Wednesday, February 29, 2012

مدينة بلا عنفوان 2

مدينة بلا عنفوان 2

علي زبيدات – سخنين

سؤال: لماذا أقامت الأحزاب السياسية، لجنة المتابعة، الجمعيات الأهلية ومعظم البلديات الدنيا ولم تقعدها في مناهضة الخدمية المدنية والشرطة الجماهيرية ولكنها صمتت صمت أهل القبور بكل ما يتعلق بمشروع "مدينة بلا عنف"؟ إذا كان هذا المشروع لا يصب في الخدمة المدنية كما لا يدعي البعض فلماذا لم نسمع ذلك بصراحة من قبل لجنة المتابعة أو من قبل لجنة مناهضة الخدمة المدنية المنبثقة عنها أو من قبل أية جمعية من الجمعيات العديدة التي كانت تدعي قيادة النشاط الجماهيري والشبابي ضد الخدمة المدنية كجمعية بلدنا أو المؤسسة العربية لحقوق الإنسان؟
حسب رأيي كلمة السر هنا هي: "الفلوس" أو بلغة سياسية: "الميزانيات" أو كما قالها لي أحد المقربين من هذا المشروع في البلدية: "في هذا المشروع يوجد مصة أصبع". وذلك على عكس مشروع الخدمة المدنية والسلطة الجماهيرية. في مشروع "مدينة بلا عنف" تتحول معظم الميزانيات، مهما كانت شحيحة، إلى البلدية وهي تقوم بصرفها. وكلنا نعرف كيف تقوم البلديات بصرف مثل هذه الميزانيات: المقربون وما أدراك ما المقربون والموعودون من أيام الانتخابات وغيرهم من المتسلقين. وبالفعل فقد بدأت الأيدي تتسابق وتتشابك للطش قطعة من الكعكة حتى قبل أن يتم إعدادها.
سكوت لجنة المتابعة وباقي الأطر التي تستظل بظلها في هذا الموضوع ليس من باب الصدفة. هذه اللجنة بدون عمود فقري أي أنها لا تستطيع أن تقف على قدميها بقواها الذاتية وكل قراراتها تؤخذ بالتوافق فكيف تستطيع أن تتخذ موقفا جذريا من هذا المشروع بينما معظم مركباتها مستفيدة منه؟
كنت أود أن أسمع رأي أيمن عودة، رئيس لجنة "مناهضة الخدمة المدنية" في هذا الموضوع. الذي استقال من منصبه قبل أكثر من شهر ولكنه لم يستقل. حيث قدم سببا غير مقنع لهذه الاستقالة وهو حرصه على تداول المنصب. كان ليبدو أكثر مصداقية وإقناعا لو وجهة نصيحة التداول هذه داخل حزبه للنائب محمد بركة الذي ضرب بعرض الحائط دستور الحزب لكي يستمر عضوا في الكنيست لحوالي 15 سنة أو لرئيس بلدية الناصرة السيد رامز جرايسي الذي أمضى عشرين عاما في منصبه.
على أي حال، كنت أود أن يشرح لي الرفيق أيمن عودة لماذا خدمة شاب أو صبية في أحدى المدارس في إطار الخدمة المدنية تشكل خطرا على الهوية والانتماء بينما الدوريات المشتركة مع الشرطة مشروعة؟
عندما يقول قائد شرطة الشمال في إحدى البلديات الجبهوية: " أعتبر مشروع مدينة بلا عنف مثال أعلى للتعاون بين الشرطة والسلطة المحلية وجهاز التعليم" ألا يشكل ذلك خطرا على الهوية والانتماء؟
مكافحة العنف في المجتمع العربي، كلمة حق أريد بها باطل. هل تستطيع الشرطة وباقي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مكافحة هذا العنف؟ وإن استطاعت ذلك هل تريده حقا؟
جاء في الموقع الرسمي ل"مشروع مدينة بلا عنف" تحت عنوان نموذج عمل ما يلي:
- عدم التسامح بالمرة عند وقوع حوادث عنف
- رد ناجع وقبضة حديدية
- شراكة واسعة بين جميع الجهات في المدينة
- إعادة الصلاحيات للبالغين بشكل عام وإعادة الانضباطية لأجهزة التربية والتعليم
- التعامل مع موضوع الرقابة الشاملة وتطبيق القانون بشكل صارم
- الوقاية من الملل والتسكع لدى أبناء الشبيبة
هذه بعض الدرر التي يحتويها هذا النموذج. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه هي المبادئ التربوية والقيم التي يجب أن نربي أبناءنا عليها حتى نحصل على جيل لا يمارس العنف؟ للوهلة الأولى ظننت أن هذا النموذج مأخوذ من سيناريو لأحد أفلام هوليوود حول صنع إنسان آلي مطيع وخنوع.
دولة إسرائيل بمشروعها هذا تريدنا مدينة بلا عنفوان وليس مدينة بلا عنف فهل نقبل بذلك؟

Wednesday, February 22, 2012

مدينة بلا عنفوان

مدينة بلا عنفوان

علي زبيدات – سخنين

كتبت في الأسبوع الماضي، في أعقاب الجلسة الخاصة التي عقدتها الكنيست لمناقشة ظاهرة العنف في الوسط العربي، أن دولة إسرائيل بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية وبكافة أجهزتها الأمنية وخصوصا الشرطة هي آخر من يحق له التباكي على العنف في المجتمع العربي لأنها تشكل مجتمعة وكل على حدة مصدرا رئيسيا لا ينضب للعنف. وقد قررت العودة إلى هذا الموضوع بناء على الجلسة المشتركة لبلدية سخنين واللجنة الشعبية قبل أيام لتسويق المشروع الحكومي "مدينة بلا عنف" والإعلان عن افتتاحه رسميا في المدينة. على الرغم من أن الكلام يتعلق بمدينة سخنين بشكل مباشر إلا أنه ينطبق على العديد من المدن والقرى العربية التي تبنت هذا المشروع بعضها مؤخرا والبعض الآخر منذ فترة من الزمن. وبعض هذه المدن تعد من مدننا الرئيسية مثل الناصرة، أم الفحم، شفاعمرو، طمرة، عرابة، دير حنا وغيرها.
في الجلسة المذكورة، كانت البلدية قد طلبت من لجنة مصغرة تابعة للجنة الشعبية أن تعد تقريرا عن مشروع "مدينة بلا عنف" وتبرز حسناته وفوائده وتوصي بقبوله مما يتيح للبلدية مستقبلا أن تتنصل من المسؤولية في حالة فشل هذا المشروع. وبالفعل كان تقرير هذه اللجنة المصغرة ايجابيا إلى أقصى درجات الايجابية حيث نص بدون تردد على أن "المشروع لا يصب في موضوع الخدمة المدنية أو تجنيد الشباب لهذه الخدمة". هذا بالإضافة إلى الإسهاب بإمكانياته المهنية والمادية التي يمكن استغلالها لمكافحة العنف في المدينة.
عندما شعرت أن معلوماتي ضئيلة في هذا الموضوع وأن ما سمعته سلبا كان أم إيجابا لم يكن من مصدر أول قررت أخذ زمام المبادرة والقيام بعملية بحث صغيرة وما أسهلها في هذه الأيام إذ تقتصر على دخول الموقع الرسمي للمشروع والاطلاع عليه من مصدره الأول. وقد تبين لي أن ما تضمنه تقرير اللجنة المصغرة وما قرأته في الموقع كانا على طرفي نقيض. وإنها تراهن على جهل أو كسل أو لامبالاة المواطن. سرعان ما اقتنعت أن هذا المشروع ليس فقط أنه يصب في الخدمة المدنية بل هو أشد خطورة من الخدمة المدنية ومن الشرطة الجماهيرية مجتمعتين. وأشد ما أغاظني أن بعض من ساهموا في أعداد تقرير اللجنة المصغرة أو سكتوا عنه وقت النقاش ينتمون إلى أحزاب عارضت قبول المشروع نفسه في أم الفحم. وتبين أيضا أن الأحزاب هي الأحزاب ونفاقها يفقأ العيون. فإذا كان هذا المشروع مشبوها في أم الفحم فكيف يمكن أن يكون مشروعا في الناصرة أو في سخنين؟
والآن إلى صلب الموضوع: تفوح من هذا المشروع رائحة العنصرية من الكلمة الأولى فهو يطلق على السلطات العربية المنضوية تحت هذا المشروع اسم: الوسط غير اليهودي في منطقة الشمال والوسط غير اليهودي في الجنوب. فالعالم حسب الدولة اليهودية التي تريد أن تكافح العنف ينقسم إلى وسطين لا ثالث لهما: الوسط اليهودي والوسط غير اليهودي.
من المعروف أن تعريف العنف وتعريف الأمن في الوسط اليهودي يختلف جذريا عن تعريفه في الوسط غير اليهودي. حسب الموقع، بدأ تطبيق هذا المشروع في مدينة ايلات بالتعاون بين البلدية برئاسة مائير يتسحاق هليفي والدكتورة أورلي إينس من وزارة الأمن الداخلي والتي تبين فيما بعد إنها حصلت على وظيفتها هذه بواسطة مغامراتها التي انتهت إلى فضيحة شملت العديد من المسئولين في هذا المشروع. وكان العمال العرب الضحية الأولى لهذا المشروع لأن مجرد وجودهم في ايلات يهدد أمن المواطنين اليهود ويسبب تنامي أشكال العنف. والآن فقط فهمت لماذا يتذمر الشباب العرب من فظاظة شرطة ايلات. ومن ثم بدأ هذا المشروع ينتقل إلى مدن يهودية أخرى وكانت دائما تكمن من خلفه الفكرة بأن العمال العرب والأجانب بشكل عام هم مصدر العنف وهم الذين يهددون الأمن لذلك يجب تشديد الرقابة عليهم بشتى الطرق والوسائل.
شكليا، يمنح هذا المشروع رئيس السلطة المحلية دورا قياديا في تنفيذ المشروع في بلدته ولكن بشرط أن يلتزم بالعمل "حسب سياسة لجنة الوزراء وإرشادات لجنة التوجيه". ولكن عمليا تبقى الشرطة هي اللاعب الرئيسي في هذه اللعبة. ففي الأماكن التي تعذر إدخال ما يسمى الشرطة الجماهيرية نرى أن المشروع ينص على ضرورة القيام دوريات مشتركة تضم رجال شرطة ومواطنين، وللتمويه يمكن أن تكون الدوريات في سيارات خاصة وكأن من يجعل الشرطي شرطي هي السيارة التي يقودها وليست المهمة التي ينفذها. المصيبة أن تقرير اللجنة المصغرة يوصي بضرورة مشاركة اللجنة الشعبية في لجنة التوجيه وفي هذه الدوريات. وذلك من أجل المراقبة والمتابعة. كذلك ينص المشروع على ضرورة انتهاك خصوصية المواطن من خلال تركيب الكاميرات في الأماكن العامة ومراقبتها على مدار الساعة، وعلى ضرورة وجود مراقبين في المدارس الإعدادية والثانوية لمراقبة سلوكيات الطلاب في الساحة والتسكع في الشارع.
أما بالنسبة للميزانيات فبالإضافة إلى شحها لا أعتقد إنها سوف توظف في المكان المناسب ولكنها في المقابل سوف تفاقم من الفساد في السلطات المحلية حيث بدأ في بعض الأماكن الصراع على الوظائف. وغني عن القول أن في مثل هذا الصراع يكون بعيدا عن المبادئ.
وأخيرا أستغرب صمت لجنة المتابعة العليا حيال هذا الموضوع وهي التي تصرح بمناسبة ومن غير مناسبة عن رفضها للخدمة المدنية. بينما لا تحرك ساكنا أمام مشروع قد تكون له عواقب وخيمة في طمس الهوية الوطنية الفلسطينية لشبابنا.

Wednesday, February 15, 2012

وماذا عن عنف السلطة يا حضرة النواب؟

وماذا عن عنف السلطة يا حضرة النواب؟
علي زبيدات – سخنين

هل العنف طبيعة متجدرة في الإنسان كما يرى بعض االبعض الآخر؟ء الاجتماع؟ أم هو سلوك مكتسب تحدده البيئة والظروف كما يرى البعض الآخر؟ أم هو مزيج من كلتا النظرتين كما يرى آخرون؟ كل شيء جائز ولكن من المؤكد أن العنف بأنواعه المتعددة وأشكاله المختلفة قد رافق الإنسان منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا حتى أصبح من المستحيل فهم تاريخ البشرية بمعزل من العنف.
من يتابع وسائل الإعلام العربية المحلية يظن وكأن هناك حربا أهلية طاحنة يدور رحاها في مجتمعنا العربي حيث ينتمي المجرم والضحية إلى نفس المجتمع. هكذا بتنا نسمع يوميا تقريبا عن إقامة لجان "شعبية" لمكافحة العنف وتنظيم ندوات ومؤتمرات لدراسة ومناقشة ظاهرة العنف أكثر مما نسمع عن العنف نفسه. وقد وصلت هذه الحملة الإعلامية أوجها قبل أيام في الجلسة الخاصة التي عقدتها الكنيست الإسرائيلية لدراسة موضوع العنف في الوسط العربي بمبادرة من النائب أحمد الطيبي "رئيس لجنة دمج المواطنين العرب في القطاع العام" ومشاركة رئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي والمفتش العام للشرطة والعديد من النواب العرب وغير العرب. ها هو النائب الطيبي يقرر"أن العنف والجريمة في المجتمع العربي هي أكثر القضايا التي تقلق المواطن العربي". أما رئيس الحكومة فقد شبه وضع المجتمع العربي "بالغرب المتوحش" بل وأضاف أيضا بالشمال المتوحش والجنوب المتوحش إشارة منه إلى أماكن سكنى العرب في هذه البلاد بلهجة تنم على أنه يمثل الغرب المتمدن. وقد سبق هذه الجلسة تحركات عديدة في هذا الموضوع، رسمية وغير رسمية أذكر منها الترويج لمشروع "مدينة بلا عنف" و"الشرطة الجماهيرية" والخدمة المدنية والدعوة لتشكيل لجان محلية وشعبية لمكافحة العنف والجريمة في الوسط العربي. الحاضر الغائب في كل هذه التحركات هي دولة إسرائيل بكافة أجهزتها الأمنية وغير الأمنية. حيث كانت المحصلة النهائية لهذه الحملة تبرئة السلطة من كونها المصدر الرئيسي للعنف في الوسط العربي. جل الانتقادات التي وجهت للسلطة، ومعظمها كان أقرب إلى العتاب منه إلى الانتقاد، وجهت خصوصا لجهاز الشرطة، بسبب تقاعسه وتقصيره في مكافحة العنف مثل القبض على المجرمين والجناة وعدم جمع الأسلحة غير المرخصة أو عدم رصد الميزانيات الكافية لمواجهة العنف في التعليم والتشغيل وتطبيق القانون. ولكن لم يجرؤ أحد من النواب العرب ومن الباحثين الأكاديميين والمثقفين الذين واكبوا هذه الحملة أن يشير بإصبع الاتهام إلى هذه السلطة بكافة أجهزتها على إنها تشكل المصدر الرئيسي للعنف.
طبعا هذا لا ينفي مسؤولية مجتمعنا العربي عن تفاقم ظاهرة العنف والجريمة ولا يقلل في الوقت نفسه من خطورة هذه الظاهرة. ولكن لنبدأ أولا بعنف الدولة التي يذرف قادتها دموع التماسيح على الوسط العربي وعلى العنف الذي ينخر فيه:
من المعروف أن الدولة الحديثة، كل دولة، تصادر العنف من المواطنين لكي تحتكره لنفسها. فعنفها مشروع ويحميه القانون مهما كان شنيعا ولا يعرف بأنه عنف أصلا. فهو إما دفاعا عن النفس أو حفظا للأمن والاستقرار والعديد من التبريرات الزائفة الأخرى. حسب رأيي الدولة هي أكبر مصدر للعنف فهي التي احتلت البلاد وشردت الشعب ودمرت القرى والمدن. في العرف الإسرائيلي لا يعتبر فرض الحصار الغاشم على غزة لسنين طويلة ومنع الغذاء والدواء عنفا. وإقامة الجدار العنصري العازل وزرع الأرض الفلسطينية بالحواجز والمستوطنات هو أيضا ليس عنفا. وسرعة إطلاق النار من قبل رجال الشرطة على المواطنين العرب هو الآخر ليس عنفا. وإن ننسى فإننا لا ننسى العنف الذي تمارسه الكنيست نفسها من خلال سنها للقوانين العنصرية. فتقطيع أوصال العائلة الفلسطينية حسب قانون المواطنة العنصري ليس عنفا وهدم البيوت وخنق القرى والمدن العربية والتمييز بكافة أشكاله ليس عرفا. بعد ذلك أليس من العار أن تعقد هذه الكنيست جلسة خاصة وتتباكى على ضحايا العنف في المجتمع العربي؟
كيف تستطيع شرطة إسرائيل أن تكافح العنف في الوسط العربي وكل تعاملها مع هذا الوسط ينضح بالعنف ؟ من قمع الاحتجاجات إلى تفريق المظاهرات وحتى إلى فرض مخالفات السير؟ هذا فضلا عن إنها تتعاون مع حثالات الوسط العربي الذين تستخدمهم كمخبرين. مثل من يدعو هذه الدولة لحمايته من العنف كمثل من يدعو القط لحراسة اللبن.
مجتمعنا العربي هو الآخر ينبوع لا ينضب للعنف. ولنبدأ بأعضاء الكنيست العرب ورؤساء المجالس المحلية والبلديات الذين شاركوا في جلسة الكنيست والذين لم يشاركوا: كيف انتخبوا؟ أليس من خلال تأجيج العنف وتأليب المواطنين على أنفسهم ومن خلال تنمية واستغلال النعرات العائلية والطائفية؟ أم هذا لا يسمى عنفا؟ ألا يوجد لكل حزب سياسي ولكل "زعيم" بلطجيته وشبيحته؟. هذا بالإضافة إلى بعض العادات والتقاليد البالية التي تشكل أرضا خصبا للعنف مثل القتل على خلفية ما يسمى شرف العائلة وعقلية الانتقام. العنف يبدأ في البيت وسرعان ما ينتقل إلى المدرسة والشارع. في البيت يقوم الأب بضرب زوجته أو إساءة معاملتها على الاقل فترد الأم غالبا بقمع الأبناء وعادة ما يقوم الأخ الأكبر بتعنيف أخوته الصغار. وفي المدرسة وبالرغم من حذر العنف الجسدي قانونيا إلا أن أشكال العنف الرمزي والكلامي ما زالت رائجة. أما في الشارع فحدث عن شتى أشكال العنف ولا حرج. وأخيرا لا بد من التنويه أنه من الخطأ وضع كافة أشكال العنف في سلة واحدة. فالعنف الذي يمارسه المظلومون من أجل رفع الظلم الواقع عليهم هو عنف مشروع ما دام خاضعا للقيم والمعايير الإنسانية.
مكافحة العنف في المجتمع العربي ممكنة ولكن فقط من خلال التربية الصحيحة على أساس القيم الإنسانية الأخلاقية السامية.






