Wednesday, November 24, 2010

نهاية الوهم الفلسطيني

نهاية الوهم الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

في الماضي، كنا نعلل أنفسنا بأننا حركة تحرر وطني تخوض نضالا ضد الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية أطلقنا عليها مجازا اسم "الثورة الفلسطينية". وكنا ندعي بكل صلف وغرور بأن حركتنا الوطنية هذه هي طليعة حركة التحرر العربية وطالبنا الشعوب العربية وأنظمتها أن تحشد جميع طاقاتها لخدمة قضية العرب الأولى ألا وهي تحرير فلسطين من براثن الصهيونية.
بعد مرور فترة قصيرة من ضياع فلسطين تبين إننا لا نملك حركة تحرر وطني ولا يحزنون. وإن الثورة التي طبلنا لها وزمرنا لم تكن في أحسن الحالات أكثر من مقاومة متواضعة فرضها الواقع المؤلم نتيجة لنهب الأرض والتشريد في عام النكبة. مجرد اعترافنا الرسمي بدولة إسرائيل تخلينا بمحض إرادتنا عن تحرير 78% من فلسطين. أما ال22% المتبقية فيتم التفاوض حولها، وبما إننا كرماء وإسرائيل تستأهل يمكن أن نتنازل عن بعض نسبة مئوية أخرى. أما كلامنا السابق عن النضال ضد المعسكر الامبريالي العالمي فقد لحسناه تماما بع أن حولناه إلى تعاون وتحالف، كيف لا وهذا المعسكر يمللك 99% من أوراق حل القضية؟ وتعبيرا عن حسن نوايانا فقد عينا موظفا من بنك إمبريالي رئيسا لحكومتنا الوطنية. وجلبنا أحد الجنرالات الامبرياليين لكي يدرب " فدائيينا" ولكن هذه المرة ليس من أجل القيام بعمليات فدائية في عمق إسرائيل بل من أجل حمايتها.
أما بالنسبة لاعتبار حركتنا الوطنية طليعة حركة التحرر الوطني فقد كفرنا عنه بانضمامنا إلى معسكر المعتدلين العرب. حلفاؤنا اليوم هم الملوك والرؤساء والأمراء العرب الذين يجثمون على صدور شعوبهم. شطبنا من قاموسنا مصطلح الرجعية العربية واستعضنا عنه بمصطلح "المرجعية العربية" بعد انطلاقة مبادرة السلام العربية التي بالرغم من تفاهتها تدوسها أقدام الإسرائيليين والامبرياليين على مختلف جنسياتهم.
بالرغم من ذلك ما زلنا نعيش وهم حركة التحرر الوطني أو ما يسميه المتفائلون منا بالثورة الفلسطينية. لقد آن الأوان أن نستفيق من هذا الوهم الذي هو ليس أكثر من مزيج من أحلام اليقظة والكوابيس. الاستفاقة من هذا الوهم تحتم تحطيم الأصنام التي نعبدها، ونحر بقراتنا المقدسة على مذبح الحقيقة. الاستفاقة من هذا الوهم تحتم انطلاقة فكرية وسياسية جديدة.
أولا وقبل كل شيء يجب أن نعترف أن فلسطين ليست مركز العالم حتى إنها ليست مركز المنطقة. لم تكن فلسطين على مر العصور أكثر من إقليم، مقاطعة، ولاية، سنجق، من منطقة أوسع كانت تسمى وما زالت تسمى بلاد الشام، وهي بدورها جزء من منطقة أوسع تمتد من الهلال الخصيب حتى وادي النيل. الشعب الفلسطيني الذي عاش في هذا الإقليم كان هو الآخر على مر العصور جزءا لا يتجزأ من شعوب هذه المنطقة. قامت في هذه المنطقة قديما وحديثا حضارات إنسانية عديدة واندثرت، قامت إمبراطوريات وممالك ودول وزالت، بعضها كانت تفرض سيطرتها على المنطقة بكاملها وبعضها كان يستفرد بالسيطرة على هذا الإقليم أو ذاك أو على بعض الأقاليم لفترة من الزمن. حسب معلوماتي لم تكن فلسطين في يوم من الأيام كياننا سياسيا منفردا ومستقلا. مثلها مثل باقي الأقاليم. في العصور القديمة والحديثة كانت جزءا من دولة عاصمتها إما في الحجاز أو دمشق أو بغداد أو مصر أو اسطنبول. بعض المؤرخين يشيرون إلى فترة حكم ظاهر العمر بأنها الفترة الوحيدة التي تمتع فيها هذا الإقليم ببعض الاستقلال السياسي. ولكن هذا أيضا حدث في إطار صراع داخل الدولة العثمانية ومع أقاليم أخرى من صدا وحتى دمشق.
عندما كانت فلسطين أو أي إقليم آخر يقع تحت نير الاحتلال الأجنبي كانت مسؤولية تحريرها تقع على عاتق باقي الأقاليم حسب ميزان قوتها. صلاح الدين الأيوبي هو خير مثال على ذلك عندما حررها من الصليبين.
الدول العربية الحديثة ليست سوى إفرازات للتوافق الانجليزي الفرنسي أطلقنا عليها في حينه: حظائر سايكس – بيكو. لكننا في الواقع تهافتنا عليها وقبلناها بالأحضان نحيي ذكرى "استقلالها" كل عام.
لقد آن الأوان أن نعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، إلى وضعها الطبيعي: فلسطين هي جزء لا يتجزأ من بلاد الشام وارض الكنانة وهي التي كانت دائما تتولى قيادة الحركة الوطنية. سكان فلسطين عاجزون ماديا وتاريخيا عن القيام بمثل هذه المهمة. لا يوجد عندنا عنصر بشري كاف للقيام بهذه المهمة. التحولات الكمية لا يمكن أن تتحول إلى تحولات كيفية، لسبب واحد على الأقل وهو انه لا يوجد هناك كم أصلا. عندما نقول مصر هي أم الدنيا نتكلم عن وجود أكثر من 80 مليون إنسان وهذا بحد ذاته أكبر ضمان لتحول التراكمات الكمية في النضال إلى تحولات كيفية. بلاد الشام هي الأخرى تملك طاقات كمية تستطيع أن تتحول إلى طاقات كيفية تغير وجه المنطقة. جريمتنا التي لا تغتفر هو تمسكنا بالوهم القائل أن حركة التحرر الفلسطينية هي طليعة حركة التحرر العربية وأن "الثورة" الفلسطينية هي طليعة الثورة العربية. كلام فارغ: الثورة في مصر أو في سوريا هي أهم بما لا يقاس من أية أوهام عن ثورة في فلسطين. اليوم تقف مصر أمام انتخابات برلمانية، وهذه الانتخابات بالطبع لن تجلب أية تغييرات كيفية. ما زال الحزب "الوطني" الحاكم قادرا على تزييف إرادة الشعب، لكن مصر حبلى بالتغيرات الثورية. تصوروا ثورة منتصرة في مصر كيف سوف تغير وجه التاريخ؟. الثورة في سوريا هي الأخرى أهم من الثورة في فلسطين بما لا يقاس. والشعب السوري يمتلك الكم الذي قد يتحول إلى كيف. ثورة ظافرة في سوريا لن تطالب بتحرير الجولان المحتل فحسب بل بتحرير كل شبر من بلاد الشام. على المناضلين الفلسطينيين أن يتخلوا عن غرورهم المصطنع ويعودوا إلى الأصل، ينخرطوا بل ينصهروا بحركات التحرر في مصر وسوريا على وجه الخصوص. يجب التخلص نهائيا من سياسة "عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية" التي مارستها منظمة التحرير لفلسطينية لفترة طويلة واستعملتها وسيلة للارتماء في أحضان الامبريالية والرجعية. لعل أكبر خطأ ارتكبه جورج حبش ورفاقه على الساحة الفلسطينية كان إقامة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدلا من العمل على تطوير حركة القوميين العرب لكي تصبح نواة لثورة عربية شاملة. هذه الخطوة سببت تشرذم الحركة وسقوطها في مستنقع القطرية حتى انحلالها حتى في الأماكن التي حققت فيها انتصارات كاليمن الجنوبي.
يجب على الوهم الفلسطيني أن يخلي مكانه أمام الحلم العربي.

Wednesday, November 10, 2010

في الذكرى السادسة لاستشهاد ياسر عرفات

في الذكرى السادسة لاستشهاد ياسر عرفات – هل بكيتم على عمرو؟؟
علي زبيدات – سخنين

لقد كتب الكثير عن الشهيد ياسر عرفات، عن حياته، نضاله واستشهاده. ومما لا شك فيه أن المزيد سوف يكتب عنه خصوصا وأنه أخذ من الإسرار في مماته أكثر مما أبقاه في حياته. لم أكن في يوم من الأيام من أنصار ياسر عرفات. لم أعتبره رمزا، مع انه كان رمزا رغما عن أنفي وأنوف جميع من عارضوه. ولم أعتبره أب الأمة مع أنه في الحقيقة كان الجد والأب والأخ في شخص واحد، وإلا كيف أصبحنا بعد رحيله أشبه بالأيتام على طاولة اللئام.
ولكني في هذه المناسبة أجد نفسي أردد القول العربي المأثور: دعوت على عمرو فمات فسرني وعاشرت أقواما بكيت على عمرو.
هل بكيتم أنتم أيضا على عمرو؟؟
كان ياسر عرفات أول من فرض نهج التسوية الذي بدأ يتدحرج ككرة ثلج صغيرة حتى أصبح اليوم كتلة مخيفة سحقتنا جميعا. الولادة الرسمية لهذا النهج خرجت إلى الحياة مع تبني ما يسمى بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تم تبنيه في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974. شكل هذا البرنامج نقطة تحول في القضية الفلسطينية من مشروع التحرير لكامل التراب الفلسطيني إلى مشروع إقامة الدولة على أية بقعة يتم "تحريرها" المقصود انسحاب الاحتلال منها عن طريق المفاوضات. لم يكن تبني مثل هذا البرنامج في تلك الفترة من باب الصدفة، حيث دخلت المنطقة بأسرها بعد حرب 1973 التحريكية إلى حمى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل. فكان مؤتمر جنيف، وكانت جولات كيسنجر المكوكية. بينما جلس أبو عمار ينتظر الدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر، وكان لا بد من قرار فلسطيني يفتح بابا للمشاركة فجاء هذا البرنامج ليلبي الطلب. غير أن الدعوة لم تأت. لأن الطرف الإسرائيلي – الأمريكي لم يكن معنيا والطرف العربي "المنتصر" هو الآخر لم يكن معنيا. النتيجة كانت إنفراد السادات بالمفاوضات والتوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر من معادلة الصراع.
أفرز البرنامج المرحلي، على الساحة الفلسطينية، تشكيل جبهة الرفض المثيرة للشفقة. والتي بدلا من إيقاف كرة الثلج عملت على تسريعها وذلك بقبولها قيادة اليمين الفلسطيني وهيمنته على منظمة التحرير.
عندما أعلن أنور السادات أمام أعضاء مجلس الشعب المصري عن عزمه زيارة القدس المحتلة بحثا عن "السلام" كان أبو عمار يجلس في الصف الأول من المجلس وكان من بين المصفقين للرئيس. ولكن كما هو معروف، خذل السادات أبا عمار مرة أخرى. فبعد أن تخلى السادات عن دور مصر التاريخي مقابل الحصول المشروط على سيناء، لم يستطع أن يقدم لأبي عمار أكثر من حكما ذاتيا هزيلا لا يغني من جوع ولا يؤمن من خوف.
رفض أبو عمار الحكم الذاتي على طريقة كامب ديفيد، ولكنه لم يفقد الأمل من خيار التسوية. وشن حملة سلمية ترأسها أشخاص من الصف الثاني وبعض ممثلي منظمة التحرير في العواصم الأوروبية: عصام سرطاوي، سعيد حمامي، عز الدين قلق. وقوى يسارية إسرائيلية: أوري أفنيري، لوبا الياف وغاصوا في حوارات لم يعرف أول من آخر. هذه الحوارات لم تتمخض إلا عن المزيد من البلبلة والتمزق على الساحة الفلسطينية وتوسيع دائرة الفساد. فبينما كانت المخابرات الإسرائيلية منهمكة في اغتيال المناضلين الحقيقيين في أوروبا مثل وائل زعيتر، محمود الهمشري، باسل الكبيسي وفي لبنان: غسان كنفاني، كمال عدوان، كمال ناصر وغيرهم الكثيرين في أماكن أخرى، كان الآخرون في مكاتب منظمة التحرير يعيثون فسادا مثل نمر حماد في روما الذي أصبح مستشارا رفيعا لرئيس السلطة محمود عباس، وعبد الله فرنجي في ألمانيا ألذي كان يتجسس على الطلاب الفلسطينيين لصالح المخابرات الألمانية، كما أكد لي شخصيا في حينه بعض الطلبة الناشطين، بالإضافة إلى حمامي وقلق في لندن وباريس الذين قتلا بسبب علاقتهما مع الإسرائيليين.
هذه الفترة توجت بخطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في جنيف عام 1988، حيث وعد إذا ما لبى الشروط الأمريكية بفتح حوار مباشر مع الإدارة الأمريكية. وقد كانت عدة وفود تمثل الأحزاب العربية الإسرائيلية حاضرة إثناء الخطاب وكنت أنا أيضا موجودا ولكن بصفة شخصية. في هذا الخطاب قام أبو عمار ولأول مرة بتلبية الشروط الأمريكية وهي الاعتراف بفرار 242 وإدانة جميع أشكال الإرهاب وسط تصفيق مدوي من جميع الحاضرين الأمر الذي أفقدني أعصابي فصرخت بوقاحة أذهلت الحاضرين عندما وصفت أقوال عرفات بالكذب وأن الشعب الفلسطيني يرفض قرار 242 وقد قدم آلاف الشهداء لإحباط هذا القرار وأن النضال الفلسطيني ليس إرهابا.
في أعقاب هذا الخطاب وافقت الإدارة الأمريكية برئاسة رونالد ريغان بفتح حوار مباشر مع منظمة التحرير. وهذا الحوار بدوره عزز نهج التسوية وأصبح الرجوع إلى إستراتيجية المقاومة والتحرير مستحيلا. وكان إعلان "الاستقلال" في الجزائر محطة على طريق التسوية والتفريط بالثوابت وليس كما يظن البعض، انتصارا وطنيا وانجازا سياسيا.
وصلت مسيرة التسوية والتفريط التي قادها أبو عمار ذروتها في اتفاقيات أوسلو. ولكنه هنا لم يكن وحيدا وربما لم يكن اللاعب الأساسي أصلا في هذه الصفقة، فقد كان محمود عباس هو المهندس الرئيسي لهذه الاتفاقيات. مجريات الأحداث فيما بعد تعزز صحة هذه الفرضية.
بعد 7 سنوات من التوقيع على اتفاقيات أوسلو وبعد تقديم التنازلات الواحد تلو الآخر والتفريط بالثوابت الوطنية. فاجأنا أبو عمار بأنه ما زالت لديه خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها وأنه ما زال يملك فرامل تعمل بصورة جيدة. فقام بفضح كذبة العرض السخي جدا الذي قدمه رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود براك في مفاوضات كامب ديفيد الثانية. وانه لن يقبل أن يكون منسقا أمنيا لدى قوات الاحتلال الصهيوني وأكثر من ذلك فقد أكد أن خيار المقاومة لم يدفن نهائيا وإن كلفه ذلك دفع ثمن باهظ. لقد أنقذ أبو عمار في استشهاده، أولا وقبل كل شيء، تاريخه النضالي، تراثه وسمعته الوطنية.
ولكن أخشى أن يكون ذلك قد جاء متأخرا ولم يعد بالإمكان إيقاف كرة الثلج المتدحرجة. وقد بدا واضحا أن الذين إستورثوا أبو عمار لا يملكون أية خطوطا حمراء وفراملهم معطلة تماما.
تستحق يا أبا عمار في الذكرى السادسة على رحيلك أن نذرف دمعة صادقة على ضريحك تختلف عن دموع التماسيح التي سوف يسكبها من يدعون مواصلة مسيرتك.

Wednesday, November 03, 2010

صفقات الإدعاء - انتصار على الذات

صفقات الإدعاء – انتصار على الذات
علي زبيدات – سخنين

لست محاميا. ولست خبيرا في القضاء الإسرائيلي أو غيره. ولكني لا أعتبر هذا سببا كافيا لكي أحجم عن الكتابة في هذا الموضوع، الظاهرة الخطيرة التي تسمى في لغة القانون: "صفقات إدعاء". مما شجعني على الكتابة في هذا الموضوع هو علمي أن بعض المحامين الملتزمين والخبراء في القضاء الإسرائيلي ينتقدون هذه الظاهرة التي أصبحت نهجا، طريقة عمل، إستراتيجية يلجأ إليها محامو الدفاع بشكل جارف لإنهاء المحاكمة بصفقة يكون المتهم فيها هو الضحية الأساسية. لكن للأسف لا يعبر هؤلاء المحامون والخبراء في القضاء عادة عن أفكارهم إلا داخل حلقات خاصة ولا يخرجون بها إلى الملأ عبر وسائل الإعلام. هذه المقالة ليست سوى محاولة لطرح هذه المسألة الخطيرة للنقاش على المستوى المهني وعلى المستوى الشعبي.
بالرغم من أن الصفقة التي أعلن عنها مؤخرا بين طاقم دفاع أمير مخول والنيابة العامة كانت السبب المباشر لكتابة هذه السطور، إلا أن الكلام لا يدور عن هذه الصفقة بالذات بل عن الصفقات بشكل عام وعن نتائجها وإسقاطاتها على العمل السياسي الوطني. فقد سبق هذه الصفقة صفقات أخرى تركت طعما مرا في أفواه جميع من تابعوها. أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الصفقات التي أبرمت في الآونة الأخيرة والتي دفع ثمنها الباهظ مناضلونا : الشاب أنيس صفوري حكم عليه ب14 سنة سجن في إطار صفقة ادعاء. الرفيق حسام كناعنة يدفع 10 سنوات من حياته ثمنا لمثل هذه الصفقة. الشاب راوي سلطاني حكم عليه ب6 سنوات سجن على تهم ما انزل الله بها من سلطان. السبب الأساسي في قبول هذه الصفقات كما عبر عنه مؤخرا المحامي حسين أبو حسين لوسائل الإعلام هو:" القبول بأهون الشرين في ظل الظروف السياسية والقضائية السائدة في إسرائيل". ولكن حسب رأيي السبب هو الرضوخ للابتزاز الذي تمارسه النيابة العامة والجهاز القضائي على المتهم وعلى طاقم دفاعه.
لم أطلع على لائحة التهام الأصلية أو المعدلة لأمير مخول أو باقي المناضلين المذكورين. ولكن الصورة أصبحت واضحة: بعد الحصول على الاعترافات بأساليب غير مشروعة يتم تسليمها للنيابة العامة التي تترجمها إلى لائحة اتهام خطيرة ومبالغ بها إلى حد اللامنطق. فمخالفة بسيطة، ولنفرض المشاركة في مظاهرة شهدت بعض المواجهات بين المتظاهرين والشرطة، يتم ترجمتها في لائحة التهام إلى تسعة أو عشرة بنود منها: 1) مهاجمة شرطي بظروف خطيرة. 2) التسبب بأضرار عن سابق إصرار. 3) هجوم يسبب إصابة ملموسة. 4) عرقلة شرطي في حالة تأدية عمله. 5) مشاغبة ينتج عنها ضرر. 6) تجمهر ممنوع. 7) تخطي الحدود لعمل مخالفة...... الخ. الخ. هذا بالإضافة إلى عشرات الشهود (معظمهم من رجال الشرطة). بينما المتهم المسكين لم يعمل شيء سوى انه شارك في مظاهرة مرخصة في دولة تعتبر نفسها ديمقراطية. وعند بدأ المحاكمة، أو حتى قبلها وخلالها، تبدأ المفاوضات للتوصل إلى صفقة إدعاء. هنا تعرض النيابة العامة كرمها الزائد، فهي على أتم الاستعداد لشطب بعض البنود وحتى معظم البنود، المهم في هذه الحالة الحصول على إدانة. هذا ما تصر عليه النيابة العامة: الإدانة أولا والإدانة أخيرا. العقاب يصبح ثانويا: سنة أكثر سنة أقل، أو بضع سنين أكثر أو بضع سنين أقل، هذا قابل للتفاوض عليه حتى التوصل إلى صفقة ترضي جميع الأطراف، أو تقريبا جميع الأطراف. عادة المتهم، وهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة هو الذي يخرج غير راض. من مصلحة القضاة عادة الموافقة على صفقة الادعاء وذلك لتوفير وقت المحكمة بعد الاعتراف بالتهم التي تم الاتفاق بشأنها. النيابة العامة من جهتها حققت ما تريده وهو الحصول على إدانة. أما طاقم الدفاع، يستطيع أن يخرج إلى الملأ ويقول: لقد حصلنا على عقوبة مخففة. وهكذا يخرج الجميع سعداء. المتهم وحده يدخل السجن بدون محاكمة أصلا. أليست هذه مفارقة غريبة عجيبة؟
حسب وسائل الإعلام، تم شطب البند الأخطر في لائحة أمير مخول حول:"مساعدة العدو أبان الحرب" ولكنها أبقت بنود أخرى لا أدري كم تقل خطورتها عن البند المشطوب مثل: "التآمر لمساعدة العدو أبان الحرب" والتجسس، والتجسس الخطير، والاتصال بعميل أجنبي. فإذا كنا متفائلين سوف يقضي أمير السنوات السبع القادمة في السجن أما إذا كنا متشائمين فإنه سوف يقضي عشر سنوات. أليست هذه مأساة؟
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لو استمرت محاكمة أمير حتى النهابة ولم يتم "توفير" زمن المحكمة بل على العكس تم "تبذيره" إلى أقصى حد لمناقشة التهم الموجهة إليه حتى آخر تفاصيلها، وتمت فضح أساليب المخابرات في التحقيق وانتزاع الاعترافات، وبالتوازي استمرت الحملة الشعبية والدولية للدفاع عنه، هل سيتم فرض عقوبة تزيد عن 10 سنوات؟
لقد نفست هذه الصفقة الهواء من أشرعة سفينة المدافعين، وأنقذت المخابرات من التعرض للكشف والفضائح وأضفت على الجهاز القضائي مسحة من الموضوعية والعدالة الزائفة.
ألا تكفينا الصفقات البائسة على الصعيد السياسي حتى نكملها بصفقات أشد بؤسا على الصعيد القضائي؟

Wednesday, October 27, 2010

قانون الولاء لفلسطين عربية ديمقراطية

قانون الولاء لفلسطين عربية ديمقراطية

لقد أثار قانون الولاء لدولة إسرائيل كدولة "يهودية ديمقراطية"، لمن يريد أن يحمل الجنسية الإسرائيلية من غير اليهود، ردود فعل كثيرة على الصعيدين المحلي والعالمي. ما يهمنا هنا هو ردود الفعل الفلسطينية داخل ما يسمى بالخط الأخضر وخارجه. حيث يوجد هناك إجماع بأن الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها هي المستهدف الرئيسي بل تكاد أن تكون المستهدف الوحيد لهذا القانون. جاء هذا القانون ليحقق هدفين كانا وما زالا حلم الحركة الصهيونية وهما، أولا: تمهيد الطريق لترحيل من تبقى على أرضه من الفلسطينيين. ثانيا: سد الطريق نهائيا أمام عودة اللاجئين.
ردود الفعل الفلسطينية بالرغم من غزارتها الكمية إلا أنها جاءت هزيلة وعقيمة تراوحت بين الإدانة الكلامية الشديدة وتوجيه الشتائم النابية والتي في نهاية المطاف لا تلحق أي لضرر حتى ببعوضة، مرورا بتوجيه نقد لطيف أقرب إلى العتاب بين الأحبة للمؤسسة الإسرائيلية التي تضع العراقيل أمام "عملية السلام" بخطواتها هذه، إلى موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث التي تبديه أوساط واسعة من الجماهير.
لقد سبق قانون الولاء مطالبة الفلسطينيين والعرب الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة "يهودية ديمقراطية". وكان الرد الفلسطيني المتخاذل أحد الأسباب الذي شجع الحكومة الإسرائيلية بالمضي قدما وتتقدم خطوة أخرى نحو قانون الولاء. فها هو رئيس السلطة "الوطنية" الفلسطينية يصرح: " إسرائيل حرة كيف تعرف نفسها" وفي تصريح آخر يقول: اعترفنا بدولة إسرائيل عام 1993 ويهوديتها أمر يخص الأمم المتحدة" وبعد أيام يصرح ياسر عبد ربه بأن السلطة على استعداد للاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية. هذا قبل أن يتراجع عن تصريحه أمام الضغط الشعبي واتهامه لوسائل الإعلام بأنها شوهت كلامه.
لم تكن تصريحات الزعامة الفلسطينية في الداخل أفضل حالا. فقد كان مشهدا سرياليا رؤية أعضاء الكنيست العرب الذين أقسموا يمين الولاء للدولة ولقوانينها في اللحظة التي تخطت بها أقدامهم عتبة الكنيست، ومنهم من يؤمن بأن دولة إسرائيل هي تجسيد لحق "الشعب اليهودي" في تقرير مصيره، يتسابقون لشجب هذا القانون ويتنافسون فيما بينهم لإيجاد الألفاظ النابية لإدانة هذا القانون. أما موقف لجنة المتابعة العليا، التي يشكل أعضاء الكنيست العرب عمودها الفقري، فلم تكن أحسن حالا واكتفت بمجموعة من الإدانات الكلامية. باختصار، لا يوجد هناك رؤيا واضحة، لا يوجد أفق جديد، لا يوجد إستراتيجية ولا تكتيك. ولا يمكن أن تكون ما دامت هذه هي تركيبة وطبيعة هذه الزعامة.
من أجل إعادة التاريخ إلى مساره الصحيح ، ومن أجل إيقاف العدالة على أرجلها وليس على رأسها كما هي حالتها الآن، اقترح بصفتنا سكان هذه البلاد الأصليين أن نصيغ قانونا مضادا يقول وبكل بساطة:
من يقسم يمين الولاء لفلسطين عربية ديمقراطية يستحق أن يكون مواطنا في هذه البلاد. ما يحق لوزير القضاء الإسرائيلي، يعقوب نئمان ووزير الخارجية الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان وهما الوافدان من الخارج لماذا لا يحق للمواطن الأصيل المنزرع في هذه الأرض منذ الأزل؟
لا تكتفي دولة إسرائيل بسن القوانين بل تعمل على تمهيد الطريق وتستعد لتنفيذها. وكانت آخر هذه الاستعدادات إجراء تدريبات ومناورات واسعة النطاق هدفها باعتراف مسئولين رسميين مواجهة الاحتجاجات الفلسطينية عند تنفيذ القانون أو في حالة ترحيل جماعية قسرية. هنا أيضا اكتفت زعامتنا ببعض عبارات الشجب والإدانة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا نقوم نحن أيضا بالاستعدادات للدفاع أن أنفسنا؟ لماذا لا نعمل على تنظيم أنفسنا لمواجهة محاولات الترحيل بالقوة، كتنظيم دورات مجانية واسعة النطاق للرجال والنساء والأطفال لتعليم طرق الدفاع عن النفس كالكاراتيه والجودو مثلا؟ هل سنساق مرة أخرى كالقطيع إلى الشاحنات التي سوف تقذف بنا إلى ما وراء الحدود؟ لقد أظهرت الحكومة نواياها بما لم يبق مجالا للتفسير أو الشك. ولا أبالغ إذا قلت أن خطة التهجير أصبحت جاهزة في أدراجها تنتظر اللحظة المناسبة لإخراجها واستعمالها. هذا الأمر يحتم علينا أن ننفض عن كواهلنا غبار السلبية واللامبالاة وننظم أنفسنا بشكل يمكننا الصمود أمام التطورات والتحديات.
وأخيرا، إلى متى نصبر على قطعان الفاشيين من أمثال باروخ مرزل؟ وننتفخ رجولة فقط عندما يحاول اقتحام إحدى مدننا؟ إلى متى نبقى أسيري نظرية رد الفعل السلبية؟ ونكتفي مرة أخرى بالإدانة والتنديد؟. لماذا لا نبادر إلى تنظيم مظاهرة جبارة في قلب الخليل حيث يستوطن هذا المأفون ومن على شاكلته تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية؟ مثل هذه المظاهرة لن تكون ردا مناسبا على استفزازات هؤلاء الفاشيين فحسب بل نصرة لمدينة الخليل وأهلها الصامدين أيضا. ولماذا لا ننظم مظاهرة جبارة تسير نحو مستوطنة نوكديم حيث يقبع الوزير الترانسفيري ليبرمان؟ إذا كان يحق في الدولة "اليهودية الديمقراطية" لمرزل وليبرمان التحريض ضد الجماهير الفلسطينية صباح مساء، ألا يحق لهذه الجماهير أن تدافع عن بقائها؟

Wednesday, October 20, 2010

وقفة حق من سويتو الى القدس

وقفة حق من سويتو إلى القدس
علي زبيدات – سخنين

في عام 1985 عندما كان النضال العالمي ضد نظام الابرتهايد على أشده وبعد أن أعلن هذا النظام البائد حالة الطوارئ وصعد من ممارساته القمعية، التقى بعض اللاهوتيين الأفارقة ممن يطلق عليهم اسم: لاهوتيي الحرية، في مدينة سويتو وأصدروا "وثيقة كايروس جنوب إفريقيا" والتي لعبت دورا حاسما في النضال ضد نظام الابرتهايد الذي تكلل بزوال هذا النظام بعد عدة سنوات، في عام 1994 على وجه تحديد.
تقول هذه الوثيقة أن لحظة الحق قد حانت وعلى الجميع أن يحدد ويتخذ موقف، وكان النداء موجها أولا وقبل كل شيء إلى الكنيسة نفسها إذ لا يعقل أن تضع هذه الكنيسة تحت كنفها العنصرين الكولونياليين مع جماهير الشعب المسحوقة والمضطهدة. شنت هذه الوثيقة هجوما عنيفا على لاهوت السلطة الذي يبرر التمييز والقمع من خلال تفسير مشوه لنصوص التوراة والإنجيل لتبرير سياستها العنصرية. وكذلك شنت هجوما قاسيا على لاهوت الكنيسة الرسمية الذي يتماها مع لاهوت السلطة ويتخذ موقفا وسطا وتدعو إلى المصالحة من دون تحقيق العدالة كما تدعو إلى نبذ العنف من جميع الإطراف من غير أن تميز بين عنف السلطة الإجرامي وعنف الجماهير التي تدافع عن نفسها. وأخيرا تدعوا هذه الوثيقة إلى لاهوت نبوئي تحرري يقف بلا تحفظ إلى جانب المظلومين والمعذبين في الأرض كما كان السيد المسيح. وقد دعت هذه الوثيقة العالم وخصوصا الكنائس إلى مقاطعة نظام الابرتهايد والوقوف إلى جانب الشعب الإفريقي في نضاله ضد هذا النظام.
من وحي وثيقة كايروس جنوب إفريقيا انبثقت وثائق كايروس في شتى أنحاء العالم كان آخرها وثيقة كايروس فلسطين التي أصدرتها مجموعة من اللاهوتيين الفلسطينيين في أواخر عام 2009 حيث انتقدت بشدة، على غرار الوثيقة الأصلية إساءة استخدام الكتاب المقدس لأغراض سياسية ولتبرير الاحتلال واعتبرت ذلك جريمة في حق الله والناس. وحملت دولة إسرائيل المسؤولية عن الاحتلال والقتل والتدمير كما وجهت النقد الشديد للإدارة الأمريكية التي تقف إلى جانب النظام الظالم بدون تحفظ. وطالبت هذه الوثيقة بعدم التفريط بالثوابت الوطنية وعلى رأسها حق العودة وتحرير كافة الأسرى. ولكن صرختها الأساسية كانت موجهة إلى الكنائس الأخرى في شتى أنحاء العالم وطالبتها بالوقوف إلى جانب المظلومين قدوة بالسيد المسيح وحثتها إلى مقاطعة النظام الإسرائيلي.
لقد أحدثت كايروس فلسطين ردود فعل ايجابية في عدة دول وخصوصا في جنوب أفريقيا وبعض الدول الإفريقية ولكن تم تجاهلها ووأدها هنا في فلسطين وخصوصا من قبل السلطة الفلسطينية التي أيدتها ظاهريا ولكن أفرغت محتواها التحرري عمليا.
عندما كنت في جنوب إفريقيا دعوت إلى مؤتمر نظمته جامعة كوازولو – ناتال ومركز أوجاما للدراسات اللاهوتية بعنوان: "النضال مستمر: تواصل الأصوات النبوية" وذلك بمناسبة مرور 25 عاما على صدور وثيقة كايروس جنوب إفريقيا. وقد شارك في هذا المؤتمر بالإضافة إلى العديد من اللاهوتيين الأفارقة ومنهم من شارك في صياغة الوثيقة الأصلية، والذين لم تنشر أسماءهم في حينه خوفا من بطش السلطة، ممثلين من 11 دولة يمثلون وثيقة كايروس المحلية في بلدانهم. وكان من المفروض قدوم مجموعة من اللاهوتيين الفلسطينيين لكي يمثلوا كايروس فلسطين ولكن لأسباب متعددة لم يصل احد منهم. ووجدت نفسي، وأنا العلماني البعيد عن اللاهوت، بمثابة ممثل عن وثيقة كايروس فلسطين. في الحقيقة لم يكن ذلك أمرا غريبا أو صعبا. فكما أسلفت، تعد هذه الوثيقة من أهم الوثائق الفلسطينية التي تتمسك بالثوابت الوطنية وهي متقدمة بما لا يقاس على الحلول المطروحة من خلال المفاوضات العبثية التي تتبناها السلطة منذ 20 عاما. بالطبع لم يخل الأمر من بعض التحفظات وهذا شيء طبيعي أيضا. وقد عبرت عن تحفظاتي أمام الجميع. وقد انصب تحفظي الأساسي حول نقطتين: النقطة الأولى تقول أن اللاهوتيين الأحرار يستطيعون الانخراط بالنضال من أجل الحرية ويشاركون في قيادته ولكني لا أظن أن اللاهوت كفكر وممارسة يستطيع قيادة نضال تحرري حتى نهايته وذلك نظرا لمحدوديته متعددة الجوانب. والنقطة الثانية تقول أن الوثيقة مهما بلغت أهميتها تبقى عاجزة عن انجاز المطلوب منها إذا ما بقيت وثيقة ولم تتحول إلى خطة عمل ومرشد للنضال. مصير كل وثيقة أن تجد نفسها ملقاة على الرف يعلوها الغبار أو مطمورة في أحد جوارير أرشيفات السلطة. خصوصا وأن بعض الموقعين على هذه الوثيقة لا تربطهم أية علاقة بالنضال حيث وجدوا أنفسهم مرغمين على توقيعها بسبب الضغط الشعبي أو إنهم ركبوا الموجة لتحقيق بعض المصالح الشخصية، وتبقى علاقتهم العضوية مرتبطة بالسلطة وليس بالجماهير.
قد يظن البعض أن النضال ضد الابرتهايد في جنوب أفريقيا قد انتهى مع زوال النظام السياسي عام 1994. ولكن هذا ابعد ما يكون عن الحقيقة. فالتغيير السياسي لم يرافقه تغير اقتصادي أو اجتماعي. الفجوة بين الأغنياء والفقراء ما زالت شاسعة بل وتزداد اتساعا. الفئات المهمشة تملأ البلاد طولا وعرضا وأوضاعها مزرية من كافة النواحي. وكان انطباعي الذي لا يمحى أن نظام الابرتهايد ما زال قائما وأن النضال ما زال مستمرا حتى تحقيق العدالة على المستوى الشعبي. انه لمن المؤلم والمحزن رؤية الجماهير الإفريقية التي قدمت الضحايا في النضال ضد الكولونيالية العنصرية ما زالت تعاني، هذه المرة من قبل النظام "الوطني" "الديمقراطي".
نعم النضال مستمر، في جنوب أفريقيا كما في فلسطين كما في كل أرجاء العالم. وما أحوجنا إلى أصوات نبوية توصل بيننا.

Wednesday, September 29, 2010

ماتت المفاوضات فلتحيى المفاوضات

ماتت المفاوضات فلتحيى المفاوضات
علي زبيدات – سخنين

انه لمن المؤلم حقا أن نرى كيف تتحول حركة تحرير وطني إلى نقيضها، إلى حركة تخدم الامبريالية والاحتلال لأراضيها. كيف انحدرنا إلى هذا الحضيض؟ انه فعلا سؤال محير، لا أظن أن أحدا يملك الإجابة عليه. كنا نعلم من تجاربنا ومن تجارب حركات التحرر الوطني للشعوب الأخرى التي خاضت نضالا تحرريا أنه خلال مسيرة النضال يوجد هناك فئات تتساقط وتنتقل إلى المعسكر الآخر. كنا نعرف أنه لا بد من وجود انتكاسات وتراجعات في هذه المسيرة، قد تطول أو تقصر قد تكون عميقة أو سطحية ولكن في جميع الحالات وتحت كل الظروف يبقى الاتجاه التحرري العام واضحا. وكنا نعلم أيضا أنه بعد انجاز معظم المهمات الوطنية والحصول على الاستقلال مهما كان شكليا تتحول السلطة"الوطنية" الجديدة تدريجيا حتى تصبح سلطة رجعية مثلها مثل غيرها من الأنظمة الرجعية. ولكن أن تتساقط حركة تحرر وطني بكامل أطرها تقريبا وتنحدر إلى مثل هذا الحضيض قبل أن تنجز شيئا من المهام التي من أجلها نشأت، فهذه ظاهرة فريدة من نوعها تستحق دراسة عميقة.
ما حدث في الجولة الأخيرة من المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية برعاية أمريكية ومباركة عربية وأوروبية أمور لا تصدق. أولا وقبل كل شيء كذبة تجميد الاستيطان التي انتشرت كالنار في الهشيم في شتى أرجاء العالم. لم يكن هناك ثمة تجميد للمستوطنات لا قبل المفاوضات ولا بعدها، وهذا باعتراف مؤسسات إسرائيلية رسمية. وكما قال احد الكتاب الاسرائيلي: في فترة "التجميد" تجمد كل شيء ما عدا المستوطنات. أعمال الاستيطان المختلفة تواصلت على الأقل في 120 مستوطنة وتم بناء آلاف الشقق السكنية وشق الطرق وتمهيد الأرض وتحضير الخرائط ومواصلة مصادرة الأراضي الخ. كل ما حدث هو أنه تم اختيار بعض المستوطنات النائية التي تعتبرها الحكومة الإسرائيلية نفسها غير شرعية وبعض المواقع والإعلان المتلفز عن وقف الاستيطان فيها وذلك للاستهلاك المحلي والدولي لكي تتاح للمفاوض الفلسطيني أن يعود إلى طاولة المفاوضات من غير أن يتهم بالخيانة والعمالة.
وألان تظهر مطالب الحكومة الإسرائيلية باستمرار المفاوضات من غير هذا القناع منطقية جدا من وجهة نظرها: لقد جرت المفاوضات منذ حوالي 20 سنة في ظل توسيع الاستيطان فماذا تغير اليوم؟ المفاوض الفلسطيني لم يطالب ابدآ بوقف الاستيطان كشرط للمفاوضات، فماذا حدث الآن؟ هل السبب ما يقوله محمود عباس: اليوم بلغ السيل الزبى؟ وحسب الاتفاق المبدئي بين الطرفين المتفاوضين بأنه في كل اتفاق ستبقى الكتل الاستيطانية الرئيسية جزءا من دولة إسرائيل وانه تم الاتفاق على مبدأ تبادل الأراضي فبأي حق يطالب الطرف الفلسطيني بتجميد شامل للاستيطان؟ وكما صرحت الحكومة الإسرائيلية: مسألة تجميد الاستيطان هو أمر ثانوي بالمقارنة مع هدف المفاوضات الرئيسي بالتوصل إلى معاهدة سلام وحل النزاع نهائيا.
إذن الكلام عن تجميد الاستيطان أو عدم تجميده كان وما زال من باب ذر الرماد في العيون. المفاوض الفلسطيني بحاجة إليه لكي يحفظ القليل من ماء الوجه اتجاه المواطن الفلسطيني الذي تصادر أرضه أو يهدم بيته ويعامل كالحيوان على الحواجز. والمفاوض الإسرائيلي بحاجة إلى "اللاتجميد" لكي يكسب رضا قطعان المستوطنين ويحافظ على ائتلافه الحكومي. وهكذا يفتح الباب على مصراعيه للتوصل إلى حل وسط يرضي الطرفين بصورة خلاقة ومبتكرة. ونحن، جماهير الشعب البسيط ومن ورائنا العالم بأسره علينا أن نصدق هذه الكذبة ونبقى متعلقين بوهم السلام.
من يظن أن توقف المفاوضات أو فشلها ستكون ذات عواقب وخيمة، جاءت أقوال محمود (جهينة) عباس لتقطع قول كل خطيب عندما قال: لن نعود إلى الانتفاضة مهما كانت الظروف والأسباب. فلا يوجد بديل عن طريق المفاوضات. وإذا تذكرنا قول أحد الزعماء الاسرائيليين الذي قال: سوف نفاوضهم 100 سنة وفي النهاية لن يحصلوا على شيء، فهذا يعني أن محمود عباس وسلطته يبشروننا بدوام الاحتلال.
يبدو الظلام حالكا، ويبدو النفق طويل جدا وعميق جدا ولا يوجد بصيص نور لا في أوله ولا في آخره. هذا صحيح، ولكن فقط إذا قبلنا بهذه اللعبة وبقواعدها. من الذي يقول انه يتحتم علينا أن نسير في هذا النفق الطويل المعتم؟ ومن يقول انه يتوجب علينا المشاركة في هذه اللعبة التي وضع قوانينها غيرنا؟ لماذا لا نحطم النفق ونخرج إلى النور؟ ولماذا لا ننسحب من هذه اللعبة السمجة أو نغير قواعدها؟
نعم، القضية ليست قضية مفاوضات ولا قضية مستوطنات، إنها اكبر من ذلك بكثير: إنها قضية شعب ووطن وحياة.

Wednesday, September 22, 2010

شكرا ليبرمان

شكرا ليبرمان
علي زبيدات - سخنين

قد يبدو غريبا، على عكس الشتائم التي انهالت على رأس وزير الخارجية الإسرائيلي أفغدور ليبرمان من قبل أعضاء الكنيست العرب،لجنة المتابعة،وسائل الإعلام العربية المحلية والقطرية، وبعض الجهات المعدودة على ما يسمى اليسار الإسرائيلي أو قوى السلام اليهودية، على عكس هؤلاء جميعا أن أبعث إليه بتحية شكر: أخيرا قام شخص وقال بصراحة: " قضية السكان العرب من مواطني دولة إسرائيل يجب أن تكون قضية مركزية على طاولة المفاوضات". أن هذا التصريح الصادر عن شخصية عنصرية معروفة يعبر أكثر من أي تصريح آخر في السنوات الأخيرة عن وحدة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، أكثر بما لا يقاس من كافة شعارات زعامتنا الجوفاء التي تردد بأننا شعب واحد ذو قضية واحدة. هل هذه مفارقة؟
إحدى مساوئ اتفاقيات أوسلو الكثيرة هو تهميش هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي بقي منغرسا في أرضه واعتباره مسألة إسرائيلية داخلية. منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا يتبنى المفاوض الفلسطيني هذا الموقف. فنحن بالنسبة له لسنا موضوعا للتفاوض لأننا لسنا فلسطينيين كاملين. بالمقابل يتبنى المفاوض الإسرائيلي الموقف نفسه، فنحن لسنا فلسطينيين كاملين من جهة ولسنا إسرائيليين كاملين من جهة أخرى. منذ أن ظهر ليبرمان وأشكاله الظاهرين والمستترين، بدت الصورة تبرز على شكلها الطبيعي: الشعب الفلسطيني مهما عانى من التشتت والتمزق يبقى شعب واحد ذو قضية واحدة ذات حل واحد.
الشتائم المنهالة على الوزير الإسرائيلي مهما كانت صائبة وحقيقية فهي لا تعبر عن موقف سياسي مبدئي واضح وملتزم. أفكار هذا الوزير العنصري وحزبه لا تختلف من حيث الجوهر عن أفكار القيادات والأحزاب الصهيونية العمالية والدينية والقومية الأخرى التي صنعت النكبة الفلسطينية على مر العصور، إذن لماذا كل هذا التركيز عليه وفي الوقت نفسه التغاضي عن الآخرين؟ في هذه الحكومة، كما في الحكومات السابقة، إنها مسألة تقاسم أدوار: ليبرمان يجعجع، براك يمهد، يشاي يخطط ونتنياهو ينفذ. قد تتغير هذه الأدوار في الحكومات المختلفة حسب التقاسم الوظيفي وميزان القوى الداخلي. فرئيس الحكومة السابق، ايهود أولمرت الذي يقال أنه كان قاب قوسين أو أدنى من التوقيع على اتفاقية سلام هو من شن أشرس حربين في تاريخ إسرائيل: على لبنان وعلى قطاع غزة. أما وزير الحرب ورئيس الحكومة السابق، إيهود براك ألذي يقال أنه عرض على عرفات تنازلات غير مسبوقة في كرمها في مفاوضات كامب ديفيد الثانية ولكن هذا الأخير رفضها، فتاريخه حافل بجرائم الحرب ولو كان هناك حد أدنى من العدالة في عالمنا هذا لكان الآن يقف أمام المحكمة الجنائية الدولية أو يقبع في أحد السجون.
أقول لجميع المتسابقين، من الساسة المنافقين ومن ذوي النوايا الحسنة على حد سواء، الذين يبحثون عن شتائم جديدة لإلقائها على رأس ليبرمان: رويدكم، تمهلوا، فهذا العنصري الصغير لم يصل بعد حتى إلى كعب من اقترفوا الجرائم في حق الشعب الفلسطيني والإنسانية أمثال نتنياهو وبراك والمرت وموفاز وحالوتس واشكنازي والقائمة تطول.
قد يكون ليبرمان حمار في التاريخ، كما وصفه أحد أعضاء الكنيست العرب، ولكن معظم زعمائنا السياسيين هم أيضا حمير ليس فقط في التاريخ بل وفي الجغرافيا أيضا. التاريخ يقول: نحن سكان الأصليون لهذه البلاد وجميع من قدموا إليها من وراء البحار هم غزاة مستعمرون وعليهم أن يرحلوا. أصحاب الأرض فقط يحق لهم أن يقرروا من يبقى ومن يرحل منهم. والجغرافيا تقول: إن هذه البلاد لا تقبل القسمة، وعندما أقول هذه البلاد لا أقصد فلسطين فقط بل بلاد الشام بأسرها، هكذا خلقت وهكذا ستبقى مهما كانت محاولات تقطيع أوصالها.
إذن لماذا كل هذا الخوف من ليبرمان؟ لأنه يطرح حل الترانسفر؟ أو كما يسمى حاليا: التبادل السكاني، لكي يحافظ على "يهودية" الدولة؟ الرد على ذلك بسيط جدا وقد عبرت عنه الصحفية الأمريكية التي طردت من البيت الأبيض، هيلين ثوماس: ليعودوا إلى ديارهم من حيث أتوا. موقفنا يجب أن يكون واضحا: على ليبرمان أن يعود إلى مولدافيا من حيث أتى وعلى شمعون بيرس أن يعود إلى بولندا، وهكذا بالنسبة لجميع الغزاة. الشعب الفلسطيني وحده هو صاحب الحق من يقبل للعيش هنا ومن يرفض. مثله مثل باقي شعوب العالم. هكذا تعمل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها ديمقراطية ومدافعة عن حقوق الإنسان. أنظروا كيف تعامل أوروبا مهاجريها مع أنهم لم يأتوا كغزاة مستوطنين، بل أتوا كضحايا لقرون طويلة من الاستعمار والنهب. لقد أصبحت أوروبا مرتعا للأحزاب اليمينية المتطرفة التي وضعت على رأس سلم أولوياتها ملاحقة ومعادة المهاجرين، بينما تقوم الحكومات "الديمقراطية" كل يوم بسن قانون جديد للتضييق على المهاجرين. أما سياسة الهجرة الأمريكية فهي وصمة عار على مجتمع هو نفسه وليد هجرة بعد أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ البشرية.
سوف تكون فلسطين الديمقراطية الحرة أفضل بما لا يقاس من جميع الدول الأوروبية ومن أمريكا لأنها سوف تفتح صدرها للمهاجرين بشرط ألا يكونوا غزاة مستوطنين.

Wednesday, September 15, 2010

الاضراب الشامل ليس شعارا للاستهلاك

الإضراب الشامل ليس شعارا للاستهلاك
علي زبيدات – سخنين

قبل فترة من الزمن تناقلت وسائل الإعلام العربية المحلية خبرا مفاده أن لجنة المتابعة العليا بجميع مركباتها قد اتخذت قرارا بالإجماع إعلان الإضراب الشامل بالمناسبة العاشرة لما تسميه "هبة القدس والأقصى" وسقوط 13 شهيدا من أبنائنا.
على ما أظن هذه هي المرة الأولى التي تتخذ لجنة المتابعة مثل هذا القرار. في المرات السابقة القليلة التي اتخذ فيها قرار الإضراب الشامل لم يكن هناك إجماع من كافة المركبات. على العكس كان هناك دائما من يعارض بحجة الظروف غير الملائمة، عدم استعداد الجماهير أو عدم جدوى الإضراب. في العديد من المناسبات كانت إحدى المركبات الأساسية في هذه اللجنة والتي تتمتع بتأثير حاسم داخلها كانت هي التي تعمل على إجهاض قرار الإضراب الشامل. واليوم حسب وسائل الإعلام ذاتها كانت هي المبادرة بضرورة إعلان الإضراب وقبل المناسبة بأكثر من شهر.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا جرى؟ هل استوعبت لجنة المتابعة بكافة مركباتها أخيرا ضرورة تصعيد النضال الشعبي كرد على سياسة تصعيد القمع والتمييز التي تمارسها السلطة ضد جماهيرنا الفلسطينية؟ هل أصبحت هذه اللجنة أكثر جذرية في مواقفها بعد أن توصلت إلى قناعة بأنه لا بد من المواجهة بدلا من الطريق المهادنة الذي اتبعته حتى ألان؟ في الحقيقة قرار المتابعة هذا يثير البلبلة أكثر مما يشير إلى تصعيد الوسائل النضالية. وأنا بصفتي أحد المواطنين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في لجنة المتابعة وبقراراتها لا من قريب ولا من بعيد وكنت دائما من أنصار الإضراب الشامل في المناسبات الوطنية الثلاث لجماهيرنا ( يوم النكبة، يوم الأرض، وانتفاضة الأقصى)، للوهلة الأولى تفاجأت خصوصا بعد أن شن علي بعض الأصدقاء هجوما كاسحا واتهموني بالمزايدة على لجنة المتابعة التي تتخذ القرارات الحكيمة والصائبة وتعرف متى تتبنى الإضراب الشامل ومتى تكتفي بالمسيرات والنشاطات الأخرى.
نظرة أخرى إلى مجريات الأمور ورؤية الصورة من كافة جوانبها مع نظرة خاطفة إلى العمق تشير إلى انه لا جديد تحت الشمس في موضوعنا. وأن الإضراب الشامل المعلن لم يأت بهدف تصعيد النضال لمواجهة الهجمة السلطوية الشرسة بقدر ما يصب نهاية المطاف في إفراغ هذا الشكل النضالي من محتواه الثوري التقدمي. أشكال النضال أمر ثانوي بالمقارنة مع مضامينها. قد يكون الشكل متطورا ولكن عندما يكون فارغا من المضمون فلا فائدة ترجى منه. لننظر ماذا لدينا هنا: الأول من أكتوبر سيكون يوم جمعة، أي أن المدارس العربية تكون مغلقة ولن يشعر أحد بالإضراب في سلك التعليم مع أهمية الطلاب في مثل هذه المناسبات. وتكون معظم المصالح العربية في هذا اليوم مغلقة أيضا. وإذا لم أكن مخطئا في السابق أيضا كان سهلا على لجنة المتابعة الإعلان عن الإضراب الشامل عندما تصادف عطلا رسميا. بالإضافة إلى ذلك، فقد اتخذ القرار قبل المناسبة بشهر تقريبا، هذا بحد ذاته أمر جيد وأفضل بكثير من اتخاذه في اللحظة الأخيرة. هذه الفترة ضرورية للإعداد والتحضير للإضراب تستغل لتعبئة وتحريك الجماهير من خلال المهرجانات والمحاضرات والأمسيات الملتزمة وحلقات النقاش والعديد من النشاطات التي تتوج عادة بالإضراب الشامل. منذ الإعلان عن الإضراب الشامل لم نسمع عن أي نشاط تحضيري تعبوي. وفي نهاية المطاف ستكون النتيجة كما في السنوات السابقة: زيارة أضرحة الشهداء في الصباح مسيرة رئيسية تنهي بالخطابات الروتينية، مسيرات محلية في بعض الأماكن، تظاهرات على مفارق الطرقات. وينتهي اليوم وتعود المياه إلى مجاريها.
يقول لينين: " لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية" هذه الفكرة البديهية في النضال هي ما ينقص لجنة المتابعة وقراراتها. عندما لا نملك نظرة إستراتيجية واعية للقضية الوطنية بكافة جوانبها فإن التخبط في الممارسة لا مناص منه. وفي الحقيقة أنا لا ألوم لجنة المتابعة لعدم امتلاكها مثل هذه النظرة. فجميع التنظيمات الوطنية الفلسطينية ومنها من له تاريخ حافل في النضال تتخبط في مستنقع الاضمحلال الثوري. لجنة المتابعة العليا لم تكن في يوم من الأيام تنظيما ثوريا ولم تدعي ذلك أصلا وهذا الأمر لصالحها. مصيبتنا الكبرى تكمن في تلك التنظيمات التي وعدتنا بأن تكون طليعة الثورة العربية حتى تحرير فلسطين وانتهت إلى الارتماء في أحضان إسرائيل وأمريكا. كنا في الماضي نرفض الانضمام إلى الأحزاب العربية لإسرائيلية مهما ادعت من وطنية وتقدمية ونشجع الانضمام إلى المنظمات الفلسطينية المقاومة التي تجسد وحدة الشعب الفلسطيني. أما اليوم فلا تختلف هذه التنظيمات من حيث الجوهر عن الأحزاب العربية الإسرائيلية.
لجنة المتابعة بكافة مركباتها الحزبية وغير الحزبية تحيي مناسبة "هبة القدس والأقصى" وسقوط 13 شهيدا. وهي لا تحيي انطلاقة انتفاضة الأقصى وسقوط آلاف الشهداء. وهي بذلك تلتقي وتنسجم مع رموز السلطة الذين يعتبرون هذه الانتفاضة كارثة على الشعب الفلسطيني ويرفضون أي مشاركة نضالية جذرية لفلسطينيي الداخل وكل ما يطلبونه منا هو أن نكون جسرا للتفاهم بينهم وبين سلطات الاحتلال. وقد قالها رئيس السلطة الفلسطينية بصراحة: لا تتدخلوا في شؤوننا ساعدونا فقط في المفاوضات مع إسرائيل.
وقد رضيت لجنة المتابعة بمعظم مركباتها بهذا الدور. ما نسميه "هبة أكتوبر" أو "هبة القدس والأقصى" هو جزء لا يتجزأ من الانتفاضة الثانية التي يعتبرها قسم كبير منا كارثة، والشهداء الثلاثة عشر هم جزء لا يتجزأ من قافلة شهداء الانتفاضة وفلسطين. لا يكفي الاعتراف بذلك كلاميا والتنكر له عمليا.
إننا نحيي الذكرى العاشرة للانتفاضة الثانية، انتفاضة القدس والأقصى بدون تلاعب بالكلمات. هذه الانتفاضة التي تكالب على إجهاضها الفلسطيني والعربي قبل الأمريكي والإسرائيلي. إعلان الإضراب هذه السنة وكل سنة يجب أن يكون جزءا من استمرارية الانتفاضة وليس ذرا للرماد في العيون. الجماهير الشعبية وحدها من يقرر ذلك.

Wednesday, September 01, 2010

كل مفاوضات وأنتم بخير

كل مفاوضات وأنتم بخير
علي زبيدات – سخنين

سوف تتجدد غدا المفاوضات المباشرة بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية بإشراف وتحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية. على عكس معظم المحللين "المتشائمين" الذين يعلنون سلفا فشل هذه المفاوضات أسوة بالجولات السابقة على مدى العشرين سنة السابقة أؤكد أن هذه المفاوضات سوف تحقق نجاحات باهرة. المسألة تتعلق بمقاييس النجاح والفشل ليس إلا. وأقول أكثر من ذلك، أن هذه الجولة الأخيرة من المفاوضات في البيت الأبيض قد نجحت حتى قبل أن تبدأ. حيث اتفقت جميع الإطراف المتفاوضة على إدانة واستنكار العملية التي طالت إحدى المستوطنات في منطقة الخليل. فها هو رئيس السلطة الفلسطينية يصرح أن الهدف من هذه العملية هو المس بالعملية السلمية والسياسية. بينما يصرح رئيس حكومته أن هذه العملية تتعارض مع المصالح الفلسطينية ويشن حملة اعتقالات واسعة تطول كافة المعارضين للمفاوضات. في الجانب الآخر يصرح رئيس الحكومة الإسرائيلية أن هذه العملية أكدت مطالب إسرائيل الأمنية وضرورة حماية المستوطنات في كل الظروف. بينما صرحت الإدارة الأمريكية بالتناغم مع الموقف الإسرائيلي – الفلسطيني الرسمي وعلى لسان الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته على ضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل وإدانة هذه العملية الإجرامية ضد "المدنيين". ألا يعد هذا الاتفاق نجاحا للمفاوضات حتى قبل أن تبدأ. ولا كلمة واحدة عن المستوطنات والمستوطنين المدججين بالسلاح. مساكين هؤلاء المستوطنين المسالمين الأبرياء، لقد لاقوا حتفهم وهم نيام من غير ذنب اقترفوه.
من يقول أن المفاوضات التي بدأت منذ قبل أسلو واتفاقياتها وحتى اليوم قد فشلت؟ العكس تماما هو الصحيح، فقد حققت هذه المفاوضات أهدافها كاملة. حيث نجحت في تفريغ النضال الفلسطيني من مضمونه التقدمي التحرري وورطت منظمة التحرير في مسيرة طويلة من التفريط بالثوابت الوطنية الفلسطينية ومنحت الشرعية للاحتلال الإسرائيلي وأصبحت طرفا ملحقا بالمعسكر الصهيوني – الامبريالي - الرجعي. أليس هذا نجاحا؟ هل يوجد من يصدق أن هدف المفاوضات هو الوصول إلى سلام عادل ودائم؟
على عكس باقي الزملاء والرفاق الذين ترتفع أصواتهم عاليا ضد المفاوضات من على الموائد الرمضانية في دمشق حيث اجتمع مؤخرا 11 تنظيما معارضا أدانوا المفاوضات واصفين إياها بأبشع العبارات، والمعارضون الذين حاولوا الاجتماع في رام الله وتراجعوا عن اجتماعهم بعد تدخل مرتزقة القوى الأمنية التابعة للسلطة، أقول أن هذه المفاوضات جيدة ومفيدة. يجب أن نخرج رؤوسنا من تحت الرمل ونرى الصورة كما هي. أقول للذين يتهمون رئيس السلطة الفلسطينية بالتفريط: دعوا الرجل وشأنه. ماذا تتوقعون من شخص يقول أن المقاومة عبثية وأن عملياتها حقيرة؟ ماذا تتوقعون من شخص يقول أنه يتفهم معاناة "الشعب اليهودي" بينما معاناة شعبه لا تهمه وكأنها قشرة برتقالة؟ وأكثر من ذلك، فهو لا يشكك أبدا في حق "الشعب اليهودي" في فلسطين؟ هل تتوقعون أن يقود المقاومة؟ هل من غرابة في أن يقود مثل هذه المفاوضات؟ وماذا تتوقعون من رئيس حكومة عينته أمريكا ويتلقى معاشه منها مباشرة كأي موظف أمريكي عادي؟
بدل الصراخ بمناسبة ومن غير مناسبة ضد المفاوضات لماذا لا يجري العمل على طرح البديل وبنائه على أسس جديدة؟ لماذا يسكت المعارضون في الفترة الأخيرة عن حقيقة كون محمود عباس رئيسا غير شرعي انتهت صلاحيته منذ فترة طويلة حتى حسب النظم التي وضعها هو وأسياده وأن حكومته هي الأخرى تفتقد أية شرعية؟ لماذا هذا التركيز على رفض المفاوضات والسكوت عن المفاوض نفسه؟ دعوا رئيس السلطة ورئيس حكومته وكبير مفاوضيه وباقي طاقم "الحياة مفاوضات" وشأنهم، دعوهم يفاوضون على راحتهم، هذا هو الدور المرسوم لهم. لن تكون مفاوضاتهم والاتفاقيات التي قد يوقعونها في نهاية المطاف أكثر من فقاعات صابون سرعان ما تنفجر وتتلاشى.
جميع الإطراف المشاركة في المفاوضات تعرف تمام المعرفة أن الهدف منها ليس التوصل إلى سلام شامل ودائم، حتى وإن لم يكن عادلا، في المنطقة. بل هدفها الإبقاء على الأوضاع تحت السيطرة بما يحقق مصالحها: إسرائيل تريد الحفاظ على كيانها من خلال تخليد الاحتلال من جهة وبناء دولة أبرتها يد كولونيالية. بينما تريد الشريحة الكومبرادورية الفلسطينية نصيبا أوفر من السلطة، أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تريد تثبيت هيمنتها على المنطقة وفرض سيطرتها على مصادر الطاقة.
في المقابل على الشعوب المضطهدة وقواها التقدمية والثورية أن تعيد بناء صفوفها على مبادئ تحررية إنسانية متينة وتواصل النضال حتى التحرير الكامل.

Wednesday, July 28, 2010

هذه اخطوات الاحتجاجية لا تكفي لوقف سياسة الهدم

هذه الخطوات الاحتجاجية لا تكفي لوقف سياسة الهدم
علي زبيدات – سخنين

أقدمت دولة إسرائيل، الدولة اليهودية الديمقراطية التي تطالبنا بالولاء لها، على اقتراف جريمة جديدة ليس فقط في حق أهالنا في قرية العراقيب بل أيضا في حق الإنسانية جمعاء، عندما قامت جرافاتها بهدم هذه القرية الصامدة التي بنيت قبل أن ترى هذه الدولة الغاصبة النور. جميع القوانين والمواثيق الدولية تقول أن هدم البيوت وتشريد سكانها الآمنين هي جريمة ضد الإنسانية يجب تقديم مقترفيها إلى المحاكمة وإنزال العقاب الرادع بهم. ولكن، بالطبع، دولة إسرائيل فوق القانون الدولي. هذه الجريمة ليست الأولى من هذا النوع التي تقترفها الدولة ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، فقد سبق ودمرت أكثر من 500 قرية فلسطينية وشردت أهلها، ولم تجد من يردعها، لا على الصعيد المحلي ولا على الصعيد الدولي.
دولة إسرائيل لم ولن تتغير فهي لا تستطيع أن تبني نفسها وتتطور إلا على أنقاض القرى والمدن العربية التي دمرتها وشردت أهلها. المصيبة الكبرى أن رد فعلنا، نحن كضحايا هذه السياسة الغاشمة لم يتغير. ما زلنا عاجزين عن تخطي موقف الاستنكار والإدانة وربما بعض الأمور الأخرى من باب تسكيت الأوجاع ومن ثم الاستكانة والخضوع للأمر الواقع.
ما حدث هو أن لجنة المتابعة، التي من المفروض أن تقود النضال ضد سياسة هدم البيوت قد دعت إلى اجتماع لأعضائها على ارض العراقيب وأصدرت سلسلة من القرارات، منها ما يبدو كقرارات جيدة وضرورية مثل إعادة بناء البيوت المدمرة ولكن تجارب الماضي تقول أن مثل هذا القرار يبقى حبر على ورق. والسعي لتوفير الدعم المادي والمعنوي، لاحظوا كلمة السعي لتوفير الدعم، ومن يضمن أن هذا السعي سوف يتمخض عن نتائج ملموسة؟ لا ضمان. وهكذا نبقى في دائرة الاستنكار والإدانة ليس إلا. ولا أدري ما هي ضرورة تشكيل لجنة خاصة تبقى في حالة استنفار وانعقاد دائم لملاحقة مثل هذه القرارات.
لقد آن الأوان أن تقوم لجنة المتابعة بكافة مركباتها السياسية والأهلية بإعادة تقييم نشاطاتها والعمل من أجل الارتقاء إلى مستوى الإحداث وتطوير جاهزيتها لمواجهة هذه الإحداث. بهذا الصدد أطرح هنا بعض الأفكار التي قد تساهم في بلوغ هذه المهمة:
1) من الواضح أن مواجهة سياسة الهدم تحظى بتعاطف ودعم أوساط واسعة من جماهيرنا ولكن هذا التعاطف وهذا الدعم لا يحظيان بالتعبير العملي عنهما. لجنة المتابعة تكتفي بتواجد بعض أعضائها القادرين على التنقل والتواجد ولا تعمل بما فيه الكفاية لتعبئة وتجنيد الجماهير. مثلا، بدل تواجد بعض الاشخاص في قرية العراقيب أثناء الهدم والذي كان معروفا مسبقا، كان من الأفضل بما لا يقاس وصول الحافلات من شتى قرانا ومدننا العربية للوقوف إلى جانب أهلنا في النقب. ليس كل واحد منا يملك الإمكانية والوسيلة التي تنقله إلى مسافات بعيدة، وعلى لجنة المتابعة تأمين مثل هذه الإمكانية وهذه والوسيلة. يجب على لجنة المتابعة ألا تكون بديلا للعمل الجماهيري بل منظما له.
2) يجب العمل على إنشاء صندوق خاص يتكفل بتعويض الأضرار وإعادة بناء البيوت المدمرة، صندوق يستطيع مواجهة الصندوق القومي اليهودي، الكيرن كييمت، الذي يلعب دورا حاسما في سياسة الهدم والاقتلاع الإسرائيلية وتهويد المكان. بعد مرور 62 عاما من الهدم والتشريد ما زلنا نتكلم عن "السعي" لتوفير الدعم المادي. على كافة الجماهير العربية أن تساهم في تمويل هذا الصندوق من كل حسب طاقته.
3) منذ سنوات ونحن نتكلم عن ضرورة طرق أبواب الهيئات الدولية ولكننا حتى الآن لم نحرك ساكنا. ما المانع للتوجه إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية أو الأمم المتحدة وباقي المؤسسات المهتمة بحقوق الإنسان؟
4) الإعلام العربي متخلف في تغطية هذه الناحية أيضا. تصوروا لو أن دولة في العالم مهما كانت قامت بإخلاء عائلة يهودية من بيتها لمجرد كونها يهودية، ماذا سيحدث لهذه الدولة؟ سوف يقوم الإعلام الإسرائيلي والغربي المؤيد لها بشن حرب إعلامية عالمية عليها. أما نحن فلا يصل إعلامنا إلى أكثر من بعض المواقع الصفراء التي لا تخاطب سوانا. أين المؤسسات الإعلامية التي ترقد تحت مظلة لجنة المتابعة مثل إعلام، عدالة، مدى الكرمل وغيرها؟
5) يقول المثل: إذا أردت أن تدفن قضية معينة فأقم لها لجنة لمتابعتها. لقد أثبتت سياسة "تشكيل لجنة خاصة" لمتابعة قضايا الهدم فشلها. إننا بحاجة إلى خطة عمل مدروسة ومبرمجة حسب المعايير العلمية والعملية التي تضمن نجاحها. مشكلتنا أننا ما زلنا أسرى سياسة رد الفعل لا يوجد هناك أية بوادر للانتقال إلى العمل المخطط والمدروس.
أرجو أن تعلمنا قرية العراقيب درسا يخلصنا من أوهامنا ففي نهاية المطاف جميع قرانا ومدننا ليست بأفضل من قرية العقاريب ومصيرها ليس بأفضل من مصير قرية العقاريب.

