Wednesday, March 26, 2008

ماذا تبقى من يوم الارض؟

انبش الجرائد العربية الصادرة في نهاية الاسبوع المنصرم، اقلب صفحاتها. اتنقل بين مواقع الاخبار العربية على الشبكة العنكبوتية. ارصد نشاطات الاحزاب والتنظيمات والجمعيات المختلفة باحثا عن الارض في ذكرى يوم الارض فلا اجد سوى كلمات مستعارة مجترة منذ سنوات: لجنة المتابعة تجتمع. البعض يأتي والبعض لا يأتي والبعض يتم تجاهله أو عدم الاصغاء له. يبحثون في مائة موضوع وموضوع. طبعا مواضيع النقاش متواجدة بوفرة، فهناك التهديدات الصادرة عن اوساط في اليمين الصهيوني لبعض الزعامات العربية وهناك سياسة هدم البيوت وهناك مكانة المرأة العربية وغياب دورها وصوتها في لجنة المتابعة، الخ. الخ. وجميعها يجب أن تطرح ويتم القرار بشأنها. وأخيرا يتم الاتفاق على مهرجان مركزي كالعادة في مكان ما ونشاطات محلية هذا بالاضافة الى توزيع البيانات وإخراج الخطابات القديمة من الادراج بعد نفض الغبار عنها.
أعود وأتساءل بحنق: ولكن أين الارض؟؟ لا يوجد هناك ارض. هذه هي الحقيقة التي يعرفها الجميع. ألا يقولون في دراساتهم المنشورة أن 97% من الارض الفلسطينية قد صودرت؟ وأن ما بقي في حوزة الفلسطينيين لا يتجاوز ال3%؟ أتذكر قصة ذلك الاعرابي الذي اعترضه بعض قطاع الطرق ونهبوا قطيعة وعندما عاد الى عشيرته خالي الوفاض سألوه: ماذا جرى لك؟ فقص عليهم حكايته. فقالوا له: وماذا فعلت؟ الم تفعل شيئا؟ فقال بلى، اوسعتهم شتما وأودوا بالابل. فذهب قوله مثلا. ماذا نعمل نحن في ذكرى يوم الارض؟ سوى انها مناسبة لوسع المؤسسة الاسرائيلية شتما، نصفها بابشع الصفات واقبح الاقوال. هذا يصرخ بأعلى صوته: انها دولة عنصرية وذاك يقول: بل هي دولة فاشية وآخر يلطم: انها تقتل الابرياء وتهدم البيوت وتبني جدار التمييز العنصري. ويختلط الحابل بالنابل ومن كثرة المسبات والشتائم لم يعد أحد يفهم على أحد. وبكل هدوء تسحب المؤسسة الاسرائيلية الارض من تحت أقدامنا، تبني مستوطنة هنا، تهدم بيتا هناك، تخطط لقلع هذه القرية، تسيج منطقة هناك وتعلن عنها حديقة عامة وتقيم معسكرا هناك ...
بالطبع نتغنى بأمجاد يوم الارض الاول، بالتضحيات التي قدمناها وبصمودنا وتحدينا للسلطة بالرغم من سياسة الترهيب. وكل واحد منا يروي روايته الخاصة. ولكن بشرط: ألا نعيدها. لقد كان قرار الاضراب قرارا تاريخيا وبطوليا ولكن يجب الا نفكر بإضراب آخر لأن الجماهير غير مستعدة لذلك، وقد كان التصدي لقوات الشرطة والجيش اسطوريا، ولكن الان يجب أن نبتعد عن أية مواجهة لأن ذلك ضرب من التهور والمزاودة.
الفشل يتيم والنجاح له مائة أب. من من الاحزاب القائمة، وحتى التي لم تكن قائمة في ذلك الوقت بعد، لم تزعم انها هي التي صنعت يوم الارض؟ ها هو الرفيق توفيق طوبي على سبيل المثال لا الحصر، بعد أن يشن هجوما على التنظيمات الاخرى التي تدعي تفجير يم الارض يقول:" يوم الارض الذي فجرته جماهير شعبنا بقيادة حزبنا الشيوعي..." هل يستطيع أحدكم أن يقول لنا الى أي تنظيم سياسي كان ينتمي الشهداء الستة؟
نعم، في عام 30 آذار 1976 هبت جماهير شعبنا رافضة الاسرلة التي حاولت السلطة فرضها، متشبثة بهويتها الوطنية وبحقها بالعيش بكرامة على ارضها، ولكن بعد هذا التاريخ عادت الجماهير لتغط في سبات عميق. ولماذا؟ من كثرة مخدرات الاسرلة التي حقنتها القيادة لهذه الجماهير: الاضراب غير مطروح، الجماهير غير مهيئة لذلك، مواجهة الشرطة هي أعمال زعرنة، رفع العلم الفلسطيني هو ايضا من أعمال الزعرنة، لنطالب بالمساواة ولا اقل من المساواة، هذه هي الاسطوانة التي إنتشرت بين الناس بعد هبة يوم الارض الاولى، فهل من عجب اذا وصلنا لما وصلنا اليه اليوم؟
لماذا كان الاضراب العام والشامل جيدا في عام 1976 ولكنه أصبح سيئا في عام 2008؟ هل الاوضاع اليوم أفضل؟ كلنا يعرف ان اوضاعنا حينذاك كانت أفضل بما لا يقاس من اليوم. فإذا فمنا حينذاك بإضراب شامل ليوم واحد فإننا بحاجة اليوم الى إضراب مفتوح.
لم يعد لدينا أرض نطالب بعدم مصادرتها، ولكن لدينا أرض مسلوبة نطالب بتحريرها، نعم تحريرها، هل هذه الكلمة تخيف بعض الناس؟ يجب إعادة التي سلبتها الدولة من اللاجئين والمهجرين، يجب إعادة ارض البطوف والنقب والساحل وكل فلسطين. هذا هو الشعار الرئيسي الذي يجب أن يهيمن على كافة نشاطات ذكرى يوم الارض ومن غيرها لن تكون هذه النشاطات أكثر من إستمناء سياسي يمارسه بعض المحترفين.
من أجل إنقاذ الارض وإنقاذ الانسان الفلسطيني الذي يحيى على هذه الارض أو الذي اقتلع منها، علينا أن نستوحي التاريخ النضالي لشعبنا الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني وخصوصا النواحي التالية:
1) إعلان الاضراب العام والشامل سنويا في ذكرى يوم الارض، وفي حالة إشتداد الازمة السياسية (كما هو عليه اليوم) يجب الدعوة الى إضراب مفتوح على غرار إضراب عام 1936 ولكن هذه المرة بعد أن نتعلم دروس هذا الاضراب: عدم الاصغاء الى الحكام العرب مثلا!
2) مقاطعة المستوطنات التي قامت على الارض العربية المصادرة وكافة منشآتها التجارية. لا يعقل أن يقوم رؤساء بلدياتنا ومجالسنا المحلية بالتنسيق الكامل مع هذه المستوطنات التي قامت بهدف خنق مدننا وقرانا. ولا يعقل أن نحج يوميا، جماعات ووحدانا الى مراكزها التجارية للتسوق.
3) يجب طرق كافة المنصات الدولية من حقوقية وسياسية وإعلامية لفضح سياسة الدولة العنصرية ومقاومتها.
4) يجب أن نقاوم سياسة الدمج على كافة المستويات وبالمقابل يجب أن نبدأ بتشييد مؤسساتنا الوطنية المستقلة وعلى كافة المستويات أيضا. يجب مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية التي يمكن الاستغناء عنها وإستبدالها بمنتوجات وطنية، وتشجيع الصناعة والزراعة الوطنيتين.
غدا سوف تنتهي المسيرات وسوف تخفت الخطابات وتتلاشى إلا أن نداء الارض سوف يلاحقنا فلنلبي هذا النداء
مؤتمر القمة العربية في دمشق- هل سيكون مختلفا؟

لقد قيل وكتب الكثير عن جامعة الدول العربية منذ تأسيسها قبل أكثر من 60 عاما بمبادرة أنجليزية قبل ان يسلموا فلسطين للحركة الصهيونية ويعودوا الى جزيرتهم. لا حاجة للتنويه الى أن معظم ما كتب عن هذه المنظمة كان سلبيا للغاية. يكفي أن نذكر هنا أن تاريخ الجامعة العربية كان مواكبا لتاريخ نكبة فلسطين. كلاهما ترعرع في أجواء الهزائم المتواصلة والعجز والفشل. وليس من باب الصدفة أن الشعار الذي كان وما زال سائدا على هذا التاريخ المشترك: إتفق العرب على الا يتفقوا.
وقد قيل وكتب الكثير عن مؤتمرات القمة العربية، ومؤتمر دمشق سوف يكون المؤتمر العشرين من حيث الترتيب. هذه المؤتمرات هي أيضا لم تسلم من الشتائم. فمنهم من أطلق عليها مؤتمر "القمامة" العربية ومؤتمرات العجز والخيانة الى آخره من هذه الصفات.
الشتائم والمسبات قد تنفس عن بعض الاحتقان والغيظ عند الناس ولكنها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة وبالتأكيد لا تستطيع أن تقدم بديلا او تؤدي الى تغيير جذري نحو الافضل. مؤتمرات القمة العربية هي في نهاية المطاف مؤتمرات النخب الحاكمة في البلدان العربية. وكما يقول المثل: الاناء بما فيه ينضح. مؤتمر القمة هو مرآة يعكس حقيقة الحكام المشاركين لا أكثر ولا اقل. هل ممكن أن نتوقع من رئيس وصل الى كرسي الرئاسة بواسطة انقلاب دموي ويحافظ عليه بواسطة المخابرات أن يكون مثالا للتسامح والديموقراطية؟ هل نتوقع من أمير نشأ وترعرع في ظل الحماية الامبريالية أن يشهر سيفه في وجه حماته؟ وهل من المعقول أن يخرج أحد الملوك من جلده ويرفع علم الاشتراكية والتقدم؟ لماذا إذن نحمل هؤلاء المؤتمرين فوق طاقتهم؟ خلاصة القول: اذا أردنا مؤتمرات قمة عربية بالمعنى الحقيقي للكلمة فلا بد من تغيير كافة الملوك والامراء والرؤساء العرب. أي لا بد من إعلان الثورة العربية الشاملة. ولكن حتى ذلك الحين، لا بد من أن نتوقف ولو للحظة عند مؤتمر القمة الاخير في دمشق من أجل تسجيل بعض الملاحظات:
بالنسبة للكثيرين، من مؤيدين ومعارضين لمؤتمرات القمة، مجرد عقده في دمشق هو أمر بحد ذاته يستحق التوقف عنده وسبر مكنوناته . دمشق في نهاية المطاف ليست الرياض حيث عقد المؤتمر الاخير وهي ليست تونس أو شرم الشيخ. دمشق هي عاصمة الممانعة الوحيدة الباقية في الوطن العربي حتى وإن كانت هذه الممانعة واهنة وهزيلة. وهذا بحد ذاته يضفي على المؤتمر جوا خاصا مغايرا نسبيا عن الاجواء التي سادت المؤتمرات السابقة.
ذاكرة المواطن العربي العادي لا تحمل من مؤتمرات القمة السابقة سوى النزر القليل. ولعل المؤتمر الوحيد العالق في ذاكرتنا خصوصا نحن الفلسطينيون هو مؤتمر الخرطوم بعد نكسة 1967 ولاءاته الثلاث: لا صلح ولا مفاوضات ولا إعتراف بإسرائيل. وبالرغم من أن هذا المؤتمر قد عقد بعد هزيمة اليمة، وبالرغم من تحول السياسة العربية الحاد من مبدأ محو "مصدر العدوان" الى مبدأ محو "آثار العدوان" الا انه ما زال حاضرا في ذهن جميع الافراد والتنظيمات المعادية للهيمنة الصهيونية والامبريالية.
إذا أخذنا مؤتمر الخرطوم كمقياس وكنموذج للمقارنة فأين يقع منه مؤتمر دمشق؟ واضح أن لاءات الخرطوم قد سقطت منذ زمن طويل. حيث قامت دولتان عربيتان بالصلح العلني والرسمي مع اسرائيل اما باقي الدول العربية فإنها تمارس الصلح العملي معها على مستويات مختلفة. الاعتراف بإسرائيل أصبح شاملا ليس فقط من جراء اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو بل أيضا من خلال ما يسمى: مبادرة السلام العربية. اما المفاوضات فإنها لا تتوقف حتى عندما تكون عديمة الجدوى خصوصا في ظل رؤيا محمود عباس للمفاوضات ولسان حاله يقول: أنا افاوض فأنا موجود. والبلد المضيف نفسه لا يرفض المفاوضات مع اسرائيل مبدئيا بل على العكس من ذلك، فهو لا يترك مناسبة الا ويصرح بها عن استعداده للبدء بالمفاوضات ومن دون اية شروط مسبقة وإن "خيار السلام هو خيار استراتيجي" للنظام السوري.
هل سيتخلى مؤتمر دمشق عن "مبادرة السلام العربية" التي اطلقها مؤتمر بيروت في أوج حصار رام الله وأكدها مؤتمر الرياض في أوج حصار غزة؟ خصوصا وأن اسرائيل بالرغم من كل التنازلات التي قدمتها، قد القت بها في سلة المهملات؟ لا اظن ذلك. سوف يتمسك القادة العرب بمبادرتهم هذه وسيكتفون بتوجيه بعض كلمات العتاب الى اسرائيل راجين منها ان تنقذهم وتقبل المبادرة ولو بشروطها المهينة. إذن ماذا سيقدم المؤتمر للقضية الفلسطينية؟ لا شيء سوى المزيد من الادانات اللفظية للسياسة الاسرائيلية في غزة. من المتوقع أصلا الا تكون القضية الفلسطينية في أعلى سلم اولويات المؤتمرين. هناك على الاقل 3 قضايا أخرى سوف تستحوذ على هذه الاولوية وهي:1) الازمة اللبنانية 2) العلاقات مع ايران والتحالف الامريكي – الاسرائيلي – العربي لمواجهة ما يسمى الخطر الايراني 3) الوضع في العراق.
وربما جاءت قضايا الصومال والسودان والعلاقات بين الدول العربية قبل القضية الفلسطينية. دعوة نوري المالكي لكي يتراس الوفد العراقي تعني ضمنا قبول الاحتلال الامريكي والتعامل مع العراق المحتل وعملائه. ودعوة محمود عباس لتراس الوفد الفلسطيني تعني الوقوف الى جانب خيار المفاوضات وإقصاء المقاومة.
هذه قراءة سريعة لمؤتمر القمة العربية العشرين المزمع عقده غدا في دمشق. لن يطرأ اي تغيير جذري على أوضاع المنطقة بعد المؤتمر او من جراء المؤتمر. التغيير سوف يأتي فقط من خلال تحرك جماهيري ثوري يسقط كافة الانظمة القائمة.

