحتلين وترحيلهم عن العراق سوى مسألة وقت ليس إلا.
الامر نفسه يحاولون صنعه في لبنان حيث يعملون كل ما يستطيعونه لتفجير فتنة طائفية ويصورون الصراع وكأنه بين طائفة شيعية مدعومة من سوريا وأيران وبين طائفة سنية مهددة بالقتل. وتقوم بعض الانظمة العربية الرجعية وابواق دعايتها بالترويج لهذه الفرية الامريكية. غير أن الجميع يعرف أن الصراع في لبنان سياسي. في لبنان وكما في فلسطين الصراع بين تيارين متناقضين: تيار المقاومة الرافض للهيمنة الامريكية – الاسرائلية على المنطقة وتيار الخضوع لهذه الهيمنة.
قبل حوالي السنة حاولوا أن يلعبوا اللعبة نفسها في قطاع غزة. ولكن بما أن الشعب الفلسطيني ينتمي للطائفة السنية من حيث الاساس والكلام عن صراع شيعي سني غير وارد في هذه الحالة فقد استعاضوا عنها بالكلام عن الصراع بين حركات اسلامية ظلامية متطرفة مدعومة من ايران مقابل معتدلين علمانيين ومتنورين يجنحون الى السلام.
الاكاذيب وتزييف الحقائق لا تغير من الواقع شيئا. هذا الواقع الذي يؤكد أن المحور الامريكي – الاسرائيلي يتلقى الهزائم المتتالية، أمريكا تفقد مواقعها في العراق اسرائيل ما زالت تلعق هزيمتها في لبنان وفشلها في غزة. هذا الواقع يؤكد ايضا أن المقاومة تنتشر ويشتد عودها في كل مكان وتحظى بإلتفاف جماهيري حولها.
الشعوب تتوق للحرية والاستقلال ولن توقفها جيوش الاحتلال والاستعمار مهما كانت مدججة بالسلاح.

Friday, May 09, 2008

الفرسان الثلاثة والسباق نحو الهاوية



من منا لم يقرأ رواية الفرسان الثلاثة الشهيرة للكاتب الفرنسي الكبير الكسندر دوما الاب؟ أو لم ير أحد الافلام أو المسلسلات او افلام الصور المتحركة المأخوذة عن هذه القصة المملوءة بالمغامرات الشائقة البطولية والعاطفية والمكائد السياسية؟ من لم يتمتع بمغامرات دارتانيان وأراميس وبورتس؟
يبدو أن لكل عصر فرسانه. حيث لا يتغير الفرسان فحسب بل تتغير معهم ايضا أخلاقهم وقيمهم ومغامراتهم، فليس من الغريب أن تصبح الفضيلة رذيلة وتتحول المغامرة العاطفية الى دعارة وتصبح المواقف النبيلة مرتعا للأنذال يمارسون فيه مؤامراتهم على اهوائهم. ولكن ما العمل؟ نستمر في تسميتهم فرسانا وناتبع مغامراتهم، ولكن في هذه الايام على القنوات الفضائية وعلى الشبكة العنكبوتية.
فرسان هذا العصر الثلاثة الذين يلعبون الدور الرئيسي في منطقتنا هم من غير منازع: جورج بوش الابن، ايهود اولمرت ومحمود عباس.
الفارس الاول، جورج بوش ملأ العالم بمغمراته الشائقة، حيث تكاد يده الطويلة أن تصل الى كل زاوية في العالم . بحجة شن الحرب على الارهاب العالمي، جمع حوله بعض الفرسان المرتزقة الصغار وقام بإحتلال افغانستان عقابا للإرهابيين، ومن ثم إحتل ودمر لعراق، باحثا عن اسلحة الدمار الشامل ولكنه في الحقيقة باحثا عن الكنوز المدفونة في جوف هذا البلد العربي الاصيل. وفي الوقت نفسه يعبث في فلسطين ولبنان والصومال والسودان، وأصلا، اين لا؟ لو لم تكن مغامرات هذا الفارس مأساوية تكلف شعوب العالم ارواح الآلاف من أبنائها وتعيث دمارا وفسادا اينما حلت، لكانت مغامرات فكاهية ممتعة.
لا يوجد ضرورة هنا للتوسع في سرد مغامرات الفارس بوش الابن فهي معروفة للجميع. مغامرته الاخيرة سوف تكون زيارة منطقتنا قريبا ليشارك فارس آخر هو ايهود اولمرت افراحه في عيد استقلاله وربما ليشاركه ايضا اتراحه نتيجة مغامرته التي سنتكلم عنها بعد قليل. يكفي أن نذكر هنا أن مغامراته قد أزفت على الانتهاء. حيث سيغادر دوره في نهاية هذا العام ولا أظن أن أحدا سوف يشتاق اليه اللهم سوى زميلية في الفروسية. لقد ترك بوش الابن امريكا والعالم اسوأ مما كان عليه قبل مجيئه. فالحروبات التي شنها والنزاعات التي اثارها ما زالت مستشرية تحصد الضحايا في شتى انحاء العالم. بينما ترك الازمات الاقتصادية تعصف ببلاده وتهدد بانهيارها التام. حيث زاد المشردون الذين لا يملكون بيوتا تأويهم عددا وتفاقمت البطالة وتصاعدت الجريمة.

الفارس الظريف الثاني كما اسلفنا هو أيهود اولمرت، رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يخوض حاليا مغامرته الاخيرة والتي كما يتفق جميع المراقبين سوف تجيب اجله. وكما يقول مثلنا الشعبي: لا تسلم الجرة كل مرة. لقد نجا اولمرت حتى الآن من ستة او سبعة مغامرات فسادية وكان كل مرة يتخلص منها مثل الشعرة من العجين. ولسان حاله يقول: هكذا يكون الفارس أو عمره لا يكون. بل ونجا ايضا من أول هزيمة عسكرية تتكبدها اسرائيل في تاريخها. حيث أنقذته لجنة فينوجراد من نهاية تعيسة لم يحلم بها حتى في أحلام يقظته. بصفته فارس لبق وذكي تعلم ايضا كيف ينجو من مغامراته، فوجد طريقة سهلا جدا، وهي طريق الرشوات. والرشوات لمن لا يعرف، طريق ذات إتجاهين. خذ وهات. فهو لم يتلق الرشوات فحسب بل أعطاها ايضا. حيث اعطى المقربين اليه وظائف هامة، حتى انه أختار أعضاء الكنيست في حزبه بنفسه واختار الوزراء. فعندما يساعدوه في التملص من مغامراته هذه فهم يردون له بعض الجميل.
المغامرة القديمة الجديدة الاخيرة لم تأت من فراغ فهناك العديد من الذين يقفون له بالمرصاد وهم الذين سربوا الاخبار في هذا الوقت بالذات بالرغم من قرار منع النشر حول حيثيات هذه القضية. ايهود اولمرت هو الآخر يسير بخطى حثيثة نحو الهاوية، المسالة مسألة وقت ليس أكثر، ووقت ليس بطويل على كل حال. مثله مثل الفارس الاول هو ايضا ترك البلاد والعالم أسوأ مما كانا عليه قبل مجيئة. الجرائم التي اقترفها في فترة حكمه سوف تبقى وصمة عار على جبينه مدى التاريخ. هل سيشتاق اليه أحد؟
الفارس الثالث، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ذو الشخصية التراجيكوميدية. فهو من المفروض أن يمثل شعبا مظلوما مشردا سلبت اراضية ودمرت بيوته، ولكنه في الوقت نفسه يتوق الى معاشرة الفارسيين الآخرين ويشاركهما مغامراتهما. مغامرات عباس هي أيضا لو لم تكن مأساوية تستنزف الشعب الفلسطيني لكانت على غاية من الطرافة. قبل مجيئه الى "السلطة" وتسمى كذلك مجاز،ا كان شعار الفلسطيني: قاوم قاوم، فقام بتحويله الى: فاوض فاوض. مما لا شك فيه أن المفاوضات في السياسة امر مشروع وفي بعض الاحيان لا بد منه. ولكن مثل هذه المفاوضات لم أصادف لا في كتب التاريخ ولا في كتب السياسة. يفاوض من أجل وقف الاستيطان فيزداد الاستيطان انتشارا، يفاوض على وضع القدس فتزداد القدس تهويدا، يفاوض على تهدئة على الاقل في الضفة الغربية حيث ما زالت سلطته قائمة فيرد الفارس الثاني الذي يفاوضه بإجتياح نابلس او رام الله او الخليل. الجميع يعرف أن هذه المفاوضات عقيمة وعبثية ولكن فارسنا يؤمن بضرورة الاستمرار في المفاوضات في كل الحالات وتحت كل الظروف. المهزلة الاخيرة تقول بأنه لن يقابل "مؤقتا" أي زعيم يأتي الى اسرائيل لمشاركتها إحتفالها بالاستقلال، وهو نفسه يلتقي بالفارس الثاني أولمرت يوما قبل هذه الاحتفالات. وطبعا سوف يستثني بوش الذي سيحل ضيفا عليهما قريبا.
نعم سيجتمع الفرسان الثلاثة قريبا وربما يكون هذا هو اللقاء الاخير، وعلى الارجح سوف يخرجون الى العالم بالتصريح التالي: سوف نتوصل الى إتفاقية سلام في نهاية السنة عندما تنتهي فترة حكمنا. ولكنهم سوف ينسوا أن يقولوا انهم يقصدون إتفاقية سلام فيما بينهم عندما يتدحرجون نحو الهاوية.
علي زبيدات - سخنين