Wednesday, February 08, 2012

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق
علي زبيدات – سخنين

بكل صراحة، أعترف بأنه يصيبني نوع من الغثيان وأشعر بالإحباط كلما شاهدت قناة الجزيرة حتى الأخيرة انقطعت عن مشاهدتها تماما منذ فترة. ولم أتفاجأ عندما علمت أن الشعور نفسه ينتاب العديدين ممن يتابعون الإحداث التي تعصف في العالم العربي منذ أن أشعل محمد بو عزيزي النار في نفسه . وقد بدأ عندي هذا الشعور بالاشمئزاز إلى درجة الغثيان من هذه القناة مع تطور الصراع في ليبيا. حيث أصبح واضحا للجميع أن الجزيرة ليست مجرد قناة إخبارية تنقل الخبر كما يحدث على أرض الواقع وتستضيف الخبراء من كافة الأطياف لتحليل الإحداث لكي يتفهمها المشاهد، بل هي قناة متورطة في صنع الحدث نفسه بطرق مختلفة وملتوية وتوجيهه لخدمة أجندة أجنبية. واعترف أيضا أن ما زاد من إحباطي من هذه القناة منذ تلك الأيام هو ظهور شخصيتان من "الخبراء" بشكل دائم: الأول كان يعرف بأنه خبير الشؤون العسكرية والإستراتيجية واسمه صفوت الزيات صاحب نظرية "ربما"، والذي انتهى دوره مع سقوط نظام القذافي تحت ضربات حلف الناتو ولا أدري إذا كان ينتظر هجوم هذا الحلف على سوريا حتى يعود أو يعاد إلى الشاشة. والثاني كان ولا يزال يعرف بالمفكر العربي: عزمي بشارة.
ولكني تفاجأت عندما قرأت مقالا للصديق د. عمر سعيد بعنوان:" ملاحظات على موقف د. عزمي بشارة من الأزمة السورية". للوهلة الأولى ظننت إنها ملاحظات انتقاديه ولكن سرعان ما خاب أملي حيث تبين أن المقال ليس فقط دفاعا عن مواقف عزمي بشارة بل هو عبارة عن قصيدة مدح طويلة، وفي الوقت نفسه هجوما على منتقديه الذين يصفهم بالكسالى والمشبوهين الذين يعبرون عن عقمهم الفكري أو الواقعين تحت تأثيرات الغرائز البدائية والحسد أو المزايدات البائسة والرعناء. بينما بالمقابل يضع عزمي بشارة في مصاف المفكرين الأفذاذ الذين رحل منهم ثلاثة مؤخرا وهم: محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون. بل هو يتقدم عليهم بمسافات، كيف لا وقد توفوا مغمورين في المنفى أو تحت وطأة العوز ولم تكتشفهم قناة الجزيرة وتجعل منهم نجوما. حسب رأي الكاتب، عزمي بشارة هو أبرز المنظرين في المواطنة والمجتمع المدني وإصلاح وتطوير الفكر القومي وعلاقته بالديمقراطية وقيم العدالة لأن تحليلاته ليست مجرد تحليلات سياسية للأحداث بل هي تحليلات فكرية تقوم على أساس معايير وأدوات تحليلية علمية. وأكثر من ذلك فهو يستحق لقب "منظر الثورات" بعد أن تعدى دور التنظير إلى مواقع التوجيه السياسي وأصبح مصدر إلهام للثوار. وأخيرا يؤكد د. عمر: "أن الجماهير تتابع بتشوق مداخلات بشارة المتلفزة" أنا آسف يا صديقي: لقد آن الأوان أن تعرف أن هناك من قرف الجزيرة بسبب هذه المداخلات.
لا يوجد هناك ثورة نقية إلا بين صفحات الكتب. جرائم الثوار قد لا تكون أقل فظاعة من جرائم النظام وخصوصا من ثوار آخر زمن الذين يتساقطون مع تطور النضال. يوجد هناك صراع دام لا يعرف الرحمة. والثورة أول ما تأكل فإنها تأكل أبناءها. وكما كتب كارل ماركس في البيان الشيوعي:" تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا ليس سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والإقطاعي والقن ومعلم الحرفة والصانع وباختصار الظالمون والمظلومون ، المتعارضون دوما، خاضوا صراعا لا ينتهي، صريحا تارة ومستترا تارة أخرى، صراعا كان ينتهي دائما إما بتغيير المجتمع كله تغييرا ثوريا وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين".
يبدو أن الصراع في سوريا قد حسم ولن يتمخض عن تغيير ثوري للمجتمع. بل سينتهي بدمار طرفي الصراع. لم يعد هناك مبرر للخوف من نشوب حرب أهلية، وكأن ما يجري الآن ليست حربا أهلية. لقد فقدت البوصلة اتجاهها بين نظام دموي لن ينسحب إلا بعد أن يخلف وراءه أرضا محروقة وبين معارضة مخترقة حتى النخاع من قبل أمريكا وأوروبا وإسرائيل والرجعية العربية. أما الشعب السوري فهو الذي يدفع الثمن بدماء أبنائه. أما المصيبة الحقيقية فهي أن كلا الطرفين المتناحرين يتكلم باسم هذا الشعب المسكين ويدعي الدفاع عنه بواسطة نحره.
لم أكن في يوم من الأيام من أنصار نظام البعث في سوريا. وخصوصا بعد ما يسمى "الثورة التصحيحية" واغتصاب حافظ الأسد للسلطة. لقد كان ذلك انقلابا يمينيا وكانت تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن إحدى نتائجه المباشرة. وإن ننسى فإننا لا ننسى تل الزعتر وحرب المخيمات ووقوف النظام إلى جانب أمريكا في حرب الخليج الأولى. وعندما كانت معظم قوى اليسار ترتمي في أحضان النظام السوري بصفته نظاما ممانعا كان رأيي أن هذا النظام لا يختلف من حيث الجوهر عن باقي الأنظمة العربية الرجعية.
ولكن أن يزايد على هذا النظام مشيخة قطر والنظام السعودي والهاشمي وغيرهما من حثالة جامعة الدول العربية وتطالبه بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فإن ذلك لعمري من سخرية الأقدار.
أين يقف المفكر العربي عزمي بشارة من هذا المشهد؟ إلى جانب الشعب السوري ومطالبه بالحرية والكرامة؟ أم إلى جانب حكام قطر وباقي الدول العربية الذين يقومون بدورهم على أحسن وجه في خدمة الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية؟ هل يعرف عزمي بشارة أن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية تقع على بعد أمتار من المكان الذي يجلس فيه للتنظير للثورة؟ أم انه لا يعرف ذلك تماما مثل زميله يوسف القرضاوي؟ والذي اتخذ من الدين حرفة وجعل الفتاوى سلعة كما جعل بشارة من الفكر حرفة ومن الأفكار سلعة وكل شيء قابل للبيع.
الملاحظة الوحيدة التي يذكرها الدكتور عمر سعيد على إنها نقد ولكنها هي في الحقيقة أقرب إلى للعتاب هي مطالبته بنقد واضح للتيار الإسلامي وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية. أليس من الأجدر أن يطالبه بنقد واضح لحكام الدوحة والرياض وعمان وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية؟
وأخيرا أتساءل ولا انتظر جوابا: هل المشروع القومي العربي الديمقراطي الذي تعثر تحقيقه من خلال الكنيست الإسرائيلي يمكن تحقيقه من خلال حلف الناتو؟

Wednesday, February 01, 2012

تكريم أم إهانة؟

تكريم أم إهانة
علي زبيدات – سخنين

مما لا شك فيه أن تكريم المبدعين من كتاب وشعراء ومثقفين وعمال وطلاب متفوقين وكل من قدم خدمة جليلة لبلده ولشعبه هو أمر إيجابي بل وضروري لكل مجتمع فكم بالأحرى لمجتمعنا الفلسطيني الممزق والمحاصر والرازح تحت نير الاحتلال. غني عن القول أن التكريم إيجابي وضروري للأحياء كما للأموات. ولكن، حسب رأيي يوجد هناك بعض المعايير التي يجب ألا تغيب عن نظر منظم التكريم وصاحب التكريم على حد سواء وإلا تحول إلى نقيضه، إلى إهانة، وأصبح نوعا من النفاق الاجتماعي و"الوطني". وحسب رأيي فإن مجتمعنا لا يولي التكريم أهمية كافية من جهة، فكم من مبدع طواه النسيان في حياته ومماته، ولكنه من جهة أخرى هو مجتمع يعشق المظاهر والمبالغة إلى حد الإدمان وإلى درجة تصل إلى حافة النفاق الاجتماعي والرياء والسياسي.
من المعروف أن شعبنا يحب الرموز ويبالغ في تكريمها. الغالبية عن حسن نية ولكن البعض لغاية سياسية كانت أم شخصية. أنا شخصيا أؤمن أن الشعوب ليست بحاجة إلى أية "رموز" لأن "الرموز" عادة تصبح فوق النقد، فتحجب الحقيقة وتشجع الإتكالية واللامبالاة. ولها مساوئ عديدة أخرى ليس هنا المجال لشرحها بالتفصيل. على كل حال، هذه "الرموز" المكرمة ليست بحاجة إلى شهادة مني أو من غيري ولا أقصد هنا أصلا إعطاء أية شهادة من أي نوع كان. كل ما هنالك هي قناعة شخصية، ربما تكون خاطئة، بأننا نقف أمام ظاهرة سلبية يجب مواجهتها، ويحق لشخص واحد على الأقل عنده جرأة كافية (أو وقاحة كافية) لكي يتكلم عنها ويحذر منها.
في الأسابيع الأخيرة فاضت وسائل الإعلام المحلية بتغطية حفلات تكريم عديدة بصورة مستفزة، لذلك لا أري ضيرا أن أواجه هذه التغطيات بشكل قد يستفز البعض.
لنأخذ مثلا الشاعر سميح القاسم الذي أحبه كشاعر وأكن له الاحترام كإنسان ولكني أختلف معه في الكثير من المواقف والآراء وهذا من حقي وحق كل واحد. في الآونة الأخيرة جرى تكريمه في عدة حفلات وفي عدة بلدان. لا أدري ما سر هذه الطفرة وفي هذا الوقت بالذات. في سخنين امتلأت القاعة بمحبي الشاعر الحقيقيين والذين لم ينبسوا ببنت شفة. ولكني لست متأكدا من أن كل من اعتلى المنصة وكال المدائح للشاعر بكل ما جادت به قريحته هو من محبيه. ولا أدري ما سر تعاون سلطة رام الله وبلدية سخنين ومؤسسة الأسوار في هذا الاحتفال. ماذا يعني وجود رئيس ديوان محمود عباس؟ ومن يقول أن له أو لرئيسه الحق في أن يمنح "وسام نجمة القدس" لأحد؟ ماذا فعلت هذه السلطة من أجل القدس أصلا؟ وما علاقة محافظ جنين الذي يفتخر بأنه قد حول مدينة جنين من "مدينة إرهاب إلى المدينة الأكثر أمنا للإسرائيليين"؟ وهو الذي وقع على اتفاقية توأمة بين مدينة جنين ومستوطنات مرج بن عامر، وطير بالونات وحمام أبيض على حاجز الجلمة تعبيرا عن السلام المفقود التعايش خلال استقباله لوفد إسرائيلي. وما هي علاقة رئيس بلدية أريحا وغيره من أعضاء الوفد المرافق؟ بل ما هي علاقة رئيس بلدية سخنين بالشعر والشعراء؟ وهل هو المخول لمنح "مواطنة شرف" لأحد؟ وأخيرا أعضاء الكنيست العرب الذين وقفوا بالدور حيث ألقى كل واحد منهم خطابا بليغا لكن بلا روح وكأنه يقف على منصة الكنيست. آسف جدا، هذا ليس تكريما وطنيا بل هو نفاق وطني. وأعدها إهانة للشاعر المحتفى به نفسه وليس تكريما له حتى ولو لم يراها هو كذلك وهي أيضا إهانة للجمهور. وفي عرابة قبل أيام جرى تكريم آخر للشاعر ومرة أخرى بلغت المجاملات ذروتها. حيث شبه رئيس البلدية الشاعر بالقديس وهذا يعني أن كل نقد هو من باب الكفر والإلحاد، ناهيك عن الباقي من سياسيين وغيرهم. الخطابات كاملة موجودة بين صفحات الجرائد المحلية والمواقع في الشبكة العنكبوتية لمن يهمه الأمر.
بالتزامن مع هذه التكريمات، جرت مراسيم الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر سليم جبران في البقيعة. ومرة أخرى تحركت جوقة المداحين التي أهملت الشاعر في حياته وها هي تذكره بعد مماته. ولو أتيح للشاعر عن يعود للحياة لحظة ويستمع للخطابات لصاح مذهولا: هل هو أنا المقصود بكل هذا الكلام؟
طبعا، للموت حرمته، وليس من الشهامة بشيء التعرض لمن لا يستطيع أن يرد. ولكن أيضا ليس من الشهامة بشيء المجاملة إلى درجة النفاق. لم تجمعني بسالم جبران صداقة ولكن جمعتني معه نقاشات عديدة بعضها قديم جدا يعود إلى سنوات السبعين عندما كنا سويا تحت سقف جامعة حيفا وبعضها أحدث عهدا عندما عمل محررا في جريدة الأهالي في سخنين. وكنت أتعمد خلال نقاشنا إغاظته من باب العشم أولا ولاختلاف المواقف والآراء ثانيا وأقول له: لا افهم كيف يعدونك من شعراء المقاومة وأنت تدعو إلى التعايش السلمي مع دولة إسرائيل ومن خلال عملك وتصريحاتك في جفعات حبيبة. وأذكر أنه في إحدى مقالاته الأسبوعية كتب ما معناه: أن الوهم بتجاهل وجود دولة إسرائيل يقود إلى الكوارث وأن الوهم بأن يقوم حزب الله باقتلاع الكيان الصهيوني سوف يكلف شعوبنا دما ودمارا. وأذكر أيضا أني كتبت مقالا ردا على تصريحاته هذه وسلمته إياه طالبا أن ينشره في جريدة الأهالي حيث كنت اكتب من فترة لأخرى لكنه لم ينشر المقال بحجة إني انزع الشرعية عن دولة إسرائيل وإني لا اختلف عن الإسرائيليين الذين ينكرون شرعية فلسطين. ولكني أعترف بأنه كان إنسانا دمثا واسع الصدر يستمع لكافة الآراء.
حتى لا يصبح التكريم إهانة للمكرم نفسه وللجمهور ومن أجل بلوغ الغاية المرجوة من التكريم ينبغي نبذ المبالغة والنفاق والتقيد بضوابط الحقيقة والاحترام.

Wednesday, January 25, 2012

أين اختفى اليسار العربي؟

أين اختفى اليسار العربي؟
علي زبيدات – سخنين

في خضم العواصف التي عصفت بالعالم العربي في السنة الأخيرة على الأقل، هناك أمر لم أستطع أن أستوعبه أو أهضمه: أين اليسار العربي؟ لماذا لم نسمع صوته؟ لماذا لم نرى جحافله تملأ الشوارع والميادين؟ لماذا لم نقرأ ولم نطلع على برامجه؟ وعندما أتكلم عن اليسار العربي أقصد كل من سولت له نفسه وسماها يسارا بغض النظر إن كان قوميا أو اشتراكيا أو شيوعيا أو لبراليا. وبغض النظر إن كان ثوريا أو إصلاحيا، جذريا أو انتهازيا. أين ذهبت الشعارات الرنانة ولكن الخاوية، والتي نعرف منذ زمن بعيد إنها خاوية، ولكننا تربينا عليها وترعرعنا معها منذ كنا أطفالا؟ لماذا اختفت؟ لماذا ملأ هذا اليسار فمه ماء فسكت؟ وثقلت قدماه فربض وشلت يداه فهمد؟
وبالمقابل لماذا يعوج العالم العربي ويموج بمن دمغناهم بالرجعية والتخلف؟ من جماعات الأخوان المسلمين على مختلف أشكالهم إلى الأحزاب السلفية وشيوخ وأمراء وملوك النفط؟ هل معقول أن يكون هذا اليسار هو الرجعي وهو المتخلف ولكنه لا يعلم ذلك؟. لقد آن الأوان أن ينظر اليسار العربي إلى نفسه بالمرآة ويرى صورته على حقيقتها كما هي بدون ماكياج وبدون تجميل وليس كما يحب أن يراها. لقد آن الأوان أن يكف عن إطلاق سهام نقده على الآخرين ويبدأ باستعمال سلاح النقد الذاتي على جسده الحي، هذا إذا بقي لديه ثمة جسد حي.
لست هنا بصدد تحليل الانتصارات التي حققتها أحزاب الإسلام السياسي في تونس ومصر وفي غيرها من البلدان بالرغم من أنها كانت أكثر الأطراف قابلية للمساومة والتهادن مع الأنظمة البائدة وبالرغم من إنها لم تخض أية معركة بناء على برنامج سياسي واضح. كل ما أريد قوله بهذا الصدد أن أحزاب الإسلام السياسي قد حققت نجاحا باهرا تحويل الدين إلى أيديولوجية سياسية وتسويقها على أفضل وجه. بينما نجحت الأحزاب والحركات التي تعتبر نفسها يسارية من تحويل الايديولوجية السياسية إلى دين ولكن إلى دين جامد لا روح فيه.
لقد نال اليساريون على مختلف مشاربهم من قوميين واشتراكيين وليبراليين فرصتهم الذهبية طوال القرن الماضي، القرن العشرين أو معظمه، وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. لكنهم أخفقوا أيما إخفاق، حيث قادوا شعوبهم من هزيمة إلى أخرى ومن تخلف إلى مزيد من التخلف ومن فساد إلى مزيد من الفساد حتى انتهوا إلى أنظمة فاشية أو شبه فاشية. ما زرعوه خلال القرن المنصرم. ما يلاقونه اليوم من نبذ وازدراء ليس سوى جزء من عقاب الجماهير لهم. وكما قال كارل ماركس الذي يعتبره اليساريون الأكثر جذرية مرجعا لهم: "نحن لا نحكم على الأشخاص أو على الأحزاب السياسية من خلال ما يقولونه عن أنفسهم بل من خلال أفكارهم وممارساتهم العملية".
ماذا تعني مثلا أن تكون ليبيا جماهيرية اشتراكية عظمى وتدار كمزرعة خاصة لعائلة واحدة؟ ماذا تعني أن تكون سوريا لنصف قرن دولة اشتراكية ويتم احتكارها من قبل نخبة فاسدة وكأنها حانوت خاص؟. ماذا تعني الوحدة عندما يقوم القيمون عليها بتقطيع أوصالها؟ ماذا تعني الحرية عندما يصبح العالم العربي بأسره سجن كبير؟ هل نحن بحاجة إلى اشتراكية أخرى على طريقة شاوشيسكو؟ وعندما نراها تنهار أمام أعيننا نصرخ: مؤامرة مؤامرة؟
دعونا نأخذ اليسار الفلسطيني نموذجا. ألم يكن منذ البداية ذنبا لليمين الفلسطيني؟ ألم يشكل منذ البداية احتياطا لهذا اليمين بل وفي كثير من الأحيان شاهد زور له؟ هل كان من الممكن تمرير اتفاقيات أوسلو المجحفة لولا دعم هذا اليسار؟ هل كان من الممكن أن تصمد سلطة أوسلو عشرين يوما، وليس عشرين عاما، لولا المساهمة التي قدمها هذا اليسار على كافة الأصعدة وفي جميع المجالات؟ لقد أخذت بعض الفصائل "اليسارية" جدا جدا على عاتقها مهمة التنظير لإتفاقيات وسلطة أوسلو. إذن، أين المفاجأة إذا ما نهض هذا اليسار ذات صباح ووجد نفسه وحيدا عاريا ورأى الجماهير تلتف إما حول حركة فتح حيث السلطة والمال وإما حول حماس حيث المقاومة أو على الأقل الحلم بالمقاومة.
ولنأخذ اليسار الفلسطيني في الداخل كنموذج آخر: بصراحة، لا أدري أي تعريف لليسار ينطبق عليه. فإذا كان اليسار يعني أولا وقبل كل شيء القدرة على التغيير الفكري والاجتماعي والسياسي وقيادة هذا التغيير نحو واقع أفضل فإن يسارنا مصاب بجمود عقائدي وتخلف اجتماعي وشلل سياسي، وإلا كيف نفسر العائلية والطائفية والفساد التي تطفو على السطح أيام الانتخابات ولكنها في الحقيقة موجودة طوال الوقت؟
الحقيقة المرة هي أن اليسار العربي يمثل ذلك النظام الذي تنادي الجماهير بإسقاطه، النظام الذي يجب أن يرحل. فالقطيعة بين هذا اليسار وبين الجماهير تكاد أن تكون مطلقة.
لن تكون، حسب رأيي، أحزاب الإسلام السياسي بديلا أفضل للأنظمة المنهارة أو للأحزاب العلمانية. ولكن هذه هي فرصتها وقد أبدعت حتى الآن في استغلالها. لم تخيب أمل الجماهير المتلهفة للتغيير بعد. ولكن حسب رأيي سوف تقوم بذلك سريعا. فإذا أخذنا السودان كمثل استولت فيه أحزاب الإسلام السياسي على السلطة لرئينا كيف قامت هذه الأحزاب خلال فترة وجيزة بتقسيم البلد والزج به في حروب أهلية متواصلة هذا بالإضافة إلى الفقر والمجاعات، ولاستطعنا أن نتخيل مصير باقي البلدان.
إذا أراد اليسار العربي المنهك أن يسترد عافيته ودوره التاريخي فعليه أن يحترق كالعنقاء ويصبح رمادا لعل من هذا الرماد يخرج طائر عنقاء جديد.

Wednesday, January 18, 2012

ديمقراطية سيربيروس - الكلب ذو الرؤوس الثلاثة

ديمقراطية سيربيروس - الكلب ذو الرؤوس الثلاثة
علي زبيدات – سخنين

يحكى كما جاء في الميثولوجيا الإغريقية أنه كان هناك كلب مشوه شرس يسيطر عليه الحقد يسمى سيربيروس. وكان لهذا الكلب ثلاثة رؤوس في غاية القبح والمسخ وجسد واحد. وكان هذا الكلب حارس المدخل الوحيد لعالم الموت وخادم بوابة العالم السفلي وكانت مهمته منع خروج الأرواح التي دخلت العالم السفلي وفي الوقت نفسه منع أي شخص من عالم الأحياء الدخول إليه. وكل من كانت تسول له نفسه الدخول كان سيربيروس يمزقه إربا إربا ويفترسه.
في بلادنا، سيربيروس هو جهاز "الدولة اليهودية الديمقراطية" ذو الرؤوس الثلاثة والجسد الواحد.
الرأس الأول: السلطة التشريعية أي الكنيست حيث يتكاتف رجال عصابات يسمون أنفسهم ممثلي الجمهور، يشكلون أغلبية ويسنون القوانين التي تعبر عن أحقادهم الدفينة.
الرأس الثاني: السلطة التنفيذية، أي الحكومة التي تنفذ القوانين على أرض الواقع بالعنف تارة وبالإكراه تارة أخرى. والرأس الثالث: السلطة القضائية أي المحاكم على أنواعها ودرجاتها والتي مهمتها أن تضفي الشرعية على القوانين الصادرة عن الرأس الأول وتؤمن الحماية القانونية للرأس الثاني عندما يبطش بالشعب الأعزل. ويقولون أن هذه السلطات مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض حسب النظريات الكلاسيكية في الفكر السياسي الديمقراطي من جون لوك وجان جاك روسو إلى مونتسكيه والبعض يعود بهذا الفصل إلى منبع الفلسفة الإغريقية نفسها إلى أفلاطون وأرسطو.
ثلاثة رؤوس وجسد واحد هذا ما أكدته مرة أخرى المحكمة العليا عندما صادقت على قانون المواطنة: الكنيست تشرع، الحكومة تنفذ والمحكمة تصادق. عاشت ديمقراطية سيربيروس المجيدة.
نحن لا نتكلم هنا عن وعران احتضنهم حزب "يسرائيل بيتينو" العنصري جاؤوا من بارات وشوارع روسيا سعيا وراء حياة أفضل بل نتكلم عن زبدة المجتمع الإسرائيلي، عن النخبة، عن جهابذة القضاء، عن ضمائر الدولة العبرية. فهذا القاضي أشر غرونيس الذي سوف يصبح قريبا رئيس المحكمة العليا يقول" حقوق الإنسان ليست وصفة للانتحار القومي" ويضيف: " لا يوجد في العالم دولة تسمح بدخول مواطنين أعداء إليها في ساعة حرب. ولا يوجد محكمة في العالم تسمح بدخول مواطنين أعداء إلى دولتها". لقد نسي "سعادة" القاضي أن هؤلاء الأعداء هم سكان البلد الأصليين. وآخر يقول: رفض القانون يعني التفريط بأمن الدولة. ويضيف آخر: رفض القانون يعني الاعتراف بحق عودة اللاجئين. أما الصحفي العنصري في جريدة معاريف بن درور يميني فيقول: " لقد أنقذت المحكمة نفسها من نفسها، فلو سقط القانون لحصلت هزة أرضية وكانت خطوة صغيرة في طريق طويل لإلغاء دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي".
قد يقول البعض: ولكن خمسة قضاة ومن ضمنهم رئيسة المحكمة نفسها صوتوا ضد القانون. أولا، هذا جزء من اللعبة التي تفترض تقسيم الأدوار. لكي تنجح اللعبة لا بد من وجود معارضة. وفي هذه الحالة دور المعارضين لا بقل من حيث الأهمية عن دور الموافقين. ثانيا، الخلافات بين القضاة المعارضين والقضاة المؤيدين للقانون لم تكن مبدئية أو كيفية أصلا، بل كانت حول التفاصيل وشمولية القانون.
تصوروا أن مثل هذا القانون كان قد سن وصادقت عليه المحاكم العليا في الولايات المتحدة الأمريكية أو في إحدى الدول الأوروبية وكان موجها بشكل خاص ضد اليهود فماذا ستكون النتيجة؟ أظن لا حاجة هنا للإسهاب فالجواب معروف. المأساة هي أن بعض مؤسساتنا القيادية من أحزاب سياسية ومنظمات أهلية مهتمة بحقوق الإنسان كانت (وما زالت) تظن أن المحاكم الإسرائيلية من حيث المبدأ هي محاكم نزيهة وعادلة خصوصا إذا ما قورنت بالكنيست أو الحكومة.وكانوا إذا ما حصل لهم أي غبن من الكنيست أو الحكومة يهرولون إلى المحكمة طلبا للعدالة. وأن ما يحصل حاليا في أروقة المحاكم من أحكام جائرة وعنصرية هو من التأثير الخارجي السلبي. ونرى هذه المؤسسات تدين بكل ما لديها من عبارات وصراخ القوانين العنصرية الصادرة عن الكنيست والسياسة الحكومية التي تنفذ هذه القوانين ولكن إدانتها تصبح قريبة من العتاب عندما يتعلق الأمر بالسلطة القضائية.
نعود إلى قصة سيربيروس في المتولوجيا الإغريقية: فقط البطل هرقل استطاع أن يصارع هذا الكلب المشوه وينتصر عليه، فهل ما زال هناك أبطال من هذا النوع؟

Wednesday, January 11, 2012

عملية "كوب الماء المسكوب"