Tuesday, July 20, 2010

خواطر حول التاريخ والإعلام والمقاومة

خواطر حول التاريخ والإعلام والمقاومة
علي زبيدات – سخنين

لقد أظهرت دولة إسرائيل في السنوات الأخيرة مقدرة خارقة على تزييف الحقائق بل وقلبها رأسا على عقب. حيث شنت حرب إبادة على قطاع غزة واقترفت جرائم حرب على مرأى ومسمع من العالم وبعد ذلك خرجت إلى هذا العالم متسربلة بقناع الضحية وكأن غزة هي التي شنت الحرب عليها.، فوجدت من يسمعها ويتبنى روايتها ويكذب كل ما رآه بأم عينه. حتى التقرير المتهاون الذي لم يذكر سوى النزر القليل من الجرائم التي اقترفتها هذه الدولة والمعروف بتقرير غولدستون، وجد طريقه إلى سلة المهملات. وفرضت حصارا على قطاع غزة يعد سابقة في التاريخ البشري من حيث فظاعته وشموله وطول مدته وخرجت مرة أخرى للعالم برواية وكأن قطاع غزة هو الذي يفرض عليها الحصار وجل ما تفعله هو الدفاع عن نفسها، وكأن للآخرين لا يوجد نفس أصلا للدفاع عنها. وها هي مؤخرا تهاجم مواطنين عزل جاؤوا على متن أسطول الحرية لتقديم بعض المساعدات الإنسانية للمحاصرين، فتترك 9 شهداء وعشرات الجرحى وتخرج للعالم مرة أخرى مولولة على صورة ضحية لا حول ولا قوة لها وكل ما فعلته لا يتعدى الدفاع المشروع عن النفس وكأن أسطول الحرية أصبح أسطول نابليون جاء لاحتلال الشرق الأوسط بكامله. وعينت لجنة خاصة لكي تثبت ذلك للعالم. هذا بالطبع بدون أن نسهب في قضية الأسير الإسرائيلي الأكثر شهرة في العالم، جلعاد شليط، الذي أصبح اسمه معروفا من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي وعلى مدار خط الاستواء وكأنه رجل مسالم أكثر من المهاتما غاندي ونلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ مجتمعين وكأن اختطافه تم بعد انتزاعه من حضن أمه بعد منتصف الليل وليس من على ظهر دبابة حربية. أما آلاف الأسرى الفلسطينيين فليسوا سوى مجرمين وأرقام في السجون الإسرائيلية.
في ظل هذه المقدرة الخارقة على تزييف وقلب الحقائق، لا أدري كيف ستكون كتابة التاريخ في المستقبل ممكنة. لا أظن إني أبالغ إذا ما قلت، أمام هذه الآلة الدعائية الهائلة، أن التاريخ وكتابته قد دخلا في أزمة خانقة وربما أصبحا من المستحيلات.
لقد أثبتت دولة إسرائيل تفوقها على العرب في جميع المجالات وخصوصا في المجال الإعلامي. فلو أخذنا قناة الجزيرة كمثل وهي وسيلة الإعلام العربية ، نرى أنها تتكلم بلغتين فما تقوله على القناة الناطقة بالعربية لا تقوله بالضرورة على القناة الناطقة بالانجليزية. وهي حفاظا على "الموضوعية" و"الحيادية" و "المهنية" تفتح أبوابها على مصراعيها أمام أبواق الدعاية الإسرائيلية. فكل خبر يتعلق بالمنطقة لا بد من اتصال مباشر بأحد المسئولين الإسرائيليين لأخذ رأيه بالموضوع. بينما في الدولة الديمقراطية الأولى في العالم وفي أكبر وأوسع وسائل الإعلام يتم فصل الصحفيين مهما كانت مرتبتهم لمجرد تصريح بسيط أو زلة لسان كما حدث مع هلين توماس وأكتافيا ناصر مؤخرا. نريد أن نرى وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية تفتح أبوابها أمام المحللين والمعلقين العرب كما هو الوضع في وسائل الإعلام العربية المخترقة كغيرها من المؤسسات.
متى يرتقي الإعلام العربي إلى المستوى المطلوب؟ أتحدى أن يقف إعلامي عربي واحد ويجيب عن هذا السؤال بجرأة وصراحة.
لنعود إلى ساحتنا المحلية. في الحقيقة لم يكن هدف هذا المقال تناول وسائل الإعلام العربية بشكل عام، فهذا موضوع واسع وشائك ولا أظن أن مقالة صحفية قادرة على إيفائه حقه. لقد لفت نظري خبر على ساحتنا المحلية يجسد مأساتنا الإعلامية الخاصة. يقول الخبر: أن وفدا من لجنة متابعة قضايا الأسرى المنبثقة عن لجنة "المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" زار وزير الأسرى في مقر وزارته في رام الله. حيث استعرض الوزير بالإسهاب الخدمات التي تقدمها وزارته للأسرى ولذويهم. بالطبع لم يذكر الأسرى الموجودين في سجون السلطة وكل جريمتهم هو مقاومة الاحتلال، وما هي الخدمات التي تقدمها لهم ولذويهم اللهم سوى نقل التقارير لأجهزة الأمن الإسرائيلية من خلال التنسيق الأمني. ولم يتطرق بالطبع للتعذيب الذي يلاقيه هؤلاء الأسرى. ولا أظن أن أحدا من أعضاء الوفد قد تجرأ على توجيه سؤال بهذا الموضوع لمعالي الوزير. قبل هذا اللقاء بفترة وجيزة قد تم تدشين جمعية جديدة تهتم بشؤون الأسرى، هي مؤسسة حريات – المؤسسة العربية من أجل الأسرى والمعتقلين بمبادرة أبناء البلد الذين كان أميناها العامين من ضمن الوفد لتنضم إلى أخواتها في هذا المجال كمؤسسة يوسف الصديق والرابطة العربية للأسرى والمحررين واللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات وغيرها من الجمعيات والمؤسسات التي وضعت نفسها تحت سقف لجنة المتابعة العليا ووزارة الأسرى. هذا بالرغم من النوايا الحسنة لبعض العاملين في هذه الجمعيات خصوصا ممن قضوا سنوات في السجون الإسرائيلية. ولكن كما يقول المثل: الطريق إلى جهنم مليئة بالنوايا الحسنة. بهذه المناسبة أريد أن أجري بعض المقارنة بين ما تفعله هذه المؤسسات مجتمعة لآلاف الأسرى الفلسطينيين وبين ما تفعله المؤسسة الإسرائيلية لأسيرها الوحيد. لا يزور إسرائيل أحد، إن كان رئيس دولة أو رئيس حكومة أو وزير خارجية أو مبعوث لأية لجنة دولية إلا ويتم إخباره عن ضرورة الإفراج عن الأسير شليط وعلى بلاده أن تبذل جهودا أكثر من أجل ذلك، وفي كثير من الحالات تكون عائلة شليط أول المتحدثين. بالمقابل: هل وزير الأسرى ورئيس حكومته ورئيس سلطته يطرحون قضية الأسرى على الضيوف الذين يحلون عليهم؟ أشك في ذلك. هل أشركوا أحد أفراد عائلة الأسرى الذين قضوا ربع قرن ونيف في هذه المقابلات؟ أجزم أن هذا الأمر لم يحصل.
منذ عشرات السنين وأنا أسمع من المسئولين على ضرورة طرح قضية الأسرى على المحافل الدولية. وفي اللقاء المذكور كرر وزير الأسرى قول ذلك. فلماذا الانتظار كل هذه السنين؟ لا أحد يدري.
ما فعلته عائلة شليط في المسيرة التي نظمتها من شمال البلاد إلى القدس على طول عدة أيام لم تستطع أن تفعله مؤسسات الأسرى مجتمعة على مدار سنوات. حيث كانت منغمسة بتنظيم المهرجانات، وفي بعض المناسبات تنظيم احتجاجات أمام بعض السجون تقتصر على ذوي الأسرى وبعض المهتمين. ماذا فعلت هذه المؤسسات لجعل قضية الأسرى قضية وطنية حقا، لتجنيد وتعبئة الجماهير الواسعة لكي تأخذ دورها في هذه المعركة. هل كثرة اللجان في هذا المجال هي من باب التعددية والتنافس أم من باب العجز والشرذمة؟ وهل هي قادرة أصلا على اجتياز أجندتها الخاصة والارتقاء بالعمل إلى المستوى المطلوب لخدمة القضية التي يتفق الجميع على أهميتها الوطنية؟

Wednesday, July 14, 2010

التضامن واجب وطني ولكن ليس في كل مكان

التضامن واجب وطني ولكن ليس في كل مكان
علي زبيدات – سخنين

عندما عاد أعضاء وفد فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 الذين شاركوا في أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة والذي هاجمته دولة إسرائيل بهمجية تاركة تسعة شهداء وعشرات الجرحى، استقبلوا استقبال الأبطال وكأنهم قد عادوا من معركة. وقد كانت معركة بالفعل بالرغم من تواضعها. فالمعارك ليست حصرا على المدافع والدبابات والطائرات العسكرية. المواقف الوطنية الملتزمة والدفاع عن الحقوق الإنسانية لأي شعب أو فرد والكلمات الصادقة والجريئة ضد أي عدوان هي أيضا معارك، وهي لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية بل وفي كثير من الأحيان تتفوق عليها من حيث الأهمية.
لذلك، كان من الطبيعي أن تستقبل جماهير شعبنا أعضاء الوفد العائدين بالحفاوة والترحاب وتعبر عن ذلك بزيارات التضامن لأعضاء الوفد في بيوتهم أو مكاتبهم وتنظم أمسيات التضامن الاحتفالية على طول الوطن السليب وعرضه. لقد شارك في أعمال التضامن هذه أعداد كبيرة من كافة طبقات الشعب بغض النظر عن انتماءاتها الحزبية وبرامجها السياسية. لا أبالغ إن قلت أن أسطول الحرية قد قرب بين القلوب المتنافرة أضعاف ما يمكن أن تعمله الخطابات البلاغية الداعية للوحدة والصفقات المبرمة في مواسم الانتخابات المختلفة.
وقد كان للنائبة حنين الزعبي نصيب الأسد في هذا الترحاب والتضامن. ولم يكن ذلك فقط لكونها امرأة، وهي عملة نادرة في مثل هذه المناسبات، بل أيضا لموقفها الرائع في الدفاع عن المشاركين الذين تعرضوا للعدوان الإسرائيلي وموقفها الجريء في التصدي للمعتدين وفضح ممارساتهم وهي التي لا تملك إلا قوة جسدية سياسية محدودة جدا.
وأنا شخصيا، وغيري الكثيرين، وبالرغم من خلافاتي السياسية المبدئية مع النائبة حنين الزعبي ومع حزب التجمع الذي تمثله، ساهمت بشكل متواضع في التضامن معها لما قدمته ولما مثلته في مشاركتها بأسطول الحرية.
ولكني، وأقولها بصراحة، لم أستطع التضامن معها أمام الهجمة العنصرية التي تعرضت لها من قبل زملائها في الكنيست الإسرائيلي. وأظن أن السبب الرئيسي لذلك واضح للعيان: لقد كان عليها واجب وطني، أخلاقي وإنساني أن تشارك في أسطول الحرية وتعمل على كسر الحصار الجائر على قطاع غزة، بينما وجودها في الكنيست كان بمحض إرادتها، بسبب قناعاتها السياسية. لا يوجد هناك أي واجب وطني أو أخلاقي للتواجد في الكنيست، بل كان هناك واجب حزبي نابع عن قناعات سياسية معينة هي تعتبرها صحيحة وأنا أعتبرها خاطئة.
بالنسبة لي، وربما أيضا بالنسبة لآخرين، حنين الزعبي المناضلة التي كانت تشق عباب البحر متجهة إلى غزة من على متن سفينة مرمرة هي شخص وحنين الزعبي، عضوة الكنيست التي تقارع ريفلن وميخائيلي وليفين وغيرهم من العنصرين في الكنيست هي شخص آخر. لا يستطيع أحد أن يقنعني أن التضامن الذي منح من القلب لحنين ولغيرها من المشاركين في أسطول الحرية هو نفس التضامن معها من أجل الحفاظ على بعض "الامتيازات" التي تمنحها الكنيست لأعضائها والتي يريد بعض الأعضاء سلبها منها.
المرحلة ليست مرحلة انتخابات، وهذه المقالة ليست بصدد مقاطعة الانتخابات للكنيست الإسرائيلي. والكلام عن حنين الزعبي بالذات فقط لأنها كانت عضو الكنيست الوحيد في الأسطول، ولكنه ينطبق على كافة أعضاء الكنيست العرب بغض النظر عن جنسهم وأحزابهم.
ما جرى لحنين الزعبي في الكنيست يؤكد ما كنا دوما نقوله وما زلنا نقوله: أن الكنيست الإسرائيلي هو بؤرة عنصرية لا أمل في تغييره. وقد آن الأوان للأحزاب العربية أن تستفيق من أوهامها وتكف عن الترويج لمعاركها الدونكيشوتية التي تشنها في أروقة الكنيست:
تقول حنين الزعبي في خطابها الدفاعي:" قضيتي هي الامتحان الحقيقي للديمقراطية الإسرائيلية، وتهديدكم لي هو تهديد للإمكانية الوحيدة للديمقراطية والمساواة الحقيقية بين المواطنين العرب واليهود" ألم تكن أحداث النكبة وما نجم عنها من تشريد وسلب وقتل وحصار على مدى 62 عاما امتحانا حقيقيا للديمقراطية الإسرائيلية؟
ويقول عضو الكنيست محمد بركة: " هذه كنيست كهانا، أجواء البهيمية وأخلاقيات الرعاع تسيطر عليها". ومن الذي يضربك على يديك لكي تستنشق هذه الأجواء يا رفيق؟
عتابي لحنين الزعبي ولغيرها من أعضاء الكنيست العرب ليس من باب التشفي. لا أقول لها أنك تستحقين هذه المعاملة التي سعيت إليها بنفسك ولا تلومين غير نفسك. بل أقول أن الكنيست هو آخر مكان يمكن أن يكون مسرحا لمعركة وطنية أو أخلاقية. لندع العنصريين يرقصون مع بعض على أنغامهم العنصرية.

Wednesday, July 07, 2010

كيف أصبحنا جمهورية موز

كيف أصبحنا جمهورية موز؟
علي زبيدات – سخنين

يخطئ من يعتقد أن هذا المصطلح يقتصر على دول أمريكا الوسطى الصغيرة والفقيرة المنتجة للموز فقط، بل ينطبق أيضا على دول عديدة في العالم، من ضمنها وبدرجات متفاوتة على 22 دولة عربية. تتسم جمهورية الموز (حتى ولو كانت تسمى مملكة أو مشيخة أو إمارة) بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، بسبب وقوعها تحت حكم طبقات أو فئات صغيرة وفاسدة تشكل نظاما ديكتاتوريا رجعيا متخلفا، تتصرف وكأن البلاد مزرعة خاصة لها، تحرص على أن تبقى البنى التحتية في البلد متدنية ومتخلفة تعتمد على مصدر اقتصادي واحد، قد يكون الموز في أمريكا الوسطى وقد يكون النفط في دول الخليج. هذا بالإضافة إلى الفوارق الاقتصادية الشاسعة بين الطبقات والبون الشاسع في توزيع الثروات الوطنية. كما تعتمد في الأساس على الرأسمال الأجنبي الذي يجلب معه الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للبلد.
هذه باختصار صفات جمهورية الموز بغض النظر عن موقعها الجغرافي. ألا تنطبق هذه الصفات على كافة بلدان جامعة الدول العربية؟ لنأخذ دول الخليج على سبيل المثال للحصر: سوف تعود هذه البلدان عندما ينضب النفط إلى العصر الحجري وستتحول سيارات الكاديلاك والمرسيدس إلى أقنان للدجاج. يعيث الفساد في أوساط الزمرة الحاكمة التي تستأثر بثروات البلد مما يجعل الفوارق بين الطبقات أبعد من المسافة بين السماء والأرض. من جهة أخرى أصبحت هذه الدول مرتعا لكافة مخابرات العالم ومشاعا أمام الهيمنة الأجنبية وخصوصا الغربية والإسرائيلية. تنتشر القواعد العسكرية على طول البلاد وعرضها وتستعمل لبسط الهيمنة وشن الاعتداءات على البلدان المجاورة مقابل حماية هذه الأنظمة.
الوضع ليس أفضل بكثير في باقي الدول العربية ولكني هنا لست بصدد تناول كل دولة ودولة. سوف اقتصر الكلام على مكان احترت في تسميته: هل هو جمهورية أم هو مشيخة ؟ هل يشكل دولة أصلا؟ أم هو خليط فريد من نوعه يجب أن نبحث له عن اسم مناسب؟ حسنا، الاسم ليس مهما هنا، المقصود طبعا المناطق الفلسطينية التي تسمى مجازا: "السلطة الوطنية الفلسطينية" والتي أصبحت خلال فترة عمرها القصير نموذجا كلاسيكيا لجمهوريات الموز.
فساد الزمرة "الحاكمة" – وقد وضعت هذه الكلمة بين هلالين لأنها في الحقيقة محكومة وليست حاكمة- أصبح على كل لسان. اعتمادها الأول والأخير على الرأسمال الأجنبي إن كان ذلك من الدول المانحة أو من هبات وكالة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وبعض الدول العربية. الفوارق الطبقية بين فئة المقامرين والمتسولين من عامة الشعب فاحشة جدا. والأسوأ من كل ذلك أن هذه الزمرة تتصرف وكأن فلسطين مزرعة خاصة لها ورثتها عن أجدادها. فتتنازل هنا وتعطي هناك وتفاوض في مكان آخر وكأن الشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات غير موجود بتاتا. فهذا رئيس السلطة يخبر الوسيط الأمريكي لكي يخبر المحتل الإسرائيلي (وكأنه لا يعلم!) بأنه في حالة التوصل إلى اتفاقية سلام سيوافق على بقاء حائط البراق و"الحي اليهودي" تحت السيطرة الإسرائيلية بالإضافة إلى ضم المستوطنات فيما يسمى غوش عتصيون ومودعين عيليت وجفعات زئيف وغيرها. يقول ذلك ببساطة وكأن هذه الأماكن ملك خاص له ولعائلته جاءته بالوراثة وليست ملكا للشعب الفلسطيني. وفي مناسبة أخرى، حول مائدة عشاء ضمته مع بعض الصحفيين الإسرائيليين يقول: إننا أخطأنا في رفض قرار التقسيم. والنا هنا تعني الشعب الفلسطيني، هل فوضه أحد أن يتكلم باسمه؟ كما يفتخر أمامهم بنجاح الأجهزة الأمنية بالحفاظ على أمن إسرائيل وذلك باعتراف رئيس الشاباك يوفال ديسكن نفسه. ويؤكد أمامهم مرة أخرى بأنه لن يقبل المصالحة مع حماس إذا لم تتبنى مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق وكافة الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل. ووصلت به المجاملة، وهذه ألطف كلمة أجدها، بأن نصف الفلسطينيين على الأقل يشجعون المنتخب الأمريكي في المونديال، وأنا أتحدى أن يقف عشرة فلسطينيين يعلنون على الملأ بأنهم من مشجعي المنتخب الأمريكي.
في الوقت نفسه يرسل رئيس حكومته للقاء وزير الحرب الإسرائيلي، ويقولون لنا أن لا علاقة بين هذا اللقاء وبين المفاوضات مباشرة كانت أو غير مباشرة. هل يوجد من يصدق مثل هذا الكلام؟ أم أنهم يتبعون المثل الذي يقول: كلما كبرت الكذبة كثر من يصدقها؟
هذه هي باختصار جمهورية الموز الفلسطينية. السؤال الذي يطرح نفسه على كل فلسطيني بعد هذه السنوات الطوال من النضال والتضحيات: هل نقبل أن نكون تلك القرون المعوجة من الموز، مع الاعتذار للموز كفاكهة، في أيدي تجار الموز الفاسدين؟
لقد آن الأوان أن نقرر: هل نريد جمهورية موز أم وطنا عزيزا حرا؟