Wednesday, March 19, 2008

راشيل كوري: أشرف الموت موت الشهداء

راشيل كوري: أشرف الموت موت الشهداء

بين يوم المرأة العالمي وعيد الأم وبالضبط في 16 آذار قبل خمسة أعوام إنضمت راشيل كوري الى قافلة شهداء فلسطين فتركت ورائها أما نستطيع أن ندعوها بكل فخر وإعتزاز أم الشهيدة وتركت ورائها ذكرى لإمرأة شابة قدمت روحها الطاهرة على مذبح الحرية والعدالة.
الذكرى الخامسة لاستشهاد راشيل كانت ذكرى مميزة وخصوصا في حيفا والناصرة بعد العرض الاحتفالي لمسرحية:"اسمي راشيل كوري" التي انتجها مسرح الميدان من إخراج رياض مصاروة والرائعة لانا زريق. وقد بلغ هذا العرض ذروته الانسانية عندما أعتلت أم الشهيدة المنصة وقالت وعيونها تغرورق بالدموع مثل باقي عيون المشاهدين: "لقد خسرت ابنة ولكني قد ربحت حتى الآن عشرة بنات (مشيرة الى عدد الممثلات اللاتي قمن بدور راشيل على منصات المسارح في جميع ارجاء العالم) عزائي أن صوت راشيل يسمع الان في كل مكان".
من هي راشيل كوري؟ وما هو صوتها الذي يجلجل في أروقة العالم بالرغم من رقته وعذوبته؟ راشيل انها فتاه أمريكية عادية أثبت الايام انها ليست عادية بل مميزة الى ابعد الحدود. فتاة كباقي الفتيات تذهب الى المدرسة، تلعب، تحلم وتخربش احلامها البريئة على دفتر يومياتها. منذ نعومة أظافرها اظهرت حساسية فائقة إتجاه هموم الآخرين وشعرت بآلامهم. كان يحزنها أن تسمع عن المجاعات في افريقيا، وعن الحروب المتواصلةفي بقاع كثيرة من العالم. لم تكن تعي بعد مسؤولية الادارة الامريكية عن هذه الاوضاع.
هل هو القدر الاعمى أحمق الخطى الذي ساقها الى بلادنا التي تسمى مجازا الاراضي المقدسة؟ وهل هو القدر الذي اوصلها الى أتعس بقعة في هذه البلاد؟ الى قطاع غزة، حيث يتبارز قبضايات العالم من امريكا واوروبا واسرائيل والدول العربية على فرض الحصار عليها، تجويع أهلها، إغتيالهم، هدم بيوتهم من أجل تركيعهم. لا أدري، ولكنها وصلت.
كانت في ال23 من عمرها. لم تأت لتحارب، لم تتدرب في حياتها القصيرة على السلاح مثل بنات سنها الاسرائيليات اللاتي في مثل هذا الجيل يكن قد أنهين الخدمة العسكرية وتخرجن وهن يحملن صورهن بالزي العسكري والبندقية أو وهن يعتلين ظهر دبابة. لم تأت حتى لضرب حجر على دبابة كما تفعلنه زميلاتها الفلسطينيات. جاءت بجسدها النحيل وقلبها الكبير لتقدم رسالة سلام، كم كنت ساذجة يا راشيل.
هل يستطيع القلب مهما كان كبيرا أن يوقف آلة هدم صماء أمريكية الصنع تسمى بلدوزر يقودها شخص أشد صمما من الآلة نفسها؟ الفلسطينيون إرهابيون ومن يأني لمساعدتهم يدمغ فورا هو الآخر بالارهاب او بمناصرة الارهاب وبالتالي لا فرق بينهما. كم كان حظك سيئا يا راشيل! لو قتلت في مكان آخر ولو كان من قتلوك غير الاسرائيليين لفعلت الحكومة الامريكية الكثير لمعاقبتهم.
قبل خمس سنوات وقفت راشيل بين البلدوزر وبيت عائلة فلسطينية رافعة ايديها وصوتها، تصرخ: لا تتقدم، لا تهدم. إلا أن البلدوزر والسائق ومن ارسلوه كانوا يقهقهون وما زالوا يقهقهون حتى الان. وهكذا إنضمت راشيل القادمة من بعيد الى قافلة شهداء فلسطين من مناضلين واطفال وشيوخ ونساء.
بالموت لا بالكلام يؤكد الشهداء ايمانهم. كانت راشيل تؤمن بعالم افضل، عالم يخلو من الظلم والاستبداد. وبموتها لم تؤكد ايمانها هذا فحسب بل نقلته الى غيرها من الزهرات في شتى ارجاء العالم.
لقد ضحت راشيل بروحها لكي تنعش ارواحنا وتقوي ايماننا بأن حلمها سوف يصبح حقيقة. لقد حفرت راشيل اسمها عميقا في قلوب الجماهير الفلسطينية. وعلينا أن نحمل اسمها وحلمها بكل فخر وأعتزاز حتى يبزغ فجر الحرية في سماء فلسطين.
نعم على مستشارة المانيا أنجيلا ميركل أن تشعر بالعار

في خطابها من على منصة الكنيست الاسرائيلي يوم الثلاثاء 18/3/2008 قالت ميركل انها تشعر بالعار بسبب الكارثة التي سببتها المانيا النازية في حق الشعب اليهودي. نعم، على مستشارة المانيا أن تشعر بالعار ولكن ليس بسبب الكارثة التي سببها النازيون وتتحمل مسؤوليتها المانيا حتى اليوم فحسب بل بسب صمتها المخزي عن كارثة أخرى صنعتها وتتحمل مسؤوليتها دولة إسرائيل أقترفتها في حق الشعب الفلسطيني، سنوات قليلة فقط بعد حدوث الكارثة التي تكلمت عنها.
في إطار خطابها المذكور ومن خلال كيلها المدائح لدولة اسرائيل قامت ميركل بتزييف الحقائق وتشويه التاريخ. بدأت خطابها بالتعبير عن "الشرف" العظيم الذي حظيت به لمنحها الفرصة بالكلام بلغة امها في الكنيست. بينما حتى العديد من الاسرائيليين لا يجدون أي شرف من الوقوف على منصة الكنيست والقاء خطاب به أمام عدد كبير من العنصريين الذين يحملون ايديولوجية لا تختلف جوهريا عن الايديولوجية النازية التي تشعرها بالعار. تكلمت ميركل عن 60 عاما من "البناء العظيم" ولكنها تعامت وصمتت عن 60 عاما من الهدم العظيم لشعب كامل، عن هدم أكثر من 500 قرية فلسطينية وتشريد أهلها، عن أكبر عملية تطهير عرقي عرفته البشرية في تاريخها الحديث اسفر عن تدمير مجتمع بإسره.
تكلمت المستشارة الألمانية عن 60 عاما من "التحديات والنضال ضد التهديدات ومن أجل السلام" بينما يعرف العالم بأسره انه منذ تأسيس دولة اسرائيل لم تنعم المنطقة بيوم واحد من السلام الحقيقي بل بحروبات متواصلة قامت اسرائيل اما بشنها واما بتأجيجها والمشاركة فيها. وليس من باب الصدفة أن تنظر كافة الشعوب الاوروبية الى اسرائيل بأنها أكبر تهديد للسلام العالمي.
تواصل ميركل هذيانها المنافق الرخيص وتقول: " 60 سنة من استيعاب المهاجرين" وليس 60 سنة من نهب وسلب اراضي الآخرين وزرع مستوطنات فاشية لا تخفي على أحد طبيعتها الفاشية وبالمقابل تنكر حق الللاجئين بالعودة وتعمل جاهدة على تهجير من تبقى منهم.
وقد بلغت المستشارة ذروة نفاقها اللامنطقي واللامعقول عندما كررت الكذبة التي تروجها حكومة اسرائيل عندما قالت : " بينما نتكلم هنا يخيم على آلاف الناس تهديد من ارهاب صواريخ حماس..." وكأنها لم تسمع على صواريخ وطائرات ودبابات اسرائيل تقصف يوميا قطاع غزة. وكأن سكان غزة اشباح لا يشعرون بتهديد الارهاب الاسرائيلي ولا بشلالات الدم التي تسفكها اعتى آلة حربية في المنطقة. المستشارة الالمانية تدرك تمام الادراك ماذا يجري في غزة، بل تدرك أيضا انها شريكة فعالة في أقتراف جرائم ضد الانسانية في غزة من خلال مساهمتها في فرض الحصار اللاانساني على القطاع، من خلال منع الطعام عن أطفال يتضورون جوعا والدواء عن مرضى يتقلبون من الاوجاع. بل واكثر من ذلك: من خلال بناء الغواصات الحربية ومنحها مجانا لإسرائيل وتقديم المساعدات العسكرية وتأمين الدعم المادي والسياسي لها.
مما لا شك فيه ان المانيا واسرائيل، على حد تعبير المستشارة، سوف تبقيان مرتبطتان بأواصر فريدة من نوعها ولكن ليس بسبب الكارثة وتداعيتها بل بسبب الشراكة في الجرائم الراهنة ضد الشعب الفلسطيني.
الكل يعرف، بما فيهم العديد من الاسرائليين، أن أموال التعويض التي قدمتها المانيا خلال 60 عامت استغلت لبناء أكبر دولة عسكرية تملك أكبر ترسانة حربية في العالم والقسم الآخر من أموال التعويضات وجد طريقه الى جيوب كبار الراسماليين الذين يحتكرون السلطة الاقتصادية والسياسية في هذه الدولة. وفقط النزر القليل وصل الى ضحايا جرائم النازيين. معظم الناجين من الكارثة يتضورون جوعا ويخوضون نضاال مستمرا للحصول على بعض المخصصات التي تحتجزها البنوك وتستغلها الحكومة.
لا يمكن أن تستمر دولة اسرائيل بإبتزاز العالم بالكارثة بينما هي تصنع الكارثة تلو الكارثة. وها هي اليوم تحاول أن تنصع كارثة جديدة على مستوى عالمي من خلال دق طبول الحرب وتحريض العالم لشن حرب نووية على ايران. وحتى اليوم لن ننسى الدور التحريضي الاجرامي لدولة اسرائيل من خلال الترويج للأكاذيب الذي أدى تدمير العراق.
إن ما حدث في اوروبا خلال الحرب العالمية الثانية هو جريمة في حق البشرية جمعاء ويجب أن يدان في كل مكان وزمان، ولكن ما الذنب الذي اقترفه الشعب الفلسطيني لكي يشرد ويقتل؟
من المعروف أن الحركة الصهيونية كانت أكثر الاطراف لا مبالية بمصير يهود اوروبا ولم تساهم بشيء يذكر في النضال ضد النازية، ولكنها كانت أكثر الاطراف مستفيدة بسبب تدفق أموال التعويض عليها وبسبب مصادرة الكارثة من أصحابها الحقيقيين واحتكارها لها.
في الذكرى ال60 لنكبة فلسطين على انجيلا ميركل وزمرتها من اولمرت الى بوش أن يخجلوا ويخرصوا.

يجب هدم بيت ايهود اولمرت وأيهود براك أولا



بعد زيارتها للمدرسة الدينية " مركاز هراب" التي تعرضت مؤخرا لعملية فدائية، طالبت داليا أيتسك رئيسة الكنيست والقائمة باعمال رئيس الدولة بهدم بيت عائلة منفذ العملية. عادة، وفي مثل هذه الحالات تقوم قوات الامن الاسرائيلية فورا بدون مطالبة أحد وبدون اللجوء الى اية محكمة بهدم بيت عائلة منفذي مثل هذه العمليات من أجل الإنتقام أولا ومن ثم كعقاب جماعي وكوسيلة للردع. ولكن في هذه الحالة وبسبب وجود هذا البيت في جبل المكبر في القدس والتي تعتبرها اسرائيل عاصمتها الابدية فإن الامر يختلف قليلا.
حتى لو لم يتم هدم البيت فعليا الا انه لا يضر إستعمال هذا التهديد للتحريض وبث سموم العنصرية من جهة وكورقة يستعملها المسؤولون المعدودون على المركز واليسار الصهيوني لتحسين صفحتهم عند التيار اليميني الاستيطاني المتطرف والتي تشكل مدرسة "مركاز هراب" أبرز رموزه.
قبل هذه العملية بعدة أيام قامت دولة اسرائيل بقتل أكثر من 125 "مخرب" أكثر من ثلثهم من الاطفال والنساء بعضهم لا يتعدى عمره عدة شهور لم تجف دمائهم بعد، وهدمت العديد من البيوت على رؤوس ساكنيها. فإذا كان بيت عائلة منفذ عملية القدس يستحق الهدم، بالرغم من إن جميع أفراد العائلة لا يعرفون ولم يشاركوا من قريب او بعيد بعملية ابنهم، فلماذا لا نطالب بهدم بيوت أولئك الذين إقترفوا مجازر غزة؟، ولا اقول بيوت عائلاتهم.
لنبدأ ببيوت الاربعة الاوائل المسؤولين مباشرة عن سفك الدماء في غزة.
أولا، بيت رئيس الحكومة، ايهود اولمرت المسؤول الاول عن مجازر غزة. لماذا لا نطالب بهدم بيته الذي دفع ثمنه من أموال دافع الضرائب ومن خلال الرشوات والفساد؟ ثانيا، بيت وزير الحرب أيهود براك. ولا ادري كم بيت يملك ولكن لكثرة الجرائم التي صنعتها يداه فجميعها تستحق الهدم. ثالثا، بيت رئيس اركان الجيش، غابي اشكنازي في كفر سابا. رابعا، بيت يوآب جلانط قائد المنطقة الجنوبية الذي ضم الى بيته مساحات واسعة من الارض العامة بدون مشاكل تذكر ما عدا شكاوي بعض الجيران وذلك بسبب مركزه وقربه من شارون.
أصلا، في دولة طبيعية، دولة ديموقراطية حقا، يجب هدم مدرسة "مركاز هراب" نفسها. هذه المدرسة التي لا تعلم سوى الكراهية ولا تربي سوى على العنصرية منذ تأسيسها عام 1924 على يد الراب العنصري كوك وحتى يومنا هذا. وقد خرجت أجيالا من المستوطنين الذين اقترفوا وما زالوا الجرائم التي لا تعد ولا تحصى في حق الشعب الفلسطيني. حركة غوش امونيم التي عاثت بالضفة الغربية فسادا وأرهبت المواطنين الآمنين والمسؤولة الاولى عن زرع الضفة بالمستوطنات الفاشية تعتبر تجسيدا للإيديولوجية السائدة في هذه المدرسة. يكفي أن نذكر هنا بعض غلاة الفاشيين من خريجي هذه المدرسة: الوزير وعضو الكنيست رافي ايتام، بنيامين ألون رئيس حزب مولدت الفاشي، موشه ليفنغر وحايم دروكمان ومثلهم كثيرون.
عنصرية هذه المدرسة لم تكن موجهة حصريا ضد الفلسطينيين والعرب. بل لم يسلم من شرها حتى أوساط واسعة من الحركة الصهيونية نفسها التي دمغت بالاعتدال. الاجواء التي أدت الى مقتل اسحاق رابين نمت وترعرعت في اروقة هذه المدرسة وغمرت أرجاء واسعة من البلاد. خريجو هذه المدرسة لم يكفيهم ولم يعجبهم ما كسره رابين من عظام الفلسطينينن خلال الانتفاضة الاولى. انهم يريدون المزيد وعندما لم يستطع تلبية كافة مطالبهم بدأو بالتحريض عليه والنتيجة يعرفها كل إسرائيلي. لم يكفيهم ولم يعجبهم ما بناه شارون من مستوطنات وما اقترفه من جرائم لإرضائهم، وعندما طلب منهم مغادرة غزة حفاظا على ارواحهم لم يسلم من شرهم. والامثلة عديدة. حتى ايهود اوولمرت لم يجرؤ على زيارة هذه المدرسة للتعزية، بينما تعرضت الوزيرة يولي تمير لما يشبه اللينش. اما ايهود براك فلم يجرؤ على زيارتها الا بعد أن صرح بإن هذه المدرسة روح الصهيونية النابض وكال لها المديح لدورها في تاريخ الصهيونية.
لنعود الى دالية ايتسك، وهي مدرسة في حد ذاتها في الانتهازية والنفاق. فقد ترعرعت في حزب العمل وتسلقت المناصب الى درجة كبيرة بفضل العرب الذين خدعوا بإبتسامتها الصفراء التي تكشف عن انياب دراكولا. مثلها مثل معلمها شمعون بيرس وزميلها حايم رامون تركوا حزب العمل الغارق وقفزوا الى حزب كديما لتأمين مقاعدهم. هذه الوزيرة السابقة ورئيسة الكنيست حاليا والتي تقوم مقام رئيس الدولة تتزعم حاليا التحريض ضد العرب لأرضاء هذه المدرسة الفاشية وتطالب بهدم بيت عائلة منفذ عملية القدس.
وأخيرا أنصح الزعامة العربية في هذه البلاد ممثلة في لجنة المتابعة بكافة مركباتها أن تحول حملتها العقيمة لتوقيع ربع مليون على عريضتها من أجل " لجنة حيادية مع مختصين دوليين" لفحص أحداث اكتوبر 2000 الى عريضة تطالب بهدم بيوت الاربعة المذكورين أعلاه وانا أضمن لها النجاح في جمع مليون وربع مليون توقيع.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 12, 2008

