Sunday, November 18, 2007

التطبيع والاسرلة وجهان لعملة واحدة



استوقفني مؤخرا خبر تناقلته بعض وسائل الاعلام أثار إستغرابي وعجزت عن فهمه بالرغم من بساطته. يقول عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية تجنب التطبيع مع اسرائيل". للوهلة الاولى ظننت أن هناك ثمة خطأ لغوي أو مطبعي، ربما سقطت سهوا كلمة صغيرة مما تنضح به لغتنا العربية ولكن بمقدورها أن تقلب معنى الجملة. وقلت: ربما كان عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية عدم تجنب التطبيع مع إسرائيل" فسقطت كلمة "عدم" سهوا مما قلب المعنى رأسا على عقب.
ولكي أتأكد من ذلك قرأت الخبر من عدة مصادر وكلها ذكرت "تجنب التطبيع" من غير كلمة "عدم". فقلت إذن لا بد ان يكون الخبر برمته ليس أكثرمن نكتة سمجة من ابداع أحد الاعلاميين الخبثاء الساخرين. ولكن وكالة انباء الشرق الاوسط التي نشرت هذا الخبر وباقي المواقع التي تلقفته أبعد ما تكون عن السخرية والنكات. يعني أن الخبر بشكله المنشور صحيح. وهذا يعني بدوره أن السيد محمود عباس يستخف بعقول العرب والمسلمين أجمعين وفي شتى أنحاء العالم. وبالعربية العامية أن الرجل يستهبلنا.
كيف يطالب العرب والمسلمين بتجنب التطبيع وهو يختلي كل خميس برئيس حكومة اسرائيل أولمرت لساعات لا يعرف أحد ما يدور بينهما سوى الله رب العالمين؟ بينما تواصل الحكومة الاسرائيلية جرائمها في غزة ونابلس وجنين والخليل حيث يسقط يوميا شهداء وجرحى ومعتقلين يقوم السيد عباس بإحتضان اولمرت وكأن ما يجري حوله يجري على كوكب آخر. حتى اننا لم نعد نسمع الادانات الروتينية التي كان يطلقها المسؤولون في السلطة الفلسطينية. واكثر من ذلك، فالتنسيق والتعاون بين السلطة والاحتلال ينشط على قدم وساق ويشمل كافة المجالات وجميع الاصعدة. فهناك التنسيق الامني الذي يطارد المقاومة ويجردها من سلاحها، وهناك تنسيق فرض الحصار على غزة وتصعيده بالعقوبات الجماعية، وهناك التنسيق السياسي لتحضير مؤتمر الخريف. تتم هذه الامور في وضح النهار وتتناولها كافة وسائل الاعلام المحلية والعالمية، وجميعنا يسمعها ويقرأها. اليست هذه تطبيعا ؟.
ولكي لا أظلم محمود عباس، فلم أكتف بقراءة عنوان الخبر ووجدت في جسد الخبر أنه يضيف: "…إلا اذا انسحبت (اسرائيل) من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 ووافقت على حل عادل لمشكلة اللاجئين".
وهذا عذر أقبح من ذنب. اذ أن رئيس الحكومة الاسرائيلية وكافة وزرائه يعلنون على الملأ صباحا ومساء، للقاصي والداني، لمن يهمه الامر ولمن لا يهمه أنه لا انسحاب من كافة الاراضي المحتلة، وانه لا حق للاجئين بالعودة.
فلماذا يا سيادة رئيس السلطة لا تبدأ بنفسك وتتجنب أنت وحكومتك وأجهزتك الامنية التطبيع مع اسرائيل حتى توافق على مطالبك المتواضعة هذه؟ ألم تسمع المثل العربي الذي يقول: لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إن فعلت عظيم؟
يقول الكثيرون من الدول العربية والاسلامية: اذا كنتم انتم الفلسطينيون، اصحاب القضية، أشد الناس حرصا على التطبيع وتمارسونه ليل نهارا، سرا وعلانية، فبأي حق تطالبوننا بتجنب التطبيع؟ لماذا ما هو مسموح لكم ممنوع علينا؟ أيها المراؤون، كيف تشيرون الى القذى في أعيننا وتتجاهلون الخشبة في أعينكم؟
كيف يطالب محمود عباس الدول العربية بتجنب التطبيع مع اسرائيل وفي يترجى السعودية والدول العربية "المعتدلة" الا تقاطع مؤتمر الخريف. ويدعو مصر والاردن وباقي الدول العربية والاسلامية الى تبني مشروع السلام الامريكي – الاسرائيلي.

يجب ملاحقة المطبعين الفلسطينيين وفضحهم أمام الجماهير. وإعادة القضية الى مسارها الصحيح
الاسم الآخر للتطبيع فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل هو الاسرلة. جميع الاحزاب العربية الاسرائيلية والجمعيات والمؤسسات ليس فقط انها تسير في ركب الاسرلة ولكنها تعمل أيضا بلا كلل أو ملل، من حيث تدري أو لا تدري على أسرلة الجماهير الفلسطينية وتشويه هويتها الوطنية.
وكما في المناطق الفلسطينية الاخرى، فإن زعامة هذه الاحزاب والجمعيات تستهبلنا وتستخف بعقولنا، تختبئ وراء قناع مزيف من الوطنية أو القومية او الاسلامية ولكنها في الحقيقة تروج للأسرلة. فهذه لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية ولجنة رؤساء المجالس المحلية تصدر وثيقة أطلقت عليها اسم التصور المستقبلي، وذلك على حد زعمها لترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين، ومن ثم قامت عدالة بنشر وثيقة مشابهة تحت مسمى "الدستور الديموقراطي" وتبعها مركز مدى بوثيقة حيفا، وكلها وثائق أسرلة بإمتياز ولم ولن يستطيع أي قناع "وطني" أن يخفي هذه الحقيقة الدامغة. في هذا السياق، أعجبني خطاب محمد بركة في حضرة محمود عباس عندما زاره وفد من لجنة المتابعة العليا للتوسط وحل النزاع الدموي الناشب بين فتح وحماس. قال بركة موجها كلامه الى محمود عباس: " اننا لسنا معك، وانما نحن مع المشروع الوطني الفلسطيني ومن أجل تحقيقه، وطالما انك متمسك بهذا المشروع فنحن نؤيدك".
المشروع "الوطني الفلسطيني" الذي يتمسك به كل من بركة وعباس ذو طبيعة واحدة وهو الاعتراف باسرائيل كتجسيد لحق "الشعب البهودي في تقرير مصيره" والقبول بدويلة مسخ للشعب الفلسطيني. وكما قال المثل: الطيور على اشكالها تقع.
إن مقاومة التطبيع والاسرلة شرط مسبق وضروي من أجل التمسك بالحقوق الطبيعية للشعب الفلسطين في تحرير أرضه والعودة اليها. وأن التطبيع والاسرلة هو المقدمة الاولى للتفريط بهذه الحقوق.

No comments: