This is my personal blog. you can find here news from Palestine, news from Sakhnin and all kind of ideas and projects which I like to share with all of you. I'll be glad to read your comments.
Wednesday, March 24, 2010
من أجل إنقاذ الارض من يوم الارض
علي زبيدات - سخنين
لم يعد من السهل الكتابة عن يوم الأرض. خلال 34 سنة منذ يوم الأرض الأول وحتى هذا اليوم كتبنا كل ما يمكن أن يكتب حول هذه الذكرى من كافة أشكال المدح والتقييم والتحليل ولنقد. لذلك ترددت كثيرا قبل أن أكتب هذه السطور خصوصا وأنني كنت قد كتبت السنة الماضية في هذه الذكرى مقالا بعنوان: "ماذا تبقى من يوم الأرض" ووجدت أن ما كتبته في السنة الماضية يصلح لهذه السنة أيضا، وكأننا لم نتحرك قيد أنملة. وخشيت من اجترار كلماتي وأفكاري تماما كما كنت أنتقد خطباء يوم الأرض الذين يعتلون المنصات في المهرجانات القطرية والندوات المحلية ويتحفوننا بخطاباتهم المجترة التي تفيض بالشعارات الرنانة وكأن الثورة على الأبواب أو وكأنها في مراحل انتصارها الأخيرة.
للوهلة الأولى، هذا الواقع يدفع الشخص إلى الإحباط والحزن. ويطرح السؤال نفسه: متى نتعلم من التاريخ؟ ومتى نتحرر من هذه العقلية التي تقودنا دائما إلى الهزيمة؟ كما كتب نزار قباني قبل أكثر من 40 سنة في أعقاب هزيمة حزيران 1967:
" إذا خسرنا الحرب لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة"
فهل من غرابة أننا خسرنا الأرض أيضا؟ مع أننا نحقق انتصارات باهرة في خطاباتنا من على المنصات؟. الجميع يعلم أن 97% من أراضينا قد صودرت منذ قيام هذه الدولة وحتى اليوم ونحن ما زلنا نتغنى بصمودنا وبتشبثنا بالأرض . يقول بيان لجنة المتابعة بأن ذكرى يوم الأرض هي مناسبة وطنية نضالية وكفاحية وحدوية. وأنا أتساءل: بعد أن افرغ يوم الأرض من مضمونه النضالي والكفاحي ماذا تبقى غير الخطابات الملتهبة من على المنصات؟
ويواصل البيان، بعد ذكر سياسة الحكومة في ملاحقة القيادات العربية وتنامي مظاهر العنصرية والفاشية ومواصلة سياسة التمييز العنصري وتصعيد مشاريع التهويد وخصوصا في القدس والمساس بالمقدسات ومواصلة حصار غزة-وكأن هذه السياسة حصرا على الحكومة الراهنة وليست صادرة عن طبيعة الدولة ككل: تناشد لجنة المتابعة الجماهير العربية: "بالمشاركة الواسعة لتكون على مستوى الإحداث والتحديات..." كان حري بهذه اللجنة أن تكون قدوة للجماهير وأن ترتقي هي أولا إلى مستوى الأحداث والتحديات. ولكنها هذه السنة كما في السنوات الماضية كانت غارقة في الجدل البيزنطي هل يجب إعلان الإضراب العام في يوم الأرض أم لا؟ وكان القرار كما هو معروف إسقاط خيار الإضراب وعلينا أن نكتفي بما تجود به قريحة الخطباء من جواهر نضالية.
وهكذا، كلما ابتعدنا عن روح يوم الأرض النضالية كلما ارتفع صراخنا ودوت شعاراتنا الثورية. وبقينا مع ذكرى يوم الأرض ولكن بدون الأرض. وأصابنا ما أصاب النظام المصري المرتمي في أحضان الامبريالية والصهيونية الذي يحتفل سنويا بثورة يوليو ولكن بدون ثورة، أو كما أصاب السلطة الفلسطينية التي تحتفل بالانطلاقة بعد أن أجهضتها وأخمدت أنفاسها.
مما لا شك فيه أن قيادات لجنة المتابعة وخصوصا أعضاء الكنيست العرب والزعامات الحزبية المختلفة سوف يشاركون في فعاليات يوم الأرض وسوف نراهم كتفا إلى كتف في الصف الأول من المسيرة وسوف يتهافتون على الكاميرات ووسائل الإعلام ويحتفظون بخطاباتهم الملتهبة في جيوبهم لكي يفجروها من على المنصات. وفي النهاية سوف يعودون إلى مواقعهم سالمين ولسان حالهم يقول: لقد حققنا نصرا باهرا جديدا. ولكن السؤال يبقى: أين الأرض؟؟
لكي لا تتكرر المأساة، لكي لا نحقق هزيمة جديدة مغلفة بقشور انتصار وهمي، لكي لا نحول يوم الأرض إلى ذكرى ونخسر الأرض، علينا أن نتخلص من العقلية التي تكلم عنها نزار قباني في قصيدته، علينا أن نعيد التفكير في هذه الإستراتيجية العقيمة التي تحول بشكل بهلواني الهزيمة إلى انتصار.
النضال من أجل الأرض هو جزء من النضال من أجل الوطن وكلاهما لا يمكن أن يتم من خلال مؤسسات مخترقة حتى النخاع من قبل الدولة الصهيونية.
Wednesday, March 17, 2010
الخلافات الوهمية بين أمريكا وإسرائيل
الخلافات الوهمية بين أمريكا وإسرائيل
علي زبيدات – سخنين
الخلاف الإسرائيلي الأمريكي الذي طبلت له مؤخرا وزمرت وسائل الإعلام وخصوصا في العالم العربي لا يعدو كونه أكثر من زوبعة في فنجان. منذ قيامها وحتى هذا اليوم اقترفت إسرائيل، وما زالت تقترف، على مرأى ومسمع من العالم وخصوصا ما يسمى "العالم الحر" وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، جرائم تفوق بما لا يقاس من حيث بشاعتها ما تقوم به حاليا في القدس. لنذكر على سبيل المثال لا الحصر جرائم التطهير العرقي في عام النكبة، سلب الأراضي ونهب الممتلكات واحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية والمجازر العديدة التي لم تتوقف حتى يومنا هذا. كانت جميع هذه الجرائم تحظى بدعم وتأييد الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها عالمها الحر بشكل صريح ومفضوح غالبا وبشكل مبطن أحيانا. واليوم يريدون أن يقنعوننا بأن الخلاف الإسرائيلي – الأمريكي غير مسبوق، وعلى ماذا؟ لأن الحكومة الإسرائيلية أعلنت عن نواياها لبناء 160 وحدة سكن في القدس أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي. وماذا سيحدث لو أعلنت إسرائيل عن مخططها هذا قبل الزيارة أو بعدها فهل سيتغير من الأمر شيء؟ العالم بأسره يعرف إن إسرائيل بدأت استيطانها في القدس الشرقية منذ اليوم الأول من احتلالها في الخامس من حزيران عام 1967، حتى وصل عدد المستوطنين إلى أكثر من 350 ألف مستوطن ( طبعا هذا لا يشمل الاستيطان في القدس الغربية العربية أصلا). هذا الاستيطان لم يكن لينجح لولا الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته أمريكا وأوروبا لإسرائيل. الخلاصة: هل من المعقول أن يسبب بناء بعض الوحدات السكنية أزمة في العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية؟ طبعا ليس هذا من المعقول.
إذن ما هو السر في تطبيل وسائل الإعلام العربية، من حيث الأساس، لهذا الخلاف المفتعل؟ الذي انتهى أصلا بكلمة "اعتذار" قدمها رئيس الحكومة الإسرائيلية رد عليها بايدن، نائب الرئيس الأمريكي بفيض من مشاعر الحب للدولة الصهيونية. في الحقيقة لا يوجد هناك سر ولا يحزنون اللهم إلا في أعين الأغبياء أو إذا لطفنا الكلمات في أعين السذج من الناس. الإعلام العربي الرسمي يريد أن يبرر موافقة دول الجامعة العربية العودة إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة هذه المرة. وقد بلغ استخفاف هذا الإعلام الرسمي بعقول الشعوب العربية ذروته: ترى، 20 عاما من المفاوضات المباشرة لم تحقق شيئا يذكر فهل المفاوضات غير المباشرة قادرة على ذلك؟ الإعلام العربي الرسمي مفلس وهذا أمر طبيعي لأنه يروج لأنظمة مفلسة.
إذا كان الخلاف الإسرائيلي – الأمريكي زوبعة في فنجان فإن الأنظمة العربية تطيش على شبر من الماء. العلاقة بين كيان الاستيطان الصهيوني في فلسطين وبين الامبريالية الأمريكية هي علاقة عضوية لا تتأثر بهذا الرئيس أو ذاك، برئيس الحكومة هذا أو ذاك. أنها علاقة تربط نظام امبريالي عالمي واحد متعدد الأذرع. من يراهن على خلاف إسرائيلي – أمريكي تكون نتيجته أن تتخلى أمريكا عن إسرائيل أو أن تمارس ضغطا حقيقيا عليها فرهانه خاسر.
عندما كان لدينا في الماضي تنظيمات يسارية، مهما كانت تعني هذه الكلمة الفضفاضة، ومهما كانت هذه التنظيمات تعاني من جمود عقائدي ومن قطيعة شبه كاملة بين النظرية والممارسة، كانت على الأقل ترفع بعض الشعارات الصحيحة. وأحد هذه الشعارات التي يجب العودة إليها ورفعها عاليا هو الشعار الذي يقول أن النضال من أجل الحرية والتحرير يجب أن يكون ضد العدو المشترك المكون من الصهيونية والامبريالية العالمية والرجعية العربية.
اليوم أصبحت الصورة واضحة تمام الوضوح وأكثر من أي وقت مضى، هناك معسكر واحد موحد، يمارس سياسة واحدة، كل طرف من مكوناته يقوم بدوره على أتم وجه. لا يمكن الانفراد بطرف والتغاضي عن طرف آخر. إذا كان هذا المعسكر يضم الامبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية وكافة الأنظمة الرجعية في العالم، فلا بد من مواجهته بمعسكر آخر مكون من الشعوب والطبقات المضطهدة في العالم. يجب مواجهة العولمة الامبريالية الرجعية بأممية إنسانية تقدمية. هذا ليس شعارا أكل الدهر عليه وشرب كما قد يظن البعض بل هو حقيقة واقعة ويصبح أمرا واقعيا كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه. إذا كان العالم قد أصبح بالنسبة للنظام الرأسمالي العالمي قرية صغيرة فلماذا ندع هذا النظام يسرح ويمرح بها؟ أليست هي قريتنا أيضا.
ليس من الضروري أن يكون المرء ماركسيا أو إسلاميا لكي يرى كيف تتحول قضايا محلية إلى قضايا عالمية وكيف تتطور التناقضات وتتغير التحالفات وتتحول الظواهر إلى نقيضها.
لقد آن الأوان، في هذه البقعة من الأرض، أن ندرك أن نضالنا من أجل الحرية هو جزأ لا يتجزأ من النضال التحرري الذي تخوضه الشعوب الأخرى في جميع أرجاء العالم لأن معسكر الأعداء واحد. يجب إلا نخدع بالذين يضعون الأقنعة الوطنية والقومية على وجوههم ولكنهم في الحقيقة يخدمون الامبرياليين.
Tuesday, March 09, 2010
ماذا سيكون مصير اليهود بعد زوال دولة إسرائيل؟
علي زبيدات – سخنين
نشر احد الصحفيين الصهاينة مقالا حول هذا الموضوع مؤخرا في جريدة هآرتس تحت عنوان:"ماذا سيحدث لو هزمنا؟". يعد هذا المقال نموذجا كلاسيكيا للدعاية الصهيونية التي نصب أعينها تحقيق غايتين، الأولى: نشر الخوف والرعب في قلوب اليهود أنفسهم وكأن كارثة جديدة على الأبواب والثانية: التحريض المنفلت على الفلسطينيين والعرب.
من جهة أخرى يلاقي هذا الموضوع إهمالا عاما ومريبا من قبل وسائل الإعلام العربية مما يترك الساحة فاضية أمام الدعاية الصهيونية تصرح وتمرح بها حيثي تقوم ببث سمومها وبعملية مسح دماغ واسعة تشمل كافة أرجاء المعمورة.
يفهم من المقال المذكور للصحفي الصهيوني أن هناك رأيان أو تياران بين اليهود حول هذه المسألة ولكليهما حسب رأيي لا أساس من الصحة. الرأي الأول تتبناه وتنادي به الأوساط الإسرائيلية الليبرالية التي تعتقد بإمكانية التوصل إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين والعرب. وهذا الرأي يقول أنه في حالة هزيمة إسرائيل من قبل تحالف إيراني عربي أو أي تحالف آخر فإنه سوف يتم احتلال إسرائيل وسيكون مصيرها ومصير سكانها كما هو مصير المناطق الفلسطينية المحتلة وسكانها اليوم. أي سيكون هناك حكم عسكري وحواجز وأنظمة طوارئ وقمع لكافة أشكال المقاومة. ويستنتج أصحاب هذا الرأي أنه لتفادي مثل هذه النتيجة يجب التخلي عن الأراضي المحتلة أو عن غالبيتها على الأقل ودعم إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام مع جارتها إسرائيل.
الرأي الآخر الذي تحمله وتدافع عنه الأوساط اليمينية الإسرائيلية يقول انه من الوهم الاعتقاد بأن العرب والفلسطينيين في حالة انتصارهم على إسرائيل سوف يكتفون بالاحتلال والحكم العسكري وقمع المقاومة وما شابه ذلك من إجراءات بل ستكون هناك مجازر شنيعة وبوغرومات، أي أن الشعب اليهودي سوف يتعرض مرة أخرى إلى هولوكوست. لذلك يجب أن تبقى إسرائيل أقوى من كافة خصومها مجتمعين وتستبعد حتى التفكير بإمكانية التعرض إلى هزيمة.
أمام هذه الدعاية المغرضة والهدامة لا بد من توضيح بعض النقاط: قيام دولة إسرائيل كتتويج لنشاط الحركة الصهيونية لم يسفر عن تهجير الشعب الفلسطيني وسلب أرضه ونهب ممتلكاته فحسب بل أسفر عن اقتلاع جاليات يهودية عريقة من أوطانها والزج بها في صراع دامي ومستمر مع سكان البلد الأصليين أيضا. أسفر عن تسميم هذه الجاليات بأيديولوجية عنصرية جعلها غريبة في أوطانها وغير مرغوب بها. زوال دولة إسرائيل كدولة كولونيالية تتبنى أيديولوجية عنصرية لن يجلب الحرية للشعب الفلسطيني فحسب بل سوف يحرر الجماهير اليهودية من الغيتو المفروض عليها ألان ومن ضيق الأفق والقيود التي فرضتها الأيديولوجية الصهيونية أيضا.
لن تهزم إسرائيل عن طريق حرب رسمية تشنها عليها هذه الدولة أو تلك، هذا التحالف أو ذاك. ولكنها سوف تهزم عن طريق ثورة شعبية تتضافر بها كافة القوى المظلومة ومن ضمنها أوساط واسعة من ضحايا الصهيونية اليهود أنفسهم. ألثورة لن تؤدي بأي حال من الأحوال إلى احتلال أو إلى حكم عسكري وحواجز وأنظمة طوارئ وأعمال قمع وانتقام، بل على العكس من ذلك تماما سوف تجلب التحرير والحرية والاستقلال الحقيقي والسلام العادل وسوف تعيد للإنسان كرامته الإنسانية بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو السياسي.
إذا زالت دولة إسرائيل لن تكون في هذه البلاد أية مجازر ضد اليهود وأكبر دليل على ذلك أنه قبل قيام دولة إسرائيل لم تتعرض أية جالية يهودية في الشرق إلي مجزرة أو إلى أي شكل من أشكال القمع بسبب كونها جالية يهودية. المجازر ضد اليهود وضد غيرهم من الشعوب والأقليات والطوائف كانت نتيجة لتطور الرأسمالية الشرسة إلى إمبريالية اشد شراسة في أوروبا من حيث الأساس. إذا كان هناك عداء ضد الجماهير اليهودية في هذه المنطقة فالمسؤولية الوحيدة عنه هو دولة إسرائيل وسياستها العنصرية.
يجب ألا ننسى أن الحركة الصهيونية بجميع مركباتها وجميع تياراتها هي أولا وقبل كل شيء حركة سياسية. ويمكن أن يكون اليهودي ويبقى يهوديا جيدا وأن يكون في الوقت نفسه مناهضا للصهيونية رافضا لمبادئها ولغاياتها وممارساتها. بل في هذه المرحلة رفض اليهودي للصهيونية هو شرط أساسي من أجل محافظته على طابعه الإنساني.
عندما تزول دولة إسرائيل لن يتم إلقاء اليهود في البحر كما تروج له الدعاية الصهيونية، بل سيتم قبولهم كمواطنين عاديين للمرة الأولى في حياتهم. سوف تفتح الحدود أمام الجاليات التي اقتلعت من بيئتها الطبيعية أن تعود وتبني حضارتها في المغرب والعراق واليمن وفي كل مكان ترتبط به عاطفيا وثقافيا وحضاريا. سوف تتحطم جدران الجيتو مرة واحدة والى الأبد. الوحيدون الذين سوف يدفعون الثمن هم مجرمو الحرب الذين زجوا المنطقة في حروب لا أول لها ولا آخر. لن تكون هناك مجازر. المجازر الوحيدة التي حدثت في هذه البلاد كانت من صنع الحركة الصهيونية من دير ياسين إلى كفر قاسم مرورا بصبرا وشاتيلا وقانا حتى جنين وغزة.
الحروب تدمر وتهدم وتقتل الأبرياء أما الثورة فإنها تحرر.
Tuesday, March 02, 2010
الدنيا ما زالت بكل خير
علي زبيدات – سخنين
للوهلة الأولى يبدو وكأن العالم بأسره يقف وراء إسرائيل، يدعم مواقفها، يمدها بالمال والسلاح، يغفر جرائمها ويتجاوز عن خطاياها. فهذه الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة العظمى الوحيدة على كرتنا الأرضية في ربع القرن الأخير تلعب دور الأم الحنون التي تضم إلى أحضانها هذه الدولة المارقة وتؤمن لها الحماية التامة، أما دول الاتحاد الأوروبي فلا تتخلف كثيرا وراء الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعامل هي الأخرى دولة إسرائيل برفق ودلال وتمدها بالمساعدات وتتفهم جرائمها وتشاركها في بعضها مثل فرض الحصار الجائر على قطاع غزة. حتى الدول العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر تتسابق إلى طلب القرب من إسرائيل إما علنا وعلى رؤوس الشهود وإما سرا وخجلا من التحت الطاولة.
هذا صحيح، العالم يقف داعما ومؤازرا دولة إسرائيل، ولكن أي عالم هذا؟ انه عالم الأنظمة المكون من المادة نفسها، عالم الطبقات الغنية المسيطرة على زمام السلطة، فما الغرابة في ذلك؟ ألا يقول المثل: الطيور على أشكالها تقع؟
ولكن يوجد هناك عالم آخر، عالم إنساني يتحلى بالأخلاق والضمير الحي. عالم لا يملك المال والسلطة والأسلحة ولكنه يملك ما هو أهم من ذلك بكثير، يملك العاطفة الإنسانية النبيلة التي ترفض الظلم والاستبداد وتختار الوقوف إلى جانب المظلومين أينما وجدوا. وهذا العالم يقف داعما للشعب الفلسطيني ولحقه في الحياة الحرة والكريمة.
إذن، العالم، عالم الشعوب ما زال بألف خير. وقد لمست ذلك مؤخرا خلال رحلتي الأخيرة إلى عقر بعض الدول التي تقدم الدعم اللامحدود لدولة إسرائيل مثل فرنسا وهولندا.
كم كنت سعيدا عندما حضرت حفلا موسيقيا لفرقة محلية تقدم الموسيقى التراثية لإقليم بريتونيا عندما تقدم إلي قائد الفرقة بعد أن عرف إني فلسطيني قائلا: انتفاضة، انتفاضة. لم نتبادل أي كلام آخر ذلك لغياب اللغة المشتركة ولكن هاتين الكلمتين كانتا ابلغ من كل اللغات. وكنت أكثر سعادة عندما دعوت إلى "مهرجان المقاومة" حيث اجتمعت عدة فرق موسيقية تمثل شعوبا تعرضت للتطهير العرقي تعزف موسيقاها الشعبية التي تعرضت للقمع على مر الأجيال. من بينها كانت فرقة من سكان أمريكا الأصليين، من قبيلة نافاهو تطلق على نفسها "بلاك فاير" (النار السوداء) وقد اختتمت وصلتها بأغنية مهداة إلى فلسطين والى نضال الشعب الفلسطيني أسمها: "من جبال أريزونا إلى فلسطين" وكانت هناك فرقتان من قبائل الطوارق الآتية من مالي في افر يقيا وكم كانت دهشتي عندما علمت أنهم يتابعون كل ما يجري في فلسطين ويقارنون نضالهم الطويل من أجل الحرية والاستقلال بالنضال الفلسطيني. وعندما اعتلت المنصة فرقة من سكان استراليا الأصليين الذين تعرضوا هم الآخرين إلى حملات الإبادة العرقية وحييت جميع الشعوب المقاومة ومن بينها الشعب الفلسطيني.
ولكن ذروة سعادتي كانت في هولندا، عندما نحوي سيدة متقدمة بالعمر في إحدى المناسبات وقالت لي: "كم كنت غبية، في سنوات السبعين ذهبت مع باقي زميلاتي للعمل تطوعا في إحدى الكيبوتسات، وقد شغلونا يوما كاملا في قطف الثمار ويوما آخرا في كي الملابس بينما كان أعضاء الكيبوتس يتفرجون علينا بغرور ويعاملوننا باستكبار. لقد شعرت فورا بزيف هذا الحلم الاشتراكي الذي جرف هولندا في ذلك الوقت. أما اليوم فقد زرت فلسطين مرتين، قمت في المرة الأولى بغرس أشجار الزيتون التي يقتلعها المستوطنون وفي المرة الثانية ساعدت المزارعين الفلسطينيين في قطف ثمار الزيتون وما زلت أحتفظ بزجاجة من زيت الزيتون الفلسطيني".
وفي مرة أخرى، بعد إلقاء محاضرة عن الأوضاع في فلسطين أمام شبيبة لحزب ليبرالي يشارك في الحكومة الهولندية ويساهم في سياسة دعم إسرائيل، وقف مجموعة من الشباب وقالوا: لن نسكت حتى يغير حزبنا من مواقفه، يجب أن نطرح على الحزب قطع كل علاقاته بإسرائيل ويجب أن ننضم للحملة التي تقاطع البضائع الإسرائيلية.
العالم الرسمي البشع والجشع، المسئول عن الحروب والإمراض والمجاعات وصناعة الموت والأسلحة يدعم دولة إسرائيل، هل يجب أن نحسدها على ذلك؟ أما لعالم الآخر، عالم الجماهير الشعبية التي لم تفقد حسها الإنساني فإنها تدعم القضية الفلسطينية. ألسنا محظوظين؟
تحاول الدعاية الصهيونية اختراق هذه الجبهة أيضا من خلال ابتزازها عاطفيا لما جرى من أحداث خلال الحرب العالمية الثانية وتنمي الشعور بالذنب عند هذه الجماهير وتصور نفسها كضحية تدافع عن نفسها. علينا مضاعفة الجهود لمواجهة هذه الأكاذيب وفضحها. المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة السياسية. ونحن نعاني من نواقص عديدة في هذا المجال، خصوصا وأن المسئولين عن الإعلام الفلسطيني ينتمون إلى أجهزة السلطة التي تتمرغ تحت غبار أقدام إسرائيل وأمريكا. مكاتب السلطة الفلسطينية والتي تسمى زورا وبهتانا بالسفارات الفلسطينية تكاد لا تهتم لا من قريب ولا من بعيد بالبعد الجماهيري وبالرأي الشعبي العام وتقتصر على المحافل الرسمية فقط. وتنقل الصورة مشوهة إلى الآخرين وكأننا شعب متسول نبحث عن أية تسوية تنهي النزاع وليس كشعب مناضل متمسك بحقوقه الطبيعية التي تنص عليها كافة الأعراف الإنسانية.
قد يقول البعض أن العالم الرسمي الذي يمد دولة إسرائيل بالدعم هو الأقوى والحاسم، بينما العالم الآخر الذي يقف إلى جانب الحق الفلسطيني هو الأضعف. غير أن الحقيقة على عكس ذلك تماما: في نهاية المطاف الموقف الأخلاقي وهو الأقوى وهو المنتصر.
Wednesday, February 10, 2010
السلام الاسرائيلي
علي زبيدات – سخنين
من يقول أن إسرائيل لا تريد السلام؟ ولماذا لا نصدق رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو خلال اجتماع حكومته عندما يعلن أنه يريد السلام مع الفلسطينيين ومع سوريا وكافة الدول العربية؟ كانت إسرائيل دائما وأبدا تصبو إلى السلام ولم تترك حجرا لم تقلبه بحثا عن السلام، وقد قدمت وما زالت مستعدة أن تقدم تضحيات أليمة وتنازلات جسيمة من أجل الوصول إلى السلام المنشود. المشكلة الحقيقية هي رفض الفلسطينيين ومعظم العرب يد السلام التي تمدها إسرائيل بينما هدفهم الوحيد هو القضاء على الدولة اليهودية. عندما يتخلوا عن هدفهم هذا لن تبقى هناك أية عقبة في طريق السلام وأكبر دليل على ذلك هو اتفاقيات السلام مع مصر والأردن.
أنا شخصيا أصدق أن إسرائيل تريد السلام. وأصدق نتنياهو وغيره من القادة الاسرائيليين ممن سبقوه وممن سوف يأتون بعده، ممن يقف على يمينه ومن يقف على يساره. إذا قال الرجل أمام الملأ، أمام العالم أجمع أن وجهه نحو السلام فلماذا لا نصدقه؟
السؤال الذي يجب أن يطرح هنا ليس إذا كانت إسرائيل تريد السلام أم لا تريده بل أي سلام هذا الذي تريده؟ وما هو جوهر هذا السلام الذي تعرضه على العرب وعلى الفلسطينيين والذي يلاقي الدعم من أمريكا ومن الغرب عموما والذي يحظى بقبول وتعاون عملائهم المحليين؟
تتنصل إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم من أية مسؤولية عن النكبة الفلسطينية. فهي لم تقدم على تشريد الشعب الفلسطيني ولم تقم بسلب أرضه ولم تهدم بيوته وقراه. كل ما جرى للشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى اليوم كان بجريرة الشعب الفلسطيني نفسه الذي لم يستقبل القادمين الجدد، العائدين إلى أرض الآباء والأجداد، بالأحضان ولم يرشوا طريقهم بالورود. فلو قبل الفلسطيني النزوح بمحض إرادته وقبل بتسليم بيته وأرضه عن طيب خاطر لما كانت هناك مشكلة أصلا. ولكن للأسف يبدو أن الفلسطينيين لم يقرؤوا كتاب هرتسل حيث يقول أن الفلسطينيين سوف يغادروا المكان مقابل تعويض بسيط ومن سيبقى منهم سوف ينعم بخدمة دولة حضارية متطورة. إذن السلام الإسرائيلي يشطب من قاموسه أي شيء اسمه لاجئين فلسطينيين وكل شيء اسمه حق العودة. هذا ما يقوله اليسار الإسرائيلي قبل أن يقوله اليمين الإسرائيلي، وهذا ما يقوله من يوجد في الحكومة ومن يوجد في المعارضة. إذن لماذا لا نصدقهم؟
حتى بعد أن تخلى معظم العرب ومعظم الفلسطينيين عن 82% من فلسطين التاريخية وأبدوا استعدادهم عن التنازل عن حق العودة الشامل ( اتفاقيات أوسلو، مبادرة السلام العربية) إلا أن هذا لم يكن كافيا بالنسبة للسلام الإسرائيلي. القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل وبصفتها هذه يجب أن تمر بعملية تهويد جذرية وهذا ما يحصل منذ احتلالها وحتى اليوم. لا يوجد مكان لأي شي "غريب" في القدس بما في ذلك سكانها الأصليين. ومن يعارض ذلك فهو ضد السلام. الاستيطان هو حق تاريخي ولإلهي، الكتل الاستيطانية المزروعة فيما تبقى من الأراضي الفلسطينية يجب أن تبقى جزءا من دولة إسرائيل في كل اتفاقية سلام ومن لا يقبل ذلك هو بكل بساطة ضد السلام. حدود إسرائيل كما هو معروف هو المكان الذي يقف عليه آخر جندي إسرائيلي. والجنود الإسرائيليون كما صرح مؤخرا رئيس الحكومة سوف يحيطون بالدولة الفلسطينية العتيدة من جميع الجهات في كل اتفاقية سلام. ومن لا يقبل ذلك هو أيضا وبكل بساطة عدو للسلام.
باختصار شديد، السلام الإسرائيلي يقول: قضية اللاجئين هي مشكلة عربية وربما دولية ويجب أن تحل بعيدا عن إسرائيل، القدس يجب أن تحمل الطابع اليهودي فقط بصفتها العاصمة الأبدية للدولة وكل شيء يمس بهذا الطابع يجب أن يزول، الكتل الاستيطانية باقية في مكانها في كل اتفاقية سلام، لا يوجد حدود ثابتة للدولة الفلسطينية ولا سيادة كاملة لها وذلك لاحتياجات إسرائيل الأمنية. أصلا إذا ما قامت دولة فلسطينية بشكل من الأشكال فإن الهدف الوحيد من قيامها هو الحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل.
هذا هو السلام الإسرائيلي المطروح. ومن أجل تحقيق هذا السلام إسرائيل مستعدة أن تفاوض ليس فقط 20 سنة بل 200 سنة. وإذا توقفت المفاوضات لفترة معينة فهي على استعداد لتجديدها في أي وقت ولكن بدون شروط مسبقة والبدء من الصفر. من يرفض هذا السلام فهو في أحسن الحالات عدو للسلام يجب فضحه وتحييده، وفي أسوأ الحالات فهو إرهابي يجب القضاء عليه.
بما أن معظم الفلسطينيين ضد هذا السلام فهم إرهابيون يجب محاربتهم وقتلهم وقمعهم. وهكذا تحول السلام إلى حرب مستمرة.
كما قلت سابقا: أنا أصدق كل ما تقوله إسرائيل حول سلامها وأضيف أن طبيعتها لا تسمح لها بطرح سلام آخر وإلا تخلت عن طبيعتها. فهل هناك في العالم العربي والفلسطيني من يجيد فهم لمقروء والمسموع؟
Wednesday, February 03, 2010
المقاومة هي الطريق الوحيد لدحر سياسة التطهير العرقي
علي زبيدات – سخنين
وصلتني رسالة من صديقة فرنسية تدعوني لزيارة باريس للتعرف على عائلة صديقة لها من قبيلة نافاهو من سكان أمريكا الأصليين. هذه العائلة النشيطة في الدفاع عن حقوق الهنود الحمر في الولايات المتحدة هي أيضا من أشد المناصرين للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني. حيث ترى أن كلا الشعبين قد تعرض لسياسة الإبادة العرقية على يد الرجل الأبيض. تقوم هذه العائلة الفريدة من نوعها اليوم بسرد مأساة الهنود الحمر من خلال الموسيقى الهندية التراثية والقصص الشعبية. في الوقت نفسه سيتم اللقاء مع ناشط استرالي من السكان الأصليين (الابورجينز) الذين تعرضوا هم أيضا لإبادة عرقية على يد الرجل الأبيض نفسه.
بالطبع لم أستطع رفض هذه الدعوة وسوف أسافر قريبا إلى باريس. ولكني أوضحت مسبقا لصديقتي الفرنسية بعض الفوارق الأساسية لسياسة التطهر العرقي التي تعرضت لها الأماكن الثلاث: الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا وفلسطين هذا بالإضافة إلى وجوه الشبه العديدة. جوهر الصراع واحد وهو كولونيالية متوحشة تقوم على النهب والسلب والإبادة الجماعية من قبل الإنسان "المتحضر" ضد الإنسان "البدائي" المتخلف.
هناك ثلاثة فوارق أساسية لعبت دورا هاما في بلورة واقع الشعوب الثلاث وجميعها تصب في مصلحة الفلسطينيين مما يبقي الأمل حيا للانتصار على سياسة التطهير العرقي وهي:
أولا: الحركة الصهيونية التي قادت سياسة التطهير العرقي في فلسطين، بعد أكثر من قرن على نشاطها وأكثر من 60 سنة على إقامة دولتها كانت وما زالت حركة محدودة الإمكانيات عدديا، قوتها لا تنبع من ذاتها بل مأخوذة من الآخرين وهي هامشية عالميا حتى بين الذين تدعي أنها تمثلهم. خلال هذه الفترة لم تستطع هذه الحركة من جلب أكثر من خمسة ملايين مستوطن. بينما وصل المستوطنون في أمريكا إلى أكثر من 300 مليونا وفي استراليا إلى 22 مليونا. هذا الفارق الكمي الهائل أتاح للمستوطنين في أمريكا واستراليا إمكانية تغيير الواقع جذريا من خلال السيطرة الكاملة وفرض سلطتهم السياسية والاقتصادية والثقافية. بينما فشلت الموارد البشرية الضئيلة للحركة الصهيونية بإحداث مثل هذا التغيير.
ثانيا: الحركة الكولونيالية الصهيونية جاءت متأخرة 3 قرون على الأقل عن الحركات الكولونيالية في العالم الجديد. الشيء الذي كان يمكن أن ينجح نجاحا كاملا قبل 3 قرون في مناطق نائية عن العالم القديم لا يمكن أن يحقق النجاح نفسه بعد 3 قرون وفي مركز حضارات العالم.
ثالثا: مقاومة التطهير العرقي والاحتلال الاستيطاني في فلسطين ما زالت مستمرة بالرغم من كافة الانتكاسات، بينما انتهت بالنسبة للهنود الحمر في أمريكا والابورجينز في استراليا. لقد حققت الحركة الصهيونية انتصارات عديدة في معارك عديدة ولكنها لم تحقق نصرا تاريخيا. بالمقابل تعرض الشعب الفلسطيني لهزائم عديدة وخسائر جسيمة ولكنه لم يخسر تاريخيا بعد. ما دامت هناك مقاومة بكافة أشكالها فأن الخسارة التاريخية مستحيلة.
مع كل تضامني مع الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية وباقي دول أمريكا اللاتينية ومع كل تضامني مع المواطنين الأصليين في استراليا فإننا لا يمكن أبدا أن نقبل بنفس المصير. وأظن أن مناصري قضيتنا العادلة من بين هذه الشعوب لا يريدون لنا أن ننتهي إلى نفس المصير. بل هم يرون في نضالنا المستمر والمتواصل تعويضا لما آلت إليه نضالاتهم الماضية.
أبدو متفائلا جدا وأنا أأكد أن الحركة الصهيونية ومن خلال شكلها الحالي كدولة تقف أمام مأزق تاريخي لا فرار منه، تقف أمام طريق مسدود. لكن هذا لا يعني أنه لا تساورني بعض الشكوك وأنا أرى هذه الدولة المشوهة تصرح وتمرح في أرجاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج، تغتال هذا وتؤجج الصراعات الداخلية هنا وهناك وبالرغم من ذلك تتهافت الأنظمة العربية إلى طلب ودها. يساورني الشك عندما أرى القيادة الفلسطينية التي من المفروض أن تقود النضال من أجل استرجاع الحقوق المسلوبة تنبطح بهذا الشكل المخزي أمام عنجهية هذه الدولة. يزعجني جدا ـن نمنح هذه الدولة الشرعية ونقدمه على طبق من ذهب ونعتبر أنفسنا أقلية مع أن العكس هو الصحيح. لم يعد هناك شيء اسمه نزاع إسرائيلي عربي على الصعيد الرسمي حيث أن جميع الدول العربية إما مطبعة علنا أو سرا وإما ممانعة كلاميا فقط. هذه الدول ميئوس منها ولا يمكن المراهنة عليها. إلا أن الشعوب العربية وقواها الحية ما زالت ترفض التطبيع وهي التي في نهاية المطاف سوف تحسم المعركة التاريخية.
إن انتصار الحق الفلسطيني في نهاية المطاف سيكون انتصارا لكافة الشعوب التي تعرضت وتتعرض لحروب الإبادة من قبل الرأسمالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتهدد بحروبها هذه الحياة على كرتنا الأرضية.
