Wednesday, September 24, 2008

أوهام الانتخابات المحلية في ظل الاحتلال







البناء والتطوير، الوحدة والتجديد، النهضة، الاعتصام، العدالة والانقاذ، الحق والحرية، الوفاق البلدي، جبهة العمل الوطني، الخ. الخ. هذا غيض من فيض من القوائم العائلية والحزبية المتكالبة على الانتخابات المحلية والتي تغزو في هذه الايام قرانا ومدننا العربية. المبدا الوحيد الذي يجمع هذه القوائم هو المثل الذي يقول: كلما كبرت الكذبة صدقها الناس. وحبذا لو يقف الموصوتون لحظة قبل إدلائهم بأصواتهم ويتمعنوا في مضمون هذه القوائم التي سوف يمنحون ثقتهم لها ولا ينبهروا بالاسماء الرنانة.
ماذا بنت وماذا طورت قائمة البناء والتطوير؟ ربما في أحسن الحالات بنت بعض الاسوار الواقية كرشوة للإنتخابات وطورت طرق الإلتفاف حول القانون لتمرير بعض المصالح الشخصية. وأين النهضة التي جلبتها قائمة النهضة؟ ولماذا تقود قائمة الوفاق البلدي عملية تمزيق وشرذمة البلد؟ وماذا أنقذت قائمة الانقاذ أكثر من انها انتزعت وظيفة نيابة لزعيمها من الرئيس الذي جاءت لتنقذ البلد من استبداده؟ وأين الوطن من جبهات العمل الوطني المختلفة والاتحادات " الوطنية الديموقراطية" على اشكالها؟
الانتخابات المحلية، هذا العرس الديموقراطي كما يسمونه، أو على الاصح هذه "الخطبة" الديموقراطية، على إعتبار أن الانتخابات للكنيست الصهيوني، غير البعيدة، هي العرس الحقيقي، ليست أكثر من دعارة رسمية، هدفها متعة مؤقتة رخيصة ولكنها تخبئء في طياتها اضرارا جسيمة تمس المجتمع بإسره في صميمه.
قد ابدو قاسيا. وقد يدمغني الكثيرون باللا واقعية والتطرف. ولكن في نظري هذا الموقف هو قمة الواقعية وقمة الاعندال. السؤال الذي أطرحه هنا بسيط للغاية: هل الانتخابات (كل انتخابات) في ظل الاحتلال شرعية؟ هل تعكس في نهاية المطاف رغبة المواطنين أم رغبة المحتلين؟ قد يصرخ الكثيرون: أن الاحتلال موجود في الضفة الغربية وقطاع غزة، اما نحن فإننا نعيش في دولة مستقلة عضو في الامم المتحدة تحظى بالشرعية الدولية واعتراف فلسطيني – عربي – عالمي، فأين الاحتلال؟
أنا ازعم بكل بساطة، وبإستطاعتكم على الاقل أن تتمعنوا بزعمي هذا أو أن تلقوا به فورا في سلة المهملات: أن الناصرة وأم الفحم وسخنين هي مدن فلسطينية محتلة تماما مثل جنين ونابلس والخليل. الفرق هو أن المدن الاولى أحتلت عام 1948 والثانية أحتلت بعد 19 عاما اي في سنة 1967. ولكن جوهر الاحتلال يبقى واحد. ممارسات الاحتلال كانت وما زالت واحدة: تفريغ الارض سكانها الاصليين وممارسة سياسة القمع والتمييز على الباقين وقد رافقتها سياسة منهجية مبرمجة لهدم البيوت والقتل من غير محاكمة، ومصادرة الاراضي، وبناء المستوطنات.
مع الوقت لم تعد الدولة بحاجة للحكم العسكري المباشر لتمرير سياستها في الاراضي المحتلة عام 1948 وإكتفت بالشرطة والامن (الشين بيت) وبالعملاء والمتعاونين المحليين. بينما لم تنجح حتى الان في ممارسة ذلك في المناطق المحتلة عام 1967. هذا الواقع الجديد منح السلطة الفرصة في تحسين ظروف الاحتلال. وكان أحد اشكال تحسين الاحتلال منح المواطنين حرية انتخاب الممثلين المحليين القييمين على تدجين المواطن واقناعه بأن الامتيازات الممنوحة من قبل الاحتلال بالمقارنة بالاحتلال "الآخر" هي مكاسب يجب المحافظة عليها ونسيان الجوانب الاخرى.
كل إنتخابات في ظل الاحتلال هي إنتخابات مشبوهة. فليس من قبيل الصدفة أن الانتخابات في افغانستان المحتلة أفرزت طبقة من العملاء وكذلك الامر في العراق المحتل وفي فلسطين. حتى عندما تكون الانتخابات نزيهة، نتيجة لخطأ في حسابات المحتلين، كما حدث في الانتخابات الفلسطينية الاخيرة ونجاح الطرف الخطأ، فلا تتوانى سلطات الاحتلال أن تكشف عن أنيابها الحقيقية وتستعمل كافة اساليب القتل والارهاب والحصار والتجويع لتصحيح خطأها وإقناع المواطن بأن الديموقراطية الاسرائيلية لا تعني ابدا انتخاب من يريده بل ما يريده الاحتلال. هذا الامر ساري المفعول على الانتخابات المحلية الاسرائيلية ايضا. وليس من باب الصدفة أن الحكومة، بخطوة استباقية، قد سنت قانونا يلزم رئيس السلطة المحلية أن يقسم يمين الولاء للدولة الصهيونية على غرار يمين الولاء الذي يقسمه أعضاء الكنيست والوزراء.
هل يوجد هناك قائمة واحدة تجرؤ أن تقول في برنامجها الانتخابي: نعم، إننا أيضا نرزح تحت نير الاحتلال منذ 60 عاما وإننا نطالب بزوال الاحتلال نهائيا وليس بتحسين ظروفه؟
هل يوجد هناك مرشح واحد لرئاسة بلدية او سلطة محلية يتحدى قانون قسم الولاء المهين والمذل ويقول بأعلى صوته: هذا وطننا ولكن دولة الاحتلال هذه ليست دولتنا، ولي الحق أن أخدم بلدي على هذا الاساس؟؟
ما دام لا يوجد قائمة إنتخابية كهذه ولا يوجد مرشح للرئاسة كهذا فانا ادعو إخواني في هذا الوطن المنكوب الى مقاطعة الانتخابات المحلية.

Wednesday, September 17, 2008

خمسة عشرة عاما على إتفاقيات أوسلو- ألا يكفي؟



لصالح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس نسجل نقطة هامة جدا ولافتة للنظر وهي انه بعد 15 عاما على توقيع إتفاقيات اوسلو في حديقة البيت الابيض بقي هو الوحيد في مركز صنع القرار من جميع الموقعين، بل وأكثر من ذلك هو الوحيد الذي أحرز تقدما ملحوظا، من موظف مغمور استمد قوته من خلال مفاوضات سرية بعضها لا يزال في طي الكتمان الى رئيس سلطة. باقي الشركاء في عملية التوقيع إما قتلوا ( اسحاق رابين وياسر عرفات) وإما أنهوا دورهم القيادي وعادوا الى صفوف الشعب ( بيل كلنتون) أو أقصوا عن مراكز صنع القرار (شمعون بيرس ويوسي بيلين). فما هو سر بقاء محمود عباس بل وتسلقه الى قمة الزعامة الفلسطينية؟ وما هو سر تمسكه منقطع النظير بإتفاقيات قضت نحبها منذ سنوات طويلة بإعتراف أشد المتحمسين في تأيديها؟.
بالرغم من المتابعة المستمرة لهذه الاتفاقيات وقراءة الكثير حولها ومن مصادر مختلفة، أعترف بأنني لم اصل الى تحليل منطقي يشفي غليلي يفسر هذه الظاهرة الغريبة. فوجدت نفسي أتذكر أحد أفلام الرعب الامريكية القديمة حول ذلك الشخص المهووس والمختل عقليا والذي يبقي والدته التي ماتت وكأنها ما زالت على قيد الحياة ويعاملها على هذا الاساس وذلك بسبب عجزه عن التحرر من سيطرتها عليه طوال حياتها. فهل يمكن أن يكون ذلك سر تمسك الرئيس الفلسطيني بهذه الجيفة النتنه التي تسمى اتفاقيات السلام التي إنبثقت عنها السطة السقيمة التي يترأسها؟
من المفروض أنه بعد خمس سنوات كحد أقصى بعد التوقيع على هذه الاتفاقيات التي سميت في ذلك الوقت "غزة وأريحا أولا" أن يحل السلام العادل والشامل في المنطقة بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الاراضي الفلسطينية التي إحتلتها اسرائيل عام 1967. ولكن وبعد 15 سنة وكأننا "لا رحنا ولا أجينا"، لا سلام لا شامل ولا جزئي، لا عادل ولا ظالم، اما الكيان المسخ الذي قام والذي يعرف رسميا ب"السلطة الوطنية الفلسطينية" فلا يجرؤ أحد مهما كان دوره او منصبه بتسميته دولة.
لقد قدمت منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت تنازلات هائلة من أجل عيون ما سماه عرفات "سلام الشجعان" فقد تم الاعتراف رسميا بدولة اسرائيل وحقها في الوجود. وتم تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بحيث شطبت كافة البنود التي تتعارض مع هذا الاعتراف. وتمت التضحية بالعديد من الثوابت الوطنية التي لم يكن أحد يجرؤ حتى على ذكرها. وتم إرجاء كافة القضايا الخلافية لمرحلة لاحقة مع التلميح بإمكانية التنازل في هذه القضايا مثل اللاجئين والحدود والقدس والمستوطنات الخ. وتعهدت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة برعاية هذه المسيرة "السلمية" والعمل الدؤوب من أجل إنجاحها، يساعدها في ذلك جامعة الدول العربية والمؤتمر الاسلامي وأطراف محلية واقليمية وعالمية لا تعد ولا تحصى. ولسخرية الاقدار فإن هذه الاطراف ما زالت ملتزمة بتعهداتها وتبذل جهودها لتحقيق الهدف المنشود: إقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق السلام بالشرق الاوسط.
ولكن لدولة اسرائيل كان راي آخر في هذا الموضوع برمته. طبعا هي تريد السلام، هذا ما صرحت به في ذلك الوقت وما زالت تكرره يوميا على لسان كافة زعمائها: "لن نبقي على حجر إلا ونقلبه بحثا عن السلام" " سوف نقدم التنازلات المؤلمة من أجل السلام". والحالة هذه، لا يسعنا الا أن نعترف بأن دولة اسرائيل تريد السلام. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي سلام تريده دولة اسرائيل؟ انها تريد السلام مع الاستمرار في بناء المستوطنات وتهويد القدس ومنع اللاجئين من العودة الى ديارهم ومواصلة نهب الاراضي والمياه الفلسطينية وبناء الجدار العنصري وقمع كل نضال من أجل الحرية والاستقلال بما فيه الاغتيالات وهدم البيوت والاعتقالات التعسفية.
هذا هو السلام الاسرائيلي، الذي يحظى بتأييد أمريكي – اوروبي – دولي والانكى من ذلك يحظى بتعاطف وتجاوب عربي وفلسطيني. سلام كهذا ليس فقط انه مرفوض فلسطينيا وإنسانيا وإخلاقيا ولكنه مستحيل أيضا.
بعد 15 عاما لم تعد مشكلتنا أصلا مع هذه الاتفاقيات ذاتها، التي انتهت عمليا في لحظة توقيعها ورسميا بعد إنطلاق إنتفاضة الاقصى في عام 2000 ومن ثم الاجتياح المجدد للاراضي الفلسطينية وتقطيع أوصالها ومحاصرة ياسر عرفات في رام الله حتى التخلص منه نهائيا فيما بعد، وفرض الحصار الشامل على قطاع غزة.
مشكلتنا الحقيقية والاساسية هي مع عقلية أوسلو، هذه العقلية الانهزامية التي ورثناها منذ النكبة وما زالت تعشش في رؤوسنا وتثقل كواهلنا. إتفاقيات اوسلو ماتت ولكن عقلية اوسلو ما زالت حية. هذه العقلية التي لا تعرف سوى المفاوضات مهما كانت عبثية وسوى المساومات مهما كان تفريطية وسوى الاستجداء وتقبيل اليد التي تلطمنا صباح مساء.
لقد آن الاوان أن نقبر هذه العقلية الى جانب جثة اتفاقيات أوسلو التي شبعت موتا. ونتخلص من كل الشوائب التي خلفتها وعلى راسها هذا المسخ المسمى بالسلطة الفلسطينية المتنازع عليها حاليا، نزاع يهدد القضية الفلسطينية برمتها.
لقد آن الاوان أن نتبنى عقلية تحررية ثورية وننطلق من جديد نحو الحرية والاستقلال.

Wednesday, September 10, 2008

عارنا من بلفاست الى أريحا


نشرت جريدة هآرتس مؤخرا تقريرا عن ضابط بريطاني يدعى كولن سميث يقوم بمهمة تدريب الشرطة الفلسطينية في أحد المعسكرات في أريحا. اصبت بالذهول وانا أقرا هذا التقرير. للوهلة الاولى لم أصدق ما تراه عيناي، أإلى هذا الحضيض قد وصلنا؟ هل هذا هو مصير الثورة الفلسطينية التي كنا نعتبرها طليعة حركات التحرر الوطني في العالم العربي، لا بل في العالم بإسره؟ شعوري بالذهول تحول الى غضب ولكن بما أن العين بصيرة واليد قصيرة، سرعان ما تحول الى شعور بالخجل والذل والاهانة. يا للعار.
كولن سميث هذا هو ضابط شرطة بريطاني خدم في سلك الشرطة البريطانية 30 عاما منها 15 سنة في ايرلندا الشمالية. يقود طاقما اوروبيا مكونا من 15 خبيرا في هذا المجال، سوف يزداد تعداده قريبا لكي يصل الى 53 شخصا. يعمل منذ بداية السنة في اريحا على تدريب 500 شرطي فلسطيني. وعند الانتهاء من هذه المهمة سوف يباشر بتدريب فوج آخر من رجال الشرطة الفلسطينيين. تركز هذه التدريبات على تفريق المظاهرات، إقامة الحواجز، الاعتقالات، السيطرة على السيارات والمباني. اي بإختصار محاربة ما يسمى في قاموس حكومة فياض بفوضى السلاح والانفلات الامني، وما يسمى في القاموس الامريكي – الاوروبي – الاسرائيلي الارهاب الفلسطيني، والمعروف في قاموسنا بالشعبية للإحتلال.
يقول هذا الضابط بدون خجل او حياء: " جئت هنا لأساعد من تجربتي ومعرفتي التي اكتسبتها خلال 15 سنة كضابط مخابرات في ايرلندا الشمالية وكرئيس الوحدة الدفاعية لتفريق المظاهرات".
هل يعرف رجال الشرطة الذين يتلقون التدريب في اريحا هذا الرجل؟ ويعرفون نواياه والمهمة التي أوكلت اليه لتنفيذها؟ الا يخجلون من أنفسهم؟ ألم يسمعوا عن نضال الشعب الايرلندي من أجل الحرية والاستقلال وعن الجرائم البريطانية في حقهم؟ ألم يخبرهم أحد عن وجوه الشبه بين القضية الايرلاندية والفلسطينية وبحكم ذلك عن التعاطف بين الشعبين؟
يتدرب رجال الشرطة على تفريق المظاهرات بالطرق الحديثة والناجعة. ولكن أي مظاهرات يعنون؟ المظاهرات ضد الاحتلال؟ ضد الجدار العنصري الفاصل؟ هل هذه مهمة الشرطة الفلسطينية أن تعمل كمقاول ثانوي عند الشرطة الاسرائيلية وتقوم بالاعمال القذرة نيابة عنها؟ وما هي الحواجز التي يتدربون على استعمالها؟ الا يكفي الحواجز الاسرائلية التي تقطع اوصال البلد طولا وعرضا؟ وألا تكفي المداهمات والاعتقالات التي تقوم بها قوات الاحتلال يوميا؟ لقد جرى التطبيق الاولي لهذه التدرييات في جنين ونابلس حيث تنفذ الشرطة الفلسطينية ما تمليه عليها قوات الاحتلال الاسرائيلية.
عمل الضابط البريطاني في الشرطة جاء ليكمل عمل الضابط الامريكي كيث دايتون في المؤسسات الامنية الاخرى. وقد صرح هو الآخر كما ورد في جريدة هآرتس: " انا أمريكي ، وموجود هنا لخدمة المصالح الامريكية وتطوير العلاقات بين بلدينا، أعمل بالتنسيق الكامل مع قوات الامن الاسرائيلية والهدف من التدريبات أن يعمل الامن الفلسطيني أكثر لكي يعمل الجيش الاسرائيلي أقل" وهذا يتناغم مع تصريحات عبدالرزاق اليحيى أمام المتدربين في الاردن: "أنتم لا تتعلمون هنا لمحاربة اسرائيل او لمقاومة الاحتلال، ولكن لمحاربة الانفلات الامني، الجريمة والفوضى في فلسطين والمجموعات المسلحة. فإذا قمتم بواجبكم كما ينبغي فسيكون لدينا مشروع وطني ناجح".
يبدو انه يوجد هناك توزيع أدوار واضح: الاتحاد الاوروبي يقوم بتدريب الشرطة لكي تستطيع إعفاء الشرطة الاسرائيلية من بعض مهماتها الصعبة والمكلفة. الولايات المتحدة الامريكية تقوم بتدريب ما يسمى بقوات الامن الوقائي وتسمياته الحديثة "الامن الوطني" و"حرس الرئاسة" لكي تعفي جيش الاحتلال من بعض ممارساته الاجرامية. الدول العربية وخصوصا مصر والاردن والسعودية ودول الخليج، تساهم هي الاخرى بالتمويل والتدريب والسلاح الموافق عليه اسرائيليا. وأخيرا السلطة الفلسطينية التي تتعهد بتنفيذ هذه السياسة للحصول على شهادة حسن سلوك لكي تحسن حظها في المفاوضات التي لا تنتهي. كل هذا من أجل عيون إسرائيل.
هذا الوضع مأساة حقيقية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني. وهو يتعدى الصراع الدموي بين تنظيمي حماس وفتح وتذبذب باقي الفصائل. لا اصدق أن الشرفاء في حركة فتح يقبلون هذا الوضع. الجريمة أن يتم ذلك بإسمهم. الشرفاء في حركة فتح إما أنه تم إغتيالهم أو إعتقالهم أو مطاردتهم أو تهميشهم. الحكومة برئاسة سلام فياض ليست فتحاوية حتى ولو تم شراء بعض الرموز الفتحاوية لتزينها وإضفاء الشرعية عليها.
على الجماهير الفلسطينية أن تتكاتف وتتعاضد حتى تضع حدا لهذه المأساة وتطرد ضابط الشرطة البريطاني سميث والضابط الامريكي دايثون وامثالهما وتطهر الارض الفلسطينية من دنسهما، وتحاسب المتطاولين على القضية الفلسطينية مهما كانت المراكز التي يتبوأونها. يجب على جموع الشعب الفلسطيني بغض النظر عن إنتماءاتها التنظيمية أن تغسل هذا العار الذي لطخ عدالة قضية شعبنا الناصعة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, September 03, 2008

المجلس التربوي العربي: ليس تربويا وليس عربيا


لست معلما. ولا أطمح بأن أكون من ضمن من يعنيهم الشاعر أحمد شوقي بقوله: كاد المعلم أن يكون رسولا. ولست من حملة الشهادات والالقاب التي تسبق الاسماء في كل كل مكان تظهر بها لكي تضفي عليها نوعا من الوقار والاحترام. ولست ممن يطلقون على انفسهم، او يطلق عليهم الآخرون اسم المربي. ولكن بعد قراءة البيان لذي صدر قبل فترة عن "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل" واللجنة "المهنية" المنبثقة عنها "لجنة متابعة قضايا التعليم العربي"، تحت عنوان: المجلس التربوي العربي – حق جماعي وحاجة تربوية، قررت أن أجازف وأحشر انفي في هذا الموضوع بعد أن لمست مدى التشويه والمغالطة التي يتضمنها هذا البيان خصوصا فيما يخص بقضايا الهوية الوطنية. وبعد أن لمست الصمت الصارخ من قبل المثقفين والمفكرين إزاء هذه التشويهات والمغالطات.
فكرة اقامة المجلس التربوي العربي كما يقول القيمون عليها جاءت كرد على سياسية التمييز التي تنتهجها وزارة التربية والتعليم في كافة المجالات التي تتعلق بالتعليم العربي في البلاد، بهدف رفع الغبن الواقع عليه والمشاركة في رسم السياسات والقرارات والعمل على استقلاليته. ولكن حسب رايي، وهذا ما احاول ان اشرحه في السطور القادمة، أن مثل لجنة متابعة قضايا التعليم العربي، كما يقول مثلنا العربي: جاء ليكحلها فعورها بل وعماها.
"نحو إستعادة المسؤولية على التعليم العربي، مساواة جوهرية، شراكة حقيقية، وإعتراف بالخصوصية الثقافية" هكذا تلخص اللجنة مهام المجلس التربوي الجديد. ماذا يعني هذا الكلام؟ هل كانت مسؤولية التعليم العربي في السابق بين يدي هذه الجنة او أي جسم عربي آخر، وجاءت وزارة التربية والتعليم وصادرته والآن المطلب هو استعادة المسؤولية؟ كلنا يعلم أن التعليم العربي منذ بدايته، ومن الفه الى يائه هو نتاج وزارة التعليم التربية والتعليم بمساهمة فعالة من قبل المخابرات الاسرائيلية (الشين بيت). وما هي المساواة "الجوهرية" التي يطالب بها المجلس؟ وهل يوجد هناك أصلا مساواة غير جوهرية؟ هل المساواة الشكلية أو الظاهرية هي مساواة؟ قد يظن البعض أن المقصود، حتى ولو لم يقال ذلك صراحة، مساواة التعليم العربي بالتعليم اليهودي السائد. ولكن يبدو أن هذا ابعد من طموحات المجلس التربوي، وكما جاء في نص البيان يظهر أن التعليم الديني اليهودي الذي يحظى بإستقلالية هو النموذج المطلوب والمطالب به.
أما المشاركة الحقيقية فإنها تعني المشاركة في رسم السياسات وإتخاذ القرارات وعدم الاكتفاء بتنفيذها. فإذا راعينا التفسير المنطقي لهذا التصريح فسوف نصل الى نتائج سخيفة من حيث لا معقوليتها. فإذا كنا متفقين جميعا أن هذه السياسات والقرارات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم هي مصدر مصيبة التعليم العربي، فكيف نطالب بالمشاركة الفعالة بها؟ أم هل المقصود اللجوء الى النظرية الوهمية التي تدعو الى التغيير من الداخل؟ لذلك يسرع البيان بالقول:"يطرح المجلس التربوي العربي نفسه كمبادرة بإمكان الوزارة أن تتعاطى وتتعاون معها، وليس كبديل لوزارة المعارف وللسكرتارية التربوية فيها"
وأخيرا وليس آخرا، ما هي الخصوصية الثقافية التي يتكلم عنها القيمون على هذا المجلس؟ يؤكد البيان أن هذه الخصوصية منسجمة مع التصور المستقبلي الصادر عن لجنة المتابعة والذي روجت له بإعتباره إنطلاقة نوعية في علاقة "الاقلية العربية" مع الدولة. ولكنه لم يكن في الحقيقة أكثر من محاولة تهجين الهوية الوطنية الفلسطينية لكي تصبح مقبولة اسرائيليا.
حسب رايي أن مأزق المجلس التربوي، كمأزق والديه: لجنة المتابعة العليا ولجنة متابعة قضايا التعليم، نابع من تعريف المواطن العربي الفلسطيني في هذه البلاد. كما نص عليه بيان المجلس التربوي وكما نص عليه التصور المستقبلي من قبل: " المواطن العربي ينتمي الى الشعب الفلسطيني وفي نفس الوقت هو مواطن في دولة اسرائيل". هذا التعريف الذي يظن المروجين له انه يحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية يقوم في حقيقة الامر بتشويه هذه الهوية. اليوم يستطيع كل شخص، حتى ولو كان عضو كنيست في حزب صهيوني أو وزير في الحكومة الاسرائيلية، أن يقوم ويقول بفم ملآن وبدون أن يرجف له جفن:"أنا عربي فلسطيني إسرائيلي" دائسا على جميع التناقضات النابعة عن هذا التعريف المشوهة للهوية الوطنية، متجاهلا عشرات السنين من الصراع التناحري بين الهوية الفلسطينية المذبوحة والهوية الاسرائيلية الغاصبة.
يبرر المتابعون (انصار لجان المتابعة المختلفة) وربما أصح ان نقول "المطبعون" نظرياتهم وممارساتهم التوفيقية بأنه بالرغم من إنتمائنا للأمة العربية والشعب الفلسطيني إلا ان ظروفنا الخاصة تفرض علينا واقعا مختلفا وبالتالي تلقي على أكتافنا مهاما مختلفة. في هذا الصدد تستذكرني مقولة لكارل ماركس أقتبسها هنا:" أن النظرية المادية التي تقر بأن الناس هم نتاج الظروف والتربية، وبالتالي بأن الناس الذين تغيروا هم نتاج ظروف اخرى وتربية متغيره، هذه النظرية تنسى أن الناس هم الذين يغيرون الظروف وأن المربي هو نفسه بحاجة الى تربية".
كان من الاحرى بلجنة متابعة قضايا التعليم العربي وبرئيسها في السنوات الاخيرة الذي هو في الوقت نفسه رئيس قسم التربية والتعليم في بلدية سخنين، من أجل زيادة مصداقيتها ومن أجل مصداقيته الشخصية، أن يعمل على حل مشاكل التعليم المتفاقمة في مدينته، والتي بسببها استقبل الطلاب وأولياء الامور في كافة المدارس السنة الدراسية الجديدة بالاضراب. من المعروف أن قسم التربية والتعليم في البلدية من أكثر الاقسام تعاسة.
مما لا شك فيه أن حالة التربية والتعليم العربي يرثى لها وان العمليات التجميلية التي تدعو لها لجنة المتابعة غير مجدية بل تزيد الطين بلة. هذه الحالة سوف تبقى ما بقيت الهيمنة الصهيونية السياسية والثقافية. الخروج من هذه الحالة يجب أن يكون جزءا من عملية التحرير الشامل.

Wednesday, August 27, 2008

بؤس الديموقراطية وديموقراطية البؤس



تجتاح مدننا وقرانا العربية حمى شديدة الارتفاع هي حمى الانتخابات المحلية. وهي ككل حمى مرضية مرتفعة تنقل المصاب بها الى حالة من الهذيان والهلوسة بالاضافة الى اعراض اخرى عديدة مثل الصداع والاسهال والغثيان. حمى الانتخابات المحلية تصيب أول من تصيب معظم المرشحين لرئاسة البلديات والمجالس المحلية الذين يتوهمون ويوهمون بأنهم المسيح المنتظر الذين سوف يحولوا بلداتهم الى جنة عدن على الارض وسرعان ما يبدؤون بالهذيان حول مقدراتهم الخارقة وبطولاتهم الوهمية ويصابون بالاسهال الشديد في الشعارات الرنانة والخطابات الحماسية الملتهبة، ومن ثم ينتقل هذا الفيروس الى باقي الناس حيث تسود حالة عامة من الصداع والآلام الشاملة تصل عند بعض المرهفين حسيا الى حالة من الغثيان والتقيوء.
من يتابع المواقع الاخبارية الالكترونية والجرائد المحلية، او من يمشي في الشوارع في هذه الايام ويدخل الدواوين المتزايدة على قارعة الطرقات لا بد أن يصاب بعدوى هذه الحمى خصوصا اذا كانت المناعة عنده ضعيفة، ويسمع أمورا تصدق وأخرى لا تصدق.
فهذه العائلة الكبيرة، من تلك المدينة العامرة، تدعو أفرادها الى إجتماع عام لإختيار أو انتخاب مرشحها للرئاسة (برايمريز عائلي) وتتصرف وكأنها حزب سياسي لكل شي. في اليوم التالي نقرا الخبر في احد المواقع الاخبارية أو يوم الجمعة في احدى الصحف، تحت العنوان التالي: "عقد مساء أمس الاربعاء إجتماع تحضيري أولي لعائلة "فلان" في "اسم البلد" والذي اجتمع من خلاله كبار العائلة والشباب والنساء". وكثيرا ما يتم إنتخاب الدكتور فلان أو المهندس علان. ولكن هذا ليس شرطا فقد يتم إختيار شخص أمي أو شبه أمي إذا كان يملك القليل من الطموح والكثير من الفلوس. وهذا يعني أن المثقف وغير المثقف في الهوا سوا وجميعهم يصابون بنفس الحمى ويعانون من الاعراض نفسها.
بالمقابل نرى الاحزاب السياسية التي تحمل اسما طويلا مشبعا بالمصطلحات السياسية من ديموقراطية ووطنية وتقدمية ودينية، تلهث وراء العائلات المختلفة باحثة عن حفنة من الاصوات حتى ولو باعت هذه المصطلحات التي تزين اسم احزابها بأبخس الاثمان.
قبل عدة سنوات، عندما كنت محسوبا على إحدى الحركات الوطنية، وبعد جهد جهيد من المداولات والنقاشات حتى استطعنا الاتفاق على قائمة المرشحين، وفي اللحظات الاخيرة قبل تقديم القوائم جاءني بعض القياديين في الحركة وقالوا: اسمع يا رفيق، صحيح نحن حركة وطنية، تقدمية ومبدئية ولكن في صناديق الانتخابات لا يوجد هناك اوراق وطنية ومبدئية بل يوجد أوراق عائلية لذلك قررنا تغيير قائمة المرشحين لأن العائلة الفلانية وعدتنا بمنحنا اصواتهم اذا وضعنا ابنهم في مكان متقدم من القائمة.
عندها تذكرت مقولة ذلك الزعيم الصيني (الذي كان يتصدر الاخبار في ذلك الوقت) الذي اعاد الرأسمالية للصين الشعبية: "لا يهم إذا كان القط أحمر أم أسود ما دام يصطاد الفئران".
في الانتخابات الاخيرة، بعدما أعلنت كفري بجميع الاحزاب والتنظيمات والقوائم الانتخابية مهما كان لونها وشكلها، جائني بعض المثقفين من الحارة لاقناعي بالتصويت لأحد المرشحين من الحارة وفي أفواههم الحجة التالية: "يا أخي أنت تعلم أن حارتنا مهملة منذ سنوات ولا أحد منذ إقامة البلدية وحتى اليوم كلف خاطره والتفت الينا، وها هو "فلان" إبن الحارة قد وعدنا بأن يعمل على خدمة الحارة وتقدمها، فواجب علينا أن نمنحه أصواتنا".
لا أدري من أين تأتينا الوقاحة لنطالب العالم بأن يعترف بنا كشعب، ونحن نحمل في رؤوسنا عقلية الحارة ولا نعترف بأنفسنا حتى كقرية او مدينة.
هذا هو العرس الديموقراطي إذن. انه يشرذمنا الى حارات وطوائف وحمايل. هذا العرس الذي يزوجنا زواج متعة مبني على المصالح الخاصة.
اما الانتخابات الراهنة، فقد قدم اعرق واكبر حزب على الساحة المحلية والوطنية افضل مسرحية في الادب السياسي التجريدي أو الرمزي أو اللامعقول، إختارو ما تشاءون، عندما إختار مرشحه لرئاسة البلدية بالاجماع في عملية ديموقراطية سوف تدرس قريبا في الكليات والجامعات. ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، فهي متوفرة في كل مكان.
هذه الديموقراطية التعيسة التي تختزل جميع القيم كل أربع سنوات في ورقة صفراء مهما وصل ثمنها تبقى رخيصة. هذه الديموقراطية التي تجرف المثقفين والشباب، والمفروض أن يكونوا هم عماد المجتمع وضمان تقدمه، الى مستنقع المصالح الشخصية الضيقة، والفساد والرشوات.
نبقى نحن، بؤساء هذه الامة، من يدفع ثمن هذه الديموقراطية البائسة.