Wednesday, June 30, 2010

اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب

اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب
علي زبيدات – سخنين

مر اليوم العالمي لمناهضة التعذيب في الأسبوع الماضي مرور الكرام. ذكرته بعض المواقع الإخبارية بسطر أو سطرين ونوهت به بعض منظمات حقوق الإنسان وكأنه من مخلفات الماضي السحيق وكأن عالمنا اليوم مليء بالرفق والحنان ويخلو من كافة أشكال التعذيب مع أن الحقيقة تشير إلى العكس من ذلك تماما.
يظن البعض أن وفرة الاتفاقيات الدولة المناهضة للتعذيب كافية بأن ترسل هذه الظاهرة اللاإنسانية إلى متحف التاريخ وكأنها من مخلفات عصور مظلمة في التاريخ البشري. فها هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد على عدم جواز إخضاع أحد للتعذيب وسوء المعاملة والعقوبة القاسية واللاانسانية. وها هي اتفاقيات جنيف تؤكد على ضرورة منح جميع المعتقلين حق ممارسة الأنشطة الذهنية والتعليمية والترفيهية والرياضية ومواصلة الدراسة وتوفير الغذاء الكافي كما ونوعا وتوفير الرعاية الصحية وغيرها من الحقوق الإنسانية. وها هي الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب تؤكد مرة أخرى عدم شرعية استعمال أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أم عقليا بقصد الحصول على اعترافات أو معلومات. وتدعو إلى مقاضاة كل من يلجأ إلى هذه الأساليب. هذا غيض من فيض من النصوص الدولية حول هذا الموضوع، لكن يبدو أنه كلما زاد الحديث عن مناهضة التعذيب كلما نما وترعرع واتسعت رقعته.
قلت في الماضي، وها أنا اكرر ما قلته: أن الدولة، كل دولة، هي في الحقيقة عبارة عن جهاز قمع مكون من جيش وشرطة ومخابرات وسجون هدفه الأساسي الحفاظ على النظام وليس الدفاع عن جماهير الشعب. قد يكون هذا الجهاز القمعي همجيا وبدائيا وقد يكون متطورا. وبالتالي يستعمل كل جهاز الأساليب التي تلائمه في التعذيب.
لقد قطعت الدول الحديثة وخصوصا الدول المتطورة صناعيا وتكنولوجيا شوطا بعيدا في تطوير جهازها القمعي. وهي تمارس شتى أنواع التعذيب بينما تعلن صباح مساء التزامها وتمسكها بالاتفاقات الدولية المناهضة للتعذيب. ولعل الممارسات الأمريكية في سجن أبو غريب وغوانتنامو وغيرهما من السجون المعروفة والسرية خير مثال على ذلك ولكنها ليست المثال الوحيد. ينبغي ألا ننسى أن الهدف من التعذيب الأمريكي هو نشر الحرية والديمقراطية.
أما دولة إسرائيل فقد طورت أساليب التعذيب حتى جعلت منه علما وفنا. في البداية كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تركز على استعمال التعذيب الجسدي للمعتقلين من أجل انتزاع الاعترافات والمعلومات منهم. في الوقت نفسه كانت تنفي اللجوء إلى التعذيب وتدعي أن المعتقلين قدموا اعترافاتهم بمحض إرادتهم وأن الكلام عن التعذيب ليس إلا افتراء على الأجهزة الأمنية الأكثر أخلاقية في العالم، على غرار الجيش الأكثر أخلاقية في العالم. مع الوقت ومع تطور الصراع طورت هذه الأجهزة أساليبها في التعذيب وأخذت تركز على التعذيب النفسي والذهني مع أنها لم تتخلى عن التعذيب الجسدي الذي حددته محكمة العدل الإسرائيلية العليا وبهذا أصبحت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تجيز استعمال التعذيب قانونيا. يرتكز التعذيب النفسي عن العزل التام وإرهاق المعتقل بمنع النوم عنه لفترات طويلة وإخضاعه للتحقيق لساعات طويلة بالإضافة إلى استعمال الوسائل الحديثة التي تهدف إلى كسر معنويات المعتقل وتدمير شخصيته. لقد استشهد العشرات من المناضلين خلال التحقيق معهم بينما لا يزال الآلاف من المعتقلين يعانون من آثار التعذيب حتى بعد سنين طويلة من خروجهم من السجون الإسرائيلية.
حسب رأيي تعريف التعذيب في المواثيق الدولية ضيق وناقص وعلى المختصين في هذا المجال إعادة النظر في هذا التعريف. فالتعذيب لا يقتصر على ممارسات الأجهزة الأمنية في السجون وفي أقبية التحقيق، بل هو أوسع من ذلك بكثير. أليس الحصار المفروض على غزة هو شكل من أشكال التعذيب؟ أليست سياسة هدم البيوت واقتلاع الأشجار ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وإرهابهم شكلا آخرا من أشكال التعذيب؟ وماذا عن الجدار الفصل العنصري ومئات الحواجز وسياسة الاعتقالات والمداهمات العشوائية للبيوت والتصفيات الجسدية؟ أليست هذه تعذيبا على نطاق جماعي؟ هل يمكن الفصل بين ما يدور داخل السجون والمعتقلات وبين ما يدور خارجها؟ هل يكفي أن نضع ما يدور في أبو غريب وغوانتانمو مثلا في خانة التعذيب وتدمير العراق وقتل العديد من أهله خارج هذه الخانة؟ هل يمكن التمييز بين من يستشهد برصاص الجنود أو المستوطنين وبين من يستشهد على أيدي المخابرات؟
قلت انه كلما تطورت الدولة كلما تطورت أساليب التعذيب التي تستعملها. الأمة العربية ابتليت بدول متخلفة وما زالت تستعمل أساليب متخلفة في التعذيب. ما يجري في سجون مصر وسوريا والأردن والسعودية وغيرها من الدول العربية لا يعلمه غير الأجهزة الأمنية وغير الله. من حين لآخر تتسرب بعض المعلومات التي تقشعر لها الأبدان. هل تستطيع دول كهذه أن تكون طرفا في أي نضال تحرري؟
ونحن، الشعب الفلسطيني، أنعم الله علينا بدولة ممسوخة أو بالأحرى بدولتين ممسوختين واحدة في الضفة الغربية وأخرى في قطاع غزة. وها هي سجون السلطة تمتلئ بالمساجين بعدما أصبح فدائيو الأمس سجانين اليوم يزجون بالمقاومين الجدد في بالسجون. تعلمنا أساليب التعذيب من إسرائيل بسرعة فائقة وفي كثير من الأحيان تفوقنا عليهم. إن الكلام عن التعذيب في السجون الإسرائيلية يكون مجرد جبن ونفاق إذا صمتنا عن التعذيب في سجون السلطة أو في سجون الحكومة المقالة في قطاع غزة. لقد أصبح معروفا أن أجهزة أمن السلطة تعمل تحت إشراف، رقابة وتدريب أجهزة الأمن الأمريكية والإسرائيلية وهي مجتمعة المسئولة عن التعذيب في السجون الفلسطينية.
مناهضة التعذيب على الصعيدين المحلي والعالمي هي رافد من روافد النضال من أجل الحرية.

Wednesday, June 23, 2010

من أجل إنقاذ محمود درويش من "المستورثين"

علي زبيدات – سخنين

قبل حوالي اسبوعين جرى احتفال رسمي وشعبي في كفر ياسيف بمناسبة إفتتاح "مؤسسة محمود درويش للإبداع" وصفه القيمين عليه بأنه كان احتفالا مهيبا. وقد انفردت صحيفة حديث الناس بتغطية موسعة لهذا الاحتفال، هذا بالإضافة إلى مقال بقلم المحامي جواد بولس بهذه المناسبة وعن أهداف هذه المؤسسة نشرته الجريدة نفسها. أقول مسبقا، منعا لأي التباس، أن هذه المقالة ليست عن محمود درويش كشاعر أو كسياسي أو حتى كمهجر أو لاجئ. لا يستطيع أحد أن ينكر مكانة درويش وقيمته اللامحدودة وتأثيره على القضية الفلسطينية. ولا اعتراض لدي على التسميات التي أطلقت على الشاعر مهما بلغت من مبالغة مثل: شاعر فلسطين، شاعر الثورة والمقاومة ورمز الثقافة الفلسطينية الإنسانية وغيرها من الأوصاف العاطفية التي تميز ثقافتنا في المجاملات خصوصا في حالات الرحيل عن هذه الحياة. في نهاية المطاف، كل واحد حر في رأيه. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن محمود درويش فوق النقد وأن هناك ثمة مسوغ لرعاية نوع من عبادة الشخصية.

على كل حال محمود درويش ليس بحاجة لشهادة مني أو من غيري لإثبات مكانته الخاصة في مجمل القضية الفلسطينية. ولكن يبدو أن البعض بحاجة لمحمود درويش ليثبتوا مكانة لا يستحقونها في القضية الوطنية الفلسطينية وهذا ما كشفه لنا مرة أخرى الاحتفال الأخير في كفر ياسيف. هذه المقالة عن هذا البعض الذي اسميه مجموعة من "المستورثين" مع الاعتذار للسيدة سهى عرفات التي قد تكون تحتفظ بحقوق ابتكار واستعمال هذه المصطلح.

يقول المحامي بولس في مقالته أن الاحتفال كان مميزا بالحضور الذي شمل وفد رفيع المستوى من السلطة الفلسطينية برئاسة رئيس حكومتها سلام فياض بالإضافة إلى بعض أعضاء الكنيست العرب والوزير السابق يوسي سريد وغيرهم، ويتابع المحامي قوله:" إننا نصر أن تبقى المؤسسة خارج تأثير أي حزب أو فصيل أو مجموعة ذات مآرب فئوية". لا أدري إذا كان أحد يصدق مثل هذا الكلام بينما جرى الاحتفال برمته تحت رعاية أكثر شخص مختلف عليه فلسطينيا.

لقد قال محمود درويش ذات مرة: "على الشاعر أن يبقى على مسافة من السياسي. لأن السياسي يتعامل مع الممكن بينما يعبر الشاعر عن الحلم ويتعامل مع المستحيل في السياسة". لكن بعد الشاعر عن السياسي، حسب رأيي، كانت قصيرة جدا وفي بعض الأحيان كانت تتلاشى تماما. قبل اتفاقيات أوسلو كان شاعرنا يمشي جنبا إلى جنب مع السياسي وكان كلاهما يمر في أزمة. بعد اتفاقيات أوسلو اتسعت المسافة بعض الشيء وقد وصف درويش الوضع الذي تمخض عن هذه الاتفاقيات، كمن يخرج المحتل من غرفة نومه إلى الشرفة. بالنسبة للشاعر الشرفة مجال ضروري لاستنشاق الهواء واستمداد الوحي من أجل التواصل مع الحلم ولكنها ليست كذلك بالنسبة للسياسي. لو أخرجت اتفاقيات أوسلو المحتل إلى الساحة الخلفية مثلا لربما اختلفت الأمور. ولكن ها هو المحتل يعود بعد حوالي 20 سنة إلى غرف النوم ولكن هذه المرة بدون أن يقض مضجع النائمين.

احتفال كفر ياسيف يعيد الشاعر بعد رحيله للارتماء في أحضان السياسي.

في الحقيقة كثرة التكريمات التي نالها الشاعر منذ وفاته وحتى اليوم يفوح منها رائحة فاسدة. بدأت منذ اليوم الأول لوفاته. فقد أصرت السلطة على دفنه في رام الله ضاربة بعرض الحائط برغبة ذويه وأصدقائه ورغبته هو نفسه بأن يدفن في الجليل مكان ولادته ومرتع طفولته وصباه. ما زلت أذكر النقاش الساخن الذي دار حول مكان الدفن. وكيف أرسلت السلطة وفدا رفيع المستوى للضغط على أهله لقبول دفنه في رام الله تحت تبريرات واهية. كانت السلطة بحاجة إلى أيقونة أخرى إلى جانب عرفات لكي تعزز من شرعيتها المهزوزة ولكي تمارس عملية التسول السياسي عليها. عرفات دفن في المقاطعة بعد أن تحولت المقاطعة من ثكنة محاصرة إلى بؤرة للتنسيق الأمني. ودرويش دفن في "قصر الثقافة" التطبيعية على ارض مسروقة من أصحابها.

لم يكن هذا "التكريم" عفويا. بل جاء ليقول لدرويش الشاعر اللاجئ ولغيره: من حقك أن تحلم في العودة ولكن ليس من حقك أن تعود ولو كنت ميتا.

لم يكن هذا"التكريم" الوحيد المخجل الذي منحته سلطة رام الله للشاعر. فقد أعلنت قبل عدة أشهر يوم مولده كيوم الثقافة الوطنية الفلسطينية. وأحيت هذا اليوم في احتفال راقص في قصر الثقافة. وتحت رعاية من؟ حزرتم، تحت رعاية رئيس الحكومة الفلسطينية الذي يعدنا بدولة فلسطينية مستقلة في غضون عامين. لا أدري ما سر العلاقة بين الشاعر ورئيس الحكومة. وبما إنني شخصيا لا أؤمن بالصدفة لذلك لم تكن دعوته إلى احتفال كفر ياسيف من باب الصدفة.

طبعا لا يمكن أن أنسى "تكريما" مخجلا آخرا للشاعر في قريته غير المهجرة التي يترأس بلديتها شخص معروف بعلاقاته الحميمة مع السلطات الإسرائيلية. وذلك بإقامة نصب تذكاري للشاعر في وسط البلد حيث سار المحتفلون وراء العلم الإسرائيلي من النصب التذكاري إلى مكان الاحتفال.

ولنعود إلى الاحتفال الأخير في كفر ياسيف. لست ناقدا أدبيا ولا يهمني كثيرا إذا كان الشاعر ندم أو تخلي عن بعض قصائده مثل: بطاقة هوية أو عابرون في مكان عابر أو محمد الدرة أم لا. فبعد أن تم نشر هذه القصائد لم تعد ملكا للشاعر أو لأي شخص آخر بل أصبحت ملكا للقراء. من المخجل أن يدعى الوزير السابق يوسي سريد بصفته صديقا للشاعر لكي يخبرنا أن درويش ندم على كتابة بعض قصائده. وأن يبعث كاتب صهيوني آخر معروف بعنجهيته وعنصريته المبطنة هو عاموس عوز بكلمة تتلى على الحضور يكيل المديح على الشاعر ويشبهه بشاعر الصهيونية الوطني حاييم نحمان بيالك، على غرار تشبيه رئيس حكومة السلطة بمؤسس الصهيونية هرتسل.