عملية "كوب الماء المسكوب"
علي زبيدات – سخنين

الموضوع بحد ذاته لا يستحق التعقيب أو التعليق: زميلان في بيت دافئ واحد وفي لجنة موقرة واحدة اختلفا فرفع أحدهما صوته بما لا يعجب الأخرى مما أثار عصبيتها فسكبت عليه كوبا من الماء. البعض يقول لكي تبرد من عصبيتها والبعض الآخر يقول لكي يبرد هو حماسه قليلا ومن ثم يهدأ. عادي، مثل هذه الأمور تحدث في أحسن العائلات وفي حالتنا هذه في أحسن البرلمانات. هذه السطور ليست دفاعا عن أحد وليست تشفيا بأحد. وعلى كل حال فقد عادت المياه إلى مجاريها بسرعة حيث قامت لجنة التأديب التابعة للكنيست بمعاقبة هذه الفاشية الصغيرة بإبعادها لشهر عن اجتماعات الكنيست الأمر الذي وصف بالعقوبة القاسية، وقامت هي بتقديم بعض عبارات الاعتذار للعضو المعتدى عليه الذي أسرع بالتعبير عن سروره بالعقاب الذي نالته المعتدية.
السؤال الذي يعود ويطرح نفسه بعناد: هل تشكل الكنيست ولجانها ونقاشاتها حقا حلبة جيدة وضرورية للنضال من أجل الدفاع وتحصيل حقوق الجماهير الفلسطينية في هذه البلاد؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب قاطعا: نعم، طبعا. لو لم يكن كذلك فلماذا يتعرض النواب العرب بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية والإيديولوجية إلى كل هذه الاهانات والمضايقات؟ النائب غالب مجادلة الذي ينتمي إلى حزب صهيوني عريق لم يكن الأول ولن يكون الأخير الذي يتعرض لمثل هذه المعاملة. فقد سبقه نواب ينتمون إلى أحزاب "قومية" و"تقدمية" وفي بعض الحالات من قبل النائبة الفاشية الصغيرة نفسها التي جاءتنا قبل سنوات معدودة من روسيا واليوم تريد أن تتحكم بمصائرنا.
ولكن هل تصرفات نواب اليمين المتطرف وغير المتطرف تجاه النواب العرب سبب كاف ومقنع لوجود نواب عرب بحجة النضال من أجل حقوقنا المشروعة من على منبر الكنيست؟ سمعت أحد الشباب الظرفاء يقول لأحد النواب العرب في إحدى المظاهرات التي انتهت بمواجهات طفيفة مع قوات الشرطة: في البلدان الأخرى يقوم نواب البرلمان عادة بحماية الجماهير من هراوات الشرطة ما عدا هنا حيث تقوم الجماهير بحماية نواب الكنيست العرب.
لسنا هنا بصدد تاريخ الكنيست الحافل بالجرائم ضد الشعب الفلسطيني ولسنا بصدد مكانتها ودورها في الدولة الصهيونية. فكل هذه الأمور أصبحت معروفة لكافة قطاعات الشعب. واليوم لسنا في أجواء انتخابات لكي ندعو للمقاطعة. يكفي أن نتذكر القوانين التي سنتها الكنيست في الفترة الأخيرة فقط: من قانون المواطنة والنكبة ولجان القبول مرورا بقانون المقاطعة والجمعيات وحتى قانون الولاء والدولة القومية اليهودية والحبل عالجرار.
طبعا سيقول البعض أن النواب العرب يعارضون هذه القوانين ويناضلون ضدها من أروقة الكنيست نفسها وبكل ما يملكونه من صراخ. وهذا صحيح بكل تأكيد: من أجل سن هذه القوانين العنصرية الأغلبية مضمونة ولكن الضرورة الأهم هو تأمين وجود معارضة صاخبة ولكن عقيمة لكي تتم اللعبة "الديمقراطية" وذلك من أجل ترويج الطابع الديمقراطي للدولة العبرية حتى يتم التصفيق لها في أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى. هذه هي متعة اللعبة البرلمانية: حيث يخرج الجميع بعد يوم عمل شاق مبسوطين. الائتلاف الحاكم يسن القوانين العنصرية متى يشاء وكيفما يشاء، والمعارضين من النواب وخصوصا العرب منهم يملئون الدنيا ضجيجا ولكن تبقى طواحينهم فارغة.
يبدو أن بعض الناس قد أدمنوا هذه اللعبة البرلمانية ولا يستطيعون تركها ويحاولون إقناع أنفسهم وإقناع الآخرين بضرورة وجودهم وبقائهم في الكنيست هذا بالرغم من كونهم أول من يعرف أضرار هذه اللعبة.
يقول المثل العربي: "من يريد مداعبة القطط عليه أن يتحمل خراميشها". عندما تعرضت النائبة حنين الزعبي إلى هجمة شرسة بسبب مشاركتها في أسطول الحرية هب الجميع يدافعون عنها حتى الذين لا ينتمون لحزبها بصلة. ولكن عندما تعرضت لبعض المضايقات من قبل زملائها في الكنيست ومن بينها الاعتداء عليها من قبل النائبة ميخائيلي نفسها فإن القصة تختلف. وقس على ذلك باقي النواب.
عملية كأس " الماء المسكوب" وعملية"الرصاص المصبوب" هما وجهان لعملة واحدة صكت في الكنيست الصهيوني.

Wednesday, January 04, 2012

حكاية "المقاومة الشعبية السلمية"

حكاية "المقاومة الشعبية السلمية"
علي زبيدات – سخنين

في الآونة الأخيرة كثرت التصريحات الصادرة عن أقطاب السلطة الفلسطينية وخصوصا عن رئيسها محمود عباس والتي تدعو للجوء إلى المقاومة الشعبية السلمية في مقاومة الاستيطان والجدار والاحتلال بشكل عام. وقد تزامنت دعوته الأولى أثناء ذهابه إلى الأمم المتحدة لحصاد ما سمي في حينه باستحقاق أيلول للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي حينه نظمت بعض المسيرات الهزيلة تتناسب مع هذه الخطوة الهزيلة والهزلية في آن واحد وكلنا يعرف ماذا كان مصير هذه الخطوة "التاريخية" وكل ما رافقها من "مقاومة شعبية"، حيث أسدل الستار عليها نهائيا وأصبحت نسيا منسيا.
اليوم، يعود إلينا السيد محمود عباس مرة أخرى لكي يبشرنا أن المصالحة بين فتح وحماس تمت على أساس الاتفاق على نبذ المقاومة "المسلحة" واللجوء فقط إلى "المقاومة الشعبية السلمية" ولتجميلها أضاف:على طريقة الربيع العربي. كما تضمنت اتفاقية المصالحة على ضرورة أن تستمر الهدنة ليس في قطاع غزة وحسب بل يجب أن تشمل الضفة الغربية أيضا. لنتجاوز التناقض الصارخ بين استمرارية "الهدنة" واتساع رقعتها من جهة وبين مفهوم المقاومة من جهة أخرى، ولنتجاوز تصريحات قيادة حماس المتناقضة أيضا بين صحة أو عدم صحة هذه التصريحات ولنتساءل بل نسأل السيد عباس وأركان سلطته: ما الذي منعهم حتى الآن من اللجوء إلى "المقاومة الشعبية السلمية"؟ وكيف يمكن أن نصدق مثل هذه الدعوة وهو يصرح في كل مكان وزمان وفي كل مناسبة ومن غير مناسبة أن الخيار الوحيد هو المفاوضات والمزيد من المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات؟ كيف نصدق مثل هذه الدعوة وهو يقول لكل من يريد أن يسمع أنه ما دام رئيسا لهذه السلطة لن تكون هناك انتفاضة ثالثة أو أية انتفاضة من أي نوع كانت؟ وأخيرا كيف نصدق مثل هذه الدعوة وأجهزة أمن السلطة التي دربها دايتون بتمويل أمريكي – أوروبي – عربي تمنع أي تظاهرة ضد الاحتلال بالقرب من المستوطنات أو الحواجز الرئيسية؟
في الحقيقة، ثورات الشعوب والمقاومة بشكل عام ليست من باب الترف أو من باب المتعة. فهي مليئة بالألم والتضحيات والدمار والمصائب. كنا نتمنى ألا يكون هناك حاجة أصلا لأي شكل من أشكال المقاومة أو الثورات أو الحروب التحررية. أي كنا نتمنى ألا يكون أصلا أي احتلال أو اضطهاد أو ظلم وهي الأمور التي تولد المقاومة على أشكالها. ولكن هذا الحلم لا وجود له على أرض الواقع. فلو لم يقدم الشعب الجزائري مليون شهيد لكانت الجزائر حتى اليوم ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي ولولا الحرب طويلة الأمد وبالغة الدمار التي خاضها الشعب الفيتنامي لما نال حريته واستقلاله ولولا ثورة عبد الناصر لما تأممت قناة السويس بالرغم من الثمن الذي تم دفعه خلال العدوان الثلاثي على مصر.
فلسطين لا تشذ عن هذه القاعدة. لو لم تكن هناك نكبة واقتلاع شعب بأكمله من أرضه، ولو لم يكن هناك احتلال دائم وإذلال دائم وحصار دائم لما كانت هناك ضرورة لأية مقاومة شعبية أو غير شعبية.
يبرر رجالات "المقاومة الشعبية السلمية" طراز آخر زمن دعوتهم هذه أولا: لإحراج دولة إسرائيل أمام العالم: ولكن ما العمل وإسرائيل لا تشعر بأي إحراج؟ فهي ماضية في سياستها تعمل ما تشاء في أي وقت تشاء وكيف تشاء؟. وثانيا: من أجل كسب تعاطف وتأييد الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. إلا أن هذا التعاطف حتى الآن لا يساوي قشرة بصل. وأخيرا يبررون هذه الدعوة باختلال موازين القوى لصالح إسرائيل وكأن موازين القوى عندما قررت التنظيمات الفلسطينية خوض تجربة الكفاح المسلح لم تكن مختلة لصالح إسرائيل.
لعل أكثر ما يغيظ في دعاة المقاومة الشعبية السلمية الجدد هو ذلك التناقض الوهمي والتعسفي الذي أدخلوه بين شتى أشكال المقاومة. وكأنه يوجد من يعارض المقاومة الشعبية السلمية، وكأن أشكال المقاومة الأخرى تتناقض مع المقاومة الشعبية السلمية بدل أن تكملها. وهذا ليس فقط تشويها للواقع وللحقيقة بل هو افتراء على مسيرة المقاومة الشعبية نفسها خصوصا على الانتفاضة لأولى والثانية. فالحجر الذي يقاوم دبابة أصبح مقاومة غير سلمية ويجب أدانته ونبذه. وصواريخ القسام البدائية التي تحاول الرد على غارات الطائرات الحربية الإسرائيلية المدججة بالقنابل والصواريخ أصبحت صواريخا عبثية. وربما كانت بالفعل صواريخا عبثية ولكن بما أن الوضع بمجمله عبثي إلى أقصى حدود العبثية فقد أصبحت ألأكثر منطقيا.
إن شعبا مسحوقا، مضطهدا لا يسعى إلى تسليح نفسه وإعداد نفسه لخوض مسيرة طويلة ومؤلمة من التضحيات والنضال إن شعبا كهذا يستحق أن يعامل معاملة العبيد.
لقد منحت جميع الشرائع السماوية والإنسانية الشعب المضطهد الحق في أن يستعمل جميع أشكال النضال من أجل الحصول على حريته. عدالة السلاح تنبع من عدالة القضية التي يستعمل من أجل تحقيقها. من هذا المنطلق نميز بين الحروب الرجعية الاستعمارية المرفوضة مطلقا وبين الحروب الثورية التقدمية. لا يمكن وضع العنف الرجعي الذي تمارسه الأنظمة ضد شعوبها وشعوب غيرها والعنف الثوري التحرري الذي تمارسه هذه الشعوب من أجل الحرية في سلة واحدة.

Wednesday, December 28, 2011

الدم الفلسطيني ينتصر على الرصاص المصبوب

الدم الفلسطيني ينتصر على الرصاص المصبوب
علي زبيدات – سخنين

في الذكرى الثالثة لحرب غزة التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي "الرصاص المصبوب".
للتذكير فقط: خلال 22 يوما من حرب الإبادة سقط حوالي 1500 شهيدا منهم 313 طفل و111 امرأة وجرح أكثر من 5000 جريح. هذا بالإضافة إلى آلاف البيوت التي دمرت بشكل كامل أو جزئي والتي لم تقتصر على بيوت السكن بل طالت المدارس والمساجد والمستشفيات والمراكز المدنية. اليوم الأول من هذه الحرب لوحده كان مجزرة رهيبة حسب كافة المعايير الدولية. مجزرة أضيفت إلى قائمة المجازر التي اقترفتها الصهيونية من دير ياسين إلى كفر قاسم وحتى صبرا وشاتيلا وقانا وجنين، حيث قتل في هذا اليوم جراء القصف الوحشي للطائرات الإسرائيلية حوالي 300 فلسطيني تبعثرت أشلاؤهم في الساحات والشوارع.
للتذكير فقط: استعملت إسرائيل في هذه الحرب ترسانتها العسكرية من طائرات أباتشي وطائرات F16 وطائرات F15 ودبابات المركيفاه والسفن الحربية والصواريخ وبعض الأسلحة المحرمة دوليا كالقنابل الفسفورية واليورانيوم المخفف ويا لسخرية الأقدار: هذه الأسلحة هي أسلحة "دفاعية" إذا ما قيست بصواريخ القسام التي جعلت منها وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية أخطر من أسلحة الدمار الشامل.
للتذكير فقط: ما زال خمسة ممن قادوا ونفذوا هذه جريمة طلقاء لا يحاسبهم أحد وهم: رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود أولمرت ووزير الحرب ايهود براك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني وقائد الجيش غابي أشكنازي وقائد المنطقة الجنوبية يوآف غلانس. ومهما حاولت الأمم المتحدة ومبعوثها الصهيوني جولدستون للتحقيق في هذه الجرائم تخفيف وتجميل الجرائم التي ارتكبت إلا أن النزر القليل الذي شمله التقرير كان كافيا لزج هؤلاء المجرمين سنوات طويلة في السجون.
للتذكير فقط: اقترفت هذه الجرائم أمام بصر وسمع عالم عاهر منافق قام بتزويد آلة الحرب الإسرائيلية بأعتى الأسلحة وقدم لها الدعم المادي والسياسي ودفع عنها التهم بأعذار ملفقة وجعل منها ضحية تدافع عن نفسها بينما تحولت الضحية إلى المجرم.
للتذكير فقط: انطلقت شرارة هذه الحرب من أكبر عاصمة عربية، من القاهرة عندما كانت ليفني تزور نظام مبارك البائد وتطلق التهديدات المحمومة ضد غزة. ولكن النظام المصري لم يكن النظام الوحيد المتواطئ مع العدوان الإسرائيلي. زمرة أوسلو التي تذرف الآن دموع التماسيح على الانقسام الذي أصاب شطري الوطن وتتباكى على الوحدة المغدورة كان لها هي الأخرى دور كبير في تأجيج نار الحرب ومواصلة العدوان حتى إسقاط سلطة حماس. أما باقي الدول العربية فقد أدانت العدوان لفظا ولكنها تواطأت معه فعلا. وبعدما توقفت أصوات المدافع قامت هذه الدول العربية منها والغربية بعقد مؤتمر دولي في شرم الشيخ سموه "المؤتمر لإعادة بناء غزة" وقد فاق كرم المؤتمرين كل وصف حيث خصصت لهذا الغرض خمسة مليارات دولار، ولكن على الورق فقط.
عندما نحيي الذكرى الثالثة لحرب غزة يجب ألا تغيب عن بالنا ولو للحظة واحدة هذه الحقائق الدامغة. الجريمة مستمرة. الحصار بدأ قبل الحرب وها هو يستمر بعدها. إلا أن الرصاص المصبوب، مهما بلغت صلابته وشراسته نراه يذوب أمام الدم الفلسطيني النازف.
في هذه الذكرى لا بد من التأكيد على النقاط التالية:
أولا: مواصلة النضال من أجل كسر الحصار على غزة مرة واحدة وإلى الأبد. وكسر الحصار يعني إزالته نهائيا وليس تخفيفه أو تلطيفه. وهذا يتطلب المزيد من النضال والمزيد من التضحيات.
ثانيا: العمل بدون هوادة على تقديم مجرمي الحرب الذين اقترفوا جرائم ضد الإنسانية إلى المحاكمة وعلى رأسهم الخمسة المذكورين أعلاه.
ثالثا: التشبث بالثوابت الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها تحقيق العودة وتحرير الأرض المغتصبة وعدم التفريط بها مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب.
تستطيع الجماهير الفلسطينية المتواجدة في الأراضي المحتلة عام 1948 أن تغير موازين القوى وتقلب الواقع رأسا على عقب. ولكن للأسف وبسبب عجز وجبن قيادتها من لجنة المتابعة إلى الأحزاب السياسية وباقي المؤسسات كان رد هذه الجماهير فاترا. فقط عندما شارفت الحرب على نهايتها وتحت الضغط الشعبي وخوفا من الانفجار وفقدان السيطرة على الجماهير قامت هذه الزعامة بتنظيم مظاهرة النصف مليون في سخنين. التي أثبتت مرة أخرى جاهزية واستعداد الجماهير الشعبية لأخذ دورها في النضال من أجل كسر الحصار على غزة ولكن المصيبة أن القيادة غير جاهزة ولا أظن أنها سوف تكون جاهزة في يوم من الأيام.
في هذه الذكرى أدعو إلى تنظيم مسيرة مليونية تسير من شمال فلسطين حتى تصل إلى غزة ولا تتوقف إلا بعد أن تدوس الحصار الإسرائيلي تحت أقدامها.