Wednesday, August 20, 2008

النوايا الخبيثة للحكومة الاسرائيلية



منذ التوقيع على إتفاقيات أوسلو واسرئيل تتبع ما يسمى سياسة "النوايا الحسنة" في تعاملها مع قضية الاسرى السياسيين الفلسطينيين. كانت هذه "النوايا الحسنة" دائما وما زالت قناعا شفافا للنوايا الخبيثة الحقيقية للحكومة التي سرعان ما تطفو على السطح بعدة فترة قصيرة. فكلما دخلتا لمفاوضات بين الطرف الاسرائيلي والطرف الفلسطيني الى طريق مسدود، أو كلما إزداد الضغط الدولي على الحكومة الاسرائيلية، أو كلما ارادت الحكومة الاسرائلية تنفيذ خطة معينة تلاقي معارضة فلسطينية او دولية، مثل توسيع الاستيطانن او بناء الجدار العازل او المضي في تهويد القدس، ولذر الرماد في العيون كانت تلجأ الى هذه "النوايا الحسنة" وتطلق سراح بعض الاسرى.
لقد اصبحت هذه اللعبة الاسرائيلية مفضوحة حتى في عيون المفاوضين الفلسطينيين الذين قدموا وما زالوا يقدمون التنازل تلو التنازل لإرضاء الطرف الاسرائيلي. فقد كانت الحكومة الاسرائيلية في جميع نواياها الحسنة تختار عدد ضئيل من الاسرى غالبا من ذوي الاحكام الخفيفة، او الذين شارفوا على انهاء مدة سجنهم ولم يتبق لهم سوى شهور معدودة، وفي كثير من الاحيان لم يكن هؤلاء اسرى سياسيين اصلا، بل سجناء جنائيين. والانكى من ذلك انها كانت وخلال فترة وجيزة تعتقل اضعاف اضعاف عدد المحررين.
ألاخبار الاخيرة عن إطلاق سراح 199 اسيرا فلسطينيا كبادرة "حسن نية" تجاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لا تحيد عن هذه الاستيراتيجية قيد انملة، اللهم سوى أن النوايا الخبيثة التي تقبع ورائها تزداد خبثا عن سابقاتها.
لقد جاءت هذه البادرة بعد عملية تبادل الاسرى مع حزب الله والتي كانت الحلقة الاخيرة من مسلسل الهزيمة الاسرائيلية في حربها الاخيرة ضد لبنان. وجاءت قبل الوصول الى إتفاقية تبادل الجندي المختطف جلعاد شليط باسرى فلسطينيين. الرسالة التي تريد الحكومة الاسرائيلية نشرها وتعميمها، أنه يمكن إطلاق سراح الاسرى من خلال المفاوضات والنوايا الحسنة للحكومة وليس من خلال إختطاف جنود إسرائيليين وإرغام الحكومة على التبادل. ولكنها في هذه المرة بالذات تريد تمرير رسالة أخرى أشد خبثا، فهي تريد صب الزيت على النار لإذكاء نار الفتنة بين حركتي حماس وفتح وتأجيج النزاع فيما بينهما وذلك بالتعاون مع أوساط متنفذة داخل السلطة التي أبدت إمتعاضها من إمكانية أن تحقق حركة حماس انجازات في اطلاق سراح عدد أكبر من الاسرى التي كانت إسرائيل ترفض على الدوام إطلاق سراحهم. وقد وصل الامر بهذه الاوساط المتنفذة أن تضغط على الحكومة الاسرائيلية لرفض مطالب حماس بإطلاق سراح بعض الاسرى لكي لا يفسر ذلك وكأنه نصر لها وبالتالي يزيد من قوتها وشعبيتها. فالنوايا الخبيثة للحكومة الاسرائلية تلتقي مع النوايا الخبيثة لهذه الاوساط. وجاءت هذه البادرة الاخيرة لتوفر القناع لهذة النوايا الحقيقية.
العقلية الاسرائيلية لم تتغير بتاتا: أكثر من نصف المحررين قد أنهوا القسم الاكبر من محكوميتهم. الاسرى جرى انتقائهم من التنظيم الاكبر الذي ما زال يقود العمية التفاوضية العقيمة، والاعتقالات الاسرائيلية ما زالت تجري على قدم وساق. حسب تقارير رسمية، أعتقلت اسرائيل منذ العودة من مؤتمر آنا بوليس الذي وعد بتحقيق السلام حتى نهاية هذه السنة، 3700 أسيرا فلسطينيا جديدا، 1751 اسيرا منذ بداية هذه السنة، و 313 في الشهر الاخير.
إذن، ما هو الجديد في "بادرة النوايا الحسنة" هذه؟ يقول البعض أن الحكومة الاسرائيلية توافق لأول مرة على إطلاق سراح أسرى "ملطخة ايديهم بالدم الاسرائيلي" من خلال الموافقة على إطلاق سراح اسيرين امضيا حوالي 30 سنة في السجون الاسرائيلية. هل يوجد هناك ضابط او جندي إسرائيلي يديه ليست ملطخة بالدم الفلسطيني؟ أم أنه يجري في عروق الفلسطيني ماء وليس دماء؟ كم جندي ومستوطن تلطخت يديه بالدم الفلسطيني وجرت محاكمته ومعاقبته؟ كم مستوطن سفك دما فلسطينيا وما زال يرتع ويلعب حرا طليقا؟ من المؤسف اننا بدأنا نستعمل المصطلحات الاسرائيلية نفسها. فإذا كان سفك الدماء هو المعيار لدخول السجن، فعلينا أن نزج بنصف المجتمع الاسرائيلي لكي يتعفنوا بالسجون. انه لمن سخرية الاقدرا أن يتكلم براك وموفاز وديختر وغيرهم عن الاسرى الفلسطينيين "الملطخة ايديهم بالدماء" وهم يقطرون بالدم الفلسطيني من رؤوسهم الى أخمص أقدامهم.
قضية الاسرى الفلسطينيين هي قضية سياسية تماما كقضية عودة اللاجئين وتحرير الارض المغتصبة. يجب التوقف عن إستجداء الحكومة الاسرائيلية واللهث وراء "نواياها الحسنة". يجب إطلاق جميع الاسرى بدون قيد أو شرط.

Wednesday, August 13, 2008

السلام على طريقة أولمرت



نشرت صحيفة هآرتس مسودة إتفاق "سلام" قدمها رئيس الحكومة الاسرائيلية أيهود أولمرت الى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وقد أورد هذا الخبر في الجريدة المذكورة الصحفي آلوف بن المعروف بعلاقاته الوثيقة بالدوائر الحاكمة وبمصادره المطلعة. لا أظن أن تسريب هذه المسودة ( او إتفاقية الرف، كما تسمى) في هذا الوقت بالذات جاء عن طريق الصدفة بل كان مخطط له تماما لكي يساهم في صمود اولمرت في ايامه الاخيرة في منصبه كرئيس حكومة.
أهمية هذه المسودة "الوثيقة" انها جاءت لتفضح مفاوضات أكثر من 18سنة حول ما يسمى السلام الاسرائيلي – الفلسطيني منذ مؤتمر مدريد وحتى اليوم. جاءت لتؤكد أنه بالرغم من تناوب ستة رؤساء حكومة وتشكيل إئتلافات متعددة من أحزاب اليسار والوسط واليمين الصهيونية فإن العقلية الاسرائيلية المتعجرفة والمعادية لأبسط معايير العدل والسلام لم تتغير. وقد آن الاوان للمفاوض الفلسطيني مهما كان جبانا ومتخاذلا أن يسأل نفسه سؤال بسيط وهو: هل بإستطاعة إسرائيل أن تتصرف بشكل يتناقض مع طبيعتها العدوانية وتجنح خقا للسلام؟
يكرر أولمرت الكذبة التي روجها ايهود براك وبيل كلينتون قبل عدة سنوات في أعقاب مؤتمر كامب ديفيد الذي رفض المرحوم عرفات التوقيع على مقترحاته، الكذبة التي قالت أن اسرائيل قدمت للفلسطينيين عرضا سخيا ولكنهم رفضوه. يقول اولمرت انه سيعيد 93% من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 بينما سيتم مقايضة ال7% المتبقية ب 5.5% من أراضي النقب وهذا يعني إعادة 98.5% من الاراضي المحتلة. الكذبة الاولى في هذه الأرقام هو أن اولمرت استثنى القدس التي تم توسيعها حتى اصبحت تضم حوالي ربع اراضي الضفة الغربية. هذه الاراضي الحقت عنوة بإسرائيل لكي تشكل "العاصمة الابدية" للدولة اليهودية. إقتراح اولمرت يدعو الى ضم الكتل الاستيطانية الكبرى وهذا بحد ذاته يكرس واقع تجزئة وتمزيق ما تبقى من الاراضي الفلسطينية ويجعل من اقامة دولة مستقلة عليها مستحيلا. جدار الفصل العنصري الذي ادعت اسرائيل لسنوات أن هدفه امني لحماية المواطنين سيشكل الحدود المستقبلية بين الدولتين.
ولكن كذبة الانسحاب من الاراضي المحتلة حسب اتفاقية اولمرت ليست الكذبة الوحيدة. فالكذب وتزييف الحقائق والاجحاف يطول كافة البنود المقترحة. ولنذكر أهمها:
1- إنكار حق العودة للاجئين، وهذا موقف صهيوني ثابت منذ عام النكبة وحتى اليوم. يوحد جميع الاحزاب الصهيونية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار.
2- القدس، للحفاظ على الائتلاف الحكومي الهش، لم تذكر حتى ولو بكلمة واحدة. وهذه خطوة الى الوراء حتى بالمقارنة مع المقترحات الاسرائيلية السابقة.
3- المستوطنات الرئيسية ستبقى وستضم الى اسرائيل، اما الاخرى فقد وعد بإزالتها وكلنا يعلم الفرق الشاسع بين الوعود الاسرائيلية والتنفيذ.
4- الحدود، جدار الفصل العنصري الذي ينهب مساخات واسعة من الاراضي الفلسطينية ويقطع اوصال ما تبقى منها سيشكل الحدود المستقبلية
5- الدولة الفلسطينية المقترحة سوف تكون منزوعة السلاح، تخضع لترتيبات أمنية اسرائيلية، مزروعة بالحواجز العسكرية في كل معبر وطريق. اي أن الاحتلال مستمر.
هذه هي رؤية اولمرت للسلام مع الفلسطينيين، وهذه هي رؤيته للدولة الفلسطينية المقترحة. بالطبع بعد ذلك يمكن تسمية هذه الدولة " الجمهورية الفلسطينية العظمى" أو"امبراطورية فلسطين" إذا شئتم.
في الحقيقة لا تكمن المشكلة في المقترحات الاسرائيلية مهما كان مصدرها ومهما كان شكلها، ولكنها تكمن في استعدادنا منقطع النظير للتجاوب معها وتصديقها. قد يدعي البعض وبحسن نية، انه لن يكون هناك فلسطيني واحد يقبل بمثل هذه المقترحات. وانا هنا أحذر من هذه النظرة الساذجة وقصيرة النظر للأمور. وأقول انه يوجد هناك أوساط فلسطينية واسعة ليس فقط انها مستعدة لتقبل هذه الاقتراحات، بل انها على اتم استعداد لقبول مقتراحات أقل منها ايضا. المساومة تجر المساومة. والتنازل يجر التنازل، والمنتفعون يتكالبون.
لذلك على جماهير شعبنا أن تبقى بالمرصاد. هناك مؤشرات عديدة تشير الى انه بالرغم من الرفض اللفظي لهذه المقترحات وبالرغم من التمسك اللفظي ايضا بشعارات ما يسمى "الثوابت الوطنية"، تبذل جهود حثيثة من خلال استمرار المفاوضات العبثية السرية، للتوصل لإتفاق يهضم الحقوق الطبيعية المشروعة للشعب الفلسطيني. ولا أدري اذا كان التصريح الاخير لرئيس الوفد الفلسطيني المفاوض الذي يقول: اذا رفضت اسرائيل اقامة الدولة الفلسطينية فإننا سنطالب بالانضمام الى دولة ثنائية القومية، يصب في هذا الاتجاه. الكلام عن الانضمام الى اسرائيل لا يعني سوى الاعتراف وقبول الاحتلال.

Wednesday, July 30, 2008

أزمة الفكر العربي


دراسة الفكر العربي موضوع واسع لا تستطيع اية مقالة صحفية أن توفيه حقه. وقد كتب في هذا المجال العديد من الدراسات والابحاث والكتب. لعل اوسعها واشملها واعمقها كانت الكتاب الموسوعي للمفكر محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي" والرد الموسوعي ايضا على هذا الكتاب للمفكر جورج طرابيشي: "نقد نقد العقل العربي". ولكن يبدو ان النقد بحد ذاته مهما كانت أهميته ومهما كان عمقه وصوابه فإنه لا يكفي لإجراء تغيير جذري على الفكر العربي وبالتالي على نتائج نشاطاته.
في هذه المقالة المقتضبة أود أن اضع الاصبع على بعض الصفات التي تجسد أزمة الفكر العربي الراهن، خاصة الفكر السياسي، والتي حسب إعتقادي هي السبب الرئيسي في شلل العالم العربي وتخلفه على كافة المستويات.
ننطلق من بديهية لم يعد ينكرها أحد وهي أن العالم العربي يعاني من تخلف حضاري على كافة المستويات، تخلف وضعه على هامش التاريخ بل وفي كثير من الاحيان أقصاه عن التاريخ نهائيا. مظاهر هذا التخلف عديدة تكاد لا تعد ولا تحصى أكتفي بذكر أهمها:
اولا، على الصعيد السياسي:
بعد قرون من الركود الذي ميز الحكم العثماني وقعت البلدان العربية تحت الهيمنة الامبريالية اما مباشرة واما بشكل غير مباشر. بعد رحيل القوى الامبريالية ونيل الاستقلال، لم يكن هذا الاستقلال الا شكليا، حتى في البلدان التي خاضت نضالا ثوريا من أجل استقلالها مثل الجزائر واليمن. وهكذا خرج الاستعمار بشكله القديم وعاد بشكله الجديد الامبريالي. ولعل أكبر دليل على تخلف العالم العربي في هذا المجال هو هزيمته المتكررة أمام الحركة الصهيونية وفشله في منعها من تحقيق مشروعها الا وهو قيام دولة اسرائيل. مظهر آخر ومهم للتخلف السياسي هو حالة التشرذم الذي يعيشه العالم العربي وصراعاته المتبادلة وإخفاقه في بناء نظام حديث يواكب التطورات العالمية.
ثانيا،على الصعيد الاقتصادي:
بالرغم من غنى البلدان العربية في المعادن ومواد الخام وخصوصا النفط الذي يعتبر روح الصناعة الحديثة، وبالرغم من سعة هذه البلدان وخصوبة اراضيها، الا انها من أكثر بلدان العالم تخلفا على الصعيد الصناعي والزراعي. أغلبية السكان يعيشون في ظل فقر مدقع يقارب المجاعة، بينما تعيش طبقة ضئيلة في ثراء فاحش. بشكل عام، العالم العربي من المحيط الى الخليج هو عالم استهلاكي غير منتج وهذا الامر يكرس التخلف.
ثالثا،على الصعيد الفكري والثقافي:
ما زالت نسبية الامية في العالم العربي من أعلى النسب في العالم. يكاد يكون الابداع في كافة المجالات معدوما، مما يؤدي الى هروب العقول العربية الى اوروبا وامريكا. حتى في حياتنا اليومية ما زلنا ضحايا لعادات وتقاليد بالية أكل الدهر عليها وشرب، وهي التي تحدد افقنا الحضاري والثقافي.
إذن، هذا هو واقعنا بإختصار. أمام هذا الواقع هل من باب الصدفة أن تستطيع دولة اسرائيل الصغيرة أن تسيطر على المارد العربي الذي يغط في سبات عميق يشبه الموت؟. كلا بالطبع. السبب يكمن في تخلفنا الحضاري. ولا يفيدنا قيد انملة التباكي على ماضينا المجيد عندما كنا مهد الحضارة بينما كان غيرنا يعيش في ظلمات القرون الوسطى.
حسب رأيي تخلفنا هذا هو نتيجة مباشرة وحتمية لتخلف الفكر العربي، العقل العربي او العقلية العربية، وكلها مصطلحات متقاربة تشير الى شيء واحد. المجتمعات مثل الافراد. فإذا كان الفرد مضروب في عقله فلن تفيده صحته ولا جماله ولا طيبة قلبه. العقل السليم هو المحرك لكل شيء وهو الذي يحدد كل شيء، لسلوك الافراد كما لسلوك الشعوب والامم.
لا يستطيع أحد أن ينكر انه كانت هناك، على الاقل في القرن الاخير، محاولات لتجديد الفكر العربي. وظهرت هناك تيارات عديدة ومتنوعة تنادي بالاصلاح والتجديد، ولكنها باءت بالفشل. كلما ازدادت هذه التيارات عددا كلما زاد عقمها، وبدلا من أن تقود الى تعددية وثراء قادت الى تشرذم وإنغلاق. إذا صنفنا هذه التيارات الفكرية الى ثلاثة معسكرات واسعة هي الاسلامية والقومية والاشتراكية، نرى انها جميعها فشلت بالرغم من انها جميعها تدعي النجاح الباهر. فالتيارات الاسلامية ما لبثت حتى اصطدمت مع نفسها، فمنها من نادى بعودة الخلافة الاسلامية ومنها من نادى بإقامة دولة ثيوقراطية يحكمها رجال الدين، ومنها من نادى بالاصلاح والصحوة وولاية الفقيه، الخ. ولكنها جميعها وقفت عاجزة امام انجاز عملي واحد. وذلك حسب اعتقادي لعدم مقدرة المفكر المسلم أن يتخذ موقفا نقديا من الاسلام نفسه. فما زال الاحياء يحملون على اكتافهم الموتى وتراثهم.
التيار القومي لم يكن أحسن حظا. حيث فشلت جميع محاولاته للنهوض بالفكر القومي العربي. وفي محاولاته لبناء نظام قومي عربي واحد على الاقل، حتى في البلدان التي استلم القوميون بها زمام الحكم ولفترات طويلة. فقد قاد القوميون العرب هذه البلدان لمزيد من الشرذمة والانغلاق تماما على عكس ما كان يدعون له.
التيار الاشتراكي بجميع اشكاله هو الآخر، بسبب عقمه وجموده العقائدي بقي على هامش العملية التاريخية وفرض على نفسه التقوقع بعيدا عن الجماهير الشعبية التي يتكلم بإسمها.
اذا اراد الفكر العربي أن يخرج من أزمته عليه أن يتخلص من إرهاصات الصراع بين الاصالة والمعاصرة، بين التراث والتجديد، بين الدين والعلمانية. يجب إستيعاب التناقضات بين هذه المصطلحات وحلها بشكل ديناميكي وديالكتيكيي. وعدم الخوف من الخوض في غمارها.
لكي يخرج الفكر العربي من أزمته القاتلة عليه أن يضع كل شيء في موضع السؤال والنقد وألا يقبل الاشياء مسلمة. عليه الا يقبل الافكار الجاهزة مهما كان مصدرها مع الادراك تماما انه لا يوجد هناك أجوبة نهائية لكل شيء، واذا وجدت فإننا لا نملكها.
على الفكر العربي للخروج من أزمته أن يذبح الكثير من بقراته المقدسة وأن يحطم العديد من الاصنام التي ورثها ابا عن جد. عليه أن ينفض عنه غبار الركود ويتخلص من الاتكالية وعدم الابداع والخلق.
يجب تحطيم جميع القيود التي تكبل الفكر العربي. فقط الفكر الحر يستطيع أن يحلق في أعالي السماء وينتشل الامة العربية من الحضيض الذي تقبع به الآن.

الاحتلال والعملاء وجهان لعملة واحدة



ما يجري في قطاع غزة وفي الضفة الغربية تجاوز منذ زمن حدود المأساة وأصبح فضيحة، بل وصمة عار على جبين تاريخ النضال الفلسطيني الأغر. لن نحلم حتى في أسوأ كوابيسنا أن تصل الامور الى ما وصلت اليه في الاسبوع الاخير. التفجير على شاطئ غزة الذي طال عشرات الابرياء هو خط أحمر. لم يعد ذلك صراعا بين فريقين متكالبين على سلطة زائفة نتنة. بل أصبح جريمة ينبغي إجتثاثها من جذورها. لا أدري مدى صحة تورط تنظيم فتح في هذه التفجيرات، وأظن أن كل تعميم خاطئ، ولكن، بغض النظر عن الإنتماءات التنظيمية للايدي المجرمة التي اقترفتها، فهم لا يعدو كونهم سوى عملاء مباشرين للإحتلال. ويجب التعامل معهم من هذا المنطلق.
الاعتقالات العشوائية الانتقامية التي مارستها قوات أمن السلطة بتنسيق كامل مع قوات الاحتلال والتي طالت العديد من المناضلين الشرفاء ومن المواطنين المسالمين الآمنين وعلى رأسهم الزميل المناضل الوطني الذي يحظى بمكانة عالمية، البروفيسور عبدالستار قاسم، هي الاخرى خط أحمر لا يمكن الصمت عنها وتجاوزها.
يقول المثل المستخلص من تجارب الشعوب التي خاضت نضالا طويلا ومريرا من أجل حريتها واستقلالها: أينما يوجد إحتلال وإضطهاد توجد هناك مقاومة. هذه البديهية صحيحة في حالتنا الفلسطينية كذلك. ولكن يبدو انه لكي تكتمل الصورة ويصبح هذا المثل عاما وشاملا، علينا أن نعترف ايضا انه اينما توجد مقاومة توجد هناك عمالة وخيانة. واقعنا الفلسطيني يثبت أن قضيتنا ليست إستثناء. الى جانب المقاومين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الدفاع عن الوطن وعن كرامة الانسان نمت وترعرعت شريحة لا يستهان بها من عملاء الاحتلال. المصيبة أن هذه الشريحة تتبوأ اليوم مراكز قيادية بإستطاعتها أن تفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري ومن عدالة مطالبها. علينا الا نستخف في هذه الظاهرة الخطيرة.
تجارب الشعوب تشير الا أن الثورات التحررية قد أجهضت بالاساس بواسطة الاعداء الداخليين الذين ترعرعوا في صفوف الثورة ولكنهم انتهوا في أحضان المستعمرين. في فيتنام مثلا، نصف الشعب الفيتنامي حارب ضد الهيمنة الامبريالية الامريكية بينما النصف الآخر حارب الى جانبها. وكذلك الامر في كوريا، افغانستان، العراق، لبنان وأماكن عديدة على وجهة كرتنا الارضية. وكما قلنا سابقا، فلسطين ليست إستثناء.
بحجة مفاوضات السلام، والوصول الى اتفاقية سلام وانهاء الصراع وإجراء المصالحة التاريخية بين "الشعبين" أصبح واضحا انه يوجد هناك تقسيم خطير للأدوار بين دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينية. بينما يواصل الاحتلال بحماس جنوني مخططات تهويد القدس وبناء الجدار العازل وبناء المستوطنات من جهة، ويواصل الاغتيالات وهدم البيوت والحصار التجويعي والمداهمات والاعتقالات من جهة اخرى، تقوم السلطة الفلسطينية بالتنسيق الامني الكامل معه، تلاحق المقاومين وتعتقلهم وتغلق المؤسسات المدنية التي تحاول التخفيف من معاناة الجماهير.
هذا التنسيق مستمر بالرغم من إنفضاخ ما يسمى بالمسيرة السلمية وإفلاس مساعي التوصل الى اتفاقية سلام.
ما زلنا نذكر موجات عملاء الاحتلال التي إجتاحت قرانا ومدننا العربية أثناء وفي أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الاولى، ومقاومة جماهيرينا توطين هذه الحثالات بين ظهرانينا. يبدو انه اليوم لم يعد هناك حاجة لكي يغادر هؤلاء اماكن سكناهم بعد أن اصبحوا يتمتعون بحماية الدولة والسلطة الفلسطينية. من سخرية الاقدار أن يصبح الواقع معكوسا: خيث أصبح المقاوم منبوذا ومطاردا بينما يتبختر العميل علنا في الاماكن العامة.
بعد موجة الاعتقالات الانتقامية التي نفذتها السلطة في الضفة الغربية وخصوصا في نابلس، وزجهم في سجن نابلس الذي كانت تستعمله دولة الاحتلال لسجن المناضلين الفلسطينيين، تطالعنا بعض الصحف الاسرائيلية المطلعة، ذات المصادر الموثوقة (هآرتس 30/8) أن رئيس السلطة الفلسطينية بعث بمذكرة إحتجاجية شديدة اللهجة تحذر اسرائيل من إطلاق سراح شخصيات قيادية في صفقة لتبادل الاسرى مع الجندي الاسرائيلي المأسور جلعاد شاليط. لأن من شأن ذلك أن يضعف السلطة الضعيفة أصلا ويقوي أعدائها. من بين هؤلاء الاسرى 40 نائبا في المجلس التشريعي الذي يستمد رئيس السلطة بعض شرعيته منه. وبعض هذه القيادات (احمد سعادات، امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مثلا) تم تسليمهم بتواطؤ مباشر من اجهزة السلطة الامنية.
لقد أصبح واضحا أن هذه السلطة التي جلبتها إتفاقيات أوسلو المشؤومة لا تختلف من حيث الجوهر عن سلطة كرزاي في افغانستان او سلطة المالكي في العراق وأن المقاومة الحقيقية سوف تكنسها مع الاحتلال الى مزبلة التاريخ.

Tuesday, July 22, 2008

في الذكرى 56 لثورة يوليو المجيدة: الثورة هي الطريق الوحيد للحرية ولااستقلال


الثورات في العالم العربي نادرة. بينما كانت الثورات الاجتماعية والسياسية تجتاح أوروبا وتغير وجهها تغييرا جذريا كان العالم العربي خلال قرون طويلة يغط في سبات يكاد أن يكون موتا سريريا على كافة المستويات. في القرن العشرين كانت هناك بعض الاستثناءات أو على الاصح بعض المحاولات لثورات كانت تهدف إجراء تغيرات جذرية شاملة على مبنى المجتمع العربي. ولكن سرعان ما كانت هذه المحاولات تجهض قبل أن تحقق أهدافها أو سرعان ما تنحرف عن مسارها وتتحول الى ثورة مضادة.
يبدو أن القانون الذي يتحكم في تفجر الثورات وتطورها ونهايتها هو قانون ديالكتيكي ديناميكي مشحون بالتناقضات الداخلية والخارجية وتحت ظروف معينة يتحول الى ضده. هكذا تحولت الثورات الكبرى بعد فترة، كانت تطول أو تقصر، الى ضدها، الى ثورات مضادة بعد أن أكلت ابناءها الذين صنعوها. هذا ما حدث للثورة الفرنسية الكبرى التي انتهت الى أعمال إرهابية وحروب مستمرة وكانت فاتحة لعصر استعماري بغيض إجتاح العديد من بلدان العالم، وهذا ما حدث لكومونة باريس ومن ثم لثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا التي اندثرت نهائيا وللثورات في الصين وفيتنام والجزائر وغيرها.
غير أن تحول الثورة الى ضدها لا يقلل من ضرورتها ولا من اهميتها التاريخية. فهي قبل أن تجهض أو تنحرف تكون قد حققت أهدافا كان من المستحيل تحقيقها في فترة زمنية قصيرة. فالثورات تختصر المسافات. وفي معظم الاحيان حتى الثورة المضادة لا تستطيع أن تمحو كل الانجازات التي حققتها الثورة ونرها في كثير من المجالات تحقق وصية الثورة مرغمة.
ثورة 23 يوليو التي فجرها الضباط الاحرار بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في مصر هي إحدى الثورات الفريدة من نوعها التي حاولت نقل العالم العربي ( وليس مصر فحسب) من ركود وتخلف القرون الوسطى الى العصر الحديث واللحاق بقطار المدنية.
بعد 56 سنة من إنطلاقها، نستطيع أن نقول أن مصير هذه الثورة كان كمصير الثورات الكبرى التي ذكرناها. حيث تكالب عليها الاعداء من الداخل ومن الخارج، منعوها من تحقيق أهدافها، حرفوها عن مسارها الصحيح ومن ثم أجهضوها نهائيا. ولكن هذا المصير الماساوي لا يقلل من أهميتها التاريخية ولا ينفي ضرورة حصولها.
ما هي الظروف التي جعلت الثورة ضرورية وحتمية؟ وماهي الانجازات التي حققتها الثورة وما هي الانجازات التي لم تستطع تحقيقها؟
لقد كانت ثورة يوليو 1952 أولا وقبل كل شيء ثورة على النظام الاقطاعي الفاسد الذي كان سائدا في مصر. هذا النظام الطفيلي الذي اوصل الجماهير الى حافة المجاعة بينما كانت خيرات مصر حكرا على طبقة ضئيلة من الاقطاعيين الملتفين حول الملك والخاضعين في الوقت نفسه للهيمنة الاجنبية. لقد سددت الثورة ضربة قاضية الى هذا النظام. وخلال ايام قليلة من انطلاقة الثورة تم الغاء الملكية الى الابد واعلان الجمهورية. في الوقت نفسه تم توجيه ضربة قاسية الى البناء الاقطاعي من خلال الاصلاح الزراعي الذي جرد الاقطاعيين من إحتكارهم للأرض وإعادة تقسيمها على الفلاحين الفقراء. ولكن للأسف الشديد أحجمت قيادة الثورة عن تسديد ضربة قاضية للاقطاع مما أتاح له فيما بعد من رفع رأسه والعودة الى الواجهة.
وكانت الثورة ثانيا ضد الاستعمار. فقد كان استقلال مصر شكليا وكانت بريطانيا هي التي تحدد وتنفذ جميع السياسات. وفي بعض القطاعات كانت السيطرة الاستعمارية مباشرة وكاملة، خصوصا سيطرتها على قناة السويس. لقد طالبت الثورة منذ البداية بجلاء آخر مستعمر عن ارض مصر الامر الذي رفضته القوى الاستعمارية التي قامت بش هجوم ثلاثي انجليزي – فرنسي – اسرائيلي للقضاء على الثورة وتخليد السيطرة الاستعمارية. خرجت الثورة من هذا العدوان منتصرة بفضل البطولات والتضحيات التي قدمها الشعب المصري. ورحل الاستعمار بجميع أشكاله عن ارض مصر. غير أن الاستعمار بشكله الجديد ( الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية) قد عاد بعد إجهاض الثورة.
لقد خطت الثورة خطوات جبارة لتحقيق عدالة إجتماعية وإقامة حياة ديموقراطية سليمة. فقد أعلنت الثورة عن مجانية التعليم العالي، وهكذا وجد ابناء الفقراء طريقهم الى الجامعات بعد أن كانت حكرا على أبناء الاغنياء، وتم بناء السد العالي وهو أكبر مشروع تنموي على المستوى العالمي، وأتخذت الاجراءات اللازمة لبناء جيش وطني قوي. الا أن هذه الخطوات قد تعثرت من بدايتها. لم يكن لدى معظم قيادة الثورة رؤية واضحة للمجتمع الجديد الذي يناضلون من أجله وكانت تنقصهم النظرية الثورية الضرورية للتقدم على الطريق السليم.
لعل الانجاز الاهم لثورة يوليو كان يكمن في طابعها القومي التحرري المعادي للإستعمار. فقد اصبحت هذه الثورة نموذجا للبلدان العربية (الجزائر، اليمن، فلسطين) وللدول النامية خصوصا في أفريقيا وآسيا. للمرة الاولى منذ قرون شعرت الشعوب العربية بإنها ليست خارج التاريخ بل بدأت تصنعه بعد أن أعادت الثورة لها كرامتها القومية والانسانية.
ثورة يوليو، كما قلنا، لم تحقق كافة مهامها. وهناك من غير شك مهام يجب أن تنجز، ليس على صعيد مصر فحسب بل على صعيد العالم العربي. لذلك فإن ثورة يوليو جديدة هي ضرورية وحتمية. فقط من خلال ثورة جديدة، تتعلم من أخطاء الماضي، لا تقدم التنازلات المبدئية للعهد البائد، ولا تتوقف في منتصف الطريق، تستطيع الشعوب العربية توحيد صفوفها وانتزاع حريتها وإستقلالها.

Wednesday, July 16, 2008

بشار الاسد على طريق انور السادات


لقد أثار الاسد دهشة خصومه ومؤيديه في تصريحه المفاجئ في مؤتمر "الاتحاد من أجل المتوسط" في باريس أمام العديد من الزعماء العرب والاوروبيين. جاء على لسان بشار الاسد ما يلي:"إن توقيع إتفاق سلام مع اسرائيل هو مسألة تحتاج من ستة أشهر الى سنتين بحد أقصى في حال كان الطرفان جادين للإنخراط في محادثات مباشرة".
في الحقيقة كنت من أكثر الناس اندهاشا لمثل هذا التصريح الى درجة انني شككت في صحته. وبالرغم من سماعي له في عدة نشرات إخبارية صادرة عن محطات مختلفة، وقرآتي له في عدة مواقع الا انني لم اصدقه نهائيا حتى شاهدته بنفسي يتكلم.
هذا التصريح البائس هو أكثر تصريح مؤيد لاسرائيل سمعته من زعيم عربي في السنوات الاخيرة. وهو بمثابة شهادة زور تمنح لإسرائيل على إعتبار انها دولة محبة للسلام وكأنها حمامة سلام ناصعة البياض. هذا التصريح لا يختلف بشيء عن تصريحات زعماء العالم الذين حجوا الى اسرائيل هذا العام، مثل المستشارة الالمانية ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي، نهايك عن الرئيس الامريكي بوش ومرشح الحزب الديموقراطي أوباما. بل أدعي أن تصريح الرئيس السوري اشد خطورة كونه صادر عن دولة عربية تعتبر ركيزة ما يسمى معسكر الممانعة.
خلال 6 أشهر وكحد اقصى سنتين ويوجد هناك اتفاقية سلام؟؟ حتى رئيس السلطة محمود عباس توقف عن ترديد احلامه بإمكانية التوصل الى اتفاق سلام حتى نهاية السنة كما وعده جورج بوش في آنابوليس. هدئ أعصابك يا الرئيس، ولا تكن شديد الحماس، فما زلت جديد العهد في مهنة المفاوضات. حتى الان لا يوجد لديك "خارطة طريق" تضيع في شعابها سنوات طويلة لكي تجد نفسك في نقطة البداية. وهذا هو مؤتمرك الاول تحت رعاية ساركوزي الذي ينوب عن بوش. فلا يوجد لديك حتى الآن مؤتمرات قمة وقمامة في شرم الشيخ أو كامب ديفيد أو آنا بوليس.
ليس من العيب أن يتعلم الانسان العاقل من تجارب غيره. أنظر الى المفاوض الفلسطسني الذي اضاع 17 سنة من عمره يركض من مدينة الى أخرى ومن مؤتمر الى آخر. وقدم التنازل تلو التنازل لاهثا وراء وهم اتفاق سلام مع اسرائيل. وماذا كانت النتيجة؟ لا شيء، صفر=صفر.
انت تصرح كل يوم: "السلام هو خيار استراتيجي لسوريا" و "لا خيار أمامنا سوى السلام". وهنا أيضا يصرح المسؤولون الاسرائيليون يوميا كم هم حريصون على السلام، وانهم على استعداد لتقديم تضحيات أليمة من أجله، مشكلتهم انهم لا يجدون شريكا للسلام في الطرف الآخر. مساكين، يثيرون الشفقة. فبعد أن عصروا ياسر عرفات عصرا وجدوا انه ليس شريكا ملائما فتخلصوا منه نهائيا، وها هم يعصرون محمود عباس والنتيجة يعرفها القاصي والداني.
نعم، يا فخامة الرئيس، انتم الطرفان جديان في سعيكم الدؤوب من أجل السلام. وهذا يعني أن طريق المفاوضات سوف تكون قصيرة وهي كما يبدو تتطور وتحقق إنجازات فقد بدأت مفاوضات سرية وها هي اليوم تصبح علنية ولكنها غير مباشرة وغدا سوف تصبح علنية ومباشرة ومن يدري ربما بعد غد سو ف تؤتى ثمارها. وقد نراك في الصيف القادم تسبح مع نظيرك الاسرائيلي في بحيرة طبريا.
أنا أعتقد، وبجد هذه المرة، أن اسرائيل تريد السلام مع سوريا وهي لا تخفي ذلك بل تعلنه في كل مناسبة وأمام كل من يريد أن يسمع. هذا هو السلام الذي تريده الاسرائيل:
أولا، وقبل كل شيء انتزاع سوريا من محيطها العربي ومن إنتمائها العربي، تماما كما فعلت مع مصر في كامب ديفيد. وهذا يعني أن تتخلى سوريا عن تحالفها مع المقاومة العربية في لبنان وأن تطرد "الارهابيين" الفلسطينيين من دمشق، وأن تتخلى عن "محور الشر" وتلتحق ب"محور الخير" الذي تقوده امريكا وأسرائيل.
ثانيا، أن تأخذ سوريا دورها في معسكر الاعتدال العربي وتشارك في الحرب الدولية ضد الارهاب الاسلامي وضد كل من تسول له نفسه معارضة الهيمنة الامريكية او التغلغل الاسرائيلي.
ثالثا، أن تطبع علاقتها مع اسرائيل وتفتح اسواقها على مصارعها أمام السلع والرأسمال الاسرائيلي.
مقابل ذلك قد تنسحب إسرائيل من هضبة الجولان ولكن بشرط أن تبقى منزوعة السلاح، ولن ترفض تواجد قوات فرنسية لحفظ السلام بدل او الى جانب قوات الامم المتحدة. أي بإختصار أن تتحرر الجولان كما "تحررت" سيناء من قبل، أي بعد 30 سنة اسرائيل هي التي تقرر من يدخل سيناء وكم يكون عددهم.
السؤال الذي اطرحه هنا: هل حضور مؤتمر باريس وما تمخض عنه من وعود اوروبية هو الخطوة الاولى نحو الإرتماء في أحضان الغرب؟ وهل عودة الاستعمار الفرنسي من الشباك بعد أن خرج من الباب هو الدفعة الاولى على الحساب؟

Wednesday, July 09, 2008

لم يعد هناك من يدق الخزان يا غسان


قبل 36 عاما طالت يد الغدر الاسرائيلية المناضل والمفكر والكاتب العربي الفلسطيني غسان كنفاني. لقد خطفته يد الغدر هذه وهو في ريعان شبابه وفي أوج عطائه. لم يكن غسان مقاتلا بالمعنى الحرفي للكلمة. لم يحمل كلاشينكوف ويطلق الرصاص في إتجاه مغتصبي أرضه ومهجري أهله ولم يفجر عبوات ناسفة. كان يحمل قلما يكتب كلمات. ولكنها كلمات كانت تخرج صرخات من أعماق جرحه وجرح شعبه، كانت أقوى من الرصاص وأشد دمارا من العبوات الناسفة ولهذا السبب بالذات كان مستهدفا من قبل العصابات الارهابية التي تسمي نفسها مجازا الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة.
غسان كان يزرع الكلمات في البيارات المهجورة لكي لا تنسى وفي بيوت حيفا التي أفرغت من اهلها بالقوة وفي قلوب اللاجئين الذين شردوا في الفيافي والصحاري وهاموا على وجوههم لتحصيل لقمة العيش. بينما كان مجرمو الموساد وبإعترافهم الصريح هم الذين يزرعون العبوة الناسفة في سيارتة ويفجرون معه إبنة أخته لميس.
لقد كان غسان صاحب قضية وصاحب موقف. وقد يظن البعض أن قضيته كانت قضية فلسطين وهذا خطأ شائع، لأن قضيته تجاوزت الحدود الجغرافية لفلسطين، تجاوزت كل الحدود وأصبحت قضية إنسانية من الطراز الاول. الحس الانساني المرهف ينتشر بين سطور "رجال في الشمس" "عائد الى حيفا" "أم سعد" وغيرها من الروايات والقصص. وليس غريبا أن تترجم أعماله الى معظم لغات العالم. في إغتيالهم له قام عملاء الموساد من حيث لا يدرون بتخليده.
لا ترمي هذه المقالة تناول مؤلفاته الادبية والفكرية بالتحليل، فالمكتبات تعج بالكتب والمقالات والدراسات في هذا المجال. كل ما اطمح اليه في هذه العجالة هو نفض بعض الغبار الذي تراكم على بعض الكلمات التي تعبر عن المواقف التي عاش غسان واستشهد من أجلها، ونحاول نحن الفلسطينيون عن قصد أو عن غير قصد التغاضي عنها.
قال غسان: " إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية" وكأنك يا رفيق كنت تتنبأ بما سيحدث. لقد بقي المدافعون الفاشلون في مواقعهم بينما تغيرت القضية الى حد التشويه. ولو عدت الينا يا رفيق لما تعرفت على قضيتك. فقد أدخلنا كل زناة الارض الى حجرتها وسحب هؤلاء المدافعون خناجرهم وتنافخوا شرفا وصرخوا فيها أن تسكت صونا للعرض... مع المعذرة للشاعر مظفر النواب.
لقد كنت تقول:" إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين" وكان الاحرى بك أن تقول إن قضية الحياة ليست على الاطلاق قضية الباقين ... أنها قضية الاموات. فالشهداء هم الوحيدين الاحياء أما نحن فلسنا أحياء سوى مجازا.
قلت: "إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال
الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه". ولكن سلاحنا اليوم يا رفيق هبة من إسرائيل تحت إشراف مدربين أمريكيين وعملاء من بعض الدول العربية، لذلك اليوم لا يجود تعويض لكلماتك.
وقلت أيضا: " لا تمت قبل أن تكون ندا" الحمد لله انك استشهدت يا رفيق لأنك لو عشت حتى هذه الايام فلن تستطيع أن تكون ندا لكبار المفاوضين وكبار المهربين وكبار المقامرين.
وأخيرا كتبت تقول:" بالدم نكتب لفلسطين" ونحن نقول لك في هذه الذكرى: بالدم نقرأ لفلسطين.

Tuesday, July 08, 2008

هل نحن بحاجة الى بلديات؟



من يزور مدينة سخنين في هذه الايام لا بد أن يشعر بالاكتئاب. واذا كان مرهف الحس رقيق المشاعر فقد يشعر بالغثيان أيضا. تبدو المدينة في هذه الايام منكوبة وكأنها خارجة للتو من تسونامي مدمر لا يعرف الرحمة. أكوام الزبالة على طرفي الطرقات. كل عدة أمتار كوم، بل قل تلة صغيرة تنمو باستمرار. على ربوع هذه التلال ترتع الققط باحثة عن قوتها اليومي، وربما كانت هي المخلوقات الوحيدة السعيدة بهذه المناظر. لا آسف، هناك الجرذان ايضا ولكن ما يتغص سعادتها تواجد القطط المكثف من حولها. من يسير على الاقدام ويمر بالقرب من هذه المزابل يوسع خطاه، يغلق انفه بسبابته وابهامه حتى يتجاوزها، ويتمتمم ببعض الكلمات، أغلب الظن انها شتائم من النوع الثقيل للمسوؤلين عن هذا الوضع المأسوى. ومن ثم يتابع مسيره وكأن هذا الشيء اصبح شيئا عاديا.
ولكن هذا ليس كل شيء. يدخل هذا المواطن الى بيته، غالبا بعد يوم من العمل الشاق. يفتح حنفية الماء، فإذا كان محظوظا، اي اذا كان يسكن في مكان منخفض بعض الشي، فسوف ينساب من الحنفية بعض القطرات من الماء تشبه طفلا صغيار يبول. ولكن اذا كان نكد الحظ، فلن يجد ولا لحسة. يتمتم مرة أخرى ببعض كلمات، وأترك فحواها لخيال القارئ. يجمع بعض قناني البلاستك ويذهب الى العين حيث يقف الناس بالدور كل مع قنانيه. أراقب هذا المشهد من قرب، وتعود بي الذاكرة 40 عاما الى الوراء عندما كنا اطفالا صغار يرسلنا اهلنا الى جلب الماء من العين مع حمار وضعوا عليه جلنين من الحديد. طبعا الحمير انقرضت من المدينة وحلت مكانها السيارات الفخمة والجلن ايضا إختفى وأخذت مكانه قنينة البلاسيك.
هذا المشهد السريالي نشهده كل يوم. وأدعوا الجميع لمشاهدته لكي لا يظن انني ابالغ. وأظن أن الاوضاع في باقي المدن والقرى في هذه البلاد لا تختلف كثيرا عنها في سخنين.
استمع الى احاديث المواطنين في البيوت، في الاماكن العامة،في اماكن العمل والدواوين وفي كل مكان. وضع المدينة المزري هو موضوع الساعة. لم يبق هناك مكان لحصار غزة او للهدنة أو لتبادل الاسرى أو للملف النووي الايراني الخ. كل هذه الامور بردت إزاء هذا الموضوع الساخن: الزبالة وانقطاع الماء.
ولكن للاسف الشديد، استمعت الى العامل والمعلم، للشباب والشيوخ، للرجال والنساء، للمثقفين وللأميين فلم أسمع سوى الشتائم، حتى بصراحة بدأت اتعاطف مع المسؤولين المساكين، واتعجب كيف يتحملون كل هذا الكم الهائل من الشتائم، الا يسمعونها؟ واكتشفت ان لكل شريحة من مجتمعنا لها شتائمها الخاصة بمفرداتها الخاصة. ولكن شيء واحد مشترك يجمع كل هذه الشرائح: لم اسمع اية نظرة تحليلية نقدية للأوضاع. والانكى من ذلك، لا يوجد هناك اي روح للمبادرة وكل محاولة للتغيير معدومة. وهكذا تستمر الحياة. حتى يفرجها ربك كما يقول كبارنا.
قال لي أحد المواطنين الحكماء وفي اعقاب اقواله أخترت عنوان هذه المقالة: ما أغبى إدارة هذه البلدية فالمواطن العادي لا يسأل وقد لا يهمه ما تقوم به او لا تقوم به البلدية في مجال التربية والتعليم والتطوير والتخطيط الخ. ولكنه من كل مهام البلدية يرى أمرين: الزبالة والماء. فإذا كانت البلدية تعاني بالفعل من عجز في الميزانيات ومن تمييز من السلطات وهذا الامر الذي يشل عملها. فلماذا لا تقلص من تلك الخدمات "الخفية" وتركز على توفير الماء وجمع الزبالة وهي الاقل تكليفا؟.
سؤال وجيه، اليس كذلك؟ ماذا تعمل بلدياتنا غير جمع الزبالة وتوفير المياه؟ فإذا كانت لا تستطيع تأمين هذين المطلبين البسيطين فما الحاجة الى هذه البلديات أصلا؟
ولكن السؤال الاوجه الذي يجب أن يسال هنا هو: هل من أجل جمع الزبالة وتوفير المياه يجب أن يكون ليدينا بلدية مع رئيس ونواب واعضاء ولجان؟
جوابي القطاع هو لا، لسنا بحاجة الى اية بلدية من أجل انجاز مثل هذا العمل البسيط. ولكن مشكلتنا أعمق واكثر تعقيدا من ذلك بكثير: لقد تعودنا على الاتكالية وانعدام روح المبادرة تماما. دع اكوام الزبالة تنمو وتصبح تلالا بل تصبح جبالا شاهقة في ارتفاع جبال هملايا، فلن تكون هناك اي مبادرة ذاتية للخلاص من هذا المأزق. سوف نستمر في رمي زبالتنا على الكومة.
لا اريد هنا أن أفتح موضوع الانتخابات الوشيكة للسلطات المحلية. فهذا موضوع واسع وقائم بذاته، ولكني أود هنا أن أدون مسبقا هذه الملاحظات:
اولا) طبعا لم يسقط المسؤولين علينا من كوكب آخر، فنحن الذين انتخبناهم، والشخص الذي نشتمه اليوم أغلب الظن اننا منحناه صوتنا بالامس، او سوف نصوت له في الانتخابات القادمة بناء على إعتبارات لنقل انها خاصة.
ثانيا) جربنا العديد من المسؤولين، منهم الامي ومنهم المتعلم، منهم من وصفناه بالعائلي ومنهم من تلفع بعباءة الحزبية فوجدنا أن جميعهم بالهواء سواء. واسمحوا لي أن ابالغ قليلا واقول: اننا ظلمنا المخاتير كثيرا، فعلى الاقل كان للمختار كلمة وكان "يمون" على جماعته، ليس مثل الرئيس "الديموقراطي" اليوم.
ثالثا) لقد آن الاوان، كما يقول المثل الا ننظر الى الاناء بل الى ما يوجد بداخله. سوف يصدر كل رئيس سابق قبل الانتخابات كتيبا يعدد فيه إنجازاته التي تؤهله لولاية جديدة وسوف يقوم منافسوه بزرع المقاثي بالوعود. فلا تنسوا ان هذه "الانجازات" كانت "وعودا" وأن "الوعود" سوف تصبح "انجازات" ولكن جميعها سوف يكون جزءا من تلة الزبالة.
رابعا) هل حقا يجب علينا دائما ان نختار بين العائلية التي تحزبت او بين الحزب الذي اصبح عائليا؟
في الاشهر القادمة، التي تسمى بالمعركة الانتخابية سوف نرى ونسمع العجب، وسيكون لنا لقاءات أخرى.

Monday, July 07, 2008

انقذونا من هذه الصحافة "الصفراء"


"هل هناك أمل بأن تصبح مليونيرا؟ هيا أدخل وافحص"
"أكتب اسمك واسمها واعرف نسبة الامل تكونوا لبعض"
"كوني متجددة في الفراش. كيف تثيرينه بعد كل جماع"
" شاهدوا الحلقة 93 من مسلسل نور" "شاهدوا الحلقة 109 من مسلسل سنوات الضياع"
هذه فقط غيض من فيض العناوين الرئيسية التي تزين غالبية المواقع الاخبارية المحلية وتنغل بها الصحف المكتوبة. نتكلم كثيرا عن المستوى الهابط للعديد من الفضئيات التي التي تتحفنا بمستوى هابط من الفن ولكننا نخرس عن الكلام حول المستوى الاشد هبوطا الذي تشهده صحافتنا المحلية المنتشرة عبر الشبكة العنكبوتية والمكتوبة على حد سواء.
لا أدري من أول من أطلق على مثل هذه الصحافة بالصحافة الصفراء، أنا شخصيا أحبذ أن نطلق عليها اسما آخرا، لأننا نظلم اللون الاصفر، وخصوصا وأنه أحد الالوان المفضلة لدي. فهو حسب رأيي لون جميل وناعم وجذاب. على عكس هذه الصحافة التي تقوم على الفضائح والإثارة والشائعات والمبالغة والتشهير ودغدغة غرائز القراء، والضحالة والعقم، الخ.
مع الانتشار السريع للانترنت والتوزيع المجاني للجرائد المطبوعة في الحوانيت والمقاهي ومحطات البنزين أصبحت هذه الصحافة آفة، لا بل وبأ يجب التصدي له. فهذه الجريدة تنشر الاستطلاعات المزيفة التي تؤكد أنها الجريدة الاكثر انتشارا في البلاد، بينما تقوم الجريدة المنافسة بتزوير الحقائق. ومن يقرأ مثل هذه الادعاءات يظن بأنه امام جريدة عريقة كالاهرام أو النيويورك تايمز، وذاك الموقع يعلن بأنه الاكثر ارتيادا من قبل الزوار ليس على المستوى المحلي وحسب بل وعالميا أيضا. ولكن عندما تفتح هذه الجريدة من الصفحة الاولى الى الصفحة الاخيرة، من الغلاف الى الغلاف، لا يستوقفك شيء ذو أهمية. وبعد لحظات وجيزة تنبذها جانبا وانت تردد في قرارة نفسك: خسارة على الورق وعلى الوقت الضائع. الشيء نفسه يحدث أثناء زيارة المواقع الالكترونية التابعة لهذه الجرائد. العبرة ليست في كمية مرات الدخول لها بل في فترة المكوث بها ومقدار الفائدة التي تقدمها. وحسب رايي، قارئ يحترم نفسه لا يستطيع أن يمكث بها أكثر من لحظات معدودة وبعد أن يغادرها يشعر بالندم لتبديده هذا الوقت نظرا لتفاهتها وضحالة محتواها.
لا اريد هنا أن أذكر جرائد ومواقع بأسمائها، فالقارئ المتوسط يعرف بالضبط أي منها هو المقصود. قد يدعي البعض أن مثل هذه الجرائد والمواقع تلاقي رواجا ملحوظا وتحظى بشعبية خصوصا عند الاجيال الشابة بينما تلاقي الجرائد والمواقع الجدية كسادا. قد تكون هذه الظاهرة صحيحة نسبيا، وهنا بالضبط تكمن خطورتها. وإن دلت على شيء فإنها تدل على عمق الازمة الثقافية والاجتماعية التي تجتاح مجتمعنا، والتي هي جزء من الازمة العامة التي نعاني منها على كافة الاصعدة. غياب المؤسسات الثقافية والتعليمية الوطنية الملتزمة يلعب دورا سلبيا في رواج هذه الصحف والمواقع. اننا نقف هنا بالاساس امام مشاريع تجارية هدفها جني الارباح الطائلة بأسرع وقت وأقل تكلفة. هذه الظاهرة بدأت تتفشى لتشمل العديد من المؤسسات التعليمية، فقد أصبحت رياض الاطفال، مثلا تباع للمقاولين وكأنها سلعة عادية ضاربين بعرض الحائط مستقبل أطفالنا. وبسبب الاهمال الحكومي المبرمج والمقصود اصبحت المدارس على كافة مستوياتها والكليات مرتعا لشتى اشكال الانتهازيين الذين يلهثون وراء الربح السريع. يقول المثل الشعبي: اعط الخبز لخبازه. وهل هناك خبز أهم من خبز الثقافة والتعليم؟ فكيف نفرط به لكل من هب ودب ممن يحترف مهنة تحويل التعليم الى سلعة.
في صباح كل يوم جمعة، عندما أجمع هذا الكم الهائل من الصحف المحلية الصادرة في هذا اليوم، اشعر للوهلة الاولى وكأن هناك مدا ثقافيا هائلا يجرف مجتمعنا، ولكني سرعان ما اصاب بخيبة أمل وإحباط بعد تصفح عدة صفحات. الامر نفسه ينتابني عندما ابحر في عباب الشبكة العنكبوتية، وأرى الكم الهائل من المواقع المحلية التي تعد بالكثير ولكنها تفي بالقليل، خصوصا إذا قارناها بالصحف والمواقع العبرية.
لقد آن الاوان أن ننقي القمح من الزوان وأن نقتلع الاعشاب الضارة التي تحاصر الورود في بساتيننا. اننا نستحق صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة والكترونية راقية ومحترمة تكون مرآة صادقة لتطلعاتنا وطموحتنا وليس لواقعنا البائس. هذه المهمة تقع على عاتق المثقفين الواعين الملتزمين وطنيا وخصوصا من بين الاجيال الشابة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, July 02, 2008

عيد إستقلال سعيد يا أمريكا


تحتفل الولايات المتحدة الامريكية في هذا اليوم بعيد إستقلالها الذي أعلن عنه في 4 يوليو من عام 1776. في هذه المناسبة لا بد من فضح الاساطير التي روجتها الامبيريالية الامريكية على مدار ما يقارب قرنين ونصف من الزمن. هذه الاساطير المؤسسة على إعلان وثيقة الاستقلال ومن ثم على الدستور الامريكي والتي تصور الولايات المتحدة الامريكية نبراسا للحرية ونصيرا للديموقراطية والاستقلال في العالم بإسره.
جاء في وثيقة الاستقلال الامريكية: "يولد كل الناس متساوين، وقد وهبهم الخالق حقوقا غير قابلة للتنازل عنها: حق الحياة وحق، وحق الحرية، وحق البحث عن السعادة." (هذا الكلام المعسول يذكرنا بوثيقة إستقلال أخرى أعلنت عام 1948 هي وثيقة الاستقلال الاسرائيلية التي أعلنت هي الاخرى انها "تحافظ على المساواة التامة في الحقوق اجتماعيا وسياسيا بين جميع رعاياها دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس...الخ" بينما كانت ترتكب المجازر وتهدم القرى وتهجر شعبا بإسره ).
الوثيقة الامريكية التي كانت تعلن أن "كل الناس يولدون متساوين" كانت تعني في حقيقة الامر انه يوجد ناس متساوين أكثر من غيرهم، بل كانت تقول أكثر من ذلك: أنهم هم "الناس" بينما الآخرون هم أقل من الناس. فعند الاعلان عن هذه الوثيقة كان قطعان المستوطنين القادمين من أوروبا يشنون حرب إبادة وتطهير عرقي لا شبيه لها في التاريخ ضد الهنود الحمر، سكان البلاد الاصليين والذين اعتبروا في عرف هؤلاء المستوطنين ك"متوحشين، لا يعرفون الرحمة"، وكانوا يمارسون ابشع اشكال العبودية ضد الزنوج الذين اقتلعوا من أوطانهم في افريقيا وجلبوا الى أمريكا من أجل العمل بالسخرة في المناجم وحقول التبغ والقطن.
عندما كانت وثيقة الاستقلال تتكلم عن الحق بالحياة والحرية والبحث عن السعادة التي منحها الخالق للناس كانت تعني بالذات حق هذا المستوطن بالحياة حتى ولو قتل غيره وحقه بالحرية حتى ولو استعبد أهل الارض جميعا وحقه بالسعادة ولو كانت هذه السعادة مبنية على تعاسة الآخرين.
إن استقلال الولايات الامريكية لم يأت نتيجة نضال شعب مضطهد، يرزح تحت الاحتلال الاجنبي، ويصبو للحرية والاستقلال من أجل أن ينمي قيمه وثاقفته ويحافظ على حضارته، وليس نتيجة لثورة إجتماعية وسياسية تقدمية، كما يحاولون إقناعنا من خلال مناهج التعليم التجهيلية في المدارس والجامعات، بل جاء بسبب تذمر هؤلاء المستوطنين من الضرائب الباهضة لتي كانت المملكة البريطانية تفرضها عليهم وتثقل بها كاهلهم، ومن التقيدات الاقتصادية والفساد الاداري لهذه المملكة والتي تفاقمت في تلك الفترة نتيجة حرب السبع سنوات بين أنجلترا وفرنسا ومحاولة انجلترا تعويض خسائرها عن طريق مستوطناتها. ما يسمى بالثورة الامريكية لم تكن مستوحاة من الثورة الفرنسية ومن مبادئها التحررية في ذلك الوقت. مؤسسوا الولايات المتحدة الامريكية لم يكونوا ثوارا إجتماعيين يتمتعون بمزايا أخلاقية سامية كما يصورنهم لنا، بل كانوا مستعمرين متعطشين للمال والسلطة. جورج واشنطن، جون آدمز، توماس جفرسون وغيرهم من المؤسسين مسؤولين عن إقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في حق السكان الاصليين.
لقد كتب سيمون بوليفار أحد أبطال استقلال أمريكا اللاتينية يقول:"يبدو أنه كتب على الولايات المتحدة الامريكية أن تقوم بتعذيب القارة بإسم الحرية".
الطبيعة العدوانية لهذا الكيان لم تبق محصورة داخل القارة الامريكية بل تم تصديره الى باقي بلدان العالم تحت شعارات الحرية والديموقراطية واستقلال الشعوب. لعل أشهر هذه الاكاذيب والتي انطلت على العديد من الناس جاءت في أعقاب الحرب العالمية الاولى وإقامة عصبة الامم المتحدة، في بنود السلم ال14 التي قدمها وويدرو ويلسون الذي أعتبر محرر أوروبا ونصير الشعوب المظلومة الذي ينادي بحق الامم في تقرير مصيرها، حيث كتب يقول: " واجبنا الخاص تجاه كل شعب مستعمر هو أن نعيد لهذا الشعب النظام والسيادة وندربه على القانون والتعود عليه وطاعته" بروح مبادئ ويلسون تم إصدار صك الانتداب على فلسطين الذي تعهد بتنفيذ وعد بلفور المشؤوم، وباقي القصة معروفة.
في تلك الفترة بدأت الولايات المتحدة الامريكية تحل مكان الاستعمار القديم الذي كانت تمثله من حيث الاساس بريطانيا وفرنسا. وقد إكتمل هذا الدور بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن ليس قبل أرتكاب جرائم ضد الانسانية لا تقل من حيث بشاعتها وهمجيتها عن جرائم النازية. يكفي أن نذكر هنا القتل المكثف للمدنيين خصوصا قصف وتدمير مدينة درسدرن حيث قتل أكثر من 130 ألف مدني بالرغم من قيام الجيش الاحمر بتحرير تلك المنطقة التي لم تعد تشكل هدفا حربيا، وكذلك إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وقتل 75 ألف مدني بالرغم من قبول إمبراطور اليابان لمبدا ألإستسلام.
منذ ذلك الحين وحتى اليوم قامت الولايات المتحدة الامريكية بشن الحروب المتواصلة في جميع أرجاء العالم من كوريا وفيتنام وكمبوديا الى بنما وتشيلي ونيكارغوا، الى افغانستان والعراق وفلسطين. وأين لا؟ لقد أصبحت الولايات المتحدة الامريكية من غير منازع وبإمتياز العدو رقم واحد لكافة الشعوب وتشكل خطرا داهما على المجتمع الانساني ككل.
عيد إستقلال سعيد يا أمريكا

Wednesday, June 25, 2008

عندما يصبح الاحتلال طوعيا



يصر العديد من الاكاديميين العرب الذين يحرصون حرصا شديدا على إلصاق لقبهم الجامعي بإسمهم في جميع الندوات والمؤتمرات والايام الدراسية التي يدعون اليها والتي تلاقي رواجا كبيرا في هذه الايام، على إعتبار دولة إسرائيل في نهاية المطاف وبالرغم من كل انتقاداتهم دولة طبيعية تمثل شعبا طبيعيا له الحق في تقرير مصيره. ويبدأون في تنظيرات لا اول لها ولا آخر ولا تقوم على اية اسس موضوعية علمية. كل همهم هو تسويق نظرياتهم التي تعلموها في الجامعات الاسرائيلية والآن يعلمونها بدورهم لطلابهم.
منهم من يدعي أن دولة إسرائيل لم تعد ذلك الكيان الكولونيالي الذي اقامته الحركة الصهيونية قبل 60 عاما، بل اصبحت دولة عادية تعبر عن حق تقرير المصير للشعب اليهودي الاسرائيلي. ومنهم من يزعم أن الصهيونية كحركة وكأيديولوجية قد انتهت ونحن نعيش فيما يسمى "عهد ما بعد الصهيونية" (بوست صهيونية). من هذا المنطلق، حتى لو قبلنا أن قيامها كان على أنقاض وعلى حساب الشعب الفلسطيني، علينا أن نعترف بحقها في الوجود كأية دولة أخرى.
هذه النظرة العامة لا تقتصر على الاكاديميين المحسوبين على الاحزاب العربية الاسرائيلية الممثلة في الكنيست فحسب بل تشمل ايضا أولئك الذين يدعون الرديكالية وينظرون لدولة ثنائية القومية، دولة لجميع مواطنيها أو دولة ديموقراطية علمانية.غير أن نظرياتهم هذه تتبخر وتتلاشى حتى قبل مغادرتهم لقاعة المؤتمرات التي يعرضون بها نظرياتهم حال اصطدامها. إذ أن دولة اسرائيل تأبى أن تغير طبيعتها وهي لا تستطيع أن تخرج من جلدها. طبيعة اسرائيل الكولونيالية ما زالت مستمرة الى هذه اللحظة وسوف تستمر ما دامت هذه الدولة قائمة. ولا يستطيع أي شخص مهما كبر لقبه الجامعي أن يقنعنا بغير ذلك. النظريات مهما كانت منمقة تبقى أعجز من أن تغير الحقائق على ارض الواقع. طبيعة هذه الدولة الكولونيالية تتجسد في كل بيت تبنيه في المستوطنات وليس في القدس والضفة الغربية فحسب، بل في الجليل والنقب وفي كل مكان في فلسطين.
بينما تتجه جميع الانظار الى بناء الاحياء الاستيطانية او وحدات السكن في القدس وضواحيها أو في الكتل الاستيطانية نتعامى عما يحصل في النقب والجليل من أعمال استيطانية. السياسة واحدة والاهداف واحدة. أستطيع أن أجزم أن وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية في هذا المجال أفضل بما لا يقاس من وضعنا في الداخل، على الاقل هناك مازال الفلسطينيون يملكون أكثر من نصف الاراضي بينما لا نملك نحن أكثر من 3% من الاراضي. وما زال العالم يرى بها أراض محتلة بينما نحن جزء من دولة مستقلة، والأهم من ذلك كله، ما زال الفلسطينيون في الضفة يقاومون الاستيطان بجميع اشكاله ويقدمون التضحيات في سبيل ذلك، بينما نحن خضعنا للأمر الواقع وأصبحنا نشارك الحكومة حتى في استعمال مصطلحاتها وأصبحنا نسمي الاستيطان تطويرا. فهناك ثمة سياسة لتطوير الجليل والنقب تشرف عليها وزارة خاصة وكل ما ينبغي علينا عمله هو المطالبة بالحصول على حصة أكبر. قبل ايام نشرت جريدة هآرتس تقريرا عن "تطوير الجليل والنقب" تقوم بتمويله ليس فقط الحكومة الاسرائيلية بل بمشاركة فعالة للتنظيمات الصهيونية في أمريكا والعالم حيث تم جمع 60 مليون دولار كمساهمة في حملة استيطانية جديدة سيكون ضحاياها المباشرين بدو النقب والقرى العربية في المثلث والجليل. سياسة التطهير العرقي التي بدأت في عام 1948 ما زالت مستمرة وجميعنا نشعر بها على أجسادنا ولكن كيف نواجهها؟ بالشعارات والخطابات والتباكي والتسول على ابواب المسؤولين، ولكن الاخطر من ذلك كله هي تلك التنظيرات التي يروج لها بعض المثقفين والتي تؤمن للحكومة التبريرات اللازمة للإستمرار بسياستها الكولونيالية العنصرية.
فلسطين بإسرها ترزح تحت الاحتلال والشعب الفلسطيني بجميع أماكن تواجده يعاني من هذا الاحتلال. ولكن ككل إحتلال في العالم وفلسطين ليست إستثناء، يوجد هناك فئات مستفيدة تتعاون مع المحتلين من أجل تحقيق مكاسب خاصة، ويوجد هناك فئات خاملة أو متهادنة، ولكن يوجد هناك دائما فئات مقاومة وهي التي تصنع التاريخ في نهاية المطاف.
لا يكفي أن نردد صباحا مساء، أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ولا يكفي أن نربت على أكتفنا ونعلل نفوسنا المهزومة بأننا الجزء الباقي المتشبث بإرضه حتى نرسخ وجودنا على هذه الارض ونستعيد حقوقنا السليبة. علينا أولا وقبل كل شيء أن نتخلص من أوهام المواطنة المزيفة التي تروجها السلطة ويقوم على تجميلها نخبة من المثقفين. ينبت الى جانب القمح الزوان ويختلط به ولكن مهمتنا هي أن ننقي القمح من الزوان.

Wednesday, June 18, 2008

توضيح أخير حول المؤتمر" الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين"


في إطار النقاش الذي أثاره ودعا اليه مؤتمر حيفا: "من أجل العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" الذي بادرت له حركة أبناء البلد، كنت قد نشرت مقالين تناولا بشكل نقدي الاطروحات المنشورة في الموقع الرسمي للمؤتمر وكذلك الكم الهائل حول هذا الموضوع في العديد من المواقع الاخرى. وقد اثار هذين المقالين استياء بعض الرفاق من المبادرين والقيمين على المؤتمر مدعين بأنني أوزع الاتهامات وأصدر الاحكام جزافا وألجأ الى التعميم وغير مطلع على كل ما كتب ونشر في هذا الموضوع.
لكي لا يتحول الحوار الى جدل بيزنطي لا طائل منه، يدور في فراغ ولا يستمع به أحد للآخر لذلك فضلت عدم الرد على كافة ردود الفعل هذه وبالمقابل الاكتفاء بتأكيد النقاط التي أراها اساسية في هذا الموضوع وتوضيح بعض الالتباسات في طرحها السابق.
لقد قلت أن المنادين بحل الدولة الواحدة، او الدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون "خليطا غريبا" وبالرغم من الاختلاف فيما بينهم فثمة خطوط عامة مشتركة تربطهم جميعا. وأحد الخطوط العامة هذه والتي تناولتها بالنقد هو: " تغييب الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني وبالتالي تغييب الطابع التحرري للنضال ضد هذا الكيان".
مما لا شك فيه أن كل تعميم هو خاطئ أو على الاقل صحته نسبية، ولكن في بعض الاحيان، وفي سياق النقاش العام لا بد منه. فمثلا الرفيق سلامة كيلة، رئيس تحرير موقع أجراس، يقول انه هو والعديد من المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية، ليس فقط انهم لا يغيبون الطابع الكولونيالي لدولة اسرائيل بل على العكس فإنهم حريصون على تأكيده، وبالتالي يرون بشعار الدولة الديموقراطية العلمانية شعارا تحرريا.
حسنا جدا، كما يقول المثل، الطريق الى جهنم مليء بالنوايا الحسنة. الطابع الكولونيالي للكيان الصهيوني حقيقة تاريخية وسياسية. ولا يتغير شيء على هذه الحقيقة اذا اعترف بها البعض وانكرها البعض الآخر. المهم هو كيف نتعامل مع هذه الحقيقة. انا أدعي أن البعض يتعامل مع هذا الكيان كدولة عادية هذا بالرغم من معرفته بطابع هذا الكيان الكولونيالي العنصري. وهنا يدخل العديد منا في تناقض داخلي: كيف يمكن رفض هذا الكيان وقبوله بشكل ما في آن واحد؟ لنأخذ مثلا موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الفصيل الاكثر جذرية في طرحه لشعار الدولة الديموقراطية العلمانية. هذا الموقف يؤكد على الطبيعة الكولونيالية للكيان الصهيوني وعلى ضرورة إنهائه من جهة، ولكنه يتشبث بما يسمى ب"الشرعية الدولية" من جهة أخرى. هذه "الشرعية" التي منحت الكيان الصهيوني "شرعيته". ألا يوجد تناقض داخلي في هذا الموقف؟
على كل حال وإختصارا للنقاش، كل ما اردت أن اقوله ببساطة: ما دامت فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الصهيوني فالمطروح في هذه الحقبة من التاريخ هو التحرير، المطروح هو الثورة لا الدولة. هذا التحول الخطير في الاستراتيجية الفلسطينية بدأ في الدورة الثانية عشرة من المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 وتبني ما يسمى "البرنامج المرحلي" والذي اصبح اليوم برنامجا دائما. المفروض طرح قضايا الثورة للنقاش: هل ينبغي أن تكون ثورة وطنية ديموقراطية أم ثورة إشتراكية، ام ثورة اسلامية؟ ما هو البرنامج السياسي لهذه الثورة ومن هي القيادة التي تضمن إنتصارها؟ الخ. وليس المطروح حاليا الدولة، واحدة كانت او إثنتان أو أكثر، علمانية او غير علمانية، ثنائية القومية أو متعددة القوميات أولاقومية، إسراطين القذافي أو دولة جميع مواطنيها لعزمي بشارة.
بالطبع لا يمكن الفصل نهائيا بين مفهومي الدولة والثورة. وينبغي فهم العلاقة الديالكتيكية بين المفهومين. فكل ثورة لها تصورها عن الدولة التي تسعى لتحقيقها. المقصود هنا هو ترتيب الأولويات. لن أفضح سرا اذا قلت أن مفهوم "الثورة الفلسطينية" لم يعد أكثر من شعار فارغ يردده بعض الخطباء الديماغوغيين عندما ينهون خطاباتهم: "وانها لثورة حتى النصر".
من هذا المنطلق أكرر أن طرح "الدولة الفلسطينية" على كافة اشكالها يغيب طرح الثورة والتحرير. ولا استطيع استثناء طرح "الدولة الديموقراطية العلمانية" من هذا السياق. هذا الشعار أصبح قناعا يختبئ وراءه العديد من الانتهازيين. فثمة مفاوض فلسطيني فاشل يهدد إسرائيل بأنها اذا لم تسرع بإقامة الدولة الفلسطينية الى جانبها فأنه سوف يطالب بدولة واحدة. وآخر يقول: فقط في إطار الدولة الواحدة تستطيع الكتل الاستيطانية الصهيونية في الضفة الغربية أن تبقى مكانها بينما حل الدولتين يحتم تفكيكها. هذه القضية تلتبس على الرفيق سلامة كيلة في رده المذكور عندما يقول: اليهود المستوطنون، نطردهم ام نقبل بهم؟ ويجيب قائلا: الحل الديموقراطي يقوم على قبول من تبقى منهم.
اليهود كمستوطنين لا حق لهم في العيش في أي مكان في فلسطين او خارج فلسطين. فقط بعد القضاء على الطبيعة الكولونيالية لتواجدهم ونزع صفة الاستيطان عنهم وبعد أن يصبحوا مواطنين عاديين كغيرهم يمكن القبول بهم. فالقضية لا تكمن في كونهم يهودا أم لا بل في كونهم مستوطنين أم لا.
القضية الاخرى التي يتحاشى المؤتمر، حسب رأيي، الخوض بها هي قضية القومية العربية والوحدة العربية بما يتجاوز الشعارات الروتينية. وهذا المكان أضيق من تناول هذه القضية بإسهاب وآمل أن تجد متسعا في ورشات عمل المؤتمر.
لكي يصبح شعار"الدولة الديموقراطية العلمانية" شعارا نضاليا وليس تصفويا يجب أن يناقش كل هذه القضايا بجرأة ويحدد موقفا واضحا منها.

Tuesday, June 17, 2008

قطاع غزة: سنة أولى حماس



قبل سنة، في أعقاب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، كتبت قائلا:" لم ولن اذرف الدموع على تنظيف غزة من موبقات عصابات ما يسمى بالأمن الوقائي التي شكلها دحلان بتمويل وتسليح وتدريب إسرائيلي- أمريكي لكي تسهر على أمن قوات الاحتلال الإسرائيلية زارعة في الأراضي الفلسطينية الموت والدمار والخوف". وأضفت قائلا:" ولكن، وفي الوقت نفسه لم ولن أصفق لحماس ولانتصارها الباهر، هذا الانتصار الذي هو أشر من الهزيمة. لم ولن أوزع الحلوى وأشارك نسائهن الزغاريت وأطلق النار بالهواء واصرخ: الله أكبر، الله وأكبر وكأنهم حرروا تل أبيب".
سنة طويلة مرت على تلك الاحداث، سنة غزيرة بالدم الفلسطيني، خصبة بالألم والمعاناة والجوع والحصار. نعم، لقد تخلصت جماهير غزة من موبقات عناصر الامن الوقائي الفاسدين غير المأسوف عليهم من غير رجعة، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يسأل بعد مرور سنة هو: هل إستطاعت القيادة البديلة لحركة حماس أن تقود الشعب الى بر الامان؟ او على الاقل هل استطاعت أن تدخل بصيصا من النور الى مستقبل نفق غزة المظلم؟
لا أريد هنا ان أتكلم عن الحصار التجويعي المجرم الذي يفرضه العالم أجمع على قطاع غزة. وأنا اقول العالم اجمع وهذا لا يعني اسرائيل وامريكا فحسب بل اولا وقبل كل شيء الدول العربية والسلطة الفلسطينية. إن هذا الحصار هو وصمة عار في جبين الانسانية ولكن في المقام الاول في جبين الوطن العربي من المحيط الى الخليج. لماذا نلوم الاسرائيلي الغاصب لإغلاقه المعابر ولا نلوم أكبر دولة عربية لإغلاقها معبر رفح والتهديد بكسر رجل كل من تسول له نفسه إجتياز الحدود بحثا عن رغيف الخبز؟ وكيف لا نلوم السلطة التي تحرض النظام المصري وتحذره من إجتياح الفلسطينيين للحدود المصرية؟ أمور لا تصدق.
ولكن هذا الحصار الاجرامي يجب الا يشكل تبريرا لأخطاء حماس أو غيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية، ويجب ألا يكون شماعة نعلق عليه أخطاءنا وتخبطنا وإنتهازية زعمائنا.
بعد سنة، من حق جماهير الشعب الفلسطيني، وخصوصا جماهير غزة، أن تعرف ما هي حقيقة سياسة حماس وخصوصا في الامور الاساسية التالية:
أولا): الحوار الفلسطيني من أجل إنهاء حالة الانقسام الداخلي: أو كما تصفه السلطة:" إنهاء الانقلاب على الشرعية الفلسطينية". هل يوجد حوار أم لا يوجد؟ ما هي قواعد هذا الحوار إذا وجد وما هي غاياته؟ وهل من أجل الحوار يجب أن نطير من مكة الى صنعاء الى دمشق الى القاهرة؟ بماذا يختلف هذا الحوار عن حوار الطرشان؟ وهل من المعقول أن يؤدي مثل هذا الحوار الى نتائج إيجابية ما دام يقوده ويحدد أجندته رجل المخابرات عمر سليمان؟ يدعو محمود عباس للحوار عندما يشعر بخيبة أمل من صديقه أولمرت ومن وعوده العرقوبية. وذلك لكي يستعمل الحوار كورقة ضغط للحصول على بعض التسهيلات من سلطات الاحتلال يلوح بها لمؤيديه. بينما تدعو حماس للحوار كلما زاد الضغط الاوروبي والعربي عليها. مثل هذا الحوار اصبح يثير الغثيان عند غالبية الشعب الفلسطيني. الحوار الوحيد الذي ينبغي أن يلتف حوله الفلسطينيون بغض النظر عن إنتماءاتهم التنظيمية هو كيفية مواجهة ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
ثانيا): التهدئة: أصبح الكلام عن التهدئة بالنسبة لحركة حماس مثل الكلام عن المفاوضات بالنسبة للسلطة. فالكلام حول التهدئة أصبح مثيرا للإشمئزاز لا يقل عبثية عن الكلام حول المفاوضات. في الضفة الغربية تقوم اسرائيل يوميا بتوسيع الاستيطان وتهويد القدس وبناء الجدار العازل وهدم البيوت والاجتياحات المتكررة للمكان الذي تريده، وبعد هذا كله تنادي للمفاوضات. حيث يبتلع المسؤولون الفلسطينيون هذا الطعم ويطفون على شبر من الماء ويدخلون في مفاوضات لا بداية لها ولا نهاية. أما في قطاع غزة، فهم يقصفون ويدمرون ويغتالون وفي الوقت نفسه يتكلمون عن التهدئة. وكالعادة نسير وراء سراب الوعود الاسرائيلية. ونتحول من ضحايا الى مجرمين في أعين العالم. هل تنسجم المقاومة مع التهدئة؟
ثالثا: يجب على حماس أن تحسم موقفها: هل هي مع اتفاقيات اوسلو أم ضدها؟ لا يمكن أن تمسك الحبل من الطرفين، ولا تستطيع أن تأكل من الكعكة وتبقيها سالمة في الوقت نفسه. إن المواقف المتناقضة لا يمكن أن تنطلي على الجميع والى الابد، بل هي من حيث طبيعتها قصيرة الامد. لا يمكن أن تعارض الاتفاقيات التفريطية وفي الوقت نفسه تنخرط بها. لا يمكن أن تعارض السلطة المنبثقة عن هذه الاتفاثيات وتنخرط بها حتى النخاع. ما الفرق بين التسويات المطروحة وبين التهدئة طويلة الامد التي تتكلم عنها حماس. ومن حقنا أن نتساءل: اليس الصراع بين فتح وحماس هو في نهاية المطاف على سلطة أوسلو؟
في الامور المبدئية المصيرية لا يوجد حل وسط. وينبغي قيادة النضال الى نهايته الحتمية، الى التحرير الكامل والشامل. لقد أثبت الشعب الفلسطيني بالرغم من إمكانياته المحدودة والمتواضعة أنه لا حدود لصموده ولا حدود لتضحياته. المطلوب هنا من القيادة أن تكون على مستوى هذا الصمود. وأن تكون قادرة على تصحيح مسارها.

Wednesday, June 11, 2008

عودة الى شعار: الدولة الديمقراطية العلمانية

20-عودة الى شعار: الدولة الديموقراطية العلمانية
بمناسبة مؤتمر حيفا 21 /6/2008

في الاسبوع القادم سوف يعقد في حيفا وبمبادرة حركة ابناء البلد ومشاركة جهات أخرى مؤتمر:" حول حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين". كنت قد كتبت مقالة نقدية عن هذ المؤتمر تناولت فيها الشعار الذي اصبح موضة رائجة في صالونات بعض الاكاديميين والناشطين، بعنوان: "الدولة الديموقراطية العلمانية- برنامج نضالي أم شكل جديد لتسوية تصفوية" وقد توصلت الى نتيجة انها تسوية تصفوية أكثر من كونها برنامج نضالي. وقد سردت الاسباب التي حسب رأيي تؤكد هذا الاستنتاج. غير أن مقالة صحفية قصيرة لم تكن كافية لتناول كافة جوانب شعار "الدولة الديموقراطية العلمانية" وقد وعدت بالعودة لهذا الموضوع قبل انعقاد المؤتمر لتوضيح بعد النقاط التي غابت عن المقال الاول.
لمن فاته قراءة المقال الاول قلت هناك بإختصار أن المنادين بالدولة الديموقراطية العلمانية يشكلون خليطا غريبا من الناحية الفكرية والسياسية فمنهم من يتكلم عن دولة "ثنائية القومية" ومنهم من يتكلم عن "دولة لجميع مواطنيها" ومنهم من يتكلم عن دولة واحدة في فلسطين التاريخية من خلال القفز عن الواقع الذي فرضه الكيان الصهيوني في فلسطين على مدى 60 سنة من الاحتلال. وزعمت أن جميع المنادين بهذا الحل بالرغم من خلافاتهم الظاهرية يتفقون على تغييب طبيعة التحرير الثوري للنضال ضد الكولونيالية لصهيونية الحاكمة.
في هذه المقالة أود العودة الى المصطلحات الثلاثة التي يتكون منها هذا الشعار: دولة – ديموقراطية – علمانية محاولا إعادة تعريفها خصوصا واننا نستعملها بطريقة خاطئة وإما بطريقة مغرضة كل حسب نواياه وإما بدون وعي لما تعنيه هذه المصطلحات. وفي جميع الحالات النتيجة واحدة: بلبلة وعدم وضوح في الرؤيا وبالتالي الانزلاق الى متاهات الانتهازية والتفريط.
الدولة:
من افلاطون وارسطو مرورا بالفارابي وابن خلدون وجان جاك روسو وهوبس ولوك الى ماركس وانجلز ولينين وباقي الفلاسفة الاجتماعيين والسياسيين تنوعت تعريفات الدولة وإختلفت فيما بينها إختلافا كبيرا. ليس هنا المكان الملائم للخوض في هذه التعريفات وفي هذه الخلافات. ولكن بما أن حركة ابناء البلد، وأنا ايضا، نتبنى التعريف الماركسي – اللينيني للدولة بالرغم من كافة التحريفات التي طالت هذا التعريف من الذين يتبنون الماركسية اللينينية انفسهم ومن غيرهم ومن كافة أشكال سوء الفهم له فلا غرابة أن ننطلق من هذا المفهوم.
المفهوم الماركسي للدولة الذي يرتكز على الفهم المادي لتطور التاريخ البشري يقول بإختصار: بما أن المجتمع البشري هو مجتمع طبقي في جوهره ويتطور من خلال الصراع الطبقي فالدولة هي هيئة، جهاز للسيادة الطبقية، هي نتاج المجتمع عند وصوله الى درجة من تطوره وتورطه في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله. أي أن الدولة هي اداة للسيطرة والقمع في ايدي الطبقة او الطبقات السائدة وليست "عقد" أو "اتفاق" طوعي بين مركبات المجتمع لترتيب الامور الحياتية كما يروج علم الاجتماع البرجوازي. الدولة هي جهاز قمعي متكامل يمتلك الجيش المحترف والشرطة والسجون والبيروقراطية الادارية والسياسية ولكنه ايضا لكي يقوم بمهمته على افضل وجه يقوم بإفراز ايديولوجية سلطوية سائدة وقمع للايديولوجيات المناوئة، ومن اجل ذلك يقف ظاهريا فوق المجتمع وكأنه منفصل عنه هدفه تلطيف الصدام بين الطبقات المتناقضة في إطار المحافظة على النظام. هذه الخاصية تخدع العديد من الجماهير المسحوقة التي تتوهم أن الدولة هي لجميع المواطنين على قدم المساواة وليس للطقات السائدة. في هذا العصر وصلت الدولة الى ذروة تطورها إلا أن جوهرها لم يتغير. فهي ما زالت جهازا للقمع في يد الطبقة البرجوازية المسيطرة في معظم بلدان العالم.
التغيير الاجتماعي الثوري في بلد ما يحتم القضاء على جهاز الدولة التي أنشأته الطبقة السائدة. حتى الآن كانت الطبقات الثائرة تحافظ على هذا الجهاز في اعقاب الاستيلاء على الحكم أو تستعيض عنه بجهاز مشابه سرعان ما يتحول هو الاخر الى أداة سيطرة وقمع. ومن هنا جاءت الفكرة الماركسية التي تقول: أن القضاء على المجتمع الطبقي سوف يؤدي بالضروة الى الغاء الدولة. في هذه النقطة بالذات، مبدأ الغاء الدولة كدولة، تلتقي الماركسية مع الفوضوية. الخلاف فيما بينهما تمركز حول نقطتين اساسيتين: الاولى، من هي الجهة المهيئة تاريخيا بالقيام بهذه المهمة؟ الماركسية قالت البروليتاريا الثورية هي الطبقة الوحيدة القادرة على ذلك، بينما أنكرت الفوضوية ذلك وركزت على العمل الفردي. النقطة الثانية: رأى ماركس أن القضاء على المجتمع الطبقي ومن ثم الغاء الدولة لن يتم مباشرة بل سوف تكون هناك فترة إنتقالية يكون شكل الحكم فيها "ديكتاتورية البروليتاريا الثورية" بينما طالب الفوضويون إلغاء الدولة مباشرة. وقد شن ماركس هجوما عنيفا على الفوضويين وخصوصا أتباع لاسال الاشتراكي الذي نادى برفع شعار "الدولة الحرة" لأن هذا المصطلح يحتوي على تناقض داخلي، فالدولة في طبيعتها لا يمكن أن تكون حرة.
مهما كانت النظرية جميلة ومنطقية وخلاقة الا أنه فقط من خلال الممارسة العملية ممكن ان تثبت صحتها او عدمها. ليس سرا أن تطور المجتمع البشري في القرنين الاخيرين، وعلى ضوء الثورات العديدة منذ الثورة الفرنسية الكبرى مرورا بكومونة باريس وثورة اكتوبر في روسيا وحتى الثورات في الصين وكوبا وفيتنام وغيرها من البلدان قد أبرزت فجوة ساحقة بين النظرية والممارسة. مما يحتم إعادة النظر في النظرية وفي الممارسة على حد سواء.
لنعود الى حالتنا هنا، ولنطرح السؤال التالي: ما هي طبيعة "الدولة الديموقراطية العلمانية" التي نتكلم عنها؟ هل هي دولة طبقية؟ وما هي الطبقة او الطبقات السائدة؟ هل ستكون شكلا من "ديكتاتورية البروليتارية الثورية"؟ اذا كان الامر كذلك فلماذا لا نسمي الاشياء باسمائها؟ وهل هذه الدولة تعني القضاء على جهاز سلطة الدولة الذي أنشأته الحركة الصهيونية والتي تسمى اسرائيل؟ أم الحفاظ عليه بعد ترميمه وتحويله سلميا الى هيئة لسيادة الطبقية الجديدة؟ مما لا شك فيه أن معظم الذين ينادون بالدولة الديموقراطية العلمانية الآن يتبنون المفهوم البرجوازي الليبرالي للدولة خصوصا عندما يقرنونها بالدموقراطية.
أنا شخصيا أتبنى الفكرة التي تقول أن الدولة، كل دولة، هي جهاز للقمع يجب مبدئيا القضاء عليه. وإذا كان لا بد من "دولة" جديدة من أجل القضاء على الدولة البائدة، فلا بد أن تكون هذه الدولة "ديكتاتورية ثورية" في أيدي البروليتاريا والطبقات المسحوقة بشرط ألا تكتفي بالقضاء على الدولة البائدة بل تعمل في الوقت نفسه على الغاء نفسها ايضا.

الديموقراطية:
لعل هذا المصطلح من أكثر المصطلحات الذي نال نصيبه من حيث التحريف والتشويه والترويج حتى اصبح أكبر كذبة في العصر الحديث. فقد أحتلت بريطانيا معظم العالم ونهبته تحت شعار الديموقراطية. وقامت الولايات المتحدة الامريكية بشن الحروب البشعة في كوريا وفيتنام وافغانستان والعراق وغيرها بحجة نشر الديموقراطية أو الدفاع عنها. بينما تمارس اسرائيل جرائمها ضد الشعب الفلسطيني وضد الانسانية متلفعة بقناع الديموقراطية.
لنعود قليلا الى الجذور. هذه الكلمة اليونانية الاصل تعني حرفيا حكم الشعب. وهذا يقودنا الى مصطلحين جديدين تعريفهما بحد ذاته يشكل قضية فلسفية من الدرجة الاولى. ما هو الحكم؟ ومتى يكون الحكم ضروريا وعادلا؟ وما هو تعريف الشعب؟ حسب رأيي يحتوي المصطلح نفسه تناقضا مستعصيا. هل يستطيع الشعب أن يحكم؟ ويحكم من؟ هل يحكم غيره أم يحكم نفسه؟ فأذا كان الاول هو الجواب الصحيح (يحكم غيره) فكيف يكون ديموقراطيا؟ واذا كان الثاني (يحكم نفسه) هو الجواب الصحيح، فما هي ضرورة لذلك؟ تعريف الشعب عند اليونان كان يستثني النساء وهم نصف الشعب. وكان يستثني العبيد وهم أكثر من ضعف الشعب. أثينا القديمة التي تعتبر منبع الديموقراطية لم تكتف بإقصاء النساء والعبيد عن الحكم بل قامت أيضا بشن الغارات والحروب على جيرانها واحتلت بلدانهم. ولا ننسى أن هذه الديموقراطية اعدمت اول شهيد سياسي الا وهو الفيلسوف سقراط. إذن، "الديموقراطية" هي شكل من أشكل الحكم وقد يدعي البعض انها بالرغم من جميع مساوئها هي أفضل شكل. ولكن من يرفض الحكم أصلا لا يستطيع أن يقبل شكل من أشكاله. الديموقراطية في شكلها الحديث، البرجوازي الليبرالي، هي من أسوأ اشكال الحكم. وكما وصفها ماركس: الديموقراطية البرجوازية هي أن تمنح المسحوقين الحرية كل بضع سنوات أن يختاروا من يسحقهم ويستغلهم.
هل يوجد هناك ثمة ديموقراطية أخرى غير الديموقراطية البرجوازية؟ يجيب اليساريون العرب: نعم هناك الديموقراطية الشعبية. وعندما تسألهم: أين توجد هذه الديموقراطية؟ يبحثون عنها في اروقة الكي جي بي والستازي. علينا أن نتحرر من سحر هذه الكلمة المخادعة ونكف حتى عن استعمالها. أنا شخصيا أقترح استعمال كلمة "التحررية" في كل مكان تظهر به كلمة "الديموقراطية".
التحررية تعني اللاسلطة، تعني اللاحكم. تمزج بشكل خلاق بين الحرية الفردية والادارة الجماعية للمجتمع القائمة على الوعي الثوري ونبذ الاستعباد والاستغلال مهما كان شكله.
ماذا يقصد رفاقنا عندما يطالبون بدولة ديموقراطية؟ انتخابات للكنيست الصهيوني مرة كل 4 أعوام؟ لكي تقوم هذه بسن القوانين العنصرية "ديموقراطيا" لقمعنا؟ أم إحتلالنا إحتلالا متنورا يحصد أجسادنا بالاسلحة الحديثة؟ إذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل هي النموذج الارقى للديموقراطية، فأقول لهذه الديموقراطية: لا شكرا فأنا لا ديموقراطي.

العلمانية:
هذا المصطلح هو الآخر نال نصيبه من الاختلاف والتشويه والتزوير. وأنا هنا لست بصدد تعريف جديد لهذا المصطلح. تعدد التعريفات في هذه الحالة ليس بالضرورة سلبيا بل على العكس من ذلك تماما إذ يغني محتواه ومضمونه. العلمانية تعني من ضمن ما تعنيه فصل الدين عن الدولة في السياسة. ولكنها تعني في الوقت نفسه حرية المعتقدات والتدين. يستطيع كل إنسان أن يكون متدينا بالطريقة التي تقنعه في حياته الخاصة وأن يكون علمانيا في حياته العامة. الحل الفلسفي للتناقض بين الدين والعلمانية يكمن في جعل هذا التناقض مستحيلا. الدولة العلمانية يجب الا تشجع أية معتقدات دينية وفي الوقت ذاته ألا تمنع أية معتقدات دينية. الدين هو قناعة ذاتية بحت وعلى الانسان أن يملك حرية أن يكون متدينا بالدين الذي يختاره بمحض إرادته أو أن يكون ملحدا. الدولة، مهما كانت، لا تملك حق التدخل في هذا المجال. الدولة العلمانية لا تعني ملاحقة النساء المحجبات ومنعهن من دخول الجامعات أو المؤسسات العامة كما هو الأمر في تركيا وفرنسا مثلا. تماما كما لا يحق للدولة ملاحقة غير الملتزمين بالصوم أو راحة يوم السبت مثلا. على العكس من ذلك تماما: على الدولة العلمانية ان توفر الحماية للمرأة المحجبة كما عليها أن توفر الحماية لمن لا يصوم ولمن يقود سيارته يوم السبت. العلمانية في نهاية المطاف هي مبدأ انساني.
وأخيرا، لنعود الى مؤتمر "حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين" المزمع عقده في حيفا قريبا. وأقول: ما دمنا نخشى الخوض في أعماق المفاهيم التي نرددها يوميا فلن يتمخض عن هذا المؤتمر سوى الشعارات الرنانة الجوفاء. وما دام المنادون بهذا الشعار يدفنون رؤوسهم بالرمل ويدعون أن أحدا لا يراهم فلن يكون هذا المؤتمر أكثر من ذر الغبار في العيون. يجب أن نقولها بصراحة أية دولة نريد وأية دولة نرفض، والى اية ديموقراطية نصبو وبأية علمانية نطالب.

Tuesday, June 10, 2008

جادلهم بالتي هي أحسن يا شيخ


في عدد الاسبوع الماضي من جريدة العنوان الرئيسي (6-6-2008) نشر الرفيق الشيخ عبد الحكيم مفيد مقالا إحتفاليا هجوميا بالانتصار الذي حققته الحركة الاسلامية في جامعة تل ابيب. وأنا اصر على تسميته ب"الرفيق الشيخ" ليس من باب التهكم لا سمح الله بل من باب التحبب، إذ قبل أن يغير قناعاته وينتقل الى المعسكر الآخر كان رفيقا. صحيح كان رفيقا في حركة ابناء البلد وليس في الجبهة الديموقراطية ولكنه في مقاله المذكور لا يوفر احد، فكل من خارج الحركة الاسلامية فهو مستهدف.
للوهلة الاولى يبدو غريبا أن أحشو انفي في هذه المسألة. فأنا كما هو معروف غير منتمي لأي حزب أو تنظيم كان، ولم أعد طالبا جامعيا، مع أني أب لطالبتين جامعيتين نشيطتين. غير أن هذا المقال اعادني الى ذكريات كاد الزمن أن يطمسها عندما كنت طالبا في الجامعة وكنت نشيطا على طريقتي الخاصة (خارج لجنة الطلاب العرب التي يبدو انها لم تتغير كثيرا منذ ربع قرن).
خلاصة المقال المذكور، أن الحركة الاسلامية تمتلك مشروعا بينما باقي التنظيمات، حتى ولو كان لديها مشروع، فمشروعها هو الانتخابات بحد ذاتها. اي أن الانتخابات بالنسبة للحركة الاسلامية هي وسيلة لتحقيق هدف سام. ومن هذا المنطلق فإن الارقام مع اهميتها ليست الاساس. بينما بالنسبة للآخرين قالانتخابات هي الهدف. ولكن في خضم حماسه من نتائج الانتخابات فقد نسي أن يخبرنا ما هو هذا المشروع ؟ اللهم سوى بعض العبارات الروتينية مثل: "التيار الاسلامي شيء طبيعي للغاية في حياة الناس وهو جزء من فطرتهم، اصيلا وليس دخيلا". أو "التيار الاسلامي يعيد ترتيب علاقة الناس بالدين في معظم مجالات الحياة". الخ. ولكن يا شيخ من قال لك أن التيارات الاخرى ليست طبيعية للغاية وليست جزءا من فطرة الناس الذين يؤمنون بها؟ ومن يقول أن التيارات الاخرى لا تعيد ترتيب علاقة الناس، ربما ليس بالدين ولكن في مجالات الحياة الاخرى؟.
يصل مقال عبدالحكيم ذروة تجنيه في العنوان الذي إختاره له وكأن "اصوليات" "وأصوليو" الحركة الاسلامية الذين حققوا الفوز في الانتخابات قد بنو المجد بينما يرتع الخاسرون في "حضيض بوهيميا تل أبيب". مثل هذه الالفاظ لا تليق بك يا شيخ. لا أريد هنا أن اردد مثلنا الممجوج الذي يقول:"إختلاف الراي لا يفسد للود قضية". إذ في كثير من الاحيان وعندما يكون الاختلاف مبدئيا قد يفسد أمور كثيرة. ولكن نصيحة، من شخص غير متدين، أن تضع نصب عينيك في نقاشاتك ومجادلاتك الآية القرآنية المذكورة أعلاه: "وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل 124). فما الفرق بين من يصفونك بالظلامية والتخلف والانغلاق وما الى ذلك من هذه المصطلحات وبين أن تصفهم بالدخلاء والسقوط بالحضيض؟ الشتائم هي الشتائم يا رفيقي ليس عندما تسمعها فقط بل عندما تقولها أيضا.
لنعد الى لجنة الطلاب العرب والى دورها، ولنتطرق قليلا الى دور طلابنا الجامعيين في المجتمع. وأرجو الا أظلم أحد في انتقادي القاسي هذا.
أنا ازعم بكل بساطة وصراحة أن الاحزاب السياسية العربية الفاعلة على الساحة من غير استثناء قد جلبت كافة سلبياتها والصقتها بهذه اللجنة التي تسمي نفسها مجازا "لجنة الطلاب العرب". فكما تكاد هذه الاحزاب لا تتذكر المواطن العادي إلا في ايام الانتخابات كذلك لا تتذكر هذه اللجنة والقوائم التي تؤلفها الطالب العادي إلا في يوم الانتخابات. وكما تثرثر هذه الاحزاب طول الوقت عن خدمتها للجماهير ودفاعها المتفاني عن حقوقها تقوم لجان الطلاب بالثرثرة عن الدفاع عن حقوق الطلاب. ولكن كما تعلم الثرثرة عمرها ما انتزعت حقوق ولا دافعت عنها. الشيء الوحيد الذي كانت لجنة الطلاب تنجح في تنظيمه (قبل حوالي ربع قرن، هل يوجد الآن اي تغيير؟!!) هو حفلة "يوم الطالب" السنوية.
,اكاد أجزم، وقد يكون هناك بعض الاستثناءات، أن الطلاب النشطاء باللجنة، المتفرغين، الكوادر، هم من الطلاب الفاشلين تعليميا والذين يقضون معظم أوقاتهم يتسكعون في الكافيتيريا او ينبطحون على العشب او يحتلون المقاعد في بعض الاروقة الاستراتيجية. وبدل أن ينهوا دراستهم للقب الاول في ثلاث سنوات ينهونها في ست سنوات او يغادرون الجامعة من غير ان ينهوا دراستهم. وفي كثير من الحالات يكونون ممولين من الحزب الام.
يشن عبدالحكيم هجوما كاسحا على الجبهة في شخص صديق سابق له هو المحامي وليد الفاهوم لمشاركته في "التآمر" على طلاب الحركة الاسلامية في الجامعات، وقرر أن يتخلى عن هذه الصداقة بعد أن اكتشف هذا التآمر. ولكن يا شيخ الا تفعل الحركة الاسلامية الشيء نفسه؟ وماذا تردعلى الطلاب الذين يتهمون طلاب الحركة الاسلامية بانهم يتلقون الاوامر من الشيخ كمال أو غيره من قادة الحركة الاسلامية؟ وماذا يفعل أعضاء الكنيست من حزب التجمع في اروقة الجامعة يوم الانتخابات؟ لقد آن الاوان أن يرفع هؤلاء السياسيون الفاشلون ايديهم عن الجامعات وعن طلاب الجامعات. الا يكفيهم ما يسببونه من أضرار خارج الجامعات.
القضية يا شيخ ليست أن يصل التيار الاسلامي (او اي تيار آخر) الى الصدارة أو يستلم الصدارة في هذه الجامعة او تلك. السؤال الذي يجب أن يطرح: ماذا تعمل عندما تستلم الصدارة؟ وبماذا تختلف عن الذين وصلوا للصدارة من قبلك؟ وما هي الطرق التي اوصلتك الى هذه الصدارة أصلا.
هل أظلم أحدا عندما اقول أن الطلاب الجامعيين النشيطين سياسيا (ولا اقول الواعين سياسيا) عندما يعودون الى مدنهم او قراهم يندمجون في مجتمعهم العائلي او الطائفي الضيق او يهتمون بمصالحهم الشخصية ولا يساهمون بمثقال ذرة في خدمة مجتمعهم ورفع مكانته؟
فوز الحركة الاسلامية في انتخابات جامعة تل ابيب ومن قبلها في جامعة حيفا والقدس الذي يتكلم عنه عبد الحكيم ويري به فاتحة لتيار جارف ليس سوى انتصارا وهميا. إذ أن معظم الطلاب غير مبالين وغير مهتمين لا بالانتخابات ولا باللجنة المنبثقة عن هذه الانتخابات (30% من الطلاب فقط شاركوا في الانتخابات).
على عكس عبدالحكيم مفيد الذي تخلى عن صديقه وليد الفاهوم لإختلافهما بالرأي فأنا لا أتخلى عن صداقتهما بالرغم من إختلافي معهما. علينا يا مشايخ ويا رفاق أن نتدرب على التعايش بالرغم من الاختلاف.
من الحري بطلابنا الجامعيين أن ينجحوا اولا وقبل كل شيء في تحصيلهم العلمي وأن يساهموا عند عودتهم الى مدنهم وقراهم في خدمة مجتمعهم ودفعه الى الامام. وهذا لا يتناقض مع التزامهم بقضايا شعبهم اثناء دراستهم ودفاعهم عن حقوقهم.
هذه ليست دعوة للإنفضاض من حول لجان الطلاب العرب في الجامعات ولكنها بالتأكيد دعوة لإعادة بناء هذه اللجان على اسس سليمة خالية من سلبيات أحزابنا السياسية.