Wednesday, February 08, 2012

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق
علي زبيدات – سخنين

بكل صراحة، أعترف بأنه يصيبني نوع من الغثيان وأشعر بالإحباط كلما شاهدت قناة الجزيرة حتى الأخيرة انقطعت عن مشاهدتها تماما منذ فترة. ولم أتفاجأ عندما علمت أن الشعور نفسه ينتاب العديدين ممن يتابعون الإحداث التي تعصف في العالم العربي منذ أن أشعل محمد بو عزيزي النار في نفسه . وقد بدأ عندي هذا الشعور بالاشمئزاز إلى درجة الغثيان من هذه القناة مع تطور الصراع في ليبيا. حيث أصبح واضحا للجميع أن الجزيرة ليست مجرد قناة إخبارية تنقل الخبر كما يحدث على أرض الواقع وتستضيف الخبراء من كافة الأطياف لتحليل الإحداث لكي يتفهمها المشاهد، بل هي قناة متورطة في صنع الحدث نفسه بطرق مختلفة وملتوية وتوجيهه لخدمة أجندة أجنبية. واعترف أيضا أن ما زاد من إحباطي من هذه القناة منذ تلك الأيام هو ظهور شخصيتان من "الخبراء" بشكل دائم: الأول كان يعرف بأنه خبير الشؤون العسكرية والإستراتيجية واسمه صفوت الزيات صاحب نظرية "ربما"، والذي انتهى دوره مع سقوط نظام القذافي تحت ضربات حلف الناتو ولا أدري إذا كان ينتظر هجوم هذا الحلف على سوريا حتى يعود أو يعاد إلى الشاشة. والثاني كان ولا يزال يعرف بالمفكر العربي: عزمي بشارة.
ولكني تفاجأت عندما قرأت مقالا للصديق د. عمر سعيد بعنوان:" ملاحظات على موقف د. عزمي بشارة من الأزمة السورية". للوهلة الأولى ظننت إنها ملاحظات انتقاديه ولكن سرعان ما خاب أملي حيث تبين أن المقال ليس فقط دفاعا عن مواقف عزمي بشارة بل هو عبارة عن قصيدة مدح طويلة، وفي الوقت نفسه هجوما على منتقديه الذين يصفهم بالكسالى والمشبوهين الذين يعبرون عن عقمهم الفكري أو الواقعين تحت تأثيرات الغرائز البدائية والحسد أو المزايدات البائسة والرعناء. بينما بالمقابل يضع عزمي بشارة في مصاف المفكرين الأفذاذ الذين رحل منهم ثلاثة مؤخرا وهم: محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون. بل هو يتقدم عليهم بمسافات، كيف لا وقد توفوا مغمورين في المنفى أو تحت وطأة العوز ولم تكتشفهم قناة الجزيرة وتجعل منهم نجوما. حسب رأي الكاتب، عزمي بشارة هو أبرز المنظرين في المواطنة والمجتمع المدني وإصلاح وتطوير الفكر القومي وعلاقته بالديمقراطية وقيم العدالة لأن تحليلاته ليست مجرد تحليلات سياسية للأحداث بل هي تحليلات فكرية تقوم على أساس معايير وأدوات تحليلية علمية. وأكثر من ذلك فهو يستحق لقب "منظر الثورات" بعد أن تعدى دور التنظير إلى مواقع التوجيه السياسي وأصبح مصدر إلهام للثوار. وأخيرا يؤكد د. عمر: "أن الجماهير تتابع بتشوق مداخلات بشارة المتلفزة" أنا آسف يا صديقي: لقد آن الأوان أن تعرف أن هناك من قرف الجزيرة بسبب هذه المداخلات.
لا يوجد هناك ثورة نقية إلا بين صفحات الكتب. جرائم الثوار قد لا تكون أقل فظاعة من جرائم النظام وخصوصا من ثوار آخر زمن الذين يتساقطون مع تطور النضال. يوجد هناك صراع دام لا يعرف الرحمة. والثورة أول ما تأكل فإنها تأكل أبناءها. وكما كتب كارل ماركس في البيان الشيوعي:" تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا ليس سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والإقطاعي والقن ومعلم الحرفة والصانع وباختصار الظالمون والمظلومون ، المتعارضون دوما، خاضوا صراعا لا ينتهي، صريحا تارة ومستترا تارة أخرى، صراعا كان ينتهي دائما إما بتغيير المجتمع كله تغييرا ثوريا وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين".
يبدو أن الصراع في سوريا قد حسم ولن يتمخض عن تغيير ثوري للمجتمع. بل سينتهي بدمار طرفي الصراع. لم يعد هناك مبرر للخوف من نشوب حرب أهلية، وكأن ما يجري الآن ليست حربا أهلية. لقد فقدت البوصلة اتجاهها بين نظام دموي لن ينسحب إلا بعد أن يخلف وراءه أرضا محروقة وبين معارضة مخترقة حتى النخاع من قبل أمريكا وأوروبا وإسرائيل والرجعية العربية. أما الشعب السوري فهو الذي يدفع الثمن بدماء أبنائه. أما المصيبة الحقيقية فهي أن كلا الطرفين المتناحرين يتكلم باسم هذا الشعب المسكين ويدعي الدفاع عنه بواسطة نحره.
لم أكن في يوم من الأيام من أنصار نظام البعث في سوريا. وخصوصا بعد ما يسمى "الثورة التصحيحية" واغتصاب حافظ الأسد للسلطة. لقد كان ذلك انقلابا يمينيا وكانت تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن إحدى نتائجه المباشرة. وإن ننسى فإننا لا ننسى تل الزعتر وحرب المخيمات ووقوف النظام إلى جانب أمريكا في حرب الخليج الأولى. وعندما كانت معظم قوى اليسار ترتمي في أحضان النظام السوري بصفته نظاما ممانعا كان رأيي أن هذا النظام لا يختلف من حيث الجوهر عن باقي الأنظمة العربية الرجعية.
ولكن أن يزايد على هذا النظام مشيخة قطر والنظام السعودي والهاشمي وغيرهما من حثالة جامعة الدول العربية وتطالبه بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فإن ذلك لعمري من سخرية الأقدار.
أين يقف المفكر العربي عزمي بشارة من هذا المشهد؟ إلى جانب الشعب السوري ومطالبه بالحرية والكرامة؟ أم إلى جانب حكام قطر وباقي الدول العربية الذين يقومون بدورهم على أحسن وجه في خدمة الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية؟ هل يعرف عزمي بشارة أن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية تقع على بعد أمتار من المكان الذي يجلس فيه للتنظير للثورة؟ أم انه لا يعرف ذلك تماما مثل زميله يوسف القرضاوي؟ والذي اتخذ من الدين حرفة وجعل الفتاوى سلعة كما جعل بشارة من الفكر حرفة ومن الأفكار سلعة وكل شيء قابل للبيع.
الملاحظة الوحيدة التي يذكرها الدكتور عمر سعيد على إنها نقد ولكنها هي في الحقيقة أقرب إلى للعتاب هي مطالبته بنقد واضح للتيار الإسلامي وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية. أليس من الأجدر أن يطالبه بنقد واضح لحكام الدوحة والرياض وعمان وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية؟
وأخيرا أتساءل ولا انتظر جوابا: هل المشروع القومي العربي الديمقراطي الذي تعثر تحقيقه من خلال الكنيست الإسرائيلي يمكن تحقيقه من خلال حلف الناتو؟

No comments: