Wednesday, March 12, 2008

حول شعار الوحدة الوطنية


في سياق دفاعه عن النظرية الماركسية الثورية ومن خلال نضاله ضد التحريفيين على مختلف انواعهم ومشاربهم كتب لينين يقول:" لو أن البديهيات الهندسية كانت تصدم مصالح الناس لسعوا بكل تأكيد الى دحضها وتشويهها". فكم بالاحرى المبادئ السياسية الثورية والتقدمية التي من غير شك تصدم مصالح الكثيرين؟. ولعل أكثر مبدأ على الساحة الفلسطينية تعرض للتشويه هو شعار الوحدة الوطنية. لقد أصبح هذا الشعار جسرا يعبر فوقه الانتهازيون من كل حدب وصوب وأصبح قناعا يختبئ خلفه أعداء الوحدة وأعداء الوطنية.
لقد سمعت هذا الشعار يكرر بشدة خلال جنازة الحكيم جورج حبش، حيث هتف رفاق الجبهة الشعبية: "الحكيم وصانا وصية صونوا الوحدة الوطنية". هذا الشعار كما سبق وقلت هو شعار سليم لا يمكن أن تتخلى عنه اية حركة تحرير وطني ولكن.. قبل أن نهتف هذا الشعار يجب أن نعي تماما ماذا تعني الوحدة؟ وماذا تعني الوحدة الوطنية؟ هل الوحدة تعني فرض هيمنة طرف على طرف آخر؟ هل الوحدة تعني فقدان استقلالية أي تنظيم ناشط على الساحة النضالية وقبول التبعية؟ بالطبع لا. فقد كان نضال الحكيم ضد هيمنة طرف معين على منظمة التحرير الفلسطيني جزؤ لا يتجزأ من نضاله الوطني العام. وهل كان الحكيم يطرح شعار الوحدة الوطنية على أساس التفريط بالثوابت الوطنية؟ بالطبع لا، بل على العكس من ذلك تماما، كان شرطه للوحدة الوطنية هو التشبث بهذه الثوابت والدفاع عنها.
عاد هذا الشعار ليحتل مؤخرا مكانا مركزيا في نشاطتنا السياسية بعد الصراع الدامي الذي شهدته جهات معينة من فتح وحماس وحسم الوضع لصالح حماس في قطاع غزة. وأصبحنا نردد كالببغاوات:" يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس". وقد كان يمكن التغاضي عن ذلك ما دامت هذه الهتافات تصدر بحسن نية من قبل جماهير اثار سخطها التشرذم السائد والذي لا يفيد سوى إسرائيل التي تقصف وتغتال في غزة وتبني المستوطنات والجدار في الضفة وتقتل وقت الحاجة ايضا ولا يسلم من شرها أحد. ولكن عندما يتناول هذا الشعار سياسيون لكي يمرروا مفهومهم الخاص له تتغير النظرة تماما. مثلا عندما نشر الشيخ ابراهيم عبدالله في جميع وسائل الاعلام العربية مقالا تحت عنوان: "نعم هناك حل للأزمة الفلسطينية" وبه يحاول أن يلقي المسؤولية بالتساوي على الطرفين (فتح وحماس)، يقفز عن أسباب الصراع وجوهرة ويطالبهما بالعودة للوحدة وكأن الامر لا يعدو كونه أكثر من طوشة عمومية يمكن إحتواءه ببوس اللحى.
والمثال الآخر، ما قاله الشيخ هاشم عبد الرحمن رئيس بلدية أم الفحم التي استضافت المظاهرة القطرية ضد إجتياح غزة يوم الثلاثاء الماضي والذي هتف من على المنصة: "يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس" و "يا عباس ويا هنية وحدتنا وحدة قوية" وفسر كلامه لاحقا عندما قال: أن المقاومة لا تجدي بدون الوحدة وأن المفاوضات ايضا لا تجدي بدون الوحدة، وعلى المقاوم والمفاوض أن يتحدوا.
ولكن كيف يمكن يا شيخ أن يتحد المقاوم الذي يقدم الشهداء مع المفاوض الذي يقدم للعدو التنازلات المجانية عن الثوابت الوطنية؟ كيف يمكن أن تقاوم القوات الاسرائلية الغازية وتتحد مع الذين يقدمون لعدوانها التبريرات بل وأكثر من ذلك يساهمون بفرض الحصار ويلهثون وراء أوهام الحلول الامريكية – الاسرائيلية؟. هل يمكن أن نسمي مثل هذه الوحدة وحدة وطنية؟
مما لا شك فيه أن الوحدة الوطنية تطوي في أحشائها عنصر التنازلات المتبادلة. ولكن ألا ينبغي أن يكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها؟ لقد أصبح واضحا أمام كل مراقب قيام معسكرين متناقضين بل متناحرين الاول يضم أمريكا واسرائيل وحلفائهما من الانظمة العربية "المعتدلة" في المنطقة بما فيها رئاسة السلطة الفلسطينية ومعسكر المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية وجماهيرها الداعمة. وكلما تفاقمت الازمة كلما تسارعت عملية الفرز وإشتدت التناقضات . حتى أصبحت الوحدة بين طرفين أو أكثر متواجدين في كلا المعسكرين مستحيل أن تكون وحدة وطنية. إذ لا يعقل أن تسير في ركب الامبريالية الامريكية وتدعي مقاومة الامبريالية، لا يمكن أن تقدم التازلات عن الثوابت الوطنية لاسرائيل على طبق من ذهب وتدخل في عملية مفاوضات عبثية وعقيمة وتدعي مقاومة الاحتلال.
لا يمكن الاستخفاف بعقول الجماهير الى هذا الحد. كل فرد فينا، حتى اولئك البعيدين كل البعد عن النشاط الوطني المباشر والذين بنقصهم الوعي السياسي، يعرف ما هي سياسة اسرائيل الحقيقية. وهي لا تخفيها اصل، بل تعلنها بمناسبة ومن غير مناسبة وفي كافة وسائل الاعلام العبرية والعربية والعالمية انها لن تقبل في يوم من الايام عودة اللاجئين الفلسطينيين ولن تنهي الاحتلال ولن تقتلع المستوطنات. ولنسأل انفسنا سؤالا بسيطا: ماذا كانت نتائج المفاوضات طوال 15 سنة منذ توقيع اتفاقيات أوسلوا وحتى اليوم؟
نعم للوحدة الوطنية على اساس الثوابت الوطنية المتعارف عليها ولا للوحدة مع عملاء على شاكلة لحد وكرزاي. نعم لوحدة القوى التي تخوض النضال من أجل انتزاع الحقوق الوطنية المشروعة ولا للوحدة مع تيار التفريط والمساومة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 05, 2008

عارنا في غزة



إنتهت الجولة الاولى من الاجتياح الاسرائيلي الاخير لقطاع غزة. أسدل الستار مؤقتا من أجل التحضير للمشهد القادم من هذا المسلسل المستمر منذ اليوم الاول للاحتلال. لقد كانت مشاهد هذه الجولة عنيفة بإمتياز حيث ابدعت اسرائيل في إنتاج وإخراج وتنفيذ هذه المشاهد التي شدت أنظار العالم أجمع اليها. وقد أصاب نائب وزير الحرب الاسرائيلي، متان فلنائي، الذي يفتخر بعلاقاته الحميمة والمتشعبة بالوسط العربي بوصف هذه المشاهد: "انها المحرقة". وبهذه المناسبة لا بد من توجيه الشكر الى قناة الجزيرة التي أوصلت هذه الصور في جميع ارجاء العالم.
كان حصاد الجولة الاولى لهذا الاجتياح وفيرا للغاية، خلال خمسة ايام سقط 120 شهيدا معظمهم من المدنيين بينهم عدد كبير من الاطفال وحوالي 400 جريح بالاضافة الى عدد كبير من البيوت المدمرة. وهذه طبعا إحصائيات اولية إذ أن الفلسطينيين لم يحصوا جميع قتلاهم بعد ولا يعرف كم من الجرحى سوف يموتون موتا بطيئا بسبب نقص العلاج والادوية. على كل حال العدد لم يعد مهما لأحد. فقد أصبح دم الفلسطيني ارخص من الماء.
انتهت هذه الجولة وعلامات الرضى ظاهرة على وجوه معظم الاطراف المشاركة. فهذه اسرائيل، واحة الديموقراطية في المنطقة تقترف جرائمها الديموقراطية في وضح النهار، أمام بصر وسمع العالم الذي يقف مشاهدا منجذبا الى منظر الدماء، يتلذذ بآهات الألم الصاعدة من صدور الجرحى والعائلات الثكلى. بينما ينعقد مجلس الامن، الذي يمثل الشرعية الدولية لأدانة هذه الجرائم، ولكنه ينفض مبرئا المجرمين ومدينا للضحايا. هكذا يصرح الكوري القذر بان كي مون، الذي ما زال يراه بعض العرب حارسا للسلام والامن العالميين، بينما لا يعدو كونه أكثر من عميل صغير لأمريكا واسرائيل. ويضيف انه من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، بينما لا يحق للفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة الدفاع عن أنفسهم حتى وهم يتعرضون لعملية تطهير عرقي.
طرف آخر تبدو علامات الرضى عليه هو الطرف الامريكي. حيث سارعت وزيرة الخارجية الامريكية لزيارة اللاعبين الثلاثة، الذين قاموا بدور البطولة هذه الجولة لكي تطمئن على سير الامور وعلى مدى نجاح تنفيذ المشروع الامريكي. بدأت وزيرة الخارجية الامريكية زيارتها بمصر حيث هنأت النظام على إعادة اغلاق معبر رفح وعلى تهديده بكسر أرجل كل فلسطيني تسول له نفسه عبور الحدود مستقبلا ولخدمات أخرى عديدة. ثم عرجت الى زيارة رئيس السلطة الفلسطينية وهنأته على دوره الفذ في توفير التبرير اللازم لشن العدوان حيث القى المسؤولية على "الصورايخ العبثية التي تطلقها حماس على جنوب اسرائيل". وهمست في أذنه كلمة عتاب على تعليقه للمفاوضات مع اسرائيل ونصحته بإعادتها على جناح السرعة.
ولكن هذه الاطراف لم تكن هي الوحيدة التي عبرت عن إرتياحها ورضاها من انتهاء هذه الجولة. هناك الطرف الذي يهمنا نحن فلسطينيو الداخل مباشرة، وأعني زعامتنا المحلية ممثلة بلجنة المتابعة العليا على كافة مركباتها من أحزاب سياسية وجمعيات أهلية. والذين ما زالوا يربتون على أكتاف بعضهم البعض ويتنفسون الصعداء بعد المسيرة الضخمة يوم الثلاثاء في مدينة أم الفحم إحتجاجا على مجازر غزة. فقد حققت هذه المظاهرة إنجازات عديدة كان أولها رفع العتب عنهم وآخرها تنفيس الاحتقان المتراكم في صدور الجماهير.
غير أن هذه المظاهرة اكدت وبشكل قاطع أن هذه الزعامة لا يمكنها أن ترتقي الى مستوى الاحداث الجسيمة التي تعصف بالمنطقةا. ينطبق عليها المثل الشعبي القائل: "رايحين عالحج والناس راجعة". ما زلنا نذكر الماضي القريب، اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على لبنان، بعد حوالي ثلاثة اسابيع من هذه الحرب وبعد تدمير كافة الجسور والطرق وارتكاب المجازر، وبعد أن بدأ الحديث يتعالى حتى بين مؤيدي هذه الحرب عن ضرورة وقف اطلاق النار وإنهاء الحرب، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا. وهذا الامر يتكرر الان، بعد أن إرتكبت إسرائيل جرائمها التي صعقت العالم وأعلنت عن سحب قواتها، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا، أما في أوج العدوان فقد إكتفت جميع الاحزاب المنضوية تحت كنف لجنة المتابعة بتنظيم إحتججات هزيلة على المفارق كل واحد على حدة، لا تسمن ولا تغني من جوع. بينما كانت الجماهير تغلي من الداخل ولا تجد طريقة هادفة للتعبير عن سخطها. من المفروض، نظريا على الاقل، أن تقوم القيادة بتعبئة الجماهير وتنظيمها وقيادة نضالها بشكل هادف وواعي، ولكن الوضع هنا على العكس من ذلك تماما. فالقيادة تتحرك فقط تحت وطأة الضغط الجماهيري وتصب جل جهدها في كيفية إحكام قبضتها على التحرك الجماهيري ولجمها والحرص على عدم فقدان سيطرتها عليها، مستخدمة الشعارات الرنانة والخطابات النارية. إلا أن هذه الشعارات مهما علت وهذه الخطابات مهما التهبت فإنها أعجز من أن تخفي هذا الواقع. وليس صدفة أن الجماهير التي تكون على أتم الاستعداد للخروج في مسيرات جبارة باتت تمقت المقطع الاخير من هذه المسيرات المتمثل بالخطابات. ويبدو أن هذه الزعامة نفسها بدأت تشعر بذلك وتقوم بالاختصار منها.
قصف الاماكن المأهولة واستهداف المدنيين والأطفال من قبل القوات الاسرائيلية ليس من باب الصدفة وليس لأنه لا يوجد هناك آخر، وهو أكيد ليس خطأ عرضيا، بل هو سياسة مدروسة ومنظمة. سياسة تعبر عن النظرية العنصرية التي تتبناها المؤسسة الصهيونية والتي تقول: أن قتل المدنيين سوف يدق الاسفين بين المقاومة والجماهير، وسوف يؤدي الى تمرد الجماهير على المقاومة. غير أن الواقع يؤكد العكس من ذلك تماما، فكلما تصاعد إستهداف المدنيين والاطفال كلما أنضم إتسعت دائرة الملتحقين بالمقاومة. هذه النظرية العنصرية التي تقول ايضا: أن العرب لا يفهمون سوى لغة العنف والقوة. وإذا لم يفهموا بالعنف القوة فسوف يفهمون بمزيد من العنف ومزيد من القوة.
هذه النظرية ليست حصرا على إسرائيل فقد إستعملتها جميع القوى الاستعمارية والكولونيالية وجميعها منيت بالفشل وتبقى الحقيقة التي تقول: اينما يوجد إضطهاد توجد هناك مقاومة، سارية المفعول.

عريضة الربع مليون توقيع لا تساوي ربع شيكل



أولا عذرا على هذا العنوان الاستفزازي. ولكن هذه هي الحقيقة العارية. الحقيقة كما هي بدون لف أو دوران، بدون تجميل أو تزويق. أدخلونا ثماني سنوات في دوامة لجنة تحقيق رسمية ( لجنة أور) واليوم يريدون إدخالنا في دوامة أخرى قد تطول أكثر من ثماني سنوات تحت شعار: "لجنة تحقيق حيادية بمشاركة دولية". كل ذلك كي يغطوا على عجزهم وتخبطهم. الضمير الفاعل في هذه الافعال المذكورة ليس مجهولا بل يعود الى لجنة المتابعة بكافة تركيباتها ومؤسساتها والجمعيات التي تدور بفلكها من مؤسسة عدالة الى مركز مساواة الى جمعية اتجاه وابن خلدون وباقي الجمعيات التي تطبل وتزمر لهذه اللجنة الجديدة وتركض لجميع التواقيع من الناس. كفى كفى كفى
هل توجد هناك في العالم كله لجنة تحقيق حيادية؟ أين تصرف هذه؟ هل يملك أحدكم الجرأة ويقول للجماهير أن لجنة أور لم تكن حيادية؟ ولم تكلف نفسها عناء الكشف عن المجرمين؟ وإذا كنتم تعرفون مسبقا أن هذه هي النتيجة فلماذا اقمتم الدنيا ولم تقعدوها لتشكيل هذه اللجنة وسلمتم لها زمام الامور؟ ما زلتم تقولون: أن تقرير لجنة أور بالرغم من كل مساوئه فأنه يحتوي على جوانب ايجابية وعملتم المستحيل لإقناع جماهيرنا بقبول هذا التقرير السقيم الزائف وطالبتم بتنفيذ توصياته.
ما هي الجوانب الايجابية في تقرير لجنة أور؟ الاعتراف بالتمييز الذي تمارسه الحكومة في حق جماهيرنا؟ هذا هو ذر الرماد في العيون والضحك على الذقون. لا يوجد رئيس وزراء واحد ولا وزير واحد ولا حتى موظف بسيط لا يعترف بذلك. وماذا بعد؟ ماذا استفدنا من إعترافهم الكاذب والمزيف هذا؟ التمييز ليس جديدا ولا يمكن الغاءه بين ليلة وضحاها، أعطونا فرصة ونحن سوف نصلح هذا الغبن، ومؤقتا أعطونا أصواتكم، وتحلوا بالصبر واركنوا الى الراحة. هكذا يقولون لنا. وهذا بالضبط ما يقولونه الآن للمفاوض الفلسطيني: نحن نريد السلام، وسوف نقدم تنازلات مؤلمة ونريد أن نرى دولة فلسطينية مستقلة، ولكن مؤقتا حاربوا الارهابيين المتطرفين وتحلوا بالصبر. هل ما زال هناك عاقل تنطلي عليه هذه الاكاذيب؟
زعامتنا تطالب الآن بلجنة تحقيق حيادية!! من هم أعضاؤها؟ أشيروا الى شخص واحد حيادي في هذه البلاد ؟ يوجد هناك شيء اسمه موقف، شيء اسمه إنحياز، ولا يوجد هناك شيء آخر لا عندنا ولا عندهم. كلنا في نهاية المطاف منحازون، وأنا أعترف اني منحاز حتى النخاع الى جانب القضية الفلسطينية. وكل من يقول لي: أنا حيادي اقول له في وجههه وبلا خجل: أنت كاذب.
ومن هم المختصون الدوليون الذين تريدون مشاركتهم؟ هل هم من أمريكا أم من الدول الاوروبية؟ وبلادهم وربما قسم كبير منهم يساهمون في اقتراف الجرائم بحق شعبنا. هل هم تابعون للأمم المتحدة؟ وكلنا يرى الموقف المخزي لهذه المنظمة التي تدعي بأنها تجسد الشرعية الدولية بكل ما يتعلق بسياسة اسرائيل وامريكا الاجرامية. نعم، لا أخجل أن أقول أن على المختصين الدوليين الذبن يريدون المشاركة في كشف حقيقة الجرائم الاسرائيلية يجب أن يكونوا منحازين بالكامل الى جانب نضالات شعبنا العادلة. وإذا عرفوا انفسهم بأنهم حياديون، فلا، شكرا ليبقوا في بلدانهم.
الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والحزب الشيوعي الاسرائيلي تلقفا قرار لجنة المتابعة هذا بحماس منقطع النظير وكأنه هدية وقع من السماء، ولم ينسوا أن يضيفوا عليه جملتهم الخالدة: أهمية مشاركة القوى التقدمية اليهودية.... هل يوجد وراء الأكمة ما وراءها؟ تحركت الجبهات المحلية والقطرية لجمع ربع مليون توقيع، فكثرت الاجتماعات وزادت التصريحات والخطابات، فهذا يقول أن العريضة هي نضال شعبي وكفاحي وذاك يدعوا الرفاق الى التجند والتحرك لإنجاح هذا العمل الكفاحي، وذهبوا الى توفيق طوبي لكي يكون أول الموقعين وأكد على اهمية النضال من أجل الكشف عن المتورطين بالقتل وعن الذين أعطوا الاوامر. صح النوم يا رفيق؟ الا تعرف بعد من هم المتورطين بالقتل؟ اسأل عبد المنعم ابو صالح، والد أحد الشهداء، الذي هشم فك أحد هؤلاء المتورطين في عقر المحكمة العليا. وألا تعرف من الذي أعطى الاوامر؟ هل اذكرك؟ رئيس الحكومة ايهود براك الذي تعلم كيف يقتل اكثر وبطريقة افضل وحكومته ومنهم وزراء تعتبرون بعضهم على الاقل من القوى الديموقراطية اليهودية مثل يوسي بيلين، شلومو بن عامي، يوسي سريد، شمعون بيرس وآخرين.
من أجل الكشف عن المتورطين بالقتل وعن الذين أصدروا الاوامر لا يوجد هناك حاجة لإقامة لجنة تحقيق جديدة حيادية كانت أم غير حيادية بمشاركة مختصين دوليين أو محليين أو حتى بمشاركة غير مختصين. كل شيء مكشوف، يوجود هناك مئات من الشهادات المكتوبة على آلاف الصفحات. يوجد هناك مواد كافية لتقديم جميع المتورطين الى المحاكم. يجب الا نطالب بالتحقيق بل نحن نتهم ويجب أن نطرق أبواب جميع المحاكم في العالم لتقديم هؤلاء المجرمين للعدالة ولنتركهم يدافعون عن انفسهم إن استطاعوا ذلك. اليوم يوجد أكثر من 15 ضابط أسرائيلي جميعهم متهمين بإقتراف جرائم حرب لا يجرؤون على مغادرة البلاد خوفا من أن يعتقلوا ويحاكموا. يجب أن يطارد هؤلاء في بلجيكا ولا هاي ولندن وفي كل مكان. وهذا العمل لا يكلف مجهودا كما يكلفه جمع ربع مليون توقيع تذهب هباء منثورا، وتحاول أن تقنعنا بنزاهة التحقيق الاسرائيلي وعدالة قضائه.