Wednesday, December 21, 2011

هل حقا انتهت الحرب الأمريكية في العراق؟

هل حقا انتهت الحرب الأمريكية في العراق؟
علي زبيدات – سخنين

قبل أيام أعلن الرئيس الأمريكي أوباما رسميا انتهاء حرب العراق. وقد أغدق في خطابه المديح على الجنود الأمريكيين الذين أدوا مهامهم بفخر ووطنية حسب كلماته وعبر عن فخره واعتزازه بما قام به هؤلاء الجنود. إن دل قوله هذا على شيء فإنه هذا يدل أولا على أن معارضته للحرب قبل أن يصبح رئيسا كانت مجرد دعاية انتخابية تفتقر لأبسط قواعد المصداقية وأنه لا يوجد هناك ثمة أي فرق جوهري بين إدارة الرئيس الجمهوري بوش وبين إدارته الديمقراطية. ويدل ثانيا على أن الجرائم التي اقترفتها الجيوش الأمريكية في العراق يتحمل هو مسؤوليتها بنفس المقدار الذي يتحملها بوش. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تكبدت خسائر جسيمة في هذه الحرب الإمبريالية حيث قتل 4500 جندي وجرح عشرات الآلاف هذا بالإضافة للخسائر المادية التي تجاوزت تريليون دولار والتي عمقت بدورها الأزمة الاقتصادية التي تعصف في الولايات المتحدة منذ عدة سنوات وبمجمل النظام الرأسمالي العالمي. غير أن نتائج الجرائم التي اقترفتها هذه القوات بحق العراق وشعبه تفوق أضعاف مضاعفة خسائر الأمريكيين. فقد قتل أكثر من 100 ألف مدني عراقي وجرح مئات الآلاف وشرد أكثر من مليون مواطن هذا بالإضافة إلى تدمير البنى التحتية للبلد وفيما بعد نهب ثرواته الطبيعية وعلى رأسها النفط.
الآن كلنا يعلم الأكاذيب التي روجتها الدول الإمبريالية لتبرير شن هجومها الغاشم: تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل؟ تبين أن هذه الكذبة من أكبر الكذبات في التاريخ قديمه وحديثه يعجز عنها حتى جهاز الدعاية النازي بزعامة غوبلز. ملاحقة ومحاربة تنظيم القاعدة؟ تبينت هي الأخرى من الكذبات التي يشهد لها التاريخ. ولعل الكذبة الأكبر على الإطلاق هي كذبة نشر الديمقراطية. وكل ما فعلته هذه القوات في هذا المجال هو زرع الفتنة بين أفراد وطوائف وقوميات الوطن الواحد وتأجيج الصراعات الطائفية. هذا بالإضافة إلى فضائحهم في سجن أبو غريب وغيره.
ولكن لنعود إلى كذبة إنهاء الحرب وسحب القوات الأمريكية. حسب المصادر الغربية نفسها ما زال في العراق 16 ألف شخص من أفراد الشركات الأمنية الخاصة ومعظم هؤلاء من الجنود المسرحين والمرتزقة وهم أسوأ بما لا يقاس من الجنود النظاميين. هذا بالإضافة إلى مئات الخبراء والمختصين والمستشارين الأمنيين. بعد أن أنجزت القوات الأمريكية الغازية مهامها العسكرية الأساسية أوكلت الآن (بعد الانسحاب) مهامها إلى جيش النظام العميل وأجهزته الأمنية. واليوم جاء دور المرحلة الثانية وهي مرحلة سلب ثروات العراق بالطرق المدنية.
وأكثر من ذلك، فقد انسحبت معظم القوات الأمريكية إلى الكويت وقطر وباقي دول الخليج وحسب بعض المصادر الغربية نفسها إلى الحدود بين الأردن وسوريا وهذا يضمن تحقيق هدفين استراتيجيين في السياسة الأمريكية في المنطقة، أولا: عدم الابتعاد عن العراق وإمكانية العودة السريعة إليه وقت الضرورة. ثانيا: الاستعداد لفتح جبهات جديدة في سوريا ولبنان وفي كل منطقة تتعرض المصالح الأمريكية بها للخطر. بالطبع يجب ألا ننسى هنا المصلحة الإسرائيلية ولا أبالغ إذا قلت أن السبب الرئيسي أصلا للحرب في العراق ولجميع الحروب الماضية والقادمة في المنطقة جاءت لتقدم خدمة لدولة إسرائيل.
الخلاصة هي أن الحرب الأمريكية في العراق حسب رأيي ليس فقط أنها لم تنته بل تهدد بالانتشار إلى أماكن أخرى أيضا وقد تكون سوريا وإيران المرشحتين الرئيسيتين ولكنهما ليستا الوحيدتين.
مصيبتنا، نحن الشعوب العربية ومن ضمنها الشعب الفلسطيني إنه كلما جاهرت الولايات المتحدة بعداوتها وعدوانيتها ضدنا كلما انبطحنا أمامها وزحفنا تحت أقدمها واعتبرناها مخلصنا. في الحقيقة هذه ظاهرة يصعب فهمها واستيعابها. وأنا هنا لا اقصد الأنظمة التي تكون مستعدة للتحالف مع الشيطان للحفاظ على أنفسها والتشبث بكراسيها بل أيضا قطاعات واسعة من حركات المعارضة التي تخوض صراعا مريرا للتحرر من مضطهديها وتقود في بعض البلدان ما يسمى بالربيع العربي والثورات العربية ولكنها تسقط في الشباك الأمريكية وتغرق في مستنقع التعاون مع الأنظمة الإمبريالية المعادية.
قال ماو تسي تونغ في خضم صراعه الطويل ضد الاستعمار الياباني والرجعية المحلية: مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ولكن في عالمنا العربي هذه المعادلة معكوسة تماما: مسيرة الخطوة الواحدة تستغرق قطع مسافة ألف ميل. الخطوة الواحدة هي الإعلان أن أمريكا هي العدو ومعاملتها بالمثل وليس اللهث ورائها واستجدائها ما لا تستطيع أن تعطيه. وكان ماو تسي تونغ في ذلك الوقت يردد القول: الهزيمة هي أم الانتصار، ولكن في عالمنا العربي الهزيمة هي أم لهزيمة أخرى أبشع من الهزيمة التي سبقتها، حتى أن بعض انتصاراتنا المحدودة والمتواضعة سرعان ما تتحول إلى هزائم نكراء. وأكثر من ذلك، وبسبب شخصيتنا الفهلوية نحول هزائمنا إلى انتصارات وهمية ونحول جبننا إلى بطولات.
الثورة في أي بلد عربي لا تستحق أن يطلق عليها اسم ثورة إذا لم تكن ضد الهيمنة الإمبريالية الأمريكية كما هي ضد الرجعية المحلية. لا ينطبق هذا الأمر على مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا وحسب بل على كافة البلدان العربية وفي مقدمتها فلسطين. يجب فضح جميع المراهنين على الدور الأمريكي ويروجون للكذبة التي تقول أن أمريكا تمتلك 90% من أوراق الحل. وربما كان أكثر صدقا أن نقول: أن أمريكا تمتلك 90% من أوراق المشكلة وليس الحل. الحرب الامبريالية نعم سوف تنتهي ولكن فقط ثورات الشعوب المضطهدة هي التي سوف تحقق ذلك.

Wednesday, December 14, 2011

هل إسرائيل دولة فاشية؟

هل إسرائيل دولة فاشية؟
علي زبيدات – سخنين

جوابي على هذا السؤال بدون لف أو دوران هو نعم. إسرائيل دولة فاشية من اليوم الأول لقيامها بل ومن قبل قيامها أيضا عندما كانت في طورحركة كولونيالية تسمى الحركة الصهيونية. يأتي هذا الموقف الواضح والصريح والمباشر على عكس ما يقوله عصام مخول، الأمين العام للحزب الشيوعي الإسرائيلي، في مقالة نشرها على موقع الجبهة بعنوان:"خطر الفاشية والأزمة الاقتصادية". من حيثيات المقالة، وكما يشير العنوان أيضا يتخذ مخول موقفا وسطيا: من جهة يوجد هناك خطر داهم قد يحول دولة إسرائيل إلى دولة فاشية، ولم يعد هذا موقف الشيوعيين الإسرائيليين فحسب بل أصبح موقف اليسار الصهيوني والعديد من اللبراليين أيضا. ومن جهة أخرى يرفض القول الذي يجزم بأن الفاشية باتت هنا. وأن السياسة الرجعية والعنصرية للحكومة خصوصا اتجاه الشعب الفلسطيني لا تكفي لأن تدمغ الدولة ككل بأنها دولة فاشية.
في الحقيقة يردد مخول الموقف الذي تبنته الأوساط التحريفية والانتهازية في الحركة الشيوعية العالمية إزاء الحركات الفاشية التي اكتسحت أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي. يمكن تلخيص هذا الموقف بما يلي: هناك خطر داهم للفاشية ولكن هذا الخطر ما زال بعيدا. عواقب هذا الموقف الوسطي الوخيمة معروفة للجميع حيث كان هؤلاء الشيوعيون التحريفيون أول من سحقتهم الفاشية المنتصرة في ايطاليا وألمانيا ومن ثم في اسبانيا. طبعا كان هناك شيوعيون ثوريون طالبوا بالتصدي الفوري والحازم للفاشية وهي في مهدها وضحوا بأرواحهم في سبيل ذلك ولكن التيار الانتهازي كان هو المسيطر وهذا التيار هو الذي سمي فيما بعد بالشيوعية الأوروبية الذي خان الثورة العمالية وتبنى سياسة التعايش السلمي بين الرأسمالية والشيوعية وفي كثير من الدول شكل أنصار هذا التيار الجناح اليساري للأحزاب البرجوازية وشاركوا في الحكم. الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو جزء من هذه المنظومة وهو يعيش في حالة تناقض بين نظرته إلى نفسه كحزب عمالي وبين واقعه كاحتياط لليبرالية الرأسمالية.
مبدئيا أنا أقبل التعريف الكلاسيكي الذي صاغه القائد الشيوعي البلغاري ديمتروف للمؤتمر السابع للكومنتيرن معرفا الفاشية بأنها" ديكتاتورية إرهابية تقودها العناصر الأكثر رجعية والأكثر قومية والأكثر استعمارية في النظام الرأسمالي". بالرغم من أن هذا التعريف يبقى ناقصا فهو لا يتطرق إلى البعد الثقافي والتربوي والاجتماعي للفاشية. على كل حال، دعونا نطبق هذا التعريف على دولة إسرائيل، من يقود هذه الدولة؟ أليست العناصر الأكثر رجعية؟ التي أغرقتنا بوابل من "القوانين" الرجعية التي يخجل منها حتى موسوليني نفسه؟ أليست العناصر الأكثر قومية التي تعتبر نفسها شعبا مختارا وتتعامل مع باقي الشعوب، وليس الشعب الفلسطيني فحسب، باعتبارها أكثر دونية؟ أليست هذه العناصر الأكثر استعمارية أيضا وهي التي لم تكتف بما نهبته عام النكبة ولكنها مستمرة في بناء المستعمرات في كل بقعة ممكنة من فلسطين؟
لو أسعفنا الرفيق مخول وأخبرنا متى حسب رأيه سوف تجتاز دولة إسرائيل مرحلة خطر الفاشية وتدخل في الفاشية نفسها؟ أعندما ترحل ما تبقى من الفلسطينيين عن أراضيهم وكأنه لا يكفي تشريد أكثر من نصفه ووقوع النصف الآخر تحت الاحتلال؟ أو عندما تشن إسرائيل حربا نووية على إيران لأن الحرب على لبنان وعلى قطاع غزة ليست سوى لعب صبيان؟
جذور الفاشية الإسرائيلية يعود إلى ما قبل قيام الدولة، وهذا ليس ما أقوله أنا بل ما يقوله العديد من المؤرخين اليهود. لقد أسس جابوتنسكي الحركة الصهيونية التنقيحية وهو يضع أمامه مثل الحزب الفاشي الإيطالي حتى أنه طلب من أنصاره أن ينادوه دوتشه على غرار موسوليني. وتبنى جميع المقومات الفاشية من اعتبار الدولة القائمة على الشوفينية القومية مثلا أعلى مرورا بتقييد حريات الفرد واضطهاد الأقليات وحتى النزعة العسكرية وشن الحروب التوسعية والاستيطان. هذا الشق الفاشي المكشوف هو الذي يقود إسرائيل اليوم. حزب الليكود وباقي الأحزاب اليمينية من حوله هم الأحفاد الشرعيين للصهيونية التنقيحية الفاشية التي أسسها جابوتنسكي واستمرت مع بيغن وشمير حتى استلمها نتنياهو وزمرته. هذا لا يعني أن الشق الآخر، العمالي، الاشتراكي كان بعيدا عن الفاشية. الفرق في المظهر وليس في الجوهر. القناع ليبرالي، عمالي واشتراكي ولكن الجوهر فاشي.
وأنا أستغرب، أو ربما لا يوجد مكان للاستغراب، كيف يعتبر مخول تشيلي والأرجنتين واسبانيا والبرتغال واليونان في سنوات السبعين دولا فاشية ويصدر صك براءة لدولة إسرائيل.
في النهاية فأنا اتفق في نقطة مع مخول وهي أن الفاشية الإسرائيلية ( وليس مجرد خطرها) لن توجه ضد الشعب الفلسطيني فحسب بل سوف تطول حركات الاحتجاج اليهودية والأحزاب اليسارية حتى الصهيونية منها. الفاشية تعني الحرب فهل بقي هناك من يحارب الفاشية؟

Wednesday, December 07, 2011

في ذكرى الانتفاضة الأولى

في ذكرى الانتفاضة الأولى
علي زبيدات – سخنين

كتبت هذه السطور عشية الذكرى ال24 للانتفاضة الفلسطينية الأولى. قمت، في هذه المناسبة، بجولة على العديد من المواقع الإخبارية الفلسطينية المحلية والوطنية وبعض المواقع العربية واسعة الانتشار لكي أطلع على الفعاليات المنوي إطلاقها لإحياء وتكريم في هذه المناسبة. ولكن ماذا وجدت هناك؟ لا شيء على الإطلاق، وكأن الانتفاضة الأولى لم تكن أصلا أو وكأن يدا خفية قامت بشطبها من الذاكرة ومن صفحات التاريخ. لم أجد خبرا واحدا ينبئ عن مهرجان أو ندوة أو محاضرة بهذه المناسبة. ولكي أكون صادقا وجدت بعض الأخبار التي تتكلم عن احتفالات تعدها حركة حماس في غزة للاحتفال بذكرى انطلاقتها التي تتزامن من انطلاق الانتفاضة الأولى. بينما كلنا يعرف أن الانتفاضة الأولى جرفت جميع قطاعات شعبنا بغض النظر عن انتماءاتها التنظيمية.
إذن، ستمر هذه المناسبة غدا وسط هدوء تام. وقد تقوم بعض الصحف أو بعض المواقع الإخبارية بذكرها ببعض كلمات أو بعض سطور بعد مرورها. مما لا شك فيه أن هذا الواقع ليس وليد المصادفة بل هو مدروس ومبرمج ومخطط له وهدفه واضح: محو ذكرى هذه الملحمة الإنسانية الفريدة من نوعها.
بالنسبة لي، ذكرى انطلاقة الانتفاضة الأولى (والثانية أيضا) لا تقل أهمية عن انطلاقة حركة فتح أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو الجبهة الديمقراطية أو حركة حماس أو الجهاد الإسلامي، وربما كانت تفوق هذه المناسبات من حيث أهميتها. فلماذا تم دفن ذكرى الانتفاضة وهي حية في قلوب جماهير شعبنا بينما تحيي ذكرى بعض الفصائل وهي رميم؟
لست بصدد كتابة تاريخ الانتفاضة الأولى فقد قيل وكتب في هذا الموضوع الكثير ولكن للتذكير فقط: فإن هذه الانتفاضة التي انفجرت في الثامن من كانون الثاني عام 1987 في أعقاب جريمة دهس بعض المواطنين الفلسطينيين من سكان مخيم جباليا كانت نتيجة لتراكمات جرائم الاحتلال من قمع ونهب وتطهير عرقي منذ عام النكبة وحتى لحظة انفجارها. وقد أذهلت هذه الانتفاضة وفاجأت ليس فقط سلطات الاحتلال بل القيادة الفلسطينية أيضا. فقد صرح المسئولون الإسرائيليون العسكريون في حينه أن هذه الأعمال روتينية وسوف تنتهي بعد يوم أو يومين، وقدموا النصيحة لرئيس الحكومة إسحاق رابين أن يتابع زيارته لأمريكا كما هو مخطط لها. غير أن الأحداث لم تتوقف بل على العكس زادت تأججا وانفجارا. وعلى الجانب الآخر، ظنت القيادة الفلسطينية القابعة في تونس وأماكن أخرى أن المسألة لا تتجاوز الاحتجاج الطبيعي على مقتل المواطنين ولم تستوعب هذه القيادة زخم هذه الانتفاضة إلا في مرحلة لاحقة. وليتها لم تستوعب ذلك لأنها بدأت في تجييرها لسياسة المفاوضات والوعود الغربية التي تمخضت فيما بعد باتفاقيات أوسلو وإجهاض الانتفاضة نهائيا.
عظمة الانتفاضة الأولى أنها حركت جميع قطاعات الشعب من أطفال وشباب وشيوخ، رجال ونساء، مدنيين وقرويين وسكان مخيمات ومضارب بدو. لقد كانت انتفاضة شعبية بامتياز نادرا ما عرف التاريخ البشري شبيها لها. كان من الممكن لهذه الانتفاضة الشعبية أن تطور لكي تصبح عصيانا مدنيا شاملا ومن ثم لثورة شعبية قادرة على تغيير الواقع السياسي في المنطقة جذريا لولا تكالب الجميع لإجهاضها: إسرائيل بالقمع والتنكيل والتنظيمات فلسطينية بتجييرها واستثمارها لمصالحها الفئوية.
لقد غزت الانتفاضة لغات العالم وقواميسها وأصبحت تستعمل بلفظها العربي في جميع أرجاء العالم. أصبحت الكلمة السحرية التي تعبر عن صرخة جميع المظلومين بغض النظر عن انتماءاتهم. ومن ناحية أخرى أصبحت تهمة تدمغها الأنظمة ووسائل القمع الأمنية بخصومها.
إنه لمن المخجل والمؤلم في آن واحد أن تعمل بعض الجهات الفلسطينية المعروفة بارتباطاتها المحلية والإقليمية والدولية المشبوهة لمحو هذه الذكرى الخالدة من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني وتنشر الفرية التي تقول أن الانتفاضة هي انفلات أمني وفوضى سلاح وتعريض أمن الجمهور للخطر وغيرها من المفردات المستوردة من قاموس الاحتلال ومدرسة دايتون الامبريالية.
في الذكرى أل24 للانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى، وبعد تقديم أسمى آيات الوفاء والإخلاص للشهداء نقول أن الانتفاضة المتصاعدة إلى ثورة شاملة هي الطريق الوحيد للعودة والتحرير.

Wednesday, November 30, 2011

فلسطين رقم غير قابل للقسمة

فلسطين رقم غير قابل للقسمة
علي زبيدات – سخنين

قلت ذات مرة أنه من الطبيعي أن يكون هناك، في الحياة عموما وفي السياسة خصوصا، فجوة بين النظرية والتطبيق، بين ما تؤمن به حقيقة وبين ما تظهره، بين ما تقوله للآخرين عبر وسائل الإعلام المختلفة وبين ما تمارسه عمليا، ولكن أن تكون هناك قطيعة كلية أو شبه كلية بين هذه الأمور أو أن يكون هناك تناقض صارخ ومباشر فيما بينها فهذا أمر غير طبيعي حسب كافة المعايير. وهذه هي إحدى مصائبنا المزمنة نحن معشر الفلسطينيين بشكل عام ونحن في فلسطين المحتلة عام 1948 بشكل خاص. خذوا مثلا وعد بلفور فقد أطلقنا عليه اسم: الوعد المشئوم، وعد من لا بملك لمن لا يستحق. ولم نترك صفة سلبية إلا وألصقناها بهذا الوعد الجاحد. ولكننا عمليا قبلنا به برحابة صدر لا بل ومنحنا دولة إسرائيل أكثر مما منحه هذا الوعد نفسه. على الأقل يوجد في نص هذا الوعد جملة تدعو إلى عدم " انتقاص الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين". بينما ما نقبل به اليوم ( ومنذ فترة طويلة) هو تفريط بكافة الحقوق المشروعة. إذن ما الفائدة من كيل الشتائم لوعد صدر قبل حوالي القرن من الزمن بينما نقبل الآن بما لم يحلم به بلفور أو الحركة الصهيونية التي قطع هذا الوعد من أجلها؟ أليس مثل هذا الموقف قمة العهر والنفاق؟
مثل آخر: لم نوفر شتائمنا من اتفاقية سايكس – بيكو وسمينا الدول التي تمخضت فيما بعد عن هذا الاتفاق بحظائر سايكس – بيكو وملأنا الصحف والكتب والأبحاث والدراسات في مهاجمة هذه الاتفاقية التي جاءت لتمزق العالم العربي والأمة العربية ورسمت الحدود الوهمية على الجسد الواحد بينما جعلنا نحن من هذه الحدود حدودا فولاذية لا يمكن اختراقها. فبينما يستطيع الأوروبي أن يقطع بلدان أوروبا المتنافرة قوميا وسياسيا، طولا وعرضا بدون تأشيرة دخول وبدون جواز سفر وبدون أن يرى إشارة: قف الحدود أمامك، نرى المواطن العربي يقف ذليلا كالشحاذ أمام السفارات العربية للحصول على تأشيرة أو أمام المعابر الحدودية لدخول البلد "الشقيق". إذن، والحالة هذه فما الفائدة من الكلام ضد هذه الاتفاقية وما هو مدى مصداقية هذا الكلام بينما نقوم بتنفيذها بحذافيرها؟
واليوم تمر علينا الذكرى ال64 لقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والمعروف بقرار 181. ماذا يمكن أن بقال في هذه المناسبة ولم يقال؟ لا شيء تقريبا. رفض معظم الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وشرائحه وبحق هذا القرار المجحف، إذ لا يعقل أن يخسر أحد أكثر من نصف ما يملكه بين ليلة وضحاها عن طريق القوة والخداع ويقبل ويعترف بذلك. ومن تجرأ بقبول هذا القرار دمغ بالخيانة وعوقب بالنبذ والحصار. الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي أصبح فيما بعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي أيد هذا القرار بعدما كان يعارضه وذلك انسجاما مع الموقف السوفييتي المنقلب على نفسه هو خير دليل على ذلك. فقد كان هذا الحزب في ذلك الوقت كما تقول النكتة ولا أدرى ما هو مصدرها: إذا أمطرت السماء في موسكو رفع الرفاق هنا مظلاتهم. وقد حاول هذا الحزب جاهدا أن يبرر موقفه هذا بأنه الحزب الوحيد الذي كان يعي حجم المؤامرة وخيانة الأنظمة العربية وأن قبول هذا القرار هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.غير أن هذا الكلام لم يكن ليقنع أحدا، وما زال الحزب الشيوعي الإسرائيلي يدفع ثمن موقفه هذا بالرغم من انعكاس الأمور 180 درجة. فاليوم، الموقف الفلسطيني الرسمي متخلف بدرجات عما قدمه قرار التقسيم. مما شجع الحزب الشيوعي الإسرائيلي لأن يقول: "الحجر الذي رفضه البناؤون عام 1947أصبح حجر الزاوية" جارا معه بعض "المفكرين" الجدد الذين اعتبروا رفض قرار التقسيم كان خطأ تاريخيا. مما لا شك فيه أن اتفاقيات أوسلو المتدحرجة إلى يومنا هذا أسوأ بما لا يقاس من قرار التقسيم. وفي الحقيقة أنا لا أستطيع أن أفهم من يرفض قرار التقسيم ويعتبره مؤامرة ويقبل باتفاقيات أوسلو ويعتبرها انجازا، وإذا كان هناك من يفهم ذلك فليعمل معروفا ويفهمني.
إذا لم نتصالح مع أنفسنا ونتخلص من عقدة التناقض في داخلنا، وإذا لم نؤمن بما نقوله وبقيت أفعالنا تتناقض مع أقوالنا فلن نستطيع أبدا إيقاف هذا التدهور العظيم الذي أوصلنا إلى الحضيض من وعد بلفور مرورا بسايكس بيكو وقرار التقسيم إلى أوسلو ومشتقاتها.

Wednesday, November 23, 2011

إنقاذ الثورة في استمراريتها

إنقاذ الثورة في استمراريتها
علي زبيدات – سخنين

"إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان فعلينا أن نصنع ظروفا إنسانية" كارل ماركس

مرة أخرى ينزل شباب مصر إلى ميدان التحرير ويتصدون بصدورهم العارية لرصاص جنود وشرطة النظام بعدما سقط القناع وبان الوجه الحقيقي للطغمة العسكرية التي استلمت السلطة بعد رحيل مبارك ليس لتحقيق مطالب الثورة كما كانت تدعي بل لإنقاذ نظامه التي هي جزء منه.
نعود إلى مقولة كارل ماركس: مما لا شك فيه أن الظروف تلعب دورا حاسما في صنع الإنسان وفي كثير من الأحيان الدور الرئيسي ولكن مما لا شك فيه أيضا أن الإنسان هو من يصنع هذه الظروف، في معظم الأحيان يصنعها بصورة عفوية وغير واعية وفي بعض الأحيان بصورة لا إنسانية إطلاقا عن طريق الحروب واقتراف الجرائم ضد الإنسانية. ولكن في حالات أخرى يصنع الإنسان ظروفا إنسانية. وهذا هو بالذات دور الثورات: إنها تصنع ظروفا إنسانيا تقوم بدورها بصنع إنسان أفضل.
أذكر عندما كنت صغيرا كنت مغرما بمشاهدة أفلام رعاة البقر الأمريكية التي اكتشفت رجعيتها وتفاهتها فيما بعد. وأحد الأفلام الذي علق بذهني حتى يومنا هذا يروي قصة رئيس عصابة يقوم بالسطو على البنوك وفي إحدى عملياته يسطو على بنك سمع أنه يكدس في أقبيته كميات هائلة من الذهب. ولكنه عندما يصل مع أراد عصابته إلى الأقبية البنك ويكسر الأقفال لا يجد ذهبا بل يجد أن الحكومة قد حولتها إلى زنازين للثوار. وهكذا تلاحقه الدولة بجيوشها ليس بصفته لصا بل لكونه "حرر" الثوار. وهكذا جعلت منه بطلا قوميا بالرغم عنه لم يكن يحلم فيه. هذا هو نموذج صارخ كيف أن الظروف تصنع الإنسان بشكل عشوائي.
أتذكر هذه قصة كلما شاهدت فلما واقعيا تدور أحداثه على الخارطة السياسية في منطقتنا وأرى كم "بطلا قوميا" صنعته الظروف رغما عنه. أنظروا مثلا إلى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة فتح كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية وقائد جيش التحرير الفلسطيني، وهو يفتخر بأنه لم يحمل ولم يستعمل مسدسا في حياته قط، ويصف عمليات مقاومة الاحتلال بالحقيرة. ما هي الظروف التي جعلت هذا الشخص يقود "الثورة الفلسطينية" التي كانت (وربما ما زال البعض يعتبرها حتى الآن) طليعة الثورات العربية بينما يقبع الثوار الحقيقيون إما في القبور وإما في الزنازين.
وكيف وجد طبيب عيون شاب سوري لا يملك أية خبرة سياسية أو عسكرية نفسه يرث نظاما دمويا فاسدا بعد أن لاقى شقيقه الذي أعد لهذه المهمة مصرعه وبعد أن هزم المرض والده. وها هو منذ توليه الحكم ينادي بالإصلاح الذي لم يتقدم قيد أنملة واليوم يضع البلد بأكمله على يد عفريت.
وأخير وليس آخرا - ولا أريد هنا أن أستعرض باقي الدول العربية كيف هيأت سخرية الأقدار الظروف لأشخاص أمثال أمير قطر والكويت والبحرين وعمان واليمن وغيرها وغيرها لأن يصبحوا زعماء وقيادة ينصب بعضهم نفسه حام لحقوق الإنسان، نصيرا للديمقراطية وراع للثورات العربية بينما يحكم بلاده وكأنها مزرعة خاصة له ولحاشيته - أتذكر قصة هذا الفلم الأمريكي الرخيص ولكنه يصور بصدق ظاهرة البطل الذي تصنعه الظروف رغما عنه عندما أشاهد ما يجري الآن في ميدان التحرير في القاهرة وفي مدن مصرية أخرى. كيف يعقل أن يكون المشير محمد حسين طنطاوي، الذي تربى في أحضان النظام البائد وحصل على ترقياته ورتبه العسكرية من يدي الرئيس المخلوع مباشرة، وصيا على الثورة؟
اليوم جاء تحرك الشباب المصري لكي يصحح هذا الخطأ التاريخي الفاحش. ما يسمى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليس سوى بؤرة تحتمي فيها فلول النظام البائد. على الصعيد السياسي، يشكل هذا المجلس امتدادا للنظام هدفه الوحيد إجهاض الثورة بكافة الأساليب المتاحة. في البداية بواسطة قطع الوعود السرابية وتقديم رموز النظام لمحاكمات صورية وفيما بعد استعمال القوة والبطش والتنكيل بالمواطنين كما يحصل الآن.
إنقاذ الثورة يكمن في استمراريتها. والثورة في مصر لا يمكن أن تستمر طالما يتمسك هذا المجلس بزمام السلطة. لذلك فإن شعار المرحلة كما حدده الثوار هو إسقاط المشير المدعوم ليس فقط من فلول النظام البائد بل من قبل الإدارة الأمريكية والصهيونية أيضا.
الثورة هي التي تصنع الظروف الإنسانية ليس فقط في مصر بل في العالم أجمع. فكل عيون أحرار العالم وقلبوهم تتوجه اليوم إلى مصر أم الدنيا.

Wednesday, November 16, 2011

احتلال وول ستريت: خطوة على طريق التحرير

احتلال وول ستريت: خطوة على طريق التحرير
علي زبيدات – سخنين

"جنرال، دبابتك مركبة جبارة
إنها تحطم غابات وتسحق مائة رجل
ولكن بها عيب واحد
إنها بحاجة إلى سائق

جنرال، قاذفتك جبارة
تطير أسرع من العاصفة وتحمل أكثر مما يحمله فيل
ولكن بها عيب واحد
إنها بحاجة إلى تقني

جنرال، الإنسان مفيد
يستطيع أن يطير وأن يقتل
ولكن به عيب واحد
إنه يستطيع أن يفكر"
(من قصيدة للشاعر الألماني التقدمي برتولد بريخت – ترجمة الكاتب)

كتب شاعرنا هذه القصيدة قبل سنوات عديدة. منذ ذلك الحين أصبحت أمريكا سيدة الجنرالات. وأصبحت تمتلك من الدبابات والقاذفات والقنابل النووية ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات. ولكنها فشلت في أن تتخلص من العيب الكامن في جميع هذه الأسلحة وهو إنها بحاجة إلى إنسان وفشلت في أن تجعل هذا الإنسان يكف عن التفكير. هذا الإنسان هو الذي يزعزع الآن أعمدة النظام الرأسمالي.
أصبح وول ستريت، بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي قبل 10 أعوام، يشكل أكبر رمز للنظام الرأسمالي العالمي فهو يضم أكبر مركز للقمار عرفه التاريخ الحديث والذي يحمل الاسم المحترم: بورصة نيويورك كما يضم مراكز لأكبر الشركات المالية العالمية. على عكس برجي مركز التجارة العالمي لم يتعرض وول ستريت لعملية إرهابية قادها تنظيم القاعدة بل يتعرض منذ شهرين للحصار بهدف احتلاله من قبل حركة "احتلوا وول ستريت" وهي حركة من الشباب والطلاب والعمال تمثل 99% من الشعب المسحوق مقابل ال1% من المقامرين المختبئين في أوكار وول ستريت. الدولة التي تصدر ديمقراطيتها إلى العالم بواسطة دباباتها وقاذفاتها ترسل اليوم شرطتها لتفريق المتظاهرين بوسائل عنيفة وتمنعهم من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن أفكارهم. الشرطة هي الشرطة في كل مكان هدفها الأساسي هو المحافظة على مصالح الطبقة الحاكمة بكل ثمن.
لم يعد سرا أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف منذ أكثر من 3 سنوات بالنظام الرأسمالي العالمي في عقر دارها هي في تفاقم مستمر. حسب التقارير الرسمية الأخيرة: 50 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر. نسبة البطالة وصلت إلى 10%. آلاف الوظائف وأماكن الشغل تغلق أبوابها. العديد من الشركات والمصانع تعلن إفلاسها أو ترحل إلى الدول النامية. هذا بالإضافة إلى غلاء المعيشة وأزمة السكن والقروض. الفوارق في الأجور بين العمال ومدراء الشركات المالية الطفيلية وصلت إلى 300 ضعف وأكثر. بينما تحاول الإدارة الأمريكية إنقاذ البنوك والشركات المالية الفاسدة التي تعود إلى 1% من السكان.
لقد علمنا التاريخ، كما حدث في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي أن النظام الرأسمالي عندما يتعرض إلى ركود وأزمة اقتصادية عميقة يصبح أكثر توحشا وعدوانية مما عرض البشرية إلى الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى موت أكثر من 60 مليون شخص وإلى دمار رهيب ما زالت البشرية تعاني منه إلى يومنا هذا. فليس من باب الصدفة تتعالى اليوم أصوات التهديد الامبريالية لتأجيج الحرب ضد إيران وللتدخلات العسكرية في ليبيا وسوريا وأماكن أخرى من العالم. الحرب ضرورية للنظام الرأسمالي لكي يتعافى ويخرج من أزمته ومن حالة الركود والكساد التي يمر بها. فالحرب طريقته المفضلة للهيمنة على النفط والغاز وثروات الشعوب وعلى الأسواق العالمية وتجارة الأسلحة.
الثورة كانت وما زالت أفضل طريقة لإجهاض الحرب الإمبريالية. حركة "احتلال وول ستريت" هي جزء من التحرك الثوري على الصعيد العالمي، فقد انتشرت إلى أكثر من مائة مدينة أمريكية وفي بعضها وصلت إلى درجة المواجهات العنيفة كما حصل في أوكلاند. كما انتقلت المواجهات إلى حوالي 1500 مدينة في كل أرجاء العالم. وفي بعضها وصلت إلى درجة المواجهات بين المحتجين وبين حراس النظام كما حصل في روما ولندن ولشبونة ومدن أخرى. العولمة ألإمبريالية تخلق حركة مقاومة عالمية، أي إنها تخلق الأداة التي سوف تحفر قبرها وتلقي بها إلى مزبلة التاريخ.
وكما يؤكد قانون الرياضيات والمنطق: سالب ضرب سالب يساوي موجب فإن احتلال ضرب احتلال يساوي تحرير.

Wednesday, November 09, 2011

جريمة مستمرة

جريمة مستمرة

علي زبيدات – سخنين

لم أكن أعلم أن مصطلح "جريمة مستمرة" هو أيضا مصطلح قانوني يتعامل به القضاء الإسرائيلي حتى اكتشفت ذلك مؤخرا عندما مثلت أمام القضاء الإسرائيلي فائق العدالة. في الماضي كنت أستعمل هذا المصطلح لوصف ما حدث عام النكبة حيث شرد نصف الشعب الفلسطيني وجرد من ممتلكاته ودمرت العديد من مدنه وقراه. هذه الجريمة مستمرة إلى يومنا هذا ليس فقط من خلال مواصلة أعمال القتل والنهب بل أيضا من خلال إنكار النكبة. وكنت أستعمل هذا المصطلح لوصف احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 ومواصلة الجريمة حتى يومنا هذا من خلال بناء المستوطنات والجدار العازل والحواجز. فالاحتلال، كل احتلال، هو جريمة مستمرة من حيث طبيعته لا تتوقف إلا بعد زواله. لكن مخطئ من يظن أن القانون الإسرائيلي في إطار تعريفه للجريمة المستمرة يأخذ هذين النموذجين الصارخين بعين الاعتبار. فالنكبة من وجهة نظره هي حرب استقلال مشروعة. أما احتلال ما تبقى من فلسطين فيما بعد هو في حقيقة الأمر تحرير. فالشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في حقيقة الأمر ليس سوى محتل بينما جيش الاحتلال الإسرائيلي هو جيش تحرير. أما نحن، الفلسطينيون في النقب والجليل لسنا سوى دخلاء أو غزاة نغزو أرض الدولة ونستولي عليها من غير حق. وهذا ما تقوله لي تلك اللافتة اللعينة كلما مررت من تحت جسر كرمئيل في الطريق إلى قرى الشاغور: "جسر موطي غور محرر القدس" وكأن غور هذا صلاح الدين أو أحد قواده.
إذن، الجريمة المستمرة حسب القانون الإسرائيلي لا علاقة لها بالنكبة ولا بالنكسة. لا علاقة لها بهدم البيوت ولا بمصادرة الأراضي. ولكن لها علاقة وثيقة بما يسمى قانون البناء والتنظيم إذا ما تجرأت وبنيت بيتا صغيرا يأوي عائلتك ويقوم قاض في محكمة الصلح مدافعا عن هذا القانون الجائر ويصدر حكمه القاطع: إما أن تهدم البيت وإما أن تحصل على ترخيص. هذا طبعا بالإضافة إلى الغرامات الباهظة والسجن مع وقف التنفيذ والتوقيع على التزامات مالية. طبعا لا يوجد هناك إنسان عاقل يقوم بهدم بيته بيده. فلا يبقى أمامك سوى القيام بمعجزة في عصر انتهت به المعجزات وهو الحصول على ترخيص. المصيبة هنا هي أن المشتكي (لجنة التنظيم والبناء) هي التي من المفروض أن تمنحك مثل هذا الترخيص. وتجد نفسك أمام خيار مستحيل يعجز عنه أعظم أبطال التراجيديا الإغريقية: اهدم أو احصل على رخصة. أو كما يقول الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل في الماء.
الهدف المعلن للجان التنظيم والبناء هو مساعدة المواطن في تسهيل عملية البناء بشكل منظم لا يخالف القانون ولا يسبب الضرر لطرف آخر. ولكن لهذه اللجان في الوسط العربي هدف آخر وهو وضع العراقيل وإنهاك المواطن حتى يصل إلى مرحلة من اليأس حتى يهدم بيته أو يرحل. وإلا كيف نفسر أن آلاف المواطنين العرب لا يحصلون على ترخيص ومن ثم يضطرون للبناء "اللاشرعي" بينما يحصل المواطنون اليهود والمستوطنات على جميع التسهيلات؟
هل نحن شعب نحب مخالفة القانون ونعشق دفع الغرامات ونهوى الدخول للسجون؟
بدأت جريمتي المستمرة قبل حوالي 13 سنة بعدما يئست من لجنة التنظيم والبناء التابعة لمجلس مسغاف الإقليمي أن تصدر لي ترخيصا وذلك بحجج واهية مفعمة بالعنصرية. وقد حوكمت منذ ذلك الوقت عدة مرات بحجة أن جريمتي خطيرة ومستمرة ولم أنفذ قرار المحكمة. في كل مرة تطلب فيها النيابة تحويل الأحكام مع وقف التنفيذ إلى أحكام فعلية وسعادة القاضي يلبي الطلب. كيف لا والقانون واضح: لا يوجد هدم ولا يوجد رخصة إذن أنت مخالف للقانون ومدان.
في الجلسة الأخيرة قبل عدة أيام ألقيت نظرة على قائمة المتهمين الملصقة على باب القاضي والذين يجب عليهم المثول أمام القاضي. كان هناك 30 اسما بتهمة مخالفة قانون البناء والتنظيم من بينهم 29 اسم عربي.
لقد حكم علي بأربعة أشهر سجن تم تحويلها للعمل في خدمة الجمهور وتفعيل التزاما ماليا قديما بمبلغ 15000 شاقل بالإضافة إلى غرامة جديدة بمبلغ 5000 شاقل، هذا بالإضافة إلى عقوبات جديدة مع وقف التنفيذ. بعد المحكمة توجه إلي كهل لا أعرفه وقال لي: أنت شخص محظوظ فقد فرض عليك القاضي غرامة بسيطة.
يقف المواطن الفلسطيني في هذه البلاد وحيدا في معركة غير متكافئة أمام القانون المجحف ولجان التنظيم والبناء والمحكمة. أين دور البلديات والأحزاب السياسية ولجنة المتابعة وباقي المؤسسات المدنية في هذه القضية؟ تكاد تكون هذه المؤسسات غائبة تماما. في بعض الأحيان تكتفي بتصريحات دعم كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، خصوصا في الحالات التي تصل إلى درجة الهدم الفعلي ومن ثم تعود إلى سباتها العميق؟ متى على مؤسساتنا المذكورة أن تتخذ موقفا مبدئيا من هذه الأمور؟
شخصيا لست متفائلا في أن يكون هناك أي تحول جذري في موقف هذه المؤسسات. لذلك أدعو جميع المواطنين المتضررين مباشرة من لجان التنظيم المعتمدة قانون جائر والمدعومة من قبل حكومة تمارس سياسة عنصرية، للوحدة من أجل تحدي هذه اللجان ومن يقف ورائها.

Wednesday, November 02, 2011

ثورات محدودة الضمان

ثورات محدودة الضمان

علي زبيدات – سخنين

لا أدري من أول من روج لفصل الربيع باعتباره أجمل فصول السنة حتى أصبحت أوصافه تستعار للتعبير عما هو مشرق وجميل في حياة الانسان. قد يكون شاعرا أو حالما أو عالما طبيعيا أو مجرد محب للطبيعة. ولا أريد هنا أن أناقش صحة أو عدم صحة هذه النظرة العامة السائدة. ولكن بما أن الربيع أصبح سيد الموقف بلا منازع وبما أننا، نحن الشعوب العربية قد دخلنا هذا الربيع من أوسع أبوابه وأصبح تعبير: "ربيع الشعوب العربية" سائرا على كل لسان يتداوله الجميع بصورة رصينة ومتفائلة تارة وبصورة مبتذلة تارة أخرى، كان لا بد من التوقف أمام صفتين على غاية الأهمية يبدو أنهما غابتا عن عيون عشاق الربيع على مختلف أصنافهم.
الصفة الأولى: هي أن الربيع كباقي الفصول محدود زمنيا، قصير وعابر.
الصفة الثانية: هي أن الربيع حسب موقعه الجغرافي والمجازي ( السياسي والاجتماعي) لا يتسم دوما بالطقس المعتدل، الدافئ، الصافي بل قد تشوبه التقلبات المناخية من غيوم وعواصف وفيضانات التي قد تحوله إلى نقيضه.
لنأخذ مثلا ربيع الشعوب كما وصفه السياسيون والمؤرخون والمثقفون بشكل عام للأحداث التي اجتاحت أوروبا في عام 1848. فهذا الربيع الذي هبت رياحه من فرنسا حيث أسقطت الملكية ومن ثم انتشرت في بلدان أوروبية عديدة فأسقطت رمز الرجعية الأوروبية ممثلة بشخص رجل الدولة النمساوي مترنيخ وغيره، هذا الربيع كان قصيرا للغاية. فبعد فترة قصيرة عادت الأنظمة الرجعية والمحافظة إلى سابق عهدها وبسطت سلطتها بشكل أعتى واشد ظلما من السابق خصوصا في البلدان التي اضطرت بها إلى تقديم بعض التنازلات من أجل الحفاظ على أنظمتها وبدأت بمسيرة من التنكيل والانتقام. ولم تكن هذه الفترة قصيرة وعابرة فحسب بل تخللتها الحروب الدامية وتنامي النزعات القومية والعنصرية وأسست لفترة طويلة من النزاعات التي قادت إلى حربين عالميتين ولم تنته بعد.
"الربيع العربي" لا يشذ عن هذه القاعدة ولم يتخلص من هاتين الصفتين القاتلتين. كان هذا الربيع صافيا بعض الشيء في تونس ومصر وكانت المشاركة الجماهيرية تبعث الدفء في أوصالنا جميعا. إلا أن هذا الربيع جاء مكفهرا وقاتما في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين. التدخل الامبريالي المباشر في ليبيا بتواطؤ ومشاركة عربية زاد سماء ليبيا تلويثا واكفهرارا وكأن النظام الاستبدادي لوحده لا يكفي. هل كان تدمير مدينة سرت بواسطة طيارات حلف الناتو عملا ربيعيا جميلا حالما بينما كان قصف كتائب النظام لمصراطة عملا خريفيا همجيا؟ وهل قتل القذافي بعد أن قبض عليه حيا بهذه الطريقة البشعة هو عمل ربيعي شرعي اجتاز بنجاح فتوى"علماء" المسلمين يختلف عن القتل الذي مارسه النظام؟
لقد قلتها في الماضي وها أنا أكررها حاليا: إن المعارضة في أي بلد عربي ليست نقيضا للنظام بل هي امتدادا مكملة له حتى عندما تصبح بديلا له. بشكل عام، المعارضة في العالم العربي إما أنها كانت جزءا من النظام وانشقت عنه لخلافات فئوية على السلطة وإما أنها صورة طبق الأصل للنظام التي تسعى إلى تغييره. النقيض للنظام هو الشعب ولكن المأساة هي أن هذا الشعب ممزق بين النظام والمعارضة. على الجماهير الشعبية إذا أرادت أن تنتزع حريتها أن تضع النظام والمعارضة في سلة واحدة وتلقي بهما في مزبلة التاريخ.
لقد مر على العالم العربي 500 عاما من الركود السياسي والاقتصادي والفكري وكافة المجالات الأخرى والمستويات وعندما بدأ أخيرا يتحرك جاءت خطواته ثقيلة وبطيئة وبدا مترنحا بين الماضي والحاضر وسمح لكل قوة أجنبية أن تمد يدها تعيث فسادا وتعبث في نهضتها. والحالة هذه لم يكن غريبا أو مستهجنا أن يكون التغيير بطيئا وسطحيا حتى في الأماكن التي انتصرت بها الثورة بفضل تحرك جماهيري غير مسبوق كما في تونس ومصر. الانتقال من الثورة إلى الدولة في هذين البلدين جاء سريعا جدا. واليوم يتضح أكثر فأكثر أن الدولة الجديدة تحمل كل جينات الدولة القديمة. الأحزاب السياسية التي كانت تختبئ وراء الجدار أثناء الثورة وتقف بالمرصاد تتحين فرصتها نراها الآن تنقض على انجازات الثورة المتواضعة أصلا وتتسلق عليها لتصل إلى دفة السلطة.
يبدو الوضع في فلسطين أكثر سوأ. نلهث وراء الانتصارات الوهمية في الأمم المتحدة ومؤسساتها. فبعد غزوة استحقاق أيلول الناجحة - الفاشلة نكاد نشق ملابسنا فرحا في غزوة اليونسكو التي تلتها، وها نحن نعد ما استطعنا من عدة لخوض غزوات أخرى من هذا النوع.
أنا بصراحة لست من عشاق الربيع، عربيا كان أم أجنبيا. لا أستطيع أن أتمتع بربيع شمسه أمريكا وقمره إسرائيل ونجومه حلف الناتو ومصابيحه ملوك وأمراء وشيوخ النفط العربي. ليوم خريفي عاصف يكنس القاذورات المتراكمة منذ قرون في وطننا أفضل من مائة ربيع. وليوم شتوي هائج يجرف تخلفنا الحضاري من غير رحمة أو شفقة لهو الآخر أفضل من مائة ربيع. وليوم صيفي قائظ يبيد الطفيليات العالقة بشعوبنا لهو الآخر أفضل من مائة ربيع.

Wednesday, October 19, 2011

وأخيرا أسدل الستار على مسرحية جلعاد شاليط

وأخيرا أسدل الستار على مسرحية جلعاد شاليط
علي زبيدات – سخنين

التاريخ لا يتطور حسب أمنيات وتطلعات أي شخص مهما كان موقعه أو دوره. والتاريخ لا يصنع في ظروف تؤدي دائما إلى النجاح أو الانتصار. وأخيرا وليس آخرا وللأسف الشديد لا يتطور التاريخ حسب القيم الأخلاقية ومعايير العدالة والكرامة الإنسانية. ولكن هذا لا يعني أن الأمنيات والتطلعات خصوصا من قبل الشعوب المظلومة لا تلعب دورا حاسما في تطور التاريخ، ولا تنفي أن يصبو الجميع إلى النجاح والانتصار، ولا يقلل من أهمية القيم الأخلاقية مهما غابت عن الأنظار ومهما تم تشويهها.
هذا الأسبوع أسدل الستار على الفصل الأخير من مسرحية غلعاد شاليط وسط تصفيق الجمهور من جميع الأطراف. هذه المسرحية التي تنتمي إلى مسرح اللامعقول شغلتنا وشغلت العالم في السنوات الخمس الأخيرة حتى وصلت ذروتها هذا الأسبوع.
في الجانب الفلسطيني يوجد من يرفض أصلا اللجوء إلى خطف الجنود الاسرائيليين كوسيلة لتحرير الأسرى . ويعتبر عمليات الخطف عمليات إرهابية بحتة أو في أحسن الحالات عمليات عبثية تلحق الأضرار بالقضية الوطنية وتعرقل ما يسمى بالعملية السلمية ونهج المفاوضات. هذا لا يمنع، في حالة نجاح عملية خطف وتبادل، أن نراه يزاحم من أجل الحصول على بعض الانجازات. بالمقابل يوجد هناك من يؤمن بأن عملية خطف الجنود هي الوسيلة الوحيدة لإطلاق سراح الأسرى ولكن عند نجاح إحدى هذه العمليات نراه يعبر عن سخطه وخيبة أمله لأنها لم تحقق مآربه الخاصة.
في الجانب الإسرائيلي، وبالرغم من انعكاس الأدوار لا يختلف الأمر كثيرا: فمنهم من يؤيد عملية التبادل على اعتبار أن واجب الدولة التي ترسل جنودها للجبهة أن تعيدهم مهما كان الثمن، ومنهم من يرفض ذلك جملة وتفصيلا لأن ذلك يعتبر خضوعا للإرهاب على حد تعبيرهم وتشجيعا له.
في هذه العجالة، كفلسطيني منحاز كليا للقضية الوطنية الفلسطينية بكافة جوانبها، أريد أن ألقي الضوء على بعض الجوانب الخفية التي تتجاوز فرحة عائلات الأسرى بإطلاق سراح أبنائهم وتتجاوز خيبة أمل من بقي قابعا في سجون الاحتلال، ومن الجهة الأخرى تتجاوز فرحة عائلة شاليط والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام بعودة الجندي المخطوف. قد تبدو هذه الجوانب للوهلة الأولى ليست ذات أهمية ومهملة بالرغم من الكم الهائل من التحليلات والتعليقات والانتقادات التي فاضت بها وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية إلا أنها حسب رأيي ذات أهمية بالغة على تطور القضية الوطنية برمتها.
لقد نجحت دولة إسرائيل عن طريق إعلامها المتطور والمجند والمدعوم غربيا أن تستغل قضية الجندي المخطوف لقلب الموازين المقلوبة أصلا وتظهر للعالم على صورة الضحية البريئة التي تدافع عن نفسها. حتى أصبح اسم شاليط على كل لسان وتم تصويره كأنه حمل وديعا وليس جنديا تم اختطافه من قلب دبابته التي كانت تقصف المدنيين في غزة وفرد في جيش ارتكب جرائم حرب في حق مدنيين عزل. الأسوأ والأخطر من ذلك أنها نجحت بتحويل قضية الجندي المخطوف إلى وسيلة ناجعة لبلورة نوع من الانتماء الوطني الإسرائيلي مما ساهم في وقف عملية التفكك الذي يعاني منه المجتمع الإسرائيلي المصطنع. من خلال الدعاية المكثفة عن الدولة التي لا تترك جنودها في المعركة وأنه لا يوجد ثمن لإعادة جندي إلى بيته استطاعت دولة إسرائيل أن تنجز نجاحا وتقدما ملحوظا في صهر مركباتها المتنافرة بصورة تفوق جميع الأساطير التوراتية والصهيونية. لقد مر المواطن اليهودي الإسرائيلي خلال سنوات الاختطاف الخمسة وبشكل مكثف خلال الأسبوع الأخير بعملية مسح دماغ لم يسبق لها مثيل. تمم هذا الأمر بشكل واع ومدروس حيث تعرف السلطات الإسرائيلية حق المعرفة وتشعر بأن كيانها في مهب الرياح ومهدد بخطر الاندثار وأن التركيز على قضية الجندي وإعادته إلى البيت مهما كان الثمن يبقى ثمنا بخسا أمام إقناع الشباب اليهود بالبقاء مخلصين للدولة. يعاني الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة وباعتراف من قيادته العليا من ظاهرة تهرب وتملص هؤلاء الشباب من التجنيد. من هذا المنطلق عملت السلطات الإسرائيلية كل ما تستطيعه لجعل الجندي البسيط التافه المختطف أيقونة تقف الدولة بأسرها من ورائه كضمان لهم.
في المقابل فشل الإعلام الفلسطيني والعربي بإظهار الجانب الإنساني لآلاف الأسرى الذين ضحوا بحريتهم من أجل قضية عادلة. فبقوا مجرد أرقام. وقد انعكس ذلك بشكل مأساوي في الخطأ الذي تم بسببه استثناء بعض الأسيرات من عملية التبادل. فقد تم تصديق الرقم 27 بدون فحص أو تمحيص، ألا يوجد لهؤلاء الأسيرات أسماء كان من المفروض على المفاوض الفلسطيني معرفتها بحذافيرها؟
يجب ألا تصبح عملية اسر الجنود الإسرائيليين بهدف تبديلهم بالأسرى هدفا بحد ذاته يستحوذ على حركات المقاومة ويأتي على حساب النضال الواعي والهادف من أجل تحرير الأرض والإنسان. سمعت أحد الزملاء يقول: "خطف جندي واحد أسفر عن تحرير ألف أسير فيكفي أن يتم اختطاف 5 جنود لإفراغ السجون من الأسرى"، هذه العقلية الساذجة والمبسطة تستحوذ على معظمنا. إغلاق السجون الإسرائيلية بعد إفراغها من الأسرى لن يتم إلا بعد التحرير. وأخشى أن يكون الحلم بخطف الجنود وتبادل الأسرى تعبيرا عن العجز واليأس وليس وسيلة من وسائل النضال تخدم إستراتيجية التحرير وتكون خاضعة لها.
إسدال الستار على مسرحية شاليط يجب أن يكون حافزا ومؤشرا للعمل على إضعاف الكيان الصهيوني وليس على تقويته وفي الوقت نفسه حافزا لتنقية النضال الثوري الفلسطيني من الشوائب التي علقت به.

Wednesday, October 12, 2011

آلام كبيرة وآمال أكبر

آلام كبيرة وآمال أكبر

علي زبيدات – سخنين

أثناء كتابة هذه السطور تم الإعلان عن التوصل لاتفاق حول تبادل الأسرى بين الحكومة الإسرائيلية وفصائل المقاومة التي تحتجز الجندي جلعاد شليط. من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تختلط مشاعر الألم والغضب من جراء معاناة الأسرى مع مشاعر الفرح بقرب تحرر عدد كبير من المناضلين من السجون الإسرائيلية رغما عن أنف الحكومة الإسرائيلية. لا أريد هنا أن أتطرق الى صفقة التبادل، فما زال المخفي فيها أكثر من المكشوف. بالرغم من أن الأنباء عن الصفقة قد غطت بعض الشيء على الإضراب المفتوح عن الطعام الذي بدأه الأسرى قبل أسبوعين وعلى نشاطات التضامن معهم وعلى الموقف الذي اتخذته الجماهير الفلسطينية وقياداتها من أحزاب ومؤسسات، إلا أن نضال الحركة الأسيرة ما زال هو الأساس.
عمليات التبادل جرت في الماضي وتجري حاليا ومن المؤكد أنها سوف تجري في المستقبل أيضا. صحيح أن السجون الإسرائيلية لن تغلق أبوابها نهائيا على أحد ولكنها في الوقت نفسه سوف تبقى عامرة بالأسرى الفلسطينيين ما دام هناك احتلال وتشريد وما دامت هناك مقاومة. سوف يتحرر بعض المضربين عن الطعام قريبا ولكنهم كانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم من أجل أن يحظى من سيبقى في السجون الإسرائيلية ومن سوف يدخلها بظروف إنسانية. فمن المعروف أن الانجازات التي حققتها الحركة الأسيرة على مر السنين والتي تحاول الحكومة الإسرائيلية حاليا سلبها جاءت نتيجة لتراكمات نضالية طويلة من الإضرابات ومن المناضلين من دفع حياته ثمنا لها.
الإضراب المفتوح عن الطعام ليس لعبة يلجأ إليها الأسرى كلما طالبوا بمطلب ما، بل هو سلاح خطير لا يستعمل إلا في حالات الضرورة القصوى. إن اللجوء إلى هذا السلاح الآن يعكس مدى وحشية ولا إنسانية السلطات الإسرائيلية. يصبح سلاح الإضراب المفتوح عن الطعام فعالا من خلال امتداده إلى الخارج، من خلال العمل الجماهيري والرسمي الداعم والمتضامن والمتفاعل معه. السؤال الذي أطرحه هنا: هل كان هذا الامتداد على المستوى المطلوب جماهيريا ورسميا؟ جوابي هو بكل بساطة: لا.
لا أريد أن أتكلم هنا عن التعتيم الإعلامي الدولي والعربي وحتى الفلسطيني بكل ما يتعلق بالإضراب وعن الجهات التي تقف وراء هذا التعتيم، ولا أريد هنا أن أتطرق إلى مواقف السلطة الفلسطينية المزدوج من القضية برمتها، ومواقف العديد من الفصائل الفلسطينية، ليس بسبب عدم أهميتها ولكن لأن كل موضوع من هذه المواضيع يستحق التوقف عنده ومعالجته تفصيليا وهنا لست بصدد مثل هذه المعالجة.
أريد هنا أن أقتصر على موقف الجماهير الفلسطينية وقيادتها في المناطق المحتلة عام 1948. مرة أخرى، حسب رأيي رسبنا في الامتحان: لجنة المتابعة العليا التي تعتبر نفسها الجسم القيادي الأول للجماهير الفلسطينية في هذه المنطقة اجتمعت لأول مرة لمناقشة هذه القضية يوم الاثنين 10/10/2011 أي بعد أسبوعين من بداية الإضراب. وبعد نقاش مستفيض دام عدة ساعات، عما تمخض هذا الاجتماع؟ عن لا شيء، سوى كلام عام عن نية اللجنة:" تبني أي نشاط تضامني يدعم الأسرى بغض النظر عن الجهة المبادرة". طبعا، وعلى ذمة المواقع الإخبارية التي نقلت الخبر، كان هناك العديد من الاقتراحات مثل الإعلان عن يوم أو يومين إضراب عن الطعام، مظاهرات مستمرة أمام السجون، تنظيم مظاهرة قطرية، التوجه للسفارات الأجنبية، ولكن المهم لا قرارات. من طبيعي أن يكون هناك فجوة بين الكلام، الشعارات، النظرية وبين التطبيق، الممارسة، العمل ولكن أن تكون هناك قطيعة شبه مطلقة بينها فهذا أمر غير طبيعي.
الأحزاب السياسية رسبت في الامتحان في مكان آخر. لم تستطيع أن تتخلص من عصبيتها الحزبية وتصل إلى درجة أساسية من التنسيق فيما بينها. وهكذا جاءت معظم نشاطاتها تعيسة مقتصرة على بعض كوادرها في بعض المفارق والساحات. وكنا نحن، الغالبية الصامتة التي لا تنتمي لحزب معين، نستثنى من هذه النشاطات ولا نعلم بها أو نعلم بها بعد انتهائها. حالة اللجان المدنية التي قامت من أجل رعاية حقوق الأسرى والمعتقلين وحقوق الإنسان لم تكن أفضل من حالة الأحزاب السياسية. سؤال أخير في هذا المجال: لماذا فضل الشيخ رائد صلاح أن يبقى في لندن حيث الضباب على أن يعود ويأخذ مكانه الطبيعي في قيادة النشاطات المتضامنة مع الأسرى، وأين اختفت الحركة الإسلامية الشمالية؟
نقطة الضوء الوحيدة جاءت من قبل بعض التحركات الشبابية التي حاولت جاهدة التخلص من قيود ووصاية الأحزاب واللجان وقامت بمحاولات جادة لنقل الإضراب المفتوح عن الطعام من السجون إلى الشارع.
الأسرى، بعد الشهداء، هم الذين يحملون القضية الوطنية ويجعلون من أجسادهم شعلة تضيء طريق الحرية الشائك والطويل وهم يستحقون أن نشاركهم في آلامهم وآمالهم.