Wednesday, January 27, 2010
صناعة الموت الإسرائيلية
يظن البعض أن إسرائيل هي دولة صناعية فائقة التطور تتمتع بمقدرات تكنولوجية رفيعة وإنجازات علمية في كافة المجالات. وتستخدم تطورها العلمي والتقني في الصناعات المختلفة وخصوصا في الطب والزراعة وباقي الصناعات الدقيقة. قد يحمل هذا الظن بعض الحقيقة، لكن ينسى هؤلاء أن يذكروا بأن الصناعة الأكثر تطورا في إسرائيل هي صناعة الموت لا أكثر ولا اقل.
وأنا لا أقصد بقولي هذا ما اقترفته هذه الدولة وما زالت تقترفه في حق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية منذ قيامها وحتى اليوم من تشريد ونهب أراضي وحروب مستمرة وحصار الخ. فهذا حسب رأيي مهما بلغت أهميته وقسوته لا يشكل جوهر صناعة الموت الإسرائيلية الأشهر في العالم. ما اقصده هنا هو صناعة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، أسلحة الدمار الشامل وغير الشامل وتصديره إلى كافة أرجاء العالم.
طبعا ما هو مخفي في هذا المجال يفوق بما لا يقاس ما هو مكشوف. غير أن ما هو معروف في هذا المجال يكفي لأن يقف العالم بأسرة ليفكر ويتمعن في هذه الحالة الغريبة في عالمنا البشري وبالعواقب الوخيمة التي تحملها في أحشائها.
لأول مرة في التاريخ البشري تقوم دولة صغيرة بكافة المقاييس بإنتاج هذا الكم الهائل من صناعة الموت الذي يشكل خطرا حقيقيا على الحياة في كرتنا الأرضية.
هذه الدولة الصغيرة مدججة بأسلحة الدمار الشامل من أسنانها إلى أخمص قدميها. أحد الأسرار المفضوحة الذي يعرفه القاصي والداني والذي يجبن الجميع تقريبا الحديث عنه هو كون هذه الدولة ترسانة نووية لا تهدد المنطقة فحسب ولا تهدد أمن وسلامة العالم بأسره فحسب، بل أولا وقبل كل شيء تهدد أمن وسلامة المواطنين المحلين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية. ما كشفه مردخاي فعنونو قبل حوالي ربع قرن في هذا المجال لا يتعدى كونه جزءا يسيرا من رأس جبل هائل مخيف. هذه الترسانة النووية لم تصنعها إسرائيل بمفردها بل بمساعد الدول العظمى من الولايات المتحدة الأمريكية التي توفر لها الحماية والتعاون في كافة المجالات وتزودها بالطائرات القادرة على حمل القنابل النووية، إلى فرنسا التي زودتها بأول مفاعل نووي، إلى ألمانيا ألتي زودتها وتزودها بغواصات نووية. لقد جعلت دولة إسرائيل من نفسها برميلا هائلا من البارود يتهدده الانفجار في كل لحظة.
إسرائيل لا تكتفي بهذا الجانب من صناعة الموت، فهي كدولة صغيرة لا تختص بصناعة الأسلحة الثقيلة مثل الطائرات المقاتلة والمروحيات العسكرية والسفن الحربية الكبيرة ولكنها تختص بصناعة الأسلحة الفتاكة مما قل وزنه وزاد ثمنه وتعاظمت قوة دماره. وإذا صحت المعلومات حول التعاون الأمريكي – الإسرائيلي في تطوير ما يسمى ب"الأسلحة المناخية" التي كان زلزال هاييتي نتيجة لإحدى تجاربها، فإن عالمنا مقدم على مصير مجهول.
هذه الدولة الصغيرة هي رابع مصدر للسلاح في العالم. حيث تشكل هذه الصناعة 60% من الصناعة الإسرائيلية وقد بلغت أرباحها في السنة الأخيرة حوالي 7 مليار دولار. هناك 4 شركات إسرائيلية لصناعة الأسلحة تعد من أكبر الشركات في العالم من نوعها وهي: ألبيت، رفائيل، الصناعة العسكرية والصناعة الجوية. أما قائمة منتجاتها في طويلة ومتنوعة تمتد من البنادق والرشاشات إلى مختلف الصواريخ والقنابل المحرمة دولية، ولكن المسموح بها إسرائيليا.
لكي يبقى سوق الأسلحة رائجا فلا بد من استمرار النزاعات المسلحة في شتى أرجاء العالم. تقوم إسرائيل بدور فعال ونشيط في هذا المجال. في زيارته الأخيرة لأفريقيا أصطحب وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان مجموعة كبيرة من تجار الأسلحة. ضباط كبار متقاعدون منتشرون في معظم بلدان العالم في كافة القارات منهم من يخدم الأنظمة الفاسدة ومنهم من يعمل كمرتزقة عند الحركات الانفصالية وكارتيلات الإجرام العالمية. في كثير من الأحيان تقوم إسرائيل بتزويد طرفي النزاع بالأسلحة. غير مهم من يقتل من ولماذا طالما يوجد طلب متزايد للأسلحة الإسرائيلية. أليس غريبا أن نرى في معظم الدول الأفريقية التي تنخرها النزاعات العرقية والسياسية حيث لقمة الخبز غير متوفرة تفيض بالأسلحة؟
دولة إسرائيل، تلك الدولة الديمقراطية، الحديثة المتطورة صناعيا وتكنولوجيا لا تصنع الموت للاستهلاك الداخلي فقط بل للتصدير إلى الخارج أيضا وخصوصا إلى الدول النامية. لا يوجد نزاع في العالم لا يوجد لهذه الدولة أصبع وأحيانا يد كاملة. يكفي أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي أصبحت تفاصيلها في متناول الجميع: قامت جورجيا بشن هجوم بالأسلحة الإسرائيلية على إقليم اوسيتيا الروسي مما أشعل الحرب بين روسيا وجورجيا الأمر الذي زاد التوتر وخطر توسع الحرب. التدخل العسكري الإسرائيلي في كردستان العراق قديم جدا ويزداد في هذه الأيام وانتقل إلى العلنية. تقوم إسرائيل بدور شديد الخطورة في شبه القارة الهندية حيث تؤجج النزاع بين الهند وباكستان الأمر الذي يعود عليها بأرباح فاحشة من خلال بيع الأسلحة. في أفريقيا، الحروب المستمرة في الصومال والسودان وارتريا والكونغو ورواندا وغيرها، السلاح الإسرائيلي هو الأكثر رواجا في أيدي الأطراف المتحاربة.
إذن ليس من باب الصدفة أن تشكل إسرائيل حسب استفتاء جرى في الدول أوروبية أكبر خطر على السلام العالمي.
عندما نشير بأصبع الاتهام إلى إسرائيل بأنها تصنع وتصدر الموت فإننا لا نبرئ الدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين وكافة الدول التي تصنع الموت وتصدره.
العالم سوف يكون أكثر أمانا إذا تخلص من صناع وتجار الموت هؤلاء.
Tuesday, January 19, 2010
مهما بلغت قسوة الطبيعة تبقى أرحم من الإنسان
علي زبيدات – سخنين
مما لا شك فيه أن الهزة الأرضية التي ضربت هاييتي هي أكثر من كارثة طبيعية، إنها أولا وقبل كل شيء مأساة إنسانية. حيث يقدر ضحاياها بمائتي ألف ضحية، هذا بالإضافة إلى مئات الآلاف من المشردين الذين فقدوا بيوتهم وأملاكهم الضئيلة أصلا وتدمير البنى التحتية والمرافق الاقتصادية. يقدر عدد المتضررون من هذه الهزة الأرضية ثلث السكان البالغ عددهم حوالي عشرة ملايين نسمة.
مأساة هاييتي لم تبدأ في 12 يناير 2010 يوم حدوث الهزة الأرضية بل تعود إلى زمن غابر منذ أن "اكتشفها" كولومبس واستعمرها الإنسان الغربي، الاسباني أولا ومن ثم الفرنسي والأمريكي وبدأ ينقل إليها آلاف العبيد الذين اقتلعوا من أفريقيا ليقوموا بأعمال السخرة في حقول البن وقصب السكر والتبغ وغيرها. لقد كانت هاييتي جزءا من جزيرة غنية وجميلة ولكن شره الإنسان المستعمر سلب خيراتها وثرواتها وجعلها من أفقر بلدان العالم. استبداد المستعمر فجر العديد من ثورات العبيد حتى نالت استقلالها في مطلع القرن الماضي بعد نضال عنيف ضد المستعمر الفرنسي. كانت هاييتي أول دولة في العالم للعبيد الذين تحرروا من نير العبودية. ولكن قبل أن تنعم باستقلالها وقعت تحت الهيمنة الأمريكية التي رأت بثورة العبيد تهديدا على نظام العبودية الذي كان متبعا في أمريكا. ويبدو أن الاستعمار لم يكن كافيا فقد بلي شعب هاييتي بحكام فاسدين ومتعاونين مع المستعمر الأجنبي. كان أشهرهم بابا دوك الذي حكم البلاد من 1957 إلى 1986 حيث أطيح به بثورة شعبية. غير أن الذين استلموا السلطة من بعده بدعم أمريكي لم يكونوا أفضل منه. وجاءت الطبيعة لتضع اللمسات الأخيرة على مأساة شعب هاييتي. فقد كانت البلاد دوما عرضة للزلازل والأعاصير والفيضانات والانهيارات الطينية.
وهكذا وقبل حدوث الزلزال الأخير كان الوضع في هذه البلاد الجميلة مأساويا. فقد تفشت أمراض الملا ريا والسل والايدز في كل مكان. وبلغت نسبة وفاة الأطفال أعلى نسبة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. نصف الأطفال لا يعرفون المدارس. 2% فقط ينهون التعليم الثانوي. كل هذا كان يجري أمام أعين "المجتمع الدولي" أمام أعين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية التي تذرف حاليا دموع التماسيح و تدعي أنها تهب لإغاثة وإنقاذ الشعب الهاييتي من هذه الكارثة.
إن الموارد التي تهدرها الولايات المتحدة الأمريكية والتسابق في تدمير البيئة وتهديد الحياة على كرتنا الأرضية تبلغ أضعاف مضاعفة لما ترسله من إغاثة. الحرب في العراق وأفغانستان لوحدها تكلفها شهريا 25 مليار دولار. حتى اليوم زادت نفقات الحرب على 500 مليار دولار وهذا الرقم سوف يعد بالترليونات قريبا. هذه التكاليف المهدورة لا تشمل تدمير البنى التحتية في كل من العراق وأفغانستان ولا تشمل ملايين القتلى والجرحى والمشردين. إذ أن خسائر الشعوب لا تعد جزءا من ثمن الحروب في أعين الامبرياليين.
روح النفاق الذي يسيطر على الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وقناع المنقذ التي يغطي وجوهها لا يمكن أن يخفي بشاعة جرائمها. ما يجري حاليا تحت ستار إغاثة المنكوبين في هاييتي يجب أن يتحول إلى لائحة اتهام ضد النظام الامبريالي العالمي البغيض. ليس من باب الصدفة أن يتهم الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز أمريكا بأنها في الحقيقة استغلت هذه الكارثة لتحتل هاييتي عسكريا، فقد قامت القوات الأمريكية باحتلال مطار العاصمة بورت أو برنس وتتحكم بوصول الاغاثات وطريقة توزيعها. فقد أصبح واضحا أن الاغاثات لا تصل بالسرعة المطلوبة ولا توزع بالشكل السليم الذي يصل إلى كافة المتضررين.
ما أشبه هاييتي ببلادنا فلسطين. كلا البلدين متشابهين من حيث المساحة وعدد السكان. ربما الفرق الوحيد هو أن ما دمرته الطبيعة هناك دمرته هنا آلة الحرب الإسرائيلية. ومن سخرية الأقدار أن تلعب إسرائيل دور المنقذ والمغيث من خلال إرسال بعض المساعدات والتي هدفها الأساسي ليس إنقاذ حياة البشر ولبس تقديم المساعدات الإنسانية للمنكوبين بقدر ما هي دعاية رخيصة لتجميل صورتها في العالم بعد الجرائم التي اقترفتها في قطاع غزة. إنه لأمر سريالي أن نسمع رئس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يقول:" ما حدث في هاييتي هو مأساة كبيرة، نحن دولة صغيرة ولكن عندها قلب كبير، هذا تجسيد للتراث والقيم اليهودية لمساعدة الآخرين". هذا القلب الكبير الذي يحمل مستشفى متنقلا إلى الطرف الآخر من العالم وينقذ طفلة من بين الأنقاض ويساعد سيدة على الولادة لكي يتم عرضهما على شاشة التلفزيون الإسرائيلي وعلى باقي وسائل الإعلام الإسرائيلية هو نفسه القلب الكبير الذي دفن العديد من أطفال غزة تحت الأنقاض ومنع عنهم الدواء والعلاج. هل تجسيد التراث والقيم اليهودية لمساعدة الآخرين تعني فرض حصار شامل على شعب أعزل ناهيك عن سلب أرضه وتشريده وزج أبناءه في السجون؟ هل يعقل أن يكون صاحب القلب الكبير بطل إنساني في هاييتي ومجرم حرب في غزة؟
لو كان الذين يتظاهرون بالإنسانية الآن من نتنياهو إلى أوباوما إلى براون إلى ميركل وغيرهم ذوي قلوب كبيرة حقا، لما وصلنا أصلا، في أي بقعة من العالم إلى مثل هذه المأساة من جراء كارثة طبيعية. لماذا تحصد الفيضانات والزلازل والأعاصير الأرواح بهذه الأعداد في بنغلادش وتايلاند وهاييتي وغيرها من الدول النامية فقط؟ لو كانت البنى التحتية المتينة متوفرة ولو كانت أجهزة الإنذار المبكر المتطورة متوفرة في كل مكان لما حدث ما حدث.
يجب التخلص من النظام الرأسمالي العالمي المسئول عن إشعال الحروب وتدمير البيئة وتهديد الحياة على وجه الكرة الأرضية واستبداله بنظام يقوم على التعاون ليس لمواجهة الكوارث الطبيعية فحسب بل من أجل الحفاظ على عالم أفضل يقوم على أساس الحرية والرخاء والسلام لجميع شعوب العالم.
Wednesday, January 13, 2010
البيانات كبديل عن النضال
لفت نظري في الأسبوع الماضي خبران تناقلتهما وسائل الإعلام المحلية، بعضها بشكل متواضع وبعضها بشكل بارز وعلى الصفحات الأولى. الخبر الأول حول بيان أصدرته مجموعة من الأحزاب التي تسمي نفسها شيوعية أو يسارية وذلك بمناسبة الذكرى الأولى للحرب على قطاع غزة. اما الخبر الثاني فإنه يتناول إقرار المبنى التنظيمي (الدستور) للجنة المتابعة. للوهلة الأولى لا يبدو وجود أي شيء مشترك بين الخبرين أو أي وجه للشبه. فقط خيال جامح يستطيع أن يربط بينهما. ولكن نظرة ثانية تثبت العكس تماما فكلا الخبرين هو تجسيد حي لدرجة الإفلاس الفكري والسياسي الذي وصلنا إليه.
البيان بمناسبة الذكرى الأولى لحرب غزة يحمل توقيع الحزب الشيوعي السوري، الحزب الشيوعي اللبناني، الحزب الشيوعي الأردني، حزب الشعب الفلسطيني، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وقد نشرته (ربما حصريا) وسائل إعلام الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مع إنه لم يضف إليه توقيعه وأترك المجال مفتوحا أمام القارئ لكي يتخيل لماذا. طبعا، كل حزب حر أن يطلق على نفسه الاسم الذي يريده ولكن الحكم عليه لا يكون أبدا بناء على هذا الاسم. لا أدري إذا طرحت الأحزاب الشيوعية العربية على نفسها سؤال: لماذا تسمي نفسها أحزابا شيوعية. أعرف فقط أن حزب الشعب (الشيوعي الفلسطيني سابقا)، وهذا لصالحه، قد طرح على نفسه هذا السؤال وبناء عليه قام بتغيير اسمه. ولكنه كما يبدو ما زال يحن إلى هذا الاسم الفارغ من أي معنى. معروف أن الأحزاب الشيوعية العربية قد فقدت مصداقيتها ونبذتها الجماهير العربية والفلسطينية بعد موافقتها على قرار التقسيم عام 1947 وبسبب مواقفها المؤيدة للمشروع الصهيوني بحجة حق الحركة الصهيونية (إسرائيل) في إقامة دولة في فلسطين كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره. منذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم تواصل انحدار هذه الأحزاب حتى أصبحت على هامش الهامش في الخارطة السياسية. بالرغم من إنني أعتبر نفسي مطلعا ومهتما بالحركات اليسارية المحلية والعالمية، في الحقيقة نسيت أنه ما زال يوجد شيء اسمه أحزاب شيوعية عربية، جاء هذا البيان ليذكرني بذلك. متى كانت آخر مرة سمعنا بها عن الحزب الشيوعي السوري مثلا؟ هذا موجود منذ عشرات السنين في "جبهة وطنية" حاكمة مع انه محظور عليه أن يعقد اجتماعا أو يصدر صحيفة. أما حزب الشعب الفلسطيني بالرغم من انه غير اسمه إلا أنه لم يستطع أن يغير طبعه، حيث بقي كما كان ملتصقا بذيل البرجوازية (التي يسميها وطنية) حتى بعد أن أصبحت ملحقا بالرأسمالية العالمية. الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لا تختلف من حيث الجوهر عن حزب الشعب بل هي المنظر الأول لنظرية التذيل للبرجوازية والمنسجم حتى النهاية في تطبيقها. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي التنظيم الوحيد من بين الموقعين التي كانت تحمل مشروعا وطنيا ذا أفق ثوري، ولكن يبدو أنه بسبب موت أو استشهاد قادتها أو زجهم وراء القضبان قد أفقد الباقين البوصلة وفتح الباب على مصراعيه أمام العناصر الانتهازية.