حول شعار الوحدة الوطنية


في سياق دفاعه عن النظرية الماركسية الثورية ومن خلال نضاله ضد التحريفيين على مختلف انواعهم ومشاربهم كتب لينين يقول:" لو أن البديهيات الهندسية كانت تصدم مصالح الناس لسعوا بكل تأكيد الى دحضها وتشويهها". فكم بالاحرى المبادئ السياسية الثورية والتقدمية التي من غير شك تصدم مصالح الكثيرين؟. ولعل أكثر مبدأ على الساحة الفلسطينية تعرض للتشويه هو شعار الوحدة الوطنية. لقد أصبح هذا الشعار جسرا يعبر فوقه الانتهازيون من كل حدب وصوب وأصبح قناعا يختبئ خلفه أعداء الوحدة وأعداء الوطنية.
لقد سمعت هذا الشعار يكرر بشدة خلال جنازة الحكيم جورج حبش، حيث هتف رفاق الجبهة الشعبية: "الحكيم وصانا وصية صونوا الوحدة الوطنية". هذا الشعار كما سبق وقلت هو شعار سليم لا يمكن أن تتخلى عنه اية حركة تحرير وطني ولكن.. قبل أن نهتف هذا الشعار يجب أن نعي تماما ماذا تعني الوحدة؟ وماذا تعني الوحدة الوطنية؟ هل الوحدة تعني فرض هيمنة طرف على طرف آخر؟ هل الوحدة تعني فقدان استقلالية أي تنظيم ناشط على الساحة النضالية وقبول التبعية؟ بالطبع لا. فقد كان نضال الحكيم ضد هيمنة طرف معين على منظمة التحرير الفلسطيني جزؤ لا يتجزأ من نضاله الوطني العام. وهل كان الحكيم يطرح شعار الوحدة الوطنية على أساس التفريط بالثوابت الوطنية؟ بالطبع لا، بل على العكس من ذلك تماما، كان شرطه للوحدة الوطنية هو التشبث بهذه الثوابت والدفاع عنها.
عاد هذا الشعار ليحتل مؤخرا مكانا مركزيا في نشاطتنا السياسية بعد الصراع الدامي الذي شهدته جهات معينة من فتح وحماس وحسم الوضع لصالح حماس في قطاع غزة. وأصبحنا نردد كالببغاوات:" يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس". وقد كان يمكن التغاضي عن ذلك ما دامت هذه الهتافات تصدر بحسن نية من قبل جماهير اثار سخطها التشرذم السائد والذي لا يفيد سوى إسرائيل التي تقصف وتغتال في غزة وتبني المستوطنات والجدار في الضفة وتقتل وقت الحاجة ايضا ولا يسلم من شرها أحد. ولكن عندما يتناول هذا الشعار سياسيون لكي يمرروا مفهومهم الخاص له تتغير النظرة تماما. مثلا عندما نشر الشيخ ابراهيم عبدالله في جميع وسائل الاعلام العربية مقالا تحت عنوان: "نعم هناك حل للأزمة الفلسطينية" وبه يحاول أن يلقي المسؤولية بالتساوي على الطرفين (فتح وحماس)، يقفز عن أسباب الصراع وجوهرة ويطالبهما بالعودة للوحدة وكأن الامر لا يعدو كونه أكثر من طوشة عمومية يمكن إحتواءه ببوس اللحى.
والمثال الآخر، ما قاله الشيخ هاشم عبد الرحمن رئيس بلدية أم الفحم التي استضافت المظاهرة القطرية ضد إجتياح غزة يوم الثلاثاء الماضي والذي هتف من على المنصة: "يا هنية ويا عباس وحدتنا هي الاساس" و "يا عباس ويا هنية وحدتنا وحدة قوية" وفسر كلامه لاحقا عندما قال: أن المقاومة لا تجدي بدون الوحدة وأن المفاوضات ايضا لا تجدي بدون الوحدة، وعلى المقاوم والمفاوض أن يتحدوا.
ولكن كيف يمكن يا شيخ أن يتحد المقاوم الذي يقدم الشهداء مع المفاوض الذي يقدم للعدو التنازلات المجانية عن الثوابت الوطنية؟ كيف يمكن أن تقاوم القوات الاسرائلية الغازية وتتحد مع الذين يقدمون لعدوانها التبريرات بل وأكثر من ذلك يساهمون بفرض الحصار ويلهثون وراء أوهام الحلول الامريكية – الاسرائيلية؟. هل يمكن أن نسمي مثل هذه الوحدة وحدة وطنية؟
مما لا شك فيه أن الوحدة الوطنية تطوي في أحشائها عنصر التنازلات المتبادلة. ولكن ألا ينبغي أن يكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها؟ لقد أصبح واضحا أمام كل مراقب قيام معسكرين متناقضين بل متناحرين الاول يضم أمريكا واسرائيل وحلفائهما من الانظمة العربية "المعتدلة" في المنطقة بما فيها رئاسة السلطة الفلسطينية ومعسكر المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية وجماهيرها الداعمة. وكلما تفاقمت الازمة كلما تسارعت عملية الفرز وإشتدت التناقضات . حتى أصبحت الوحدة بين طرفين أو أكثر متواجدين في كلا المعسكرين مستحيل أن تكون وحدة وطنية. إذ لا يعقل أن تسير في ركب الامبريالية الامريكية وتدعي مقاومة الامبريالية، لا يمكن أن تقدم التازلات عن الثوابت الوطنية لاسرائيل على طبق من ذهب وتدخل في عملية مفاوضات عبثية وعقيمة وتدعي مقاومة الاحتلال.
لا يمكن الاستخفاف بعقول الجماهير الى هذا الحد. كل فرد فينا، حتى اولئك البعيدين كل البعد عن النشاط الوطني المباشر والذين بنقصهم الوعي السياسي، يعرف ما هي سياسة اسرائيل الحقيقية. وهي لا تخفيها اصل، بل تعلنها بمناسبة ومن غير مناسبة وفي كافة وسائل الاعلام العبرية والعربية والعالمية انها لن تقبل في يوم من الايام عودة اللاجئين الفلسطينيين ولن تنهي الاحتلال ولن تقتلع المستوطنات. ولنسأل انفسنا سؤالا بسيطا: ماذا كانت نتائج المفاوضات طوال 15 سنة منذ توقيع اتفاقيات أوسلوا وحتى اليوم؟
نعم للوحدة الوطنية على اساس الثوابت الوطنية المتعارف عليها ولا للوحدة مع عملاء على شاكلة لحد وكرزاي. نعم لوحدة القوى التي تخوض النضال من أجل انتزاع الحقوق الوطنية المشروعة ولا للوحدة مع تيار التفريط والمساومة.
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, March 05, 2008

عارنا في غزة



إنتهت الجولة الاولى من الاجتياح الاسرائيلي الاخير لقطاع غزة. أسدل الستار مؤقتا من أجل التحضير للمشهد القادم من هذا المسلسل المستمر منذ اليوم الاول للاحتلال. لقد كانت مشاهد هذه الجولة عنيفة بإمتياز حيث ابدعت اسرائيل في إنتاج وإخراج وتنفيذ هذه المشاهد التي شدت أنظار العالم أجمع اليها. وقد أصاب نائب وزير الحرب الاسرائيلي، متان فلنائي، الذي يفتخر بعلاقاته الحميمة والمتشعبة بالوسط العربي بوصف هذه المشاهد: "انها المحرقة". وبهذه المناسبة لا بد من توجيه الشكر الى قناة الجزيرة التي أوصلت هذه الصور في جميع ارجاء العالم.
كان حصاد الجولة الاولى لهذا الاجتياح وفيرا للغاية، خلال خمسة ايام سقط 120 شهيدا معظمهم من المدنيين بينهم عدد كبير من الاطفال وحوالي 400 جريح بالاضافة الى عدد كبير من البيوت المدمرة. وهذه طبعا إحصائيات اولية إذ أن الفلسطينيين لم يحصوا جميع قتلاهم بعد ولا يعرف كم من الجرحى سوف يموتون موتا بطيئا بسبب نقص العلاج والادوية. على كل حال العدد لم يعد مهما لأحد. فقد أصبح دم الفلسطيني ارخص من الماء.
انتهت هذه الجولة وعلامات الرضى ظاهرة على وجوه معظم الاطراف المشاركة. فهذه اسرائيل، واحة الديموقراطية في المنطقة تقترف جرائمها الديموقراطية في وضح النهار، أمام بصر وسمع العالم الذي يقف مشاهدا منجذبا الى منظر الدماء، يتلذذ بآهات الألم الصاعدة من صدور الجرحى والعائلات الثكلى. بينما ينعقد مجلس الامن، الذي يمثل الشرعية الدولية لأدانة هذه الجرائم، ولكنه ينفض مبرئا المجرمين ومدينا للضحايا. هكذا يصرح الكوري القذر بان كي مون، الذي ما زال يراه بعض العرب حارسا للسلام والامن العالميين، بينما لا يعدو كونه أكثر من عميل صغير لأمريكا واسرائيل. ويضيف انه من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، بينما لا يحق للفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة الدفاع عن أنفسهم حتى وهم يتعرضون لعملية تطهير عرقي.
طرف آخر تبدو علامات الرضى عليه هو الطرف الامريكي. حيث سارعت وزيرة الخارجية الامريكية لزيارة اللاعبين الثلاثة، الذين قاموا بدور البطولة هذه الجولة لكي تطمئن على سير الامور وعلى مدى نجاح تنفيذ المشروع الامريكي. بدأت وزيرة الخارجية الامريكية زيارتها بمصر حيث هنأت النظام على إعادة اغلاق معبر رفح وعلى تهديده بكسر أرجل كل فلسطيني تسول له نفسه عبور الحدود مستقبلا ولخدمات أخرى عديدة. ثم عرجت الى زيارة رئيس السلطة الفلسطينية وهنأته على دوره الفذ في توفير التبرير اللازم لشن العدوان حيث القى المسؤولية على "الصورايخ العبثية التي تطلقها حماس على جنوب اسرائيل". وهمست في أذنه كلمة عتاب على تعليقه للمفاوضات مع اسرائيل ونصحته بإعادتها على جناح السرعة.
ولكن هذه الاطراف لم تكن هي الوحيدة التي عبرت عن إرتياحها ورضاها من انتهاء هذه الجولة. هناك الطرف الذي يهمنا نحن فلسطينيو الداخل مباشرة، وأعني زعامتنا المحلية ممثلة بلجنة المتابعة العليا على كافة مركباتها من أحزاب سياسية وجمعيات أهلية. والذين ما زالوا يربتون على أكتاف بعضهم البعض ويتنفسون الصعداء بعد المسيرة الضخمة يوم الثلاثاء في مدينة أم الفحم إحتجاجا على مجازر غزة. فقد حققت هذه المظاهرة إنجازات عديدة كان أولها رفع العتب عنهم وآخرها تنفيس الاحتقان المتراكم في صدور الجماهير.
غير أن هذه المظاهرة اكدت وبشكل قاطع أن هذه الزعامة لا يمكنها أن ترتقي الى مستوى الاحداث الجسيمة التي تعصف بالمنطقةا. ينطبق عليها المثل الشعبي القائل: "رايحين عالحج والناس راجعة". ما زلنا نذكر الماضي القريب، اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على لبنان، بعد حوالي ثلاثة اسابيع من هذه الحرب وبعد تدمير كافة الجسور والطرق وارتكاب المجازر، وبعد أن بدأ الحديث يتعالى حتى بين مؤيدي هذه الحرب عن ضرورة وقف اطلاق النار وإنهاء الحرب، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا. وهذا الامر يتكرر الان، بعد أن إرتكبت إسرائيل جرائمها التي صعقت العالم وأعلنت عن سحب قواتها، إستطاعت هذه الزعامة أن تنظم عملا موحدا، أما في أوج العدوان فقد إكتفت جميع الاحزاب المنضوية تحت كنف لجنة المتابعة بتنظيم إحتججات هزيلة على المفارق كل واحد على حدة، لا تسمن ولا تغني من جوع. بينما كانت الجماهير تغلي من الداخل ولا تجد طريقة هادفة للتعبير عن سخطها. من المفروض، نظريا على الاقل، أن تقوم القيادة بتعبئة الجماهير وتنظيمها وقيادة نضالها بشكل هادف وواعي، ولكن الوضع هنا على العكس من ذلك تماما. فالقيادة تتحرك فقط تحت وطأة الضغط الجماهيري وتصب جل جهدها في كيفية إحكام قبضتها على التحرك الجماهيري ولجمها والحرص على عدم فقدان سيطرتها عليها، مستخدمة الشعارات الرنانة والخطابات النارية. إلا أن هذه الشعارات مهما علت وهذه الخطابات مهما التهبت فإنها أعجز من أن تخفي هذا الواقع. وليس صدفة أن الجماهير التي تكون على أتم الاستعداد للخروج في مسيرات جبارة باتت تمقت المقطع الاخير من هذه المسيرات المتمثل بالخطابات. ويبدو أن هذه الزعامة نفسها بدأت تشعر بذلك وتقوم بالاختصار منها.
قصف الاماكن المأهولة واستهداف المدنيين والأطفال من قبل القوات الاسرائيلية ليس من باب الصدفة وليس لأنه لا يوجد هناك آخر، وهو أكيد ليس خطأ عرضيا، بل هو سياسة مدروسة ومنظمة. سياسة تعبر عن النظرية العنصرية التي تتبناها المؤسسة الصهيونية والتي تقول: أن قتل المدنيين سوف يدق الاسفين بين المقاومة والجماهير، وسوف يؤدي الى تمرد الجماهير على المقاومة. غير أن الواقع يؤكد العكس من ذلك تماما، فكلما تصاعد إستهداف المدنيين والاطفال كلما أنضم إتسعت دائرة الملتحقين بالمقاومة. هذه النظرية العنصرية التي تقول ايضا: أن العرب لا يفهمون سوى لغة العنف والقوة. وإذا لم يفهموا بالعنف القوة فسوف يفهمون بمزيد من العنف ومزيد من القوة.
هذه النظرية ليست حصرا على إسرائيل فقد إستعملتها جميع القوى الاستعمارية والكولونيالية وجميعها منيت بالفشل وتبقى الحقيقة التي تقول: اينما يوجد إضطهاد توجد هناك مقاومة، سارية المفعول.

عريضة الربع مليون توقيع لا تساوي ربع شيكل



أولا عذرا على هذا العنوان الاستفزازي. ولكن هذه هي الحقيقة العارية. الحقيقة كما هي بدون لف أو دوران، بدون تجميل أو تزويق. أدخلونا ثماني سنوات في دوامة لجنة تحقيق رسمية ( لجنة أور) واليوم يريدون إدخالنا في دوامة أخرى قد تطول أكثر من ثماني سنوات تحت شعار: "لجنة تحقيق حيادية بمشاركة دولية". كل ذلك كي يغطوا على عجزهم وتخبطهم. الضمير الفاعل في هذه الافعال المذكورة ليس مجهولا بل يعود الى لجنة المتابعة بكافة تركيباتها ومؤسساتها والجمعيات التي تدور بفلكها من مؤسسة عدالة الى مركز مساواة الى جمعية اتجاه وابن خلدون وباقي الجمعيات التي تطبل وتزمر لهذه اللجنة الجديدة وتركض لجميع التواقيع من الناس. كفى كفى كفى
هل توجد هناك في العالم كله لجنة تحقيق حيادية؟ أين تصرف هذه؟ هل يملك أحدكم الجرأة ويقول للجماهير أن لجنة أور لم تكن حيادية؟ ولم تكلف نفسها عناء الكشف عن المجرمين؟ وإذا كنتم تعرفون مسبقا أن هذه هي النتيجة فلماذا اقمتم الدنيا ولم تقعدوها لتشكيل هذه اللجنة وسلمتم لها زمام الامور؟ ما زلتم تقولون: أن تقرير لجنة أور بالرغم من كل مساوئه فأنه يحتوي على جوانب ايجابية وعملتم المستحيل لإقناع جماهيرنا بقبول هذا التقرير السقيم الزائف وطالبتم بتنفيذ توصياته.
ما هي الجوانب الايجابية في تقرير لجنة أور؟ الاعتراف بالتمييز الذي تمارسه الحكومة في حق جماهيرنا؟ هذا هو ذر الرماد في العيون والضحك على الذقون. لا يوجد رئيس وزراء واحد ولا وزير واحد ولا حتى موظف بسيط لا يعترف بذلك. وماذا بعد؟ ماذا استفدنا من إعترافهم الكاذب والمزيف هذا؟ التمييز ليس جديدا ولا يمكن الغاءه بين ليلة وضحاها، أعطونا فرصة ونحن سوف نصلح هذا الغبن، ومؤقتا أعطونا أصواتكم، وتحلوا بالصبر واركنوا الى الراحة. هكذا يقولون لنا. وهذا بالضبط ما يقولونه الآن للمفاوض الفلسطيني: نحن نريد السلام، وسوف نقدم تنازلات مؤلمة ونريد أن نرى دولة فلسطينية مستقلة، ولكن مؤقتا حاربوا الارهابيين المتطرفين وتحلوا بالصبر. هل ما زال هناك عاقل تنطلي عليه هذه الاكاذيب؟
زعامتنا تطالب الآن بلجنة تحقيق حيادية!! من هم أعضاؤها؟ أشيروا الى شخص واحد حيادي في هذه البلاد ؟ يوجد هناك شيء اسمه موقف، شيء اسمه إنحياز، ولا يوجد هناك شيء آخر لا عندنا ولا عندهم. كلنا في نهاية المطاف منحازون، وأنا أعترف اني منحاز حتى النخاع الى جانب القضية الفلسطينية. وكل من يقول لي: أنا حيادي اقول له في وجههه وبلا خجل: أنت كاذب.
ومن هم المختصون الدوليون الذين تريدون مشاركتهم؟ هل هم من أمريكا أم من الدول الاوروبية؟ وبلادهم وربما قسم كبير منهم يساهمون في اقتراف الجرائم بحق شعبنا. هل هم تابعون للأمم المتحدة؟ وكلنا يرى الموقف المخزي لهذه المنظمة التي تدعي بأنها تجسد الشرعية الدولية بكل ما يتعلق بسياسة اسرائيل وامريكا الاجرامية. نعم، لا أخجل أن أقول أن على المختصين الدوليين الذبن يريدون المشاركة في كشف حقيقة الجرائم الاسرائيلية يجب أن يكونوا منحازين بالكامل الى جانب نضالات شعبنا العادلة. وإذا عرفوا انفسهم بأنهم حياديون، فلا، شكرا ليبقوا في بلدانهم.
الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والحزب الشيوعي الاسرائيلي تلقفا قرار لجنة المتابعة هذا بحماس منقطع النظير وكأنه هدية وقع من السماء، ولم ينسوا أن يضيفوا عليه جملتهم الخالدة: أهمية مشاركة القوى التقدمية اليهودية.... هل يوجد وراء الأكمة ما وراءها؟ تحركت الجبهات المحلية والقطرية لجمع ربع مليون توقيع، فكثرت الاجتماعات وزادت التصريحات والخطابات، فهذا يقول أن العريضة هي نضال شعبي وكفاحي وذاك يدعوا الرفاق الى التجند والتحرك لإنجاح هذا العمل الكفاحي، وذهبوا الى توفيق طوبي لكي يكون أول الموقعين وأكد على اهمية النضال من أجل الكشف عن المتورطين بالقتل وعن الذين أعطوا الاوامر. صح النوم يا رفيق؟ الا تعرف بعد من هم المتورطين بالقتل؟ اسأل عبد المنعم ابو صالح، والد أحد الشهداء، الذي هشم فك أحد هؤلاء المتورطين في عقر المحكمة العليا. وألا تعرف من الذي أعطى الاوامر؟ هل اذكرك؟ رئيس الحكومة ايهود براك الذي تعلم كيف يقتل اكثر وبطريقة افضل وحكومته ومنهم وزراء تعتبرون بعضهم على الاقل من القوى الديموقراطية اليهودية مثل يوسي بيلين، شلومو بن عامي، يوسي سريد، شمعون بيرس وآخرين.
من أجل الكشف عن المتورطين بالقتل وعن الذين أصدروا الاوامر لا يوجد هناك حاجة لإقامة لجنة تحقيق جديدة حيادية كانت أم غير حيادية بمشاركة مختصين دوليين أو محليين أو حتى بمشاركة غير مختصين. كل شيء مكشوف، يوجود هناك مئات من الشهادات المكتوبة على آلاف الصفحات. يوجد هناك مواد كافية لتقديم جميع المتورطين الى المحاكم. يجب الا نطالب بالتحقيق بل نحن نتهم ويجب أن نطرق أبواب جميع المحاكم في العالم لتقديم هؤلاء المجرمين للعدالة ولنتركهم يدافعون عن انفسهم إن استطاعوا ذلك. اليوم يوجد أكثر من 15 ضابط أسرائيلي جميعهم متهمين بإقتراف جرائم حرب لا يجرؤون على مغادرة البلاد خوفا من أن يعتقلوا ويحاكموا. يجب أن يطارد هؤلاء في بلجيكا ولا هاي ولندن وفي كل مكان. وهذا العمل لا يكلف مجهودا كما يكلفه جمع ربع مليون توقيع تذهب هباء منثورا، وتحاول أن تقنعنا بنزاهة التحقيق الاسرائيلي وعدالة قضائه.

Wednesday, February 20, 2008

كل الخزي وكل العار لعملاء الاستعمار



هذا الشعار الذي كان يجلجل في مظاهراتنا الوطنية، في يوم الارض وذكرى شهداء إنتفاضة الاقصى وذكرى النكبة وغيرها في السنوات الماضية أخذ يتلاشى رويدا رويدا حتى زال نهائيا ولم نعد نسمع له اي صدى. لماذا؟ هل ظاهرة عملاء الاستعمار قد ولت من غير رجعة؟ أم انها لم تعد ذلك الامر المخزي والمعيب؟ بل على العكس من ذلك، أصبحت ظاهرة طبيعية ومشروعة؟ هل أصبحت الخيانة، كما حذر أحد المناضلين، وجهة نظر؟.
بعد إغتيال الحاج رضوان، عماد مغنية في دمشق، وتناقلت الاخبار نبأ إعتقال بعض العملاء المتورطين بإرتكاب هذه الجريمة، ومع استمرار إغتيال قيادة المقاومة في غزة يجب أن يعود هذا الشعار ليتصدر كافة مناسباتنا الوطنية. ويجب أن يطبق على ارض الواقع أيضا.
الخزي والعار للعملاء يعني نبذهم ومقاطعتهم على جميع الاصعدة، يعني مكافحتهم كما نكافح الحشرات السامة. لأن ضرر العملاء يفوق ضرر هذه الحشرات بما لا يقاس. فهم بالاضافة الى مساهمتهم في تصفية رموز المقاومة نراهم يلوثون كل بقعة نظيفة في بلادنا ومجتمعنا، يدنسون قدسية القضية الوطنية ويطعنون بخناجر الغدر كرامة وشرف الامة بإسرها.
صحيح، هذه الآفة، آفة العملاء موجودة في كل المجتمعات وكل البلاد وقد عانت منها كافة الشعوب المضطهدة التي قدمت الغالي والرخيص على مذبح حريتها واستقلالها. ولكن عندنا في فلسطين أصبحت مرضا خطيرا مزمنا ينخر في نخاع عظامنا، واصبح السكوت والتغاضي عنها جريمة لا تغتفر. على الجميع، كل من موقعة وبقدر امكانياته وحسب مسؤولياته أن يعمل على إقتلاع هذه الظاهرة من جذورها. لقد أصبح واضحا أن العدو الاسرائيلي بكل ما يملكه من قوة عسكرية ومن وسائل تخنولوجية متطورة أعجز من أن يصل الى رموز المقاومة وإغتيالهم لولا الدور القذرالذي يقوم به العملاء. مع كل ذلك ما زلنا نرفض أن نستخلص العبر. ماذا تعلمنا من إستشهاد يحيى عياش واحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وصالح شحادة وياسر عرفات وغيرهم؟ الجواب للأسف وبكل بساطة لا شيء على الاطلاق. ما زال العملاء يسرحون ويمرحون وما من محاسب وما من رقيب. الاجهزة الامنية مخترقة، بل أكثر من ذلك، في ظل الانفلات الامني والانحراف الوطني، أصبحت تشكل دفيئة لنمو هذا النوع من الحشرات. تنظيمات المقاومة هي ايضا مخترقة ولا تقوم بما يكفي لتحصين مناعتها وتنظيف ساحتها من هذه الحشرات الضارة.
من المعروف أن الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تبذل جهودا جبارة وتصرف مبالغ هائلة من الاموال وتبتكر وسائل حهنمية من أجل تجنيد أكبر عدد ممكن من العملاء. كلنا ما زال يذكر تلك الاعداد الهائلة من العملاء التي إجتاحت المنطقة بعد نهاية الانتفاضة الاولى. والتي صدمتنا بأعدادها وانحطاطها. قسم من هؤلاء عاد الى الضفة الغربية وغزة وما زال يمارس خيانته بحرية وبحماية رسمية في بعض الاحيان. وقسم آخر ما زال يسكن بيننا على الرحب والسعة ويتمتع بكل تقدير وإحترام.
المؤسسات الامنية الاسرائيلية تعرف انها لا تستطيع تجنيد سوى ضعاف النفوس والمخدوعين وذوي المصالح الشخصية، ولكنهم ما داموا يقومون بمهمتهم فهم من وجهة نظرها يعتبرون العرب الصالحون. ولكن من منا لا يعرف انهم هم الذين ينشرون الرذيلة أين حلوا وينشرون الفساد والمخدرات والجريمة. فمن يبيع وطنه يهون عليه بيع نفسه وكرامته.
صحيح أن أجهزة الامن تتحكم بالقوة والقدرة على الابتزاز والتفنن في إختراع اساليب التجنيد من الضغط والابتزاز في حالات اصدار تصاريح للعمل او السفر او العلاج او التعليم الى التهديد بنشر الفضائح المشينة. ولكن كل ذلك لا يبرر العمالة والخيانة. الفقر والظلم والاضطهاد يجب أن يكون حافزا للمقاومة وليس للخيانة.
ضرر العملاء لا يتوقف عند جمع المعلومات والوشاية ولا عند تقديم المساعدة لقوى الامن لإغتيال احد المقاومين، بل يتعدى ذلك الى زعزعة ايمان الفلسطيني بعدالة قضيته، الى ضرب معنويات الجماهير وتيئيسها وزجها في صراعات داخلية مدمرة.
مما لا شك فيه، يجب الحذر من الشائعات، هذا اسلوب آخر مكمل تستعمله السلطات لحرف النضال الوطني عن مساره الصحيح. يجب أن تكون هناك هيئة رسمية ذات مصداقية عالية تحدد العملاء وتتحمل مسؤولية مكافحة هذه الظاهرة. اليوم يوجد غياب تام لمثل هذه الهيئة. تبقى أنجع وسيلة لمقاومة هذا المرض نشر الوعي الوطني، محاربة الجهل والخوف وتقوية المناعة الوطنية لإحباط هذه السياسة التدميرية للقوى الاستخباراتية.
اليوم وفي ظل الدعوة للخدمة المدنية يتعرض شبابنا وشاباتنا للإغراء والخداع والابتزاز حتى يقعوا في نهاية المطاف فريسة صائغة في فخ الاستخباراتية. فحذار أن تكون الخدمة المدنية الخطوة الاولى للخدمة الاستخباراتية.

القاتل يعترف بإرتكاب الجريمة ولا يزال طليقا



في عصر العولمة المنفلتة من عقالها، عصر العربدة الامريكية – الاسرائيلية، يتم الدوس على جميع القيم والاعراف الانسانية بوقاحة منقطعة النظير. صرح ايهود براك وزير الحرب الاسرائيلي أمام حكومته وأمام وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية، من غير لف أو دوران: " لقد قتلنا خلال أربع أشهر 200 مخربا، 16 في اليومين الاخيرين والعمليات مستمرة".
هكذا إذن، العائلة التي تصحو من النوم على وقع الصواريخ الاسرائيلية على رؤوسها بما فيهم الشيخ والمرأة والطفل هم في نظر براك مخربون. البنت التي تعود من مدرستها حاملة حقيبتها على ظهرها وتسقط برصاص جنود الجيش الاقوى في المنطقة هي ايضا مخربة. كل فلسطيني هو مخرب بالقوة إذا لم يكن بالفعل. هكذا يقول المنطق الاسرائيلي. ألا توجد هناك محكمة اسرائيلية أو عربية أو دولية تقول لبراك: اثبت لنا أن ال200 شخص الذين اصدرت أوامرك بقتلهم هم مخربون!! ألا يوجد هناك في العالم أجمع من يمتلك الشجاعة الانسانية ويصرخ في وجه براك: حتى ولو وافقنا معك جدلا أن جميع هؤلاء مخربون، فمن أعطاك الحق أن تكون انت الذي توجه التهم وأنت القاضي ومنفذ الحكم في الوقت نفسه؟
لقد آن الاوان على كل من يطلق على نفسه شرعية دولية، من أمم متحدة ومنظمات حقوق إنسان ومحاكم دولية أن تخجل من نفسها وهي تبحث بالسراج والفتيلة عن مجرمي حرب يختبئون في صربيا ورواندا وغيرها من دول العالم بينما يصرح أحدهم بأعلى صوته وفي وضح النهار انه قتل خلال 4 أشهر 200 وأنه سوف يقتل المزيد.
عادت جوقة الغربان الاسرائلية التي تنعق بالخراب للإجتماع من جديد وبدأت تعزف سيمفونيتها الدموية التي عزفتها في حزيران عام 2006 أثناء العدوان على لبنان: يجب أن نقتل أكثر، يجب أن ندمر أكثر، يجب أن نمحو قرى كاملة من الوجود. إذا لم يفهم العرب أن عليه الاستسلام بالقوة فيجب إستعمال المزيد من القوة.
هذا وزير الخارجية شطريت يدعو الى إزالة حارات كاملة في غزة. وها هو شاؤول موفاز الذي لم يكفيه ما قتله ودمره عندما كان في مكان براك يدعو الى قتل محمود الزهار لكي يلحق بولديه اللذين ثكلهما مؤخرا والى قتل جميع القادة السياسيين من غير تمييز. وهذا نائب رئيس الحكومة حايم رامون يدعو الى قطع الكهرباء نهائيا عن غزة. وها هو غابي اشكنازي رئيس اركان الجيش يجتمع مع ضباطه لوضع اللمسات الاخيرة لتنفيذ الجريمة. كل صباح وكل مساء هناك مسؤول آخر يطلع بتصريح جديد غير مسبوق، وكأنهم في سباق.
مرة أخرى تصطف وسائل الاعلام الاسرائيلية المقروءة والمسموعة والمرئية وراء الحكومة محرضة على ارتكاب الجريمة. فهذا الصحفي في جريدة هآرتس رون بن يشاي يحدد اهداف الجريمة وطريقة تنفيذها: إجتياح شامل لقطاع غزة، القضاء على حماس وإقصاؤها عن السلطة، جعل غزة منطقة منزوعة السلاح وأحتلال المعابر لسنوات طويلة قادمة.
هذا ما تعلموه من الحرب الاخيرة في لبنان. هذه هي العبر التي إستخلصتها لجنة فينوغراد ويريدون تطبيقها في غزة. ما فشلوا في تحقيقه في لبنان يريدون أن يحققوه في غزة. هذا هو مقياس دراسة العبر من الحرب. المزيد من الدمار والتدمير، المزيد من القتل وسفك الدماء، المزيد من استعمال القوة والاسلحة الفتاكة.
من يظن اننا سوف نكون بمنأى عن الحرب القادمة ونتائجها الوخيمة فهو مخطئ. كجزء مكمل لإجتياح غزة يوجود هناك خطة جاهزة للتعامل مع فلسطينيي الداخل اذا قاموا "بإعمال شغب"، ومنها وضع الشرطة وحرس الحدود على اهبة الاستعداد وتزويدها بكل ما تحتاجه من وسائل القمع. المسؤول عن مقتل 13 شابا عام 2000 سيكون مسؤولا عن مقتل المزيد. هل ظننتم أن لجان التحقيق الرسمية وغير الرسمية ضمان لسلامتكم؟؟
المصيبة الكبرى هي أن إسرائيل لا تقترف هذه الجرائم منفردة، ولا أعني مشاركة الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي المباشرة وغير المباشرة فحسب، بل هناك المشاركة العربية والفلسطينية أيضا. من المستحيل أن تنجح إسرائيل في إقتراف هذا الكم الهائل من الجرائم لولا التغطية العربية من المحيط الى الخليج. ولولا تقاعس جماهيرنا العربية.
هل سنكون على مستوى الحدث أم سنبقى على هامش التاريخ الى أجل طويل؟ هذا ما سوف تزوده بنا الايام.

Thursday, February 07, 2008

الاضراب العام والمسيرات الشعبية يجب أن تكون جزأ من النضال الوطني الفلسطيني



منذ زمن طويل لم تشهد ساحتنا المحلية مظاهرة زخمة كما شهدتها سخنين يوم الجمعة الماضي إحتجاجا على قرار المستشار القضائي للحكومة ميني مزوز إغلاق ملفات رجال الشرطة الذين إغتالوا 13 فلسطينيا في أكتوبر 2000. للوهلة الاولى تبدو مشاركة هذا الكم الهائل من المتظاهرين أمرا مدهشا وغير متوقع ويدعو الى التساؤل. ماذا جرى؟ لماذا كانت مظاهرة الذكرى الثامنة في أكثوبر الاخير هزيلة؟ (النصف أو أقل) وحتى لا يمكن مقارنتها بمظاهرة يوم الارض الاخيرة أو المظاهرات القطرية التي نظمت مؤخرا تضامنا مع قطاع غزة من أجل فك الحصار عنها. هل طرأ تطور ما لا نعرفه على لجنة المتابعة او على الاحزاب السياسية المكونة لها؟ لماذا في المظاهرات السابقة كانت الاحزاب تكتفي بمشاركة بعض قياديها وبعض نشطائها بينما جندت لهذه المظاهرة قدر ما استطاعت؟.
أذكر انه في مظاهرة قطرية على حاجز ايريز قبل فترة وجيزة شارك أحد الاحزاب الرئيسية الفاعلة على الساحة بعنصر قيادي واحد لا غير وذلك لأسباب يعرفها الكثيرون.
لطالما انتقدت لجنة المتابعة والاحزاب الفاعلة تحت كنفها بالتخاذل وبإفتعال الصراعات الوهمية: من بادر للنشاط؟ ولماذا لم تتم دعوتنا؟ وما هي الشعارات التي ينبغي على الجميع التزام الهتاف بها ووالاعلام التي يجب رفعها او عدمه؟ ومن يشارك ومن لا؟ ومن يلقي كلمة ومن لا؟ أما اليوم فقد كان الاجماع سيد الموقف. وعندما تحركت المسيرة قرصني أحد الاصدقاء الذي كان واقفا الى جانبي قائلا بخبث: ألآن لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة، منذ سنوات لم نر مثل هذه المسيرة.
حقا، كانت مسيرة جبارة، ولكن....وراء الاكمة ما وراؤها.
جاءت هذه المظاهرة في نهاية المطاف ردا على قرار موظف حكومي من الصف الثاني من بين صناع القرار في السياسة الاسرائيلية. ومن غير الاستخفاف بالدور الذي انيط به وبدوافعه وغاياته، إلا انه يبقى قرار لموظف ينفذ سياسة حكومية معروفة. في السنتين الاخيرتين إقترفت حكومة إسرائيل جرائم ابشع بما لا يقاس (الحرب الهمجية على لبنان، القنل اليومي في غزة، الحصار الغاشم على غزة) في جميع هذه الحالات التي كانت تتطلب ردا سريعا وحاسما كانت حركة لجنة المتابعة واحزابها كحركة المصاب بإعاقة جسدية يترنح ذات اليمين وذات الشمال. بينما بدت في هذه المرة في عنفوان شبابها وقوتها. لماذا؟؟ حسب رأيي السبب بسيط وواضح: إدانة قرار مزوز لا يتطلب موقفا سياسيا حاسما، ويمكن تناوله من باب موقف إنساني بحت يتلخص بالدفاع عن حقوق الانسان. لا يجرؤ أحد أن يعارضه. هكذا، وأخيرا وقعت فرصة من السماء لإتخاذ موقف موحد من غير أن يتهمنا أحد بالتطرف.
الجماهير لبت النداء ليس بفضل هذه القيادة بل على الرغم منها. وخير دليل على ذلك انها لم تهتم بسماع الخطابات الجوفاء المجترة في نهاية المسيرة، هذا بالرغم من أن صوت الخطيب الرئيسي إزداد صخبا عن السابق.
الجماهير تغلي منذ فترة طويلة وهي تشاهد الجرائم اليومية التي تقترفها اسرائيل، وقد طال انتظارها. إلا أن هذه القيادة كانت اشد جبنا من أن تحشد الجماهير لمظاهرة سياسية مكشوفة، ضد الحصار والاغتيالات في غزة مثلا ( وبالمناسبة يقترفها ايهود براك المسؤول عن قتل ال13 شهيدا). جاءت هذه المناسبة لكي تفتح صمام الامان وتدع الجماهير تنفس عن غيظها.
بهذه المناسبة أود التذكير ببعض الملاحظات:
1) بعد أكثر من 7 سنوات قادتنا مؤسسة عدالة وغيرها في رحلة عقيمة وراء سراب العدالة الاسرائيلية، ابتداء بطلب إقامة لجنة تحقيق رسمية، مرورا برؤية جوانب ايجابية في تقرير لجنة أور يجب الاستفادة منها حتى قرار مزوز الاخير، يخرج الينا حسن جبارين بقوله :" لا يوجد لدينا اية ثقة في جهاز القضاء الاسرائيلي بكل ما يخص جريمة أكتوبر". صح النوم. وهل ما زالت لديكم ثقة بهذا الجهاز فيما يخص جرائم أخرى؟؟
2) في مقال مطول نشره أيمن عودة في موقع الجبهة تحت عناون: "المطلوب: لجنة تحقيق حيادية بمشاركة مختصين دوليين". وهل هناك ثمة حاجة الى تحقيق حيادي أو غير حيادي يا رفيق؟ هذا هو القاتل وهذه هي جثة القتيل. كلنا يعرف من هو المجرم وما هي حيثيات وتفاصيل الجريمة. لنتعلم شيئا من اللبنانيين، مع انهم لا يعرفون من الذي قتل رفيق الحريري وبمجرد انهم يشكون في جهة معينة يطالبون بمحكمة دولية. فلماذا لا نقول: " المطلوب: محكمة دولية تحاكم القتلة"؟
3) همسة في اذن لجنة أهالي الشهداء: الشهداء ال 13 هم جزؤ لا يتجزأ من شهداء إنتفاضة الاقصى الذين وصل عددهم الى أكثر من 5000 شهيد. سقطوا من أجل الغاية نفسها وبرصاص العدو نفسه. ما الذي يميز شهدائنا عن شهداء شعبنا في الضة الغربية وغزة؟ هل هي بطاقة الهوية الزرقاء؟ هل هي المواطنة المزيفة التي يمنون بها علينا؟ كنت اتمنى أن تكون هناك لجنة لذوي كل شهداء فلسطين تعمل على محاكمة القتلة في كل ارجاء فلسطين. اذا كان قتل 13 شهيدا يحتم إقامة لجنة تحقيق فكم لجنة تحقيق يستحق قتل الشهيد محمد الدرة وايمان حجو وصالح شحادة واحمد ياسين وابو علي مصطفى وآلاف الشهداء الاخرين؟
جماهيرنا الفلسطينية ناضجة ومستعدة لخوض الاضراب الشامل والمسيرات الشعبية للتصدي للجرائم التي تقترفها الحكومة الاسرائيلية ضد شعبنا، السؤال هل تجرؤ الزعامة الراهنة على قيادة هذا النضال في إطاره الوطني العام؟

وداعا يا حكيم وداعا يا آخر عمالقة النضال الوطني الفلسطيني



فقد الشعب الفلسطيني والامة العربية وأحرار العالم مناضلا عنيدا إكتسب وبحق لقب حكيم الثورة وضميرها. بل كان اكثر من ذلك، فقد كان البوصلة التي ترسم الطريق امام الجماهير التائهة في فيافي اللجوء والتشرد. وكان الشعلة التي تبدد الظلام الحالك الذي خيم على الشعب الفلسطيني والامة العربية والتي بعثت فينا الدفئ والامل. وكان السنديانة التي اقتلعت من ارضها ولكنها رفضت أن تستسلم لمصيرها.
كان رحيل جورج حبش خسارة لا تعوض للشعب الفلسطيني، فقد كان المقاوم الذي ابى الاستسلام ورأى بالمساومة والتفاوض مع المغتصب الغاشم عارا وظل أمل العودة هاجسه حتى اللحظة الاخيرة. وكان هذا الرحيل خسارة فادحة للامة العربية. فهو لم يعترف قطعا بالحدود الاصطناعية المزيفة التي رسمها الاستعمار القديم والحديث من أجل تقطيع اوصال العالم العربي. وكان هذا الرحيل خسارة فادحة للمناضلين من أجل الحرية والاستقلال في جميع الاجاء العالم. فقد كان يرى وحدة نضال شعوب العالم المضطهدة من فيتنام الى كوبا الى الجزائر واليمن وباقي اصقاع الارض.
لقد حسم الامور بكل بساطة ولكن بكل دقة: العدو هو الامبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية.
هذه المقالة ليست نعيا للحكيم، وليست دراسة في فكره أو تقيما لتجربته النضالية، انها لا تعدو من كونها اكثر من محاولة للتوقف عند بعض المحطات الفارقة في مسيرته التي انقطعت قبل أن تصل الى هدفها من أجل التأمل لا غير، وربما من أجل إثارة بعض الخجل عند بعض الذين شاركوا بالتشييع والتأبين وذرفوا دموع التماسيح على وفاته وكالوا على نعشه المدائح المزيفة. القضية ليست شخصية بل هي مبدئية من الدرجة الاولى. هل يحق للذي ساوم وفاوض وفرط بالثوابت أن يسير بلا خجل في جنازة من رفض المساومة وقدم حياته ثمنا لمقاومة نهج التسوية؟ هل يحق للذي يعتبر أن 90% من أوراق حل القضية الفلسطينية في يد الامبريالية الامريكية أن يشيع من كان يعتبر هذه الامبريالية العدو الاول للشعوب؟ وهل يحق للذي يتمرمغ في غبار المؤسسة الاسرائيلية أن يقف امام ضريح من شردته هذه المؤسسة ؟
لم أكن في يوم من الايام عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بل كنت أشد من انتقد بعض منطلقاتها الفكرية وبعض ممارستها النضالية. ولعل اشد نقدي على الجبهة الشعبية الذي كان يصل احيانا الى حد الغضب هو قبول مثل هذه الشخصيات في الصف الوطني تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية.
لقد انطلقت حناجر المشيعين الشباب بهتافات شقت الفضاء تردد: الحكيم وصانا وصية، صونوا الوحدة الوطنية. نعم ايها الرفاق الاعزاء يجب أن نصون الوحدة الوطنية كما نصون بؤبؤ عيوننا، ولكن هل اصبح الارتماء في أحضان أمريكا وإسرائيل وطنية؟ لقد قدم اليمين الفلسطيني التنازلات للصهيونية والامبريالية الى حد التفريط بأبسط الحقوق بينما قدم اليسار الفلسطيني وللأسف التنازلات لهذا اليمين بالوحدة معه. في الماضي، وكما حددها الحكيم كانت هذه الوحدة نسبية ومشروطة وكانت مسيجة بموقف صلب وثابت حفاظا على الحقوق الوطنية المشروعة وعلى رأسها حق العودة. اما اليوم فقد انجرفت السدود وعم الطوفان وأصبح من الضروي إعادة النظر بشعار "الوحدة الوطنية" أو على الاقل إعادة تعريفه. المعادلة السابقة بين الحفاظ على الوحدة الوطنية من جهة والتمسك بالثوابت من جهة أخرى قد إختلت موازينها ولم تعد فعالة. لا وحدة مع من إختار طريق ضرب المقاومة والمحافظة على أمن المغتصبين.
في رأيي المتواضع أن أحد الاخطاء التي وقعت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ تأسيسها هو عدم طرح نفسها بديلا لقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني الممثلة باليمين الفلسطيني وقبولها بهذه القيادة حتى إنجاز التحرر الوطني. غير ان تاريخ الصراع قد اثبت عجز هذه القيادة التي كانت تسمى بالبرجوازية الوطنية عن إنجاز مثل هذا التحرر. ما حدث بالفعل كان على العكس من ذلك تماما، فقد كانت هذه القيادة تبحث دائما عن مساومة، تسوية تؤمن لها بعض الامتيازات. فقط الطبقات المسحوقة بقيادة ثورية هي الوحيدة القادرة ليس على التحرير الوطني فحسب بل وعلى التحرير الاجتماعي أيضا.
لقد اثبتت نظرية تقسيم الثورة الى مرحلتين: مرحلة التحرر الوطني ومن ثم فقط مرحلة الثورة الاشتراكية فشلها. الثورة الاشتراكية بقيادة العمال والفلاحين وباقي الفئات المسحوقة هي وحدها القادرة على تحرير الارض المغتصبة.
إذا اردنا أن نكون حريصين على تراث جورج حبش النضالي والثوري يجب علينا أن نحذر من الوقوع في مستنقع الجمود العقائدي، يجب أن نعمل جاهدين من أجل تجديد الانطلاقة الثورية على صعيد الفكر والممارسة. وكما قال لينين عن الحزب البلشفي أنه اشتد عوده وتتطور من خلال تطهير العناصر الانتهازية والمتساقطة في صفوف الحزب نفسه علينا نحن ايضا أن ننبذ تلك العناصر التي آثرت الارتماء في أحضان الامبريالية والصهيونية ومواصلة المسيرة.
لن ندع غربان التسوية ينعقون في القلعة التي شيدها الحكيم ويحولوها الى خراب. لنجعل صموده في وجه تيار التسوية الجارف وتشبثه بالحقوق الطبيعية والمشروعة للشعب الفلسطيني الصخرة التي تتحطم عليها كافة الحلول التصفووية.

Wednesday, January 30, 2008

إقتحام المعابر والحواجز هو الطريق الوحيد لدحر الحصار



الحصار الاخير المفروض على غزة ليس الحصار الاول، في الحقيقة الحصار على غزة بدأ منذ اليوم الاول للاحتلال الاسرائيلي عام 1967. وخلال هذه المدة رافق الحصار أعمال القتل والتنكيل والنهب، ولا ننسى المستوطنات الاسرائيلية التي لملمت ذيولها وخرجت مندحرة.
خلال هذه الفترة لم يترك الشعب الفلسطيني عنوانا الا وطرقه من أجل رفع هذا الحصار الجائر. غير أن جميع الجهات الدولية والعربية والمحلية قد خذلت الجماهير الفلسطينية المحاصرة. فالامم المتحدة ممثلة بمجلس الامن والجمعية العمومية لم تحرك ساكنا. وإذا صدف وكان في نيتها أن تتحرك قامت الولايات المتحدة بفرض الفيتو وإجهاض اي قرار يمكن أن يدين الحصار. الولايات المتحدة الامريكية ليس فقط انها لم تحتج يوما على فرض الحصار بل ايدته ودعمته مباشرة من خلال منع المساعدات الانسانية من الوصول للقطاع، وبطريقة غير مباشرة من خلال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري اللامحدود الذي منحته للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة.
الاتحاد الاوروبي هو الآخر، مجتمعا وكل دولة على انفراد، ساهم في هذا الحصار بحجة محاربة الارهاب بينما كان هدفه الحقيقي قمع المقاومة الفلسطينية وارغامها على قبول الحل الاسرائيلي – الامريكي والنتيجة كانت دعم لا محدود للإرهاب الاسرائيلي.
الدول العربية، الرجعية منها "والتقدمية" الجمهورية والملكية، الاستبدادية والديموقراطية، كلها ساهمت بهذا الشكل او بذاك، بهذه الدرجة او بتلك في فرض الحصار تمشيا مع السياسة الاسرائيلية الامريكية.
السلطة اللاوطنية الفلسطينية هي الاخرى شاركت، ومؤخرا بشكل فعال في فرض الحصار كعقاب للجماهير الفلسطينية التي تجرأت وسحبت بساط الحكم المهترئ من تحت أقدامها في الانتخابات الاخيرة وهرولت وراء اوهام الحلول الاسرائيلية – الامريكية.
إذن، لقد كان الحصار شاملا وطويلا لم يشهد التاريخ الحديث شبيها له. هذا الحصار جعل من قطاع غزة أكبر سجن عرفه التاريخ يقطنه مليون ونصف مليون اسير. ولكن هذا السجن لم يكن كباقي السجون. فالاسرى في السجون العادية يتمتعون بحقوق ضمنتها القوانين والاعراف الدولية مثل ضمان الطعام والخدمات الصحية والحفاظ على الحياة. أما سجن قطاع غزة فهوعلى العكس من ذلك، حيث تعرض بشكل مستمر الى الاعتداءات العسكرية المتكررة من هدم البيوت على رؤوس سكانها واغتيال العديد من أبنائها ومنع الادوية عن الجرحى والمرضى هذا بالاضافة الى منع المواد الغذائية والوقود والادوية.
حدث كل ذلك والعالم يتفرج وهو صامت. حتى الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة وفي باقي اماكن تواجدها كان ردها فاترا. كان يظن الجميع أن المجتمع الدولي والعربي لن يسكت طويلا على هذا الحصار، وراهن الاغلبية على قدرته في فك هذا الحصار. ولكن طال الانتظار حتى بلغ السيل الزبى. ولم يعد بالامكان السكوت أكثر، فالموت أصبح أهون من الوضع القائم. هنا تحركت نساء غزة في مظاهرة عارمة وأقتحمت معبر رفح مطالبة على الاقل بنقل المرضى والجرحى الذين يموتون موتا بطيئا في مستشفيات عزة التي تفتقد للدواء وللأجهزة الطبية وللكهرباء لتلقي العلاج في مصر. وقد حاولت قوى الامن المصرية قمع هذه المظاهرة الشعبية العفوية بشتى الوسائل ولكنها لم تستطع. وفي اليوم التالي تم تفجير الجدار وتدفق مئات الآلاف من الاسرى في أكبر عملية تمرد عرفة التاريخ.
ما حدث في معبر رفح يجب أن يحدث في معبر أيريز وباقي المعابر. يجب أن يحدث على كافة الحواجز التي تقطع أوصال الضفة الغربية، يجب أن يحدث لجدار الفصل العنصري.
المظاهرات السقيمة والعقيمة التي تنظمها الاحزاب والحركات السياسية على المفارق كإسقاط واجب لا تسمن ولا تغني من جوع. الشرطة الاسرائيلية وقوى الامن الاخرى سوف تكون عاجزة عن قمع مظاهرة جماهيرية جبارة مكونة من عشرات الآلاف من المتظاهرين العزل والمسالمين. مصيبة جماهيرنا تكمن في قيادتها الجبانة ذات المصالح الضيقة والافق السياسي المشوه. على الجماهير أن تتحرر من مثل هذه القيادة.
هل من الممكن أن يتكرر ما حدث في معبر رفح يوم السبت القادم في معبر أيريز؟ الجواب، نظريا: نعم يمكن أن يتكرر ويحقق النجاح نفسه. في هذا اليوم سوف تنطلق المظاهرات الشعبية المنددة بالحصار في جميع ارجاء العالم، عيون العالم سوف تتجه الى قطاع غزة. وسوف تعجز قوات الامن الاسرائيلية من حماية بوابة من الحديد البارد. هل سيحدث هذا عمليا؟ أم أن موقف القيادة سيحسم الامور لصالح سياسة أولمرت – براك الاجرامية؟

Monday, January 07, 2008

Iceland: cold land warm people

I was invited to visit Iceland for 5 days by the association Iceland - Palestine to talk about Palestine specially about the forgotten part of the Palestinian people, those who live under the Israeli occupation since 1948 and called by some Israeli Arabs and by others Palestinians citizens of the state of Israel. but who I personally call them Palestinians of occupied Palestine 1948. this is the naked truth, to remind those who forgot or those who pretend to forget, that the Zionist occupation began in 1948 and continued in 1967. this stand of me is rejected by many of my own people who accepted the state of Israel and try now to find a way to normalize his relation with his "state". and to tell you the truth, I was so surprised to find in this cold country so warm people who listened to what I say. some of them told me with innocence and open heart: if invaders occupy our land, deport most of our people and establish a racist state we'll never recognize such a state and we'll do all what we can to liberate our land.
I was so happy to hear such reactions, but in the same time I was so sad, when I remembered our miserable situation at home when many Palestinians lost there faith of their just cause and gave legitimacy to this racist state called Israel.
my surprise didn't stop on this point. the opposite it increased when after the lecture I talked with many people and noticed that almost all of them know much about what's going in the region. they have high awareness to all developments. they see and hear every day the crimes which Israel commit in Gaza and Nablus. many of them think to come and do volunteer work in Palestine. some of them did that. some of them visited Gaza and Elkhalil and when they returned home told their stories.
in the other side I was a little ashamed. I know almost nothing about this country and its people, and I assume that most people like me, and maybe know less than me. we want all the world to support us and have solidarity with our struggle but we are so ignorant and indifferent to the world.
and in spite the big distance and the difference in the weather between Iceland and Palestine I felt much similarity. also the Icelandic people had to struggle for its independence and freedom. the last struggle was against the American military presence on their land. while American military bases grow as mushrooms in the Arab world.
the Icelandic people is warm, generous and have very deep tradition of hospitality, yes, yes, like the Arabs and maybe more.
I'll write more about my trip and experience in Iceland when I have more time

Saturday, December 15, 2007

رفض الخدمة المدنية: شعار أم مشروع نضالي؟



منذ فترة طفا على السطح موضوع قديم جديد هوالخدمة الوطنية. وقد قيل تقريبا كل ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع من كلا الطرفين. أو على الاصح أعيد تكرار وإجترار ما قيل في هذا الموضوع على الاقل منذ عقد من الزمن. واقصد بالطرفين هنا، الطرف الاول: دولة إسرائيل ممثلة بالحكومة والكنيست وكافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من جهة، والطرف الثاني: الوسط العربي أيضا ممثلا بكافة مؤسساته من لجنة المتابعة العليا والاحزاب السياسية والجمعيات المدنية وحتى جماهير الشباب المعنيين مباشرة بهذه الخدمة.
وأنا هنا لست بصدد تكرار ما قيل هنا وما رد عليه هناك. ولماذا يسعى الطرف الاول الى فرض الخدمة المدنية بينما يعارض الطرف الآخر تلك الخدمة ويرفضها.
بإختصار شديد، تقول السلطة: أيها العرب تطالبون بالمساواة في الحقوق عليكم أولا أن تكونوا متساوين بالواجبات أيضا، فبينما يخدم الشاب اليهودي بالجيش فعلى الاقل يجب على الشاب العربي أن يقوم بالخدمة المدنية، وعندها فقط تنعمون بالمساواة المنشودة. فيرد الجانب الآخر: أن الحقوق غير مرتبطة بالواجبات بل هي نابعة مباشرة من المواطنة، والخدمة المدنية لا تختلف جوهريا عن الخدمة العسكرية.
تريد السلطة من خلال فرض الخدمية المدنية أن تضرب عصفورين بحجر واحد. فمن جهة هي لا تثق بالشباب العرب لكي تدمجهم بالخدمة العسكرية مباشرة، وهي أصلا لا تثق بتلك الفئات التي فرضت عليها الخدمة الاجبارية ولا بهؤلاء الذين تجندوا تطوعا وتزج بهم في وحدات منعزلة وتقصيهم عن مواقع القرار حتى ولو تبوؤا رتبا عالية، ولكنها من جهة أخرى تريد امتصاص نقمة الشباب العرب الناجمة عن التميز والقمع والتهميش والبطالة وتحاول أن تستعملهم في الخدمات المدنية لكي يتفرغ الشباب ، خصوصا في حالات الطوارئ، للمهمات القتالية. وبذلك توفر أعداد أكبر من القوى البشرية للجيش وفي الوقت نفسه تخفف من التكاليف.
من جهة أخرى تقوم القيادات العربية بدور مزدوج، فهي تتمسك بالمواطنة الاسرائيلية من جهة وترى بها ضمانا للحصول على الحقوق المتساوية بغض النظر عن الخدمة العسكرية "الواجبات" ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتغاضى عن الموقف الشعبي الرافض للخدمة بكافة اشكالها ومسمياتها. فنراها تتخبط بين هذين الموقفين وتتكلم بلغتين. وفي الحقيقة لا ادري كيف تستطيع هذه الزعامات أن تمسك الحبل من الطرفين: تتشبث بالمواطنة الاسرائلية المنقوصة من جهة وتدعي أن الخدمة المدنية ترمي الى تشويه وضرب هويتنا القومية وأنتزاع هويتنا الفلسطينية وإنتمائنا للشعب الفلسطيني.
لقد لمست هذا التناقض الصارخ عندما شاهدت الفلم الوثائقي القصير الذي أعدته "جمعية الشباب العرب – بلدنا" "والائتلاف الشبابي ضد الخدمة المدنية" بعنوان "قيادات عربية ضد الخدمة المدنية" والذي شمل قيادات سياسية واجتماعية ودينية. هذا الفلم هو أسوأ وسيلة للتعبير عن رفض مخطط الخدمة المدنية بالرغم من النوايا الحسنة للجهات التي أصدرت الفلم ولبعض المشاركين الذين ما كان ينبغي أن يزجوا في مثل هذا العمل العقيم. وسيكون له حسب رأيي نتائج سلبية على مجمل النضال الشعبي ضد هذا المخطط وذلك للأسباب التالية:
1- لا يوجد مصداقية لكلام الزعامة السياسية وخصوصا أعضاء الكنيست من بينهم. فمن يريد أن يدعو الاخرين الى رفض الخدمة المدنية عليه أن يبدأ بنفسه أولا. اليست خدمتهم في اروقة الكنيست هي خدمة مدنية في اسوأ اشكالها؟ فإذا كانت خدمة شاب ضائع لإسباب مادية او إجتماعية هي خطر على هويتنا الوطنية ومؤشرا على اسرلتنا، فمال بال عضو الكنيست الذي يهرول لخدمة هذه المؤسسة عن وعي وعن سابق إصرار ويلتصق بالكرسي العزيز على نفسه؟ فعندما يقول عضو الكنيست جمال زحالقة في الفلم: "انا مش خادم في الخدمة الوطنية الاسرائيلية" فهو اما انه يكذب علينا وعلى نفسه أيضا وإما انه لا يدرك ما معنى الخدمة الوطنية. لنسأل انفسنا بصراحة وليحاول كل واحد منا أن يجب على السؤال بجرأة: اليست الخدمة في الكنيست هي خدمة وطنية إسرائيلية؟ وعندما يتباكى الشيخ ابراهيم صرصور على فئة الشباب وهم المادة الحية في شعبنا فأي نموذج يضعه بين أيديهم؟ لا تخدموا بالخدمة الوطنية ولكن هلموا بجماهيركم للتصويت لي حتى أصل الى كرسي الكنيست؟؟ وعندما تصرح عايدة توما: انه "مخطط لضرب هويتنا الوطنية" اليس الاعتراف بدولة اسرائيل العنصرية والكولونيالية كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره هو مخطط أعتى واشرس سدد ضربة قاضية لهويتنا الوطنية ولا يزال يا رفيقة؟
2- الفلم لا يفتقد للمصداقية وغير مقنع (استثني أقوال المطران عطاللة حنا الصادقة) فحسب، بل ينم عن نزعة استعلائية وعظية وكأن هذه القيادات تعرف كل شيء، تنطق بالجواهر والحكم وينبغي الاصغاء لها. كان أحرى بالذين عملوا الفلم أن يتكلموا مع الشباب المعنين مباشرة بالقضية والذين رفضهم للخدمة الوطنية نابع من اعماق وجدانهم.
3- يفتقد الفلم الى اية مسحة فنية جمالية. حتى الفلم الوثائقي يجب أن يبقي فسحة كافية للخيال، للإبداع. ما نراه هنا لقطات مكبلة بقيود الشعارات الرنانة تدخل الى الأذن اليمين لكي تخرج مباشرة من الأذن الشمال.

رفض الخدمة المدنية لكي يكون صادقا ومؤثرا يجب أن يكون نابعا من رفض الاعتراف بشرعية المؤسسات التي تحاول فرضه. ويجب الاستعاضة عن هذه القيادات بقيادات شابة واعية تتحلى بروح التمرد والعنفوان.
إن كل قيادة شابة لا تطرح نفسها بديلا للقيادات الراهنة المهترئة سوف تؤول الى الفشل.

Monday, December 10, 2007

الدولة اليهودية من وعد بلفور الى آنا بوليس



قبيل إفتتاح مؤتمر انابوليس طالب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت الفلسطينيين والعرب الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية. ومن تابع ردود الفعل الفلسطينية والعربية المتشنجة على هذا المطلب ظن للوهلة الاولى وكأن دولة اسرائيل كانت حتى هذه اللحظة دولة شقيقة، عربية أو اسلامية. وتسابق المسؤولون الفلسطينيون والعرب لرفض مطالب أولمرت الغريبة العجيبة في هذا التوقيت بالذات. حتى أن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية عقدت جلسة خاصة رفضت فيها الاعتراف بيهودية الدولة وأعتبرته تشجعيا لسياسة الترانسفير للجماهير الفلسطينية مواطني الدولة، وكأن قبل ذلك لم يكن هناك ترانسفير لا فكرا ولا ممارسة. بينما أعتبرت وسائل الاعلام الفلسطينية في الطرف الآخر تصريحات أولمرت هذه جاءت لتلغي حق العودة للاجئين حتى قبل بدء المفاوضات للحل النهائي. وكأنها لا تعلم أن جميع الاحزاب والتنظيمات الاسرائلية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار موحدة في رفض حق العودة.
من أجل تذكير هؤلاء المنافقين والمهرولين الذين يريدون ذر الرماد في العيون والتستر على تساقطهم المريع وتفريطهم بكافة الثوابت الوطنية وهم يضعون الان قناعا مزيفا من الوطنية المهترئة، بتسابقهم الاعلان عن دهشتهم من مطالب أولمرت ورفضهم ليهودية الدولة، أورد هنا المحطات الرئيسية في العصر الحديث والتي ورد فيها مصطلح "الدولة اليهودية" باشكاله المختلفة:
1- جاء في وعد بلفور 29 نوفمبر 1917 ما يلي: "... ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"
2- صك الانتداب البريطاني على فلسطين والذي صادقت عليه عصبة الامم المتحدة في 24 تموز 1922 ينص بصريح العبارة أن أحد أهدافه هو تحقيق ما ورد في وعد بلفور من إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي"
3- قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 والذي وافق عليه معظم المنضوين في لجنة المتابعة ويذرفون الان دموع التماسيح، ينص على إقامة دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين التاريخية. ونذكر هؤلاء الذين ما زالوا يصرخون في كل مناسبة ومن غير مناسبة ويرفعون شعار " دولتين لشعبين" هل ترددون هذا الشعار كالببغاوات؟ الا تقولون في ادبياتكم الموثقة أن دولة اسرائيل هي تعبير " لحق الشعب اليهودي" في تقرير مصيره؟
4- وثيقة الاستقلال الاسرائيلية التي أعلنت في 14 مايو 1948 تدعو الى ".. إقامة دولة يهودية في ارض اسرائيل" هذه الوثيقة التي اعترفتم بها وبفضلها دخلتم الى الكنيست وكافة المؤسسات الاسرائلية.
5- واخيرا وليس آخرا، خطاب بوش في مؤتمر أنا بوليس أمام رئيس السلطة الفلسطينية وأمام مندوبين عن 16 دولة عربية وامام كاميرات ومايكرفونات العالم كرر: "التزام الولايات المتحدة الامريكية الحفاظ على أمن اسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي"

إذن ما المفاجئ في تصريحات أولمرت الاخيرة؟ ولماذا انتفخت الزعامة الفلسطينية والعربية بهذا الشكل؟ وسرعان ما نفست، وانكتمت جميع الاصوات بعد أن حقق هذا الانتفاخ غايته من استهلاك محلي للتستر على هذا التساقط المخيف كتساقط اوراق الخريف في مؤتمر الخريف.
الم يكن الاعتراف الذي نصت عليه اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة واتفاقيات أوسلو، إعترافا بيهودية الدولة؟
ألم تدعي اسرائيل دوما انها دولة "يهودية ديموقراطية" وكنا دائما نشير الى التناقض الداخلي في هذا التعريف؟
إننا لا نحكم على الدول من خلال تعريفها لنفسها أو من خلال نظرتها الى نفسها بل من خلال افكارها وممارساتها. ومنذ نشوء الحركة الصهيونية كحركة قومية رجعية ومحاولتها جعل اليهودية قومية وممارساتها العملية على مدى قرن وربع أثبتت انها اقامت دولة عنصرية استعمارية، ولا يغير شيئا الاسم الذي تطلقته على نفسها. هل يتغير جوهر الدولة اذا غيرت اسمها؟ هل يعود اللاجؤون؟ هل تعود الاراضي المصادرة؟ هل تعمر 518 قرية دمرت عام 1948؟ وبالمناسبة فقط أسقط يهود العالم أنفسهم هذه التسمية عندما رفض معظمهم القدوم الى هذا "الوطن القومي" وجل ما صنعته الحركة الصهيونية هو بناء جيتو كبير زجت به شريحة من اليهود وغيرهم.
إن ما تمارسه الدولة في حق الشعب الفلسطيني يوميا يؤكد في كل لحظة الحقيقة التي يحاول المتعنتون على اشكالهم نكرانها: هذه الارض هي ارضنا، هذا الوطن هو وطننا ولكن هذه الدولة هي ليست دولتنا.
الموقف المطلوب هو ليس رفض يهودية الدولة بل رفض الدولة
علي زبيدات - سخنين

Friday, November 30, 2007

قرار التقسيم باطل باطل باطل



تقول الاسطورة أن الملك سليمان (والذي رفع الى مرتبة الانبياء في الثقافة الاسلامية ) عندما سأله الرب عما يريده لم يطلب حياة مديدة ولم يطلب الثروات والسلطة والانتصار على أعدائه كما يطلب باقي الملوك، بل طلب من ربه أن يعطيه قلبا حكيما يميز بين الخير والشر لكي يحكم بين الشعب "المختار" الثقيل. وقد فرح الرب بهذا الطلب ومنحه ما أراد بالاضافة الى ما لم يطلب.
وقد ظهرت حكمته في اليوم التالي عندما أتته إمرأتان تدعي كل منها انها أم لطفل حي متنازع عليه. فأمر سليمان بغحضار سيف وقطع الطفل الحي الى نصفين لكي تأخذ كل أم نصفه. فطلبت الام الحقيقية من الملك أن يعطي الطفل الحي للمرأة الاخرى ويبقيه حيا، بينما قبلت المرأة الاخرى مبدأ التقسيم حتى ولو قتل الطفل ( يمكن قراءة تفاصيل هذه الاسطورة في سفر الملوك)
ويعتبون على الشعب الفلسطيني أنه رفض تقسيم وطنه وتقطيع أوصاله ومنح أكثر من نصفه الى عصابة عنصرية متطرفة، بينما ينهالون بالمديح على تلك العصابة التي وافقت على قرار التقسيم.
في الذكرى الستين لهذا القرار المشؤوم يجب أن نعود ونؤكد رفضنا القاطع والصارم له وإعتباره باطلا وغير شرعي.
1) قرار التقسيم لا يمثل الشرعية الدولية كما يدعون وكما وقع في هذا الفخ العديد من الفلسطينيين والعرب والاجانب. العكس هو الصحيح، هذا القرار هو نقض لكل شرعية سماوية، إخلاقية، حقوقية وسياسية. لقد تم أتخاذ هذا القرار عن طريق الضغط والابتزاز والخداع الذي مارسته العصابات الصهيونية وبريطانيا والولايات المتحدة. هل يحق لأحد أن يمزق ويقسم وطنا لشعب مسالم لم يقترف أي جريمة حتى بدون أخذ رايه؟ أي شرعية هذه؟
2) قرار التقسيم كان أيضا جريمة ليس في حق الشعب الفلسطيني فحسب بل في حق الانسانية جمعاء. هذا القرار مهد الطريق لتهجير شعب بأكمله وسلب ونهب ارضه وهدم بيوته. فلو كانت هناك شرعية دولية حقيقية وحد أدنى من العدالة لوجب إنزال أشد العقوبات على متخذي مثل هذا القرار الاجرامي المجحف.
3) زرع هذا القرار بذور الصراع الذي لا ينتهي وجلب الحروب المستمرة للمنطقة ولشعوبها، فهو قرار أحمق وإجرمي من الناحية السياسية أيضا.
4) لم يأت هذا القرار لحل مشكلة إنسانية وهي إيجاد مأوى آمن للناجين اليهود من المحرقة النازية، لو كان الامر كذلك فلماذا أغلقت الدول الاوروبية وأمريكا حدودها أمام هؤلاء الناجين وزجوا بهم في هذه البقعة المأهولة؟

تزامنت الذكرى ال60 لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 والمعروف بقرار تقسيم فلسطين بإنعقاد مؤتمر انابوليس. حيث تجتمع زمرة من الفلسطينيين يدعمهم من على شاكلتهم من حكام البلدان العربية مع المغتصبين الاسرائيليين مدعومين من الامبريالية الامريكية وذلك لبيع ما تبقى من فلسطين في المزاد العلني وبأبخس الاثمان.
الدول العربية التي صوت من كان منها مستقلا إستقلالا شكليا عام 1947 ضد قرار التقسيم قامت عمليا بتعبيد الطريق الذي أدى ليس الى تقسيم فلسطين عمليا فحسب بل الى ضياعها بالكامل وتشريد شعبها. لم يتغير على دورها شيء يذكر فقد كانت هذه الدول صنيعة الاستعمار في وقته وهي ما زالت كذلك الآن. ونحن نقول ونكرر القول لهذه الانظمة العميلة: كفاكم ما قمتم به من خيانة في فقدان فلسطين، كفوا شركم عنا، الشعب الفلسطيني لن يسامحكم وشعوبكم سوف تحاسبكم وتعاقبكم عاجلا أم آجلا. أما الزمرة المهرولة من الفلسطينيين والتي تلث وراء مفاوضات وهمية ووعود سرابية فهي أعلم الناس بمدى إفلاسها، وانها تقامر بمكانتها وحياتها.
يقول البعض على الشعب الفلسطيني أن يكون واقعيا وألا يتمسك بالشعارات الفارغة (الثوابت الوطنية أصبحت شعارات فارغة) وأن يعترفوا بإختلال ميازين القوى على الساحة المحلية والعالمية، وأن يقبلوا بالنزر القليل المتاح أفضل من أن يخسروا الكل. هذا المنطق الانهزامي أثبت عقمه وفشله. تستطيع الشعوب أن تقلب الواقع رأسا على عقب ما دامت مؤمنة بعدالة قضيتها، قوة الشعب الفلسطيني بعدالة قضيته فإذا فقد ايمانه هذا فقد كل شيء حتى الحلم في مستقبل أفضل.
على الشعب الفلسطيني أن يهتف في هذه المناسبة وبصوت عال يسمعه الداني والقاصي، العدو والصديق، صوت يخترق الارض ويصل أعالي السماء، صوت يصمت المهرولين والمتساقطين، صوت واحد يقول: إن قرار التقسيم باطل باطل باطل

موضة حل الدولة الواحدة



لقد أصبح واضحا لدى العديد من السياسيين والاكاديميين الذين يتعاطون بالسياسة أن الحل الذي طبلوا له وزمروا لسنوات طويلة، والمعروف بحل الدولتين، قد بات مستحيلا. اذ أن التعنت دولة إسرائيل ورفضها الانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بالاضافة الى الاستيطان الصهيوني على مدى 40 عاما والذي غير معالم الضفة الغربية والقدس، جعل الكلام عن حل الدولتين يبدو عدميا حتى بالنسبة لمروجيه. بات واضحا أن هذا الحل حتى في افضل تجلياته سوف يبقي اسرائيل كدولة وحيدة والى جانبها محميات مقطعة الاوصال، معزولة ومخترقة، ويستطيع الجانب الفلسطيني اذا شاء أن يسميها دولة، او حتى أمبراطورية.
لفترة من الزمن برز شعار الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية كشعار نضالي بديل لحل الدولتين، الا أن المبادرين برفع هذا الشعار والقائمين عليه ما زالو يراوحوا مكانهم وعجزوا بل فشلوا في تطوير هذا الشعار وجعله مشروعا سياسيا قابلا للتطبيق. وما حصل هو العكس تماما، فقد أصبح هذا الشعار وبتسميات مختلفة ملجأ للعديد من الهاربين من الشعار الاول (حل الدولتين) بعد أن تيقنوا من استحالة تطبيقه، وركبوا على موجة الدولة الواحدة لكي يتمسكوا بمواقعهم المهتزة ليس إلا.
اسوق هذه المقدمة بمناسبة عقد مؤتمر مؤخرا في لندن تتحت عنوان: "تحدي الحدود: دولة واحدة في اسرائيل/فلسطين" حيث مثل به نخبة من النجوم الاكاديميين الفلسطينيين والاسرائيليين والاجانب أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: البروفيسور نديم روحانا، مدير مركز مدى صاحب وثيقة حيفا التطبيعية والذي ينادي بالدولة ثنائية القومية في إطار دولة اسرائيل، والدكتور أسعد غانم من جامعة حيفا ومركز ابن خلدون والذي يغير مواقفه السياسية بنفس السهولة التي يغير بها بدلاته الانيقة، وهو ايضا ينادي اليوم بالدولة ثنائية القومية، والدكتور نور مصالحة والمؤرخ إلان بابيه الذين قدما ابحاثا محمودة حول سياسة التهجير والتطهير العرقي للحركة الصهيونية خصوصا خلال حرب عام 1948، هذا بالاضافة الى عدد كبير من الناشطين والاكادميين الآخرين.
الدولة الواحدة التي يتكلم عنها جميع هؤلاء هي في الحقيقة دولة إسرائيل محسنة، طبعة جديدة منقحة، فالجميع يتغاضى عن كون إسرائيل كيانا استعماريا إستيطانيا يقوم على ايديولوجية عنصرية أو يمر على هذه الحقيقة الدامغة مرور الكرام. تستطيع إسرائيل بقدرة قادر أن تتحول الى دولة لكل مواطنيها، الى دولة ثنائية القومية والى دولة ديموقراطية علمانية، كل ما في الامر يجب إقناع حكامها بضرورة ومصداقية هذا الحل، والتغيير سوف يأتي من نفسه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ولا أدعي بمقدرتي أن أوفر الجواب الشافي بهذه الجالة عليه هو: هل تستطيع دولة إسرائيل أن تخرج من جلدها وأن تغيير طبيعيتها الكولولونيالية العنصرية؟ هل تستطيع أن تكون دولة المستوطن، الناهب للأرض وفي الوقت نفسه دولة اللاجئ والمهجر والذي يرزح تحت الاحتلال؟ هل يمكن وهل يعقل المساواة بين الظالم والمظلوم؟ بين المستعمر (بالكسرة) والمستعمر (بالفتحة)؟
ماذا تعني الدولة ثنائية القومية التي ينادون بها؟ عن أي قوميتين يتكلمون؟ هل هي القومية العربية واليهودية؟ ام العربية ولاسرائيلية؟ ولماذا لا يتكلمون عن دولة متعددة القوميات؟، وهذا اقرب الى الواقع الذي فرضه الاستيطان الصهيوني الذي جلب مستوطينين من عشرات القوميات. وبالرغم من كافة الجهود الصهيونية على مدى 60 عاما لصهر هذه القوميات في بوتقة واحدة الا ان الفشل في هذا المجال ظاهر امام كل من يريد أن يرى، واذا ما زال احدهم يشك في ذلك فاليسأل المهاجرين الروس والاثيوبيين والمغاربة واليمنيين وهلم جرا.
حسب المفهوم الليبرالي للمروجين الجدد للدولة الواحدة، تستطيع إسرائيل بكل بساطة أن تدعي بأنها دولة ديموقراطية علمانية، فما الجديد الذي يجلبه هؤلاء؟ والحق يقال أن الدعاية الصهيونية قد حققت نجاحا كبيرا في إقناع العالم بأنها الدولة الديموقراطية العلمانية الوحيدة بالمنطقة وأن كونها دولة يهودية في الوقت نفسه لا يتناقض مع كونها دولة ديموقراطية وعلمانية.
إن مثل هؤلاء الاكادميين والناشطين الذين يعقدون مثل هذه المؤتمرات يسدون خدمة مجانية عظمى للدولة العنصرية التي يتهمونها هم انفسهم بإتباع سياسة التطهير العرقي. نحن كشعب فلسطيني مشرد ومهجر وواقع تحت الاحتلال يجب ألا نقع في هذه المصيدة. الدعوة للإعتراف بنا كأقلية (قومية) (أصلانية) وما شابه هذه الفلذكات الكلامية، هي مصيدة هدفها سلخنا عن عمقنا الفلسطيني والعربي من جهة ومنح الشرعية للأغلبية الصهيونية من جهة أخرى. الكلام حول تحويل إسرائيل الى دولة جميع مواطنيها هو أيضا مصيدة إذ كيف يعقل أن تصبح دولة المستوطنين العنصرية التي اقترفت جرائم لا تحصى ولا تعد أن تكون في الوقت ذاته دولة الشعب المحتل واللاجئ؟
الدولة الديموقراطية العلمانية اذا لم تكن تعني تحرير الارض والانسان فأنها تكون كذبة عظمى يجب فضحها ونبذها.

