Wednesday, September 14, 2011

ومع ذلك عرب إسرائيل

ومع ذلك عرب إسرائيل
علي زبيدات – سخنين

عندما قدمت قوى الظلام الكنسية العالم والفيلسوف الايطالي جاليليو جاليلي إلى المحاكمة بتهمة الكفر لأنه كان يدافع عن النظرية التي تقول بأن الشمس هي الثابتة بينما الأرض هي التي تدور حولها، وعندما اضطر إلى التراجع تحت ضغوطات أصدقائه لكي ينجو من العقاب، خرج جاليليو من المحكمة وهو يهمس بجملته المشهورة: "ومع ذلك هي تدور"
بعد أربعة قرون من تلك الحادثة أجد نفسي واقفا الموقف نفسه عند الكلام عن أنفسنا، اقصد نحن الذين تحيرنا في اختيار الاسم الذي ينبغي أن نطلقه على أنفسنا: هل نحن عرب الداخل؟ أم عرب ال48؟ أم عرب الخط الأخضر؟ أم الفلسطينيون مواطنو دولة إسرائيل؟ أم حاشا وكلا، عرب إسرائيل؟ الاسم الذي نهرب منه كما نهرب من الطاعون؟.
بعد انتخابات البرايمرز داخل حزب العمل الإسرائيلي لانتخاب رئيسه القادم والتي لم تحسم نهائيا بعد، وجدتني أصرخ بأعلى صوتي، وليس همسا على غرار جاليليو: "ومع ذلك نحن عرب إسرائيل، ومع ذلك نحن عرب إسرائيل"
لتسقط كل الشعارات التي نرفعها ولتذهب إلى الجحيم، تلك التي تقول: نحن القابضون على الجمر، نحن المتشبثون بهذه الأرض، نحن الصامدون المتمسكون بهويتنا الوطنية، الجزء الحي من الشعب الفلسطيني الواحد، وغيرها الكثير من الشعارات الرنانة ولكن الفارغة كالطبل الأجوف. لقد أثبتنا من حيث الأساس وبكل بساطة: نحن عرب إسرائيل. نقطة.
التاريخ الحديث يعرف هذه ظاهرة منذ أن عرف الاستعمار. عندما كانت إنجلترا تستعمر الهند والباكستان مثلا كانت هناك طبقة ربطت مصالحها بهذا الاستعمار وخدمته بإخلاص وشاركت في حروبه بعيدا عن بلدانها، وعندما رحل هذا الاستعمار لحق من استطاع ذلك بالمستعمر. آلا يجدر أن نطلق على هؤلاء اسم: هنود انجلترا وباكستانيي انجلترا؟ وعندما رحل الاستعمار الهولندي عن اندونيسيا لحق به عدد كبير من اندونيسيي هولندا. وهذا ما حصل عندما رحل المستعمر الفرنسي عن الجزائر، ألم يكن هناك جزائريو فرنسا؟ فلماذا نشذ نحن عن هذه القاعدة؟
25 ألف عربي انضموا إلى حزب العمل الصهيوني، ولنفرض أن أكثر من نصفهم كانوا مزيفين يبقى أكثر من عشرة آلاف عربي هم أعضاء في هذا الحزب. ولا يقولن أحد أن هذه ظاهرة هامشية لأنهم أكثر من أعضاء كافة الأحزاب العربية مجتمعة. فإذا كان هؤلاء هامشيين فإن أحزابهم العربية "الوطنية" أكثر تهميشا. وإذا أضفنا إلى عرب حزب العمل عرب الليكود وعرب كديما وعرب شاس وعرب يسرائيل بيتينو فلماذا نخجل أن نطلق على أنفسنا: عرب إسرائيل؟؟ مهلا مهلا وماذا عن باقي الأحزاب العربية اليسارية والقومية والإسلامية؟ ألا تعرف نفسها بأنها أحزاب إسرائيلية؟ إذن لماذا هذه المكابرة ولا نعترف جميعا بأننا عرب إسرائيل ونفتخر بذلك؟ أم إننا نلحق المثل الذي يقول:" نفسي فيه وتفو عليه"
يبقى عرب حزب العمل صنفا فريدا من نوعه. فهم أشد إخلاصا لهذا الحزب حتى من آبائه الصهاينة المؤسسين. حتى بن غوريون الصهيوني رقم واحد غادر هذا الحزب الذي أسسه بعد خلافات مع زملائه. شمعون بيرس الذي نما وترعرع منذ نعومة أظفاره في أحضان هذا الحزب تركه وبحث عن "مستقبله" بعد أن تجاوز ال80 عاما من عمره في حزب آخر. وهذا براك, الرئيس الأخير للحزب، والذي استبسل عرب الحزب لإنجاحه يرحل هو الآخر. بينما عرب الحزب المبدئيون جدا جدا فهم الأشد تمسكا وإخلاصا. والأنكى من ذلك أنهم يؤيدون دائما من يكون الأكثر تحقيرا لهم ودوسا على كرامتهم. فقد دعموا شمعون بيرس بعد اقترافه مجزرة قانا واستخدموا مآذن بعض الجوامع للدعوة له، وأيدوا إيهود براك قبل مجزرة أكتوبر وبعدها. كما أيدوا بنيامين بن العازار عندما كان شريكا لشارون في اجتياح الضفة الغربية. وأيدوا عمير بيرتس قبيل الحرب على لبنان وها هم يعربون عن ولائهم له مجددا.
لا يوجد لدي تفسير جاهز ومقنع لهذه الظاهرة الخطيرة. اللهث وراء المصالح الآنية والشخصية لن يكون تفسيرا كافيا. انعدام الوعي السياسي والوطني هو أيضا عاجز عن تفسيرها، خصوصا وأن معظم النشيطين من المثقفين وحملة الشهادات الأكاديمية. المعايير الأخلاقية هي الأخرى أعجز من أن تفسرها.
يوجد لهذه القضية أبعاد حضارية تغوص في عمق التاريخ وتحدد العلاقة بين المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتح الميم)، قضية تفكك المجتمع الأصلاني في ظل هيمنة نظام كولونيالي عنصري. قد نجد بعض الإجابات لهذه الحالة في كتابات فرانس فانون وربما بعض المفكرين المسلمين التنويريين مثل مالك بن نبي وعلي شريعتي وغيرهما. ولكن كل دراسة جدية في هذا المجال يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التطورات المحلية والإقليمية والعالمية وتحللها بشكل ملموس.
الأسبوع القادم سوف تحسم رئاسة حزب العمل وسوف يلعب عرب هذا الحزب، الذين يفتخرون بأنهم يشكلون اللواء الأكبر داخله، دورا حاسما في ذلك. ولكن قيمتهم لن ترتفع وسوف تبقى في الحضيض. وثمنهم سيبقى بخسا.
عرب إسرائيل، كما قلت سابقا، ليسوا أولئك الموجودين في صفوف حزب العمل وباقي الأحزاب الصهيونية المعلنة فقط بل الموجودين أيضا في الأحزاب الإسرائيلية العربية الأخرى أيضا. لا يمكن أن تكون إسرائيليا وتدعي في الوقت نفسه مناهضة الصهيونية. فدولة إسرائيل تحمل جميع جينات الحركة الصهيونية. المواطنة الكاملة تعني أسرلة كاملة ولن يشفع لها أية هوية قومية. دولة إسرائيل لا يمكن أن تكون إلا دولة صهيونية، أي دولة كولونيالية عنصرية. حتى نتحرر نهائيا من الهيمنة المادية والثقافية والفكرية للصهيونية ونقاوم حالة التفكك التي تفرضها علينا سوف يبقى اسمنا: عرب إسرائيل.

Wednesday, September 07, 2011

من المفاوضات العبثية إلى الاستحقاقات الوهمية

من المفاوضات العبثية إلى الاستحقاقات الوهمية
علي زبيدات – سخنين

أنا لا أفهم عربي، هل يستطيع أحد أن يشرح لي ماذا تعني كلمة"استحقاق" بالضبط؟ ولماذا "استحقاق أيلول/سبتمبر" بالذات؟ هل يسمى هذا استحقاقا لأنه جاء بناء على وعد قطعه رئيس الولايات المتحدة براك أوباما على نفسه وأمام العالم، ومن ثم تملص منه، لإقامة دولة فلسطينية حتى أيلول من هذا العام؟ أم هذا الاستحقاق قد جاء كمكافأة للسلطة الفلسطينية بسبب قضائها نهائيا على نهج المقاومة وإخلاصها ومثابرتها على التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال؟ ومن ثم فإنها تستحق وتستأهل أن تتحول إلى دولة خصوصا وإن رئيس حكومتها سلام فياض قد صرح منذ فترة طويلة أنه يعمل على بناء مؤسسات الدولة لكي تصبح جاهزة في أيلول. وبناء المؤسسات يتم من خلال دمج الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي بتمويل ورعاية الدول المانحة ومن خلال تقوية أجهزة الأمن التي ساهم في إنشائها الجنرال الأمريكي دايتون والتي تعمل بالتنسيق الكامل مع دولة إسرائيل. لماذا نكرر كالببغاوات استعمال مصطلحات هلامية تفوح من أحشائها رائحة نتنة لا تمت بأية صلة إلى الدولة الحقيقية ذات السيادة والاستقلال. استحقاق الدولة لا يمكن أن يعني سوى أمرا واحدا لا غير: وهو انه قد حان أجل قيامها كنتيجة طبيعية لتراكم النضالات وتحقيق الانتصارات والانجازات التي فرضت نفسها على العالم أجمع وليس عن طريق الاستجداءات المذلة.
يقول البعض: من يعارض "استحقاق أيلول/سبتمبر"، من يعارض أن تتحول السلطة الفلسطينية إلى دولة تكون عضوا في الأمم المتحدة تحظى باعتراف دولي، فأنه يقف إلى جانب إسرائيل وأمريكا اللتان ترفضان هذه العملية وتسعيان إلى إفشالها. هذه الحجة التي انطلت على الكثيرين هي من أغبى الحجج.
أولا: من الخطأ أن يحدد شعب، يناضل من أجل حريته واستقلاله، إستراتيجيته بناء على مواقف أعدائه من قبول أو رفض بل بناء على اعتبارات مبدئية نابعة من صميم حقوقه ومصالحة الوطنية.
ثانيا: من يقول أن إسرائيل وأمريكا تقف فعلا ضد التوجه إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بهذه الدولة المسخ التي تتمتع دولة جنوب السودان المقامة حديثا باستقلالية أكثر منها بما لا يقاس؟ مسرحية الرفض الإسرائيلية واضحة الأهداف. فقد جاءت لاعتبارات استهلاكية داخلية لكي تحول أنظار واهتمامات المواطن الإسرائيلي إلى عدو خارجي وهمي على ضوء الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة التي عصفت بها. فهي تقوم بعملية تعبئة وتجنيد هؤلاء المواطنين من خلال التحريض والتخويف. من هذا المنطلق قامت بتدريب المستوطنين لكي "يدافعوا" عن أنفسهم في أعقاب الاستحقاق. هذا بالرغم من أن رئيس السلطة قد صرح مرات عديدة بأن التنسيق الأمني سوف يستمر وسوف تتعاون قوى الأمن الفلسطينية مع جنود الاحتلال لحماية المستوطنات. ودعا الفلسطينيين للركون إلى الهدوء. وصرح أيضا أن اللجوء إلى الأمم المتحدة لن يكون بديلا عن المفاوضات. إذن لماذا كل هذا الضجيج الفارغ من المضمون؟ إنه يتيح للسلطة الفلسطينية بعد عشرين سنة من المفاوضات العبثية الهروب إلى الأمام لاستحقاق وهمي. ويتيح لحكومة إسرائيل كما قلنا معالجة وحل مشاكلها الداخلية.
السيناريو واضح: إذا عرضت قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية على مجلس الأمن فهناك الفيتو الأمريكي. وإذا عرضت على الجمعية العمومية ونالت الأغلبية فإنها ستتحول في أحسن الحالات إلى دولة غير كاملة العضوية وبالتالي لن يتغير على وضعها شيء اللهم سوى أنها سوف تصبح أكثر قبولا للتنازل والابتزاز.
ما يثير القلق هنا هو موقف الفصائل الفلسطينية وقد انطلت عليها الكذبة وكأننا مقدمون على معركة وطنية من الدرجة الأولى وتجندت كرجل واحد وراء محمد عباس. على هذه الفصائل أن تخجل من نفسها وأن تبدأ بتغيير أسمائها الخادعة. شعارات هذه الفصائل تقتصر على: "الشعب يريد إنهاء الاحتلال"، "الشعب يريد إنهاء الانقسام"، "الشعب يريد الحرية والعودة والاستقلال". الخ. من هذا الصنف من الشعارات. وقد تم شطب كلمة "تحرير" من جميعها. وأنا اقترح عليها، إذا كان هناك من لا يزال بداخلها يخجل من نفسه، أن تبدأ بتغيير أسمائها: فلماذا "منظمة التحرير الفلسطينية"؟ ولماذا "حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح"؟ ولماذا "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؟ ولماذا "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"؟ هل ما زال هناك من يتحلى ببعض الجرأة والاستقامة ليقف ويقول: أيها الشعب الفلسطيني، انس كلمة تحرير، انس 80% من فلسطين، انس العودة. فكل ما تستطيع أن نحصل لك عليه هو هذا الاستحقاق التعيس.

Friday, August 26, 2011

1948 Tents versus 2011 Tents

August 10, 2011.
Ali Zbidat
1948 Tents versus 2011 Tents

I was asked about my stance on the Israeli protest movement that has been taking place for over two weeks, and the effect of the so-called Arab Spring on these protests, and most importantly: what the role of Palestinians living in the colonial state of Israel should be in these protests. Should they join these protests and tents and adopt the same demands? Should they erect their own tents and make demands relative to the Palestinian cause? Or should they quit, stand aside, and say: These protests don’t concern us at all?
Ultimately, the main theme of the Israeli protests, taken from the Arab Spring movement, and tweaked, is: “The people demand social justice!” This slogan summarizes the essence of previous, current and future Israeli protests. First: when they define “people”, we, the Palestinians, find our selves not only outside of this definition, but in the category of “enemy of the people”. Second, what does social justice mean when the entire state, from its inception, has survived on social oppression embodied in colonizing the land of Palestine and displacing its people.
Hence, I came to a definite non-negotiable answer: Any struggle in the State of Israel is necessarily a reactionary struggle as long as it opposes and ignores the struggle for natural rights for indigenous Palestinian people, including the liberation of the land and the return of the refugees.

In summary, The Israeli protest movement is reactionary regardless of its demands and our attempt to give ideological excuses/explanations to it, as some parties are trying. The demands of young couples, university students, doctors, and others can not be progressive demands if they ignore the demands of the indigenous people and instead race to steal their land and destroy any person opposing them.
The aim of these protests is to improve the situation of the colonizers/occupiers while our job is to hold them accountable. Is it my job, as a homeless Palestinian refugee, to make certain that my occupier can live a nice life and acquire a bigger and cheaper apartment on my land? Let this occupier go to hell and wander homeless on the streets. What do the inhabitants of these new, clean, colorful, tents in Tel Aviv, Haifa and Jerusalem think of the black Palestinian tents that filled the area in 1948? Do they recognize their responsibility to these tents? Anyone who wants to live in a comfortable apartment at reasonable price cannot ignore these questions!
Social demands cannot be separated from political demands, especially in this country.
I am not, nor will I fall into the Zionist traps. I am not claiming that the Israeli society does not suffer from class struggles, nor am I someone who is narrow-minded by my nationalist ideals. I do not believe that the “Jewish nation” is an exceptional case because I simply do not believe in the existence of a Jewish nation outside of the sick imagination of some racist Zionists. We have enough meaningless bickering between the Israeli Communist Party and the BALAD party (party that represents Palestinian), which is just as Israeli as the Communist Party.
What I have said above does not lessen the significance of the Israeli protest. In actuality, a positive and important consequence of these events is the truth that came out about our local leadership and political parties. In spite of our continuous empty talks about housing problems, lack of building permissions and land confiscations, our leadership was too cowardly to take initiative and waited two weeks into the Israeli protest movement to join, fearing we wouldn’t be welcomed among the various Israeli protest groups.
Another reason for the importance of the protest movement is its expression of the crisis of the Israeli state locally, and the rising crisis with capitalist systems worldwide.

Finally, these protesters, united, from the right and left, liberals and conservatives, will find themselves faced with a question that will continue to follow them as they attempt to escape it: Will the State of Israel give them any solutions? Or will they discover that the State is in fact their real problem?

Wednesday, August 24, 2011

من الذي انتصر في ليبيا؟ الشعب الليبي أم حلف الناتو؟

من الذي انتصر في ليبيا؟ الشعب الليبي أم حلف الناتو؟
علي زبيدات – سخنين

سقط نظام حسني مبارك في يوم الجمعة 11 فبراير 2011 وعمت الفرحة معظم شوارع العالم العربي. وبالرغم من انتقاداتي السابقة واللاحقة على مجرى الثورة وخصوصا على ضرورة استمراريتها، تعميقها والسير بها حتى النهاية إلا أن الحدث حسب رأيي كان يستحق الاحتفال في كل بيت عربي وشارع. على جناح السرعة، قررت المبادرة بالاتصال بجميع فنانينا الملتزمين وتنظيم مهرجان احتفالي في سخنين بمناسبة انتصار الثورة المصرية ومن قبلها الثورة التونسية. بالرغم من ضيق الوقت ومن التجاوب المتواضع للفنانين، والتجاوب المتواضع من الجماهير إلا أن المهرجان قام في يوم الأحد 13 فبراير أي بعد يومين فقط من انتصار الثورة وكانت الفنانة الملتزمة سلام أبو آمنة على رأس المحتفلين. قلت من على المنصة وأنا تحت تأثير الحماس الشديد الذي وصل إلى حد الهستيريا، خصوصا وأن رياح الثورة أخذت تهب على بلدان عربية أخرى: هذا هو الاحتفال الأول وسوف نحتفل هنا بانتصار كل ثورة عربية، في اليمن وليبيا والبحرين وسوريا والأردن والمغرب وفلسطين.
منذ ذلك التاريخ لم تنتصر أي ثورة عربية، ما عدا "ثورة" ليبيا. وها أنا أنكث بوعدي. لم استطع الاحتفال بل لم استطع حتى الفرح بسقوط صنم عربي آخر. لقد استحوذت علي الشكوك: هل ما حدث في ليبيا كان ثورة أصلا؟ هل نال الشعب الليبي حريته؟ أم أن كل ما هنالك أنه فاز باستعمار جديد؟ كيف يمكن الاحتفال أو حتى الفرح إلى جانب نيقولاي ساركوزي، سلفيو برلسكوني، ديفيد كاميرون وحمد بن خليفة آل ثاني؟ وهل المحتفلون في بنغازي وطرابلس يمثلون حقا الشعب الليبي؟ إذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة كل ما آمنت به وناضلت من أجله حتى ألان.
أولا: يجب أن أغير رأيي وموقفي من حلف الناتو. فهو ليس حلفا امبرياليا قام من أجل ما يسميه هو: مقاومة الخطر الشيوعي وحماية أعضائه الذين ينتمون إلى"العالم الحر" من هذا الخطر. وقام بشن الحرب الباردة التي تحولت إلى حرب ساخنة في العديد من الدول النامية: كوريا، فيتنام، لاوس، كمبوديا، كوبا، تشيلي وغيرها. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بدأ يبحث عن عدو جديد فوجده في العالم الإسلامي والعربي فشن حرب إبادة في أفغانستان والعراق ووقف إلى جانب دولة إسرائيل في جميع حروبها. بل هو حلف يناصر الشعوب المظلومة ويدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وثانيا: يجب تقديم اعتذاري إلى كل من كرزاي والجلبي والمالكي وعلاوي والسنيورة والحريري وعباس وفياض الذين اتهمتهم بالعمالة أو التواطؤ مع الامبريالية بينما هم أبطال وطنيون على غرار زميلهم في ليبيا مصطفى عبد الجليل.
ثالثا: يجب أن أسحب كل ما قلته عن جامعة الدول العربية: عن عجزها وفسادها وأن أكف عن التطاول على بعض الأنظمة العربية ونعتها بالرجعية فها هي وقفت إلى جانب "الثورة" الليبية وخصوصا دول الخليج والسعودية وقرار الجامعة العربية الذي شكل الغطاء اللازم لحلف الناتو من أجل التدخل العسكري. حمد بن خليفة آل ثاني هو تشي جيفارا الشرق بعد وقفته المشرفة إلى جانب "الكتائب الأممية" في العراق والبحرين وليبيا. يا لسخرية الأقدار!
عند كتابة هذه السطور كان مصير القذافي الشخصي ما زال مجهولا. إلا أن مصير نظامه كان قد حسم قبل ذلك بعدة أشهر أي بعد قرار جامعة الدول العربية بتفويض مجلس الأمن فرض حظر الجوي على ليبيا لحماية المدنيين وبعد قرار مجلس الأمن تنفيذ هذه "الحماية" من خلال غارات حلف الناتو الجوية، وكأنه لا يوجد مدنيين في المناطق التي تعرضت لهذه الغارات. لقد شن حلف الناتو بناء على تصريحاته هو أكثر من 7500 غارة جوية، فلماذا لم تقم قناة الجزيرة والعربية بتغطية هذه الغارات خصوصا تلك التي استهدفت المدنيين وأوقعت ضحايا لن نعرف عددها أبدا بينما كانت تعيد بث صور غارات كتائب القذافي التي استهدفت المدنيين مهما كانت ضئيلة عشرات بل مئات المرات؟
لا أدافع عن نظام القذافي ولا أتباكى على سقوطه. فقد كتبت عن ضرورة إسقاطه عندما كان المحتفلون اليوم يحجون إليه وينادونه بملك الملوك ورئيس الرؤساء. لكن للحقيقة وللتاريخ لم يكن القذافي أسوأ من باقي الحكام العرب الذين يتم السكوت عن جرائمهم. هل الملوك والرؤساء العرب من محمد السادس في المغرب مرورا بعبد الله الثاني في الأردن وحتى ملك السعودية وباقي أمراء الخليج أفضل من القذافي؟ فلماذا لا يقوم حلف الناتو إذا كانت مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان العربي تهمه إلى هذه الدرجة بتخليصنا منهم؟.
تمتلئ صفحة الفيسبوك بالتهاني من قبل المنافقين "الوطنيين" قبل غيرهم ومن قبل الحريصين على حقوق الإنسان بسقوط الطاغية وبهذا النصر العظيم الذي حققه الشعب الليبي! بدون أن ينبسوا ببنت شفة حول عودة الاستعمار إلى هذا البلد إلى سابق عهده.
ما حدث في ليبيا لا يمت للثورة بصلة. إنه صراع على السلطة بين نخب قبائلية متناحرة. القيادة في المجلس الوطني الانتقالي كانوا إلى فترة بسيطة مضت من أركان نظام القذافي وشاركوه عشرات السنين بجرائمه. سوف يتغير من يقف على رأس النظام ولكن النظام نفسه باق، ولكن هذه المرة سوف يكون أكثر خضوعا للنظام الامبريالي العالمي.
لقد أعدم عمر المختار من قبل المستعمر الايطالي مرة واحدة. ولكنه يعدم كل يوم من قبل الطرفين المتصارعين الذين يقترفون جرائمهم باسمه. دعوا عمر المختار يستريح في قبره، لا تقلقوا راحته الأبدية. فروح عمر المختار سوف تلاحقكم حتى انتصار الثورة الحقيقية.

Wednesday, August 17, 2011

سوريا: هل هي ثورة أم مؤامرة؟

سوريا: هل هي ثورة أم مؤامرة؟
علي زبيدات - سخنين

كلما كثرت المعلومات التي تردنا عما يجري في سوريا كلما ابتعدت وضاعت الحقيقة. إننا نقف أمام فيض بالمعلومات تغرقنا فيها قناة الجزيرة والعربية وال BBC الانجليزية وال CNN الأمريكية و France 24 باللغة العربية وعشرات القنوات الفضائية والمواقع العنكبوتية والصحف. كل هذا الفيض والأراضي السورية مغلقة في وجه وسائل الإعلام هذه فكيف تكون حالة هذا الكم الهائل من المعلومات لو كانت الحدود السورية مفتوحة أمامها؟ أي "شاهد عيان" يظهر على شاشة الجزيرة عبر الهاتف هو شاهد زور وأي منهم هو شاهد حقيقي؟ أي مقطع فيديو تم تركيبه أو العبث به أو منتجته عن طريق الفوتو شوب وأي مقطع يصور بصدق ما يجرى على أرض الواقع؟.
لا أريد أن أكرر نفسي فقد كتبت في هذا الموضوع سابقا. تطورات الأحداث لم تزعزع إيماني بما قلت بل بالعكس فقد زاد هذا الإيمان رسوخا.
وضعت أمامي مقياسين لتقييم حركات الاحتجاج العربية والتي يسميها البعض بشكل جارف بالثورات العربية، الاول: مدى جذرية التحولات الاجتماعية والسياسية التي تطرحها هذه الحركات منذ اندلاعها وخلال الصراع ومدى تحقيق هذه التحولات في البلدان التي انتصرت فيها (تونس ومصر). الثاني: مدى مقاومة نظام العولمة الرأسمالي ورفض هيمنته ومقاومته.
يشكل هذان المقياسان بالنسبة لي، وأرجو أن يكون كذلك بالنسبة للآخرين أيضا، نوعا من البوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح وتحذر من الانحراف. في الحقيقة كانت انجازات حركات الاحتجاج العربية، وأنا لا أجرؤ على تسمية جميعها بالثورات لأن ذلك سيكون تجنيا على مفهوم الثورة، في كلا المجالين متواضعة جدا في الأماكن التي سقط فيها النظام (مصر وتونس) أما في الأماكن التي لم يسقط فيها النظام بعد (ليبيا، اليمن، البحرين، سوريا) وفي باقي الأماكن التي لم يصل فيها الصراع إلى حد الانفجار فالوضع أسوأ بما لا يقاس.
في تونس ومصر على سبيل المثال، وهنا لا أتردد أبدا أن أطلق اسم الثورة على التحولات التي حصلت فيها من حيث المد الجماهيري والمشاركة الشعبية التي أسفرت عن إسقاط النظام. ولكن أين التحولات الاجتماعية والسياسية التي حصلت؟ لم أسمع مثلاعن إعادة تقسيم عادل لثروات البلد. لم أسمع عن تأميم بنوك أو شركات احتكارية أو إعادة توزيع أراض أو لجم تغول رأس المال المحلي المدعوم عالميا. في مصر مثلا لم يستطيعوا حتى التخلص من صفقة بيع الغاز لإسرائيل بالرغم من اتفاق الجميع على إجحافها. وأين رفض الهيمنة الامبريالية؟ ولا كلمة، بل على العكس يحاول النظامين الجديدين في كل من تونس ومصر الحفاظ على العلاقات الحميمة مع النظام الامبريالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ومع الاتحاد الأوروبي. الوضع أسوأ بما لا يقاس في ليبيا حيث قام المعارضون بإرجاع القوى الامبريالية متمثلة بحلف الناتو إلى البلد الذي قدم آلاف الشهداء للتحرر من نيرها. انك بحاجة لخيال مريض حتى تسمي قيادة المعارضين الليبيين بالثوار، هذا بغض النظر عن طبيعة النظام القائم.
لنعود إلى الوضع في سوريا والذي يهمنا أضعاف ما يهمنا الوضع في ليبيا أو في أي قطر عربي آخر. ليس فقط لأن سوريا قريبة علينا جغرافيا ولها دور خاص تجاه القضية الفلسطينية، بل لأننا كفلسطينيين نشكل جزءا لا يتجزأ من بلاد الشام ومن شعبها بالرغم من حالة التمزق التي فرضتها علينا معاهدة سايكس – بيكو وبالرغم من النزاعات الإقليمية لبعض الطبقات الحاكمة. هل ما يجري في سوريا هو مؤامرة دولية – إقليمية – محلية لإسقاط نظام الممانعة خدمة لدولة إسرائيل؟ أم هي ثورة شعبية ضد نظام قمعي فاسد؟ مما لا شك فيه أنه يوجد هناك مؤامرة تستهدف سوريا ودورها في النزاع العربي – الإسرائيلي وإلا كيف يمكن أن نفهم تكالب أمريكا وأوروبا والرجعية العربية لمحاصرة وإسقاط النظام السوري؟ هل يمكن أن نقف إلى جانب الاستبداد في قطر والسعودية والى جانب تيار المستقبل اللبناني ونصدق أن دورهم هو حرصا على الشعب السوري ودفاعا عن حريته ورخائه؟ هل يمكن أن نطمر رؤوسنا بالرمل ولا نرى التحركات الإسرائيلية المخابراتية لاختراق كل بلد عربي؟ ولكن، ومن جهة أخرى، هل ينفي هذا استبدادية وفساد النظام السوري؟ كلا طبعا. إذن، الوضع في غاية التعقيد ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبسيطه. وهنا لا بد من العودة إلى البوصلة التي تكلمت عنها سابقا. ما يقلقني هنا هو انجراف قوى المعارضة السورية في العموميات. الاقتصار على الشعارات العامة حول إسقاط النظام الاستبدادي واستبداله بنظام ديمقراطي لم تعد كافية. خصوصا وأن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية عليها علامات استفهام كبيرة. حتى ألان لم أسمع عن أية معارضة سورية تطرح برنامجا اجتماعيا سياسيا تقدميا وتدعو الجماهير لتبنيه والنضال من أجله. والاهم من ذلك لم أسمع عن تصريحات من أية جهة معارضة تدعو إلى مقاومة الهيمنة امبريالية وكل أشكال التدخل الأجنبي. بالمقابل توجد هناك أوساط معينة من المعارضة السورية ترتمي في أحضان الامبريالية الغربية ومنها من قابل وزيرة الخارجية الأمريكية مؤخرا. هنا لا تكفي التصريحات العامة برفض التدخل العسكري الأجنبي بل يجب فضح ورفض مثل هذا التدخل بجميع أشكاله. حتى تستحق حركات الاحتجاج السورية اسم ثورة يجب أن تطرح برنامجا اجتماعيا سياسيا جذريا وتقدميا وأن تعبر عن مدى رفضها ومقاومتها للهيمنة الامبريالية. أقول ذلك وأنا أضع ما آلت إليه الثورة الفلسطينية (ثورة مجازا) نصب عيني: إذ كيف يمكن اعتبارها ثورة وهي تدور في فلك الامبريالية والصهيونية؟ كيف يمكن اعتبارها ثورة وهي غارقة من رأسها إلى أخمص قدميها بالفساد؟
انتهى نظام البعث السوري تاريخيا ولكن هل نريد احمد جلبي، كرزاي، عباس، حريري آخر؟؟

Wednesday, August 10, 2011

خيمة 1948 مقابل خيمة 2011


خيمة 1948 مقابل خيمة 2011
علي زبيدات – سخنين

سئلت عن موقفي من حركة الاحتجاج الإسرائيلية التي تجتاح البلاد منذ أكثر من أسبوعين وعن تأثير ما يسمى بالربيع العربي على هذه الاحتجاجات، وأخيرا وليس آخرا وربما كان السؤال الأهم: ما هو دور الجماهير الفلسطينية في هذه البلاد؟ هل ينبغي أن تنضم إلى هذه الاحتجاجات وتلقي بثقلها في خيام الاعتصام وتتبنى مطالبها؟ أم عليها أن تقيم خيامها الخاصة وتطالب بتحقيق مطالبها الخاصة؟ أم عليها أن تعتزل وتقف وقفة المتفرج وتقول: هذه الاحتجاجات لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد. وهناك العديد من التساؤلات الأخرى المتفرعة عن ذلك.
لنبدأ من النهاية: شعار حركة الاحتجاج الإسرائيلية الرئيسي، المستمد، مع التحريف طبعا، من حركات الاحتجاج العربية هو: " الشعب يريد عدالة اجتماعية الآن". هذا الشعار يلخص جوهر الاحتجاجات الإسرائيلية السابقة والراهنة والقادمة أيضا. أولا: عندما يعرفون الشعب، فنحن الفلسطينيون نجد أنفسنا ليس فقط خارج تعريفهم بل نجد أنفسنا في خانة "أعداء الشعب". وثانيا ما معنى عدالة اجتماعية والدولة بأسرها تقوم منذ يومها الأول على الظلم الاجتماعي الذي يجسده اغتصاب أرض فلسطين وتشريد أهلها.
من هنا جاء جوابي النهائي المسبق الذي لا يقبل أي نقاش وهو: أن كل نضال في دولة إسرائيل هو بالضرورة ومن حيث التعريف نضال رجعي ما دام يتعارض أو يتجاهل النضال من أجل إعادة الحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني كاملة والتي تتلخص في تحرير الأرض وعودة اللاجئين.
باختصار: حركة الاحتجاج الإسرائيلية هي حركة رجعية في جوهرها مهما كانت مطالبها ومهما حاولنا إضفاء التبريرات الإيديولوجية عليها كما تفعل بعض الأحزاب. مطالب الأزواج الشابة، طلاب الجامعات، الأطباء وغيرهم لا يمكن أن تكون مطالب تقدمية إذا كانت تتنكر لحقوق أصحاب الأرض وتتسابق في هضمها وقمع كل من يطالب بها. هذه النضالات جاءت في أحسن الحالات لكي تحسن من ظروف المغتصبين الحياتية بينما مهمتنا هي معاقبة المغتصبين. هل من مهمتي، أنا الفلسطيني اللاجئ المشرد، أن ينعم مغتصبي بحياة رغدة وينال شقة سكنية أوسع على أرضي وبأسعار رخيصة؟ ليذهب هذا المغتصب إلى الجحيم وليتشرد في الشوارع. ما هو رأي سكان الخيام الجديدة والنظيفة والملونة في تل أبيب والقدس وحيفا وباقي المدن الإسرائيلية بالخيام الفلسطينية السوداء التي ملأت المنطقة في عام 1948؟ هل يعترفون بمسؤوليتهم عن تلك الخيام؟ من يريد أن يحصل على شقة مريحة ومن يريد أن يستأجر شقة بسعر معقول في هذه البلاد لا يمكنه أبدا أن يهرب أو يتهرب من مواجهة هذا السؤال.
لا يمكن فصل المطالب الاجتماعية عن المطالب السياسية خصوصا في هذه البلاد مهما حاول عصام مخول وأيمن عودة وعودة بشارات وغيرهم ابتذال الشيوعية كنظرية نقدية كبرى وتحويلها إلى نظرية ليبرالية مبتذلة تقود إلى ممارسات أشد ابتذالا. لا يهمني إذا صرح مخول بأنه يفتخر بانتمائه إلى الشعب الإسرائيلي أو لم يصرح، كما لا يهمني كثيرا ماذا تقوله وثيقة السادس من حزيران 1980. فهو "جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني" حسب الوثيقة وهو في الوقت نفسه "جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب الإسرائيلي" فأين التناقض؟ هل يوجد تناقض؟ لا يوجد تناقض. أنصح الرفيق مخول وباقي الرفاق أن يحضروا المسرحية الكوميدية "خادم لسيدين".
لست من الواقعين في فخ الحركة الصهيونية. ولا أقول بأن المجتمع الإسرائيلي يخلو من الصراعات الطبقية. ولست ممن "يؤدلجون ضيق الأفق القومي" ولا أؤمن بأن "الشعب اليهودي" حالة استثنائية مميزة لأني وبكل بساطة لا أؤمن بوجود "شعب يهودي" أصلا إلا داخل المخيلة المريضة لبعض العنصريين الصهاينة. لقد سئمنا من المناكفة العقيمة بين الحزب الشيوعي الإسرائيلي والتجمع الوطني الديمقراطي (مع وبدون هلالين) الذي لا يقل إسرائيلية عن الحزب الشيوعي.
ما قلته سابقا لا يقلل من أهمية الحركة الاحتجاج الإسرائيلية. ولعل أكثر مساهمة ايجابية قدمتها لنا هي أنها عرت قيادتنا المحلية من أحزاب سياسية ولجنة متابعة مرة أخرى. فبالرغم من كلامنا الغزير ولكن الفارغ عن ضائقتنا السكنية وهدم البيوت وعدم الترخيص ومناطق النفوذ وغيرها إلا أن هذه القيادة جبنت من تأخذ زمام المبادرة بيدها وتعمل شيئا، وفقط بعد مرور أكثر من أسبوعين قررت وبشكل خجول ركوب الموجة ويدها على قلبها: هل سيتم الترحيب بها أم أو لفظها.
هذه الحركة مهمة أيضا لأنها تعبر عن أزمة الدولة ككل، بل عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي بأسره. في نهاية المطاف سوف يجد هؤلاء المحتجون، الموحدون بيمينهم ويسارهم، بليبرالييهم وعنصريهم، أنفسهم يقفون أمام السؤال الذي يلاحقهم ويهربون منه: هل دولة إسرائيل ستقدم لهم الحلول؟ أم أنهم سيكتشفون أن هذه الدولة هي مشكلتهم الحقيقية؟

Wednesday, August 03, 2011

المجاعات والموت هي صناعات رأسمالية

المجاعات والموت هي صناعات رأسمالية
علي زبيدات – سخنين

الصور التي تبثها الفضائيات يوميا عن المجاعة في القرن الأفريقي فظيعة ومحزنة ولكنها ليست فقط كذلك، إنها مثيرة للسخط والغضب في الوقت نفسه. مظاهر الأطفال الذين يشبهون الهياكل العظمية في فلم رعب أمريكي، الشيوخ والنساء ومظاهر الفقر المدقع والبؤس والجوع، أنها جميعها أمور لا تصدق، إنها وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء. ولكنها أولا وقبل كل شيء جريمة مروعة. وككل جريمة يوجد هناك مجرم اقترفها يجب فضحه، إلقاء القبض عليه، تقديمه إلى المحاكمة ومعاقبته عقابا صارما يتناسب مع هول الجريمة.
كالعادة، الفضائيات ومن ورائها مما يسمى بالمجتمع الدولي والمؤسسات "الإنسانية" التي يرعاها النظام الرأسمالي السائد تبرئ المجرم الحقيقي وتبحث عن عوامل ثانوية لكي تحملها مسؤولية هذه الجرائم. تقول لنا هذه الفضائيات ومن يمولها ويقف وراءها: أن المسئول عن المجاعة في القرن الإفريقي هو الجفاف الذي يضرب تلك المنطقة. ومن يستطيع أن يكذب الصور التي تجسد هذا الجفاف؟ إلا أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. طبعا يوجد هناك جفاف، وهذا الجفاف يلعب دورا مهما في تفشي المجاعات ولكن من هنا وحتى تحميل الجفاف جريمة هذه المجاعات المسافة طويلة.
أولا وقبل كل شيء الجفاف نفسه كجزء من ظاهرة التحولات المناخية التي تشهدها كرتنا الأرضية المسئول الأول عنه هو النظام الرأسمالي العالمي المهيمن، وهذا باعتراف الدول الصناعية المتطورة نفسها. ثانيا، لماذا هذا العجز في مواجهة الجفاف؟ أثيوبيا مثلا هي خزان عالمي للمياه وأراضيها تشمل المنابع الأساسية لنهر النيل الذي يمر فيه 115 مليار كوب سنويا، فكيف لا يوجد هناك سياسة لتزويد جنوبها الذي يضربه الجفاف بشكل دائم بالمياه الضرورية؟ أوغندا وكينيا وحتى الصومال التي تقع في مركز الجفاف والمجاعة لديها ما يكفي من المياه لمواجهة الجفاف والتغلب عليه. إذن يوجد هناك عامل آخر هو المسئول عن هذه الجرائم البشعة. منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة: الفاو تذكر بالإضافة إلى الجفاف غلاء الأسعار والنزاعات العسكرية الداخلية كأسباب لتفشي المجاعة. فمثلا أسعار الذرة وباقي الحبوب في هذه المنطقة ارتفعت في الثلاث سنوات الأخيرة بنسبة تتراوح بين 60-120%. أما النزاعات المسلحة فحدث فيها بلا حرج. في الصومال لا يوجد حكومة معترف بها منذ سنوات. الكل هناك يطلق النار على الكل. وعدد قطع الأسلحة بين أيدي الناس يزيد عن عدد الأرغفة. والوضع ليس أحسن بكثير في باقي دول القرن الأفريقي الأخرى. ولكن الفاو وباقي المؤسسات التابعة للأمم المتحدة مرة أخرى تتستر على المجرم الحقيقي وتحاول تبرئته من خلال الدعوة للإسراع بإرسال المساعدات الغذائية. لا تقول الفاو مثلا من هو المسئول عن غلاء أسعار السلع الأساسية وما هي علاقة هذا الغلاء بالأزمة الاقتصادية التي عصفت مؤخرا بالدول الرأسمالية المتطورة. ولا تقول شيئا حول من يشعل نار النزاعات الداخلية المسلحة ومن الذي يزود الأطراف المتنازعة بالسلاح. الجواب واضح: النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تفعل ذلك. ولكن الوضع أخطر من ذلك بكثير. دول القرن الأفريقي ليست دولا فقيرة فهي غنية بالمواد الخام من معادن مختلفة منها اليورانيوم والغاز الطبيعي ومؤخرا تم اكتشاف حقول نفط واسعة في الصومال، هذا بالإضافة إلى الأراضي الخصبة التي لا تكفي لإطعام السكان المحليين فحسب بل ولتصدير الفائض أيضا. أين ذهبت هذه الثروات؟ بكل بساطة يتم سلبها من قبل الشركات الرأسمالية العالمية. لم أصدق عيني عندما قرأت أن هذه الشركات تحتكر حقولا واسعة في أثيوبيا وكينيا لزراعة الزهور التي تصدر إلى أوروبا بدلا من أن تكون مزروعة بالذرة والقمح. بينما يتلقى العامل في هذه المزارع أجرا يوميا لا يزيد عن 50 سنت.
4 ملايين صومالي مهددون بالموت جوعا. 14 مليون أفريقي في القرن الأفريقي مهددون بالموت جوعا. مليار إنسان في شتى أرجاء العالم يعانون من سوء التغذية. إذن، النظام الرأسمالي العالمي هو القاتل، هو المجرم الحقيقي، هو المسئول ليس عن المجاعات فحسب بل وعن الجفاف وغلاء المعيشة والحروب المتواصلة أيضا. ولا يغرنكم ذر الرماد في العيون على شكل هبات ومساعدات وقروض يقدمها هذا النظام القاتل.
نحن، سكان هذه المنطقة من العالم، نعرف هذه الحقيقة جيدا من واقع قطاع غزة. قطاع غزة ليس فقيرا كما يصوره البعض. وهو يستطيع سد احتياجات سكانه بكاملها وحتى تصدير العديد من السلع إلى الخارج. النظام الرأسمالي من تل أبيب إلى واشنطن مرورا بباريس ولندن هو الذي يخنق ويفرض الفقر على قطاع غزة. غزة ليست بحاجة إلى هبات الدول المانحة وليست بحاجة إلى الملايين التي ما زالت حبرا على ورق والتي خصصها أمراء النفط كذبا وبهتانا لإعادة إعمارها. إنها بحاجة إلى أمر واحد فقط: ارفعوا أيديكم القذرة عن قطاع غزة وهو سيعمر نفسه والآخرين أيضا.
في هذا الشهر، شهر رمضان تزداد المواعظ ضد البذخ والتبذير، وأنا شخصيا لست من المتحمسين للمواعظ، فالبذخ مستمر والتبذير مستمر بل ويزداد أيضا والطوابير أمام حوانيت الحلويات والمواد الغذائية والمطاعم الفاخرة تزداد طولا. وبدل أن يصرح أحد زعامات الحركة الإسلامية في البلاد أمام آلاف المستمعين أنه سوف يرسل المساعدات الإنسانية للصومال ننصحه أن يبدأ بإرسال هذه المساعدات إلى غزة وهي الأقرب. ولكن أولا يجب البدء بمحاربة البذخ والتبذير والاختصار من الإفطارات الجماعية المبالغ فيها والإعلان عن حملة لنصرة غزة يتم تنفيذها في عيد الفطر.

Wednesday, July 20, 2011

حمى المصالحة وأوهام الوحدة

حمى المصالحة وأوهام الوحدة
علي زبيدات – سخنين

كتبت في الماضي وها أنا أعود وأكتب: ليست كل وحدة هي وحدة ايجابية وليس كل انشقاق هو انشقاق سلبي. الوحدة التي تجمع بين الغث والسمين، وتخلط القمح مع الزوان وبين من يخدم قضية شعبه العادلة بإخلاص وبين الذي يتاجر ويفرط بها لا يمكن أن تكون وحدة ايجابية حتى وأن جعلنا منها بقرة مقدسة وأحطناها بهالة من القدسية وأطلقنا عليها اسم "الوحدة الوطنية" الذي لا يستطيع أن يتطاول عليه أحد. في المقابل، الانشقاق الذي جاء ليفرز القمح عن الزوان، ليعري ويسقط العناصر الطفيلية التي تساوم على الثوابت، والذي جاء للدفاع عن قضية الشعب لا يمكن أن يكون سلبيا.
حسب رأيي، في خضم النضال ومع تطور الأحداث على كافة المستويات لا يوجد هناك حالة نموذجية مثالية. فالوحدة كما الانشقاق يحملان بين طياتهما عناصر ايجابية وأخرى سلبية وتشكل عملية معقدة من وحدة وصراع الأضداد. لذلك يجب تناول كل ظاهرة وحدة أو انشقاق بشكل ملموس وبروح نقدية.
في الفترة الأخيرة طغت على الساحة الفلسطينية موجة من المصالحات والكلام المكثف عن إعادة الوحدة بدأت بين فتح وحماس وانتقلت إلى الحركة الإسلامية الشمالية والجنوبية ومن ثم إلى حركة أبناء البلد.
في الحقيقة كنت في البداية متعاطفا إلى أبعد الحدود مع الانشقاق بين فتح وحماس بالرغم من أنه لا يربطني بالطرفين أية علاقة تنظيمية أو أيديولوجية. وكنت أرى فيما حصل بأنه فرز بين نهجين متعارضين: نهج المقاومة مقابل نهج التفريط. وجاء لينظف الشوائب الفاسدة التي علقت بالقضية الفلسطينية والتي فرضتها النخبة المهيمنة في سلطة أوسلو. ولكن مع الوقت تبين أن الصورة تختلف بعض الشيء وأن الهدف الأساسي من الانشقاق كان الصراع على سلطة وهمية هي سلطة أوسلو. وإن الشعارات في واد والواقع في واد. طبعا منذ اللحظة الأولى للانشقاق بدأ الكلام عن المصالحة وعن إعادة اللحمة بين الطرفين والتي تكللت مؤخرا بالنجاح بعد 5 سنوات من المحاولات المعروفة لكل فلسطيني. المصالحة لم تتطرق حتى ولا بكلمة واحدة عن نهج المقاومة مقابل نهج التفريط، أو عن أية قضية مبدئية تخص صلب النضال الفلسطيني. ولكنها تمركزت حول الاتفاق لتشكيل حكومة انتقالية جديدة تضم شخصيات مستقلة، تشكيل لجنة انتخابية وبعض المطالب المتبادلة كإطلاق سراح المعتقلين من كلا الطرفيين. هل كان الانشقاق منذ البداية حول هذه الأمور؟
وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية تصور المصالحة وإعادة الوحدة بين كافة الفصائل وكأنه مطلب جماهيري مقدس على الجميع أن يهتف له ويصفق لنجاحه. بينما استمرار الانقسام هو مطلب إسرائيلي – أمريكي ويكفي تهديد نتنياهو لرئيس السلطة: يجب أن تختار إما إسرائيل وإما حماس.
الحقيقة غير ذلك. صحيح أن المطلب الإسرائيلي – الأمريكي هو أن يكون هناك انقسام فلسطيني يشغل الفلسطينيين بعيدا عن قضية العودة والتحرير ولكنه يفضل أن تكون هناك وحدة فلسطينية تعمل على وأد العودة والتحرير إلى الأبد.
المصالحة بين شقي الحركة الاسلامية في الداخل لا يهم أعضاء الحركتين وحدهم بل يهم كافة قطاعات شعبنا. هل كان الانشقاق قبل حوالي 15 سنة حول موقف مبدئي من الانتخابات للكنيست الصهيوني وحول الموقف من الكيان الصهيوني برمته أم كانت هناك خلافات شخصية امتزجت مع بعض المواقف السياسية؟ لا أخفي مرة أخرى بأني كنت اشد ميلا إلى الشق الشمالي، هذا بالرغم من بعدي التنظيمي والايدولوجي عن الطرفين. مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف مبدئي من غير شك، ولكن مقاطعة الشق الشمالي لهذه الانتخابات لم تكن جذرية بالقدر المطلوب وكانت تتخذ موقفا ليبراليا منها: قيادة الحركة لا ترشح نفسها ولا تنتخب ولكن القاعدة تستطيع أن تشارك أو لا تشارك. مرة أخرى تكللت محاولات المصالحة بالنجاح، هذا حسب وسائل الإعلام التي هي مصدري الوحيد للمعلومات، ولكن من غير أن تحسم هذه القضية. واليوم يقوم التحضير على قدم وساق لمهرجان الوحدة تحت شعار: مهرجان "البيعة والوفاء لرسول الله"، وكأن الانقسام كان لهذا السبب. لو كنت عضوا في أحدى الحركتين الإسلاميتين لسالت: لماذا كان الانشقاق؟ ولماذا الوحدة الآن.
المصالحة الأخيرة والوحدة الأخيرة هي بين شقي أبناء البلد، هذا على اعتبار أن الشق الثالث الذي شارك في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي وما زال منخرطا في صفوفه قد تنازل عن اعتبار نفسه طرفا في المصالحة والوحدة. على عكس الحالتين السابقتين أجد نفسي هنا متورطا عاطفيا على الأقل. فقد كانت وما زالت تربطني بهذا التيار أواصر عديدة. ولكني هنا أيضا أقف أمام لغز: لماذا كان الانشقاق أصلا وعلى أي أساس تأتي الوحدة الآن؟
بعد التجربة القصيرة والخروج من التجمع الوطني الديمقراطي أعلن كلا الشقين المقاطعة المبدئية الانتخابات للكنيست. وكانت توجه الانتقادات بين الحين والآخر لأحد الشقين بأن مقاطعته للانتخابات ليست حاسمة وليست مبدئية وأن خروجه من التجمع كان لعدم حصوله على المراكز التي كان يطمح بها. كلا الشقين وجد مكانا له في لجنة المتابعة العليا جنبا إلى جنب مع باقي الأحزاب العربية التي تؤمن بالكنيست وانتخاباتها. وأخيرا تبنى كلا الشقين حل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة. إذن أين الاختلافات الفكرية والسياسية التي تبرر الانشقاق؟ وهل حقا لم تلعب الخلافات الشخصية دورا حاسما في هذا الانشقاق. وعلى أي أساس تتم الوحدة حاليا؟ لم أقرأ أية وثيقة سياسية تبين أسس مثل هذه الوحدة المقترحة. أبناء البلد تاريخيا هي الحركة السياسية الوحيدة التي تمسكت بالهوية الوطنية الفلسطينية كهوية وحيدة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948. ولكنها لم تتطور فكريا كما وتعثرت سياسيا. في الماضي كان هناك نقاش أيديولوجي في صفوفها فمنهم من أراد أن تتبنى الحركة الماركسية اللينينية والاشتراكية العلمية ومنهم من اكتفى بالأفكار القومية العامة. اليوم لا يوجد هناك أي نقاش فكري حيث ما زال البعض يتبنى الماركسية والبعض الآخر قريب من فكر الإخوان المسلمين.
القضية ليست وحدة أو عدم وحدة الحركة بل ما هو الأساس السياسي والايدولوجي لهذه الوحدة. والقضية في الوقت نفسه ليست الانشقاق ولكن ما هي المبررات الإيديولوجية لهذا الانشقاق.
الصراع الفكري والأيديولوجي هو الضمان الوحيد لعدم الانجراف في تيار أوهام الوحدة والمصالحات.

Wednesday, July 13, 2011

من كذبة المفاوضات إلى كذبة الاعتراف

من كذبة المفاوضات إلى كذبة الاعتراف

علي زبيدات – سخنين

لنفرض جدلا أن سلطة أوسلو ذهبت إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولنفرض جدلا أن 190 دولة من أصل 193 دولة ( على اعتبار أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودولة ميكرونيزيا سوف تصوت ضد القرار) صوتت لصالح هذا القرار وأصبحت دولة فلسطين عضوا كاملا في الأمم المتحدة وليست بصفة مراقب كما هي عليه الآن، فهل يتغير شيء على أرض الواقع؟ هل ستزول مئات الحواجز ويستطيع المواطن العادي أو حتى الوزير أو رئيس الوزراء أو رئيس السلطة نفسه أن يتنقل بحرية بين مدينة وأخرى أو قرية وأخرى؟ هل سيغادر مستوطن واحد الأرض التي اغتصبها ويعيدها بمحض إرادته لهذه الدولة الوليدة؟ هل سيحترم الجيش الإسرائيلي هذه الدولة ويكف عن شن الغارات والاعتقالات متى شاء وأينما شاء؟ هل سيكون لهذه الدولة حدود معترف بها ما عدا التصريح المبهم بأنها تقوم على أساس حدود حزيران 1967؟ هل ستكون القدس فعلا عاصمة هذه الدولة أو إنها ستكون عاصمة مع وقف التنفيذ أو ربما عاصمة افتراضية؟
بعد 20 عاما من المفاوضات العبثية يهربون من جحيم هذه المفاوضات إلى نعيم الاعتراف في الأمم المتحدة ويصورون ذلك على أنه صمود عظيم بل هل انتصار باهر وإنجاز ما بعده إنجاز. فقط نفوس مريضة سقيمة تستطيع أن تصور هذا السيناريو على هذا الشكل. بل أستطيع أن أقول إنها نفوس ميتة. وفقط نفوس مريضة تستطيع أن تصدق هذا الكلام.
سوف تكون دولة ميكرونيزيا التي نشتمها ونتهكم عليها كلما ذكر أسمها أكثر استقلالا من الدولة الفلسطينية المقترحة. على الأقل ميكرونيزيا هي التي تحدد من يدخل إليها ومن يخرج منها ولا يوجد هناك حواجز تعرقل الحركة وتمنع التنقل من جزيرة إلى أخرى.
عشرون سنة كذبوا علينا هو عمر المفاوضات، ولا أريد هنا أن أتطرق إلى أكاذيب ما قبل المفاوضات، فهل المقصود عشرين سنة أخرى كذب حول الاعتراف؟
الأمم المتحدة لا تخلق دولا مستقلة. النظرية التي تقول إن الأمم المتحدة هي التي خلقت دولة إسرائيل عام 1948 غير دقيقة وغير صحيحة. فهذه الدولة ولدت بقوة السلاح بعد أن دمرت المجتمع الفلسطيني وشردت الشعب وسلبت الأرض الفلسطينية وأقامت دولتها. وكان قبولها عضوا في الأمم المتحدة تحصيل حاصل ليس إلا. الأمم المتحدة اليوم أسوأ من الأمم المتحدة في عام 1948. اليوم أصبحت أداة طيعة بين أصابع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والدول الامبريالية الأخرى. الأمين العام لهذه المنظمة ليس أكثر من موظف لخدمة سياسة الهيمنة الأمريكية. ولم يخجل قبل فترة أن يصرح أن لإسرائيل الحق في فرض الحصار البحري على قطاع غزة وناشد الدول الأعضاء الابتعاد عن أي تحرك لكسر هذا الحصار.
الشرعية الدولية التي تتمسك فيها سلطة أوسلو هي أيضا كذبة كبيرة. هذه ليست شرعية دولية بل العكس تماما: إنها لاشرعية دولية.
يعترف اليوم ب"الدولة الفلسطينية" أكثر من 120 دولة أي أكثر من نصف أعضاء الأمم المتحدة، أي أكثر من الدول التي تعترف بدولة إسرائيل. ويوجد في هذه الدول سفارات وقنصليات فلسطينية. ومن يظن أن هذه السفارات والقنصليات تمثل قضية شعب فلسطين العادلة فهو مخطئ. إنها بؤر للفساد ليس أكثر. فها هو سفير سلطة أوسلو لدى الأمم المتحدة ضيف مرغوب فيه لدى المنظمات الصهيونية يصرح حول الهدف من الذهاب للأمم المتحدة وطلب الاعتراف:" الهدف من هذه الخطوة هو إنقاذ حل الدولتين ومنع قيام الدولة الواحدة، وهذه هي الفرصة الأخيرة أمام إسرائيل لأن الدولة الواحدة تعني انتحار إسرائيل".
هكذا إذن. يضعوننا أمام خيارين: إما المفاوضات وإما الاعتراف. وكلا الخيارين هما عملية اغتصاب. وعملية الاعتراف أصلا هي مجرد مناورة للعودة في اللحظة الأخيرة للمفاوضات العبثية لكي تستمر المسرحية.
كما يقول المثل العربي: "بين حانا ومانا ضاعت لحانا": بين المفاوضات والاعتراف ضاعت القضية.
لقد آن الأوان كشف ووضع حد لهذا الكذب. وفقط استمرار النضال الثوري التقدمي وتطويره الكفيل بذلك.

Wednesday, July 06, 2011

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا
علي زبيدات – سخنين

مخطئ من يظن أن دولة إسرائيل لوحدها تفرض الحصار على قطاع غزة. العالم بأسره يشارك في هذا الحصار بشكل أو بآخر. ما يجري اليوم أمام أنظار وسمع العالم في ملاحقة أسطول الحرية الثاني نزع القناع عن وجوه الكثيرين وكشف عورات الجميع. لم يعد كافيا أن نكيل الشتائم لدولة الاحتلال حتى نتبرأ من هذا الحصار بعد أن نسل أنفسنا كالشعرة من العجين، ننفض عن كاهلنا تحمل المسؤولية ونردد لا حول لنا ولا قوة أو لا حول ولا قوة إلا بالله.
الأمر لم يعد يتحمل هذا التملق والكذب والتزوير والخوف من المواجهة، لم يعد يتحمل الشعارات الرنانة ولا المجاملات ولا حتى الأحاديث الدبلوماسية الدبقة.
من هنا، أنا أتهم، وأظن أن معظم سكان قطاع غزة البسطاء يتهمون معي هذا العالم الجبان، الصامت، المتواطئ، الغادر بالمشاركة في هذا الحصار المجرم الذي يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. لا أستثني أحدا.
أبدأ باتهام أنفسنا نحن في فلسطين المحتلة عام 1948، من مؤسسات رسمية وعلى رأسها لجنة المتابعة والأحزاب والحركات السياسية وهي معروفة، وأذكرها مرة أخرى بالاسم: الحركتان الإسلاميتان، الحزب الشيوعي وجبهته، التيار "الوطني" كما يحب أن يطلق على نفسه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وباقي أحزاب التهريج ذات الأسماء الرنانة "الديمقراطي العربي" و"القومي العربي" و"العربية للتغيير" وأبناء البلد بشقيها أو بثلاثة أو أربعة شقوقها، لا أدري، كذلك اتهم ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني من الجمعيات التي تعيش على فضلات الأموال المستجداة من الصناديق والدول المانحة الامبريالية. كذلك لا استثني الأفراد من الجماهير، مثلي ومثل غيري الذين يتابعون ما يجري على شاشات التلفزيون وعلى شبكة الانترنت ويضربون كفا بكف بعدما أصابهم مرض اليأس والإحباط والشعور بالعجز. نعم، جميعنا مشاركون في حصار غزة وجميعنا نتحمل مسؤولية هذه الجريمة.
ماذا فعلنا من أجل كسر الحصار عن غزة؟ لماذا يجب أن ننتظر أصلا بعض النشطاء القادمين من عشرين دولة أو أكثر وبعض السفن الصغيرة أكثر لكي نعبر عن مشاعرنا؟ قد يقول البعض: إننا لا نملك سفنا لكسر الحصار، لذلك نكتفي بإرسال عشرة مندوبين من النخبة للمساهمة في الأسطول. ولكن هل الحصار على غزة من البحر فقط؟ ألا يوجد هناك حصار بري أيضا؟ كم "أسطولا" بريا نظمنا لكسر الحصار؟ أسطول؟؟ آسف أقصد كم شاحنة؟ ها هو شهر رمضان على الأبواب ويكفي ما يتبقى على موائدنا لإطعام جميع المحاصرين، هذا ناهيك عن ولائم الإفطار الجماعية التي يشارك فيها رموز من يفرضون الحصار من رئيس الدولة شمعون بيرس وحتى أصغر وزير وموظف.
صرح رئيس لجنة المتابعة، السيد محمد زيدان لوسائل الإعلام: لن نشارك بأسطول الحرية الثاني لأننا نخشى المضايقات الإسرائيلية". من يخشى المضايقات الإسرائيلية من المفضل أن يبحث لنفسه عن منصب آخر. بالمناسبة، أنصح رئيس هذه اللجنة حفاظا على ماء الوجه أن يقدم استقالته فورا.
لماذا لا ننظم أسبوعيا، كل يوم جمعة، أسطولا بريا لكسر الحصار؟ قد يقول البعض: لا نستطيع. وأنا أجيب: هل حاولتم؟
الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967، من أحزاب وتنظيمات وفصائل بغض النظر عن موقعها، في السلطة كانت أو في المعارضة، هم أيضا متورطون في فرض هذا الحصار.أليس من العار أن يكون الرئيس الفلسطيني أول من يؤيد اقتراح اليونان التي رضخت للضغط الإسرائيلي بأن يتم نقل المعونات إلى ميناء اشدود ومن ثم تقوم السلطات الإسرائيلية بنقله إلى غزة كما تراه مناسبا؟ على كل حال، دور هذا "الرئيس" ودور رئيس حكومته في حصار غزة منذ سنوات معروف للقاصي والداني. كل فلسطيني يقبل بسلطة أوسلو هو موضوعيا شريك في حصار غزة شاء ذلك أم أبى.
الدول العربية بدون استثناء شريكة في هذا الحصار الغاشم. أكتفي هنا بالإشارة إلى موقف مصر "الثورة" المخزي من هذا الحصار. بالرغم من الضجيج الإعلامي ما زال معبر رفح على حاله، فتحه لبضعة أيام في الأسبوع أو لبضعة ساعات في اليوم وشروط عبوره لا تخجل حتى نظام حسني مبارك البائد. يا حيف، كيف يستطيع نظام أن يتكلم عن كرامته القومية وهو لا يملك السيطرة على معبر في أرضه؟ هذا الواقع ليس من شيم الثوار بل من صفات العملاء والمتعاونين.
إذا كنا نحن، الفلسطينيون والعرب نشارك في حصار قطاع غزة، بدون أن يرجف لنا جفن، فبأي وازع أخلاقي نستطيع أن نلوم تركيا على موقفها الغادر؟ ونلوم اليونان على رضوخها، ونلوم الأمم المتحدة على تواطؤها والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على تعاونهما مع إسرائيل؟
الشعب الذي يرضى بالإهانة ويرضى بأن تداس كرامته فهو يستحق أن يعامل كالعبيد.
العالم يحاصر قطاع غزة عسكريا وسياسيا واقتصاديا. ولكن في المقابل، قطاع غزة يحاصر العالم أخلاقيا. ولن يهزم الحصار إلا الحصار.

Wednesday, June 29, 2011

من نقد الأنظمة إلى نقد الثورات

من نقد الأنظمة إلى نقد الثورات
علي زبيدات – سخنين

منذ أن وعينا على هذه الدنيا ونحن ننتقد الأنظمة العربية ونحملها مسئولية تخلف الشعوب العربية عن ركب الحضارة ونحملها كل ما هو سلبي في مجتمعاتنا العربية في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة. أنا شخصيا توصلت منذ زمن طويل إلى نتيجة مفادها أن الأنظمة العربية ذات جوهر واحد بغض النظر عن تسميتها لنفسها: ملكية أم جمهورية، متطرفة أو معتدلة، دينية أو علمانية، رأسمالية أم اشتراكية، دولة رفض أو قبول، إلى ما هنالك من تصنيفات. جميعها تشكل حالة تخلف بنيوي وحضاري في المنطقة. وبالتالي فإن جميع هذه الأنظمة تستحق السقوط أو الإسقاط.
لا أستطيع أن أتصور نفسي في موقع المدافع عن هذا النظام أو ذاك مهما كانت الظروف ومهما كانت التبريرات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، بعد مرور أكثر من نصف سنة على هبوب رياح التغيير والثورة على العالم العربي من المحيط إلى الخليج، هو: هل هذه الثورات هي البديل التاريخي الأفضل لهذه الأنظمة؟
بالرغم من قصر الفترة الثورية في العالم العربي إلا أن المحللين والدارسين لها قد سارعوا إلى تصنيفها إلى صنفين رئيسيين: الأول، ثورات نجحت في إسقاط النظام وتحقيق معظم مطالبها أو البدء في تحقيقها على الأقل وهي تونس ومصر. والثاني ثورات تعثرت فيها الثورة بشكل أو آخر وما زال الصراع دائرا لم يحسم بعد كما في ليبيا، اليمن، البحرين وسوريا.
المقصود من هذه المقالة ليس الحكم على هذه الثورة أو تلك بالفشل أو النجاح، وحتى ليس تقييما لهذه الثورات من منطلق الانجازات التي حققتها أو الإخفاقات التي كانت من نصيبها، بل هي مجرد ملاحظات نقدية قد يتقبلها البعض وقد يرفضها آخرون. ولكن سلاح النقد يبقى ضروريا ولا بد منه من أجل دفع عجلة النضال الثوري إلى الأمام.
حسب رأيي، كانت انجازات الثورة في البلدان التي انتصرت فيها أي في تونس ومصر متواضعة جدا. وذلك لأسباب عديدة لا مجال لسردها وتفصيلها هنا ولكني سوف أتوقف عند عاملين على غاية الأهمية تم تجاهلهما من قبل جميع المحللين والدارسين عن قصد أو عن غير قصد.
الأول: غياب الثورة الثقافية الفكرية. في أوروبا مثلا، لو لم تسبق الثورة السياسية التي نقلت القارة من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة ثورة ثقافية فكرية حطمت القيود التي فرضتها الأفكار الكنسية المتحجرة البالية، لما استطاعت الثورة السياسية الانتصار وإن انتصرت لأخفقت في تحقيق تحولات جذرية عميقة في مجتمعاتها. في أوروبا سمي ذلك عصر التنوير ابتداء من عيمانوئيل كانت، مرورا بجان جاك روسو وفولتير وهيغل وحتى ماركس وباقي المفكرين العمالقة. الثورات العربية جرت، تحت وطأة الاستبداد السياسي والركود الاقتصادي والفساد الإداري فحسب، ولكن بمفاهيم وأفكار قديمة وفي أغلب الأحيان عقيمة. الأحزاب السياسية التي من المفروض أن تقود النضال الثوري كانت هامشية أو شكلت دعامة للنظام البائد. لذلك بعد سقوط النظام تسارعت الخطوات لتحويل الثورة إلى نظام. وكانت التحولات الجذرية متواضعة وسطحية برزت في أفضل الحالات في التخلص من رموز النظام السابق ومحاكمة بعضهم. لو كانت هناك تحولات ثورية في الثقافة والفكر لمهدت الطريق أمام الثورة السياسية ولدفعت التحولات السياسية والاجتماعية إلى المزيد من التحولات الجذرية. لا يستطيع جيل الثورة أن ينتصر على النظام القائم بواسطة استخدام أفكار النظام القائم.
العامل الثاني هو التخلف الصناعي والاقتصادي للبلدان العربية: مرة أخرى نلجأ إلى أوروبا كنموذج: بالإضافة للثورة الفكرية، سبقت الثورة السياسية ثورة صناعية دكت أسس النظام الإقطاعي المنهار مما جعل الثورة السياسية حتمية تاريخية. وقد جرت محاولات لتحقيق الثورة الصناعية بعد انتصار الثورة السياسية ولكنها فشلت، وأكبر مثال على ذلك فشل الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي السابق. حيث كان العامل الاقتصادي نقطة ضعف في هذه الثورة حتى زوالها بعد سبعين عاما من الثورة. العالم العربي بالرغم من الغنى الفاحش لبعض أجزائه بالنفط والأموال ومواد الخام، حافظ على تخلفه الاقتصادي وخصوصا الصناعي. كان النظام الإقطاعي سائدا حتى في البلدان التي لم تعرف الزراعة كدول الخليج التي أقامت ما أسميه بنظام الإقطاع المالي. في هذه الأيام، لا يمكن الحديث عن تقدم حضاري بدون الحديث عن ثورة صناعية. العالم العربي هو من حيث الأساس عالم مستهلك وليس عالما منتجا.
يجب العمل على إنقاذ الثورة في تونس ومصر من أن تتحولا بسرعة إلى نظام وبالتالي إلى ضرورة اللجوء إلى ثورة جديدة.
قلت في مناسبات عديدة أن الثورة تقاس بمقياسين، الأول: درجة التحولات الجذرية التي تحدثه في المجتمع في كافة المجالات. والثاني درجة عدائها للنظام الامبريالي العالمي. من هذا المنطلق لا نستطيع أن نصف المعارضة الليبية المتحالفة مع القوة الامبريالية بالثورة. ومن هذا المنطلق أيضا لا يمكن أن نعتبر السلطة الفلسطينية التي تلهث وراء الحلول الأمريكية سلطة ثورية أو وطنية. ومن هذا المنطلق نحذر من خطورة انزلاق المعارضة السورية للتحالف مع القوى الامبريالية. الشعب الذي لا يستطيع انتزاع حريته بالاعتماد على قواه الذاتية وعلى أبنائه فهو لا يستحق الحرية. بطش النظام لا يبرر اللجوء إلى قوى أجنبية دخيلة مهما كانت التسميات. من أجل إنقاذ الثورة في تونس وفي مصر ومن أجل انتصار الثورة في باقي البلدان العربية ينبغي المحافظة على نقاء الثورة وتنظيفها من الشوائب العالقة، الاستمرار بها وتعميقها وتوسيعها حتى تشمل كافة المجالات وأن تصعد العداء للنظام الامبريالي العالمي لأنه الداعم الأول للنظام المحلي الرجعي.

Wednesday, June 22, 2011

مافي مرمرة" ولكن يوجد مرارة"

مافي مرمرة" ولكن يوجد مرارة

علي زبيدات – سخنين

قد لا تكون هناك علاقة لغوية بين كلمة "مرمرة" التركية وبين كلمة مرارة العربية ولكن من غير شك يوجد هناك علاقة سياسية وأخلاقية قوية بينهما تصل إلى حد التطابق. كنت قد كتبت قبل سنة عندما كانت تهب على المنطقة تسونامي تركيا وصلت عند البعض إلى درجة الهلوسة، حيث تكلم هذا البعض عن عودة الخلافة الإسلامية وأن الطريق إلى القدس تمر في أنقرة، كتبت أنه يجب علينا أن نتريث قليلا، وألا نطفو على شبر من الماء. فتركيا ما زالت عضوا فعالا في حلف الناتو وسياستها الخارجية في نهاية المطاف تخدم المصالح الامبريالية الغربية وعلاقتها بأمريكا وإسرائيل أعمق من أن تؤثر عليها حادثة "مافي مرمرة". وكان كلامي هذا حينذاك نوع من أنواع الكفر خصوصا على ضوء انحطاط الموقف العربي.
هذا الأسبوع أعلنت مؤسسة الإغاثة والمساعدات الإنسانية التركية ( IHH) أنها لن تشارك بسفينة "مافي مرمرة" في أسطول الحرية الثاني وبذلك طعنت ظهرها وظهر باقي المنظمين من الخلف. وأوردت أعذار كانت جميعها أقبح من ذنوب فتارة تحججت في الأوضاع غير المستقرة على الحدود التركية – السورية وطورا آخرا تحججت بأسباب فنية. ونفت الحقيقة الواضحة الوحيدة التي يراها العالم أجمع وهي الخضوع لضغوط الحكومة التركية التي رضخت بدورها للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية.
لا أريد أن أفاخر بأن الموقف الذي عبرت عنه قبل عام اثبت صحته، وفي الوقت نفسه لا أريد أن اشمت بالذين ظنوا أن أردوغان هو صلاح الدين هذا العصر وأن النظام التركي قد أصبح نموذجا مثاليا على الأنظمة العربية أن تحتذي به. ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال طمس الحقيقة مهما بلغت مرارتها.
اعتبر الشعب الفلسطيني، بمعظم أطيافه السياسية، شهداء أسطول الحرية التسعة شهداء للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية قبل أن يكونوا شهداء لتركيا، وهذه حقيقة. إلا أن الحكومة التركية ومؤسسة الإغاثة التركية قد قدموا هذه الحقيقة قربانا على مذبح مصالحهم الضيقة مع أمريكا وإسرائيل. فكان القرار التركي أولا وقبل كل شيء غدرا بشهداء أسطول الحرية قبل أن يكون غدرا بقطاع غزة المحاصر. وفي الحقيقة لم أتوقع مثل هذا الموقف التركي المخزي خصوصا على ضوء تعنت الحكومة الإسرائيلية الذي رفضت حتى تقديم الاعتذار للحكومة التركية وأكثر من ذلك، في أعقاب تبني الأمم المتحدة نفسها للرواية الإسرائيلية وتبرئة الجيش الإسرائيلي من جرائمه بحجة الدفاع عن النفس وبأن سياسة حصار قطاع غزة لا تتعارض مع القانون الدولي. كنت أتوقع في ظل هذه العنجهية الإسرائيلية أن تكون المشاركة التركية المكثفة في أسطول الحرية الثاني هي الرد الحازم. ولكن يبدو أن وراء الأكمة يوجد ما وراءها. وإلا لماذا أعلنت تركيا عن موقفها فقط بعد الانتخابات التركية التي حقق فيها حزب أردوغان النصر؟ وما هي حقيقة وطبيعة المحادثات الإسرائيلية – التركية السرية والعلنية للمصالحة؟ وبماذا وعدت الإدارة الأمريكية الحكومة التركية؟
أنا شخصيا لا أتوقع خيرا كثيرا من السياسة التركية. العكس هو الصحيح: تركيا ما زالت أسيرة النظام العالمي الامبريالي – الصهيوني وما زالت أداة يستعملها هذا النظام لفرض هيمنته على العالم العربي، وإلا كيف نفسر وقوفها إلى جانب حلف الناتو في ضرب ليبيا؟ هل هي حقا لحماية المدنيين الليبيين من بطش القذافي؟ وما هو دورها الحقيقي بما يجري في سوريا الآن؟ هل هو دعم لمطالب الشعب السوري في الحرية أم هي رأس الحربة في التدخل الأجنبي؟
رأيي المتواضع يقول أن تركيا ما دامت عضوا ناشطا في حلف الناتو وتحتضن القواعد العسكرية الأمريكية التي تهدد أمن واستقلال المنطقة، وما دامت علاقتها حميمة مع إسرائيل بالرغم من التوترات الكلامية الأخيرة، وما دامت الأراضي التركية مشاعا أمام الموساد الإسرائيلي لغزو سوريا والعراق فإنها لا تستطيع أن تلعب دورا ايجابيا بناء في المنطقة.
تركيا، مثلها مثل باقي البلدان العربية، أحوج ما تكون إلى ثورة حقيقية. الديمقراطية التركية التي يتغنى فيها البعض ويعتبرها نموذجا لنظام إسلامي متنور ومعتدل، هي ديمقراطية مشوهة ومحدودة الضمان. لأنه لا يوجد هناك ديمقراطية حقيقية في ظل التبعية.
الحصار على قطاع غزة سوف يسقط عاجلا أم آجلا، بالرغم من تكالب ما يسمى بالمجتمع الدولي والعالم الحر والشرعية الدولية وتواطؤ الأنظمة العربية المخزي. وهو لن يسقط على يد أسطول الحرية هذا أم ذاك، بالرغم من كل التقدير والاحترام لكل من يشارك فيها معرضا نفسه للخطر، ولكنه سوف يسقط على يد الشعوب العربية بعد أن تنجز ثوراتها وتنال حريتها.
وأخيرا، في هذه المناسبة لا بد من التطرق إلى زعامات الأحزاب العربية المنطوية تحت كنف لجنة المتابعة العليا، الذين تركهم التراجع التركي كالأيتام وحرمهم من لعب دور البطولة وتوجيه السؤال التالي لهم: متى سوف تبدؤون بالتفكير في تنظيم أسطولا بريا لكسر الحصار عن قطاع غزة؟

Wednesday, June 15, 2011

التطبيع الوطني

التطبيع الوطني
علي زبيدات – سخنين

للوهلة الأولى يبدو هذا العنوان غريبا، إذ كيف يمكن أن يكون التطبيع وطنيا؟ ونحن متفقون جميعا على وجود تناقض مباشر بين التطبيع والوطنية، بين الموقف التطبيعي مع الكيان الصهيوني وبين الموقف الوطني المقاوم. لا أنكر وجود غرابة صارخة في تزاوج هذين المصطلحين. ربما نقف أمام ضرورة إعادة النظر في مفهوم التطبيع ومفهوم الوطنية.
أذكر أنه في بداية سنوات الثمانين كان النقاش ما زال حاميا على الساحتين الفلسطينية والعربية إزاء الموقف من اتفاقيات كامب ديفيد ومن نظام السادات الذي وقع على هذه الاتفاقيات. وكان الموقف الوطني الذي لا غبار عليه في ذلك الوقت هو رفض هذه الاتفاقيات جملة وتفصيلا ومقاطعة النظام المصري الذي نعت بأبشع صفات العمالة والاستسلام والتفريط. على هذه الخلفية تشكلت جبهة الرفض العربية في حينه. وفي تلك الفترة بالذات، أي بعد مرور حوالي عامين على توقيع الاتفاقيات بدأت جبهة الرفض تكشف عن عجزها وتذبذبها وبدأت المياه تعود تدريجيا إلى مجاريها وتعود العلاقات مع نظام السادات إلى طبيعتها، وليس لأن هذا النظام تخلى أو ابتعد عن اتفاقيات كامب ديفيد بل لأن جبهة الرفض بدأت تقترب منها بخطوات حثيثة.
وأذكر أن كوادر قيادية من حركة ابنا البلد، وهي الحركة التي كانت الأكثر جذرية من الناحية الوطنية، قد اجتمعنا وخرجنا بقرار يؤكد على ضرورة التمسك بالموقف الوطني الذي كان يعني رفض كامب ديفيد ومواصلة مقاطعة النظام المصري. وهذا كان يعني عمليا حذر السفر إلى مصر لأن ذلك يعد تطبيعا. ولكن، بعد ذلك بفترة وجيزة فوجئنا بخبر زيارة شخصية قيادية من أبنا البلد لمصر مبررا ذلك فيما بعد بظروف خاصة تم تقبلها من معظم باقي الرفاق. في تلك الأثناء بدأ سيل المسافرين يتدفق إلى مصر وجرف معه كافة المعارضين وزال الحذر تماما. وكنا نحن، المعدودين على التيار الوطني الجذري، وربما من باب الخجل نبرر تصرفاتنا ومواقفنا الجديدة بأننا لا نسافر إلى مصر من أجل الترفيه والتطبيع بل من أجل مع الشعب المصري ومع قواه الوطنية وكنا نتخذ من زيارة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وعادل إمام (الذي كان يعد في ذلك الوقت نجم التقدم) وغيرهم قناعا.
في بداية التسعينات تكرر الموقف نفسه، هذه المرة مع الأردن. فقد دمغت كافة القوى الوطنية اتفاقيات وادي عربة بالعمالة والخيانة وتقرر رفضها وعدم التعامل معها على كافة المستويات ومن ضمنها زيارة الأردن لأنها تصب في بحر التطبيع القديم والجديد والذي لعب به النظام الأردني دورا مميزا. لكن مرة أخرى جرفت الجسور المفتوحة الجميع. ومرة أخرى وجدت القوى الوطنية الأكثر جذرية قناعا لها: زيارة الرفيق جورج حبش والمناضلة ليلي خالد وحضور حفلات مارسيل خليفة وسميح شقير بالإضافة إلى التواصل مع شعبنا في الأردن.
لا أريد أن أتطرق هنا بالتفصيل إلى اتفاقيات أوسلو وكيف يمكن أن نرفضها من أساسها ونتقبلها بحذافيرها في الوقت نفسه. وقد لجأ بعض منظرينا إلى قوانين الديالكتيك لتبريرها، إلى قانون وحدة وصراع الأضداد، والتناقض الرئيسي والتناقض الثانوي والتراكمات الكمية التي تتحول إلى كيفية.
هكذا وجدنا أنفسنا ضد أوسلو بامتياز وفي الوقت نفسه معها بحماس منقطع النظير. تشابك وتقاطع التطبيع مع الوطنية. اختلطا وامتزجا واندمجا معا. لم نعد نعرف متى تنتهي الوطنية ومتى يبدأ التطبيع. أصبحنا كما يقول مظفر النواب: " الواحد فينا يحمل في الداخل ضده".
ما حملني إلى الكتابة في هذا الموضوع ألان ليس التطبيع السياسي وليس الموقف الوطني السياسي، بالرغم من أهميتهما، بل " التطبيع الوطني" الثقافي وهو الأكثر أهمية وخطورة حسب رأيي.
من منا لم يعشق فرقة العاشقين الفلسطينية ويردد أغانيها في المناسبات الوطنية وفي الإعراس وفي كل مكان. هل يمكن الكلام عن ثورة فلسطينية بدون التطرق إلى هذه الفرقة العريقة؟ لطالما حلمت بمشاهدتها بمهرجان حي. حتى تناولت وسائل الإعلام خبر دخولها إلى الضفة الغربية بدعوة من السلطة وبمباركة قوات الاحتلال، وكان في استقبالها زعامات السلطة الذين وأدوا الثورة ابتداء من محمود عباس وحتى ياسر عبد ربه. وأعلن عن إحيائها لمهرجان ضخم في قصر "الثقافة" (أي قصر وأية ثقافة؟) في رام الله. وهرع الوطنيون لمشاهدة الفرقة "العائدة إلى الوطن". وقررت بحسرة ألا أشارك في هذا التطبيع الوطني. وكم كان المشهد سرياليا عندما شاهدت مقطع فيديو من هذا المهرجان والفرقة تغني: هبت النار والبارود غنى" أمام صورة هائلة لرئيس السلطة محمود عباس ( إلى جانب الرئيس السابق عرفات حيث كان المهرجان بمناسبة الذكرى السادسة لاستشهاده). بينما النار الوحيدة التي تهب في ربوع الضفة في هذه الأيام هي نار جيش الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين بعد أن أخمد زعماء السلطة المحتفلين النار الوطنية.
تكررت خيبة أملي مرة أخرى قبل عدة أسابيع وتحطم الحلم على صخرة الواقع عندما قرأت عن قدوم عماد آخر من أعمدة الثقافة الوطنية وبالطريقة نفسها، وهو مطرب الثورة بدون منازع أبو عرب. لطالما آمنت، وما زلت، أن حق العودة لا خوف عليه طالما يردد اللاجئون وغير اللاجئين من جماهير الشعب الفلسطيني أغانيه. هل يوجد هناك فلسطيني واحد لم تهزه أغنية: هدي يا بحر هدي حتى الأعماق؟. لا أخفي أنني تصارعت مع نفسي حتى صرعتها ولم اذهب لمشاهدته.
أكاد اليوم أن افقد توازني مرة أخرى وأنا أتابع أخبار "مهرجان فلسطين الدولي" برعاية وزارة التطبيع الثقافي في سلطة أوسلو. لطالما عشقت سعاد الماسي وصوت مكادي نحاس. قد تكون مشاهدتهما في حفل مباشر وحي في رام الله فرصة لا تتكرر. لماذا تتساقط النجوم بهذا الشكل المخزي؟ هل حقا تغيير الزمن إلى هذه الدرجة وأنا من لا يستطيع التخلص من هذه العقلية المتحجرة؟ وماذا إذا كانت السلطة مطبعة؟ وماذا إذا كان قدوم هؤلاء النجوم مرهون بضابط إسرائيلي يحمل ختمه لدمغ عقولنا بالختم الإسرائيلي المتفوق؟ وجاء تصريح لطيفة التونسية ليعيدني إلى رشدي. أكاد لا أعرفها، ونادرا ما استمعت إليها. وقد قرأت بعض التهجمات عليها بسبب موقفها من الثورة التونسية. ولكن تصريحها بعد أن رفضت دعوة المشاركة في مهرجان فلسطين الدولي كان رائعا: أرفض ختم جواز سفري بالخاتم الإسرائيلي، لن أتحمل الوقوف أمام ضابط إسرائيلي على حاجز لكي يسمح لي بالدخول إلى أرض عربية. لي الشرف أن أغني لفلسطين عندما تتحرر ".
إذا كان رفض "التطبيع الوطني" تحجرا فأمنيتي أن يكون هذا الحجر من صوان. شكرا لطيفة وعذرا على ضعف إيماني.

Wednesday, June 08, 2011

من نكسة إلى أخرى

من نكسة إلى أخرى
علي زبيدات – سخنين

يبدو انه لا يوجد هناك من يكبح جماح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. فهو محافظ على خطابه السياسي كان ذلك أمام الكنيست الإسرائيلي أو أمام الكونغرس الأمريكي. أنا شخصيا أحسده على هذه المثابرة وعلى هذا الانسجام وأتمنى أن يكون هناك زعيم عربي أو فلسطيني يجاريه في هذه الصفة ولا يغير أفكاره ومواقفه بعد زيارة أي موظف أجنبي مهما كانت منزلته لإرضاء الدولة التي قدم منها. وأكثر من ذلك، في بعض المواقف أرى نفسي قريبا من نتنياهو أكثر من جميع القادة العرب والفلسطينيين المنافقين الذين يختبئون وراء أقنعة متهرئة من الوطنية. خذوا مثلا خطابه الأخير أمام الكونغرس الأمريكي الذي ظهر بصورة هزلية على غرار مجلس الشعب السوري أثناء خطاب بشار الأسد من حيث التصفيق والهتافات، حيث قال للعالم أجمع، ولكل من يريد أن يسمع: أن القدس ستبقى موحدة ولن تقسم أبدا. على عكس المفاوض الفلسطيني الذي تخلى ليس فقط عن القدس الغربية بل أيضا عن معظم القدس الشرقية بما فيها الحي اليهودي (وهو حي عربي طردت قوات الاحتلال سكانه) واللاتيني والشيخ جراح وكافة المستوطنات التي ضمت للقدس والقائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ولا يخجل هذا المفاوض الفلسطيني أن يقول بأنه لن يتنازل عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. عن أي قدس يتكلم؟ عن أبو ديس موسعة؟ أم عن مدينة مبتورة الرأس والأطراف؟
نعم، أنا مع نتنياهو وضد المفاوض الفلسطيني: القدس بشرقها وغربها، بقديمها وحديثها، داخل الأسوار وخارجها هي مدينة واحدة ويجب أن تبقى واحدة. كل ما في الأمر أن نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي نسي أن يقول كلمتين لا غير: أن هذه المدينة عربية فلسطينية.
بغض النظر عن أسطورة الملك سليمان مع المرأتين والطفل المتنازع عليه، هذه المدينة غير متنازع عليها. كل ما في الأمر إنها اغتصبت بالقوة وكما قال مظفر النواب وقف الحكام العرب يسترقون السمع لصرخات بكارتها. وكأن ذلك لا يكفي فطلبوا منها أن تسكت صونا للعرض. ماذا فعل هؤلاء الحكام من أجل القدس؟ سلموا الجزء الأكبر منها عام 1948 بدون قتال، وسلموا الجزء الباقي منها بدون قتال يذكر أيضا في عام 1967. وعندما بدأت دولة إسرائيل تعري المدينة من تاريخها لكي تلبسها ثوبا يهوديا مزيفا، تداعى هؤلاء الحكام للتستر على هذه الجرائم بإقامة لجنة القدس وأسندوا رئاستها إلى ملك التطبيع، الحسن الثاني، ملك المغرب وبعد وفاته إلى ابنه محمد السادس.
لا يوجد هناك قدس شرقية وقدس غربية، قدس قديمة وقدس جديدة. يوجد هناك قدس واحدة تمتد في الاتجاهات الأربعة، قدس واحدة تعود إلى العصور الغابرة لتصل إلى اليوم وغدا. هذا يذكرني بتصريح معيب لأحد رجالات سلطة أوسلو، ناصر القدوة: " لا قيمة قانونية ودينية ومعنوية للقدس الغربية بالنسبة للشعب الفلسطيني".
القدس العربية الفلسطينية ليست فقط المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة. القدس العربية هي كل بيت وكل شارع وكل زقاق وكل شبر أينما كان موقعه. الكنيست الإسرائيلي هي جزء لا يتجزأ من القدس العربية لأنها بنيت على أرض عربية مغتصبة. وكذلك الأمر بالنسبة لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، والجامعة العبرية ومستشفى هداسا وبيت رئيس الدولة ومتحف ضحايا النازية "يد فاشيم" وعشرات بل مئات المؤسسات الإسرائيلية الأخرى. مقاومة التهويد في القدس لا يتم فقط في الشيخ جراح وسلوان وجبل المكبر وغيرها من المناطق التي احتلت عام 1967 بل أيضا وفي الأساس في المناطق التي احتلت عام 1948. القضية ليست قضية تقسيم أو إعادة تقسيم المدينة بل القضية تحرير المدينة برمتها.
لم يقتصر انفلات رئيس الحكومة الإسرائيلية من عقاله على موقفه من القدس بل طال باقي المواضيع السياسية المطروحة مثل الاعتراف بيهودية الدولة وعدم الانسحاب إلى حدود 1967 وبقاء الكتل الاستيطانية ورفض عودة اللاجئين. هذه الامور يعرفها القاصي والداني بما فيهم المفاوض الفلسطيني المتهافت والذي لا ييأس (وهذا لصالحه) من اللهث وراء أوهام المفاوضات.
ولكن المصيبة الحقيقية عندما وضع نتنياهو نفسه نصيرا للثورات الشبابية العربية وحيى "الشباب الشجعان الذين يناضلون من أجل حقوقهم الديمقراطية" وواصل بتعجرف: " فقط عرب إسرائيل من بين 300 مليون عربي يتمتعون بحقوق ديمقراطية حقيقية".
لقد قلت في الماضي وها أنا أكررها مرة أخرى: أن الثورة التي ترفع شعار إسقاط النظام فقط ولا تعادي الهيمنة الامبريالية الأمريكية والصهيونية هي ليست ثورة بل هي مجموعة من العصابات تتصارع على السلطة . هذا ما نجحوا بصنعه في ليبيا واليوم يحاولون أن يصنعوه في سوريا. هذا الذي حيي الشباب المحتجين في الكونغرس هو نفسه الذي أعطى الأوامر بقتل 24 محتجا شابا في الجولان كل ما أرادوه العودة إلى بيوتهم. كان أحرى بمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية اوكامبو الذي ينشط لإصدار مذكرات اعتقال بحق القذافي والأسد أن يصدر مذكرة باعتقال رئيس الحكومة الإسرائيلية. فالقتل المتعمد عن سابق إصرار وبطريقة القنص في حق المدنيين هو جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليه القانون الدولي. كان أحرى بالمحكمة الدولية التي تحاكم في هذه الأيام مجرم الحرب الصربي ميلادتيش أن تحاكم مجرمي الحرب الإسرائيليين.
مرة أخرى وقفت زعامتنا من لجنة متابعة وأحزاب سياسية وقفة المتفرج إزاء مجزرة الجولان في ذكرى النكسة واكتفت بالإدانة الكلامية. أليست هذه هي الأخرى نكسة؟ لقد آن الأوان لهذه الزعامة أن ترحل.