من المفروض، أو هذا ما أؤمن به على الأقل، أن تقود الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية النضال الثوري ضد الامبريالية والاحتلال والرجعية المحلية. ولكن أحزابنا الشيوعية والتنظيمات اليسارية في واد والنضال في واد آخر. البيان المذكور خير دليل على ذلك. ما عدا عبارات إدانة العدوان واستنكار استمرار الحصار التي نسمعها من أطراف عديدة في شتى أنحاء العالم لا يوجد في هذا البيان أي شيء جديد. هذا بالإضافة إلى التباكي على حالة الانقسام وضرورة إنهائها واستعادة الوحدة الوطنية، من غير التطرق ولو بكلمة واحدة حول أسباب هذا الانقسام، حول الارتماء في أحضان الامبريالية والرجعية، حول بيع الثوابت الوطنية في المزاد العلني. هل سمعت هذه الأحزاب عن شيء اسمه موقف؟ ويناشد البيان "المجتمع الدولي" بتكثيف الجهود لوقف مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتهويد القدس ووقف الاغتيالات ورفع الحصار وتقديم مجرمي الحرب للمحاكم الدولية. ولا يرى البيان بهذا "المجتمع الدولي" الذي يناشده شريكا فعليا بجميع الجرائم المذكورة. من يتمعن في هذا البيان يدرك لماذا غابت بل تلاشت هذه الأحزاب والتنظيمات عن الساحة النضالية.
إذا كانت هذه هي الأحزاب والتنظيمات التي سوف تقود النضال ضد الاحتلال ومن أجل انتزاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فلا يبقى أمامنا سوى أن نتذكر قول جرير: زعم الفرزدق أن سيقتل مربع.. أبشر بطول سلامة يا مربع.
بعض الحركات الوطنية جدا جدا تسميها: لجنة المتابعة العليا وتضع نقطة لكي لا تضطر إلى القول:" للجماهير العربية في إسرائيل". أما باقي الأحزاب والحركات الأخرى التي بشرتنا بالتوصل إلى اتفاق حول دستور هذه اللجنة فلا مشكلة لديها من هذا النوع، بالعكس فإنها تشدد على كلمة إسرائيلية لكي لا تتهم بالتطرف والمس بالتعايش اليهودي العربي. يقول رئيس اللجنة: "أن هذا الاتفاق هو حصيلة 12 سنة من التداول".وأخيرا، بعد كل هذه السنوات الطويلة يتفق جميع الأطراف على حصة كل منها في المؤتمر العام وحصته في المجلس المركزي وفي السكرتارية. أكيد إنجاز رهيب. المتحمسون لإقرار هذا المبنى من القوى الوطنية لم يتورعوا من وصف لجنة المتابعة بالبرلمان العربي حيث تشكل الأحزاب القوة الأساس وبذلك تتخلص من التركيبة العائلية التي طغت سابقا. هل هذا صحيح؟ أليست الأحزاب العربية قائمة أصلا على العائلية والطائفية والمصالح الفئوية؟ وما الذي يضمن عدم انتقال هذه الآفات إلى التركيبة الجديدة؟
من اليوم وصاعدا، وبشكل رسمي يوجد تمثيل لكافة الأحزاب والحركات القائمة. يوجد لدينا حركتان إسلاميتان وحركتان لأبناء البلد هذا بالإضافة إلى أحزاب قومية غير موجودة إلا بفضل صفقات التمويل الانتخابية. من يظن أن هذه اللجنة من الآن وصاعدا سوف تقف بالمرصاد لسياسة الحكومة العنصرية وسوف ترتقي بالنضال إلى درجات عالية فليعلل نفسه بالأحلام.
من أجل انطلاقة ثورية حقيقية
علي زبيدات – سخنين
لم يصادف الأسبوع المنصرم الذكرى الأولى للحرب الإجرامية التي شنتها دولة إسرائيل على قطاع غزة فقط. بل صادف أيضا الذكرى ال45 لانطلاقة حركة فتح والتي يطلق عليها البعض، من حركة فتح ومن خارجها، بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. لا يستطيع أي فلسطيني مهما كان انتماءه التنظيمي ومهما كانت خلفيته السياسية التقليل من الأهمية التاريخية لهذه الذكرى. لكن خلال هذه السنوات ال45 جرت مياه كثيرة في نهر الأردن قلبت الأمور رأسا على عقب. السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم: ما هو وجهة الشبه بين فتح سنوات الستين وفتح اليوم فيما عدا الاسم؟ وما هو المعنى الذي ما زالت تحمله كلمة انطلاقة؟ وهل بقي هناك شي نستطيع أن نطلق عليه ولو مجازا اسم: ثورة فلسطينية معاصرة؟.
يقولون شر البلية ما يضحك. والبلية التي تضحك يكون ضحكها اشد إيلاما على المرء من البكاء. لصالح الذين أطلقوا الرصاصة الأولى في 1/1/1965 نقول أن نواياهم كانت طيبة مفعمة بروح التضحية والحماس. كان لديهم حلم وهو ضرورة وإمكانية تصحيح الظلم التاريخي الذي أصاب الشعب والوطن، ولكن ماذا يمكن أن يقال في صالح الذين يحتفلون اليوم بالذكرى ال45 لهذه الانطلاقة؟ استمعت إلى خطاب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس في هذه المناسبة حيث بدأ يعدد انجازات "الثورة الفلسطينية" التي انطلقت لتبقى وتنتصر حسب تعبيره واستمعت إلى تأكيداته بالتمسك بالثوابت الوطنية. في الوقت نفسه كانت القوات الإسرائيلية تهاجم مدينة نابلس تحت سمع وبصر قوات الأمن التابعة للرئيس وتغتال بدم بارد ثلاثة مناضلين فتحاويين ظن بعضهم أن عباس قد كفل لهم الأمن والسلامة من قوات الاحتلال. أين هي الثورة التي انطلقت لتبقى وتنتصر؟ هل الثورة انطلقت لتقع في أحضان إسرائيل وأمريكا والرجعية العربية؟ ولتبقى كالمتسول في أروقة دهاليز المفاوضات من مدريد إلى أوسلو إلى كامب ديفيد إلى آنا بوليس وباقي الأماكن المعتمة التي تحاك بها المؤامرات لتصفية القضية الفلسطينية برمتها؟
الانطلاقة قبل 45 عاما كانت متواضعة جدا. حتى الكلام عن ثورة فلسطينية كان على سبيل المجاز وليس الواقع. فقط بعض المزايدون الذين يطفون على شبر من الماء كانوا يتكلمون عن ثورة جبارة وسرعان ما قفز هؤلاء إلى المعسكر الآخر. كان المخلصون من أبناء الشعب الفلسطيني المشرد والمنكوب يتكلمون عن حركة مقاومة شعبية ويحلمون بأن تتطور هذه المقاومة حتى تصنع لهم العودة وتحرر لهم الوطن. ولكن جرت الأمور في الاتجاه المعاكس: الأنظمة العربية احتضنت المقاومة وأغدقت عليها دولارات تفوح منها رائحة النفط. فقامت في افتتاح مكاتب لها في معظم عواصم العالم وأصبح مدراء هذه المكاتب ضيوفا دائمين في السهرات الراقية. ولكنهم كانوا أذكياء: استمروا بالكلام باسم المقاومة والثورة. وهذه هي النتيجة. إننا نحصد اليوم ثمار ما زرعناه في ال45 سنة الأخيرة.
لا استغرب أن يأتي يوما تشاركنا به إسرائيل وأمريكا والأنظمة العربية العميلة احتفالات ذكرى الانطلاقة. ولن يعكر صفو هذه الاحتفالات ذكرى الحرب على غزة التي سوف يطويها النسيان. هل يبدو ذلك غريبا أو مستحيلا؟ أنظروا ما يجري اليوم في مصر. النظام المصري يحتفل كل سنة بذكرى ثورة يوليو ومن يكون ضيوف الشرف هناك؟ أليس السفير الإسرائيلي والأمريكي وسفراء أوروبا؟
ماذا تبقى من ثورة يوليو؟ الخطاب العروبي الوحدوي ودعم حركات التحرر العربية؟ أم الإصلاحات الزراعية وتوزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء؟ أم التحرر من الهيمنة الامبريالية؟ أم بناء جيش وطني قوي يقف بالمرصاد أمام أطماع الصهيونية؟ لا شيء من هذا بتاتا. ومع ذلك ما زال النظام يحتفل بذكرى الثورة.
ما حصل في فلسطين وما حصل في مصر حصل في أماكن أخرى من العالم. الأمور مع تطورها تتحول إلى نقيضها. فالثورة تصبح ثورة مضادة (في البلدان العربية يوجد عادة انقلاب يسمى ثورة، والثورة المضادة تسمى ثورة تصحيحية) والمقاومة تتحول إلى مجموعات من المفاوضين ودعاة التعايش المشترك، والانطلاقة تخبو تدريجيا حتى تنطفئ نهائيا.
منذ الانطلاقة الأولى وحتى اليوم مرت الحركة الوطنية الفلسطينية بتجارب عديدة بعضها كان ايجابيا يشكل ذخرا وطنيا ثمينا، مثل معركة الكرامة ومواجهة النظام الرجعي في الأردن والطائفية الفاشية في لبنان بالرغم مما رافقها من شوائب. ومواجهة الاجتياحات الاسرائيلية المتكررة على لبنان وخصوصا اجتياح عام 1982 بالإضافة إلى الانتفاضيتين الأولى والثانية وأخيرا الصمود الأسطوري في العام الماضي أمام أسلحة الدمار الاسرائيلية. ومنها ما كان سلبيا يصل إلى درجة الخزي والعار وذلك من خلال هيمنة فئة فاسدة على القرار الفلسطيني وربط الحصان الفلسطيني إلى عربة الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
حركة التحرر الوطني تترسخ وتتطور حتى تحقيق أهدافها من خلال تنظيف صفوفها من العناصر الانتهازية التي فسدت وتساقطت، من خلال التمسك بالمبادئ والقيم الثورية السامية، من خلال شحذ الهمم وتعبئة الجماهير، من خلال انطلاقة ثورية جديدة.
Saturday, January 02, 2010
خواطر حول الاخلاق والسياسة والعام الجديد
تجري العادة في نهاية كل سنة أن تقوم وسائل الإعلام المحلية والعالمية، المكتوبة والمرئية والمسموعة، الصغيرة والكبيرة بتلخيص الأحداث الهامة التي حدثت خلال تلك السنة وتحليل عواقبها وتأثيرها على السنة القادمة. بعض وسائل الإعلام العريقة تختار شخصية السنة في كافة المجالات وتسهب في تحليل وتقييم أعمالها التي من أجلها استحقت أن تكون شخصية مختارة. وسائل إعلام أخرى تختار الحدث المركزي في تلك السنة، الذي ألقى بظلاله الثقيلة على تطور السياسة العالمية وتشبعه دراسة وتحليلا. بما أن نهاية هذه السنة لا يبشر بقدوم سنة جديدة وحسب بل يشير على انقضاء عقد من القرن الواحد والعشرين فبعض وسائل الإعلام العريقة تتيح لنفسها تناول عقد كامل من الزمن بالدراسة والتحليل والتعليق.
طبعا مقالة صحفية متواضعة كهذه لا تدعي أبدا تقييم أو دراسة أحداث العام المنصرم فكم بالأحرى العقد المنصرم ولن تتناول التوقعات للعام القادم الأمر الذي اتركه للمنجمين على اختلاف مشاربهم، من منجمي القنوات الفضائية إلى مشعوذي السياسة الذين يدفعون بكرتنا الأرضية نحو الهاوية. أكتفي هنا ببعض الخواطر النابعة عن غضب شديد على كل شيء تقريبا من جهة وعن خيبة أمل بكل ما كنا نتمسك به من مبادئ وقيم وأحلام من جهة أخرى.
اسمحوا لي أن أبدأ بعارنا المحلي على الصعيد الرياضي، أو الأصح أن نقول على الصعيد اللارياضي، وأعني الأحداث التي أعقبت مباراة كرة القدم بين فريقي سخنين والناصرة. ليس جديدا أن يقوم كل طرف بتبرئة ساحته وإلقاء التهمة والمسؤولية على الطرف الآخر. التبريرات التي لا تعد ولا تحصى موجودة لمن يريد أن يتناولها. وليس غريبا أن يقوم كلا الطرفين بإلقاء الكرة إلى ساحة الشرطة ويلقي عليها مسؤولية ما حدث وتبييت النية لتأجيج الخلاف بين الأشقاء والكيل بصاعين، الخ. وهكذا تضيع الطاسة.
ما حدث بين سخنين والناصرة، ولا أريد أن أقول بين نفر من الشباب الضائع من كلا الطرفين، هو صورة مصغرة لما حدث مؤخرا بين مصر والجزائر. وكل ما قيل وما كتب في تلك الحادثة هو ساري المفعول هنا أيضا. وقد قيل الكثير وكتب الكثير حول قلة الوعي عند الجماهير وسوء النية عند الطبقات الحاكمة التي استغلت هذا الحدث الرياضي لتمرير سياستها الرجعية المهادنة للغرب من جهة والمستبدة على شعبها والشعوب الشقيقة من جهة أخرى. لا يستطيع أي علم نفس أن يفسر كيف يصبح بلد عريق كمصر شرسا إلى هذه الدرجة بسبب مباراة كرة قدم زعم إنها مست كرامته الوطنية وفي الوقت نفسه يتصرف كالقطة الأليفة أمام إسرائيل التي تدوس على كرامته القومية كل يوم. ولا يستطيع أي علم نفس أن يفسر كيف يقف بعض الإفراد على دوار الشهداء في سخنين احتجاجا على جرائم الدولة في غزة بينما يشيح الكثيرون من العابرين بوجوههم، ويصبحون حيوانات مفترسة بعد مباراة كرة قدم بحجة إنهم لم يعد يطيقون الشتائم التي سمعوها من الجمهور الآخر.
في مصر والجزائر وفي سخنين وفي الناصرة، كلنا نعاني من المرض نفسه اسميه: انعدام المناعة الأخلاقية.
كلما تكلمنا عن الأخلاق، بغض النظر عن تعريفنا وفهمنا لهذه الأخلاق، كلما ابتعدنا عنها أكثر. لن يفيدنا بشيء تكرار البيت القائل: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا. أو: إذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا. أو هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات. وعشرات الأبيات والحكم التي تنضح بها مواعظنا وكتبنا التدريسية. لن نستفيد شيئا لو صعد أحد الأئمة كل يوم جمعة المنبر وردد الآية: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" بينما فظاظة كلماته وأعماله خارج المسجد تصل إلى السماء.
إذا عرفنا الأخلاق بأنها مجموعة من القيم والمبادئ التي تضبط وتوجه سلوك الأشخاص والشعوب وتكون شكلا من أشكال الوعي الإنساني وحاولنا أن نطبق ذلك على ما يحدث في غزة على سبيل المثال لا الحصر، فإننا كمجتمع إنساني في ورطة لا مخرج منها. ورطة كافية لأن تشوه وجهة البشرية إلى حد عدم التعرف عليه. وهنا لا اقتصر على دولة إسرائيل التي شنت حرب إبادة على أهل غزة وفرضت حصارا لا يعرف الرحمة عليها، ولا اقتصر على ما يسمى بالمجتمع الدولي والأنظمة العربية بسبب التواطؤ والمساهمة في هذه الحرب وهذا الحصار بل أقصد كل فرد ينتمي إلى الجنس البشري. إن ما يحدث في غزة اليوم هو وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.
لقد كتبت في الأسبوع الماضي عن تقصيرنا المخزي في نصرة أهل غزة. واليوم أريد أن أوجه عتابا شديد اللهجة إلى جميع الذين يذرفون الدموع على ما يجري في غزة ( ولا أقصد من يذرف دموع التماسيح، فهؤلاء لا يهمونني بالمرة) وأقصد بشكل خاص الناشطين في الحركات الشعبية لكسر الحصار ومنها قافلة شريان الحياة التي يقودها النائب الانجليزي جورج جلاوي والتي قطعت آلاف الأميال من بريطانيا عبر دول عديدة في أوروبا وآسيا حتى وصلت قبل عدة أيام إلى العقبة وهناك منعتها السلطات المصرية من الوصول إلى ميناء نويبع ومن ثم إلى قطاع غزة عن طريق معبر رفح. وهم يعرفون جيدا أن النظام المصري عبد مأمور لا يملك قراراته، مهما حاول أن يتقنع بقناع السيادة على أراضيه ومعابره. ولكن بما أن مصر هي الحلقة الأضعف تحاول قوافل كسر الحصار الوصول إلى غزة عن طريق مصر مع علمها أن إسرائيل هي القوة الرئيسية التي فرضت هذا الحصار. اليوم سمعنا إن قافلة شريان الحياة تعود القهقرى إلى سوريا ومن ثم إلى العريش حسب مطالب النظام المصري. العقبة لا تبعد عن إيلات سوى عدة مئات من الأمتار وعن طابة وشرم الشيخ والطريق المؤدية إلى رفح سوى عدة أميال. فلماذا يجبن جميع المتضامنين الأجانب عن مواجهة إسرائيل؟ لماذا لم تحاول القافلة اختراق الحدود المصطنعة إلى فلسطين المحتلة وهي اقصر الطرق للوصول إلى غزة؟ العالم بأسره يعلم أن كسر الحصار الإجرامي عن غزة لا يمكن أن يتم من غير مواجهة إسرائيل وإرغامها على ذلك؟ النوايا الحسنة والشعور بتأنيب الضمير من قبل بعض الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين لا ولن تكفي لكسر الحصار.
قد يستنكر البعض هذا الموقف ويعتبرونه جحودا، حسنا، فليكن. ولكن لم يعد هناك مكان للف والدوران، بحجة إنقاذ إسرائيل من نفسها.
الطريق إلى غزة تمر في تل أبيب.
Monday, December 21, 2009
ضد الديموقراطية، ضد حقوق الإنسان
علي زبيدات - سخنين
في العصر الحديث يوجد هناك ثلاث دول تدعي وتفتخر بأنها نموذج يحتذى به للنظام الديمقراطي وهي بريطانيا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. هذا الادعاء الذي أصبح حقيقة لا يقبل الجدل ويدرس كعلم في كافة المراحل التعليمية من المدارس الابتدائية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث كان كافيا لأقولها لكل من يريد أن يسمع: أنا ضد الديمقراطية.
بريطانيا، تاريخها مظلم حالك السواد بالرغم من أن الشمس لم تكن تغيب عن إمبراطوريتها. بنت حضارتها واقتصادها وتطورها , على احتلال بلدان عديدة في شتى أرجاء العالم واستعباد شعوبها ونهب ثرواتها وخيراتها. هذا بالإضافة إلى الحروب العديدة التي شنتها في أوروبا وأفريقيا وأسيا وأمريكا والى الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفتها خلال هذه الحروب. هل لأنها حددت صلاحية الملك ونقلت صلاحيته إلى رئيس الحكومة الذي يمثل الحزب الأكبر والذي ينتخب كل عدة سنوات أصبحت دولة ديمقراطية نزيهة؟
النموذج الثاني للديمقراطية، الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت على جماجم المواطنين الأصليين من الهنود الحمر بعد أن شنت عليهم حرب إبادة تعتبر من أبشع حروب الإبادة في تاريخ البشرية طالت الإنسان والحضارة واللغة وتتقزم أمامها كافة حروب الإبادة السابقة. وهي الآن تتعامل مع الديمقراطية كسلعة رأسمالية للتصدير إلى جانب الأسلحة الفتاكة التي تصدرها. جرائم الولايات المتحدة الأمريكية "الديمقراطية" أكثر من أن تحصى وتعد، بدءا بإبادة المواطنين الأصلين مرورا باستعباد ملايين الزنوج الذين خطفوا من أفريقيا وتم الإلقاء بهم في حقول التبغ والقطن والمناجم وحتى الحروب العديدة المستمرة والتي لم تسلم منها بقعة على الكرة الأرضية. هل هذا الدولة لأنها كتبت في وثيقة استقلالها " أن جميع البشر خلقوا متساوين وأن بعض الحقوق غير قابلة للتصرف ومنها الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة" أصبحت نموذجا للديمقراطية؟ بالرغم من أن كل خطوة خطتها منذ يوم استقلالها في الرابع من تموز عام 1766 وحتى يومنا هذا تؤكد عكس ما كتبته تماما: إذ أن جميع البشر لم يخلقوا متساوين، فمنهم من خلق وبيده سلاح القمع والهيمنة ومنهم من خلق عبدا أو محتلا أو لاجئا أو مطاردا. وإن جميع الحقوق قابلة للتصرف بما فيها حق الحياة والحرية والبحث عن السعادة عن طريق إتعاس الآخرين.م هل أصبحت نموذجا للديمقراطية لأنها تنتخب كل خمس سنوات الرئيس الذي اختارته الشركات الكبرى والتي أنفقت ملايين الدولارات لتضعه في الواجهة؟
الضلع الثالث في هذا المثلث الديمقراطي غير المقدس، ثالثة الأثافي، هي دولة إسرائيل. التي بنت نظامها الديمقراطي جدا جدا على الأرض التي نهبتها من تحت أقدام الشعب الفلسطيني في وضح النهار وعلى مرأى العالم أجمع وبمباركة ما يسمى بالشرعية الدولية، بعد أن شتته وألقت فيه بالمنافي، أصبحت واحة من الديمقراطية في وسط صحراء من الاستبداد والطغيان العربي. ولكن يبدو أن الديمقراطية الإسرائيلية لا تتعارض مع سياسة التطهير العرقي ومع سياسة السلب والنهب وكبت الحريات والقتل والزج في السجون بل على العكس، تنسجم معها تمام الانسجام.
قد يقول البعض أن الديمقراطية شيء وأن الأنظمة التي تطلق على نفسها أنظمة ديمقراطية هي شيء آخر. حيث يوجد هناك دوما فجوة بين النظرية والتطبيق. وأن العيب يكمن في التطبيق وليس في النظرية. وهكذا بالرغم من معرفتنا بطبيعة هذه النماذج تبقى "الديمقراطية" حلمنا المقدس المفقود.
أنا أحد الناس الذين يكفرون بالديمقراطية نظرية وتطبيقا. إذا كان التطبيق على هذه الدرجة من السوء ولفترة طويلة من الزمن، فلا بد أن يكون الخلل في النظرية أيضا. الديمقراطية لغويا هي كذبة رائجة ومنطقيا تنطوي على تناقض داخلي: إذا كان الشعب هو الحاكم فمن هو المحكوم إذن؟ وما ضرورة أن يمارس الشعب الحكم على نفسه؟ هذه الكذبة قديمة قدم الديمقراطية نفسها. في اليونان القديمة عندما كانوا يستعملون كلمة شعب لم يكن العبيد والنساء محسوبين على هذا الشعب. إذن حل التناقض يكمن في تعريف كلمة الشعب: بالنسبة للأمريكيين المهاجرين ذوي الأصول الأوروبية هم الشعب، أما السكان الأصليين فهم خارج الشعب، بل أعداء الشعب وبالتالي من الطبيعي إبادتهم. في إسرائيل، المستوطنون الصهاينة هم الشعب، أما الفلسطينيون فهم أعداء الشعب ولا تسري الديمقراطية عليهم. الطبقة الحاكمة هي التي تحدد من هو داخل الشعب ومن هو خارجه. وفي حالات معينة ممكن أن تقصي أشخاصا أو فئات كانت معدودة على الشعب. أثينا القديمة الديمقراطية قررت أن سقراط هو عدو الشعب وقدمت له السم. مما حدا بأفلاطون أن يرفض الديمقراطية ويدعو إلى استبدالها بسلطة الفلاسفة.
في هذه الأيام لم يعد هناك فلاسفة. وإذا وجد البعض فأنهم مغرقون بالرجعية. الديكتاتورية الثورية للطبقات المظلومة هي البديل الوحيد لهذه الكذبة التي تسمى الديمقراطية. الديكتاتورية الثورية التي لا تكتفي بالكلام عن الحقوق غير القابلة للتصرف بل تعمل على تطبيقها. هذه الديكتاتورية الثورية التي يقودها ثوريون ملتزمون تأخذ شرعيتها من الجماهير الثائرة وليس من وثائق ودساتير ميتة بين صفحات الكتب.
كذبة أخرى رائجة في أيامنا هذه جرى الاحتفال بذكراها مؤخرا هي كذبة حقوق الإنسان: بينما كان لاجئو فلسطين في عام النكبة يهيمون على وجوههم باحثين عن مكان يضعوا عليه خيماتهم تبنت الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 ما يسمى: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. هذا الإعلان، الذي أصبح إنجيلا بالنسبة للبلدان "الديمقراطية" و لمنظمات حقوق الإنسان التي انتشرت كالفقع في كل مكان ومعظمها لا يعدو كونها أكثر من حوانيت خاصة تتاجر بهذه السلعة الفاسدة، ينضح من أول كلمة فيه إلى آخر كلمة بالنفاق والتمييز بين إنسان وإنسان. إن تكرار الجملة الممجوجة التي تقول: "يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق" لم يغير من منسوب النفاق في هذا الإعلان من المادة الأولى إلى المادة الثلاثين الأخيرة شيئا.
معظم أبناء الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال لا الحصر، ولدوا تحت الاحتلال أو في اللجوء وكرامتهم مهانة وحقوقهم مهضومة. وعلى دولة إسرائيل قبل أن توقع على هذا الإعلان كان الأحرى بها أن تكون هي نفسها إنسانية أولا. لا يعقل أبدا أن تقترف دولة إسرائيل والدول "الديمقراطية" الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية جرائم في حق الإنسانية وفي الوقت نفسه تتشدق بحقوق الإنسان وتأتي لتبيعنا بضاعتها الكاسدة في هذا المجال.
عندما يصبح الإنسان أبن نوعه أي عندما يصبح إنسانا يكتسب الحق الأخلاقي للكلام والدفاع عن حقوق الإنسان.
Monday, December 14, 2009
القدس الواحدة هي العاصمة الابدية لفلسطين
علي زبيدات – سخنين
المعادلة بسيطة: من قبل في الماضي ومن يقبل في الحاضر تقسيم فلسطين فلن يكون غريبا عليه أن يقبل تقسيم القدس. ومن وجد ألف تبرير لماذا يجب القبول بتقسيم فلسطين فلن يعجز عن إيجاد ألف تبرير آخر لماذا يجب تقسيم القدس والرضا بما تتنازل لنا عنه إسرائيل لتقوم عليها عاصمة الدولة الفلسطينية. منذ أن تناولت وسائل الإعلام خبرا مشكوك بمصداقيته يفيد بأن السويد تقود تحركا أوروبيا غير مسبوق بصدد اعتراف الاتحاد الأوروبي بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، والمسئولين الفلسطينيين في السلطة من الرئيس إلى اصغر موظف في مكاتب المنظمة في أوروبا يكادون أن يشقوا ثيابهم طربا وفرحا.
لكن كالعادة، تمخض الجبل فولد فأرا. حيث تبين أن بيان الاتحاد الأوروبي لا يتناول لا من قريب ولا من بعيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو بالقدس المحتلة كعاصمتها، بل يجتر المواقف المعروفة للإتحاد الأوروبي منذ عقود والتي تدعو: "إسرائيل والفلسطينيين إلى تسوية وضع القدس على أنها عاصمة الدولتين في المستقبل" كيف تتم تسوية وضع القدس ومتى يأتي هذا المستقبل؟ يبقى ذلك في عالم الغيب.
في خضم هذا الجدل الملتهب على الساحة المحلية والإقليمية والدولية أرى من الواجب أن يقوم شخص واحد على الأقل، وأتطوع أن أكون هذا الشخص، ليقول للاهثين وراء سراب الدولة والعاصمة على الساحة الفلسطينية أولا وللإجماع القومي الإسرائيلي ثانيا من ثم للإتحاد الأوروبي وللعالم أجمع: أن القدس بشرقها وغربها، بجنوبها وشمالها، بقديمها وحديثها هي مدينة واحدة، مدينة عربية فلسطينية، سواء كانت عاصمة لدولة أو لدولتين أو لم تكن، سواء كانت مقدسة للأديان السماوية الثلاثة أم لم تكن. هذه المدينة مثلها مثل الوطن بأسره غير قابلة للقسمة مهما نهشتها الكلاب البشرية ومزقت أشلاءها قوى الظلم في هذه المرحلة التاريخية أو تلك.
لقد روجت دولة إسرائيل، منذ قيامها على الأقل، لكذبة راجت على جميع الأصعدة حتى أصبحت بمثابة بديهية مفروغ منها لا تحتاج لأي برهان تقول: أن القدس الغربية أو القدس الجديدة هي مدينة يهودية إسرائيلية. وقد ساهم النظام العربي والفلسطيني الرسمي في ترويج هذه الكذبة وأقتصر كلامهما على القدس القديمة أو الشرقية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 وقامت بضمها.
أهالي القدس يعرفون جيدا أن "القدس الجديدة" بنيت على أنقاض ما لا يقل عن 15 حيا فلسطينيا أصيلا وأن جميع مؤسسات الدولة الصهيونية من كنيست إلى المحكمة العليا إلى مقر رئيس الدولة إلى متحف "يد وشم" وغيرها قائمة على أنقاض هذه الأحياء. وأن الأحياء الجديدة الأخرى التي بنتها الدولة بعد عام النكبة قامت على أراض فلسطينية مغتصبة ومحتلة. حسب علمي، لم يحضر المستوطنون الصهاينة الذين غزوا فلسطين بأعداد متزايدة في أعقاب الانتداب البريطاني الأرض في جيوبهم أو على ظهور السفن التي نقلتهم بل استولوا عليها بواسطة كافة أساليب الغش والسرقة ومن ثم بواسطة القوة العسكرية.
طبعا لم تكتف إسرائيل بسلب واحتلال الأراضي الفلسطينية التي قامت عليها القدس الغربية بل واصلت سياسة التطهير العرقي المنهجية لتهويد كامل مدينة القدس بعد إكمال احتلالها وضمها عام 1967. كانت سياستها هذه واضحة منذ البداية ولم تحاول حتى التستر عليها، فقط المكفوفين في السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية لا يبصرون ذلك، وهي أن مصير القدس لن يكون أفضل من مصير يافا وحيفا وعكا واللد والرملة. التهويد يجب أن يصل إلى كل مكان وكل مجال. هكذا بدأت بإفراغ القدس القديمة من سكانها العرب بدءا بما يسمى بالحي اليهودي وهو حي فلسطيني أصيل وجلب المستوطنين إليه ومن ثم انتشار البؤر الاستيطانية السرطانية في كافة أرجا القدس من جبل الطور إلى جبل المكبر ومن سلوان إلى حي رأس العامود إلى حي الثوري والشيخ جراح. هذا بالإضافة إلى المستوطنات التي ألحقت بالقدس مثل معاليه ادوميم، بسغات زئيف، التلة الفرنسية جبل أبو غنيم وغيرها من ضواحي القدس وأراضيها.
إذن، عن أية عاصمة يتحدثون؟ ولا يغرنك الشعارات، ففي سياق هذا المزاد العلني المعروض حاليا فلن تكون مفاجأة أن تصبح أبو ديس هي مدينة القدس وهي العاصمة. المفاوضون الفلسطينيون يتبعون المثل البدائي الذي يقول: أطلب الكثير لكي تحصل على القليل. لم ننس بعد تصريح الناطق باسم رئاسة السلطة نبيل أبو ردينة وهو يقول:"قد نتنازل عن السيادة في الحرم القدسي لمصلحة طرف ثالث".
إذا كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي احتلت وألحقت القدس بصورة غير شرعية حسب كافة القوانين الدولية والأخلاقية، تكرر ليل نهار وأمام كل من يريد أن يسمع، بأن القدس "الموحدة" هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، فلماذا نجبن نحن أصحاب الحق والأرض ولا نقول لكل من يريد أن يسمع: أن القدس الواحدة هي عاصمة فلسطين الأبدية؟
Wednesday, December 02, 2009
أوهام الدولة وحقيقة المقاومة
علي زبيدات – سخنين
عندما تستحوذ الأوهام على رؤوس بعض الناس تصبح أخطر من الحقيقة ويصبح من الصعب بل في بعض الأحيان من المستحيل استئصالها. وهم الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل ليس جديدا بل هو قديم قدم القضية الفلسطينية نفسها. ولكنه في ذلك الوقت كان من نصيب أفراد أو أحزاب هامشية منبوذة على الصعيد الشعبي لا تمتلك القرار. أما اليوم فأنه يستحوذ بشكل مرضي على عقول شريحة واسعة من الزعامة المستنفذة للشعب الفلسطيني.
الحملة الأخيرة على هذا الصعيد بدأها سلام فياض، رئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية قبل عدة أشهر عندما نشر برنامج حكومته من خلال وثيقة أطلق عليها اسم: "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" وزعم أنه سيبني مؤسسات الدولة المستقلة خلال سنتين حيث ستقوم هذه الدولة بغض النظر عن نتائج المفاوضات مع إسرائيل. وقد بدأ واضحا أن هذه الوثيقة تحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة ولا تتعارض جوهريا مع تصور رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو للدولة الفلسطينية والسلام الاقتصادي الذي يعرضه.
هذه الأوهام انتشرت مثل النار في الهشيم وبلغت ذروتها عندما صرحت السلطة على لسان كبير مفاوضيها، صائب عريقات، عن نيتها إعلان الدولة المستقلة من طرف واحد والتوجه إلى مجلس الأمن من أجل الاعتراف بهذه الدولة. بالرغم من موافقة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة المبدئية على مثل هذه الدولة الوهمية إلا أن موقفهما المعلن هو ضرورة أن تكون هذه الدولة نتيجة للمفاوضات بين الطرفين. ولكن كالعادة فأن الاتحاد الأوروبي يحسن ذر الرماد في العيون ويظهر بعض المرونة في موقفه، حيث تزحزح قليلا عن موقفه السابق الذي يقول بأن ظروف الإعلان عن الدولة الفلسطينية لم تنضج بعد، إلى موقف يقول بأنه على استعداد للاعتراف بهذه الدولة وبالقدس الشرقية كعاصمة لها. وسوف يتخذ قرارا بهذا الشأن الأسبوع القادم خلال اجتماع لوزراء خارجيته. أما الموقف الأمريكي فما زال مطابقا للموقف الإسرائيلي الذي يحتم عودة الفلسطينيين للمفاوضات بدون شروط مسبقة لكي يتم تفصيل الدولة الفلسطينية على مقياس الزعامة الفلسطينية بما تسمح به إسرائيل فقط. على كل حال، يبدو واضحا أن التفاوت في هذه المواقف جاء من باب تقسيم الأدوار والهدف واحد هو تصفية القضية الفلسطينية نهائيا لصالح إسرائيل باسم الحل السلمي.
طبعا، نحن هنا، الفلسطينيون القاطنون في الأراضي المحتلة عام 1948 لسنا بمعزل عن هذه الأوهام بل العكس هو الصحيح حيث تنخر بنا حتى النخاع. قسم لا يستهان به تأسرل نهائيا إلى أقصى ما تسمح به قوانين وواقع الدولة العنصرية، وقسم كبير آخر أصبح هجينا يلهث وراء إيجاد المعادلة، الوهمية في حد ذاتها، بين هويته الإسرائيلية والفلسطينية. وهذا القسم يتبوأ الآن زعامة الجماهير الفلسطينية في هذا الجزء من الوطن المحتل من خلال لجنة المتابعة العليا والأحزاب العربية الإسرائيلية الممثلة في الكنيست وغير الممثلة به ومن خلال باقي المؤسسات. هذه الزعامة تعاني هي الأخرى من صرع أوهام الدولة وتمنح دعمها اللامحدود، مع كونه تافها، لزعامة السلطة في جهودها التسووية.
في الحقيقة حالة هؤلاء المصابين بوهم الدولة تثير الشفقة. فدولة إسرائيل تضرب بعرض الحائط أبسط أوهامهم ولا تكن ذرة احترام لتوسلاتهم ولاستعدادهم تقديم المزيد من التنازلات. تدعهم يهيمون وراء أوهامهم السرابية وطرق أبواب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بينما تتابع هي تنفيذ خططها المعلنة في تهويد القدس وتطوير وتوسيع المستوطنات وإكمال بناء الجدار العازل. أي أنها تزرع الحقائق على ارض الواقع، على كل بقعة تطؤها أقدام الجندي الإسرائيلي. هذه الحقائق التي نواجهها نحن باللهث وراء الأوهام.
عندما يكون هناك احتلال الحقيقة الوحيدة المتبقية هي مقاومة هذا الاحتلال. هذه القاعدة لم تخترعها إسرائيل ولم يخترعها الفلسطينيون. بل هي حقيقة أكدتها وتؤكدها تجارب الشعوب التي ناضلت من أجل حريتها واستقلالها في مشرق الأرض ومغربها. فقط بعد دحر الاحتلال يمكن الكلام عن الكماليات الأخرى مثل الدولة والسلام والتطور والبناء. ما دام الاحتلال جاثما على صدور الناس يمنعهم حتى من التنفس بشكل طبيعي فإن الكلام عن أمور أخرى غير كنس الاحتلال أولا لا يصب إلا في بحر الأوهام.