Wednesday, February 20, 2008

كل الخزي وكل العار لعملاء الاستعمار



هذا الشعار الذي كان يجلجل في مظاهراتنا الوطنية، في يوم الارض وذكرى شهداء إنتفاضة الاقصى وذكرى النكبة وغيرها في السنوات الماضية أخذ يتلاشى رويدا رويدا حتى زال نهائيا ولم نعد نسمع له اي صدى. لماذا؟ هل ظاهرة عملاء الاستعمار قد ولت من غير رجعة؟ أم انها لم تعد ذلك الامر المخزي والمعيب؟ بل على العكس من ذلك، أصبحت ظاهرة طبيعية ومشروعة؟ هل أصبحت الخيانة، كما حذر أحد المناضلين، وجهة نظر؟.
بعد إغتيال الحاج رضوان، عماد مغنية في دمشق، وتناقلت الاخبار نبأ إعتقال بعض العملاء المتورطين بإرتكاب هذه الجريمة، ومع استمرار إغتيال قيادة المقاومة في غزة يجب أن يعود هذا الشعار ليتصدر كافة مناسباتنا الوطنية. ويجب أن يطبق على ارض الواقع أيضا.
الخزي والعار للعملاء يعني نبذهم ومقاطعتهم على جميع الاصعدة، يعني مكافحتهم كما نكافح الحشرات السامة. لأن ضرر العملاء يفوق ضرر هذه الحشرات بما لا يقاس. فهم بالاضافة الى مساهمتهم في تصفية رموز المقاومة نراهم يلوثون كل بقعة نظيفة في بلادنا ومجتمعنا، يدنسون قدسية القضية الوطنية ويطعنون بخناجر الغدر كرامة وشرف الامة بإسرها.
صحيح، هذه الآفة، آفة العملاء موجودة في كل المجتمعات وكل البلاد وقد عانت منها كافة الشعوب المضطهدة التي قدمت الغالي والرخيص على مذبح حريتها واستقلالها. ولكن عندنا في فلسطين أصبحت مرضا خطيرا مزمنا ينخر في نخاع عظامنا، واصبح السكوت والتغاضي عنها جريمة لا تغتفر. على الجميع، كل من موقعة وبقدر امكانياته وحسب مسؤولياته أن يعمل على إقتلاع هذه الظاهرة من جذورها. لقد أصبح واضحا أن العدو الاسرائيلي بكل ما يملكه من قوة عسكرية ومن وسائل تخنولوجية متطورة أعجز من أن يصل الى رموز المقاومة وإغتيالهم لولا الدور القذرالذي يقوم به العملاء. مع كل ذلك ما زلنا نرفض أن نستخلص العبر. ماذا تعلمنا من إستشهاد يحيى عياش واحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وصالح شحادة وياسر عرفات وغيرهم؟ الجواب للأسف وبكل بساطة لا شيء على الاطلاق. ما زال العملاء يسرحون ويمرحون وما من محاسب وما من رقيب. الاجهزة الامنية مخترقة، بل أكثر من ذلك، في ظل الانفلات الامني والانحراف الوطني، أصبحت تشكل دفيئة لنمو هذا النوع من الحشرات. تنظيمات المقاومة هي ايضا مخترقة ولا تقوم بما يكفي لتحصين مناعتها وتنظيف ساحتها من هذه الحشرات الضارة.
من المعروف أن الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تبذل جهودا جبارة وتصرف مبالغ هائلة من الاموال وتبتكر وسائل حهنمية من أجل تجنيد أكبر عدد ممكن من العملاء. كلنا ما زال يذكر تلك الاعداد الهائلة من العملاء التي إجتاحت المنطقة بعد نهاية الانتفاضة الاولى. والتي صدمتنا بأعدادها وانحطاطها. قسم من هؤلاء عاد الى الضفة الغربية وغزة وما زال يمارس خيانته بحرية وبحماية رسمية في بعض الاحيان. وقسم آخر ما زال يسكن بيننا على الرحب والسعة ويتمتع بكل تقدير وإحترام.
المؤسسات الامنية الاسرائيلية تعرف انها لا تستطيع تجنيد سوى ضعاف النفوس والمخدوعين وذوي المصالح الشخصية، ولكنهم ما داموا يقومون بمهمتهم فهم من وجهة نظرها يعتبرون العرب الصالحون. ولكن من منا لا يعرف انهم هم الذين ينشرون الرذيلة أين حلوا وينشرون الفساد والمخدرات والجريمة. فمن يبيع وطنه يهون عليه بيع نفسه وكرامته.
صحيح أن أجهزة الامن تتحكم بالقوة والقدرة على الابتزاز والتفنن في إختراع اساليب التجنيد من الضغط والابتزاز في حالات اصدار تصاريح للعمل او السفر او العلاج او التعليم الى التهديد بنشر الفضائح المشينة. ولكن كل ذلك لا يبرر العمالة والخيانة. الفقر والظلم والاضطهاد يجب أن يكون حافزا للمقاومة وليس للخيانة.
ضرر العملاء لا يتوقف عند جمع المعلومات والوشاية ولا عند تقديم المساعدة لقوى الامن لإغتيال احد المقاومين، بل يتعدى ذلك الى زعزعة ايمان الفلسطيني بعدالة قضيته، الى ضرب معنويات الجماهير وتيئيسها وزجها في صراعات داخلية مدمرة.
مما لا شك فيه، يجب الحذر من الشائعات، هذا اسلوب آخر مكمل تستعمله السلطات لحرف النضال الوطني عن مساره الصحيح. يجب أن تكون هناك هيئة رسمية ذات مصداقية عالية تحدد العملاء وتتحمل مسؤولية مكافحة هذه الظاهرة. اليوم يوجد غياب تام لمثل هذه الهيئة. تبقى أنجع وسيلة لمقاومة هذا المرض نشر الوعي الوطني، محاربة الجهل والخوف وتقوية المناعة الوطنية لإحباط هذه السياسة التدميرية للقوى الاستخباراتية.
اليوم وفي ظل الدعوة للخدمة المدنية يتعرض شبابنا وشاباتنا للإغراء والخداع والابتزاز حتى يقعوا في نهاية المطاف فريسة صائغة في فخ الاستخباراتية. فحذار أن تكون الخدمة المدنية الخطوة الاولى للخدمة الاستخباراتية.

القاتل يعترف بإرتكاب الجريمة ولا يزال طليقا



في عصر العولمة المنفلتة من عقالها، عصر العربدة الامريكية – الاسرائيلية، يتم الدوس على جميع القيم والاعراف الانسانية بوقاحة منقطعة النظير. صرح ايهود براك وزير الحرب الاسرائيلي أمام حكومته وأمام وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية، من غير لف أو دوران: " لقد قتلنا خلال أربع أشهر 200 مخربا، 16 في اليومين الاخيرين والعمليات مستمرة".
هكذا إذن، العائلة التي تصحو من النوم على وقع الصواريخ الاسرائيلية على رؤوسها بما فيهم الشيخ والمرأة والطفل هم في نظر براك مخربون. البنت التي تعود من مدرستها حاملة حقيبتها على ظهرها وتسقط برصاص جنود الجيش الاقوى في المنطقة هي ايضا مخربة. كل فلسطيني هو مخرب بالقوة إذا لم يكن بالفعل. هكذا يقول المنطق الاسرائيلي. ألا توجد هناك محكمة اسرائيلية أو عربية أو دولية تقول لبراك: اثبت لنا أن ال200 شخص الذين اصدرت أوامرك بقتلهم هم مخربون!! ألا يوجد هناك في العالم أجمع من يمتلك الشجاعة الانسانية ويصرخ في وجه براك: حتى ولو وافقنا معك جدلا أن جميع هؤلاء مخربون، فمن أعطاك الحق أن تكون انت الذي توجه التهم وأنت القاضي ومنفذ الحكم في الوقت نفسه؟
لقد آن الاوان على كل من يطلق على نفسه شرعية دولية، من أمم متحدة ومنظمات حقوق إنسان ومحاكم دولية أن تخجل من نفسها وهي تبحث بالسراج والفتيلة عن مجرمي حرب يختبئون في صربيا ورواندا وغيرها من دول العالم بينما يصرح أحدهم بأعلى صوته وفي وضح النهار انه قتل خلال 4 أشهر 200 وأنه سوف يقتل المزيد.
عادت جوقة الغربان الاسرائلية التي تنعق بالخراب للإجتماع من جديد وبدأت تعزف سيمفونيتها الدموية التي عزفتها في حزيران عام 2006 أثناء العدوان على لبنان: يجب أن نقتل أكثر، يجب أن ندمر أكثر، يجب أن نمحو قرى كاملة من الوجود. إذا لم يفهم العرب أن عليه الاستسلام بالقوة فيجب إستعمال المزيد من القوة.
هذا وزير الخارجية شطريت يدعو الى إزالة حارات كاملة في غزة. وها هو شاؤول موفاز الذي لم يكفيه ما قتله ودمره عندما كان في مكان براك يدعو الى قتل محمود الزهار لكي يلحق بولديه اللذين ثكلهما مؤخرا والى قتل جميع القادة السياسيين من غير تمييز. وهذا نائب رئيس الحكومة حايم رامون يدعو الى قطع الكهرباء نهائيا عن غزة. وها هو غابي اشكنازي رئيس اركان الجيش يجتمع مع ضباطه لوضع اللمسات الاخيرة لتنفيذ الجريمة. كل صباح وكل مساء هناك مسؤول آخر يطلع بتصريح جديد غير مسبوق، وكأنهم في سباق.
مرة أخرى تصطف وسائل الاعلام الاسرائيلية المقروءة والمسموعة والمرئية وراء الحكومة محرضة على ارتكاب الجريمة. فهذا الصحفي في جريدة هآرتس رون بن يشاي يحدد اهداف الجريمة وطريقة تنفيذها: إجتياح شامل لقطاع غزة، القضاء على حماس وإقصاؤها عن السلطة، جعل غزة منطقة منزوعة السلاح وأحتلال المعابر لسنوات طويلة قادمة.
هذا ما تعلموه من الحرب الاخيرة في لبنان. هذه هي العبر التي إستخلصتها لجنة فينوغراد ويريدون تطبيقها في غزة. ما فشلوا في تحقيقه في لبنان يريدون أن يحققوه في غزة. هذا هو مقياس دراسة العبر من الحرب. المزيد من الدمار والتدمير، المزيد من القتل وسفك الدماء، المزيد من استعمال القوة والاسلحة الفتاكة.
من يظن اننا سوف نكون بمنأى عن الحرب القادمة ونتائجها الوخيمة فهو مخطئ. كجزء مكمل لإجتياح غزة يوجود هناك خطة جاهزة للتعامل مع فلسطينيي الداخل اذا قاموا "بإعمال شغب"، ومنها وضع الشرطة وحرس الحدود على اهبة الاستعداد وتزويدها بكل ما تحتاجه من وسائل القمع. المسؤول عن مقتل 13 شابا عام 2000 سيكون مسؤولا عن مقتل المزيد. هل ظننتم أن لجان التحقيق الرسمية وغير الرسمية ضمان لسلامتكم؟؟
المصيبة الكبرى هي أن إسرائيل لا تقترف هذه الجرائم منفردة، ولا أعني مشاركة الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي المباشرة وغير المباشرة فحسب، بل هناك المشاركة العربية والفلسطينية أيضا. من المستحيل أن تنجح إسرائيل في إقتراف هذا الكم الهائل من الجرائم لولا التغطية العربية من المحيط الى الخليج. ولولا تقاعس جماهيرنا العربية.
هل سنكون على مستوى الحدث أم سنبقى على هامش التاريخ الى أجل طويل؟ هذا ما سوف تزوده بنا الايام.

Thursday, February 07, 2008

الاضراب العام والمسيرات الشعبية يجب أن تكون جزأ من النضال الوطني الفلسطيني



منذ زمن طويل لم تشهد ساحتنا المحلية مظاهرة زخمة كما شهدتها سخنين يوم الجمعة الماضي إحتجاجا على قرار المستشار القضائي للحكومة ميني مزوز إغلاق ملفات رجال الشرطة الذين إغتالوا 13 فلسطينيا في أكتوبر 2000. للوهلة الاولى تبدو مشاركة هذا الكم الهائل من المتظاهرين أمرا مدهشا وغير متوقع ويدعو الى التساؤل. ماذا جرى؟ لماذا كانت مظاهرة الذكرى الثامنة في أكثوبر الاخير هزيلة؟ (النصف أو أقل) وحتى لا يمكن مقارنتها بمظاهرة يوم الارض الاخيرة أو المظاهرات القطرية التي نظمت مؤخرا تضامنا مع قطاع غزة من أجل فك الحصار عنها. هل طرأ تطور ما لا نعرفه على لجنة المتابعة او على الاحزاب السياسية المكونة لها؟ لماذا في المظاهرات السابقة كانت الاحزاب تكتفي بمشاركة بعض قياديها وبعض نشطائها بينما جندت لهذه المظاهرة قدر ما استطاعت؟.
أذكر انه في مظاهرة قطرية على حاجز ايريز قبل فترة وجيزة شارك أحد الاحزاب الرئيسية الفاعلة على الساحة بعنصر قيادي واحد لا غير وذلك لأسباب يعرفها الكثيرون.
لطالما انتقدت لجنة المتابعة والاحزاب الفاعلة تحت كنفها بالتخاذل وبإفتعال الصراعات الوهمية: من بادر للنشاط؟ ولماذا لم تتم دعوتنا؟ وما هي الشعارات التي ينبغي على الجميع التزام الهتاف بها ووالاعلام التي يجب رفعها او عدمه؟ ومن يشارك ومن لا؟ ومن يلقي كلمة ومن لا؟ أما اليوم فقد كان الاجماع سيد الموقف. وعندما تحركت المسيرة قرصني أحد الاصدقاء الذي كان واقفا الى جانبي قائلا بخبث: ألآن لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة، منذ سنوات لم نر مثل هذه المسيرة.
حقا، كانت مسيرة جبارة، ولكن....وراء الاكمة ما وراؤها.
جاءت هذه المظاهرة في نهاية المطاف ردا على قرار موظف حكومي من الصف الثاني من بين صناع القرار في السياسة الاسرائيلية. ومن غير الاستخفاف بالدور الذي انيط به وبدوافعه وغاياته، إلا انه يبقى قرار لموظف ينفذ سياسة حكومية معروفة. في السنتين الاخيرتين إقترفت حكومة إسرائيل جرائم ابشع بما لا يقاس (الحرب الهمجية على لبنان، القنل اليومي في غزة، الحصار الغاشم على غزة) في جميع هذه الحالات التي كانت تتطلب ردا سريعا وحاسما كانت حركة لجنة المتابعة واحزابها كحركة المصاب بإعاقة جسدية يترنح ذات اليمين وذات الشمال. بينما بدت في هذه المرة في عنفوان شبابها وقوتها. لماذا؟؟ حسب رأيي السبب بسيط وواضح: إدانة قرار مزوز لا يتطلب موقفا سياسيا حاسما، ويمكن تناوله من باب موقف إنساني بحت يتلخص بالدفاع عن حقوق الانسان. لا يجرؤ أحد أن يعارضه. هكذا، وأخيرا وقعت فرصة من السماء لإتخاذ موقف موحد من غير أن يتهمنا أحد بالتطرف.
الجماهير لبت النداء ليس بفضل هذه القيادة بل على الرغم منها. وخير دليل على ذلك انها لم تهتم بسماع الخطابات الجوفاء المجترة في نهاية المسيرة، هذا بالرغم من أن صوت الخطيب الرئيسي إزداد صخبا عن السابق.
الجماهير تغلي منذ فترة طويلة وهي تشاهد الجرائم اليومية التي تقترفها اسرائيل، وقد طال انتظارها. إلا أن هذه القيادة كانت اشد جبنا من أن تحشد الجماهير لمظاهرة سياسية مكشوفة، ضد الحصار والاغتيالات في غزة مثلا ( وبالمناسبة يقترفها ايهود براك المسؤول عن قتل ال13 شهيدا). جاءت هذه المناسبة لكي تفتح صمام الامان وتدع الجماهير تنفس عن غيظها.
بهذه المناسبة أود التذكير ببعض الملاحظات:
1) بعد أكثر من 7 سنوات قادتنا مؤسسة عدالة وغيرها في رحلة عقيمة وراء سراب العدالة الاسرائيلية، ابتداء بطلب إقامة لجنة تحقيق رسمية، مرورا برؤية جوانب ايجابية في تقرير لجنة أور يجب الاستفادة منها حتى قرار مزوز الاخير، يخرج الينا حسن جبارين بقوله :" لا يوجد لدينا اية ثقة في جهاز القضاء الاسرائيلي بكل ما يخص جريمة أكتوبر". صح النوم. وهل ما زالت لديكم ثقة بهذا الجهاز فيما يخص جرائم أخرى؟؟
2) في مقال مطول نشره أيمن عودة في موقع الجبهة تحت عناون: "المطلوب: لجنة تحقيق حيادية بمشاركة مختصين دوليين". وهل هناك ثمة حاجة الى تحقيق حيادي أو غير حيادي يا رفيق؟ هذا هو القاتل وهذه هي جثة القتيل. كلنا يعرف من هو المجرم وما هي حيثيات وتفاصيل الجريمة. لنتعلم شيئا من اللبنانيين، مع انهم لا يعرفون من الذي قتل رفيق الحريري وبمجرد انهم يشكون في جهة معينة يطالبون بمحكمة دولية. فلماذا لا نقول: " المطلوب: محكمة دولية تحاكم القتلة"؟
3) همسة في اذن لجنة أهالي الشهداء: الشهداء ال 13 هم جزؤ لا يتجزأ من شهداء إنتفاضة الاقصى الذين وصل عددهم الى أكثر من 5000 شهيد. سقطوا من أجل الغاية نفسها وبرصاص العدو نفسه. ما الذي يميز شهدائنا عن شهداء شعبنا في الضة الغربية وغزة؟ هل هي بطاقة الهوية الزرقاء؟ هل هي المواطنة المزيفة التي يمنون بها علينا؟ كنت اتمنى أن تكون هناك لجنة لذوي كل شهداء فلسطين تعمل على محاكمة القتلة في كل ارجاء فلسطين. اذا كان قتل 13 شهيدا يحتم إقامة لجنة تحقيق فكم لجنة تحقيق يستحق قتل الشهيد محمد الدرة وايمان حجو وصالح شحادة واحمد ياسين وابو علي مصطفى وآلاف الشهداء الاخرين؟
جماهيرنا الفلسطينية ناضجة ومستعدة لخوض الاضراب الشامل والمسيرات الشعبية للتصدي للجرائم التي تقترفها الحكومة الاسرائيلية ضد شعبنا، السؤال هل تجرؤ الزعامة الراهنة على قيادة هذا النضال في إطاره الوطني العام؟

وداعا يا حكيم وداعا يا آخر عمالقة النضال الوطني الفلسطيني



فقد الشعب الفلسطيني والامة العربية وأحرار العالم مناضلا عنيدا إكتسب وبحق لقب حكيم الثورة وضميرها. بل كان اكثر من ذلك، فقد كان البوصلة التي ترسم الطريق امام الجماهير التائهة في فيافي اللجوء والتشرد. وكان الشعلة التي تبدد الظلام الحالك الذي خيم على الشعب الفلسطيني والامة العربية والتي بعثت فينا الدفئ والامل. وكان السنديانة التي اقتلعت من ارضها ولكنها رفضت أن تستسلم لمصيرها.
كان رحيل جورج حبش خسارة لا تعوض للشعب الفلسطيني، فقد كان المقاوم الذي ابى الاستسلام ورأى بالمساومة والتفاوض مع المغتصب الغاشم عارا وظل أمل العودة هاجسه حتى اللحظة الاخيرة. وكان هذا الرحيل خسارة فادحة للامة العربية. فهو لم يعترف قطعا بالحدود الاصطناعية المزيفة التي رسمها الاستعمار القديم والحديث من أجل تقطيع اوصال العالم العربي. وكان هذا الرحيل خسارة فادحة للمناضلين من أجل الحرية والاستقلال في جميع الاجاء العالم. فقد كان يرى وحدة نضال شعوب العالم المضطهدة من فيتنام الى كوبا الى الجزائر واليمن وباقي اصقاع الارض.
لقد حسم الامور بكل بساطة ولكن بكل دقة: العدو هو الامبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية.
هذه المقالة ليست نعيا للحكيم، وليست دراسة في فكره أو تقيما لتجربته النضالية، انها لا تعدو من كونها اكثر من محاولة للتوقف عند بعض المحطات الفارقة في مسيرته التي انقطعت قبل أن تصل الى هدفها من أجل التأمل لا غير، وربما من أجل إثارة بعض الخجل عند بعض الذين شاركوا بالتشييع والتأبين وذرفوا دموع التماسيح على وفاته وكالوا على نعشه المدائح المزيفة. القضية ليست شخصية بل هي مبدئية من الدرجة الاولى. هل يحق للذي ساوم وفاوض وفرط بالثوابت أن يسير بلا خجل في جنازة من رفض المساومة وقدم حياته ثمنا لمقاومة نهج التسوية؟ هل يحق للذي يعتبر أن 90% من أوراق حل القضية الفلسطينية في يد الامبريالية الامريكية أن يشيع من كان يعتبر هذه الامبريالية العدو الاول للشعوب؟ وهل يحق للذي يتمرمغ في غبار المؤسسة الاسرائيلية أن يقف امام ضريح من شردته هذه المؤسسة ؟
لم أكن في يوم من الايام عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بل كنت أشد من انتقد بعض منطلقاتها الفكرية وبعض ممارستها النضالية. ولعل اشد نقدي على الجبهة الشعبية الذي كان يصل احيانا الى حد الغضب هو قبول مثل هذه الشخصيات في الصف الوطني تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية.
لقد انطلقت حناجر المشيعين الشباب بهتافات شقت الفضاء تردد: الحكيم وصانا وصية، صونوا الوحدة الوطنية. نعم ايها الرفاق الاعزاء يجب أن نصون الوحدة الوطنية كما نصون بؤبؤ عيوننا، ولكن هل اصبح الارتماء في أحضان أمريكا وإسرائيل وطنية؟ لقد قدم اليمين الفلسطيني التنازلات للصهيونية والامبريالية الى حد التفريط بأبسط الحقوق بينما قدم اليسار الفلسطيني وللأسف التنازلات لهذا اليمين بالوحدة معه. في الماضي، وكما حددها الحكيم كانت هذه الوحدة نسبية ومشروطة وكانت مسيجة بموقف صلب وثابت حفاظا على الحقوق الوطنية المشروعة وعلى رأسها حق العودة. اما اليوم فقد انجرفت السدود وعم الطوفان وأصبح من الضروي إعادة النظر بشعار "الوحدة الوطنية" أو على الاقل إعادة تعريفه. المعادلة السابقة بين الحفاظ على الوحدة الوطنية من جهة والتمسك بالثوابت من جهة أخرى قد إختلت موازينها ولم تعد فعالة. لا وحدة مع من إختار طريق ضرب المقاومة والمحافظة على أمن المغتصبين.
في رأيي المتواضع أن أحد الاخطاء التي وقعت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ تأسيسها هو عدم طرح نفسها بديلا لقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني الممثلة باليمين الفلسطيني وقبولها بهذه القيادة حتى إنجاز التحرر الوطني. غير ان تاريخ الصراع قد اثبت عجز هذه القيادة التي كانت تسمى بالبرجوازية الوطنية عن إنجاز مثل هذا التحرر. ما حدث بالفعل كان على العكس من ذلك تماما، فقد كانت هذه القيادة تبحث دائما عن مساومة، تسوية تؤمن لها بعض الامتيازات. فقط الطبقات المسحوقة بقيادة ثورية هي الوحيدة القادرة ليس على التحرير الوطني فحسب بل وعلى التحرير الاجتماعي أيضا.
لقد اثبتت نظرية تقسيم الثورة الى مرحلتين: مرحلة التحرر الوطني ومن ثم فقط مرحلة الثورة الاشتراكية فشلها. الثورة الاشتراكية بقيادة العمال والفلاحين وباقي الفئات المسحوقة هي وحدها القادرة على تحرير الارض المغتصبة.
إذا اردنا أن نكون حريصين على تراث جورج حبش النضالي والثوري يجب علينا أن نحذر من الوقوع في مستنقع الجمود العقائدي، يجب أن نعمل جاهدين من أجل تجديد الانطلاقة الثورية على صعيد الفكر والممارسة. وكما قال لينين عن الحزب البلشفي أنه اشتد عوده وتتطور من خلال تطهير العناصر الانتهازية والمتساقطة في صفوف الحزب نفسه علينا نحن ايضا أن ننبذ تلك العناصر التي آثرت الارتماء في أحضان الامبريالية والصهيونية ومواصلة المسيرة.
لن ندع غربان التسوية ينعقون في القلعة التي شيدها الحكيم ويحولوها الى خراب. لنجعل صموده في وجه تيار التسوية الجارف وتشبثه بالحقوق الطبيعية والمشروعة للشعب الفلسطيني الصخرة التي تتحطم عليها كافة الحلول التصفووية.

Wednesday, January 30, 2008

إقتحام المعابر والحواجز هو الطريق الوحيد لدحر الحصار



الحصار الاخير المفروض على غزة ليس الحصار الاول، في الحقيقة الحصار على غزة بدأ منذ اليوم الاول للاحتلال الاسرائيلي عام 1967. وخلال هذه المدة رافق الحصار أعمال القتل والتنكيل والنهب، ولا ننسى المستوطنات الاسرائيلية التي لملمت ذيولها وخرجت مندحرة.
خلال هذه الفترة لم يترك الشعب الفلسطيني عنوانا الا وطرقه من أجل رفع هذا الحصار الجائر. غير أن جميع الجهات الدولية والعربية والمحلية قد خذلت الجماهير الفلسطينية المحاصرة. فالامم المتحدة ممثلة بمجلس الامن والجمعية العمومية لم تحرك ساكنا. وإذا صدف وكان في نيتها أن تتحرك قامت الولايات المتحدة بفرض الفيتو وإجهاض اي قرار يمكن أن يدين الحصار. الولايات المتحدة الامريكية ليس فقط انها لم تحتج يوما على فرض الحصار بل ايدته ودعمته مباشرة من خلال منع المساعدات الانسانية من الوصول للقطاع، وبطريقة غير مباشرة من خلال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري اللامحدود الذي منحته للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة.
الاتحاد الاوروبي هو الآخر، مجتمعا وكل دولة على انفراد، ساهم في هذا الحصار بحجة محاربة الارهاب بينما كان هدفه الحقيقي قمع المقاومة الفلسطينية وارغامها على قبول الحل الاسرائيلي – الامريكي والنتيجة كانت دعم لا محدود للإرهاب الاسرائيلي.
الدول العربية، الرجعية منها "والتقدمية" الجمهورية والملكية، الاستبدادية والديموقراطية، كلها ساهمت بهذا الشكل او بذاك، بهذه الدرجة او بتلك في فرض الحصار تمشيا مع السياسة الاسرائيلية الامريكية.
السلطة اللاوطنية الفلسطينية هي الاخرى شاركت، ومؤخرا بشكل فعال في فرض الحصار كعقاب للجماهير الفلسطينية التي تجرأت وسحبت بساط الحكم المهترئ من تحت أقدامها في الانتخابات الاخيرة وهرولت وراء اوهام الحلول الاسرائيلية – الامريكية.
إذن، لقد كان الحصار شاملا وطويلا لم يشهد التاريخ الحديث شبيها له. هذا الحصار جعل من قطاع غزة أكبر سجن عرفه التاريخ يقطنه مليون ونصف مليون اسير. ولكن هذا السجن لم يكن كباقي السجون. فالاسرى في السجون العادية يتمتعون بحقوق ضمنتها القوانين والاعراف الدولية مثل ضمان الطعام والخدمات الصحية والحفاظ على الحياة. أما سجن قطاع غزة فهوعلى العكس من ذلك، حيث تعرض بشكل مستمر الى الاعتداءات العسكرية المتكررة من هدم البيوت على رؤوس سكانها واغتيال العديد من أبنائها ومنع الادوية عن الجرحى والمرضى هذا بالاضافة الى منع المواد الغذائية والوقود والادوية.
حدث كل ذلك والعالم يتفرج وهو صامت. حتى الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة وفي باقي اماكن تواجدها كان ردها فاترا. كان يظن الجميع أن المجتمع الدولي والعربي لن يسكت طويلا على هذا الحصار، وراهن الاغلبية على قدرته في فك هذا الحصار. ولكن طال الانتظار حتى بلغ السيل الزبى. ولم يعد بالامكان السكوت أكثر، فالموت أصبح أهون من الوضع القائم. هنا تحركت نساء غزة في مظاهرة عارمة وأقتحمت معبر رفح مطالبة على الاقل بنقل المرضى والجرحى الذين يموتون موتا بطيئا في مستشفيات عزة التي تفتقد للدواء وللأجهزة الطبية وللكهرباء لتلقي العلاج في مصر. وقد حاولت قوى الامن المصرية قمع هذه المظاهرة الشعبية العفوية بشتى الوسائل ولكنها لم تستطع. وفي اليوم التالي تم تفجير الجدار وتدفق مئات الآلاف من الاسرى في أكبر عملية تمرد عرفة التاريخ.
ما حدث في معبر رفح يجب أن يحدث في معبر أيريز وباقي المعابر. يجب أن يحدث على كافة الحواجز التي تقطع أوصال الضفة الغربية، يجب أن يحدث لجدار الفصل العنصري.
المظاهرات السقيمة والعقيمة التي تنظمها الاحزاب والحركات السياسية على المفارق كإسقاط واجب لا تسمن ولا تغني من جوع. الشرطة الاسرائيلية وقوى الامن الاخرى سوف تكون عاجزة عن قمع مظاهرة جماهيرية جبارة مكونة من عشرات الآلاف من المتظاهرين العزل والمسالمين. مصيبة جماهيرنا تكمن في قيادتها الجبانة ذات المصالح الضيقة والافق السياسي المشوه. على الجماهير أن تتحرر من مثل هذه القيادة.
هل من الممكن أن يتكرر ما حدث في معبر رفح يوم السبت القادم في معبر أيريز؟ الجواب، نظريا: نعم يمكن أن يتكرر ويحقق النجاح نفسه. في هذا اليوم سوف تنطلق المظاهرات الشعبية المنددة بالحصار في جميع ارجاء العالم، عيون العالم سوف تتجه الى قطاع غزة. وسوف تعجز قوات الامن الاسرائيلية من حماية بوابة من الحديد البارد. هل سيحدث هذا عمليا؟ أم أن موقف القيادة سيحسم الامور لصالح سياسة أولمرت – براك الاجرامية؟

Monday, January 07, 2008

Iceland: cold land warm people

I was invited to visit Iceland for 5 days by the association Iceland - Palestine to talk about Palestine specially about the forgotten part of the Palestinian people, those who live under the Israeli occupation since 1948 and called by some Israeli Arabs and by others Palestinians citizens of the state of Israel. but who I personally call them Palestinians of occupied Palestine 1948. this is the naked truth, to remind those who forgot or those who pretend to forget, that the Zionist occupation began in 1948 and continued in 1967. this stand of me is rejected by many of my own people who accepted the state of Israel and try now to find a way to normalize his relation with his "state". and to tell you the truth, I was so surprised to find in this cold country so warm people who listened to what I say. some of them told me with innocence and open heart: if invaders occupy our land, deport most of our people and establish a racist state we'll never recognize such a state and we'll do all what we can to liberate our land.
I was so happy to hear such reactions, but in the same time I was so sad, when I remembered our miserable situation at home when many Palestinians lost there faith of their just cause and gave legitimacy to this racist state called Israel.
my surprise didn't stop on this point. the opposite it increased when after the lecture I talked with many people and noticed that almost all of them know much about what's going in the region. they have high awareness to all developments. they see and hear every day the crimes which Israel commit in Gaza and Nablus. many of them think to come and do volunteer work in Palestine. some of them did that. some of them visited Gaza and Elkhalil and when they returned home told their stories.
in the other side I was a little ashamed. I know almost nothing about this country and its people, and I assume that most people like me, and maybe know less than me. we want all the world to support us and have solidarity with our struggle but we are so ignorant and indifferent to the world.
and in spite the big distance and the difference in the weather between Iceland and Palestine I felt much similarity. also the Icelandic people had to struggle for its independence and freedom. the last struggle was against the American military presence on their land. while American military bases grow as mushrooms in the Arab world.
the Icelandic people is warm, generous and have very deep tradition of hospitality, yes, yes, like the Arabs and maybe more.
I'll write more about my trip and experience in Iceland when I have more time

Saturday, December 15, 2007

رفض الخدمة المدنية: شعار أم مشروع نضالي؟



منذ فترة طفا على السطح موضوع قديم جديد هوالخدمة الوطنية. وقد قيل تقريبا كل ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع من كلا الطرفين. أو على الاصح أعيد تكرار وإجترار ما قيل في هذا الموضوع على الاقل منذ عقد من الزمن. واقصد بالطرفين هنا، الطرف الاول: دولة إسرائيل ممثلة بالحكومة والكنيست وكافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من جهة، والطرف الثاني: الوسط العربي أيضا ممثلا بكافة مؤسساته من لجنة المتابعة العليا والاحزاب السياسية والجمعيات المدنية وحتى جماهير الشباب المعنيين مباشرة بهذه الخدمة.
وأنا هنا لست بصدد تكرار ما قيل هنا وما رد عليه هناك. ولماذا يسعى الطرف الاول الى فرض الخدمة المدنية بينما يعارض الطرف الآخر تلك الخدمة ويرفضها.
بإختصار شديد، تقول السلطة: أيها العرب تطالبون بالمساواة في الحقوق عليكم أولا أن تكونوا متساوين بالواجبات أيضا، فبينما يخدم الشاب اليهودي بالجيش فعلى الاقل يجب على الشاب العربي أن يقوم بالخدمة المدنية، وعندها فقط تنعمون بالمساواة المنشودة. فيرد الجانب الآخر: أن الحقوق غير مرتبطة بالواجبات بل هي نابعة مباشرة من المواطنة، والخدمة المدنية لا تختلف جوهريا عن الخدمة العسكرية.
تريد السلطة من خلال فرض الخدمية المدنية أن تضرب عصفورين بحجر واحد. فمن جهة هي لا تثق بالشباب العرب لكي تدمجهم بالخدمة العسكرية مباشرة، وهي أصلا لا تثق بتلك الفئات التي فرضت عليها الخدمة الاجبارية ولا بهؤلاء الذين تجندوا تطوعا وتزج بهم في وحدات منعزلة وتقصيهم عن مواقع القرار حتى ولو تبوؤا رتبا عالية، ولكنها من جهة أخرى تريد امتصاص نقمة الشباب العرب الناجمة عن التميز والقمع والتهميش والبطالة وتحاول أن تستعملهم في الخدمات المدنية لكي يتفرغ الشباب ، خصوصا في حالات الطوارئ، للمهمات القتالية. وبذلك توفر أعداد أكبر من القوى البشرية للجيش وفي الوقت نفسه تخفف من التكاليف.
من جهة أخرى تقوم القيادات العربية بدور مزدوج، فهي تتمسك بالمواطنة الاسرائيلية من جهة وترى بها ضمانا للحصول على الحقوق المتساوية بغض النظر عن الخدمة العسكرية "الواجبات" ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتغاضى عن الموقف الشعبي الرافض للخدمة بكافة اشكالها ومسمياتها. فنراها تتخبط بين هذين الموقفين وتتكلم بلغتين. وفي الحقيقة لا ادري كيف تستطيع هذه الزعامات أن تمسك الحبل من الطرفين: تتشبث بالمواطنة الاسرائلية المنقوصة من جهة وتدعي أن الخدمة المدنية ترمي الى تشويه وضرب هويتنا القومية وأنتزاع هويتنا الفلسطينية وإنتمائنا للشعب الفلسطيني.
لقد لمست هذا التناقض الصارخ عندما شاهدت الفلم الوثائقي القصير الذي أعدته "جمعية الشباب العرب – بلدنا" "والائتلاف الشبابي ضد الخدمة المدنية" بعنوان "قيادات عربية ضد الخدمة المدنية" والذي شمل قيادات سياسية واجتماعية ودينية. هذا الفلم هو أسوأ وسيلة للتعبير عن رفض مخطط الخدمة المدنية بالرغم من النوايا الحسنة للجهات التي أصدرت الفلم ولبعض المشاركين الذين ما كان ينبغي أن يزجوا في مثل هذا العمل العقيم. وسيكون له حسب رأيي نتائج سلبية على مجمل النضال الشعبي ضد هذا المخطط وذلك للأسباب التالية:
1- لا يوجد مصداقية لكلام الزعامة السياسية وخصوصا أعضاء الكنيست من بينهم. فمن يريد أن يدعو الاخرين الى رفض الخدمة المدنية عليه أن يبدأ بنفسه أولا. اليست خدمتهم في اروقة الكنيست هي خدمة مدنية في اسوأ اشكالها؟ فإذا كانت خدمة شاب ضائع لإسباب مادية او إجتماعية هي خطر على هويتنا الوطنية ومؤشرا على اسرلتنا، فمال بال عضو الكنيست الذي يهرول لخدمة هذه المؤسسة عن وعي وعن سابق إصرار ويلتصق بالكرسي العزيز على نفسه؟ فعندما يقول عضو الكنيست جمال زحالقة في الفلم: "انا مش خادم في الخدمة الوطنية الاسرائيلية" فهو اما انه يكذب علينا وعلى نفسه أيضا وإما انه لا يدرك ما معنى الخدمة الوطنية. لنسأل انفسنا بصراحة وليحاول كل واحد منا أن يجب على السؤال بجرأة: اليست الخدمة في الكنيست هي خدمة وطنية إسرائيلية؟ وعندما يتباكى الشيخ ابراهيم صرصور على فئة الشباب وهم المادة الحية في شعبنا فأي نموذج يضعه بين أيديهم؟ لا تخدموا بالخدمة الوطنية ولكن هلموا بجماهيركم للتصويت لي حتى أصل الى كرسي الكنيست؟؟ وعندما تصرح عايدة توما: انه "مخطط لضرب هويتنا الوطنية" اليس الاعتراف بدولة اسرائيل العنصرية والكولونيالية كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره هو مخطط أعتى واشرس سدد ضربة قاضية لهويتنا الوطنية ولا يزال يا رفيقة؟
2- الفلم لا يفتقد للمصداقية وغير مقنع (استثني أقوال المطران عطاللة حنا الصادقة) فحسب، بل ينم عن نزعة استعلائية وعظية وكأن هذه القيادات تعرف كل شيء، تنطق بالجواهر والحكم وينبغي الاصغاء لها. كان أحرى بالذين عملوا الفلم أن يتكلموا مع الشباب المعنين مباشرة بالقضية والذين رفضهم للخدمة الوطنية نابع من اعماق وجدانهم.
3- يفتقد الفلم الى اية مسحة فنية جمالية. حتى الفلم الوثائقي يجب أن يبقي فسحة كافية للخيال، للإبداع. ما نراه هنا لقطات مكبلة بقيود الشعارات الرنانة تدخل الى الأذن اليمين لكي تخرج مباشرة من الأذن الشمال.

رفض الخدمة المدنية لكي يكون صادقا ومؤثرا يجب أن يكون نابعا من رفض الاعتراف بشرعية المؤسسات التي تحاول فرضه. ويجب الاستعاضة عن هذه القيادات بقيادات شابة واعية تتحلى بروح التمرد والعنفوان.
إن كل قيادة شابة لا تطرح نفسها بديلا للقيادات الراهنة المهترئة سوف تؤول الى الفشل.

Monday, December 10, 2007

الدولة اليهودية من وعد بلفور الى آنا بوليس



قبيل إفتتاح مؤتمر انابوليس طالب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت الفلسطينيين والعرب الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية. ومن تابع ردود الفعل الفلسطينية والعربية المتشنجة على هذا المطلب ظن للوهلة الاولى وكأن دولة اسرائيل كانت حتى هذه اللحظة دولة شقيقة، عربية أو اسلامية. وتسابق المسؤولون الفلسطينيون والعرب لرفض مطالب أولمرت الغريبة العجيبة في هذا التوقيت بالذات. حتى أن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية عقدت جلسة خاصة رفضت فيها الاعتراف بيهودية الدولة وأعتبرته تشجعيا لسياسة الترانسفير للجماهير الفلسطينية مواطني الدولة، وكأن قبل ذلك لم يكن هناك ترانسفير لا فكرا ولا ممارسة. بينما أعتبرت وسائل الاعلام الفلسطينية في الطرف الآخر تصريحات أولمرت هذه جاءت لتلغي حق العودة للاجئين حتى قبل بدء المفاوضات للحل النهائي. وكأنها لا تعلم أن جميع الاحزاب والتنظيمات الاسرائلية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار موحدة في رفض حق العودة.
من أجل تذكير هؤلاء المنافقين والمهرولين الذين يريدون ذر الرماد في العيون والتستر على تساقطهم المريع وتفريطهم بكافة الثوابت الوطنية وهم يضعون الان قناعا مزيفا من الوطنية المهترئة، بتسابقهم الاعلان عن دهشتهم من مطالب أولمرت ورفضهم ليهودية الدولة، أورد هنا المحطات الرئيسية في العصر الحديث والتي ورد فيها مصطلح "الدولة اليهودية" باشكاله المختلفة:
1- جاء في وعد بلفور 29 نوفمبر 1917 ما يلي: "... ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"
2- صك الانتداب البريطاني على فلسطين والذي صادقت عليه عصبة الامم المتحدة في 24 تموز 1922 ينص بصريح العبارة أن أحد أهدافه هو تحقيق ما ورد في وعد بلفور من إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي"
3- قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 والذي وافق عليه معظم المنضوين في لجنة المتابعة ويذرفون الان دموع التماسيح، ينص على إقامة دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين التاريخية. ونذكر هؤلاء الذين ما زالوا يصرخون في كل مناسبة ومن غير مناسبة ويرفعون شعار " دولتين لشعبين" هل ترددون هذا الشعار كالببغاوات؟ الا تقولون في ادبياتكم الموثقة أن دولة اسرائيل هي تعبير " لحق الشعب اليهودي" في تقرير مصيره؟
4- وثيقة الاستقلال الاسرائيلية التي أعلنت في 14 مايو 1948 تدعو الى ".. إقامة دولة يهودية في ارض اسرائيل" هذه الوثيقة التي اعترفتم بها وبفضلها دخلتم الى الكنيست وكافة المؤسسات الاسرائلية.
5- واخيرا وليس آخرا، خطاب بوش في مؤتمر أنا بوليس أمام رئيس السلطة الفلسطينية وأمام مندوبين عن 16 دولة عربية وامام كاميرات ومايكرفونات العالم كرر: "التزام الولايات المتحدة الامريكية الحفاظ على أمن اسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي"

إذن ما المفاجئ في تصريحات أولمرت الاخيرة؟ ولماذا انتفخت الزعامة الفلسطينية والعربية بهذا الشكل؟ وسرعان ما نفست، وانكتمت جميع الاصوات بعد أن حقق هذا الانتفاخ غايته من استهلاك محلي للتستر على هذا التساقط المخيف كتساقط اوراق الخريف في مؤتمر الخريف.
الم يكن الاعتراف الذي نصت عليه اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة واتفاقيات أوسلو، إعترافا بيهودية الدولة؟
ألم تدعي اسرائيل دوما انها دولة "يهودية ديموقراطية" وكنا دائما نشير الى التناقض الداخلي في هذا التعريف؟
إننا لا نحكم على الدول من خلال تعريفها لنفسها أو من خلال نظرتها الى نفسها بل من خلال افكارها وممارساتها. ومنذ نشوء الحركة الصهيونية كحركة قومية رجعية ومحاولتها جعل اليهودية قومية وممارساتها العملية على مدى قرن وربع أثبتت انها اقامت دولة عنصرية استعمارية، ولا يغير شيئا الاسم الذي تطلقته على نفسها. هل يتغير جوهر الدولة اذا غيرت اسمها؟ هل يعود اللاجؤون؟ هل تعود الاراضي المصادرة؟ هل تعمر 518 قرية دمرت عام 1948؟ وبالمناسبة فقط أسقط يهود العالم أنفسهم هذه التسمية عندما رفض معظمهم القدوم الى هذا "الوطن القومي" وجل ما صنعته الحركة الصهيونية هو بناء جيتو كبير زجت به شريحة من اليهود وغيرهم.
إن ما تمارسه الدولة في حق الشعب الفلسطيني يوميا يؤكد في كل لحظة الحقيقة التي يحاول المتعنتون على اشكالهم نكرانها: هذه الارض هي ارضنا، هذا الوطن هو وطننا ولكن هذه الدولة هي ليست دولتنا.
الموقف المطلوب هو ليس رفض يهودية الدولة بل رفض الدولة
علي زبيدات - سخنين

Friday, November 30, 2007

قرار التقسيم باطل باطل باطل



تقول الاسطورة أن الملك سليمان (والذي رفع الى مرتبة الانبياء في الثقافة الاسلامية ) عندما سأله الرب عما يريده لم يطلب حياة مديدة ولم يطلب الثروات والسلطة والانتصار على أعدائه كما يطلب باقي الملوك، بل طلب من ربه أن يعطيه قلبا حكيما يميز بين الخير والشر لكي يحكم بين الشعب "المختار" الثقيل. وقد فرح الرب بهذا الطلب ومنحه ما أراد بالاضافة الى ما لم يطلب.
وقد ظهرت حكمته في اليوم التالي عندما أتته إمرأتان تدعي كل منها انها أم لطفل حي متنازع عليه. فأمر سليمان بغحضار سيف وقطع الطفل الحي الى نصفين لكي تأخذ كل أم نصفه. فطلبت الام الحقيقية من الملك أن يعطي الطفل الحي للمرأة الاخرى ويبقيه حيا، بينما قبلت المرأة الاخرى مبدأ التقسيم حتى ولو قتل الطفل ( يمكن قراءة تفاصيل هذه الاسطورة في سفر الملوك)
ويعتبون على الشعب الفلسطيني أنه رفض تقسيم وطنه وتقطيع أوصاله ومنح أكثر من نصفه الى عصابة عنصرية متطرفة، بينما ينهالون بالمديح على تلك العصابة التي وافقت على قرار التقسيم.
في الذكرى الستين لهذا القرار المشؤوم يجب أن نعود ونؤكد رفضنا القاطع والصارم له وإعتباره باطلا وغير شرعي.
1) قرار التقسيم لا يمثل الشرعية الدولية كما يدعون وكما وقع في هذا الفخ العديد من الفلسطينيين والعرب والاجانب. العكس هو الصحيح، هذا القرار هو نقض لكل شرعية سماوية، إخلاقية، حقوقية وسياسية. لقد تم أتخاذ هذا القرار عن طريق الضغط والابتزاز والخداع الذي مارسته العصابات الصهيونية وبريطانيا والولايات المتحدة. هل يحق لأحد أن يمزق ويقسم وطنا لشعب مسالم لم يقترف أي جريمة حتى بدون أخذ رايه؟ أي شرعية هذه؟
2) قرار التقسيم كان أيضا جريمة ليس في حق الشعب الفلسطيني فحسب بل في حق الانسانية جمعاء. هذا القرار مهد الطريق لتهجير شعب بأكمله وسلب ونهب ارضه وهدم بيوته. فلو كانت هناك شرعية دولية حقيقية وحد أدنى من العدالة لوجب إنزال أشد العقوبات على متخذي مثل هذا القرار الاجرامي المجحف.
3) زرع هذا القرار بذور الصراع الذي لا ينتهي وجلب الحروب المستمرة للمنطقة ولشعوبها، فهو قرار أحمق وإجرمي من الناحية السياسية أيضا.
4) لم يأت هذا القرار لحل مشكلة إنسانية وهي إيجاد مأوى آمن للناجين اليهود من المحرقة النازية، لو كان الامر كذلك فلماذا أغلقت الدول الاوروبية وأمريكا حدودها أمام هؤلاء الناجين وزجوا بهم في هذه البقعة المأهولة؟

تزامنت الذكرى ال60 لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 والمعروف بقرار تقسيم فلسطين بإنعقاد مؤتمر انابوليس. حيث تجتمع زمرة من الفلسطينيين يدعمهم من على شاكلتهم من حكام البلدان العربية مع المغتصبين الاسرائيليين مدعومين من الامبريالية الامريكية وذلك لبيع ما تبقى من فلسطين في المزاد العلني وبأبخس الاثمان.
الدول العربية التي صوت من كان منها مستقلا إستقلالا شكليا عام 1947 ضد قرار التقسيم قامت عمليا بتعبيد الطريق الذي أدى ليس الى تقسيم فلسطين عمليا فحسب بل الى ضياعها بالكامل وتشريد شعبها. لم يتغير على دورها شيء يذكر فقد كانت هذه الدول صنيعة الاستعمار في وقته وهي ما زالت كذلك الآن. ونحن نقول ونكرر القول لهذه الانظمة العميلة: كفاكم ما قمتم به من خيانة في فقدان فلسطين، كفوا شركم عنا، الشعب الفلسطيني لن يسامحكم وشعوبكم سوف تحاسبكم وتعاقبكم عاجلا أم آجلا. أما الزمرة المهرولة من الفلسطينيين والتي تلث وراء مفاوضات وهمية ووعود سرابية فهي أعلم الناس بمدى إفلاسها، وانها تقامر بمكانتها وحياتها.
يقول البعض على الشعب الفلسطيني أن يكون واقعيا وألا يتمسك بالشعارات الفارغة (الثوابت الوطنية أصبحت شعارات فارغة) وأن يعترفوا بإختلال ميازين القوى على الساحة المحلية والعالمية، وأن يقبلوا بالنزر القليل المتاح أفضل من أن يخسروا الكل. هذا المنطق الانهزامي أثبت عقمه وفشله. تستطيع الشعوب أن تقلب الواقع رأسا على عقب ما دامت مؤمنة بعدالة قضيتها، قوة الشعب الفلسطيني بعدالة قضيته فإذا فقد ايمانه هذا فقد كل شيء حتى الحلم في مستقبل أفضل.
على الشعب الفلسطيني أن يهتف في هذه المناسبة وبصوت عال يسمعه الداني والقاصي، العدو والصديق، صوت يخترق الارض ويصل أعالي السماء، صوت يصمت المهرولين والمتساقطين، صوت واحد يقول: إن قرار التقسيم باطل باطل باطل

موضة حل الدولة الواحدة



لقد أصبح واضحا لدى العديد من السياسيين والاكاديميين الذين يتعاطون بالسياسة أن الحل الذي طبلوا له وزمروا لسنوات طويلة، والمعروف بحل الدولتين، قد بات مستحيلا. اذ أن التعنت دولة إسرائيل ورفضها الانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بالاضافة الى الاستيطان الصهيوني على مدى 40 عاما والذي غير معالم الضفة الغربية والقدس، جعل الكلام عن حل الدولتين يبدو عدميا حتى بالنسبة لمروجيه. بات واضحا أن هذا الحل حتى في افضل تجلياته سوف يبقي اسرائيل كدولة وحيدة والى جانبها محميات مقطعة الاوصال، معزولة ومخترقة، ويستطيع الجانب الفلسطيني اذا شاء أن يسميها دولة، او حتى أمبراطورية.
لفترة من الزمن برز شعار الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية كشعار نضالي بديل لحل الدولتين، الا أن المبادرين برفع هذا الشعار والقائمين عليه ما زالو يراوحوا مكانهم وعجزوا بل فشلوا في تطوير هذا الشعار وجعله مشروعا سياسيا قابلا للتطبيق. وما حصل هو العكس تماما، فقد أصبح هذا الشعار وبتسميات مختلفة ملجأ للعديد من الهاربين من الشعار الاول (حل الدولتين) بعد أن تيقنوا من استحالة تطبيقه، وركبوا على موجة الدولة الواحدة لكي يتمسكوا بمواقعهم المهتزة ليس إلا.
اسوق هذه المقدمة بمناسبة عقد مؤتمر مؤخرا في لندن تتحت عنوان: "تحدي الحدود: دولة واحدة في اسرائيل/فلسطين" حيث مثل به نخبة من النجوم الاكاديميين الفلسطينيين والاسرائيليين والاجانب أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: البروفيسور نديم روحانا، مدير مركز مدى صاحب وثيقة حيفا التطبيعية والذي ينادي بالدولة ثنائية القومية في إطار دولة اسرائيل، والدكتور أسعد غانم من جامعة حيفا ومركز ابن خلدون والذي يغير مواقفه السياسية بنفس السهولة التي يغير بها بدلاته الانيقة، وهو ايضا ينادي اليوم بالدولة ثنائية القومية، والدكتور نور مصالحة والمؤرخ إلان بابيه الذين قدما ابحاثا محمودة حول سياسة التهجير والتطهير العرقي للحركة الصهيونية خصوصا خلال حرب عام 1948، هذا بالاضافة الى عدد كبير من الناشطين والاكادميين الآخرين.
الدولة الواحدة التي يتكلم عنها جميع هؤلاء هي في الحقيقة دولة إسرائيل محسنة، طبعة جديدة منقحة، فالجميع يتغاضى عن كون إسرائيل كيانا استعماريا إستيطانيا يقوم على ايديولوجية عنصرية أو يمر على هذه الحقيقة الدامغة مرور الكرام. تستطيع إسرائيل بقدرة قادر أن تتحول الى دولة لكل مواطنيها، الى دولة ثنائية القومية والى دولة ديموقراطية علمانية، كل ما في الامر يجب إقناع حكامها بضرورة ومصداقية هذا الحل، والتغيير سوف يأتي من نفسه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ولا أدعي بمقدرتي أن أوفر الجواب الشافي بهذه الجالة عليه هو: هل تستطيع دولة إسرائيل أن تخرج من جلدها وأن تغيير طبيعيتها الكولولونيالية العنصرية؟ هل تستطيع أن تكون دولة المستوطن، الناهب للأرض وفي الوقت نفسه دولة اللاجئ والمهجر والذي يرزح تحت الاحتلال؟ هل يمكن وهل يعقل المساواة بين الظالم والمظلوم؟ بين المستعمر (بالكسرة) والمستعمر (بالفتحة)؟
ماذا تعني الدولة ثنائية القومية التي ينادون بها؟ عن أي قوميتين يتكلمون؟ هل هي القومية العربية واليهودية؟ ام العربية ولاسرائيلية؟ ولماذا لا يتكلمون عن دولة متعددة القوميات؟، وهذا اقرب الى الواقع الذي فرضه الاستيطان الصهيوني الذي جلب مستوطينين من عشرات القوميات. وبالرغم من كافة الجهود الصهيونية على مدى 60 عاما لصهر هذه القوميات في بوتقة واحدة الا ان الفشل في هذا المجال ظاهر امام كل من يريد أن يرى، واذا ما زال احدهم يشك في ذلك فاليسأل المهاجرين الروس والاثيوبيين والمغاربة واليمنيين وهلم جرا.
حسب المفهوم الليبرالي للمروجين الجدد للدولة الواحدة، تستطيع إسرائيل بكل بساطة أن تدعي بأنها دولة ديموقراطية علمانية، فما الجديد الذي يجلبه هؤلاء؟ والحق يقال أن الدعاية الصهيونية قد حققت نجاحا كبيرا في إقناع العالم بأنها الدولة الديموقراطية العلمانية الوحيدة بالمنطقة وأن كونها دولة يهودية في الوقت نفسه لا يتناقض مع كونها دولة ديموقراطية وعلمانية.
إن مثل هؤلاء الاكادميين والناشطين الذين يعقدون مثل هذه المؤتمرات يسدون خدمة مجانية عظمى للدولة العنصرية التي يتهمونها هم انفسهم بإتباع سياسة التطهير العرقي. نحن كشعب فلسطيني مشرد ومهجر وواقع تحت الاحتلال يجب ألا نقع في هذه المصيدة. الدعوة للإعتراف بنا كأقلية (قومية) (أصلانية) وما شابه هذه الفلذكات الكلامية، هي مصيدة هدفها سلخنا عن عمقنا الفلسطيني والعربي من جهة ومنح الشرعية للأغلبية الصهيونية من جهة أخرى. الكلام حول تحويل إسرائيل الى دولة جميع مواطنيها هو أيضا مصيدة إذ كيف يعقل أن تصبح دولة المستوطنين العنصرية التي اقترفت جرائم لا تحصى ولا تعد أن تكون في الوقت ذاته دولة الشعب المحتل واللاجئ؟
الدولة الديموقراطية العلمانية اذا لم تكن تعني تحرير الارض والانسان فأنها تكون كذبة عظمى يجب فضحها ونبذها.

Sunday, November 18, 2007

استقلال أم إستهبال؟؟



من حق الشعوب أن تحلم بالحرية والاسقلال. ومن حقها، لا بل من واجبها أن تناضل من أجل تحقيق هذا الحلم. ومن واجب قيادة هذه الشعوب أن تقود هذا النضال حتى يتحول الحلم الى حقيقة. ولكن عندما يصبح الحلم كابوسا، عندما يصبح وهما وسرابا، عندما يصبح كذبة كبرى عندئذ على الشعوب أن تستيقظ من هذا الكابوس وتنبذ ذاك الوهم وتفضح تلك الكذبة وتحاسب قياداتها التي أوصلتها الى هذا الوضع المزري.
هذه هي حالتنا مع " إعلان استقلال دولة فلسطين" الذي مر عليه قرابة العشرين عاما. لا دولة، لا استقلال ولا يحزنون. بل هو وبكل بساطة: إستهبال. يطالبوننا بإن نحتفل بهذه الكذبة كل سنة وأن نفرح ونغني ونرقص. قد يقول البعض إن اعلان الاستقلال كان خطوة رمزية على إعتبار ما سيكون وليس على اعتبار ما كان أو ما هو كائن، خصوصا وأنه اتخذ من قبل أعلى مؤسسة في منظمة التحرير الفلسطينية "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني" وهو المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة نوفمبر 1988 في الجزائر. من يروج مثل هذه التبريرات يراهن على ضعف ذاكرة الجماهيرمن جهة وقوة الجهاز الدعائي الديماغوغي للقيادة الفاسدة والعاجزة من جهة أخرى.
كيف ظهر هذا الاستقلال المزعوم الى النور عام 1988 وما هي الظروف السياسية الفلسطينية والعربية والدولية التي كانت سائدة في ذلك الوقت؟، والاهم من ذلك كله، ماذا كان الهدف الحقيقي من الاعلان عنه؟.
التسويات التصفوية التي تفرط بالحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني في وطنه وعلى أرضه قديمة قدم القضية نفسها. ولم تبدأ في أوسلو ولن تنتهي في أنابوليس. وإنخراط فئات متنفذة في قيادة الشعب الفلسطيني وتعاطيها مع هذه التسويات هو الآخر ليس جديدا. فقد سبق الاعلان عن "وثيقة الاستقلال" فترة طويلة من التحضير لقبول تسوية من هذا النوع. العلامة الفارقة في هذه المسيرة التصفوية الطويلة كان تبني ما يسمى البرنامج المرحلي ألذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة عام 1974 وطرح ما يسمى "السلطة الوطنية" والذي في خطوطه العريضة ينبذ حلم تحرير فلسطين ويكتفي بإقامة سلطة على أي بقعة ينسحب عنها جيش الاحتلال الاسرائيلي. وعمليا جاء هذا البرنامج تحضيرا للأنخراط بالمفاوضات التي بدأت بين إسرائيل والدول العربية في جنيف. غير أن الطرف الفلسطيني عاد بخفي حنين ولن تفيده التنازالات التي قدمها فتيلا، ولم يحظ حتى بتلق دعوة لحضور هذه المفاوضات التي تمخضت بعد عدة سنوات عن إتفاقيات كامب ديفيد بين النظام الساداتي وإسرائيل.
لم تكن التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني كافية لكي ترضي إسرائيل وحلفائها الامريكيين والاسرائليين وطالبوا بالمزيد من هذه التنازلات. التي سرعان ما جاءت على شكل حملة " سلام" فلسطينية في نهاية السبعينات والثمانينات. هل ما زال أحد يذكر تحركات عصام السرطاوي وسعيد حمامي وعزالدين قلق وغيرهم من ممثلي المنظمة الذين قادوا هذه الحملة في أوروبا؟ في المقابل كان الرد الاسرائيلي، بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد وتحييد مصر عن الصراع، إجتياح لبنان عام 1978 وإحتلال بيروت وطرد المنظمات الفلسطينية منها عام 1982. من كان يظن أن الممارسات الاسرائيلية سوف تعيد قيادات هذه التنظيمات الى طريق النضال خاب أمله، ما حدث كان عكس ذلك تماما. فقد تسارعت وتيرة التنازلات عن الثوابت الوطنية.
في هذه الاثناء وصل السيل عند الشعب الفلسطيني الزبى وفجر إنتفاضته الشعبية والتي كانت تسير بخطى واثقة ومتسارعة على طريق التمرد المدني والسياسي، الامر الذي أربك ليس إسرائيل وحلفاءها فحسب، بل القيادة الفلسطينية المتنفذة أيضا، التي خافت أن تخرج الامور عن هيمنتها. وكان من الضروري التحرك بسرعة للجم الانتفاضة وترويضها. ويا لسخرية الاقدار فقد دعيت الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر نوفمبر 1988 بدورة الانتفاضة التي مر على انطلاقتها حوالي سنة، وأرادت القيادة أن تقطف ثمار الانتفاضة مبكرا، فجاء الاعلان عن استقلال الدولة الفلسطينية، لكي ترضي جماهير الانتفاضة من جهة ولكنها كانت لذر الرماد في العيون من جهة أخرى، لأن وراء الاكمة كان ما وراءها، والدوافع الحقيقية لهذا الاعلان كان التستر عن المفاوضات التي قطعت مرحلة لا بأس بها بين قيادة المنظمة والادارة الامريكية. فبعد أقل من شهر دعي ياسر عرفات لإلقاء خطاب امام مؤتمر نظمته الامم المتحدة في جنيف وهناك لأول مرة وبشكل رسمي وعلني أعلن ابو عمار بأن الشعب الفلسطيني يقبل بقرار 242 و 338 ويدين كافة أشكال الارهاب. وكان ذلك ما تريده الادارة الامريكية برئاسة رونالد ريغان لكي تبدأ بحاور مباشر مع منظمة التحرير. وهكذا قضينا على الانتفاضة الشعبية الاولى من خلال إحتضانها، وكانت إتفاقيات أوسلو القبلة المميتة.
كاتب وثيقة "الاستقلال" وضع أمامه وثيقة "إستقلال" أخرى هي وثيقة الاستقلال الاسرائلية. وأخذ ينقل عنها وكأنه طالب يغش بالامتحان. الاسلوب نفسه، الافكار نفسها، وحتى بعض الجمل نفسها. تقمص هذا الكاتب الذي من المفروض أن يمثل الشعب الضحية شخصية المستوطن الصهيوني. ركزت الوثيقة على الروابط العاطفية التي تربط الشعب الفلسطيني بوطنه، ركزت على دولة وهمية وتجاهلت المقاومة التي كانت في أوجها. مرت بحق العودة مرور الكرام، كرست الاعتراف بدولة إسرائيل وأعتبرت قرار التقسيم مرجعية بالرغم من إجحافه.
سامحوني، أنا شخصيا لن أحتفل بمثل هذا الاستقلال المزيف. الاستقلال النابع من صلب النضال، الاستقلال الذي يتوج مسيرة التحرير المظفرة هو الوحيد الذي يستحق الاحتفال به.

التطبيع والاسرلة وجهان لعملة واحدة



استوقفني مؤخرا خبر تناقلته بعض وسائل الاعلام أثار إستغرابي وعجزت عن فهمه بالرغم من بساطته. يقول عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية تجنب التطبيع مع اسرائيل". للوهلة الاولى ظننت أن هناك ثمة خطأ لغوي أو مطبعي، ربما سقطت سهوا كلمة صغيرة مما تنضح به لغتنا العربية ولكن بمقدورها أن تقلب معنى الجملة. وقلت: ربما كان عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية عدم تجنب التطبيع مع إسرائيل" فسقطت كلمة "عدم" سهوا مما قلب المعنى رأسا على عقب.
ولكي أتأكد من ذلك قرأت الخبر من عدة مصادر وكلها ذكرت "تجنب التطبيع" من غير كلمة "عدم". فقلت إذن لا بد ان يكون الخبر برمته ليس أكثرمن نكتة سمجة من ابداع أحد الاعلاميين الخبثاء الساخرين. ولكن وكالة انباء الشرق الاوسط التي نشرت هذا الخبر وباقي المواقع التي تلقفته أبعد ما تكون عن السخرية والنكات. يعني أن الخبر بشكله المنشور صحيح. وهذا يعني بدوره أن السيد محمود عباس يستخف بعقول العرب والمسلمين أجمعين وفي شتى أنحاء العالم. وبالعربية العامية أن الرجل يستهبلنا.
كيف يطالب العرب والمسلمين بتجنب التطبيع وهو يختلي كل خميس برئيس حكومة اسرائيل أولمرت لساعات لا يعرف أحد ما يدور بينهما سوى الله رب العالمين؟ بينما تواصل الحكومة الاسرائيلية جرائمها في غزة ونابلس وجنين والخليل حيث يسقط يوميا شهداء وجرحى ومعتقلين يقوم السيد عباس بإحتضان اولمرت وكأن ما يجري حوله يجري على كوكب آخر. حتى اننا لم نعد نسمع الادانات الروتينية التي كان يطلقها المسؤولون في السلطة الفلسطينية. واكثر من ذلك، فالتنسيق والتعاون بين السلطة والاحتلال ينشط على قدم وساق ويشمل كافة المجالات وجميع الاصعدة. فهناك التنسيق الامني الذي يطارد المقاومة ويجردها من سلاحها، وهناك تنسيق فرض الحصار على غزة وتصعيده بالعقوبات الجماعية، وهناك التنسيق السياسي لتحضير مؤتمر الخريف. تتم هذه الامور في وضح النهار وتتناولها كافة وسائل الاعلام المحلية والعالمية، وجميعنا يسمعها ويقرأها. اليست هذه تطبيعا ؟.
ولكي لا أظلم محمود عباس، فلم أكتف بقراءة عنوان الخبر ووجدت في جسد الخبر أنه يضيف: "…إلا اذا انسحبت (اسرائيل) من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 ووافقت على حل عادل لمشكلة اللاجئين".
وهذا عذر أقبح من ذنب. اذ أن رئيس الحكومة الاسرائيلية وكافة وزرائه يعلنون على الملأ صباحا ومساء، للقاصي والداني، لمن يهمه الامر ولمن لا يهمه أنه لا انسحاب من كافة الاراضي المحتلة، وانه لا حق للاجئين بالعودة.
فلماذا يا سيادة رئيس السلطة لا تبدأ بنفسك وتتجنب أنت وحكومتك وأجهزتك الامنية التطبيع مع اسرائيل حتى توافق على مطالبك المتواضعة هذه؟ ألم تسمع المثل العربي الذي يقول: لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إن فعلت عظيم؟
يقول الكثيرون من الدول العربية والاسلامية: اذا كنتم انتم الفلسطينيون، اصحاب القضية، أشد الناس حرصا على التطبيع وتمارسونه ليل نهارا، سرا وعلانية، فبأي حق تطالبوننا بتجنب التطبيع؟ لماذا ما هو مسموح لكم ممنوع علينا؟ أيها المراؤون، كيف تشيرون الى القذى في أعيننا وتتجاهلون الخشبة في أعينكم؟
كيف يطالب محمود عباس الدول العربية بتجنب التطبيع مع اسرائيل وفي يترجى السعودية والدول العربية "المعتدلة" الا تقاطع مؤتمر الخريف. ويدعو مصر والاردن وباقي الدول العربية والاسلامية الى تبني مشروع السلام الامريكي – الاسرائيلي.

يجب ملاحقة المطبعين الفلسطينيين وفضحهم أمام الجماهير. وإعادة القضية الى مسارها الصحيح
الاسم الآخر للتطبيع فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل هو الاسرلة. جميع الاحزاب العربية الاسرائيلية والجمعيات والمؤسسات ليس فقط انها تسير في ركب الاسرلة ولكنها تعمل أيضا بلا كلل أو ملل، من حيث تدري أو لا تدري على أسرلة الجماهير الفلسطينية وتشويه هويتها الوطنية.
وكما في المناطق الفلسطينية الاخرى، فإن زعامة هذه الاحزاب والجمعيات تستهبلنا وتستخف بعقولنا، تختبئ وراء قناع مزيف من الوطنية أو القومية او الاسلامية ولكنها في الحقيقة تروج للأسرلة. فهذه لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية ولجنة رؤساء المجالس المحلية تصدر وثيقة أطلقت عليها اسم التصور المستقبلي، وذلك على حد زعمها لترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين، ومن ثم قامت عدالة بنشر وثيقة مشابهة تحت مسمى "الدستور الديموقراطي" وتبعها مركز مدى بوثيقة حيفا، وكلها وثائق أسرلة بإمتياز ولم ولن يستطيع أي قناع "وطني" أن يخفي هذه الحقيقة الدامغة. في هذا السياق، أعجبني خطاب محمد بركة في حضرة محمود عباس عندما زاره وفد من لجنة المتابعة العليا للتوسط وحل النزاع الدموي الناشب بين فتح وحماس. قال بركة موجها كلامه الى محمود عباس: " اننا لسنا معك، وانما نحن مع المشروع الوطني الفلسطيني ومن أجل تحقيقه، وطالما انك متمسك بهذا المشروع فنحن نؤيدك".
المشروع "الوطني الفلسطيني" الذي يتمسك به كل من بركة وعباس ذو طبيعة واحدة وهو الاعتراف باسرائيل كتجسيد لحق "الشعب البهودي في تقرير مصيره" والقبول بدويلة مسخ للشعب الفلسطيني. وكما قال المثل: الطيور على اشكالها تقع.
إن مقاومة التطبيع والاسرلة شرط مسبق وضروي من أجل التمسك بالحقوق الطبيعية للشعب الفلسطين في تحرير أرضه والعودة اليها. وأن التطبيع والاسرلة هو المقدمة الاولى للتفريط بهذه الحقوق.

Wednesday, October 10, 2007

تشي جيفارا: أينما يوجدالظلم فذاك وطني



اربعون عاما مضت على مقتل القائد الفذ والثائر العالمي تشي جيفارا في أدغال بوليفيا على أيدي جيش النظام البوليفي العميل مدعوما برجال المخابرات الامريكية ال سي آي ايه. نعم، لقد مات تشي جيفارا ولم تنتصر الثورة في بوليفيا، إلا أن فكر تشي جيفرا الثوري المقاوم للإمبريالية في كل زمان ومكان ونصير شعوب العالم المضطهدة ما زال حيا ينمو ويترعرع في كل مكان فيه ظلم وإضطهاد.
يحاول أعداء تشي جيفارا ومنهم من يغطي وجهه بقناع صديق أن يجعل من تشي جيفارا وفكره ونضاله الثوري اسطورة، اسطورة خيالية قد ولى زمنها لا تمت للواقع بصلة مثل اسطورة روبين هود، فنرى العديد من الشباب والصبايا يلبسون بلوزات عليها صورته او يعلقون في أعناقهم قلائد تحمل صورته او يزينون جدران غرفهم ببوسترات كبيرة. قسم كبير من هؤلاء الشباب والصبايا لا يعرفون سوى النزر القليل عن حياة هذا الثائر العالمي وقسم منهم ينتمي الى أحزاب انتهازية كانت تتهم تشي جيفارا بالتهور واللاواقعية.
تشي جيفارا ليس أسطورة بهذا المعنى بأي حال من الاحوال، بل هو ثائر من لحم ودم حمل السلاح دفاعا عن المظلومين في كل مكان. قال: " اني أحس على وجهي بالم كل صفعة توجه الى مظلوم في هذه الدنيا فاينما وجد الظلم فذاك وطني". حارب تشي جيفارا الارجنتيني المولد في كوبا ضد النظام الفاسد العميل وفي أفريقيا وفي بوليفيا ودعم بدون تحفظ نضالات الشعوب التي كانت تناضل من أجل حريتها وإستقلالها خصوصا في فيتنام والجزائر الملتهبتين في تلك الايام.
لقد شن تشي جيفارا حربه الثورية على 3 جبهات:
أولا: ضد الامبريالية العالمية التي تزعمتها بعد الحرب العالمية الثانية الولايات المتحدة الامريكية.
ثانيا، ضد الانظمة الفاسدة والعميلة التي تقمع وتستغل جماهير الشعب وتخدم مصالح الامبريالية.
ثالثا ضد القوى الانتهازية التي تتكلم بإسم العمال والكادحين والمسحوقين ولكنها في نهاية المطاف تخدم الامبريالية العالمية وتلحق الضرر الفادح بنضالات الشعوب التحررية.
بعد افول نجم الاستعمار القديم متمثلا الاساس ببريطانيا وفرنسا من حيث الاساس، وصعود نجم الامبريالية الامريكية أدرك تشي جيفارا بانه لا بد من توحيد جميع القوى الثورية لمواجهة هذا العدو الغاشم. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة الامريكية تشن حروبها القذرة في كل أرجاء العالم، في كوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا والعديد من الدول الافريقية ودول امريكا اللاتينية. إزاء هذا الوضع توصل تشي جيفارا الى عقيدة راسخة ما زالت سارية المفعول حتى يومنا هذا، بل هي اليوم أكثر واقعية من ذلك الوقت. خلاصتها: أن إنتصار الثورة هو الضمان الوحيد للقضاء على الحروب الامبريالية." لا حياة خارج الثورة، ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة وأكثر".
هل تغير شيء على طبيعة الامبريالية الامريكية منذ ذلك الحين وحتى الآن؟ هل يوجد طريق آخر للقضاء على الحروب الامبريالية العالمية؟ وعلى غرار ما قاله تشي جيفارا اقول: لا حياة خارج الثورة وليوجد عراق وافغانستان ولبنان وفلسطين وفنزويلا ثانية وثالثة وأكثر.
المفاوضات والمؤتمرات والاستجداءات لن تردع الامبريالية الامريكية وحلفائها من شن الحروب بل على العكس من ذلك فإن هذه الاساليب تزيدها سعورا وعدوانية، الثورة فقط هي الكفيلة بذلك.
يمثل تشي جيفارا النقاء الثوري، ليس من خلال التقوقع في الابراج العاجية ولا من وراء الكتب والمكاتب بل من خلال الممارسة العملية والاخلاص منقطع النظير للمبادىء الثورية والتفاني والتضحية الى ابعد الحدود.
لقد سار تشي جيفارا على طريق الثوار العظام الذين سبقوه مثل ماركس ولينين وماو تسي تونغ وهوشي منه. كان يؤمن أن تعلم الثورة يأتي من خلال صنع الثورة: " أن من يعتقد أن نجم الثورة قد أفل فإما أن يكون خائنا أو متساقطا أو جبانا، فالثورة قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن".
ما أحوجنا نحن هنا في فلسطين وفي العالم العربي أن ننحت هذه الكلمات في عقولنا وفي ذاكرتنا حيث كثر الخائنون والمتساقطون والجبناء الذين حبهم للوطن لا يساوي أكثر من حفنة من الدولارات الملطخة بدماء الشهداء. هذه الكلمات الملتهبة ما زالت تحرق وجوه الملوك والرؤساء العرب، الحقيقيين منهم والمزيفين الذين يعتقدون أن 90% من أوراق الحل بيد الامبرياليين الامريكيين وحلفائهم ويتعاموا عن رؤية الحقيقة التي تقول أن هؤلاء مسؤولون عن أكثر من 90% من المشكلة. الثورة في طريقها نحو الانتصار على الامبريالية سوف تكنس مثل هذه الزعامات الى مزبلة التاريخ.
ما كانت هيمنة الامبريالية تدوم هذه الفترة الطويلة لولا نشوء وتطور القوى الانتهازية داخل الحركات الثورية وفي صفوف الشعوب المسحوقة. وقد انتبه تشي جيفارا الى هذا العدو الداخلي الكامن والمقنع بثياب صديق. وحاول بكل ما يملكه من قوة مقاومته وفضحه وإجهاض نتائجه الوخيمة. وقف في وجه التحريفيين السوفييت، الذين قضوا لاحقا على الاتحاد السوفياتي نفسه، الذين نادوا بسياسة التعاون السلمي مع المعسكر الامبريالي. ووقف في وجه الاحزاب الانتهازية التي تسمي نفسها بالاحزاب الشيوعية، والتي نادت هي الاخرى بنبذ الطريق الثوري وسلوك النضال السلمي البرلماني مما جعل الامبريالية تزيد من شراستها.
النضال على الجبهة الداخلية لم يتوقف ابدا، وهو لا يقل من حيث الاهمية عن النضال ضد الامبريالية والرجعية. وقد قال لينين من قبل: "أن الحزب البلشفي قد نما وترعرع واصلب عوده من خلال النضال ضد الانتهازية داخل الجركة العمالية". وقد قدم تشي جيفارا في هذا المجال نموذجا فريدا من نوعة ما أحرى المقاومين في فلسطين ولبنان وفي كل مكان آخر في العالم أن يتوقفوا عنده ويستوعبوه ويتعضوا به. فبعد إنتصار الثورة في كوبا تقلد تشي جيفارا مناصب رسمية قيادية وتم تعينه وزيرا للإقتصاد وثم رئيسا للبنك المركزي ومسؤول العلاقات الخارجية للثورة المنتصرة، وعمليا كان المسؤول عن بناء الدولة الاشتراكية الفتية. إلا انه قدم استقالته للرئيس فيدل كاسترو بعد أن أخبره أن مهمته في كوبا قد انتهت، والآن يجب على الثورة أن تنتصر في أماكن اخرى.
لنقارن هذا الموقف المثالي بموقف القياديين في حركة حماس الذين يخوضون صراعا داميا للإنفراد بسلطة وهمية في ظل الاحتلال ويبدون استعدادهم للمساومة من أجل أن يكونوا وزراء. لقد أثبت الواقع أن السلطة المنبثقة عن اتفاقيات تصفوية تتناقض مع نهج المقاومة ولا يمكن الجمع بينهما. على قادة حماس أن يختاروا المقاومة او السلطة.
لم يناد تشي جيفارا كما يقول البعض بتصدير الثورة الى بلدان أخرى وهو القائل: " انا لست محررا، المحررين لا وجود لهم، فالشعوب وحدها هي من يحرر نفسها". إذن لماذا ترك كوبا والتحق بالنضال الثوري في الكونغو وفي بوليفيا ونادى بفتح جبهات جديدة في وجه الامبريالية؟ لأنه كان يؤمن أن الامبريالية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية ذات طابع عالمي ولايمكن مواجهتها إلا بثورة ذات طابع عالمي لا تتوقف عند أية حدود جغرافية. وقال: " لا يهمني متى وأين سأموت، لكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجا، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين"
نعم أيها القائد الثائر، يموت الثوار ولكن لن يركعوا ابدا

Thursday, October 04, 2007

مؤتمر الخريف - تصفيات آخر الموسم


لقد كتب الكثير عن هذا المؤتمر الغريب العجيب، مؤتمر السلام المزمع عقده في الخريف. ها نحن نقف على أعتاب الخريف وحتى الآن لا يعرف أحد على وجه التحديد تاريخه ولا مكانه المحدد ولا المدعوين اليه أو المواضيع التي سوف تطرح وتناقش به.
أنه حقا إسم على مسمى، أنه مؤتمر خريف بإمتياز. فالفرسان الثلاثة المبادرون لهذا المؤتمر والمتحمسون له يعيشون خريف حياتهم السياسية. لم يبق أمام الرئيس الامريكي بوش الابن سوى سنة في منصبه وسوف يترك البيت الابيض جارا وراءه اسوأ فترة رئاسة عرفتها بلاده في العصر الحديث، حيث ورط بلاده في حروب لا تنتهي بحجة شن حرب عالمية على الارهاب. هل يستطيع أن يحقق السلام في خريفه بعد أن زرع الموت والدمار في ربيعه وصيفه؟
الفارس الثاني هو أولمرت الذي يعيش هو الآخر خريفه السياسي الاخير بعد أن حرقه صيف المقاومة اللبنانية السنة الماضية، وفشل بالرغم من جميع الجرائم التي اقترفها في غزة والضفة الغربية أن يحافظ على ربيع سلطته.
أما الفارس الثالث، محمود عباس فهو من أشد المتحمسين لمؤتمر الخريف ربما لأنه يشعر أن خريفه السياسي أزف على الانتهاء بعد أن فقد غزة بينما في الضفة الغربية وكما يقول المثل الشعبي: لا يمون على بصلة.
إذن، لا غرابة والحال هكذا أن يطلق على هذا المؤتمر: مؤتمر الخريف.
لكن هذا ليس كل شيء. يوجد هناك وجوه شبه كثيرة أخرى مشتركة بين هذا المؤتمر وبين فصل الخريف. أتذكر ما علمتنا اياه معلمة الروضة قبل سنوات عديدة عن ميزات الخريف، وما زال أطفالنا يتلقون نفس المعلومات إذ لم يطرأ اي شيء جديد على الخريف.
1- يتميز فصل الخريف بتساقط أوراق الشجر تدريجيا حتى يترك الشجرة عارية تماما تتمايل كلما هبت الرياح، وهكذا تتساقط الاوراق التي تستر القيادة الفلسطينية والزعماء العرب المهرولين الى هذا المؤتمر. وقبل أن يفتتح المؤتمر أوراقه نرى أن عوراتهم أصبحت مكشوفة أمام شمس الخريف الناعسة.
2- في فصل الخريف يسقط المطر الاول وبما أن الجو يكون ملوثا بالغبار فإن هذا المطر يوسخ شبابيك البيوت والسيارات الزجاجية بدل تنظيفها، كذلك تلوث أمطار هذا المؤتمر كل بقعة نظيفة في تاريخنا ونضالنا إذ تخلط الاوراق وتدمغ المناضل والمقاوم بالارهاب وتضفي على المجرم والقاتل صفة محب للسلام.
3- في الخريف يكون الطقس متقلبا، ومن الواضح أن المبادرين لهذا المؤتمر والمشاركين فيه يشكلون مدرسة في التقلب فعندما يتكلمون عن السلام يخططون للحرب وعندما يتكلمون عن الديموقراطية يكتمون الافواه والانفاس وعندما يتكلمون عن الوطنية يبيعون الوطن بالجملة والمفرق.
4- في الخريف تهاجر الطيور تاركة أعشاشها الباردة باحثة لها عن مأوى دافئ، وهكذا تهاجر زعامتنا العربية والفلسطينية باحثة عن حضن دافئ في تل ابيب وواشنطن.
5- ولكن في الخريف أيضا تهب رياح شديدة وفي بعض الاحيان تهب زوابع وعواصف تقتلع كل من يعترض طريقها وتلقي بهم في مزبلة التاريخ، يبدو أن المؤتمرون لم يأخذوا هذه الميزة بالحسبان، فحذار أيها الخريفيون المجتمعون في مؤتمر الخريف من هذه الرياح العاتية. حتى لو زودتكم الادارة الامريكية المضيفة بكل الفياغرا في الولايات المتحدة فإن إنتصابكم لن يصمد أمام هذه الرياح.
يريد بوش الابن من هذا المؤتمر أن ينقذه من ورطته في العراق ويبحث له عن مخرج يحفظ ماء وجهه قبل أن يخرج جيوشه من هناك يجر ذيول الهزيمة، وهو كالعادة يريد الزعماء العرب أن يساعدوه في هذه المهمة لذلك يلوح لهم بالحل السلمي للقضية الفلسطينية، وهو يحلم أن يغادر البيت الابيض ملوحا ببعض الانجاز.
أما أولمرت فيريد أن يرمم شعبيته ومصداقيته بعد الهزيمة التي مني بها في لبنان وأن يغطي بعض الشيء على فضائح الفساد التي تتربص به في البيت. قد يتفهم المراقب السياسي دوافعهما لعقد هذا المؤتمر، إلا أن اللغز المحير يبقى موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ودوافعه. فهو يصرح انه لن يقبل أقل من إعلان مبادئ لحل نهائي للصراع وإقامة دولة قابلة للحياة من خلال مفاوضات تبدأ حالا بعد إنتهاء المؤتمر، ولن يقبل إتفاق إطار كما تتناوله وسائل الاعلام. مع أن اولمرت يقول له بصراحة: لا تحلم لا بإعلان مبادئ ولا بإتفاق إطار فلن يتمخض هذا المؤتمر عن أكثر من بيان مشترك غير ملزم ويكتنفه الغموض من كل جانب ويهمل فورا كالعادة بعد نهاية المؤتمر.
وللحق يقال أن الموقف الاسرائيلي هو الموقف الوحيد الواضح والمنسجم حتى النهاية ويتلخص باللاءات الاربعة: لا لحق العودة، لا لإزالة المستوطنات، لا للإنسحاب الكامل من الاراضي المحتلة عام 1967، ولا لإعادة القدس العربية.
على ضوء هذه التصريحات التي نسمعها ونشاهدها صباح مساء في وسائل الاعلام الاسرائيلية وفي اروقة الكنيست والحكومة، فعلى ماذا تعتمد القيادة الفلسطينية ومن ورائها ما يسمى بالدول العربية المعتدلة ملوحين بمبادرتهم السقيمة في هرولتهم المخزية الى مؤتمر الخريف؟ هل يعلنون عن تصفيات آخر الموسم ويبيعوننا بأبخس الاثمان؟
لم يبق امامنا سوى أن نجعل من هذا الخريف فصل الزوابع والعواصف


Sunday, September 30, 2007

نعم، غزة كيان معادي



ربما للمرة الاولى في تاريخها تعلن إسرائيل تصريحا حقيقيا عندما قامت الحكومة الاسرائيلية بالاجماع بناء على طلب وزير الحربية ايهود براك بالاعلان عن قطاع غزة "كيان معادٍ". وبذلك أكون أول من يسبح ضد التيار ويبارك للحكومة الاسرائيلية على صراحتها وجرأتها هذه، على عكس قيادتنا المحلية التي سارعت بإدانة هذا التصريح وأعتبرته بمثابة إعلان حرب على غزة (وكأن غزة قبل هذا التصريح كانت تنعم بالسلام والامن) وأعتبرته تخريبا للمؤتمر الدولي المزمع عقده في الخريف في أمريكا، وكأن هذا المؤتمر سوف يجلب السلام المنشود.
لقد اعاد هذا التصريح ترتيب الامور في وضعها الطبيعي بعد أن إختلطت الاوراق واصبحنا لا نعرف العدو من الصديق ولا الضحية من المجرم. جاء هذا التصريح ليضع النقاط على الحروف: غزة كيان معادٍ تماما كما أن إسرائيل كيان معادٍ. هذه هي الصورة كاملة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي طبيعة العداء بين هذين "الكيانين"؟
بالنسبة لغزة الجواب واضح، فالعداء ليس جديدا ويعود الى عام 1948 وما قبله لأن الكيان الاسرائلي هو المسؤول عن تهجير 80% من سكان غزة من بيوتهم، هو الذي نهب ارضهم ودمر قراهم، ولم يكتف بذلك بل عاد وأحتل أماكن لجوئهم وأذاقهم الامرين من قمع وحصار وقتل الخ.
بالنسبة لإسرائيل غزة كيان معادٍ لانها ترفض أن تستلم، لانها تقاوم الاحتلال بكل ما تملكه من قوة متواضع وبالرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمتها وما زالت تقدمها، لأنها تتمسك بحقها بالعودة والحرية.
ولكننا نعيش في عصر اللامعقول حيث تتحول الاشياء الى أضدادها بقوة سيطرة الجيش والمال والاعلام. حتى أصبح دفاع أهل غزة عن حقوقهم الانسانية الاساسية في الحياة والمسكن والامن عدوانا بينما اصبح العدوان الاسرائيلي دفاعا عن النفس.
لقد وصف الشعب الفلسطيني إسرائيل منذ اللحظة الاولى بالكيان العدواني وكان هذا الوصف يعكس الواقع كما يحسه الفلسطيني على جسده. كما يعيشه يوميا، كما يتنفسه كل صباح وقد حاولت اسرائيل إختراق هذا التعريف على كافة الاصعدة، وللحق يقال انها حققت إنجازات كبيرة في هذا المجال. جاء الاختراق الاول الكبير في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد وتحييد أكبر دولة عربية، وهي مصر، عن الصراع. ومن ثم تلتها اتفاقيات وادي عربة التي فتحت أبواب الاردن على مصراعيه لتغلغل الهيمنة الاسرائيلية وأخيرا إتفاقيات اوسلو التي ما زلنا نعاني من عواقبها الوخيمة. جاءت غزة لتعيد الامور الى نصابها الحقيقي ولتؤكد حقيقة تاريخية: ان العداء بين المستمعر المحتل وبين الشعب الرازح تحت نير الاحتلال هوعداء مطلق.
في الحقيقة لم يأت التصريح الاسرائيلي بشيء جديد. فمن يقرأه يظن للوهلة الاولى وكأن غزة قبل هذا الاعلان كانت "كيانا صديقا" تنعم بالعلاقات الحميمة وحسن الجوار. ما الجديد الذي قد يجلبه هذا القرار الى غزة؟ تشديد الحصار؟ ولكن غزة محاصرة منذ سنوات وكلما ازداد الحصار كلما إصلب الصمود. فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية؟ وقطع الكهرباء؟ وكأنه لم تكن هناك عقوبات حتى الان. أم تصعيد الاجتياحات والاغتيالات والقصف؟ وكل ذلك تمارسه اسرائيل بكل طاقتها منذ سنوات فماذا كانت النتيجة؟.
ولكن، حسب رأيي، يوجد هناك نوايا أخرى خبيثة وأخطر بما لا يقاس من وراء هذا التصريح الاسرائيلي وفي هذه الفترة بالذات، هذه النوايا يجب فضحها ومواجهة مخاطرها. لقد جاء التصريح الاسرائيلي ليقول للشعب الفلسطيني لمقاوم من حيث الاساس: غزة هو كيان معادٍ ينبغي القضاء عليه اما الضفة الغربية فهي كيان صديق وسوف تنعم بالازدهار والرفاهية. من يقاوم الاحتلال الاسرائيلي فهو ارهابي وعدو ولكن من يتقبل الاحتلال ويتعاون معه فهو صديق.
دعونا نلقي نظرة خاطفة لكي نرى كيف تتعامل إشرائيل مع "الكيان الصديق": الاستيطان يتمدد كالاخطبوط في كافة ارجاء الضفة الغربية ولم يتوقف حتى للحظة واحدة، تهويد القدس يجري على قدم وساق وفي كل يوم يهدم بيت وتصادر أراضي وتبنى مستوطنات، جدار الفصل العنصري ينهش في اراضي الضفة من شمالها الى جنوبها، هذا بالاضافة الى الحواجز التي تقطع اوصال الضفة والاجتياحات المتكررة في نابلس ورام الله وباقي المدن والقرى والاغتيالات والاعتقالات. هكذا تكون الصداقة لا عمرها ما تكون.
المصيبة الكبرى أن السلطة الفلسطينية تنسجم أكثر فأكثر مع هذه السياسة الخبيثة. على غرار حكومة أولمرت – براك، حكومة عباس-فياض هي الاخرى تعتبر غزة " كيانا معاديا" ولا يغرنا التصريحات التي يطلقها بعض المسؤولين في السلطة تدين التصريح الاسرائيلي. لقد أصبح واضحا لجميع المراقبين أن هناك ثمة تنسيق إسرائيلي – امريكي – فلسطيني سلطوي لتضييق الخناق على غزة حتى تركيعها. وهناك أيضا تواطؤ عربي أوروبي لدعم هذه السياسة.
ولكن لا يوجد لدى الغزاويين ما يخسروه سوى أغلالهم وأمامهم الوطن ليكسبوه

Wednesday, September 19, 2007

صبرا وشاتيلا، لن ننسى ولن نغفر



لو آمنا جميعا بأن الشهداء ليسوا أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقزون، وتفقدنا شهداء صبرا وشاتيلا في قبورهم لوجدناهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال يكادون يتميزون من الغيظ والغضب، ليس بسبب من سفك دمهم قبل ربع قرن ولكن بسبب بني جلدتهم الذين تركوهم بلا حماية في عام 1982 واليوم يتسابقون لنيل رضى القتلة المجرمين بدل أن ياخذوا بثأرهم.
ولو آمنا جميعا بأن الذين قتلوا في نيويورك في 11 سبتمبر عام 2001 هم أيضا شهداء، على إعتبار انهم ضحايا مدنيون، وتفقدناهم في قبورهم لوجدنا هذه القبور قد تحولت الى ملاهي وهم يرقصون فرحين تكاد الارض أن تنشق من حولهم. حيث تم الثار الرهيب لمقتلهم بشكل لم يتصوروه ولم يتوقعوه. إذ تم تدمير أفغانستان وإشعال نار الحرب الاهلية التي لم تنته بعد، وتدمير العراق واحتلاله وتفكيكه وإذكاء نار الحرب الطائفية التي ما تزال ملتهبة، هذا بالاضافة الى الهيمنة على معظم أرجاء العالم عن طريق إقامة الاحلاف العميلة. وقد ساهم العرب بشكل فعال في خدمة السيد الامريكي وأبلوا بلاء حسنا في مساعدته للأخذ بثأره.
إن شعبا ينسى شهداءه هو شعب مصاب بفقدان الذاكرة، اي انه يعيش بدون ماض أو حاضر أو مستقبل. إن شعبا ينسى شهداءه لا يستحق أن يعيش حياة حرة كريمة ، بل سيعيش على هامش التاريخ حياة ذل ومهانة تدوسه الاقدام من كل صوب. والامة العربية من المحيط الى الخليج قد نسيت شهداءها ليس في صبرا وشاتيلا فحسب بل شهداء المجازر التي سبقت صبرا وشاتيلا والمجازر التي لحقتها ايضا.
أيام معدودات فصلت بين الذكرى الخامسة والعشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا والذكرى السادسة لتفجير برج التوأمين في نيويورك. إلا أن سنوات ضوئية تفصل بين تداعيات ونتائج الحدثين. في صبرا وشاتيلا يسكن لاجئون معدمون يستجدون لقمة معيشتهم من المنظمات الخيرية، لاجئون طردوا من بيوتهم ووطتهم والقي بهم في العراء، وكأن ذلك لم يكن كافيا فلاحقتهم قطعان الفاشية المحليون بقصد القضاء عليهم نهائيا. في الطرف الآخر من العالم، في منهاتن في نيويورك يقبع في البرجين المهدومين ناس من صنف آخر، أغنياء الى درجة الفحش، يتلاعبون بالاموال كما يحلو لهم، يعيشون على سلب لقمة العيش من افواه الملايين في الدول النامية. بالرغم من أن عدد الضحايا في الحادثتين متقارب (حوالي 2000) إلا أن شتان فيما بينهما، بؤساء المخيم ليسوا سوى مجرد أرقام، إحصائيات موتهم لا يقدم ولا يؤخر، دمهم مباح كالماء. أما أغنياء البرجين فدمهم أحمر قاني وسفكه جريمة لا تغتفر، ومن تسول له نفسه ذلك فسوف يطارد الى آخر الدنيا ويقتل هو وأهله وأصدقاؤه وجيرانه عن بكرة ابيهم.
الذين ارتكبوا مجزرة صبرا وشاتيلا ما زالوا يتغطرسون في مشيتهم على رؤوس الاعيان، منهم ما زال يتبوأ مكانة راقية ومنصبا مرموقا في بلده ومنهم من يغط في سبات عميق بسبب مرضه وقد أصبح ورثته محجا يدور حوله الزعماء العرب والفلسطينيون. يا للعار.
لا يوجد تقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. لا يعقل أن يصر ما يسمى بالمجتمع الدولي والذي يدور في فلكه معظم العرب على تشكيل محكمة دولية لملاحقة ومحاكمة رفيق الحريري وهو شخص فرد ويتم التغاضي عن جريمة صبرا وشاتيلا، قاتل أو قتلة الحريري ما زالوا مجهولون ولا يوجد أي دليل يشير الى طرف بعينه، بينما هوية قتلة أكثر من 2000 فلسطيني ولبناني في صبرا وشاتيلا معروفة للجميع والاثباتات والادلة والشهود موجدة بوفرة تكفي لإدانتهم ألف مرة. هذا المجتمع الدولي المنافق الذي طبل وزمر عند تقديم الرئيس الصربي ميلوسفيتش للمحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، يملأ فمه رملا ورمادا إزاء الجرائم التي ترتكبها أمريكا وإسرائيل.
انه لمن المخزي والمخجل أن تمر الذكرى أل25 لمجزرة صبرا وشاتيلا بدون أن تحرك بنا ساكنا. لا حزب سياسي ولا جمعية مدنية ولا لجنة متابعة قد كلف نفسه عناء تنظيم مظاهرة أو مسيرة أو ندوة أو إصدار بيان وهو أضعف الايمان خصوصا وأن سفك الدم الفلسطيني ما زال مستمرا كل يوم والمجرمون هم أنفسهم وإن تغيرت الاسماء وتبدلت الشخصيات. على العكس من ذلك، نرى التعاون مع المجرمين يجري على قدم وساق ووصل في بعض الاحيان الى حد التحالف والمشاركة الفعلية.
اننا نقدم إعتذارنا لكم يا ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا وضحايا كافة المجازر، لقد خيبنا أملكم وخذلناكم، حتى بتنا نحسدكم لأنكم لا ترون ولا تسمعون ماذا يجري حولكم، نتمنى لو كنا نرقد الى جانبكم، فالعار لم يعد يحتمل. سامحونا على عجزنا وعلى تفاهتنا. أنتم الأحياء وإن متم ونحن أموات وإن عشنا.

Thursday, September 06, 2007

زيف الديموقراطية الفلسطينية


كذبنا على أنفسنا كذبة وصدقناها. وكلما كبرت الكذبة كلما إزداد تصديقنا لها حتى ضربت شروشها في وعينا الجماعي وفي لا وعينا أيضا. اصبحنا ضحية لهذه الكذبة بل عبيدا لها. تقول هذه الكذبة اننا نمتلك ديموقراطية فريدة من نوعها غير موجودة في اي بلد عربي تحسدنا عليها جميع الشعوب العربية المحرومة من الديموقراطية والتي تبتلي بأنظمة استبدادية عاتية. حتى أن هذه الديموقراطية تتفوق على كافة الديموقراطيات في العالم المتمدن. وقد أطلقنا عليها ببساطة: الديموقراطية الفلسطينية.
فنحن نحل خلافاتنا بالحوار ولا نحتكم الى السلاح أبدا ومهما إختلفنا يبقى شعار الوحدة الوطنية مرفوع عاليا. اما مؤسساتنا فهي نموذج حي لهذه الديموقراطية. حيث تؤخذ جميع قراراتنا بالاجماع بعدما يشارك الجميع بالنقاش الحر. لذلك يقف الجميع وراء هذه القرارات ويعمل على تنفيذها بكل صدق وأمانة. ولعل آخر مثل يضربونه على هذه الديموقراطية العجيبة هو الانتخابات الاخيرة للمجلس التشريعي التابع للسلطة الفلسطينية في بداية عام 2006 والتي اسفرت عن فوز كاسح حققته حركة حماس.
أما ماذا جرى بعد ذلك فتختلف الروايات. فالبعض يقول: أن التيار الانقلابي في حماس هو الذي قوض اركان الديموقراطية الفلسطينية. بينما يقول البعض الآخر: بل التيار الانقلابي في حركة فتح هو الذي زعزع أسس هذه الديموقراطية منذ أن رفض الاعتراف بنتائج الانتخابات. لعل الجانب الايجابي الوحيد الذي اسفر عنه صراع هذين التياريين الانقلابيين هو انهما مزقا القناع الذي كان يغطي عورة ما يسمى بالديموقراطية الفلسطينية.
من يراجع تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، بقليل من الجرأة والموضوعية، يرى انها كانت تفتقر الى اي عنصر ديموقراطي منذ تأسيسها عام 1964 بقرار من جامعة الدول العربية، مرورا بسيطرة التنظيمات الفلسطينية المسلحة عليها عام 1968 وحتى اتفاقيات أوسلو عام 1993 إلى يومنا هذا. وإذا ما حققت هذه المنظمة شيئا من الانجازات خلال تاريخها الطويل فقد كان ذلك بالرغم من مساوئها وليس بفضل ديموقراطيتها الوهمية وذلك بسبب عدالة القضية الفلسطينية.
في مرحلة نشأتها الاولى كانت المنظمة ملحقة بالسياسة العربية المهزومة ولم يكن لها أي تواجد مستقل. بعد الهزيمة العربية عام 1967 إستولت عليها حركة فتح بينما إكتفت المنظمات الاخرى بالفتات وكانت تطالب طول الوقت بدمقرطة مؤسساتها ولكن لا حياة لمن تنادي. وعندما قررت زعامتها المتنفذة الانخراط بما يسمى بالحل السلمي ونبذ السلاح تدريجيا، قامت بالاعتراف بالقرارات التي رفضتها الجماهير الفلسطينية وقدمت آلاف الشهداء في محاربتها مثل قرار 242 و338، بل وأكثر من ذلك فقد أدانت المقاومة الفلسطينية ودمغته بالارهاب. ومن ثم تآمرت على وأد الانتفاضة الاولى بعد أن الهت الجماهير الفلسطينية بإعلان الاستقلال الوهمي، ومن ثم دخلت وأدخلت القضية الفلسطينية والجماهير الفلسطينية معها الى دهاليز مفاوضات اوسلو السرية التي تمخضت عن إتفاقيات هزيلة وعقيمة، بعدما أجهضت الانتفاضة الاولى نهائيا.
في كل هذه الامور كان الانفراد بإتخاذ القرار سيد الموقف. وكان كل معارض يدمغ بمعادة المشروع الوطني. بل اصبح بيع الوطن بالجملة والمفرق هو العمل الوطني. حتى أفرغت منظمة التحرير الفلسطينية ليس من مضمونها فحسب بل جردت من معناها اللغوي أيضا. اذكر أن أحد المفكرين الاسرائيليين المختصين قد إقترح تغيير اسمها من אש"ף إلى אשח"ף اي من منظمة تحرير فلسطين إلى منظمة تحرير جزء من فلسطين. غير أن هذا الكاتب الاسرائيلي يبدو انه كان كريما ومتفائلا أكثر من اللازم. فكما تعلمنا في كتب التاريخ عن الامبراطورية الرومانية المقدسة التي لم تكن في حقيقة الامر لا امبراطورية ولا رومانية ولا مقدسة، كذلك فأن منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد منظمة: بل أصبحت مجموعة من التنظيمات أغلبها تنظيمات وهمية تحمل اسماء اطول منها، أما كلمة تحرير فقد شطبت من برنامجها تماما كما شطب سلام فياض مؤخرا كلمة مقاومة من برنامج حكومته، وهي لم تعد فلسطينية نظرا لهيمنة دول دولارات النفط على قرارتها وأخيرا دخول الهيمنة الامريكية من أوسع ابوابها.
اليوم يعيد محمود عباس تجربة ابراهيم الخليل الذي طلب من ربه ان يريه كيف يحيي الموتى، وهو يريد أن يرينا كيف يحيي منظمة التحرير الفلسطينية وهي رميم. فدعا المجلس المركزي للإجتماع لإدانة الانقلاب في غزة ولإنفراد بالشرعية. هذا المجلس لم يجتمع منذ 11 عاما وحتى إجتماعه في ذلك الحين كان من أجل تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني بما يرضي امريكا وأسرائيل. نصف أعضا ءه قد قضوا نحبهم ولم يتم تعيين بدائل لهم وبعضهم الآخر يترأس تنظيمات لا وجود لها. مؤخرا اصدر محمود عباس مرسوما لتعديل قانون الانتخابات يلزم كل مرشح بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد ويلتزم بقراراتها. ولكن يبدو أن السيد الرئيس قد نسي ان يخبرنا اية منظمة تحرير يعني.
تريد أمريكا واسرائيل ديموقراطية فلسطينية مدجنة تقبل بالهيمنة الامريكية في المنطقة وتقبل بالحل الاسرائيلي للقضية الفلسطينية مع بعض التحسينات التي تعود بالنفع للطبقة الارستقراطية المتعاونة. من أجل ذلك تقوم الحكومة الفلسطينية بالتنسيق مع قوات الاحتلال وبدعم مالي وعسكري امريكي بملاحقة المقاومين ونزع سلاحهم، بالقوة إذا اقتضت الضرورة، وذلك تمهيدا لحضور المؤتمر الدولي القادم.

العربي الجيد والعربي السيء

تقيّم إسرائيل بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية وفي المكان الاول وسائل إعلامها جميع الاحداث في العالم من منطلق: هل هذا الحدث "جيد لليهود" أم "سيء لليهود". فإذا انتخب رئيس دولة ما، ولا يهم إن كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة الامريكية أو فرنسا أو المانيا أو إذا كانت جزيرة نائية في المحيط الهادي يكاد لا يعرف احد موقعها بالضبط.
حتى عندما تقع كوارث طبيعية في العالم مثل هزة أرضية في تركيا أو عاصفة مدمرة في تايلاند أو فيضانات في الهند فإن العنوان الرئيسي الذي يتصدر نشرات الاخبار في التلفزيون الاسرائيلي وعناوين الجرائد بالبنط العريض هو: سلامة جميع الاسرائيليين في المنطقة المنكوبة. وإذا حدث وكان أحد الاسرائلين ضحية لهذه الكارثة، يجن جنون وسائل الاعلام والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ويأخذ الخبر ابعادا عبثية غير منطقية وتتقزم إزائها نتائج هذه الكوارث حتى لو حصدت ارواح الآلاف من المحليين.
أما العرب في هذه البلاد وخارجها فأنهم يصنفون الى قسمين: العربي الجيد والعربي السيء. بالنسبة لليمين الصهيوني المتطرف العربي الجيد هو العربي الميت. أي أن جميع العرب اشرار، حتى الله قد ندم على خلقهم على حد قول أحد الحاخامين المرموقين. غير أني لا أريد هنا أن اتناول هذه الشريحة وذلك لقطع الطريق على من يدعي بأنها شريحة هامشية وضئيلة ولا تشكل خطورة. مع انها حسب رأيي ليست هامشية وتنمو بوتائر سريعة وخطرها اصبح ملموسا ويزداد يوميا، ولكني سأتناول مواقف المؤسسات الرسمية التي تعبر عن التيار الرئيسي في الدولة وتعكس تفكيره وامنياته الظاهرة منها والمخفية.
محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية هو " عربي جيد" أولا لأنه يلبس بدلة فاخرة وربطة عنق أنيقة ويحلق ذقنه يوميا وربما مرتين باليوم. بالاضافة الى ذلك فهو جنتلمان يطبع قبلتين على خدود ضيوفه بغض النظر إن كانت سيدة مثل كوندي رايس أو تسيبي ليفني أو سيد مثل ايهود أولمرت أو طوني بلير. وهو لا يتكلم ابدا عن مدينة صفد وحقه في العودة اليها. وفي الوقت نفسه يحارب الارهاب الفلسطيني ويصف عمليات المقاومة بالحقيرة، وهو مستعد للقاء الزعماء الاسرائليين في كل مناسبة ومن غير مناسبة وفي كل زمان ومكان ومن غير شروط بينما يرفض الجلوس مع حماس بالرغم من إن أغلبية الشعب الفلسطيني يؤيدها، ويلقي عليها شروطا تعجيزية مقابل أي لقاء أو حوار. بالاضافة الى ذلك فهو حليف جديد ليس على الصعيد المحلي فحسب بل على الصعيد الاقليمي والعالمي ايضا. فهو يتزعم معسكر المعتدلين العرب والقادة المطبعين وها هو ينسجم مع السياسة الامريكية أكثر من زعماء اسرائيل انفسهم. وفي لقاءاته المتكررة مع اولمرت ينسق لمحاربة حماسن، عفوا محاربة الارهاب الفلسطيني، وتشديد الحصار على غزة ويتعاون مع الاسرائيليين والامريكيين علنا لتدريب وتسليح قوات الامن التابعة لسلطته لكي تحارب الارهاب بشكل فعال وتمنع تكرار ما حدث في غزة في الضفة الغربية.
سلام فياض، رئيس الحكومة الفلسطينية، هو ايضا عربي جيد للأسباب نفسها، بل هو أكثر جودة من عباس، فقد اسقط مصطلح المقاومة نهائيا وشطبه من قاموس حكومته، وها هو يلاحق المقاومين ويجردهم من سلاحهم ويشن حربا على المؤسسات الخيرية، يغلقها ويعتقل العاملين بها بحجة انها تدعم الارهاب. وهو بالاضافة الى ذلك ولأهم يطلب من إسرايل الكثير فلا يهمه حق عودة ولا إخلاء مستوطنات ولا قدس ولا يحزنون.
محمد دحلان هو أيضا وللأسباب نفسها، كان عربيا جيدا، ولكنه إحترق في غزة، خسارة.
أما ياسر عرفات فأنه عربي سيء، وسيء جدا. اولا لأنه يعتمر الكوفية التي اصبحت رمزا للفلسطينيين أينما كانوا وثانيا بسبب لحيته القصيرة المنفرة التي تخيف الاطفال اليهود. بالاضافة الى انه إرهابي ويدعم الارهاب، العربي السيء مصيره واحد وهو الموت وهذا ما حدث. ولم يشفع له التنازلات التاريخية التي قدمها لإيجاد تسوية وهمية مع الكيان الصهيوني.
قادة وأعضاء حماس وباقي تنظيمات المقاومة هم أيضا عرب سيئون. لذلك يجب تضييق الحصار عليه، تجويعهم، إغتيال قادتهم وسفك دمائهم بدم بارد.
العربي السيء يجب أن يموت، العربي الجيد يستطيع أن يعيش ولكن في ظل الاحتلال والعبودية والذل. التنقل بين المعسكرين مسموح. فالعربي السيء قد يصبح جيدا إذا ما رافع شارة الاستسلام والطاعة والعربي الجيد قد يصبح سيئا إذا ما تمرد وعاد الى غيه مقاوما للإحتلال الاسرائيلي المتنور.
إذن، الفرق بين العربي الجيد والعربي السيء هو نسبي ومشروط ومؤقت.
واضح أن هذا التصنيف عنصري ناتج عن أيدولوجية غير انسانية مشوهة، فإلى متى يجب أن نتقبله؟

Friday, August 17, 2007

لا براك ولا نتنياهو ولا كنيست أصلا

لا براك ولا نتنياهو ولا كنيست أصلا
بعد إنتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا لحزب الليكود إكتملت صورة الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية المقبلة. بل يعتبر هذا الانتخاب الطلقة الاولى في هذه المعركة الانتخابية والتي يستلوها العمل من الاطراف الرئيسية المشاركة على تقديم موعد الانتخابات. يبدو واضحا الان أن ايهود أولمرت رئيس الوزراء الراهن سوف يتنحى جانبا عن الحلبة السياسية أو انه في افضل الحالات سوف يلعب دورا ثانويا فحسب.
كل المؤشرات تشير الى ان المعركة الانتخابية القادمة سوف تكون بين المعسكر الذي يلتف حول حزب الليكود بزعامة نتنياهو وبين المعسكر الذي يلتف حول حزب العمل بزعامة ايهود براك. الامر الذي يذكرنا بالمعركة الانتخابية التي جمعت بينهما عام 1999 عندما كان إنتخاب رئيس الحكومة يجري بشكل مباشر. بالرغم من تغيير طريقة الانتخابات والعودة الى سابق عهدها إلا أن شخصية المتنافسين ما تزال هي الطاغية على هذه الانتخابات.
السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه المواقف هو: ما الفرق بين نتنياهو وحزبه ومعسكره وبين براك وحزبه ومعسكره؟ وايهما أفضل؟
الناخب الاسرائيلي المتوسط يرى بالانتخابات القادمة صراعا بين تياريين على الصعيد السياسي والاجتماعي. وكما يصيغها بعض المحللين انها معركة على طابع الدولة وجوهرها. انها معركة بين معسكر اليسار والوسط الصهيونيين (المتعقل) وبين معسكر اليمين المتطرف والمتهور. بين المعسكر الليبرالي والاشتراكي المعتدل وبين معسكر الراسمالية المنفلت. هذا التحليل السطحي والسخيف ينطلي ليس فقط على اوساط واسعة من المواطنين اليهود بل أيضا على كافة الاحزاب العربية المشاركة في انتخابات الكنيست ويالتالي على اوساط واسعة من فلسطينيي الداخل. لسان حال الاحزاب العربية عندما يخاطب الجماهير الفلسطينية يقول: يجب أن تمنحونا ثقتكم وأصواتكم لأن ذلك من شأنه أن يعزز قوى السلام والديموقراطية في المجتمع الاسرائيلي.
هل هذه الصورة تعكس حقيقة هذين المعسكرين بشكل صادق وأمين؟
إسمعوا ما يقوله رئيس حزب العمل السابق أمير بيرتس عن خليفته في زعامة الحزب براك، وهو طبعا غير متهم بالتحيز لصالح الجماهير الفلسطينية: "إن براك لا يختلف عن بنيامين نتنياهو فهو مثله معاد للشؤون الاجتماعية". في الحقيقة لسنا بحاجة للإستشهاد بهذا الاقتباس للبرهنة على أن براك ونتنياهو توأمين في سياستهما الاقتصادية. كلاهما يدعي الحرص على محاربة الفقر ودعم الفئات الضعيفة في المجتمع ولكن أول ما يعملونه هو تقليص الميزانيات العامة. كلاهما من أنصار إقتصاد السوق المتوحش والمنفلت من عقاله ومع سياسة الخصخصة في جميع المجالات والنتيجة الحتمية لهذه السياسة هو إزدياد الاغنياء غنى والفقراء فقرا.
أما من الناحية السياسية(الامنية)، فإنهما يتنافسان من منهما الأفضل بفرض الاحتلال وتوسيع الاستيطان وقمع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه الانسانية ومن الأفضل في فرض الحصار والحواجز والاغتيالات. ومن منهما الأفضل في سياسة فرق تسد وتسليح فئة فلسطينية وتحريضها لكي تقتل فئة أخرى. ومن منهما الأفضل في الانخراط بالمعسكر الامبريالي الامريكي وبسط نفوذه وهيمنته على العالم العربي من خلال تدمير بناه التحتية ونهب ثرواته الطبيعية وتمزيقه سياسيا وأجتماعيا.
يزعم براك بإنه قد تغيير وانه قد تعلم من أخطائه. حسنا جدا لقد راينا ماذا تعلم، فلم يعد يكتفي بقتل 13 متظاهرا عزل بل خلال الفترة القصيرة له كوزير دفاع يقوم بقتل مثل هذا العدد يوميا تقريبا في غزة والضفة الغربية. ايهود براك، رئيس الوزراء الاسرائيلي عام 1999 ألذي أغدق كرمه في كامب ديفيد على ياسر عرفات الجاحد للجميل وعرض عليه 95% من الاراضي الفلسطينية المحتلة على حد زعمه يصرح اليوم: على الفلسطينيين أن ينسوا أي انسحاب اسرائيلي في الخمس سنوات المقبلة.
من جهة أخرى يفتخر نتنياهو بأنه ما زال مخلصا لبرنامج الليكود القومي وإن كل حل سياسي سوف يبقى على المستوطنات كاملة ولن تكون هناك عودة لأي لاجئ اما القدس فهي العاصمة الابدية لدولة اسرائيل.
نعم، يجب على كل واحد منا أن يضع امام عينيه عدسة مكبرة لكي يرى الفوارق، إذا وجدت، بين براك ونتنياهو، بين الليكود وحزب العمل.
يبقى حزب العمل تاريخيا هو الاخطر على القضية الفلسطينية وذلك ليس بسبب دوره في صنع النكبة الفلسطينية وتشريد الشعب ونهب الارض فحسب بل ايضا بسبب مقدرته على خداع الجماهير الفلسطينية. من الاحصائيات الاخيرة يتضح أن عدد المنتسبين العرب لحزب العمل قد بلغ 65 الف منتسب بينما لم يصل هذا العدد في حزب الليكود لأكثر من 3500 منتسب.
الموقف الوطني الوحيد للجماهير الفلسطينية هو مقاطعة انتخابات الكنيست بشكل مبدئي شامل ومطلق. علينا أن نبدأ منذ اليوم بتشكيل لجان مقاطعة في كل قرية ومدينة. يجب أن يكون صوتنا واضحا وشامخا: لا لا لا لإنتخابات الكنيست.

Tuesday, August 14, 2007

نحن شعب لا ننسى اسرانا

نحن شعب لا ننسى أسرانا....
(في المهرجانات والخطابات فقط)

في مساء الأحد اتصل بي صديق من أهالي الأسرى وسألني إذا كنت أريد أن أسافر مع أهالي الأسرى إلى مهرجان تضامن مع الأسرى في رام الله. وبدون تردد أو مزيد من الاستفسار أجبت بالطبع. في اليوم التالي وعندما كانت الحافلة في طريقها إلى المهرجان تبين أن معظم أهالي الأسرى مثلي لا يعرفون شيئا عن هذا المهرجان فقد تم الاتصال بهم في مساء اليوم السابق ودعوتهم لمهرجان الأسرى في رام الله. فقد كان كافيا أن المهرجان من أجل الأسرى حتى يهبوا ويلبوا النداء. في الطريق علمنا أن وزارة الأسرى في السلطة هي الجهة المنظمة لهذا المهرجان وأن المناسبة المباشرة هو تكريم عميد الأسرى الفلسطينيين سعيد العتبة أبن مدينة نابلس الذي طوي 30 عاما في سجون الاحتلال وهو يدخل العام ال31 ضاربا الرقم القياسي لأطول فترة سجن قضاها أسير في العالم، وكذلك تكريم الأسرى القدامى الذين أمضوا في السجون الإسرائيلية أكثر من 20 سنة والذين بلغ عددهم 65 أسيرا، ومن خلالهم المطالبة بالإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين. وعلمنا أيضا أن رئيس السلطة محمود عباس قد يحضر إلى المهرجان ويلقي كلمته في هذه المناسبة بعد أن ينهي لقاءه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت في أريحا( ولكنه بالطبع لم يأت في النهاية).
في الحقيقة، وبعد أن عرفت هذه المعلومات فتر حماسي وندمت على مجيئي المتسرع، فقد شعرت إن هذا المهرجان سوف يكون كغيره من المهرجانات الرسمية، منصة للخطابات وإطلاق الشعارات الرنانة وخدمة السياسة التي تنتهجها الجهة المنظمة ومن ثم يتفرق الجميع ولا يتمخض عنه أي نتيجة ملموسة. ومما زاد الطين بلة إني كنت قد قرأت قبل عدة أيام في إحدى المواقع على شبكة الانترنت تصريحا لوزير الأسرى أن قوات الأمن التابعة للسلطة سوف تلاحق من يرفض تسليم سلاحه من المقاومين في الضفة الغربية بالقوة. وإن هذا الوزير متهم بقضايا فساد ومواقف سياسية تؤيد التخلي عن حق العودة حسب ما ورد في وثيقة جنيف الخ. وبعد ذلك علمنا أن رئيس حكومة الطوارئ سلام فياض بنفسه سيكون هناك ويلقي كلمة بهذه المناسبة وهو الذي أسقط خيار المقاومة نهائيا من برنامج حكومته.
وصلنا إلى قصر الثقافة في رام الله حيث يقام المهرجان وكان واضحا أن الحضور من لون واحد، اللون الفتحاوي المؤيد لحكومة الطوارئ المدعومة عربيا وإسرائيليا وأمريكيا. لم أر أحدا من الأسرى القدامى المحررين أو من أسرى التنظيمات الفلسطينية الأخرى في المعارضة.
بدا المهرجان، وعلى المنصة صورة كبيرة لعميد الأسرى إلى جانبه صور من قضوا 20 سنة وأكثر في السجون يتوسطها وبالخط الغليظ شعار: نحن شعب لا ننسى أسرانا، وقف العريف يكيل المدائح لعميد الأسرى الفلسطينيين وللأسرى القدامى ولكافة الأسرى وأكد أن قضية الأسرى تحظى بالأولوية في سياسة حكومة الطوارئ التي تعمل جاهدة في اللقاءات مع الجانب الإسرائيلي لطرح هذه القضية من أجل إطلاق سراح كافة الأسرى.
وتوالت الخطابات، وأعتلى المنصة الأسير المحرر مؤخرا في صفقة حسن النوايا التي قدمها اولمرت للرئيس عباس والتي شملت 255 معظمهم من فتح ومعظمهم قد انهوا أكثر من 70% من محكوميتهم، وبالطبع الذين " أياديهم ليست ملطخة بالدم"، بعد أن وقعوا على التزام بعدم العودة إلى الإرهاب بعد إطلاق صراخهم، الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت المفاجأة عندما قدمه العريف بأنه مندوب رئيس السلطة أبو مازن الذي تعذر وصوله وانه هو الذي سيلقي كلمته. وتساءلت مثلي مثل الكثيرين: هل كان ذلك جزء من ثمن إطلاق سراحه؟ هكذا إذن، دعم سياسة عباس وإدانة ما جرى في غزة وتحميل المسؤولية لطرف واحد كانت أحد أسباب شمل عبدا لرحيم ملوح في هذه الصفقة. ومن ثم اعتلى المنصة وزير الأسرى أشرف عجرمي الذي أسهب عن أهمية إطلاق سرح جميع الأسرى من أجل نجاح المفاوضات وتحقيق السلام. تلاه رئيس الحكومة سلام فياض وهو الآخر تكلم كثيرا ولكنه لم يقل شيئا. وقد تحاشا جميع المتكلمين إدانة الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح وتحميلها مسؤولية الجرائم التي ترتكبها بدءا بزج 11 ألف فلسطيني وراء القضبان مرورا بسياسة الاغتيالات والمداهمات المستمرة وانتهاء بسياسة المماطلة والمراوغة والخداع، هل كان ذلك بهدف عدم تعكير جو اللقاء الحميم في أريحا؟ بينما كانت السهام موجهة إلى الفر قاء الفلسطينيين الذين انقلبوا على الشرعية في غزة. حتى الفقرة الفنية كانت تخدم هذا الاتجاه خصوصا باستغلال أخت احد الأسرى لإلقاء قصيدة ضد ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة...
التذمر بين ذوي الأسرى، حتى الموالين للسلطة بدا بالازدياد خصوصا عندما ألقت أخت عميد الأسرى كلمتها وتساءلت لماذا ما زال يقبع شقيقها بالسجن كل هذه المدة الطويلة بينما تم إطلاق سراح العديدين، الا تلعب الانتماءات الحزبية والواسطة دورا في عمليات تحرير الأسرى منذ اتفاقيات اوسلوا وحتى ألان؟
الا أن خيبة الأمل الحقيقية قد بدت على وجوه أهالي الأسرى من الداخل. بالرغم من دعوتهم لحضور هذا المهرجان فقد تم تجاهلهم تماما، حتى أن العريف نسي أن يرحب بهم، واكتفى بالترحيب بعضوا الكنيست محمد بركة وعباس زكور. بينما قام المتكلمون بتجاهل أسرى الداخل نهائيا وكأن هذه القضية محسومة مسبقا، فهم قضية إسرائيلية داخلية محضة لا يحق لأي طرف آخر التطرق إليها.
هنا كانت الصرخة الحقيقية الوحيدة النابعة من الأعماق في هذا المهرجان عندما أصرت أم الأسير مخلص برغال على الكلام. هذه السيدة العجوز التي وصلت إلى المنصة بشق الأنفس: يجب أن نلغي هذه التفرقة التي فرضتها علينا دولة إسرائيل بين عرب 48 وعرب 67. أنا أيضا اركض من سجن إلى آخر منذ 30 سنة، وما قدمه ابني وإخوانه من فلسطينيي الداخل لا يختلف عما قدمه باقي الأسرى وكان من أجل فلسطين، كل فلسطين، فلماذا التفرقة في معاملتهم؟ ولماذا يجري تجاهلهم في كل عملية مفاوضات أو تبديل.
هذه الحكومة التي تتغنى بالأسرى وبدورهم الهام في تحقيق البرنامج الوطني وتتعهد ببذل الجهود لإطلاق سراحهم، وتنظم مهرجانات التكريم، هي نفسها التي تدعو المقاومين إلى تسليم أسلحتهم بينما ما زال الاحتلال جاثم على صدورهم، وتعتقل وتلاحق من لا ينصاع لأوامرها. وهي تغذي الوهم البائس الذي يزعم بأن إطلاق سراح الأسرى منوط بالنوايا الحسنة للمسئولين الاسرائيليين الذي يقابله المزيد من تقديم التنازلات ونبذ المقاومة التي تدمغ بالإرهاب.
لقد اثبت تاريخ النضال الفلسطيني الطويل والمرير أن إسرائيل ترضخ فقط عندما تتصاعد المقاومة ومن خلال المواقف الصلبة أثناء عمليات التبادل.
نعم، يجب أن نكون شعبا لا ينسى أسراه ولكن ليس من خلال الخطابات والمهرجانات بل أولا وقبل كل شيء من خلال متابعة المسيرة على الطريق الذي شقوه بنضالهم وعبدوه بتضحياتهم ودمائهم.



متى يعلنون وفاة الثورة الفلسطينية

متى يعلنون وفاة الثورة الفلسطينية
أعذرني يا شاعرنا الكبير نزار قباني على وقاحتي وأنا اقلق راحتك في قبرك الضيق. أعذرني وأنا أسطو على كلماتك واستولي على غضبك.
عندما كنت تحاول منذ الطفولة رسم بلاد تسمى - مجازا – بلاد العرب كنا نحن أيضا نحاول أن نرسم ثورة تسمى – مجازا – الثورة الفلسطينية. وكما انك رأيت العروبة معروضة في مزاد الأثاث القديم ولكنك ما رأيت العرب، نحن أيضا رأينا شعارات ثورية وانتصارات وهمية وخطابات ملتهبة ولكننا لم نر ثورة.
مات العرب منذ زمن بعيد وشبعوا موتا وأعلنت كافة وسائل الإعلام العربية والأجنبية نبأ وفاتهم، ولكن يبقى السؤال: متى يعلنون وفاة الثورة الفلسطينية؟ هذه الثورة التي ماتت قبل أن تلد، أو التي ولدت بعد 42 سنة من الحمل الكاذب. فتح أطلقت الرصاصة الأولى معلنة انطلاقة الثورة الفلسطينية في 1/1/1965 وفتح تطلق ألان رصاصة الرحمة عليها.
في عام 1965 كانت فتح تقول:" الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين والعودة" أما اليوم فلسان حالها يقول: يجب شطب كافة اشكال المقاومة المسلحة لأنها ليست سوى وسائل إرهابية حقيرة. في عام 1965 كانت فتح تقول:"نضال الشعب الفلسطيني جزء من النضال المشترك لشعوب العالم ضد الصهيونية والاستعمار والامبريالية العالمية" أما اليوم فقد أصبحت حليفا للصهيونية والاستعمار والامبريالية العالمية. في عام 1965 كانت تقول:" إن حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي طليعة حركات التحرر العربية" أما اليوم فقد أصبحت فتح طليعة الحركات والأنظمة الرجعية العربية.
في عام 1948 حلت علينا النكبة، ضاع الوطن وتشرد الشعب. ولكن في الوقت نفسه ولد الحلم، حلم التحرير والعودة. أستحوذ هذا الحلم علينا جميعا حتى أصبح واقعا. كنا نرفض أن نفيق كي لا نعرف إننا نعيش في حلم. كنا في السجن نلتف حول هذا الحلم بغض النظر عن انتماءاتنا التنظيمية، نتكلم عن الحرب الشعبية طويلة الأمد، ندرس تجارب الثورة الروسية والصينية والفيتنامية والكوبية. كنا نناقش أفكار ماو تسي تونغ وهو شي منه والجنرال جياب وتشي جيفارا.
كنا نخدع أنفسنا ونقول: بما أن جميع هذه الثورات قد انتهت بعد أن حققت أهدافها، لم تبق هناك سوى الثورة الفلسطينية، لذلك فهي ليست طليعة حركة التحرر العربية فحسب بل هي طليعة حركات التحرر على المستوى العالمي أيضا. كنا نعتز داخل السجن بأننا بالفعل نشكل نواة للثورة العالمية فقد كان بيننا الألماني والانجليزي والعراقي والهندي والتركي والفرنسي واليوناني والتشيلي والياباني، الخ.
جاءت اتفاقيات أوسلو فقلبت هذه الصورة رأسا على عقب وعكست المفاهيم، فالقادة الثوريين أصبحوا رجال سياسة ومفاوضين وقاموا بتقديم التنازلات تلو التنازلات وأخذوا يهرولون من مؤتمر إلى آخر ويلهثون، تارة سرا وطورا علانية، وراء سراب وعود الصهيونية والامبريالية العالمية التي من المفروض أن نناضل ضدها. وفي النهاية حصلوا على سلطة سموها – مجازا – بالسلطة الوطنية بعد أن ضربوا الوطن بعرض الحائط. وهكذا أصبح هؤلاء القادة "زعماء" هذه السلطة يعرفون قيمتهم الحقيقية عندما يقوم جندي إسرائيلي بسيط بتفتيشهم وإذلالهم على أحد الحواجز. وأصبح الفدائي شرطيا ينفذ أوامر هذا أو ذاك الزعيم. استشرى الفساد على كافة المستويات وتكونت طبقة جديدة من أغنياء مرحلة اوسلو. وأصيبت الجماهير الشعبية بالذهول. أوضاع الفلسطينيين في مخيمات اللجوء تزداد سؤا وبؤسا، حتى أصبح اللاجئ الفلسطيني (ملطة) لمن يسوى ولمن لا يسوى في لبنان والكويت والعراق وغيرها. وتدهورت حالة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاثت بين فلسطينيي الداخل حركات عملت على اسر لتهم بغطاء وطني.
ماتت اتفاقيات أوسلو عند الطرفين، ولكن عقلية أوسلو الانهزامية أعلنت انتصارها عند الطرف الفلسطيني فحسب. مع ذلك، ما زال أبطال أوسلو الصناديد ينهون خطاباتهم بعبارة: وإنها لثورة حتى النصر.
عن أية ثورة يتكلمون؟ ما هي أهداف وغايات هذه الثورة؟ ما هو برنامجها؟ ما هي مبادئها؟ لا أحد يعلم.
نعم يا شاعرنا الكبير، لقد آن الأوان أن يقف أحدنا ويصرخ بكل جرأة وإذا أردتم، بكل وقاحة: متى يعلنون وفاة الثورة الفلسطينية؟؟