Sunday, November 18, 2007

استقلال أم إستهبال؟؟



من حق الشعوب أن تحلم بالحرية والاسقلال. ومن حقها، لا بل من واجبها أن تناضل من أجل تحقيق هذا الحلم. ومن واجب قيادة هذه الشعوب أن تقود هذا النضال حتى يتحول الحلم الى حقيقة. ولكن عندما يصبح الحلم كابوسا، عندما يصبح وهما وسرابا، عندما يصبح كذبة كبرى عندئذ على الشعوب أن تستيقظ من هذا الكابوس وتنبذ ذاك الوهم وتفضح تلك الكذبة وتحاسب قياداتها التي أوصلتها الى هذا الوضع المزري.
هذه هي حالتنا مع " إعلان استقلال دولة فلسطين" الذي مر عليه قرابة العشرين عاما. لا دولة، لا استقلال ولا يحزنون. بل هو وبكل بساطة: إستهبال. يطالبوننا بإن نحتفل بهذه الكذبة كل سنة وأن نفرح ونغني ونرقص. قد يقول البعض إن اعلان الاستقلال كان خطوة رمزية على إعتبار ما سيكون وليس على اعتبار ما كان أو ما هو كائن، خصوصا وأنه اتخذ من قبل أعلى مؤسسة في منظمة التحرير الفلسطينية "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني" وهو المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة نوفمبر 1988 في الجزائر. من يروج مثل هذه التبريرات يراهن على ضعف ذاكرة الجماهيرمن جهة وقوة الجهاز الدعائي الديماغوغي للقيادة الفاسدة والعاجزة من جهة أخرى.
كيف ظهر هذا الاستقلال المزعوم الى النور عام 1988 وما هي الظروف السياسية الفلسطينية والعربية والدولية التي كانت سائدة في ذلك الوقت؟، والاهم من ذلك كله، ماذا كان الهدف الحقيقي من الاعلان عنه؟.
التسويات التصفوية التي تفرط بالحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني في وطنه وعلى أرضه قديمة قدم القضية نفسها. ولم تبدأ في أوسلو ولن تنتهي في أنابوليس. وإنخراط فئات متنفذة في قيادة الشعب الفلسطيني وتعاطيها مع هذه التسويات هو الآخر ليس جديدا. فقد سبق الاعلان عن "وثيقة الاستقلال" فترة طويلة من التحضير لقبول تسوية من هذا النوع. العلامة الفارقة في هذه المسيرة التصفوية الطويلة كان تبني ما يسمى البرنامج المرحلي ألذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة عام 1974 وطرح ما يسمى "السلطة الوطنية" والذي في خطوطه العريضة ينبذ حلم تحرير فلسطين ويكتفي بإقامة سلطة على أي بقعة ينسحب عنها جيش الاحتلال الاسرائيلي. وعمليا جاء هذا البرنامج تحضيرا للأنخراط بالمفاوضات التي بدأت بين إسرائيل والدول العربية في جنيف. غير أن الطرف الفلسطيني عاد بخفي حنين ولن تفيده التنازالات التي قدمها فتيلا، ولم يحظ حتى بتلق دعوة لحضور هذه المفاوضات التي تمخضت بعد عدة سنوات عن إتفاقيات كامب ديفيد بين النظام الساداتي وإسرائيل.
لم تكن التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني كافية لكي ترضي إسرائيل وحلفائها الامريكيين والاسرائليين وطالبوا بالمزيد من هذه التنازلات. التي سرعان ما جاءت على شكل حملة " سلام" فلسطينية في نهاية السبعينات والثمانينات. هل ما زال أحد يذكر تحركات عصام السرطاوي وسعيد حمامي وعزالدين قلق وغيرهم من ممثلي المنظمة الذين قادوا هذه الحملة في أوروبا؟ في المقابل كان الرد الاسرائيلي، بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد وتحييد مصر عن الصراع، إجتياح لبنان عام 1978 وإحتلال بيروت وطرد المنظمات الفلسطينية منها عام 1982. من كان يظن أن الممارسات الاسرائيلية سوف تعيد قيادات هذه التنظيمات الى طريق النضال خاب أمله، ما حدث كان عكس ذلك تماما. فقد تسارعت وتيرة التنازلات عن الثوابت الوطنية.
في هذه الاثناء وصل السيل عند الشعب الفلسطيني الزبى وفجر إنتفاضته الشعبية والتي كانت تسير بخطى واثقة ومتسارعة على طريق التمرد المدني والسياسي، الامر الذي أربك ليس إسرائيل وحلفاءها فحسب، بل القيادة الفلسطينية المتنفذة أيضا، التي خافت أن تخرج الامور عن هيمنتها. وكان من الضروري التحرك بسرعة للجم الانتفاضة وترويضها. ويا لسخرية الاقدار فقد دعيت الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر نوفمبر 1988 بدورة الانتفاضة التي مر على انطلاقتها حوالي سنة، وأرادت القيادة أن تقطف ثمار الانتفاضة مبكرا، فجاء الاعلان عن استقلال الدولة الفلسطينية، لكي ترضي جماهير الانتفاضة من جهة ولكنها كانت لذر الرماد في العيون من جهة أخرى، لأن وراء الاكمة كان ما وراءها، والدوافع الحقيقية لهذا الاعلان كان التستر عن المفاوضات التي قطعت مرحلة لا بأس بها بين قيادة المنظمة والادارة الامريكية. فبعد أقل من شهر دعي ياسر عرفات لإلقاء خطاب امام مؤتمر نظمته الامم المتحدة في جنيف وهناك لأول مرة وبشكل رسمي وعلني أعلن ابو عمار بأن الشعب الفلسطيني يقبل بقرار 242 و 338 ويدين كافة أشكال الارهاب. وكان ذلك ما تريده الادارة الامريكية برئاسة رونالد ريغان لكي تبدأ بحاور مباشر مع منظمة التحرير. وهكذا قضينا على الانتفاضة الشعبية الاولى من خلال إحتضانها، وكانت إتفاقيات أوسلو القبلة المميتة.
كاتب وثيقة "الاستقلال" وضع أمامه وثيقة "إستقلال" أخرى هي وثيقة الاستقلال الاسرائلية. وأخذ ينقل عنها وكأنه طالب يغش بالامتحان. الاسلوب نفسه، الافكار نفسها، وحتى بعض الجمل نفسها. تقمص هذا الكاتب الذي من المفروض أن يمثل الشعب الضحية شخصية المستوطن الصهيوني. ركزت الوثيقة على الروابط العاطفية التي تربط الشعب الفلسطيني بوطنه، ركزت على دولة وهمية وتجاهلت المقاومة التي كانت في أوجها. مرت بحق العودة مرور الكرام، كرست الاعتراف بدولة إسرائيل وأعتبرت قرار التقسيم مرجعية بالرغم من إجحافه.
سامحوني، أنا شخصيا لن أحتفل بمثل هذا الاستقلال المزيف. الاستقلال النابع من صلب النضال، الاستقلال الذي يتوج مسيرة التحرير المظفرة هو الوحيد الذي يستحق الاحتفال به.

التطبيع والاسرلة وجهان لعملة واحدة



استوقفني مؤخرا خبر تناقلته بعض وسائل الاعلام أثار إستغرابي وعجزت عن فهمه بالرغم من بساطته. يقول عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية تجنب التطبيع مع اسرائيل". للوهلة الاولى ظننت أن هناك ثمة خطأ لغوي أو مطبعي، ربما سقطت سهوا كلمة صغيرة مما تنضح به لغتنا العربية ولكن بمقدورها أن تقلب معنى الجملة. وقلت: ربما كان عنوان الخبر: "محمود عباس يطالب الدول العربية والاسلامية عدم تجنب التطبيع مع إسرائيل" فسقطت كلمة "عدم" سهوا مما قلب المعنى رأسا على عقب.
ولكي أتأكد من ذلك قرأت الخبر من عدة مصادر وكلها ذكرت "تجنب التطبيع" من غير كلمة "عدم". فقلت إذن لا بد ان يكون الخبر برمته ليس أكثرمن نكتة سمجة من ابداع أحد الاعلاميين الخبثاء الساخرين. ولكن وكالة انباء الشرق الاوسط التي نشرت هذا الخبر وباقي المواقع التي تلقفته أبعد ما تكون عن السخرية والنكات. يعني أن الخبر بشكله المنشور صحيح. وهذا يعني بدوره أن السيد محمود عباس يستخف بعقول العرب والمسلمين أجمعين وفي شتى أنحاء العالم. وبالعربية العامية أن الرجل يستهبلنا.
كيف يطالب العرب والمسلمين بتجنب التطبيع وهو يختلي كل خميس برئيس حكومة اسرائيل أولمرت لساعات لا يعرف أحد ما يدور بينهما سوى الله رب العالمين؟ بينما تواصل الحكومة الاسرائيلية جرائمها في غزة ونابلس وجنين والخليل حيث يسقط يوميا شهداء وجرحى ومعتقلين يقوم السيد عباس بإحتضان اولمرت وكأن ما يجري حوله يجري على كوكب آخر. حتى اننا لم نعد نسمع الادانات الروتينية التي كان يطلقها المسؤولون في السلطة الفلسطينية. واكثر من ذلك، فالتنسيق والتعاون بين السلطة والاحتلال ينشط على قدم وساق ويشمل كافة المجالات وجميع الاصعدة. فهناك التنسيق الامني الذي يطارد المقاومة ويجردها من سلاحها، وهناك تنسيق فرض الحصار على غزة وتصعيده بالعقوبات الجماعية، وهناك التنسيق السياسي لتحضير مؤتمر الخريف. تتم هذه الامور في وضح النهار وتتناولها كافة وسائل الاعلام المحلية والعالمية، وجميعنا يسمعها ويقرأها. اليست هذه تطبيعا ؟.
ولكي لا أظلم محمود عباس، فلم أكتف بقراءة عنوان الخبر ووجدت في جسد الخبر أنه يضيف: "…إلا اذا انسحبت (اسرائيل) من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 ووافقت على حل عادل لمشكلة اللاجئين".
وهذا عذر أقبح من ذنب. اذ أن رئيس الحكومة الاسرائيلية وكافة وزرائه يعلنون على الملأ صباحا ومساء، للقاصي والداني، لمن يهمه الامر ولمن لا يهمه أنه لا انسحاب من كافة الاراضي المحتلة، وانه لا حق للاجئين بالعودة.
فلماذا يا سيادة رئيس السلطة لا تبدأ بنفسك وتتجنب أنت وحكومتك وأجهزتك الامنية التطبيع مع اسرائيل حتى توافق على مطالبك المتواضعة هذه؟ ألم تسمع المثل العربي الذي يقول: لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إن فعلت عظيم؟
يقول الكثيرون من الدول العربية والاسلامية: اذا كنتم انتم الفلسطينيون، اصحاب القضية، أشد الناس حرصا على التطبيع وتمارسونه ليل نهارا، سرا وعلانية، فبأي حق تطالبوننا بتجنب التطبيع؟ لماذا ما هو مسموح لكم ممنوع علينا؟ أيها المراؤون، كيف تشيرون الى القذى في أعيننا وتتجاهلون الخشبة في أعينكم؟
كيف يطالب محمود عباس الدول العربية بتجنب التطبيع مع اسرائيل وفي يترجى السعودية والدول العربية "المعتدلة" الا تقاطع مؤتمر الخريف. ويدعو مصر والاردن وباقي الدول العربية والاسلامية الى تبني مشروع السلام الامريكي – الاسرائيلي.

يجب ملاحقة المطبعين الفلسطينيين وفضحهم أمام الجماهير. وإعادة القضية الى مسارها الصحيح
الاسم الآخر للتطبيع فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل هو الاسرلة. جميع الاحزاب العربية الاسرائيلية والجمعيات والمؤسسات ليس فقط انها تسير في ركب الاسرلة ولكنها تعمل أيضا بلا كلل أو ملل، من حيث تدري أو لا تدري على أسرلة الجماهير الفلسطينية وتشويه هويتها الوطنية.
وكما في المناطق الفلسطينية الاخرى، فإن زعامة هذه الاحزاب والجمعيات تستهبلنا وتستخف بعقولنا، تختبئ وراء قناع مزيف من الوطنية أو القومية او الاسلامية ولكنها في الحقيقة تروج للأسرلة. فهذه لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية ولجنة رؤساء المجالس المحلية تصدر وثيقة أطلقت عليها اسم التصور المستقبلي، وذلك على حد زعمها لترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين، ومن ثم قامت عدالة بنشر وثيقة مشابهة تحت مسمى "الدستور الديموقراطي" وتبعها مركز مدى بوثيقة حيفا، وكلها وثائق أسرلة بإمتياز ولم ولن يستطيع أي قناع "وطني" أن يخفي هذه الحقيقة الدامغة. في هذا السياق، أعجبني خطاب محمد بركة في حضرة محمود عباس عندما زاره وفد من لجنة المتابعة العليا للتوسط وحل النزاع الدموي الناشب بين فتح وحماس. قال بركة موجها كلامه الى محمود عباس: " اننا لسنا معك، وانما نحن مع المشروع الوطني الفلسطيني ومن أجل تحقيقه، وطالما انك متمسك بهذا المشروع فنحن نؤيدك".
المشروع "الوطني الفلسطيني" الذي يتمسك به كل من بركة وعباس ذو طبيعة واحدة وهو الاعتراف باسرائيل كتجسيد لحق "الشعب البهودي في تقرير مصيره" والقبول بدويلة مسخ للشعب الفلسطيني. وكما قال المثل: الطيور على اشكالها تقع.
إن مقاومة التطبيع والاسرلة شرط مسبق وضروي من أجل التمسك بالحقوق الطبيعية للشعب الفلسطين في تحرير أرضه والعودة اليها. وأن التطبيع والاسرلة هو المقدمة الاولى للتفريط بهذه الحقوق.