لست ضد تكريم المبدعين خصوصا إذا كانوا بهامة محمود درويش مهما اختلفنا حول التفاصيل. على العكس من ذلك فالتكريم ضروري وواجب. ولنتعلم من الحركة الصهيونية نفسها التي تكرم كل من ساهم في خدمتها مهما كان دوره ضئيلا وأسماء المدن والشوارع والمؤسسات الإسرائيلية تشهد على ذلك وتبرزه بشكل يفقئ العيون. علينا أن نكرم كل من ساهم في حمل الهم الفلسطيني والقضية الفلسطينية. ولكن التكريم شيء و"الاستيراث" شيء آخر.

Wednesday, June 16, 2010

الحقيقة بين هيلن توماس ومحمود عباس

الحقيقة بين هيلن توماس ومحمود عباس
علي زبيدات – سخنين

هل يعني القاضي، عندما يطلب من الشاهد أن يقسم على قول الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، ذلك حقا؟ وهل يعرف هذا الشاهد المسكين أصلا ما هي الحقيقة؟ وهي مسألة قد دوخت الفلاسفة منذ أيام الإغريق وحتى يومنا هذا؟ وإذا كان يعرف بعض الحقيقة أو أحد جوانبها فهل يعرف كل الحقيقة؟ ولنفرض جدلا إنه يعرف كل الحقيقة فهل يقال كل ما يعرف؟ من يستطيع أن يضمن عدم تسلل أشياء بقصد أو عن غير قصد غير الحقيقة إلى الحقيقة نفسها؟ لا يمكن لوم هذا الشاهد المسكين إذا لم يستطع الإخلاص لقسمه بل يجب توجيه اللوم كل اللوم إلى ذلك القاضي الأرعن الذي طلب من هذا الشاهد أن يقوم بهذه المهمة المستحيلة. لو دققنا النظر قليلا لوجدنا القاضي والشاهد غارقين في الورطة نفسها. لا أظن أن القاضي أفضل حالا في معرفة الحقيقة أو في قولها.
أنا لا أدعي معرفة الحقيقة فكم بالأحرى كلها. ولا استطيع قول كل ما أظنه أنه حقيقة وإلا وجدت نفسي في غياهب سجون الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وأعترف مسبقا أنه من الممكن جدا أن يكون في كلامي أيضا أشياء غير الحقيقة. لن أكون أفضل من سقراط الذي قضى حياته باحثا عن الحقيقة وقبل أن يجدها وجد أمامه كأس السم. ولن أكون أفضل من أفلاطون الذي تابع البحث عن الحقيقة بعد موت معلمة وفي النهاية قال لنا أنه وجدها ولكن ليس في عالمنا هذا بل في عالم المثل الذي لا يدري أحد أين يوجد. ولن أكون أفضل من الفيلسوف ديكارت الذي شك في جميع الحقائق وحاول أن يصل إلى الحقيقة، بأل التعريف، عن طريق العقل الذي لم يسعفه كثيرا حسب رأيي، ولا ابن سينا الذي قال: "إن الحقيقة هي موافقة ما في الأعيان لما في الأذهان" فرأى العجب، ولا فريدريك نيتشه الذي ضرب بعرض الحائط جميع القيم والحقائق.
ولكن، دعونا نعترف أنه وراء نسبية الحقيقة وتعدد أوجهها والمرونة الشديدة في تعريفها، لها علاقة خاصة بما هو حق، لها علاقة متينة بالصدق، لها علاقة بالواقع وربما كانت شكل من أشكال هذا الواقع، فهي قيمة أخلاقية أولا وقبل كل شيء. لنكتف بهذا القدر من الحس العام في معرفة الحقيقة.
هذه المقدمة كانت ضرورية بالنسبة لي لكي أفهم وأستوعب ما قالته الصحفية الأمريكية في البيت الأبيض هيلن توماس وما قاله رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام ممثلي اللوبي الصهيوني في واشنطن في الفترة نفسها. مع التركيز على المفارقة الصارخة بين كون الأولى صحفية عملت أكثر من 40 سنة في البيت الأبيض غطت أخبار ما لا يقل عن 10 رؤساء والثاني هو رئيس سلطة تدعي الوطنية ورئيس منظمة تدعي التحرير.
ما قالته هيلين توماس بسيط جدا يعرفه القاصي والداني وبفضل بساطته الشديدة يحتوي على نسبة عالية من الحقيقة. قالت عن الفلسطينيين أنهم شعب محتل وهذه بلادهم وعلى الصهاينة أن يخرجوا منها ويعودوا إلى بيوتهم في بولندا وألمانيا وأمريكا وكل مكان آخر. إنها لم تقل كلمة واحدة جديدة. وفي الوقت نفسه لم تقل كل الحقيقة. قالت جزءا بسيطا من الحقيقة فقط، وماذا تستطيع بعض الثواني من لقطة فيديو أن تقول أصلا؟ ولكن هذا الجزء البسيط جدا كان كافيا لأن يقيم الدنيا ولا يقعدها. وأن يذل سيدة في التسعين من عمرها ويعيدها إلى بيتها مكسورة الخاطر لا تشفع لها سنوات خدمتها التي يعترف بها الجميع.
الحقيقة تبقى هي الحقيقة: يحق للجميع العودة إلى بيوتهم. يحق للاجئين الفلسطينيين العودة إلى بيوتهم التي شردوا منها كما يحق للغزاة المحتلين العودة إلى بيوتهم التي أتوا منها. عندما ذكرت هيلين توماس بولندا وألمانيا لم تكن تقصد العودة إلى معسكرات الإبادة النازية كما لمحت وسائل الإعلام الصهيونية والمتواطئة معها وتجاهلت بخبث "أمريكا وكل مكان آخر"، بل قصدت العودة إلى البيوت الحقيقية التي جاءت هذه المعسكرات لسلبها. يهود ألمانيا هم أولا وقبل كل شيء ألمان، وهم ألمان أكثر من هتلر نفسه وباقي النازيين. ولهم الحق في العيش في بيوتهم. ومن يقول غير ذلك فهو عنصري. ولو فتحت ألمانيا أبوابها الآن لعاد إليها العديد من اليهود الذين يعتبرون ألمانيا بيتهم. عدد كبير منهم عاد بالفعل. فلسطين المحتلة هي بلاد الفلسطينيين وليست بلاد يهود أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول. زعيم حزب العمال الهولندي، يوب كوهن اليهودي والذي قد يصبح رئيسا للحكومة هو هولندي وربما أكثر من زعيم اليمين العنصري خيرت فلديرز. وهو يعرف أن هولندا هي بيته وليست فلسطين المحتلة، مع إنه يستطيع حسب قانون العودة الصهيوني أن يحمل حقائبه غدا ويرحل إلى فلسطين المحتلة ويقول: عدت إلى بيتي.
اليهودي المغربي هو مغربي وله الحق لأن يعود إلى بيته في المغرب وكذلك بالنسبة إلى اليهودي اليمني والعراقي والإيراني والسوري. كما يحق لليهودي الفلسطيني أن يعيش في فلسطين تماما كالعربي الفلسطيني. ما قالته هيلين توماس ليس الحقيقة فقط بل هو الأمر الطبيعي العادل. منح الحق لكل إنسان للعودة إلى بيته لا يعني بأي حال من الأحوال الترحيل القسري. فكل إنسان في العالم له الحق الطبيعي في أن يغير بيته. ولكن بشرط: ألا يطرد إنسانا آخرا من بيته ويحل محله.
أما رئيس السلطة الفلسطينية، الذي من المفروض أن يمثل القضية العادلة لشعبه فإنه يقول أمام اللوبي الصهيوني:" لن أنفي أبدا حق الشعب اليهودي على ارض إسرائيل". وسؤالي الذي أوجهه لرئيس السلطة، عباس: هل وجه الدعوة لممثلي اللوبي الصهيوني ال30 الذين قابلهم لكي يعودوا إلى أرض إسرائيل لممارسة حقهم؟ على ضوء هذا التصريح الذي عجز عنه بلفور أتساءل: هل يوجد هناك حق للشعب الفلسطيني على ارض فلسطين؟
أيتها الحقيقة الملعونة كم من الجرائم أقترفت باسمك؟؟؟

Wednesday, June 09, 2010

عين على غزة وعين على جنوب أفريقيا

عين على غزة وعين على جنوب أفريقيا

علي زبيدات – سخنين

طبعا لن أجرؤ على الدعوة لمقاطعة مباريات كأس العالم (المونديال) التي تنطلق هذا الأسبوع في جنوب أفريقيا، هذا مع أنها تستحق المقاطعة. لو فعلت ذلك لما أصغي إلي أحد وبالمقابل سيقوم الآلاف إذا لم يكن الملايين ويتهمونني بالجنون وربما رجمت بالحجارة أيضا. هذا بالإضافة إلى أنني لن أجد أحدا آخرا يقاطع معي حتى أنا نفسي لأني أنا الآخر في نهاية المطاف من عشاق كرة القدم. لكن كل ما أطلبه، عندما يدخل العالم في إكستازا المونديال، ألا ننسى غزة وألا ننسى القضية الفلسطينية برمتها. سوف تستغل إسرائيل التهاء العالم بمشاهدة المباريات لكي تشدد حصارها على غزة ولكي ترفع من وتيرة تهويد القدس وتعمل على توسيع المستوطنات. أشد ما أخشاه في هذه الفترة أن تخمد أصوات الاحتجاج مهما تمادت السياسة الإسرائيلية ولن يكون هناك من يخرج للمظاهرات.

منذ زمن طويل، فقدت الأحداث الرياضية الكبرى، خصوصا المونديال والألعاب الأولمبية، الكثير من روحها الرياضية فشعار المنافسة الشريفة والتقارب والأخوة بين الشعوب زالت من الوجود أو تكاد. بالنسبة للمنظمين هي مصدر لجني الأرباح حيث بلغت قيمة سوق كرة القدم في أوروبا وحدها على سبيل المثال، بالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها، 15.7 مليار يورو. وهي بالنسبة للسياسيين أرض خصبة لتمرير سياستهم الشوفينية والرجعية. هل من باب الصدفة أن يكون حوالي نصف الفرق المشاركة أوروبية مع أن هذه الدول تشكل أقل من 15% من العالم؟ عدد سكان أوروبا يعادل عدد سكان أفريقيا ولكن في المونديال يخصص لأوروبا ضعف ما يخصص لأفريقيا فهل بهذه الطريقة يمكن الكلام عن الأخوة بين الشعوب؟ أم أن هذه وصفة لفرض الهيمنة التي هي امتداد للهيمنة الامبريالية.

لم يعد بالإمكان فصل الرياضة عن السياسة ولا يمكن أصلا الفصل بينهما. ولكن عندما تكون السياسة فاسدة تفسد الرياضة أيضا. خير دليل على ذلك ما حدث بين مصر والجزائر مؤخرا. كادت الفتنة التي سببتها السياسة الفاسدة أن تعصف بالعلاقة بين الشعبين الشقيقين وتشعل نار الحقد والكراهية بينهما. تشجيع فريق شيء والتعصب والشوفينية شيء آخر. ما نراه في معظم حالات التشجيع هو تعصب أعمى وشوفينية مقيتة. ليس من السيئ تشجيع الفريق الذي نشعر بالقرب منه لأسباب قومية أو أيديولوجية أو أية أسباب أخرى ولكن من السيئ أن يتحول هذا التشجيع إلى حافز للكراهية والتنافر.

نحن كفلسطينيين لا نملك أوراقا كثيرة في هذه الألعاب. سوف يكتفي معظمنا بدور المشاهد والتشجيع من بعيد. لكننا نستطيع أن نستغل هذا المنبر الهام جدا لفضح السياسة الإسرائيلية والأمريكية والغربية بشكل عام. هنا لا يسعني إلا أن أعبر عن خيبة أملي من سياسة حكومة جنوب أفريقيا بكل ما يتعلق بموقفها اتجاه القضية الفلسطينية. من المعروف أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي رفضت مقاطعة نظام الابرتهايد البائد في جنوب أفريقيا وحافظت على علاقات علنية وثيقة معه. كما مدته بالأسلحة والخبرة العسكرية ومن ضمنها التعاون النووي الذي كشف عنه مؤخرا. لم تأت هذه العلاقات الوثيقة من باب الصدفة بل لأن جوهر النظامين واحد يقوم على الفصل العنصري. كنا نتوقع من النظام الجديد في جنوب أفريقيا أن يقاطع نظام الابرتهايد الأخير الموجود في عالمنا. لكنه لم يفعل ذلك بل على العكس أقام معه علاقات طبيعية واكتفى هنا وهناك بإدانة لفظية لبعض ممارساته.

كان الشعب الفلسطيني بمعظم حركاته الوطنية من أشد المؤيدين لنضال شعب جنوب أفريقيا العادل ضد نظام الابرتهايد وكان نلسون مانديلا لسنوات طويلة المثل الأعلى للحركة الأسيرة الفلسطينية. اليوم يوجد لدينا العشرات من الأسرى الذين تفوقوا على مانديلا من حيث المكوث في الأسر بعد أن تجاوزوا الثلاثين عاما في السجون الإسرائيلية. كنا نتوقع من نيلسون مانديلا شخصيا ومن القيادة الحالية في جنوب أفريقيا أن تبدي دعما أكثر للقضية الفلسطينية وأن تقطع علاقاتها بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

أخيرا، جرت العادة أن يختار كل واحد منا فريقه المفضل أو فرقه المفضلة ويعبر عن ذلك برفع أعلام الدول التي تنتمي لها هذه الفرق. هذه الظاهرة تكتسح المدن والقرى العربية. وقد اخترت شخصيا ثلاثة فرق لتشجيعها ولا أطمح أن يشاركني بهذا الاختيار الكثيرين:

الفريق الأول، هو فريق كوريا الشمالية وذلك لموقفها الصارم الرافض للهيمنة الأمريكية ولتحديها هذه الهيمنة في الوقت الذي تنبطح دولنا العربية أمام هذه الهيمنة. الفريق الثاني، ولكن بمسافة أبعد هو الفريق الجزائري وذلك احتراما وتقديرا لشعب المليون شهيد ولما تبقى في صدور الجماهير الجزائرية إخلاصا لقيم ومبادئ الثورة التي تخلى عنها النظام، طامحا أن يقوم أحد لاعبي هذا الفريق بنصرة غزة على طريقة أبو تريكة الخالدة والمؤثرة. الفريق الثالث، إذا كان لا بد من اختيار أحد الفرق الكبيرة فأنا أختار فريق الأرجنتين وذلك من أجل الأسطورة مرادونا الذي يتعرض لهجوم عنيف من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، وبسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني ولشعوب أمريكا اللاتينية المناضلة ضد الهيمنة الأمريكية وعلاقته المميزة بالأنظمة التقدمية في فنزويلا وكوبا وبسبب تصريحه الأخير بأنه يريد أن تذكر الأرجنتين بصفتها وطن الثائر الاممي الفذ تشي جيفارا.

Tuesday, June 08, 2010

Perseverance of the Resistence is the only way to break the siege

Perseverance of the Resistance is the Only way to Break the Siege
June 2 2010
Ali Zbidat - Sakhnin

I will talk about the brutal Israeli attack on the freedom flotilla to break the siege on Gaza from a different angle, that is almost put aside and marginalized in the developments of the last events; the angle of the perseverance (somood) and continuity of the popular resistance in spite of the difficult situations that the siege has imposed and in spite of the massive sacrifices of our people in Gaza. Of course, I am not minimizing the importance of the Freedom Flotilla or any other flotillas that came before or will come after. Without the perseverance of our people in Gaza and the continuity of their resistance and their valuable life sacrifices, the consciences of the world wouldn’t have been touched and people wouldn’t have crosses sees and continents to go to the Gaza Strip.
The aim of Israel in imposing a siege on Gaza is obvious and known; to have the resistance kneel down and pull it towards the whirlpool of useless negotiations and then impose the Israeli-American solution on our Palestinian people including giving up on the national components and accepting a monster state and a fake independence in return of giving up on the Right of Return and self-determination.
In order to impose the Israeli-American peace, Israel has committed war crimes and many other crimes against humanity. The last attack against the Freedom Flotilla is one of these crimes. But in any way, we should not forget the king of crimes Israel has committed a year and a half ago when it launched a war of extermination on the Gaza Strip that led to the death of 1450 martyrs, in addition to tens of thousands of injured, and a massive destruction. We also should not forget Israel’s preparations for a crueler and bigger war.
The martyrs of the Freedom Flotilla are part of the martyrs of Palestine, no matter what their citizenships are. The blood of the injured mix with the blood of the Palestinians. But I come back to concentrate on the real heroes. Gaza’s children that resisted, with their nude chests, Israeli rockets fired from Apache helicopters and American-made F16’s, it are Gaza’s men that are buried deep in the ground looking for a bite to eat, it are the sick, bearing their pain and injuries because of the lack of medicines, it are the mothers that watch their children in hunger.
This legendary perseverance is what drove Israel crazy, and this is what made Israel act like a wild bull.
With all respect and admiration to all of the aid convoys and all the attempts to lift the siege from Gaza, the un-doubtful truth is that the continuity of the resistance, and its perseverance is the only insurance to break this siege.
The Israeli lobbying its media has circulated and which are repeated by international media that are known to be Israeli-biased don’t fool anyone anymore. Who believes that the Israeli soldiers fires their guns in self-defense after being attacked by activists? Who believes the testimony of the Israeli soldier who said” We did not have any weapons, except for guns, but as final resort? While the whole world saw pictures of soldiers heavily armed with weapons from top to toe? Who believes that they used their weapons as final resort, and fired towards the legs? Who reads the Israeli version think that the activists are those who attacked the Israeli navy forces. It looks to me that the Israeli media need some additional courses in the art of lying.
I don’t want to repeat the accusations about the Arab inability to break the siege. In fact, this is not about the inability, it is about accomplice and many times in actual cooperation in imposing the siege. I am not one of those that jump from happiness when hearing the news of opening the Rafah crossing until notice. We will see later for how short it will stay open. And the more important question is what is allowed to be entered and what is not. The real happiness will be when we see Egyptian bulldozers destroying the crossing, the wall, and the fences forever. And this, in my humble opinion, will only happen when Egypt stands up from the laps of the USA and Israel and comes back to the laps of the Arabic nations.
I am also not one of those who fly from happiness after hearing the condemnation from the Palestinian Authority on Ramallah. These are only words that don’t feed the hunger nor protects from fear, and reminds us of its condemnation of the extermination war on Gaza while in reality it had an affective role in it. How can this condemnation be honest when there is still security coordination and useless negotiations going on? The only thing the Authority in Ramallah is interested in is using these crimes to repeat their talks about “National Unity” that will secure going forward in the Israel-American solutions.
Finally, I am not one of those delighted of hearing the Turkish statements. I appreciate the positive changes in the Turkish policies, but Turkey still has a long way to go in order to distance themselves from the imperial camp. The first step will be for Turkey to step out of the NATO and cut its diplomatic and military ties with Israel.
The resistance in Gaza, which is part of Arabic and international resistance in the face of the globalized imperialism systems, have to survive and continue and join all the free peoples in the world until it reaches victory and liberation.

Wednesday, June 02, 2010

صمود المقاومة هو الطريق الوحيد لكسر الحصار

صمود المقاومة هو الطريق الوحيد لكسر الحصار
علي زبيدات – سخنين

سوف أتناول موضوع الاعتداء الإسرائيلي الغاشم على أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة من زاوية أخرى تكاد أن في خضم تطور الأحداث الأخيرة، أن تهمش وتوضع جانبا، من زاوية صمود المقاومة الشعبية واستمراريتها بالرغم من الأوضاع القاسية التي فرضها الحصار وبالرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمتها جماهير شعبنا في غزة. طبعا مع عدم التقليل من أهمية قافلة الحرية الأخيرة والقوافل التي سبقتها والتي سوف تليها. لولا صمود أهلنا في غزة واستمرارية مقاومتهم والتضحيات الغالية بالأرواح التي قدموها لما تحرك أصحاب الضمائر الحية من شتى أنحاء العالم وقطعوا البحار والقارات ليتجهوا إلى قطاع غزة المنكوب.
هدف إسرائيل من فرض الحصار على غزة معلن وواضح وهو تركيع المقاومة وجذبها إلى دوامة المفاوضات العبثية ومن ثم فرض الحل الإسرائيلي - الأمريكي على شعبنا الفلسطيني بما يشمله من التخلي عن الثوابت الوطنية والقبول بدولة مسخ واستقلال مزيف مقابل التنازل عن حق العودة وتقرير المصير. من اجل فرض السلام الإسرائيلي – الأمريكي اقترفت إسرائيل جرائم حرب وجرائم عديدة ضد الإنسانية. كان الاعتداء الأخير ضد قافلة الحرية إحدى هذه الجرائم ولكن في جميع الأحوال بجب ألا ننسى جريمة الجرائم التي اقترفتها إسرائيل قبل عام ونصف عندما شنت حرب إبادة على قطاع غزة أسفرت عن سقوط 1450 شهيدا، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى، وعن دمار هائل. ويجب ألا ننسى تحضيرها لشن حرب إبادة أعتى وأقسى من سابقتها.
ينضم شهداء قافلة الحرية إلى شهداء فلسطين مهما كانت جنسياتهم ودماء الجرحى تمتزج مع الدماء الفلسطينية النازفة.
لكني أعود وأركز أن الأبطال الحقيقيين هم أطفال غزة الذين تصدوا بصدورهم العارية للصواريخ الإسرائيلية المنطلقة من مروحيات الآباتشي والأف 16 أمريكية الصنع، هم رجال غزة الذين دفنوا في أعماق الأرض سعيا وراء لقمة العيش، هم المرضى القابضين على أوجاعهم وجراحهم بسبب انعدام الأدوية، هم الأمهات اللاتي تشاهدن أطفالهن يتضورون جوعا.
هذا الصمود الأسطوري هو الذي أفقد حكومة إسرائيل صوابها وهو الذي دفعها إلى التصرف كالثور الهائج.
مع كل الاحترام والتقدير لجميع قوافل الإغاثة ولجميع محاولات رفع الحصار إلا إن الحقيقة التي لا يطولها الشك هي أن استمرارية المقاومة وصمودها هو الضمان الوحيد لكسر هذا الحصار.
الدعاية الإسرائيلية التي روجت لها وسائل إعلامها وكررتها جوقة وسائل الإعلام العالمية المعروفة بانحيازها لإسرائيل لم تعد تنطلي على أحد. من يصدق أن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار دفاعا عن النفس بعد أن تمت مهاجمتهم من قبل المتضامنين العزل؟ من يصدق شهادة الجندي الإسرائيلي الذي قال: لم نأت مع سلاح ما عدا مسدس كملاذ أخير؟ بينما شاهد العالم أجمع صور الجنود المدججين بالسلاح من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم؟ من يصدق أن الجنود استخدموا مسدساتهم كوسيلة أخيرة للدفاع عن النفس وأطلقوا النيران باتجاه الأرجل؟ من يقرأ الرواية الإسرائيلية يظن أن أفراد القافلة هم الذين شنوا الهجوم على قوات البحرية الإسرائيلية. يبدوا واضحا أن المسئولين الإسرائيليين الإعلاميين بحاجة إلى دورات استكمالية في فن الكذب.
لا أريد هنا أن أكرر الاتهامات حول العجز العربي في كسر الحصار. الكلام هنا لا يدور أصلا عن عجز بل عن تواطؤ وفي كثير من الأحيان عن مشاركة فعلية في فرض الحصار. لست من الناس الذين يقفزون فرحا لسماع الأخبار عن فتح معبر رفح لأجل غير مسمى. سوف نرى قريبا كم كان هذا الأجل قصيرا. والسؤال الأهم ماذا يسمح وماذا يمنع دخوله؟ الفرحة ستكون حقيقية عندما نرى الجرافات المصرية تهدم المعبر والجدار والسياج وتزيلها عن بكرة أبيها. وهذا حسب رأيي المتواضع لن يتم إلا بعد أن تتخلص مصر من أحضان أمريكا وإسرائيل وعودتها إلى أحضان أمتها العربية.
ولست ممن يطيرون فرحا لسماع عبارات الإدانة والاستنكار من سلطة رام الله. فهذه مجرد كلمات لا تغني من جوع ولا تؤمن من خوف تذكرنا بإدانة واستنكار حرب الإبادة على غزة بينما في الواقع كان لها دورا فعالا في شنها. كيف يمكن أن تكون هذه الكلمات صادقة في ظل التنسيق الأمني واستمرار المفاوضات العبثية؟ كل ما يهم سلطة رام الله هو استغلال هذه الجرائم لتكرار الحديث الممجوج حول استعادة "الوحدة الوطنية" التي تضمن السير قدما في الحلول التصفوية الإسرائيلية – الأمريكية.
وأخيرا، لست ممن يشقون ثيابهم فرحا للمواقف التركية الأخيرة ، هذا بالرغم من تقديري للتحولات الايجابية في السياسة التركية. ما زال على تركيا أن تقطع مسافات طويلة حتى تبتعد عن المعسكر الامبريالي وأول خطوة عليها أن تترك حلف الناتو وتقطع علاقتها الدبلوماسية والعسكرية مع إسرائيل.
المقاومة في غزة، التي هي جزء من المقاومة العربية ومن المقاومة العالمية في وجه نظام العولمة الامبريالي يجب أن تصمد وتستمر وتلتحم مع جميع أحرار العالم حتى النصر والتحرير.

Tuesday, May 25, 2010

حتى لا نضع العربة أمام الحصان - التحرير أولا

حتى لا نضع العربة أمام الحصان – التحرير أولا
بمناسبة "مؤتمر حيفا الثاني من أجل العودة والدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية"

علي زبيدات – سخنين

قبل سنتين وخلال مؤتمر حيفا الأول نشرت مقالا نقديا ليس لمؤتمر حيفا فحسب بل للمؤتمرات العديدة حول موضوع الدولة الواحدة "الديمقراطية العلمانية" التي أصبحت موضة رائجة في السنوات الأخيرة وعقدت في أكثر من مكان على كرتنا الأرضية. قلت حينذاك وأكرر قولي الآن: إن أشد ما يزعجني في هذه المؤتمرات هو الغياب الصارخ لمفهوم التحرير، وكأن هذه الدولة الديمقراطية العلمانية سوف تنزل علينا مرة واحدة من السماء أو إنها سوف تأتي في أعقاب مفاوضات تتمخض عن اقتناع الأطراف المتنازعة ورعاية ما يسمى بالشرعية الدولية أو نتيجة لشيء لا نعرف كنهه. المهم ألا تكون نتيجة لنضال تحريري. وقلت حينها وها أنا أكرر ما قلته: أن اللغو صات التي طالت مفهوم الدولة الواحدة تفوق اللغوصات التي طالت حل الدولتين بكافة أشكاله.
خلال تصفحي للمقالات المنشورة في موقع المؤتمر، بالرغم من تنويه المنظمين بأن المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن آراء القيمين على المؤتمر، وجدت تأكيدا لشكوكي وهو أن تغييب مفهوم التحرير لم يأت من باب الصدفة بل هو مقصود ومدروس. يقول أحد الكتاب، طبعا بعد حديثه عن ضرورة التشبث بالحقوق غير القابلة للتصرف وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير:" تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني هو شعار صائب ولكن طرحه بصورة مباشرة قد يعطيه البعض مضمونا عنصريا لأنه يلغي الآخر".
لم يعلمنا الكاتب من هو هذا البعض. ومن حقي أن أخمن أن هذا البعض يتكون من "يساريين" إسرائيليين وأجانب وبعض المثقفين الفلسطينيين والعرب. ومن يقول أن تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني يلغي الآخر؟ إن ترديد مثل هذه الفرية إن دل على شيء فإنه يدل على جهل مطبق بكل ما يعنيه التحرير.
ينشر الموقع أيضا مقالا مطولا من ثلاثة فصول للفتحاوي نبيل شعث عندما كانت فتح تطرح شعار: "الدولة الفلسطينية الديمقراطية" أي قبل أن تصبح حزب سلطة أوسلو. وفي المقدمة يعتبر المنظمون ما جاء في مقال شعث من أفضل ما كتب حول الدولة الديمقراطية الواحدة. يبدو إنه غاب عن المنظمين السياق التاريخي والسياسي لطرح فتح وباقي التنظيمات وخصوصا الجبهة الديمقراطية لشعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية في بداية السبعينات. في ذلك الوقت طردت التنظيمات الفلسطينية من الأردن وفي الوقت نفسه كانت مبادرة روجرز لفرض تسوية أمريكية في أوجها وبالرغم من رفض هذه المبادرة فلسطينيا إلا أن قبول مصر وباقي الدول العربية لها أثرت سلبيا على المقاومة الفلسطينية هذا بالإضافة إلى سلبيات إدارة الصراع مع النظام الأردني. هذه الأجواء قوت تيارا انتهازيا داخل منظمة التحرير تزعمته قيادات متنفذة في فتح والجبهة الديمقراطية التي عملت كمقاول تنظيرات يساري في خدمة اليمين الفلسطيني. وتم طرح الدولة الفلسطينية الديمقراطية كبديل عن شعار تحرير كامل التراب الوطني عن طريق الكفاح المسلح. طبعا لم يجر التنازل عن التحرير والكفاح المسلح مرة واحدة. كان لا بد من تهيئة الأجواء الملائمة لذلك في أوساط الجماهير الفلسطينية التي كانت تحلم في ذلك الوقت بأن منظمة التحرير سوف تقود مسيرة العودة والتحرير. من هنا بدأ التقهقر التدريجي ولكن المثابر. في البداية كان الكفاح المسلح الشكل الرئيسي للنضال ولكن ليس الشكل الوحيد. بعد ذلك بدأت الأشكال الأخرى (السياسية) تسيطر على الساحة رويدا رويدا. ووصلت ذروتها عام 1974 عندما تبنت منظمة التحرير في الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني الفلسطيني ما يسمى بالبرنامج المرحلي حيث تخلت المنظمة رسميا ليس فقط عن تحرير كامل التراب بل وعن الدولة " الفلسطينية الديمقراطية" أيضا. ورفعت شعار السلطة الوطنية في أية بقعة تنسحب منها إسرائيل. لم يكن تبني هذه الإستراتيجية في عام 1974 من باب الصدفة، في أعقاب حرب رمضان 1973 نشطت الدبلوماسية الأمريكية برئاسة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بمفاوضات للتوصل إلى تسوية سلمية بين إسرائيل والدول العربية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية وبدأت محادثات مؤتمر جينيف. وجلس ياسر عرفات ينتظر الدعوة للانضمام إلى هذا المؤتمر، لكن الدعوة لم تصل أبدا. فقط بعد 4 سنوات أي في عام 1988 وصلت الدعوة إلى عرفات أن يلقي خطابا أمام مؤتمر الأمم المتحدة في جينيف وهناك قدم اعترافا رسميا ليس فقط بقراري 242 و 338 اللذان رفضا فلسطينيا بل أيضا "الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود" بعد ذلك أصبحت الطريق إلى مدريد وأسلو معبدة والنهاية معروفة للجميع.
في مقاله المذكور يقول نبيل شعث:" إن الدولة الديمقراطية هي نتيجة للتحرير وليس بديلا عنه" أريد أن أرى فلسطينيا واحدا يصدق مثل هذا الكلام. ما الهدف من الاستفاضة في الكلام عن الدولة الوهمية ولا كلمة واحدة عن التحرير؟ وهو كباقي اليمين الفلسطيني واليسار الانتهازي في ذلك الوقت لا يريد أن يناقش طبيعة نظام هذه الدولة إذا كان اشتراكيا أم لا، ففي مرحلة التحرير الوطني الديمقراطي يكون من السابق لأوانه مناقشة هذه الأمور. أما مناقشة الدولة قبل التحرير فليس سابقا لأوانه.
إذن نحن هنا لسنا أمام حل "الدولة الديمقراطية العلمانية" الواحدة، بل نحن أمام "حلول" الدولة الديمقراطية العلمانية. فهناك دولة إسراطين التي طرحها القذافي والتي قال عنها رجا إغبارية أحد منظمي هذا المؤتمر خلال زيارة ليبيا:"إننا نشارك رؤية العقيد في حل الدولة الواحدة". وهناك طبعا الدولة ثنائية القومية بصيغها المختلفة التي تصب هي أيضا في رؤيا الدولة الواحدة، وإن ننسى فإننا لا ننسى "دولة جميع مواطنيها". وطبعا يجب ألا نستخف إذا ما قام أحد زعماء إسرائيل العلمانيين من تلامذة بن غوريون وقال: " تريدون دولة ديمقراطية علمانية؟ ها هي دولة إسرائيل أحلى دولة "ديمقراطية علمانية"، وخصوصا وإنه يوجد لدينا الآن تلميذ فلسطيني لبن غوريون يريد أن يقيم هو الآخر دولة "ديمقراطية علمانية" في بعض جيوب الضفة الغربية.
مع إن المؤتمر يدور من حيث الأساس حول حل الدولة الواحدة مقابل حل الدولتين إلا أنه يبدأ بحق العودة. وذلك حسب تحليلي نوع من الدفاع المسبق في حالة تجرأ أحد واتهم شعار الدولة "الديمقراطية العلمانية" بالتفريط بحق العودة.
يطرح حق العودة في هذا المؤتمر كما في كافة المؤتمرات المشابهة كتنفيذ لقرار الأمم المتحدة 194 والذي من مسؤولية ما يسمى بالشرعية الدولية والمجتمع الدولي تنفيذه. ولا يطرح أبدا كبرنامج نضالي يكون جزءا من عملية تحرير شاملة. بعد 62 عاما عجزت الأمم المتحدة عن تنفيذ هذا القرار المتواضع الذي يهضم الكثير من حقوق اللاجئين وهي ستبقى عاجزة إلى أمد غير مسمى عن تنفيذه. الواقع يقول لن تكون هناك أية عودة من غير تحرير وقد آن الأوان أن نتخلص من أي شك في ذلك.
أنا شخصيا لست من مؤيدي "الدولة " بشكل عام. ولكن إذا كان لا بد من الدولة، أنا مع الدولة التي ناضل من اجلها كارل ماركس: ديكتاتورية البروليتاريا الثورية التي تقضي على الدولة كدولة.