الاستمرار في طريق المقاومة مهما كانت هذه الطريق شاقة ومهما كلفت من تضحيات ومن آلام هو الطريق الوحيد للتخلص من الأوهام والانتقال إلى الحقيقة. وكما يقول المثل العربي: آخر العلاج الكي. وها نحن نقف أمام آخر العلاج: إما أن تصفى القضية نهائيا، فيبقى اللاجئون لاجئين إلى الأبد وتبقى الأرض محتلة إلى الأبد وإما أن تنهض الأمة من محرقتها كالعنقاء وتتابع مسيرة الحرية.
Tuesday, November 24, 2009
عندما تقسم الضحية
تأتي الذكرى ال62 لقرار تقسيم فلسطين هذه السنة بينما يحتفل العرب والمسلمون بعيد الأضحى. وعلى ما أظن، وأتمنى أن أكون مخطئا في ظني هذا، أنه في خضم مآدب الشواء التي لا تنتهي والرحلات الترفيهية المتنوعة لن يكون لديهم متسعا من الوقت أو مزاجا ملائما للتوقف أمام هذه الذكرى الأليمة لتقسيم أكثر ضحية مأساوية في حياة البشر تفوق بما لا يقاس خروف إبراهيم وابنه وباقي الخرفان والأبقار والجمال التي ضحي بها من ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.
في 29 تشرين ثاني 1947 قرر أصحاب القوة والقرار، الذين خرجوا منتصرين من الحرب العالمية الثانية، مكافأة حركة من العصابات الاستيطانية الصهيونية الخارجة على القانون بمنحها قسما عزيزا من فلسطين لكي تقيم عليها دولة يهودية، وذلك بغياب كامل لشعب فلسطين.
لن نجدد شيئا إذا كررنا للمرة المليون أن هذا القرار كان مجحفا بحق الشعب الفلسطيني حسب كافة المقاييس المتعارف عليها: كيف يعقل أن يحظى ثلث السكان الطارئين الذين قدموا من شتى أصقاع الأرض على 55% الأرض؟ حسب أية قوانين تكون مثل هذه القسمة عادلة؟ ولا نريد هنا أن نعود إلى الوراء ونتكلم عن الضغوطات التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية على الدول النامية لكي تصوت إلى جانب قرار التقسيم. ولا نريد أن نكرر الارتداد السوفيتي عن مواقفه المبدئية السابقة وسيره في الثلم نفسه مع الدول الامبريالية ودعمه لعصابات المستوطنين. كل هذه الوقائع تعبر عن نفسها وليست بحاجة إلى أي تفسير أو شرح.
في الحقيقة، إنا أتفهم تماما ما حدث في تلك الحقبة الزمنية ومثلي الكثيرون: القوة العسكرية والاقتصادية هي التي فرضت الواقع ولم يكن هناك دور لأي اعتبارات أخرى واردة من عالم الأخلاق أو المبادئ أو العدالة. وهذه القوة كانت موجودة بشكلها المطلق عند الطرف الآخر وما كان أمام الشعب الفلسطيني إلا أن يدفع الثمن، وقد كان الثمن باهظا جدا كما هو معروف للجميع.
ولكني لا أستطيع أن أتفهم أبدا أن يقوم شخص أو مجموعة أشخاص معدودين على الضحية بقبول وتبني هذا القرار المجحف وإيجاد الأعذار والتبريرات التي هي أبشع من ذنوب لتسويغ ذلك. وهذا ما يفعله على سبيل المثال لا الحصر القيادي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، عصام مخول، في مقالة طويلة نشرتها جريدة الاتحاد وموقع الجبهة بعنوان: "حين يصبح اللاحل هو الحل". يعيد الكاتب كتابة التاريخ على طريقة تذكرني بالمثل الصيني الذي يقول إذا كان الحذاء ضيقا فعليك بقص أصابع القدم لكي تتلاءم مع الحذاء. في سياق دفاعه عن حل الدولتين، الحل الوحيد الواقعي والعادل والذي يضمن حق تقرير المصير للشعبين، يبرر الكاتب قبول الحزب الشيوعي الفلسطيني (الإسرائيلي لاحقا) لقرار التقسيم ويدافع عن هذا القرار بعدما يصور الأمور وكأن الخيار كان بين قبول قرار التقسيم الذي يؤمن للشعب الفلسطيني حوالي نصف البلد وبين النكبة. ونتيجة تحليله أن جماهير الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية كانت من الغباء بأنها رفضت قرار التقسيم واختارت النكبة. أي أن الضحية هي الملومة، على عكس ما كان يردده أحد أقطاب هذا الحزب، ولكن في سياق آخر: لا تلوموا الضحية.
قلت في مقالة سابقة أن الحزب الشيوعي الفلسطيني (الإسرائيلي) منذ ميلاده قبل 90 سنة وهو يعيش في تناقض داخلي بسبب نشأته وترعرعه في ظل مشروع كولونيا لي عنصري لا يمكن أن تتعايش مع إيديولوجية تحررية تقدمية.
لم يكن الشعب الفلسطيني غبيا عندما رفض قرار التقسيم جملة وتفصيلا. كان ضعيفا، ممزقا، يعاني من تخلف سياسي واقتصادي واجتماعي بسبب أربعة قرون من الاحتلال العثماني ولكنه لم يكن غبيا. كان يناضل من أجل حقه الطبيعي في الحياة والبقاء. لذلك رفض قرار التقسيم كما رفض من قبله قرار الانتداب ووعد بلفور. ومهما طال الزمن ومهما تغيرت موازين القوى، ومهما تساقطت قوى كانت في يوم من الأيام محسوبة على المعسكر الوطني، سيبقى البند التاسع عشر من الميثاق الوطني الفلسطيني يجسد ضمير الشعب الفلسطيني الحي. يقول هذا البند الذي قامت سلطة أوسلو بشطبه:" تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام إسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه ومناقضته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها حق تقرير المصير"
منذ أن تخلى الحزب الشيوعي الفلسطيني عن مطالبته بدولة ديمقراطية واحدة وتبنيه حل الدولتين لشعبين في أعقاب قبوله لقرار التقسيم وهو يختبئ وراء شعار حق الأمم في تقرير مصيرها التي دافعت عنه وناضلت من أجله الحركة الشيوعية عندما كانت ثورية. وهذا ما بزعمه عصام مخول بصراحة في مقاله المذكور بأن قيام دولة إسرائيل هو تجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره. هذا تشويه وتزييف لمبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها. أولا منذ متى يطلق على عصابات استيطانية أمة؟ وثانيا، ولنفرض جدلا أنها أمة أو أصبحت أمة فهل لها الحق في أن تقرر مصيرها على حساب أمة أخرى؟
قرار التقسيم كان مؤامرة صهيونية امبريالية على فلسطين وشعبها، وفي ذلك الوقت لم يقع في فخ هذه المؤامرة من الأحزاب السياسية سوى الحزب الشيوعي الذي كان من المفروض أن يقود النضال ضدها. ولكن بعد 62 عاما وقعت في شباك هذه المؤامرة الحركة الوطنية الفلسطينية بكاملها مع بعض الاستثناءات وقد عبرت عن هذا التحول الخطير ما يسمى وثيقة الاستقلال الفلسطينية التي نصت على ما يلي: "فإن هذا القرار (قرار التقسيم) ما زال يوفر شروطا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني"
قرار التقسيم كان في 29 تشرين الثاني عام 1947 قرارا لا يمت للشرعية الدولية وغير الدولية بصلة وهو اليوم لا يمت للشرعية بصلة وسيبقى أبد الدهر لا يمت للشرعية بصلة حتى يتم إلغائه هو وكافة نتائجه.
Saturday, November 21, 2009
الاستقلال الكاذب
توجد هناك ظاهرة أصبح وجودها نادرا ولكنها ما زالت موجودة تسمى بلغة الطب بالحمل الكاذب أو الحمل الوهمي. حيث تظن السيدة التي تعاني من هذه الظاهرة، عادة بسبب اضطرابات نفسية، أنها حامل وتظهر عليها أعراض الحمل الحقيقي: انقطاع الدورة الشهرية، انتفاخ البطن بسبب اختلال توازن الهرمونات، الإقبال على الأكل الزائد فيزداد وزنها، اشتهاء بعض الأطعمة فيبدو وكأنه وحم طبيعي. فتقوم هذه السيدة المسكينة بالاستعدادات لاستقبال المولود وإشاعة الخبر السعيد. ولا تقبل كونها غير حامل بالرغم من تأكيد كل الفحوصات، فهي لا تصدق الأطباء وتحاول التهرب من إجراء فحوصات جديدة. بالطبع هذا الوضع لا يدوم إلى ما لانهاية. وبعد اكتشاف الحقيقة عادة ما تصاب هذه السيدة بصدمة نفسية تتفاوت شدتها وقد تكون بحاجة إلى علاج نفسي طويل.
هذه هي تقريبا حكايتنا مع الاستقلال الكاذب الذي كان من المفروض أن يحتفل شعبنا بذكراه ال21 قبل بضعة أيام وبالتحديد في 15 تشرين الثاني. ولكن مع فرق واحد عن الحمل الكاذب هو أن السيدة بعد أن تكتشف أن حملها كان وهميا تدخل في صدمة نفسية ، أما نحن، وبعد أن اكتشفنا استقلالنا الوهمي لم نصاب بأية صدمة ، وكأن شيئا لم يحدث،وكأن جلودنا أصبحت كجلود التماسيح. ويقوم من يعلن مرة أخرى عن استقلالنا الوهمي القادم. فقبل أن نستفيق من خطة رئيس حكومة السلطة سلام فياض بصدد إعلان الدولة المستقلة خلال سنتين نفاجأ بخطة أخرى صادرة عن أقطاب السلطة مطالبين الإعلان عن استقلال الدولة من طرف واحد ومطالبين المجتمع الدولي الاعتراف بهذا الاستقلال.
الحمل الكاذب، اقصد الاستقلال الكاذب، بدأ بكذبة كذبناها على أنفسنا وصدقناها في دورة المجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في الجزائر عام 1988 والتي سميت اعتباطا "دورة الانتفاضة" بينما كان الهدف الحقيقي منها إجهاض الانتفاضة التي أربكت ليس إسرائيل وأمريكا فحسب بل أيضا القيادة الفلسطينية القابعة في تونس. وبحجة استثمار انجازات الانتفاضة الشعبية على الصعيد السياسي وبناء على وعود من الإدارة الأمريكية بالتفاوض المباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية عقدت هذه الدورة وتم رسميا قبول قرار الأمم المتحدة 242. هذه الدورة فتحت الطريق مباشرة إلى مؤتمر مدريد الذي جاء مكافأة أمريكية للأنظمة العربية على موقفها الداعم للحرب الأمريكية على العراق ومن ثم كانت الطريق إلى أوسلو قصيرا ومعها تم إجهاض الانتفاضة نهائيا.
مصمما الاستقلال الكاذب قد رحلا عنا، وحسب تقاليدنا وعاداتنا الشرقية من العيب انتقاد القادة المتوفين خصوصا بعد أن أضفينا عليهما هالة من القدسية، وأعتذر لأني لست من أنصار هذه التقاليد والعادات. الأول: هو الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي ورطنا وورط نفسه في اتفاقيات أوسلو والنتيجة معروفة للجميع ولا حاجة هناك للخوض بها ، بالإضافة إلى انه أورث لنا القيادة الحالية. والثاني شاعرنا القومي محمود درويش الذي كتب "وثيقة الاستقلال" واضعا نصب عينيه وثيقة الاستقلال الإسرائيلية. وكلاهما أراد أن يلعب دور بن غوريون الفلسطيني. قد يكون محمود درويش شاعرا مبدعا حمل الجرح الفلسطيني على طريقته الخاصة ولكنه كسياسي كان دون المتوسط وقفزه من سفينة أوسلو والنجاة بنفسه قبل أن تتحطم لم يغير من هذا الواقع قيد أنملة. فقد كان حتى يومه الأخير شاعر البلاط المدلل.
جميع الفحوصات أكدت أن هذا الاستقلال كاذب. انقطاع الدورة الشهرية كان انقطاعا عن المقاومة الشرعية للاحتلال، الإقبال على الأكل الزائد كان إقبالا على خيرات الغرب غير الصحية والنتيجة كانت انتفاخ البطون لبعض المتنفذين في السلطة. وإعلان الاستقلال كان الخبر السعيد الذي من خلاله يلهون الشعب.
ليس من باب الصدفة أن جماهير شعبنا لم تخرج إلى الشوارع محتفلة بهذا اليوم. لم تكن هناك مفرقعات ولا عروض رقص شعبية ولا حتى رحلات الشواء في أحضان الطبيعة أسوة بأبناء عمنا. بصراحة أقولها، أنا الذي أعتبر نفسي غارقا في الهم الفلسطيني حتى النخاع، وهناك العديدين مثلى، نسيت 15 تشرين الثاني وما يمثله إلا بعد سماعه في الأخبار أو القراءة عنه ولا اشعر نشئ إزاء هذا اليوم يدغدغ عاطفتي الوطنية. هل يستطيع أحدنا أن ينسى يوم النكبة أو يوم الأرض؟ أظن أن الاحتفالات الوحيدة في هذه المناسبة اقتصرت على نزلاء المقاطعة في رام الله وبعض الأماكن الأخرى المعروفة بميولها.
الشعوب تحتفل باستقلالها الحقيقي الذي يأتي تتويجا لنضال طويل ومرير والذي ينتهي بدحر المحتلين أو المستعمرين. أليس من العار أن نتكلم عن استقلال وما زال الاحتلال يجثم فوق صدورنا؟ أي استقلال هذا وكل شبر من ارض الوطن مباحا أمام المحتلين؟ كيف يستطيع أهلنا في غزة الاحتفال بالاستقلال وهم يعانون من أطول حصار عرفه التاريخ الحديث؟ وأي استقلال هذا في ظل الجدار العازل ومئات الحواجز التي تمزق ارض الوطن طولا وعرضا؟
لكي نصنع الاستقلال الحقيقي ونحتفل به يجب أن ندحر الاحتلال عن أراضينا أولا.
Tuesday, November 10, 2009
سنة حلوة يا جميل
بمناسبة 90 عاما على ميلاد الحزب الشيوعي الإسرائيلي
علي زبيدات – سخنين
من منا لا يحب الحفلات؟ وهل يوجد أجمل من أن يحتفل الإنسان بعيد ميلاده؟ فهذه المناسبة تجمع الأهل والأصدقاء والزملاء الذين فرقهم الزمن ومتاعب الحياة. وإذا كان الشخص المحتفى به شخصية معتبرة فهناك الهدايا الجميلة وهناك زخات من المدائح التي تنهال على رأسه من المهنئين حتى يبدأ بالتساؤل: هل أنا حقا المعني بهذا الكلام؟ وإذا كان الشخص يرى نفسه ولا يصدق فسرعان ما ينضم لجوقة المداحين، ينفش ريشه كالطاووس وينزل نفخ في نفسه حتى يشارف على درجة الانفجار أو حتى تنقطع أنفاسه. وفي اليوم التالي بعدما ينظف نفايات الحفلة من حوله، يعود إلى حجمه الحقيقي ويغص ثانية في لجة حياته المملة. وقد يتمتم مع فريد الأطرش: عدت يا يوم مولدي، عدت يا أيها الشقي، الصبا ضاع من يدي وغزا الشيب مفرقي، ليت يا يوم مولدي كنت يوما بلا غد. وهذا ليس من باب التشاؤم أو من باب اليأس لا سمح الله، ولكن لأن هذا هو واقع معظمنا في هذا الزمن الرديء.
الأحزاب السياسية، تقريبا كالأشخاص، هي أيضا تولد في يوم ما وتقطع مسيرة قد تقصر أو تطول حتى يأتي أجلها في يوم ما. وهي كالأشخاص تحب الحفلات وخصوصا حفلات عيد ميلادها. وتحب أن تجمع في هذه الحفلات أكبر عدد من الأصدقاء والأحباء وتتقبل الهدايا بكل سرور وتتلهف إلى سماع الإطراءات. وإذا كان هذا الحزب، كالشخص، شايف حاله وغير مصدق، ينضم هو الآخر إلى جوقة المداحين ويبدأ بعرض إنجازاته الخارقة حتى يسكر طربا على صوت المدائح والموسيقى. وفي اليوم التالي، بعد ما يسلم قاعة الاحتفالات إلى أصحابها يعود ليأخذ دوره الطبيعي على هامش السياسة وعلى هامش التاريخ.
في هذه الأجواء احتفل الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعيد ميلاده التسعين. أولا وقبل كل شيء مبروك وعقبال ال190 وأكثر. والآن لنضع أقدامنا مرة أخرى على أرض الواقع.
تأسس الحزب الشيوعي في روسيا عمليا في عام 1903 عندما قاد لينين انشقاق البلاشفة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وحتى عام 1917 كان وراءه ثورتان الأولى عام 1905 فشلت ولكن خرج الحزب منها أقوى والثانية تكللت بالنجاح بعد أن دك احد أعتى الأنظمة رجعية. وبعدها، من غير توقف، خاض حربا أهلية مدعومة من قوى عالمية عظمى وانتصر عليها وبدأ في تشييد أول دولة اشتراكية وخاض الحرب العالمية الثانية ضد النازية الشرسة وانتصر عليها. مثل هذا الحزب لو احتفل بعيد ميلاده العاشر أو العشرين أو الثلاثين وتحدث عن إنجازاته فهو يستحق ذلك. ولكن ككل إنسان عظيم تكون حياته عريضة وعميقة وإن لم تكن طويلة، مات مبكرا وترك الأحزاب التي تسمي نفسها شيوعية يتيمة تتخبط في الظلام مع أوهامها، ولكن هذه قصة أخرى.
الحزب الشيوعي الصيني ولد عام 1921 أي بعد ولادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ومنذ لحظة ولادته تعرض إلى مؤامرات ومجازر لتصفيته ولكنه خاض حربا بلا هوادة ضد الإقطاعيين وأمراء الحرب المحليين وضد المحتلين اليابانيين، وقبل أن يحتفل بعيد ميلاده ال30 كان يحرر أكبر دولة في العالم من حيث السكان ويبني الصين الجديدة. فلو احتفل هذا الحزب بعيد ميلاده وتكلم عن إنجازاته لأخرس جميع المتطاولين.
الحزب الشيوعي الفيتنامي، الذي ولد عام 1941 بقيادة هو تشي منه، خاض منذ لحظة ولادته الأولى الحرب ضد الغزاة اليابانيين وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية وحاولت فرنسا العودة لاستعمار فيتنام تابع الحزب الشيوعي الفيتنامي حربه التحريرية حتى انتصر على الاستعمار الفرنسي وأجبره على الرحيل. وتابع الحزب الشيوعي الفيتنامي نضاله لتحرير الجزء من الوطن الذي بقي تحت سلطة العملاء المدعومين من الامبريالية الأمريكية الجديدة حتى حقق الانتصار النهائي في عام 1975. مثل هذا الحزب لو احتفل بعيد ميلاده وتكلم عن إنجازاته فما علينا إلا أن نحني هاماتنا احتراما وتقديرا.
ولكن أن يقف أحد قادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي على المنصة ويترنح طربا ويقول: " إن الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو قائد الانجاز الأكبر للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، من خلال قيادته لبقاء الجماهير الفلسطينية في وطنها، ويقابل بالتصفيق؟ أليست هذه جريمة في حق التاريخ؟ ويتابع هذا الحزبي التعيس أضغاث أحلامه ويقول:" أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي أعاد بناء الشعب الفلسطيني من خلال الحفاظ على لغته وصنع أيامه الوطنية كيوم الأرض الخالد وبناء المؤسسات والأطر الوحدوية..." هذا إذا أضفنا خطابات النفاق التي تخرج من اللسان ولا تتجاوز الآذان والتي تكرم بها ممثل سلطة رام الله المنهارة وممثل حزب الشعب الهلامي الذي لم يتخذ يوما موقفا مستقلا ورئيس لجنة المتابعة ورئيس بلدية حيفا، تحلو الحفلة ويحلو الرقص.
ولكن بصفتي فردا من هذا الشعب المنكوب، فردا كان وما زال يحلم بمجتمع شيوعي حقيقي خال من القهر ومن استغلال الإنسان للإنسان، لا أستطيع أن أرقص على هذه الألحان النشاز.
الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي ولد باسم الحزب الشيوعي الفلسطيني وغير اسمه بعد ولادته الثانية مع ولادة أمه الثانية، دولة إسرائيل عام 1948، ولد عن طريق الخطيئة بتزاوج الأفكار الشيوعية مع المشروع الكولونيالي الصهيوني. ومنذ اليوم الأول لولادته وحتى يومنا هذا وهو يحمل أوزار خطيئته هذه.
لقد آن الأوان أن يستفيق الرفاق وخصوصا من قطاع الشبيبة الذين لم يتم إفسادهم كليا بعد وينظروا إلى التناقض الصارخ الذي يحمله اسم حزبهم في أحشائه: "الحزب الشيوعي الإسرائيلي". هل يعقل أن يولد حزب شيوعي حقيقي من صلب مشروع استيطاني عنصري؟
Tuesday, November 03, 2009
وماذا عن "بلفورات" العرب
علي زبيدات - سخنين
قبل عدة أيام مرت الذكرى ال92 لوعد بلفور. ما أشبه اليوم بالأمس. وكأننا لا رحنا ولا جئنا. في هذه المناسبة وعلى ضوء ما قرأته في وسائل الإعلام العربية التي نشرت ما جادت به أقلام من يعدون أنفسهم مفكرين قوميين أو إسلاميين أو شيوعيين، أستذكر مقولة كارل ماركس الشهيرة: التاريخ يعيد نفسه مرتين مرة بشكل تراجيدي ومرة أخرى على شكل هزلي. ولكن في هذه المناسبة، وأعذروني على وقاحتي، أود أن أصحح مقولة معلمي الكبير: التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة بشكل تراجيدي ومرة أخرى بشكل أكثر تراجيدية.
حوالي القرن مر على وعد بلفور وما زلنا نجتر الكلمات نفسها ونكيل الشتائم نفسها ونعيد التبريرات والأعذار نفسها. لم نتعلم أي شيء من التاريخ وخصوصا لم نتعلم أي درس من هذه التجربة الوجودية الخاصة. ما رأيكم، لقد قرأت أكثر من عشرة مقالات في هذه المناسبة وكلها تكرر بصوت ببغاوي: وعد بلفور المشؤوم... لا أدري من أول من أطلق هذه الصفة على هذا الوعد، وما كانت منطلقاته الفكرية وموقفه السياسي، وهو بلا شك كان على حق تماما بإلصاق هذه الصفة به. ولكن بعد 92 سنة لا نجد كلمة أخرى نصفه بها؟ إن هذه لمصيبة.
في ذلك الوقت قدم وزير الخارجية البريطاني بلفور باسم الحكومة البريطانية وعدا للحركة الصهيونية بمساعدتها ودعمها حتى تحقيق هدفها بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين. إذن، لم يكن هذا التصريح سوى الخطوة الأولى في سياسة استمرت حتى الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وما زالت مستمرة بأشكال أخرى إلى يومنا هذا. تلت هذه الخطوة قيام بريطانيا باحتلال فلسطين تحت اسم الانتداب من أجل تنفيذ هذا الوعد على أرض الواقع. وقد ذكر هذا الهدف بشكل واضح لا يقبل التأويل في صك الانتداب. في الوقت نفسه كانت الزعامات العربية تتهافت على بريطانيا وتحاول أن تقنعها بأنها سوف تخدم مصالحها في المنطقة بشكل أفضل مما تستطيع أن تقدمه الحركة الصهيونية، وكانت تعمل المستحيل لكي تعبر عن صداقتها لهذه الدولة الاستعمارية، وكانت تطير في الفضاء فرحا عند سماعها لوعود وهمية بمنحها الاستقلال.
ماذا تغير منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ها هو حفيد بلفور، طوني بلير مبعوث الرباعية للسلام في الشرق الأوسط يصول ويجول في العواصم العربية ويستقبل بالأحضان وهو يحاول إقناع الحكام العرب بتقديم المزيد من التنازلات لإسرائيل والتطبيع معها على أمل تحقيق السلام المفقود.
منذ قرن من الزمان ونحن نتبع مثلنا العربي الذي يقول: "اليد التي لا تستطيع أن تكسرها، قبلها وأدعو عليها بالكسر".
إذا كان وعد بلفور مشؤوما فماذا نقول عن قبولنا لقرار تقسيم فلسطين وعن الاتفاقيات الخيانية من كامب ديفيد إلى وادي عربة إلى اتفاقيات أوسلو إلى مبادرة السلام العربية وحتى المفوضات العبثية الراهنة؟.
من السهل جدا أن نصب جام غضبنا على بلفور وعلى وعده بعدما أصبحا في ذمة التاريخ وفي الوقت نفسه نقبل وندافع عن كل ما تمخض عنه هذا الوعد.
الحلول التي تطرح اليوم لتصفية القضية الفلسطينية أسوأ بما لا يقاس من وعد بلفور. على الأقل ذكر هناك: " على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". بينما كل الأعمال التي تتم اليوم في سياق ما يسمى بالعملية السلمية ليس فقط أنها تنتقص حقوقنا المدنية والدينية بل تشطبها تماما. وهي أيضا تتعامل معنا كما ينص وعد بلفور أي كطوائف غير يهودية وليس كشعب.
"البلفورات" العرب من شريف مكة وسلالته مرورا بالحكام العرب على مر عصورهم وحتى رئيس السلطة الفلسطينية وباقي إخوانه في جامعة الدول العربية هم أشد شؤما من آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطانية.
تغيرت الأسماء ولكن السياسة واحدة والمؤامرة واحدة. بالأمس كان لويد جورج ووزير خارجيته بلفور واليوم غوردن براون ومبعوثه طوني بلير.
تصريح بلفور هو جريمة ضد الإنسانية قبل أن يكون جريمة في حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وكما هو متعارف عليه عالميا، الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. فبدلا من الاكتفاء بكيل الشتائم ووصفه بالوعد المشؤوم في كل ذكرى دعونا نعمل على ملاحقة مصدري هذا الوعد وأحفادهم من الساسة البريطانيين الحاليين في كافة المحافل الدولية وتقديمهم إلى العدالة لمعاقبتهم على جرائمهم ولنبدأ بتقديمهم إلى محكمة الشعب الفلسطيني الشعبية الثورية.
لا للمصالحة لا للإنتخابات
علي زبيدات – سخنين
كفى، لقد فقئوا أعيننا وأصموا آذاننا بالكلام المجتر والسقيم منذ أكثر من ثلاث سنوات حول الحوار الوطني والوفاق الوطني والمصالحة الوطنية والوحدة الوطنية. تعددت التسميات والشعارات والمضمون واحد وهو العكس تماما مما تعنيه هذه الكلمات. لقد آن الأوان أن تذبح بعض البقرات المقدسة على مذبح الحقيقة. لقد آن الأوان أن تحطم بعض الأصنام التي نعبدها. لقد آن الأوان أن يقولها أحدنا بصوت عال، من غير لف أو دوران وبدون كلمات تؤول إلى أكثر من معنى: إلى الجحيم أيتها المصالحة، إلى الجحيم أيتها الوحدة لأنه لا يوجد بك رائحة الوطنية. لا يمكن الاستمرار في خلط الأوراق. لا يمكن الاستمرار في التلاعب بالألفاظ ومن خلالها التلاعب بقضية شعب كامل.
أنا شخصيا مع الصراع ولست مع الوحدة. الصراع مطلق أما الوحدة فهي نسبية. الشعب الفلسطيني المشرد والمشتت والمضطهد الذي يلملم جراحه المفتوحة منذ أكثر من نصف قرن ويناضل من أجل استعادة صورته الإنسانية من خلال تحرير أرضه وعودته إلى وطنه هو في حالة صراع مطلق مع الكيان الذي شرده وأغتصب أرضه. الوحدة ضرورية بين القوى التي تقود هذا الصراع إلى نهايته الطبيعية وليس مع القوى المارقة التي تخدم العدو القومي والوطني والطبقي. من خلال تجارب الشعوب التي ناضلت وتناضل من أجل حريتها واستقلالها، وفي خضم الصراع تتساقط أوساط معينة كانت في بعض الفترات محسوبة على القوى الوطنية، تنتقل إلى المعسكر الآخر وتصبح مطية للمحتلين. الوحدة مع هذه الأوساط ليست وحدة وطنية، بل هي وحدة لا وطنية. على القوى الوطنية الحقيقية أن تعمل على استمرارية الفرز، أن تعمل على فصل القمح من الزوان. وليس ما نراه اليوم على الساحة الفلسطينية من خلط مريع للأوراق، من طمس الفوارق بين طريقي المقاومة والمساومة.
هل التنسيق الأمني مع الاحتلال يخدم الوحدة الوطنية؟ هل تدريب وتسليح قوى أمنية تأتمر بأوامر الكولونيل الأمريكي دايتون والمخابرات الإسرائيلية تخدم المصالحة الوطنية؟ هل الاستمرار في المفاوضات العبثية إلى ما نهاية وتقديم المزيد من التنازلات حتى التخلي الكامل عن الثوابت الوطنية تسمى وفاقا وطنيا؟
لماذا يقود رئيس مخابرات عربي مرتبط بالمعسكر الأمريكي الإسرائيلي حتى النخاع جلسات ما يسمى بالحوار الوطني؟ ولماذا يجري الكلام فقط عن أمور شكلية وتقنية مثل تركيب الحكومة وتوزيع الوزارات وتحديد الصلاحيات ويتم تجاهل الناحية السياسية بالكامل؟ أليست القضية الفلسطينية هي قضية سياسية أولا وأخيرا؟ لماذا لا يدور الحوار عن الإستراتيجية الأفضل لإدارة النضال الوطني حتى تحقيق أهدافه؟
أمامنا طريقان متوازيان لا يلتقيان أبدا. طريق المقاومة وطريق المساومة. وعندما يتم تلاقي هذين الطريقين بواسطة الضغط والابتزاز والوعود الكاذبة حتما ستقع الكارثة الأعظم.
في هذه السياق، أصدر الرئيس الفلسطيني، المنتهية صلاحيته والفاقد للشرعية مرسوما لأجراء الانتخابات في كانون الثاني القادم. هذا المرسوم التعيس، الصادر عن مؤسسة أتعس لا يثير إلا الشفقة والسخرية. وكما يقول المثل: شر البلية ما يضحك. لنبدأ من النهاية، حتى لو كانت الانتخابات حرة ونزيهة فإن نتائجها لن تقبل إذا كان الفائز غير الفريق الذي يحظى بدعم أمريكا وإسرائيل والرجعية العربية، كما كانت الحالة في الانتخابات الماضية قبل 3 سنوات. ولكن في هذه المرة تعلم الفريق الخاسر الدرس وشطب كلمة نزاهة من قاموسيه. ما يجري الآن في الضفة الغربية هو عملية رشوة جماعية وتزييف واسعة النطاق تصل إلى كل قرية ومدينة فلسطينية. وفي المقابل يتم سجن وتهديد كل من تسول له نفسه الحياد عن الثلم المرسوم. هذا إذا أضفنا حالة الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة تجعل كل عملية انتخابية مهزلة.
ولكن يجب رفض الانتخابات لاعتبارات أخرى أهم مما تقدم بما لا يقاس. أولا، تجري هذه الانتخابات التي قد تؤثر على مصير القضية الفلسطينية ككل في الضفة الغربية وغزة فقط حيث يسكن أقل من نصف الشعب الفلسطيني، بينما تبقى باقي الجماهير الفلسطينية في الشتات وفي الأراضي المحتلة عام 1948 في موقف المتفرج. مثل هذه الانتخابات ليست فقط أنها لا تمثل عموم الشعب الفلسطيني بل أيضا ترسخ وتكرس حالة التمزق التي يعاني منها. وثانيا، ما هي ضرورة الانتخابات في ظل الاحتلال؟ الانتخابات سوف تفرز مجلسا تشريعيا، مثل هذا المجلس معطل ونصف أعضائه أسرى بالسجون الإسرائيلية أو سجون السلطة. مثل هذه الانتخابات سوف تفرز حكومة وسوف يقوم أي جندي إسرائيلي على الحاجز بتشليح رئيس الحكومة من ثيابه وتفتيشه بشكل مذل. في ظل الاحتلال لا يوجد هماك مكان لا لانتخابات تذر الرماد في الأعين ولا لمجلس تشريعي معطل ولا لحكومة لا تملك من أمرها شيئا. الرد على الاحتلال هو المقاومة بكافة أشكالها وفقط المقاومة.
هنا استغرب الموقف الانتهازي الذي تتخذه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكذلك فصائل المقاومة الأخرى وعلى رأسها حماس. لا يمكن مسك الحبل من طرفيه. لا يمكن أكل الكعكة والإبقاء عليها سالمة في الوقت نفسه. لا يمكن أن تكون ضد اتفاقيات أوسلو وضد كل ما انبثق عنها وتستمتع ببعض ما جلبته هذه الاتفاقيات. الانتخابات هي من إفرازات أوسلو الخبيثة التي تخدع أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني ويجب تعريتها. الانتخابات في ظل الاحتلال ليست تعبيرا عن الديمقراطية ولا عن الوعي السياسي، بل العكس من ذلك تماما هدفها الرضوخ للأمر الواقع، واقع الاحتلال.
اتفاقيات أوسلو سقطت منذ زمن طويل ولكن عقلية أوسلو المترعة بالأوهام والتفريط ما زالت تعشش في رؤوس الأوساط المتنفذة التي تتلاعب بمصير الشعب الفلسطيني. مقاومة هذه العقلية لا يقل من حيث الأهمية عن مقاومة الاحتلال.
Wednesday, October 21, 2009
حول لجنة المتابعة وقضايا خلافية أخرى
علي زبيدات - سخنين
نشر المحامي أيمن عودة، سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة على موقع الجبهة الالكتروني "دراسة" بعنوان: لجنة المتابعة العليا – لجنة منتخبة أم لجنة منتخبين؟" يتناول بها وجهة نظر الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة بصدد لجنة المتابعة من حيث أهميتها ومستقبلها وعلاقة الجماهير الفلسطينية مع الدولة ومع الأغلبية اليهودية ودور الأحزاب والحركات المكونة لهذه اللجنة وأخيرا موقف الحزب من إعادة بناء هذه اللجنة من خلال انتخابها.
هذه المقالة ليست ردا على هذه"الدراسة"، هذا إذا ما اعتبرنا ما كتبه أيمن عودة دراسة أصلا. ما وجدته هناك هو سرد تاريخي تتخلله بعض الأفكار والمواقف المعروفة للحزب مع بعض الشطحات لإعادة كتابة التاريخ بحيث يكون الحزب وتاريخه ونضاله محور القضية. ليست هذه المقالة سوى ملاحظات عابرة ولكنها متمردة ترفض "الحقائق" المحسومة بشكل اعتباطي التي تنضح بها هذه الدراسة في أمور تهمنا جمعينا وتقول: للتزييف حدود يا رفيق.
طبعا كل شخص يستطيع أن يقول عن نفسه ما يريد، وكما يقول المثل: لا ضريبة على الكلام. وكذلك الأحزاب والحركات السياسية تستطيع أن تقول وتكتب عن نفسها ما تريد. تستطيع أن تدعي الانتصارات مع أنها تحمل على كاهلها هزائم لا تعد ولا تحصى. وتستطيع أن تتفاخر بالانجازات الوهمية وتصدق نفسها. وتستطيع أن ترفع الشعارات السامية وتطبق نقيضها. وبما أننا لا نحكم على الشخص من خلال كلامه عن نفسه، بل من خلال ممارساته العملية والفكرية، كذلك لا نستطيع أن نحكم على الأحزاب والحركات السياسية من خلال ما تقوله وتكتبه عن نفسها، بل من خلال ممارساتها العملية وفكرها السياسي.
