Wednesday, May 18, 2011

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت
علي زبيدات – سخنين

خلال 63 عاما كنا نحلم بالعودة، ننتظرها بفارغ الصبر، نتكلم مع أنفسنا ومع غيرنا عن حقنا التاريخي والإنساني والسياسي والحقوقي في العودة. كنا نحيي ذكرى النكبة كل عام، حولنا يوم استقلالهم إلى يوم نكبتنا. وكنا نختم هذه الذكرى على أطلال هذه القرية المهجرة أو تلك بالخطابات النارية والشعارات الرنانة حول هذا الحق الذي لا يسقط بالتقادم. وكنا نشعر ونحن نرى الجماهير الغفيرة المشاركة وكأن العودة أصبحت وشيكة وكل ما بقي علينا أن نفعله هو أن نفتح الأبواب لاستقبال جموع العائدين. ومن ثم نعود إلى بيوتنا متفائلين إلى أبعد حدود التفاؤل، راضين عن أنفسنا. ونعود إلى روتين حياتنا اليومية حتى نستيقظ بعد عام لمعركة وهمية أخرى بين نكبتنا واستقلالهم. هكذا كبر فينا الوهم حتى أصبحنا كالمرأة التي تعاني من الحمل الكاذب وأعراضه.
سئمنا من الانتظار، سئمنا اجترار كلماتنا السقيمة وخطاباتنا العقيمة، سئمنا إحياء ذكرى النكبة في الطرق الخلفية بعيدا عن أنظار العالم وكأننا نمارس العادة السرية. هكذا كان حالنا حتى جاء 15 أيار من هذا العام. في هذا اليوم اكتشفنا أمريكا من جديد، اكتشفنا القانون الساذج، البدائي الذي يقول: إذا أردت أن تعرف طعم التفاحة امسك بواحدة منها بيدك ضعها بفمك واقضمها، وإذا أردت أن تعرف طعم العودة أنفض الغبار المتراكم عليك قف، وتحرك وعد. هكذا بكل بساطة.
في هذا العام وقفنا أمام خيارين: إما مواصلة الانتظار بشتى أشكاله وإما البدء بالعودة الفعلية: النزول إلى الشوارع، التوجه نحو الحدود من كل حدب وصوب، تحدي قوات الشرطة والجيش وفتح صدورنا أمام رصاصهم. لا يوجد هناك خيار آخر. الخطوة الأولى كلفتنا 15 شهيدا ومئات الجرحى. الولادة كانت عسيرة ولكن المولود بخير. دولة إسرائيل لن تتورع عن إطلاق النار على المتظاهرين وعلى العائدين مهما كانت مسيراتهم سلمية. هذا الغول "الديمقراطي" سوف يكشف عن أنيابه ويحاول افتراس كل ما يواجهه مهما كان مسالما. ولكن علينا أن نكون كالأساطير الإغريقية، لا بد من مواجهة هذا الغول والانتصار عليه هذا إذا أردنا أن نحظى بحياة حرة كريمة.
مسيرة العودة في 15 أيار 2011، أي بعد 63 سنة من النكبة، هي مسيرة العودة الأولى. أشطبوا من دفاتر يومياتكم كل ما سبق. كانت هذه هي المسيرة الأولى والتي يجب أن يتبعها مسيرات عديدة من نفس النوع ولكن بزخم أكبر. سوف يكون من الخطأ القاتل انتظار 15 أيار القادم للقيام بمسيرة العودة الثانية. التوقف يعني الانتحار، يجب الاستمرار بهذا التحرك أسبوعيا، وإن كان ذلك بالإمكان أكثر من مرة في الأسبوع.. المهم عدم التوقف مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب والعقبات. إننا نقف اليوم أمام صورة كلاسيكية من التحدي: قوة الحق أمام حق القوة.
لن تكون قضية عودة اللاجئين سهلة، ولكن متى كانت القضايا المصيرية في حياة الشعوب قضية سهلة؟ لن تكون مسيرة العودة نزهة في أحضان الطبيعة. وقد أعطت دولة إسرائيل المؤشر والبرهان على ذلك عندما أطلقت النار وقتلت بدم بارد 15 شهيدا. ولن يكون هناك من يردعها سوى صدور العائدين. الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت موقفها المؤيد لدولة إسرائيل وحقها في "الدفاع" عن نفسها وعن حدودها. هذا الموقف ليس بالمفاجأة. الدول الأوروبية حافظت على تواطئها وفي أحسن الأحوال على صمتها وهذا الموقف أيضا ليس بالمفاجأة، ولا حاجة لمناقشته بعد الآن.