Tuesday, May 31, 2011

أيها الشباب: أتركوا الأحزاب السياسية فورا

أيها الشباب أتركوا الأحزاب السياسية فورا
علي زبيدات – سخنين

في أحسن الحالات، لن تحب الأحزاب السياسية هذه السطور أما في أسوأ الحالات، سوف تشن هجوما كاسحا عليها وعلى كاتبها. ولكن بعد أن بلغ السيل الزبى لم يعد هناك مجالا للتردد أو للشك: لقد أصبحت هذه الأحزاب مقبرة للشباب بدل أن تكون دفيئة لهم يتربون ويترعرعون في أحضانها حتى يأخذوا دورهم في المجتمع.
لعل أهم سمة ميزت ورافقت الثورة العربية في البلدان التي انتصرت بها كما في البلدان التي تعرقلت وتعقدت بها الأمور هو الغياب شبه الكامل للاحزاب السياسية العريقة التي لعبت في أحسن الأحوال دورا هامشيا في التحولات الثورية. ذلك لأن هذه الأحزاب قد فقدت صلتها مع الجماهير وأصيبت بالترهل والتحجر الفكري والشلل في النشاط هذا بالإضافة إلى فساد القيادة والنزاعات الداخلية التي نخرت في أوصالها. أحزاب المعارضة لم تكن تختلف من حيث الجوهر عن الأحزاب الحاكمة. وقد لعب الشباب الدور الرئيسي في هذه الثورات بعد أن نفضوا عن كواهلهم غبار هذه الأحزاب المتراكم، كسروا قيودها، تحرروا من القمع الفكري وأخذوا يبدعون أشكالا جديدة لتنظيم أنفسهم بعيدا عن وصاية ورقابة هذه الأحزاب.
الوضع عندنا لا يختلف كثيرا عن الأوضاع في البلدان العربية الأخرى. الأحزاب السياسية عندنا، هذا إذا استطعنا أن نسميها أحزابا سياسية، فالكثير منها أشبه بعزبة خاصة للزعيم المؤسس وحاشيته من المقربين، قد وقف نموها وتحجر فكرها وتعيش في الوقت الضائع بحكم القوة الدافعة الأولى أو عن طريق التنفس الاصطناعي (التمويل الحكومي).
المصيبة هي أن هذه الأحزاب قد خلقت حركات شبيبة على صورتها، تحمل جيناتها الوراثية. فبينما مثلا تخرج هذه الأحزاب من ثيابها فرحا في حالة فوزها برئاسة بلدية أو مجلس محلي في انتخابات شكلية تقوم على تحالفات عائلية ومصالح شخصية وفساد ورشوات، وإذا حصلت على عضوين أو ثلاثة أعضاء في الكنيست الصهيوني فلا يسعها العالم من الفرحة بهذا الانجاز التاريخي في "العرس الديمقراطي"، نرى حركات الشبيبة التابعة لهذه الأحزاب تتصرف هي الأخرى على النحو نفسه. فيصبح الحصول على مقعد واحد من 40 مقعدا في انتخابات النقابة العامة للطلاب في إحدى الجامعات "نصرا للحركة الوطنية" التي استطاعت إسقاط التحالف المنافس. وتبدأ الاحتفالات بهذا النصر. قرف انتخابات لجان الطلاب العرب في الجامعات الاسرائيلية أو الانتخابات لنقابة الطلاب العامة لا يقل عن قرف الانتخابات المحلية والانتخابات البرلمانية. هل هذه هي النخبة المثقفة التي تبنى عليها الآمال من أجل الانتقال بمجتمعنا إلى غد أفضل؟
ليس من باب الصدفة أن يكون دور ونشاط حركات الشبيبة التابعة للأحزاب العربية مغيبا أو مهمشا. فقد حرصت هذه الأحزاب على قتل روح النقد وكبت الطموح عند الشباب، وقامت بحشوهم بأفكار جاهزة وبشاعرات عقيمة لكي تجعل منهم كوادر مطيعة، يصفقون للقيادة الحزبية وتربيهم على ثقافة التسلق لكي يأخذوا مكانهم في المستقبل. أين الروح التحررية الجامحة التي تضع كل شيء في موضع السؤال ولا تقبل الأشياء مسلمة؟ أين الطموح وروح النقد وأخذ زمام المبادرة والنشاط والحماس والمثالية؟ أقول بدون تلعثم أن الأحزاب السياسية قد اغتالت كل هذه الصفات.
السؤال الذي يجب أن يطرحه الشباب على أنفسهم هنا ويجيبون عليه بكل جرأة وصراحة هو: هل نريد شبابا يقرع الطبول في المسيرات ويصفق للخطباء في المهرجانات؟ هل نريد شبيبة تستنزف طاقاتها في تنظيم مخيمات صيفية لكي يأتي هذا المسئول الحزبي أو ذاك لإلقاء محاضرته المملة؟ أم نريد ما قاله الشاعر نزار قباني بعد النكسة التي تقترب ذكراها: " نريد جيلا غاضبا
نريد جيلا يفلح الآفاق
وينكش التاريخ من جذوره
نريد جيلا قادما مختلف الملامح
لا ينحني، لا يعرف النفاق
نريد جيلا رائدا عملاق."
ألا نريد شبابا يصنع ثورة مثل شباب تونس ومصر؟
ليس من باب الصدفة أيضا أن الشباب الأكثر نشاطا وحيوية في المناسبات الوطنية هم من الشباب الذين تحرروا من القيود التنظيمية التي وضعتها الأحزاب حول معاصمهم. حتى عندما يكونون منتمين لهذا الحزب أو ذاك فغالبا ما يكون نشاطهم بالرغم من الحزب وليس بفضله.
مسيرة العودة الثانية في 5 حزيران على الأبواب. لجنة المتابعة بكل مركباتها الحزبية والمجتمعية لم تحرك ساكنا. الدعوة للمشاركة في مظاهرة تل أبيب عشية ذكرى النكسة من أجل الإعلان عن استقلال دولة فلسطينية وهمية هي هروب إلى الوراء. من الأجدر بشبابنا أن يلتحموا مع شباب فلسطين في كافة أماكن تواجدهم لإنجاح مسيرات العودة حتى تحقيق أهدافها كاملة.
الخطوة الأولى في هذا الطريق الشاق والطويل هي أن يغادر الشباب الأحزاب السياسية فورا وأن يبدؤوا بإبداع أشكال جديدة وخلاقة لتنظيم أنفسهم.

Wednesday, May 25, 2011

أجراس العودة ما زالت تقرع

أجراس العودة ما زالت تقرع
علي زبيدات – سخنين

للأسبوع الثالث على التوالي أكتب عن موضوع العودة، لأنه حسب اعتقادي هو موضوع الساعة على الساحة الفلسطينية. لاحظوا أنني استعملت كلمة العودة فقط، ولم أذكر كلمة "حق" العودة. لم تسقط هذه الكلمة سهوا أو من باب الصدفة، بل كانت مقصودة تماما. بكل بساطة، بعد مسيرة العودة في 15 أيار 2011 يجب أن نتكلم عن العودة مباشرة وبدون مقدمات. عن حق العودة تكلمنا 63 عاما وكان ذلك كافيا بل وأكثر من اللازم. تكلمنا كثيرا، وكثيرا جدا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إنسانيا وسياسيا وقانونيا. تكلمنا مع أنفسنا ومع غيرنا، لمن يريد أن يسمع ولمن لا يريد أن يسمع. ولكننا لم نفعل شيئا، لم نحرك ساكنا اللهم إلا إذا اعتبرنا الخطابات والشعارات وزيارات قرانا المهجرة عملا. حتى جاء الخامس عشر من شهر أيار وشكل نقطة فارقة، نقطة تحول في مفهومنا للعودة. للمرة الأولى وقف اللاجئون وأنصارهم على أقدامهم وتوجهوا نحو الوطن. لم يزحفوا بالملايين كما كنا نحلم. أتوا بالآلاف وفي بعض الأماكن بالمئات، ولكنهم أتوا. ولكن كان ذلك كافيا لتحويل العودة من مجرد حق إلى عمل سياسي ملموس على أرض الواقع. الحق، كل حق، لا يتحقق من تلقاء نفسه، ولا يتحقق من مجرد الكلام عنه أو حتى من مجرد التمسك وعدم التفريط به. الحق، كل حق، يتحقق من خلال تحويله إلى ممارسة عملية. وهذا بالضبط ما حدث في الذكرى أل 63 للنكبة.
لقد كتبت في الأسبوع الماضي منتقدا موقف لجنة المتابعة والأحزاب السياسية وباقي مؤسسات وجمعيات ما يسمى المجتمع المدني الذين غابوا تماما عن المشهد: لا حضور، لا موقف وحتى لا تصريح. وفقط بعد انتهائه سارعوا بكيل المدائح له. أذكر إني بعدها رأيت الشيخ رائد صلاح في إحدى المناسبات وسألته: أين كانت جميع القيادات التي تزاحمت على الصف الأول في مهرجان الرويس في 10 أيار، لماذا اختفت في 15 أيار؟ أين الآلاف الذين جاؤوا لمهرجان "العودة والبقاء" في كفر كنا؟ فرد علي الشيخ مستعجلا: "خيرها بغيرها". حسنا جدا، أرجو أن يكون الوضع كذلك. ها هي ذكرى نكسة حزيران قريبة وقد أعلن أنها ستكون الجولة القادمة في معركة العودة. فهل سوف تعوضنا هذه القيادات والأحزاب والجمعيات عن غيابها السابق؟
على الجانب الآخر من الوطن الفلسطيني، وقفت الفصائل الفلسطينية التي طبعت على راياتها شعار العودة أيضا وقفة المتفرج، مما عرض الشباب الزاحف على حاجز قلنديا إلى بطش جنود الاحتلال الإسرائيلي والاستفراد بهم. لم نعد نسمع أحد من حركة فتح يقول: "أنا أبن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المقدام صانع عودتي". باقي الفصائل ليست بأفضل حالا. في الخامس من حزيران سيكون هناك امتحان آخر لهذه التنظيمات ولتلك الفصائل على طرفي خط الهدنة.
قلت في مقال سابق أن مسيرة العودة التي بدأت في 15 أيار يجب ألا تتوقف أبدا مهما كانت الأسباب ومهما كانت الظروف. وهنا أضيف أن أحد شروط انتصار المسيرة هو أن تأخذ زمام المبادرة وتتحرر من مناسبات الذكرى بالرغم من أهميتها في حشد وتعبئة الجماهير. أي انه ينبغي عدم الانتظار لذكرى نكبة أو نكسة أو مجزرة لمواصلة الزحف نحو الوطن. على حركة العودة أن تكتسب ديناميكية ذاتية تدفعها إلى الأمام وإلى الاستمرار. عدد العائدين سوف يزداد مع المثابرة والاستمرار، حتى ميدان التحرير لم يمتلئ بالملايين منذ اليوم الأول.
طبعا دولة الاحتلال لن تقف مكتوفة الأيدي مهما كانت المسيرات سلمية، فقد رأينا كيف قتلت بدم بارد 15 عائدا. وهي لن تتورع عن إطلاق النار على حشود العائدين وقتل المزيد منهم. ولكن هذا يجب ألا يردعنا من جهة ومن جهة أخرى يجب ملاحقة إسرائيل قضائيا وسياسيا في جميع المحافل المحلية والعالمية. وهنا الفت النظر إلى تقصير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية التي تتعامل مع دولة إسرائيل بكفوف مخملية. لماذا لا يتم التوجه إلى أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مثلا ومطالبته بإصدار مذكرة رسمية لاعتقال رئيس الحكومة الاسرائيلية بتهمة إعطاء الأوامر لقتل مدنيين. أم أن مثل هذه المذكرات صالحة للقيادات العربية فقط؟
السؤال الأخير الذي أطرحه هنا على الجميع ومن ضمنها منظمات حقوق الإنسان الناشطة بيننا: ماذا حصل للعائد الأول ابن مدينة يافا حسن حجازي؟ هل ما زال قيد الاعتقال أم هل تم تهجيره ثانية؟ لماذا لم تقم لجنة شعبية للدفاع عنه ومتابعة قضيته؟ لماذا تم تجاهله إعلاميا بعد ظهوره على القناة الإسرائيلية؟ في مسيرات العودة القادمة سوف يكون هناك المزيد من العائدين بشكل فردي أو جماعي وسيكون هؤلاء بحاجة إلى احتضان حماية، فهل نحن على استعداد لذلك؟
يجب ألا ننتظر حتى اللحظة الأخيرة. فإذا عاد اللاجئون إلى مارون الراس فيجب تنظيم مسيرة لاستقبالهم حتى ولو وضعوا الحواجز وأعلنوا عن المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة. وإذا اختاروا نقطة أخرى للعبور فيجب أن نكون جاهزين لاستقبالهم. وإذا حاول العائدون اختراق حاجز قلنديا من الشمال فلماذا لا نلاقيهم من الجنوب.
أجراس العودة التي قرعت في أل 15 من أيار يجب ألا تصمت حتى تحقيق العودة كاملة.

Wednesday, May 18, 2011

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت
علي زبيدات – سخنين

خلال 63 عاما كنا نحلم بالعودة، ننتظرها بفارغ الصبر، نتكلم مع أنفسنا ومع غيرنا عن حقنا التاريخي والإنساني والسياسي والحقوقي في العودة. كنا نحيي ذكرى النكبة كل عام، حولنا يوم استقلالهم إلى يوم نكبتنا. وكنا نختم هذه الذكرى على أطلال هذه القرية المهجرة أو تلك بالخطابات النارية والشعارات الرنانة حول هذا الحق الذي لا يسقط بالتقادم. وكنا نشعر ونحن نرى الجماهير الغفيرة المشاركة وكأن العودة أصبحت وشيكة وكل ما بقي علينا أن نفعله هو أن نفتح الأبواب لاستقبال جموع العائدين. ومن ثم نعود إلى بيوتنا متفائلين إلى أبعد حدود التفاؤل، راضين عن أنفسنا. ونعود إلى روتين حياتنا اليومية حتى نستيقظ بعد عام لمعركة وهمية أخرى بين نكبتنا واستقلالهم. هكذا كبر فينا الوهم حتى أصبحنا كالمرأة التي تعاني من الحمل الكاذب وأعراضه.
سئمنا من الانتظار، سئمنا اجترار كلماتنا السقيمة وخطاباتنا العقيمة، سئمنا إحياء ذكرى النكبة في الطرق الخلفية بعيدا عن أنظار العالم وكأننا نمارس العادة السرية. هكذا كان حالنا حتى جاء 15 أيار من هذا العام. في هذا اليوم اكتشفنا أمريكا من جديد، اكتشفنا القانون الساذج، البدائي الذي يقول: إذا أردت أن تعرف طعم التفاحة امسك بواحدة منها بيدك ضعها بفمك واقضمها، وإذا أردت أن تعرف طعم العودة أنفض الغبار المتراكم عليك قف، وتحرك وعد. هكذا بكل بساطة.
في هذا العام وقفنا أمام خيارين: إما مواصلة الانتظار بشتى أشكاله وإما البدء بالعودة الفعلية: النزول إلى الشوارع، التوجه نحو الحدود من كل حدب وصوب، تحدي قوات الشرطة والجيش وفتح صدورنا أمام رصاصهم. لا يوجد هناك خيار آخر. الخطوة الأولى كلفتنا 15 شهيدا ومئات الجرحى. الولادة كانت عسيرة ولكن المولود بخير. دولة إسرائيل لن تتورع عن إطلاق النار على المتظاهرين وعلى العائدين مهما كانت مسيراتهم سلمية. هذا الغول "الديمقراطي" سوف يكشف عن أنيابه ويحاول افتراس كل ما يواجهه مهما كان مسالما. ولكن علينا أن نكون كالأساطير الإغريقية، لا بد من مواجهة هذا الغول والانتصار عليه هذا إذا أردنا أن نحظى بحياة حرة كريمة.
مسيرة العودة في 15 أيار 2011، أي بعد 63 سنة من النكبة، هي مسيرة العودة الأولى. أشطبوا من دفاتر يومياتكم كل ما سبق. كانت هذه هي المسيرة الأولى والتي يجب أن يتبعها مسيرات عديدة من نفس النوع ولكن بزخم أكبر. سوف يكون من الخطأ القاتل انتظار 15 أيار القادم للقيام بمسيرة العودة الثانية. التوقف يعني الانتحار، يجب الاستمرار بهذا التحرك أسبوعيا، وإن كان ذلك بالإمكان أكثر من مرة في الأسبوع.. المهم عدم التوقف مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب والعقبات. إننا نقف اليوم أمام صورة كلاسيكية من التحدي: قوة الحق أمام حق القوة.
لن تكون قضية عودة اللاجئين سهلة، ولكن متى كانت القضايا المصيرية في حياة الشعوب قضية سهلة؟ لن تكون مسيرة العودة نزهة في أحضان الطبيعة. وقد أعطت دولة إسرائيل المؤشر والبرهان على ذلك عندما أطلقت النار وقتلت بدم بارد 15 شهيدا. ولن يكون هناك من يردعها سوى صدور العائدين. الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت موقفها المؤيد لدولة إسرائيل وحقها في "الدفاع" عن نفسها وعن حدودها. هذا الموقف ليس بالمفاجأة. الدول الأوروبية حافظت على تواطئها وفي أحسن الأحوال على صمتها وهذا الموقف أيضا ليس بالمفاجأة، ولا حاجة لمناقشته بعد الآن.
في هذا السياق أود فقط أن أتوقف قليلا عند الموقف العربي والفلسطيني الرسميين. ما قامت به قوات الأمن الأردنية من مهاجمة همجية للعائدين في الكرامة ومنعهم من الوصول للحدود كان متوقعا فالنظام الأردني يقوم بدوره الذي أنشأ أصلا من أجله منذ البداية والذي يتلخص بحماية دولة إسرائيل من الشرق. لكن ما لا يمكن تقبله أو السكوت عليه هو الموقف المصري: لمصلحة من كان إغلاق شبه جزيرة سيناء العربية والإعلان عنها منطقة عسكرية مغلقة؟ لمصلحة من كان إيقاف العائدين والمتضامنين معهم في الإسماعيلية ومنعهم من عبور قناة السويس؟ لمصلحة من كان منع الاقتراب من معبر رفح؟ هل هذا الموقف نابع من روح الثورة المصرية أم من بقايا النظام البائد التي ما زالت تعشش في الكثير من زوايا السلطة؟ كيف يمكن للنظام المصري أن يبرر الوقوف إلى جانب حق العودة وفي الوقت نفسه معارضة تحقيقه.
الموقف الفلسطيني الرسمي لم يكن أفضل من ذلك بكثير، خصوصا على ضوء تصريحات بعض أقطاب السلطة الفلسطينية بمناسبات عديدة على أن حق العودة قابل للتفاوض وأنه يمكن التخلي عنه جزئيا أو كليا، أو تتمسك به كلاميا وتفرط به فعليا. كيف يمكن تحقيق حق العودة في ظل التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال؟ كيف يمكن اجتياح الحواجز وإزالة المستوطنات وقوات الأمن الفلسطينية تساهم في حمايتها؟. لن تنجح مسيرات العودة الحقيقية إذا لم تنطلق أولا من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة كما انطلقت الانتفاضات.
المصيبة الحقيقية تكمن في موقف ما يسمى زعامات فلسطينيي الداخل. قبل اقل من أسبوع كانوا يتزاحمون على الكراسي الأمامية في مهرجان الرويس ويتصيدون الفضائيات لالتقاط صورهم أو لإجراء مقابلات معهم، وكان مندوبيهم يلقون الخطابات الحماسية من على المنصة. في 15 أيار اختفوا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتهم. لا أحد من هذه الزعامات كانت متواجدا في المسيرة التي كانت متوجه إلى مارون الراس والتي تم إيقافها بالقرب من برعم. لا أدري أين كان رئيس لجنة المتابعة في ذلك الوقت، ولكن أين كان أعضاء الكنيست العرب؟ وزعماء الأحزاب والجمعيات الكبرى؟ والطامة الكبرى أين كانت لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين التي تحتكر النكبة في الداخل كما تحتكر الحركة الصهيونية الكارثة اليهودية؟. هل يعقل أن تكون في 10 أيار من أشد أنصار العودة وفي 15 أيار تختفي وكأنك غير موجود على الإطلاق؟ لقد حدثت أخطاء عديدة في المسيرة المذكورة منها محاولة البعض السيطرة على مجرياتها بحجة المبادرة في تنظيمها، ومحاولة البعض إلقاء مسئولية المواجهات على بعض الشباب وليس على قوات الشرطة. ولكن ضعفها الأساسي كان يكمن بعدم التعبئة الكافية والتنظيم السليم لها مما أسفر عن مشاركة هزيلة سهلت للشرطة ولقوات الجيش حجزها في مكان ضيق بعيدا عن هدفها. مهما كانت أخطاء هذه المسيرة فإن الاتجاه العام كان صحيحا، وهذا المسيرة كانت المحاولة الأولى للعودة الفعلية مهما كانت متواضعة.
رياح التغيير التي تهب على عالمنا العربي لن تقفز عن بلادنا. على العكس فأن هذه الرياح سوف تتحول هنا إلى أعاصير وعواصف.

Wednesday, May 11, 2011

المسيرة ... المسيرة ... ولكن أين العودة؟

المسيرة ... المسيرة ... ولكن أين العودة؟

علي زبيدات –سخنين

يلومني بعض القراء بأن مقالاتي تقتصر على النقد وفي كثير من الأحيان النقد اللاذع وحسب رأيهم من غير حق خصوصا عندما أتكلم عن المؤسسات الرسمية مثل الأحزاب العربية، أعضاء الكنيست العرب، لجنة المتابعة وبعض الجمعيات وباقي القيادات. وأنا إذ أعترف جزئيا بهذه التهمة لأني أومن بأن النقد وليس المديح هو الذي يشحن الهمم ويكشف العيوب التي تؤدي إلى تصحيح الأخطاء والمسار، إلا أن هذه التهمة ليست صحيحة دائما ففي بعض الحالات لا يسع المرء إلا أن يحني قامته إكراما وإجلالا أمام بعض الأحداث. وها أنا أبدأ مقالاتي هذه بكيل المديح والثناء لآلاف الشباب والصبايا الذين شاركوا بمسيرة العودة الرابعة عشرة في الدامون والرويس. هذه الحشود الشبابية تطمئن القلوب وتدخل السكينة في النفوس. فهي الرد الحاسم والمناسب ليس فقط على قانون "النكبة" العنصري الذي سنته دولة إسرائيل مؤخرا بل أيضا على جميع التصريحات القديمة والحديثة المحلية والعالمية بشأن ضرورة التوصل إلى حل للنزاع العربي الإسرائيلي على أساس التخلي عن حق العودة.
ولكن، وهنا أعود إلى سلاح النقد، ليكن واضحا وصريحا أن نجاح المسيرات في ذكرى النكبة هذه السنة وفي السنوات السابقة لم يأت بفضل المنظمين والمؤسسات الراعية من لجنة المتابعة إلى لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين بل بالرغم عنها وعن تخبطها. أبدى عدد كبير من المشاركين الشباب على مسامعي استياءهم الشديد من التنظيم الذي تتكرر أخطاؤه كل سنة بل وتتفاقم أيضا. ففي المسيرة الأخيرة تم إنهاك المشاركين من خلال حشر السيارات في عنق زجاجة حيث استغرق قطع كيلومترات قليلة أكثر من ساعة وكان ذلك على حساب زيارة قرية الدامون المهجرة فمعظم المشاركين لم يتسنى لهم حتى التوقف لبضع دقائق على أطلال هذه القرية وكأن الهدف الأساسي كان جلبهم للمهرجان لسماع الخطابات فحسب، وهو الأمر الأقل أهمية في كل الموضوع. مرة أخرى تم زج الحشود في طريق خلفية نائية وضيقة وكأننا نقوم بعملية سرقة جماعية أو بعمل مشين وتم تحاشي الطريق الرئيسية التي تربط بين القريتين المهجرتين الدامون والرويس. أظن أنه تم اختيار هذا المسار بالتوافق بين المنظمين وشرطة إسرائيل التي لا تريد أن ترى مثل هذه المسيرة في الفضاء المفتوح بجانب الشارع الرئيسي.لا أدري إذا انتبه أحد بأن المهرجان الذي تضمن بعض الخطابات الساخنة قد جرى تحت ظل الأشجار الباسقة التي غرسها الصندوق القومي اليهودي (الكيرن كيمت) لطمس أطلال القرية وإخفاء الجريمة.
كانت المسيرة ناجحة، وناجحة جدا ولكن المسافة ما بين المسيرة وما بين العودة ما زالت شاسعة. هذه المسافة سوف تتقلص عندما نهدم حاجز الخوف ونسير في الطرق الرئيسية وليس في أي طريق جانبي بعيد عن الأنظار. هذه الطرق والمسارات الخلفية جاءت نتيجة لصفقة عقدت بين لجنة المتابعة وحكومة إسرائيل في أعقاب أكتوبر عام 2000، ومفادها باختصار: إلزموا قراكم وتظاهروا في أماكن مستورة وبالمقابل لن تقترب الشرطة كثيرا إلى المتظاهرين لمنع الاحتكاكات أو المواجهات. أي يجب علينا كما يقول المثل: أن نرقص بالعتمة ونكتفي بوسائل الإعلام المحلية وبقناة الجزيرة.
بهذه المناسبة أود أن أتطرق للموقف الإسرائيلي كما عبر عنه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. قال الثعلب بيرس الذي يضع على وجهه قناع السلام ويتلفع بجائزة نوبل للسلام في خطابه بمناسبة ما يسمى يوم الذكرى للذين سقطوا في حروب إسرائيل بعد أن يعيد كتابة التاريخ: " لم نبحث عن الحروب، لقد فرضت علينا. ولكن بعد أن هوجمنا لم نسمح بأن نهزم، وبعد أن ننتصر نعود إلى السلام. لن نتخلى عن إمكانية السلام الشامل والحقيقي، ضحايانا سقطوا من أجل السلام.."
المصيبة أن عددا كبيرا في العالم، ومن ضمنهم في عالمنا العربي، يصدقون هذه الأكاذيب ويناشدون بيرس بإلقاء ثقله لدفع عربة السلام إلى الأمام.
نتنياهو يكرر الاسطوانة المشروخة التي تقول: "أن إسرائيل هي جزيرة وحيدة من الحرية والديمقراطية في منطقة واسعة ومظلمة". لذلك في هذه الجزيرة المليئة بالحرية عندما يحتفلون بعيد "الاستقلال" أو أي عيد آخر أول ما يفعلونه هو تشديد الحصار والخناق على المدن والقرى الفلسطينية وإغلاق كافة منافذها، لكي لا يزعجهم أحد في احتفالاتهم ولا نمد أيدينا إلى مشاويهم.
ويتابع نتنياهو قوله أن أهم إنجازات دولة إسرائيل بعد 63 عاما على قيامها كان إعادة "قوة الدفاع للشعب اليهودي". هل قانون النكبة هو جزء من قوة الدفاع هذه أم هو نتيجة البرانويا التي تلاحقهم منذ اليوم الأول؟
الرواية الصهيونية كما عبرت عنها زعامتها تحتكر الألم والتحمل وكأن باقي البشرية عديمة المشاعر والأحاسيس، ومن هذا المنطلق يحيون ذكرى جميع الذين سقطوا في حروب إسرائيل الذين بلغ عددهم: 22867. ولا يكترثون بسقوط عشرات أضعاف هذا العدد في الجانب الآخر.
ربما آن الأوان، أن نتعلم ، بهذا الخصوص، شيئا من دولة إسرائيل ونبدأ بإحصاء كل الشهداء الفلسطينيين والعرب وأبناء الشعوب الأخرى المتضامنة مع شعبنا والذين سقطوا دفاعا عن فلسطين في الحروب المستمرة التي شنتها وما زالت تشنها الدولة ونحيي ذكراهم بالتزامن مع ذكرى النكبة. لقد حرثت الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا بحثا عن إحصائيات شاملة وموثقة بهذا الخصوص فلم أجد سوى شظايا معلومات. حتى شهداء الانتفاضة نبدأ بعدهم في الأيام الأولى أو في الأشهر الأولى ومن ثم نتوقف عن إحصائهم.
مسيرة العودة حتى ولو كانت لألف ميل ستبدأ بخطوة واحدة، ولكن على هذه الخطوة أن تكون خطوة عملية وليست مجازية.

Wednesday, May 04, 2011

النكبة بين الذكرى والقانون

النكبة بين الذكرى والقانون

علي زبيدات – سخنين

من يظن أن قانون النكبة الذي سنه البرلمان الإسرائيلي مؤخرا ووصفناه بحق بالعنصرية هو الأسوأ في موضوع النكبة فهو مخطئ. حسب رأيي طريقة إحيائنا "لذكرى" النكبة هي الأسوأ. وضعت كلمة ذكرى بين هلالين عن قصد وذلك لأنها أصبحت فعلا مجرد ذكرى تضاف إلى أخواتها التي ينضح بها التاريخ الفلسطيني مثل ذكرى يوم الأرض المتخاصم مع الأرض، وذكرى هبة أكتوبر المغتربة عن كل هبة. إذن، لم يبق من النكبة سوى ذكرى نحييها كل سنة بقوة الروتين وحكم العادة. لكي لا ننسى يقول البعض. ولكي لا نحقق الحلم الصهيوني الذي يقول: "الكبار يموتون والصغار ينسون". ونربت على أكتاف بعضنا البعض بفخر واعتزاز ونحن نرى الأعداد المتزايدة من الشباب الفلسطيني يشاركون في "مسيرة العودة" كل سنة.
هل هذه هي مهمة الشباب الفلسطيني؟ أن يتذكروا؟؟ ألا ينسوا أنه قبل 63 عاما تعرض الشعب الفلسطيني للنكبة؟ وماذا بعد؟ لم ولن ننسى أن يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا، وماذا بعد ذلك؟ متى سوف نبدأ بإزالة آثار هذه النكبة؟ لقد قلنا كل ما يمكن أن يقال عن حقنا القانوني والسياسي والإنساني والأخلاقي في العودة، وكررنا ما قلناه عشرات المرات، في كل ذكرى، في كل مسيرة "عودة" لإحدى قرانا المهجرة، ولكن متى سوف نخطو خطوة واحدة في طريق العودة الحقيقية؟؟
لقد أقرت جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين" ولا أدري من هي هذه الجمعية بالضبط ومن منحها حق احتكار هذه المناسبة، أن تكون المسيرة الرابعة عشرة هذه السنة إلى القريتين المهجرتين الرويس والدامون. وعممت بيانا على وسائل الإعلام بهذه المناسبة. من المخجل أنه بعد العواصف التي هبت في العالم العربي من ثورات أسقطت أنظمة عاتية أن نرى برنامج المهرجان المركزي لم يتزحزح قيد أنملة. التغيير الوحيد، إذا صح أن نسميه تغييرا، هو أن هذه الجمعية حملت هذا البرنامج الجاهز منذ سنوات على ظهرها وتنقلت به بين مسكة والكفرين وصفورية واللجون وغيرها من قرانا المهجرة. هل ينبغي أن ننتظر 500 سنة أخرى لكي نعطي كافة قرانا المهجرة حقها؟
جاء في بيان الجمعية أن المسيرة سوف تنتهي بمهرجان خطابي يتضمن كلمة للجنة المتابعة وكلمة لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين وكلمة لمهجري القريتين وكلمة للجمعيات اليهودية التي تدعم حق العودة. ألم نحضر هذا الفلم عدة مرات؟ من يملك تسجيل لخطاب رئيس لجنة المتابعة من السنة الماضية في مسكة ليقارنه بالخطاب الذي سوف يلقيه بعد أيام في الدامون، ومن يجد فرقا واحدا، على غرار المسابقات التافه في بعض القنوات الفضائية العربية لإيجاد فارق واحد بين صورتين متشابهتين، فله جائزة. وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الخطابات.
بما أن قضية اللاجئين والمهجرين وبالتالي حق العودة ليست ملكا لأحد حتى ليس للاجئين والمهجرين أنفسهم، فهي قضية وطنية من الدرجة الأولى فانا أطالب بكسر احتكار أية جمعية أو مؤسسة لهذه القضية وفتح المجال أمام كل فلسطيني يريد ويستطيع أن يساهم في خدمة هذه القضية. أنا لا أطالب بعزل أو اعتزال الناشطين الحاليين في هذا المجال فقد قاموا بجهود جبارة تستحق الثناء، الله يعطيهم العافية، كل ما أطلبه هو عدم الاحتكار، ألا تكون القرارات في اجتماعات مغلقة لا يعلم بها إلا بعض الأفراد، الكف عن أسلوب الإقصاء وإلغاء الآخرين.
منذ بداية مسيرات العودة في سنوات التسعين وحتى اليوم اقترحت أنا شخصيا في مناسبات مختلفة بعض الاقتراحات التي من شأنها أن تخدم قضية العودة وتدفعها إلى الأمام. ولكن لم يكن هناك حتى من يستمع إليها ويناقشها وذلك لأني لا انتمي لأية جمعية أو حزب سياسي. وأنا على يقين أن الكثيرين من المهتمين الآخرين في هذا الموضوع قد قدموا العديد من المقترحات التي لم يتم الاستماع إليها أو مناقشتها للأسباب مشابهة. وها أنا أعود وأذكر بعض هذه المقترحات:
لماذا تم حتى الآن استثناء المدن الفلسطينية التي تعرضت هي الأخرى للتصفية عرقية في عام النكبة من مسيرات العودة؟ لماذا تم تجاهل عكا، حيفا، يافا، اللد، الرملة، طبريا، صفد؟ أليست هذه المدن أهم، مع كل الاحترام لجميع قرانا المهجرة، من قرية الكفرين النائية مثلا التي ضل الطريق إليها عدد كبير من المشاركين هذا بالرغم من الجهود لتعليم الطريق؟ هل هي مجرد صدفة أم سياسة الجمعية التي تتلاءم مع سياسة السلطات الإسرائيلية لمنح التصريح للمسيرة؟
منذ سنوات والقدس تتعرض لعملية غاشمة من التهويد وتهجير أهلها وآخرها المخططات الاستيطانية في الشيخ جراح وسلوان، هل لسياسة إسرائيل الراهنة في القدس علاقة بالنكبة أم لا؟ إذا كان الجواب نعم، وهو كذلك فلماذا لا نفكر حتى بأن تكون مسيرة العودة في شوارع القدس؟ بل لماذا لم نجرؤ لأن تكون المسيرة في احدى قرى القدس المهجرة مثل دير ياسين، لفتا، عين كارم، المالحة، الخ.
نحن نعيش في عصر الفضائيات والإعلام السريع العابر للقارات فلماذا لا نقوم بالعودة الفعلية إلى قرية معينة تحت تغطية إعلامية مكثفة والاعتصام في هذه القرية لفترة طويلة حتى تأتي قوات الأمن الإسرائيلية لإخلائنا بالقوة؟
اليوم يوجد تحرك شبابي فلسطيني – عربي – عالمي للزحف الملاييني نحو فلسطين في الخامس عشر من أيار، ما هو موقف لجنة المتابعة ولجنة الدفاع عن حقوق المهجرين من هذا التحرك؟ لماذا هذا الصمت؟ هل هو نابع عن استهتار بهذه الفكرة ودمغها بالخيالية؟ أم أن اسم "انتفاضة فلسطينية ثالثة" يخيفهم؟
هذه الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع هي أكثر واقعية من كل الخطابات التي سوف نستمع إليها في المهرجان الخطابي. لماذا لا نفكر بتنظيم مسيرة سلمية لاستقبال اللاجئين الذين سوف يتوجهون إلى فلسطين في هذا اليوم؟ إلى قرية عرب العرامشة مثلا أو إلى بوابة فاطمة أو إلى أحد الجسور مع الأردن. لن تقدم العودة على طبق من ذهب أو فضة لأحد. لقد انتظرنا 63 عاما أكثر من اللازم للعودة وقد آن الأوان ليقوم كل لاجئ على رجليه يحمل عصاه ويسلك الطريق التي سوف تعيده إلى دياره.

Wednesday, April 27, 2011

الثورة العربية وعيد العمال العالمي

الثورة العربية وعيد العمال العالمي
علي زبيدات – سخنين

عندما ولد يوم الأول من أيار كيوم عالمي للطبقة العاملة قبل حوالي قرن وربع قرن من الزمن كان العامل يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها. فكان من الطبيعي أن يكون مطلبه الأساسي في ذلك الوقت تحديد يوم العمل بثماني ساعات حتى يبقى لديه بعض الوقت للراحة وتجديد طاقته والاستمتاع ولو قليلا بالحياة. بعد ذلك تطور النضال العمالي ليشمل الأجور المتدنية حين ذاك، وتمت المطالبة بحد أدنى للأجور والحق في التنظيم وإقامة النقابات العمالية والمطالبة في الضمانات الاجتماعية. في أماكن كثيرة من العالم اقترن النضال العمالي بالنضال الوطني من أجل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار بأشكاله المختلفة القديمة منها والحديثة، من أجل حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة ومن أجل حقوق الإنسان بشكل عام.
كاد هذا اليوم، خلال هذه الفترة الطويلة، أن يقفز عن عالمنا العربي. فما زال العامل العربي بشكل عام حتى يومنا هذا يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها، هذا إذا توفر العمل أصلا ولم يكن ملقى في أحضان البطالة ومن ثم في أحضان الحاجة والفقر المدقع، في عالمنا العربي من الخيال أن نتكلم عن ضمانات اجتماعية أو شيء يسمى حد أدنى من الأجور أو ضمان للدخل وغيرها من الأمور التي حققها العمال في معظم أرجاء العالم منذ وقت طويل. وقد حاولت الطبقات الحاكمة وما زالت إقناع العمال العرب عدم الاهتمام بيوم العمال العالمي تارة لكونه ولد في أمريكا فهو إذن يوم مستورد من العالم الامبريالي، وقد عزف على هذا الوتر الأنظمة التي تضع على وجهها قناعا قوميا أو وطنيا، وطورا لكونه مستوردا من الاتحاد السوفيتي السابق والأحزاب الشيوعية والعمالية وقد ضرب على هذا الوتر العديد من الحركات الدينية.
صحيح تاريخيا أن يوم الأول من أيار ولد في أمريكا ولكنه ولد من خلال الصراع الدامي ضد النظام الرأسمالي الأمريكي الذي يتغنى بالدمقراطية. ولو ولد في أحضان النظام الرأسمالي لتلقفته الطبقات الحاكمة عندنا بالترحاب وبدون أية مشكلة كما فعلت بعيد العشاق "الفلانتاين" على سبيل المثال. وصحيح أيضا أن الأممية الثانية عندما كانت ثورية بزعامة فريدريك انجلز وآخرين قد تبنت هذا اليوم وجعلت منه يوما يرمز لوحدة الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم من أجل تحقيق المبدأ الذي أعلن قبل ذلك بحوالي نصف قرن في البيان الشيوعي: "يا عمال العالم اتحدوا"، ومن ثم تم تبني هذا اليوم من قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا والأحزاب الشيوعية الثورية في ذلك الوقت. هذه الحقائق لا تجعل أبدا من هذا اليوم يوما أمريكيا أو روسيا أو أجنبيا دخيلا يجب مقاطعته. بل على العكس من ذلك فإن الطبقة العاملة العربية اليوم أحوج ما تكون إلى عيد العمال العالمي أولا من أجل توحيد صفوفها في مواجهة الأنظمة المستشرسة وثانيا لمد الجسور بينها وبين عمال العالم الذين يناضلون من أجل قضية واحدة ألا وهي التحرر من نير الاضطهاد والاستغلال الرأسمالي.
بالرغم من أن الثورة العربية الراهنة المتفجرة في أكثر من قطر لا يمكن تصورها بدون الدور الحاسم للطبقة العاملة ولباقي الطبقات الكادحة والمثقفين الثوريين إلا انه تجري محاولات حثيثة لإقصاء العمال عن قيادة هذه الثورات والاكتفاء بتحقيق بعض الإصلاحات ومنع تطور هذه الثورات لتصبح ثورات عمالية. ومما يساعد على نجاح هذه المهمة هو هيمنة شريحة ارستقراطية من الطبقة العاملة تتكلم باسم الطبقة العاملة ولكنها تنفذ في نهاية المطاف سياسة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
النضال العمالي بدون وعي طبقي يؤدي في أحسن الحالات إلى بعض الإصلاحات ولكنه يبقي النظام الاجتماعي والسياسي كما هو. وعندما تشعر الطبقات الحاكمة بالقوة ثانية سوف تنقض على هذه الإصلاحات وتعيد الوضع السابق إلى نصابه. الثورة السياسية يجب أن ترافقها ثورة اجتماعية وثقافية. الضمان الوحيد لاستمرارية ونجاح الثورة هو تحويلها من ثورة وطنية ديمقراطية إلى ثورة عمالية بقيادة طبقة عاملة تتبنى أيديولوجية عمالية ثورية.
وعندما نقول ثورة عمالية نعني إلغاء كافة أشكال الاستغلال الرأسمالي: إلغاء نظام الأجور والنقد والربح. نعني إلغاء كافة أشكال العنصرية والتمييز على أساس عرقي، ديني أو جنسي. الثورة العمالية بطبيعتها تعني تخطي وهدم كافة الحدود الجغرافية والاجتماعية التي تفرق بين الشعوب.
العامل الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة العربية والعالمية وتقع على عاتقه ليس فقط النضال من أجل تأمين لقمة العيش بل أيضا وفي الأساس النضال من أجل الحرية والاستقلال من الاحتلال الصهيوني وحلفائه من متعاونين فلسطينيين وعرب. ينبغي على العامل الفلسطيني حتى يستطيع أن يقوم بدوره التاريخي جنبا إلى جنب مع عمال العالم أن ينفض عن نفسه غبار الخنوع الذي تنميه وتفرضه الأحزاب والحركات الانتهازية والتحريفية التي تسمي نفسها عمالية زورا وبهتانا ولكنها في الحقيقة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
ليكن يوم الأول من أيار هذا العام يوما مشهودا لانطلاق الثورة العمالية العربية.

Wednesday, April 20, 2011

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

علي زبيدات – سخنين

أتذكر هذا المثل العربي الذي يؤكد أن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر كلما قرأت خبرا أو مقالا عن ضرورة إعادة بناء، ترميم أو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية أو "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" واختصارا لطول الاسم الذي يثقل على الكاتب وعلى القارئ أكتفي بتسميتها: لجنة المتابعة.
هل يذكر أحد متى بدأ الكلام عن ضرورة إعادة بناء هاتين المؤسستين؟ منذ سنوات طويلة، صحيح؟ وأكاد أجزم منذ اليوم الأول لإقامتهما. أي قبل أن يعبث الدهر بأصابعه لإفسادهما. وذلك لسبب بسيط: لكونهما ولدتا أصلا مشوهتين. ولكن كما يبدو استطاع الجمال والشباب لفترة من الزمن ستر تشويهات الولادة هذه. غير أن هذه التشويهات بدأت تطفو على السطح وتطغى حتى أصبح من المستحيل تجاهلها. من هنا كثرت المطالبات بإصلاحها. بعض هذه المطالبات بريء وساذج وصادر عن حسن نية ولكن غالبيتها خبيث جاء ليحقق مآرب أخرى.
لا أريد أن أتطرق هنا إلى المطالب بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بالرغم من أهمية هذا الموضوع الجدير بتناوله بشكل مستقل خصوصا وأنه مطروح بقوة من قبل كافة الفصائل الفلسطينية الموجودة في سلطة أوسلو والمعارضة لها. سأكتفي هنا بالكلام عن لجنة المتابعة.
يبدو من الإخبار القليلة التي تناولتها وسائل الإعلام المحلية مؤخرا أن الأجواء داخل لجنة المتابعة متعكرة وربما أكثر من متعكرة ولكني أكتفي هنا بهذا الوصف: الجميع عاتب على الجميع والزعلان أكثر من الراضي وازدادت حالات اللمز والغمز واللسع. ومع ذلك تحمل هذه اللجنة عكازها وتتابع سيرها الأعرج. وبشكل موسمي تعالت الأصوات المطالبة بالإصلاح.
التجمع الوطني الديمقراطي هو من الأحزاب الفاعلة داخل هذه اللجنة ولعله أكثر الأحزاب تحمسا لإصلاح أو إعادة بناء هذه اللجنة. وقد لفت نظري مقال بقلم السكرتير العام لهذا الحزب: عوض عبد الفتاح نشر مؤخرا بعنوان: الشعب يريد انتخاب "المتابعة". لنتغاضى للحظة عن تقزيم شعار الشعب يريد.... وعن اختزال الشعب بشخص السكرتير العام أو الحزب الذي ينتمي إليه، فهو لم يقل: أنا أريد أو حزبي يريد بل مرة واحدة على طريقة لويس الرابع عشر وليس على طريقة شباب ميدان التحرير: الشعب يريد...
حسنا، انتخاب المتابعة، هذا هو الأرنب السحري الذي يخرجه صاحب المشروع القومي الديمقراطي من قبعته لإصلاح لجنة المتابعة.
لقد جربنا الانتخابات في مواقع أخرى فهل تحسنت أوضاعنا يا ترى؟ ألم ننتخب رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية؟ وماذا كانت النتيجة؟ لقد أعادتناهذه الانتخابات إلى العائلية والطائفية ونشرت الفساد في كل مكان داخل هذه المؤسسة المنتخبة ففي كل صباح نسمع عن قضية فساد ورشوات متورط بها رئيس بلدية أو نائبه أو موظف كبير. هل يستطيع أحدنا أن يقف ويذكر إيجابية واحدة جلبته لنا هذه الانتخابات؟
وقد جربنا الانتخابات داخل الأحزاب العربية تقليدا للأحزاب الصهيونية: البرايمرز. وأحمد الله أنني ابعد ما يكون عنها. ولكن طريقة انتخاب المرشحين للكنيست في هذه الأحزاب وطريقة انتخاب القياديين في كل حزب معروفة للجميع. هل جعلت الانتخابات الحزبية من أحزابنا أفضل؟ أترك الإجابة عن هذا التساؤل مفتوحا أمام القراء الحزبيين منهم وغير الحزبيين.
والآن يريدون استخدام هذه الوصفة السحرية لإعادة بناء لجنة المتابعة: انتخاب اللجنة!!
هل ستكون طبيعة هذه الانتخابات مختلفة عن طبيعة الانتخابات المحلية والحزبية من حيث المعايير السياسية والاخلاقية؟ هل نصبح ديمقراطيين بمجرد مناداتنا بالانتخابات؟
ولكي لا أفهم خطأ أنا لست ضد الانتخابات من حيث المبدأ. ولكني ضد الانتخابات عندما تصبح مسخرة، عندما تكون لعبة تحكمها قوانين المصالح الشخصية والفئوية والعائلية والطائفية. قبل الانتخابات يجب أن نتمتع بمستوى كاف من الوعي لما نريد، يجب أن تكون لدينا رؤيا واضحة لمشروع سياسي وطني. قبل أن نطالب بالانتخابات يجب أن نناقش بعمق هل نحن بحاجة إلى لجنة متابعة أصلا؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هي مهمات هذه اللجنة؟ ما هي الشؤون التي تتابعها وأمام من؟ وما هي علاقة هذه اللجنة بالجماهير العربية؟ الشعب يريد أن يعرف طريقه أولا.
رأيي الشخصي يقول: أن لجنة المتابعة لا تعرف طريقها وهي بالتالي عاجزة عن معرفة طريق الشعب وأعجز من أن تقود هذا الشعب لأي طريق. على العطارين أن يصغوا لما يقوله الدهر، لقد آن الأوان لكي نبحث عن بدائل لهذه اللجنة.

Wednesday, April 13, 2011

في ذكرى يوم الاسير الفلسطيني

في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

دعيت في نهاية العام الماضي إلى أحد المؤتمرات في جنوب أفريقيا وكانت المناسبة احتفال إحدى الحركات بإنهاء نظام الابرتهايد في ذلك البلد. وقد دار الحديث والحوار والنقاش في شتى المواضيع وكان من ضمنها المقاومة والسجون. وكان حضور نيلسون مانديلا، ليس الجسدي، في هذا المؤتمر طاغيا ليس بصفته أول رئيس اسود لجنوب إفريقيا فحسب بل أيضا بصفته رمزا للسجين السياسي الذي قضى 28 عاما في غياهب السجون. بالرغم من كون جمهور المشاركين من متكلمين وحضور من المهتمين بالسياسة العالمية إضافة إلى السياسة الداخلية، إلا أنهم تفاجؤا عندما قلت لهم: يوجد بين يدي قائمة لعشرة اسري سياسيين فلسطينيين يقبعون في السجون الإسرائيلية أمضوا في السجن فترة أطول من تلك التي أمضاها نيلسون مانديلا. وأن عميد الأسرى الفلسطيني نائل البرغوثي قد أكمل عامه ال33 وراء القضبان.
يوجد لدى إسرائيل أسير واحد، وهو بالمناسبة ليس أسيرا سياسيا. لم يسجن بسبب آرائه أو نشاطاته السياسية بل تم خطفه من دبابته التي كانت تقصف مدن ومخيمات قطاع غزة. اسم هذا الأسير جلعاد شاليط. وأظن لو ذهبنا إلى ولاية ألاسكا وتكلمنا مع إحدى عائلات الاسكيمو في أحد بيوت الايجلو أو لو ذهبنا إلى غابات الأمازون وتكلمنا مع قبيلة من السكان الأصليين التي تم اكتشافها مؤخرا وسألناهم: من هو جلعاد شاليط لعرفوا جيدا عمن نتكلم.
أسرد هاتين القصتين لأبين مدى عجز وقصور الإعلام الفلسطيني والعربي في قضية الأسرى. ولا يشفع لنا أننا نحيي يوم الأسير الفلسطيني كل عام في مثل هذه الفترة بالخطابات الرنانة والبيانات التي لا تحصى ولكن تكاد لا تقرأ. هذا بالرغم من وجود وزارتين للأسرى واحدة في رام الله وأخرى في غزة بالإضافة إلى عشرات اللجان والجمعيات التي من المفروض أن تكرس جل نشاطها واهتمامها لقضايا الأسرى على كافة الأصعدة.
السؤال الذي أريد أن أوجهه في هذه المناسبة لوزارتي الأسرى هو: هل يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان هو للأسير الفلسطيني في السجون الإسرائيلية فقط أم أيضا يشمل الأسير الفلسطيني في سجون السلطة المشطورة؟ وسؤال آخر لو سمحتم: كيف يمكن أن نثق وكيف يمكن أن نصدق أن تقوم وزارة بالدفاع عن حقوق الأسرى بينما يصف رئيس السلطة عمليات هؤلاء الأسرى بالعمليات بالحقيرة؟
منذ سنوات ونحن نسمع عن ضرورة تدويل قضية الأسرى والتوجه إلى محكمة العدل الدولية لاتخاذ قرار بخصوص مكانة الأسير الفلسطيني والاعتراف به كأسير حرب أو سجين سياسي وليس كإرهابي مجرم ولكي يعامل حسب ما ينص عليه القانون الدولي ومعاهدة جينيف الثالثة والرابعة، والتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والى كافة منظمات حقوق الإنسان. ولكن إذا كنا لا نستطيع تذويت قضية الأسرى محليا فكيف نستطيع تدويلها؟ وهل وزارة في سلطة تقف ضد كل ما يجسده الأسرى من مقاومة ونضال مخولة أصلا سياسيا وأخلاقيا بتمثيل الأسرى وتنبني قضيتهم؟
هل المؤتمرات التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى في الجزائر والمغرب أو أي مكان آخر حيث يتهافت عليها السياسيون من قياديي فصائل وأعضاء كنيست مصطحبين بعض الأسرى المحررين هدفها حقا الدفاع عن حقوق الأسرى؟ ولماذا كلما ذكرت هذه الجهات قضية الأسرى في المحافل الدولية والرسمية تركز على الناحية "الإنسانية" و"القانونية" و" الأخلاقية" ولكنها تشطب من قاموسها الناحية السياسية التي هي لب القضية؟
هناك صناعة رائجة في فلسطين هي صناعة الأسرى.
طبعا، لا يمكن بأي حال من الأحوال التعميم. هناك أشخاص وبعض اللجان التي تعمل بكل صدق وإخلاص وتفان لخدمة قضية الأسرى كل حسب إمكانياته وقدراته. قد تخطئ في بعض التصرفات وقد تكون عرضة لتأثيرات سلبية صادرة عن الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات الرسمية. هؤلاء الأشخاص وهذه اللجان لا يمكن وضعها في سلة واحدة مع الوزارات والمؤسسات الرسمية. الرجل الذي يشكل نموذجا فريدا من نوعه في هذا المجال هو المرحوم أحمد حبيب الله – أبو هشام الذي رحل عنا منذ فترة طويلة ولكننا اليوم نفتقده أكثر من أي يوم مضى.
الشرذمة السياسية التي يعاني منها مجتمعنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 تلقي بظلالها الثقيلة على لجان الأسرى. زيادة عدد هذه اللجان لا يعني بالضرورة الارتقاء بالعمل دفاعا عن الأسرى. ها نحن نقف أياما معدودات قبيل يوم الأسير الفلسطيني وقد حرثت الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا بحثا عن النشاطات التي تحضرها لنا هذه اللجان لإحياء هذه المناسبة ولم أجد شيئا يذكر. قد نسمع عن بعضها في الصحف بعد حدوثها. وقد نسمع عن بعضها الآخر قبيل حدوثها إذا كنا مقربين من إحدى هذه اللجان. أسمع في اللحظة الأخيرة إن إحدى هذه اللجان تنظم تظاهرة رفع شعارات على أحد المفارق، وأخرى تنظم اعتصاما أمام أحد السجون. وعندما أشارك في إحدى هذه النشاطات أرى الوجوه نفسها. هناك انقطاع شبه كامل مع الجماهير. يكاد التنسيق فيما بين هذه اللجان أن يكون معدوما. أصابها ما أصاب الأحزاب السياسية: كل ينظم نشاطه الخاص الذي يحضره الأعضاء والمقربون فقط. مع أننا جميعا نقسم بأغلظ الإيمان أن قضية الأسرى هي قضية وطنية تتخطى جميع الأطر والحواجز.
"الحرية لأسرى الحرية" يجب أن يصبح خطة عمل وليس مجرد شعار يرفع في المناسبات.


Wednesday, April 06, 2011

عودة إلى مجزرة دير ياسين

عودة الى مجزرة دير ياسين علي زبيدات – سخنين في خضم المجازر التي يتعرض لها المواطن العربي في أماكن متعددة من العالم العربي المترامي الأطراف من المحيط إلى الخليج، كدنا أن ننسى المجازر التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني على يد السلطات الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا. حتى بتنا نظن أن الهدف من المجازر العربية هو أن تنسينا مجازر إسرائيل وتقول لنا: احمدوا ربكم ألف مرة في اليوم لأنكم ترزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي الإنساني المتنور وتتعرضون ل"مجازر" علي يد الجيش الإسرائيلي الأكثر تمسكا بالقيم الأخلاقية في العالم وليس من نظام ثوري أو قومي أو وطني كما هو الوضع في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها. لقد آن الأوان كي نعيد الأمور إلى نصابها. في مثل هذه الأيام من عام 1948 وبالتحديد في 9 نيسان/ أبريل دخلت العصابات الصهيونية إلى قرية دير ياسين غربي القدس وقتلت بدم بارد أكثر من 250 مواطن أعزل معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال. لم تخف العصابات الصهيونية هدفها من وراء هذه الجريمة البشعة وهو إرهاب المواطنين الآمنين العزل ودفعهم للرحيل ومن ثم الاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم. لم تكن مجزرة دير ياسين المجزرة الوحيدة في عام 1948 بل رافقتها عشرات المجازر امتدت من شمال فلسطين إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها. ولكن تبقى مجزرة دير ياسين الأكثر شهرة وأهمية والتي حفرت في الذاكرة الفلسطينية الجماعية وفي ذاكرة كل فلسطيني حتى أصبحت رمزا للنكبة الفلسطينية التي وقعت فعلا في أعقاب هذه المجزرة وغيرها من المجازر حيث تم هدم أكثر من 500 قرية وترحيل ما يقارب نصف الشعب الفلسطيني. من ظن أن المجازر الإسرائيلية قد توقفت بعد قيام "الدولة الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط سرعان ما تبين أنه مخطئ: فالمجازر توالت واستمرت بأشكال مختلفة وتسميات أخرى. يكفي هنا أن نذكر بعضها: من كفر قاسم مرورا بصبرا وشاتيلا وقانا إلى جنين ونابلس والخليل وحتى غزة التي ما زالت تتعرض إلى أطول مجزرة عرفها التاريخ المعاصر. المجازر التي تنفذها بعض الأنظمة العربية في حق شعوبها مهما بلغت من بشاعة لن تستطيع محو المجازر الإسرائيلية من الذاكرة الفلسطينية والعربية بل على العكس من ذلك فإنها وبشكل عكسي تنميها وتقويها. إذ لا تخفي هذه الأنظمة أنها تعلمت البطش والتنكيل والأرض المحروقة والدمار العظيم من العصابات الصهيونية، وان المجازر التي اقترفتها إسرائيل قد أصبحت نموذجا يحتذى. ولم تبخل إسرائيل في تزويد هذه الأنظمة بالمعلومات والإرشاد والخبرات وفي كثير من الأحيان بالسلاح أيضا. "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ترتبط عضويا بالأنظمة اللاديمقراطية المحيطة بها. للوهلة الأولى يظن بعض الساذجين أن كلا الطرفين: دولة إسرائيل من جهة والأنظمة العربية من جهة أخرى يقفان على طرفي نقيض ويشكلان لعقود طويلة ما يسمى في السياسة الدولية: طرفي الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن خلف هذا الصراع الوهمي تكمن حالة من الانسجام والتناغم والتعاون وفي كثير من الأحيان تقسيم الأدوار. فإذا بادرت إسرائيل باقتراف جريمة أو مجزرة جديدة نرى الأنظمة العربية تغض الطرف وتتقاعس عن الرد وتكتفي بإدانة شفوية خجولة حتى يمر الغضب الشعبي وتعود المياه إلى مجاريها. وإذا بادر أحد الأنظمة العربية بإقتراف مجزرة ضد شعبه تقوم إسرائيل برد الجميل بطريقة أو بأخرى. وهكذا تستمر المسرحية حسب قوانين اللعبة التي وضعها واتفق عليها الطرفان. ولكن، وبالرغم من كل شيء، يوجد هناك فرق جوهري بين المجازر التي تقترفها دولة إسرائيل وبين المجازر التي ترتكبها الأنظمة العربية. وهذا الفرق هو أن الشعوب العربية بدأت تحاكم وتعاقب أنظمتها ووضعت نصب أعينها إسقاط هذه الأنظمة وقد استطاعت بالفعل أن تحقق ذلك في تونس وفي مصر ولن تكون باقي الأنظمة بعد اليوم في مأمن عن هذا المصير. أما دولة إسرائيل فمع الأسف الشديد لا يوجد هناك حتى الآن من يحاسبها أو يعاقبها، بل العكس هو الصحيح فكلما تمادت في جرائمها كلما حازت على مزيد من الدعم والتأييد. فبعد مجزرة دير ياسين حصلت على شرعيتها الدولية، وبعد مجزرة كفر قاسم لم تجد من يحاكمها فحاكمت نفسها وعاقبت المسئول عن المجزرة بدفع غرامة باهظة تبلغ قرشا واحدا ليس ثمنا للدماء الفلسطينية المسفوكة بل لخرقه بعض صلاحياته، أما من مجزرة صبرا وشاتيلا فقد سحبت نفسها مثل الشعرة من العجين. وها هي ما زالت مستمرة في حرب الإبادة ضد غزة أمام نظر وسمع العالم. لن ننسى مجزرة دير ياسين ولن ننسى باقي المجازر السابقة والراهنة ولن نغفر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى سوف تزف ساعة الحساب والعقاب؟؟