بالنسبة للكلام المجتر منذ سنوات طويلة حول إعادة بناء لجنة المتابعة تبلور هناك موقفان. الأول: تمثله الحركة الإسلامية الشمالية والتجمع الوطني الديمقراطي وأبناء البلد، هذا بالرغم من التفاوت والاختلافات في التفاصيل فيما بينها. والذي يدعو إلى انتخاب لجنة المتابعة عن طريق انتخابات حرة وعامة. والثاني: الموقف الذي تقف في محورة الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي الإسرائيلي وبعض الجهات الأخرى والذي يتلخص بالحفاظ على الوضع الراهن مع بعض التحسينات في الأداء. بما أن عماد لجنة المتابعة هم أعضاء الكنيست العرب وهم أعضاء منتخبون، ورؤساء البلديات والمجالس المحلية وهم أيضا منتخبون، إذن ما ضرورة انتخابات جديدة تسيء أكثر إلى علاقتنا مع الدولة ومع الأغلبية اليهودية وخصوصا مع "القوى الديمقراطية اليهودية"؟
ويضيف أيمن عودة سببا وجيها آخرا إلى تحفظه من انتخاب لجنة المتابعة. وهو أن الانتخابات في وسطنا العربي تجري على أساس العائلية والطائفية والمصالح الفئوية الضيقة، فما الذي سيمنع نسخ هذه المضامين إلى انتخابات لجنة المتابعة؟ بالإضافة إلى ذلك فإن نصف المصوتين لا يصلون إلى صناديق الاقتراع أصلا وحوالي نصف الذين يصلون يدلي بصوته للأحزاب الصهيونية.
حسب رأيي، السؤال الرئيسي هنا والذي يتحاشى الخوض في غماره كلا المعسكرين، ليس إذا كنا نريد لجنة متابعة منتخبة أو لجنة متابعة من منتخبين. بل إذا كنا أصلا بحاجة إلى لجنة متابعة بهذا المضمون؟
ما هي ضرورة وجود لجنة تكرس تمزقنا وتشرذمنا؟ ما هي ضرورة وجود لجنة تدعي تمثيل جزء معين من الشعب الفلسطيني وتبقيه بعيدا عن باقي أجزائه؟
في بداية سنوات الستين وحتى نهاية سنوات الثمانين كنا نعتبر، بغض النظر عن انتماءاتنا التنظيمية ومشاربنا السياسية، منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده. في ذلك الوقت كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ومن ثم الجبهة الديمقراطية، يسبح ضد التيار. إذ كان يطمح بل يعتبر نفسه بأنه هو الذي يمثل فلسطينيي الداخل وليس منظمة التحرير.
أحيت منظمة التحرير الفلسطينية في بداية عهدها، وبالرغم من جميع سلبياتها ومساوئها، حلما بوحدة الشعب الفلسطيني رغما عن حالة اللجوء والشتات، حلما بضرورة وإمكانية التحرير. غير أن هذا الحلم قد اندثر وزال أو أصبح في أغلب الحالات كابوسا مزعجا. فالمنظمة أصبحت تنظيمات متنافرة أو متناحرة، ومفهوم التحرير تم شطبه نهائيا من قواميسها مع شطبه من الميثاق الوطني الفلسطيني في أعقاب اتفاقيات أوسلو، ولم تعد فلسطينية مع تغلغل الأنظمة العربية والقوى الامبريالية إلى شرايينها.
الشعب الفلسطيني بحاجة إلى منظمة تحرير فلسطينية جديدة تعيد اللحمة إلى أجزائه الممزقة، تعيد حلم تحرير الأرض والإنسان والعودة، تكون فلسطينية قلبا وقالبا، ليست مستقلة عن الرجعية العربية والقوى الامبريالية فحسب بل معادية لهما. تكون جزءا من حركة التحرير الوطنية العالمية ليس لفظا بل عملا وممارسة. فقط في ظل وجود منظمة كهذه تستطيع الجماهير الفلسطينية التي تعيش ظروفا خاصة أن تتنظم محليا بما ينسجم مع الرؤيا الشاملة للتحرير.
الجريمة التي تقترفها لجنة المتابعة بكافة مركباتها، التي تريد إعادة بنائها عن طريق الانتخابات والتي تريد أن تحافظ على شكلها الراهن، أنها تتعامل مع جماهيرنا كأقلية، ضاربة بعرض الحائط الحقائق الدامغة التي تقول أننا جزء من أمة تعد 350 مليونا ومن شعب يقارب العشرة ملايين، فمن الأقلية هنا ومن الأغلبية؟ هل الحدود اللاشرعية التي تمزق الوطن الواحد والأمة الواحدة وسياسة التهجير والتطهير العرقي هي التي تحدد الأقلية والأغلبية؟
لست ضد تنظيم الجماهير الفلسطينية في كل مكان تتواجد فيه، بل على العكس، فإن تنظيمها ضرورة حياتية ومصيرية، ولكن بشرط أن يكون الأفق الوحدوي العابر لواقع التجزئة هو الحاسم.
لجنة المتابعة العليا في صيغتها الراهنة هي رافد آخر يلتقي مع الكنيست الصهيوني والسلطة المحلية هدفه تدجين الجماهير الفلسطينية وسلخها عن انتمائها الطبيعي. أقنعة الشعارات الرنانة لا تستطيع أن تخفي هذه الحقيقة. الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى بانطلاقة ثورية جديدة تعيده إلى التاريخ البشري.
Wednesday, October 14, 2009
التطبيع الثقافي وأهدافه غير الثقافية
علي زبيدات – سخنين
تحيرنا في تسمية المجموعة السكانية التي لم تغادر منازلها وبقت متشبثة بأراضيها بعد عام النكبة وإقامة دولة إسرائيل. أوساط لا بأس بعددها تعرف نفسها بكل بساطة بعرب إسرائيل ويعلنون ولاءهم للدولة بكل مناسبة ومن غير مناسبة واندمجوا بالمشهد الإسرائيلي بقدر ما تتيح لهم القوانين العنصرية المؤسسة لهذه الدولة وواقع التمييز العنصري. ومنهم من يعرف نفسه: بالعرب الفلسطينيين سكان دولة إسرائيل أو الأقلية القومية الفلسطينية من مواطني دولة إسرائيل. أما الأحزاب والتنظيمات الأكثر راديكالية فتنعت نفسها بفلسطينيي الداخل حيث يصبح سكان جنين ونابلس وغزة ولاجئي المخيمات: "فلسطينيي الخارج". كل ذلك لكي يتحاشوا التعريف الوحيد الواقعي وهو أن كل فلسطين ترزح تحت الاحتلال وكل فئات الشعب الفلسطيني بغض النظر عن أماكن تواجدها تعاني من هذا الاحتلال. وفي النهاية فإن الفوارق في ممارسات الاحتلال هي نسبية ومشروطة ولا تغير من طبيعة وجوهر الاحتلال الاستيطاني شيئا.
إذن ما يميز هذه المجموعة السكانية من محافظيها إلى راديكاليها هو علاقتهم بالدولة. هذه العلاقة تتراوح بين القبول التام وبين التحفظ النسبي. وهذا ما نلمسه من الوثائق الصادرة عن مؤسسات رسمية أو أكاديمية تدعي تمثيل هذه المجموعة السكانية مثل "التصور المستقبلي" الصادر عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل و"وثيقة حيفا" الصادرة عن مركز مدى الكرمل و"الدستور الديمقراطي" لمؤسسة عدالة. وهذا ما تتضمنه بشكل أو بآخر البرامج السياسية لكافة الأحزاب العربية.
النتيجة أن جميع من يدعي تمثيل هذه المجموعة السكانية يريد أن يستمتع بكلا العالمين: عالم الرفاهية الذي تؤمنه الدولة المتطورة التي تحظى بدعم وتأييد العالم وتنهمر عليها الأموال من جميع الاتجاهات. وعالم الانتماء إلى شعب منكوب يصارع من أجل بقائه.
تطبيع العلاقة بين هذه المجموعة السكانية والدولة التي تحتلهم ليس جديدا فقد بدأ قبل قيام الدولة ولم يتوقف حتى هذا اليوم. هذا التطبيع لا يقتصر على النواحي السياسية واليومية بل يتعداه إلى ما يسمى بالتطبيع الثقافي وهذا حسب رأيي أخطر أنواع التطبيع وذلك لأنه لا يحظى بالاهتمام الكافي وبالتالي لا يقاوم بالشكل المطلوب. وكذلك لأن مخاطرة بعيدة المدى تؤدي إلى تحولات جذرية في جوهر الصراع لا يمكن تلافي عواقبها الوخيمة إذا استفحلت.
في العام الماضي أو الذي سبقه أذكر أني تلقيت رسالة من صديقة عزيزة لا غبار على انتمائها الوطني الصادق تدعوني إلى مشاهدة مسرحية "هادفة" تعرض في إطار مهرجان "مسرحيد" الذي يقام سنويا في مدينة عكا،بصفتي شخص مثقف يحب المسرح. فطلبت من صديقتي أن ترسل لي ما لديها من معلومات عن المسرحية والمهرجان. فوجدت أن مدير المهرجان هو قاض متقاعد وتذكرت أنه حكم علي شخصيا بالسجن ودفع الغرامات عدة مرات وتذكرت وجوه الناس الغلابة الذين كانوا يملؤون قاعته ينتظرون أحكامه بهدم منزلهم أو إرغامهم على دفع الغرامات الناهضة. ووجدت أن ضيف الشرف في هذا لمهرجان هو الوزير العربي الأول للثقافة والرياضة وضيف الشرف الثاني هو نائب المدير العام لهذه الوزارة المسؤول عن ميزانية بعض الشواقل لنشر "الثقافة" في الوسط العربي.
اعتذرت من صديقتي شارحا لها دوافعي، فقالت: ولكن المسرحية ملتزمة وأنا اعرف المخرج شخصيا وهو إنسان وطني معروف. فقلت لها واضعا حد للنقاش: على المخرج الوطني أن يجد إطارا آخرا لعرض مسرحيته "الملتزمة".
في هذه السنة أيضا، أقيم في مدينة عكا مؤخرا مهرجانان من هذا النوع: مهرجان "مسرحيد" ومهرجان "المسرح الآخر". وجوه بعض الضيوف قد تغيرت. إذ لم يعد لدينا وزير ثقافة، حيث لبس هذه القبعة شخص آخر. بالمقابل كان المهرجانان تحت رعاية رئيس بلدية عكا الذي تعرفه الجماهير العكية جيدا بسياسته العنصرية.
أحد النشيطين في هذا المهرجان وهو مسرحي معروف وينتمي (أو هو فقط مقرب) إلى حزب وطني جدا يفتخر بأن التواجد العربي في هذا المهرجان لم يكن مسبوقا، حتى أن الجائزة الأولى حازت عليها بالمناصفة مسرحية عربية وكذلك الجائزة الثانية. طبعا يجب أن تكون الجائزة بالمناصفة لإرضاء كلا الطرفين. ويضيف هذا المسرحي "الملتزم" معترفا: " المواطن العربي كان بعيدا عن المشاهدة". ويعزو ذلك إلى عدم الاهتمام الإعلامي الكافي لوسائل الإعلام العربية مخفيا الأسباب الحقيقية التي تتلخص بشعور المشاهد العربي بالاغتراب وعدم الانتماء لا من قريب ولا من بعيد لهذا المهرجان. بالإضافة إلى القيمين والراعين الرسميين لهذا المهرجان كانت هناك مجموعة كبيرة من الفنانين المتسولين على أبواب الوزارة والانتهازيين على أشكالهم. من ضمنهم على سبيل المثال لا الحصر، عريفة المهرجان ميرا عوض وصديقتها أحينوعم نينو التي مثلت دولة إسرائيل في مهرجان الأوروفيزيون بينما دماء أطفال غزة لم تجف بعد.
المشاهد العربي لا يكون بعيدا عندما يشعر بالانتماء الحقيقي ومدينة عكا تشهد على ذلك. ومن يشك في ذلك عليه زيارة عكا في أيام الأعياد لكي يرى بأم عينه مدى محبة الجماهير العربية لهذه المدينة. فبدلا من مهرجانات التطبيع والتعايش على المخلصين من فنانينا أن يعرضوا فنهم في مثل هذه المناسبات حيث الجماهير الغفيرة.
يبرر بعض المثقفين نشاطاتهم التطبيعية على أنها الطريقة الوحيدة للحصول على بعض الميزانيات. عندما تصبح الثقافة سلعة رخيصة تباع في المزاد العلني فيجب الإلقاء بها إلى سلة المهملات لأنها تصبح قمامة وليست ثقافة.من أجل الحفاظ على هويتنا الوطنية علينا مقاومة ومقاطعة التطبيع الثقافي بكافة صوره وإشكاله.
Friday, October 09, 2009
فضيحة جولدستون: لا حدود للنذالة
علي زبيدات – سخنين
ما زالت أوساط فلسطينية وعربية ودولية واسعة وخصوصا المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان تأبى أن تصدق وصول نذالة السلطة الفلسطينية إلى درجة المبادرة لسحب مناقشة تقرير جولدستون في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وإرجاء التصويت عليه لمدة ستة أشهر.
ولكن ما الغريب في هذا الأمر؟ وهل تصرف السلطة الفلسطينية هو مجرد نذالة أم يتجاوزها إلى درجة الخيانة؟ حسب رأيي لا تناقض بين الصفتين بل إن إحداهما تكمل الأخرى: فالنذالة المنفلتة من عقالها تقود بخطوات سريعة إلى الخيانة، والخيانة بدورها لا يصدر عنها إلا تصرفات نذيلة إلى أبعد الحدود.
نحن لا نقف هنا أمام ظاهرة فريدة من نوعها تنفرد بها السلطة الفلسطينية. تشير تجارب الشعوب التي ناضلت وما زالت تناضل من أجل حريتها واستقلالها إلى ظواهر عديدة من هذا الصنف. لنأخذ فيتنام كمثل: بينما كانت جماهير الشعب الفيتنامي، وعلى رأسها محاربي الفيتكونغ والحزب الشيوعي الفيتنامي، تخوض نضالا مريرا ضد الغزاة الأمريكان (ومن قبلهم الفرنسيين) كانت أوساط واسعة من الفيتناميين تحارب إلى جانب الجيش الأمريكي المحتل. حتى تم التحرير والاستقلال وتكنيس الطرفين معا. الظاهرة نفسها نشهدها اليوم في العراق وأفغانستان،.إلى جانب المقاومة الشعبية ضد المحتلين الأجانب نمت وترعرعت سلطات عميلة بشكل مباشر. ولماذا نذهب بعيدا، فحتى سنوات قليلة مضت قامت سلطة من هذا النوع على حدودنا الشمالية ممثلة بقوات أنطون لحد العميلة في جنوب لبنان، حتى جاءت المقاومة اللبنانية سنة 2000 وكنست المحتل والعميل معا.
السلطة الفلسطينية لا تختلف من حيث الجوهر عن هذه الشوائب التي تلتصق بمسيرة الشعوب التحررية. أوجه الشبه بين كرزاي والمالكي ولحد ومحمود عباس أكثر من أن تحصى، يراها حتى مكفوفي البصر والبصيرة. كل شخص منهم يقوم بدوره الذي رسم وأعد من أجله. ولكن، كما يبدو لا أحد منهم يتعلم من تجارب غيره.
لنعود إلى موضوع تقرير جولدستون، ونسأل: ما المفاجئ في الموقف المخزي الذي اتخذته السلطة بزعامة عباس؟ بعد مرور سنة على حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة تأكدت الأخبار التي عرفها الجميع عن تواطؤ السلطة في هذه الحرب القذرة. فقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان أن محمود عباس حث إسرائيل على شن الحرب على غزة، وعندما شنتها حثها على مواصلتها حتى الإطاحة بحركة حماس. تتناول وسائل الإعلام العالمية اليوم وجود وثائق مصورة تجمع عباس مع براك وليفني تؤكد ذلك. فإذا كانت إسرائيل قد اقترفت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فإن السلطة الفلسطينية تتحمل قسم كبير من المسؤولية عن هذه الجرائم. إذن ليست الضغوط الإسرائيلية والأمريكية وحدها كانت وراء الموقف الفلسطيني الرسمي، بل المشاركة في هذه الجرائم والخوف من فضح أبعادها هي التي حسمت الموقف.
أمام هذه الفضيحة حاولت السلطة البحث عن تبريرات لتنقذ جلدها من سخط الجماهير. فادعت أولا أن الدول العربية والإسلامية هي المبادرة إلى هذه الخطوة. الأمر الذي نفاه الطرفان. مع أنه لا يمكن غض الطرف عن تواطؤ هذين الطرفين أيضا. وبعد ذلك بدأت تبحث عن أعذار أقبح من ذنوبها. فمرة تقول أن إرجاء التصويت يمنح الدول المعنية دراسة التقرير دراسة عميقة والتوصل إلى قرار بالإجماع وتارة أخرى تدعي أن مناقشة التقرير والتصويت عليه الآن سوف يعرقل "العملية السلمية".
لقد قلت من زمن بعيد، وأعود وأقولها مجددا أن سلطة أوسلو غير شرعية وهي من مخلفات اتفاقيات قد اندثرت أصلا. بناء على ذلك وباختصار شديد أضم صوتي إلى جميع الأصوات الوطنية الشريفة التي تنادي بتفكيك سلطة أوسلو وحلها نهائيا والعودة إلى طريق المقاومة والتشبث بالثوابت الوطنية. هذه السلطة غير الشرعية أحاطت نفسها بمؤسسات غير شرعية أيضا لتبرر وجودها واستمراريتها. ابتداء من مؤتمر فتح المزيف الذي عقد مؤخرا وأفرز قيادة تتماها مع الحلول التصفوية وانتهاء باللجنة التنفيذية الجديدة لمنظمة التحرير. الموقف اليوم لا يقتصر على نزع الشرعية عن هذه السلطة العميلة والعمل على حلها، بل يجب المطالبة الفورية باستقالة رئيسها ومقاضاته وطنيا هو والطغمة التي تحيط به.
لم نسمع أبدا عن حركة تحرر وطني تنسق أمنيا مع الجيش الذي يحتل أراضيها وتتعاون معه في ملاحقة المقاومين. لم نسمع أبدا عن حركة تحرر وطني يتنقل زعماءها تحت حماية مخابرات العدو. يجب على هذه المهزلة أن تتوقف.
الشعب الفلسطيني الذي قدم آلاف الشهداء خلال مسيرته الطويلة والشاقة من أجل استعادة حقوقه الطبيعية المسلوبة يستحق سلطة أفضل بما لا يقاس من هذه السلطة. لقد بلغ السيل الزبى وأصبح الصبر على هذا الوضع جريمة. على كافة الأوساط التي ما زالت الحياة تجري في أطرافها من الشعب الفلسطيني أن تتحد وتكنس هذه السلطة التي تشكل وصمة عار في التاريخ الفلسطيني المعاصر.