في هذا السياق أود فقط أن أتوقف قليلا عند الموقف العربي والفلسطيني الرسميين. ما قامت به قوات الأمن الأردنية من مهاجمة همجية للعائدين في الكرامة ومنعهم من الوصول للحدود كان متوقعا فالنظام الأردني يقوم بدوره الذي أنشأ أصلا من أجله منذ البداية والذي يتلخص بحماية دولة إسرائيل من الشرق. لكن ما لا يمكن تقبله أو السكوت عليه هو الموقف المصري: لمصلحة من كان إغلاق شبه جزيرة سيناء العربية والإعلان عنها منطقة عسكرية مغلقة؟ لمصلحة من كان إيقاف العائدين والمتضامنين معهم في الإسماعيلية ومنعهم من عبور قناة السويس؟ لمصلحة من كان منع الاقتراب من معبر رفح؟ هل هذا الموقف نابع من روح الثورة المصرية أم من بقايا النظام البائد التي ما زالت تعشش في الكثير من زوايا السلطة؟ كيف يمكن للنظام المصري أن يبرر الوقوف إلى جانب حق العودة وفي الوقت نفسه معارضة تحقيقه.
الموقف الفلسطيني الرسمي لم يكن أفضل من ذلك بكثير، خصوصا على ضوء تصريحات بعض أقطاب السلطة الفلسطينية بمناسبات عديدة على أن حق العودة قابل للتفاوض وأنه يمكن التخلي عنه جزئيا أو كليا، أو تتمسك به كلاميا وتفرط به فعليا. كيف يمكن تحقيق حق العودة في ظل التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال؟ كيف يمكن اجتياح الحواجز وإزالة المستوطنات وقوات الأمن الفلسطينية تساهم في حمايتها؟. لن تنجح مسيرات العودة الحقيقية إذا لم تنطلق أولا من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة كما انطلقت الانتفاضات.
المصيبة الحقيقية تكمن في موقف ما يسمى زعامات فلسطينيي الداخل. قبل اقل من أسبوع كانوا يتزاحمون على الكراسي الأمامية في مهرجان الرويس ويتصيدون الفضائيات لالتقاط صورهم أو لإجراء مقابلات معهم، وكان مندوبيهم يلقون الخطابات الحماسية من على المنصة. في 15 أيار اختفوا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتهم. لا أحد من هذه الزعامات كانت متواجدا في المسيرة التي كانت متوجه إلى مارون الراس والتي تم إيقافها بالقرب من برعم. لا أدري أين كان رئيس لجنة المتابعة في ذلك الوقت، ولكن أين كان أعضاء الكنيست العرب؟ وزعماء الأحزاب والجمعيات الكبرى؟ والطامة الكبرى أين كانت لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين التي تحتكر النكبة في الداخل كما تحتكر الحركة الصهيونية الكارثة اليهودية؟. هل يعقل أن تكون في 10 أيار من أشد أنصار العودة وفي 15 أيار تختفي وكأنك غير موجود على الإطلاق؟ لقد حدثت أخطاء عديدة في المسيرة المذكورة منها محاولة البعض السيطرة على مجرياتها بحجة المبادرة في تنظيمها، ومحاولة البعض إلقاء مسئولية المواجهات على بعض الشباب وليس على قوات الشرطة. ولكن ضعفها الأساسي كان يكمن بعدم التعبئة الكافية والتنظيم السليم لها مما أسفر عن مشاركة هزيلة سهلت للشرطة ولقوات الجيش حجزها في مكان ضيق بعيدا عن هدفها. مهما كانت أخطاء هذه المسيرة فإن الاتجاه العام كان صحيحا، وهذا المسيرة كانت المحاولة الأولى للعودة الفعلية مهما كانت متواضعة.
رياح التغيير التي تهب على عالمنا العربي لن تقفز عن بلادنا. على العكس فأن هذه الرياح سوف تتحول هنا إلى أعاصير وعواصف.

No comments: