Wednesday, May 13, 2009

61 عاما على النكبة بين الشرعية واللاشرعية


العلاقة بين المطلق والنسبي هي علاقة جدلية في غاية التعقيد يحكمها قانون وحدة وصراع الاضداد. فعندما نقول:كل شيء نسبي فإننا نقول في الوقت نفسه: كل شي مطلق. هذا لا يعني فقط أن احدهما قد يتحول الى الآخر حسب الزمان والمكان واالظروف بل يعني أيضا أن المطلق موجود داخل النسبي والعكس هو صحيح وأن الفرق بين المطلق والنسبي هو في حد ذاته نسبي حسب كافة المعايير المنطقية.
العلاقة بين الهزيمة والانتصار تجسد هي أيضا قانون وحدة وصراع الاضداد. فكم من إنتصار يكون أسوأ من هزيمة، وكم من هزيمة تحمل في أحشائها بذور الانتصار؟ الهزيمة قد تكون أم الانتصار كما قد يكون الانتصار أب الهزيمة. قد يخوض المرء عدة معارك ويخسرها ولكنه يربح الحرب وقد يحدث عكس ذلك تماما.
أسوق هذه المقدمة النظرية لكي أدخل صلب الموضوع وهو مرة أخرى الذكرى ال61 لنكبة فلسطين. قبل أسبوعين قامت جماهيرنا بإحياء هذه الذكرى بمسيرة العودة الثانية عشر لقرية الكفرين المهجرة تحت شعار: "يوم إستقلالهم هو يوم نكبتنا" حيث كانت دولة إسرائيل في اليوم ذاته، تحتفل بيوم"إستقلالها" حسب التقويم العبري.
لا اريد هنا التطرق الى هذه المسيرة التي كانت حسب رأيي هزيلة من حيث التنظيم والمضمون، بل من أهزل مسيرات العودة حتى اليوم، إذ عبرت عن رايي هذا في حينه. لذلك إخترت التقويم الميلادي المتعارف عليه لتناول جوانب أخرى من هذه الذكرى تتجاهلها عادة مسيرات العودة التي لا تتجاوز عملية رد الفعل التي يوحي اليها شعارها الرئيسي.
في يوم الجمعة، الساعة الرابعة بعد الظهر في 14 ايار ن عام 1948 وقف دفيد بن غوريون في تل ابيب يتلو ما يسمى بوثيقة الاستقلال ويعلن قيام دولة إسرائيل. وكان ذلك عدة ساعات قبل إسدال الستار على الانتداب البريطاني المقررفي منتصف الليل من اليوم نفسه.
بعد مرور أكثر من قرن من قيام الحركة الصهيونية ( المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897) ومرور 61 عاما على تحول هذه الحركة الى دولة نستطيع أن نقيم، بما تسمح به مقالة صحفية قصيرة، هل حققت هذه الحركة – الدولة إنتصارا ساحقا (مطلقا) أم أن إنتصارها كان نسبيا؟ أم أنها هزمت او انها في طريقها الى الهزيمة في تحقيق أهدافها المعلنة؟ هل الشرعية الدولية التي حظيت بها هي شرعية حقا أم غير شرعية؟
مما لا شك فيه أن الحركة الصهيونية إستطاعت أن تحقق إنجازات هامة إستطاعت أن تغير وجه التاريخ في منطقتنا. يكفي أن نذكر هنا وعد بلفور الذي منحها حق الاستيطان في فلسطين بمساعدة دولة عظمى في حينه هي بريطانيا. ومن ثم الانتداب الصادر عن عصبة الامم الذي كان هدفه المعلن هو تنفيذ وعد بلفور وأخيرا قرار التقسيم الذي إتخذته الامم المتحدة.
إلا أن هذه الانجازات بالرغم من أهميتها وخطورتها فإنها لم ترتق الى درجة الانتصار المطلق. حيث بقيت الحركة الصهيونية حركة هامشية حتى بين اليهود أنفسهم الذين فضلوا الهجرة الى أوروبا وأمريكا وكانت الحركة الصهيونية بحاجة الى النازية وجرائمها وإستغلالها الى أقصى الحدود لكي تستطيع جلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم الى فلسطين. وكل ما إستطاعت الحركة الصهيونية فعله بعد أكثر من قرن من نشاطها المكثف هو جلب حوالي ثلث يهود العالم. وهذا يعني من منظور تاريخي فشلا أكثر من أن يكون نجاحا إذا علمنا أن مبدأ الصهيونية الاول كان ولا يزال جلب كافة يهود العالم الى فلسطين.
بالاضافة الى ذلك فإن شرعية وعد بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم هي شرعية نسبية جدا قد تحولت الى ضدها بسبب الرفض الفلسطيني الشعبي لها، وهو صاحب القضية والقرار. وقد شعرت الدولة الوليدة بذلك، وتبين لها أن الشرعية الدولية التي حصلت عليها لا تساوي شيئا إذا لم تنل الشرعية العربية والفلسطينية. وهنا يجب أن نعترف أن دولة إسرائيل هنا أيضا حققت إنجازات كبيرة عملت على تغيير وجهة المنطقة. عندما صدر قرار التقسيم عام 1947 كان الحزب الشيوعي الاسرائيلي هو الحزب الوحيد الذي أعترف بشرعية الدولة وبسبب موقفه هذا أفلس جماهيريا ونبذ على الصعيدين الوطني والقومي ووجد نفسه في خندق واحد مع الاحزاب الصهيونية ومع المتعاونين معها من الفلسطينيين. ولكن لاحقا بدأ الشرخ يتسع خصوصا بعد حربي 1967 و1973. وجاء الاختراق الاكبر في إتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت أكبر دولة عربية وهي مصر من دائرة الصراع ومن ثم ضم الاردن في أعقاب إتفاقيات وادي عربة. إلا أن الاختراق الاخطر كان في إتفاقيات اوسلو حيث إنخرط قسم كبير من أصحاب القضية المباشرين في تسوية منحت الدولة العبرية شرعية تفوق كل ما تقدم. وشارك بها أحزاب وتنظيمات "قومية" و"وطنية" رفضت إتفاقيات أوسلو شكلا وقبلت بها روحا ونهجا وأخذت تنظر لدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها أو صيغ غامضة من الدولة الديموقراطية العلمانية. وأخيرا جاءت "مبادرة السلام العربية" لكي تقدم الشرعية على طبق من ذهب للدولة التي قامت على أسس لا شرعية حسب كل المعايير الدولية والانسانية والاخلاقية.
للوهلة الاولى يبدو وكأن دولة إسرائيل قد حققت حلمها الابدي بعد أن حصلت على الشرعية الدولية والعربية والفلسطينية.ولكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. فإن جميع هذه "الشرعيات" نسبية ومزيفة وهي في نهاية المطاف لاشرعية. فبعد اكثر من 30 سنة على توقيع معاهدة "السلام" بين اسرائيل ومصر ما زال الشعب المصري بكافة طبقاته الاجتماعية يرفض الاعتراف بهذه الدولة والتطبيع معها وعندما يزول النظام القائم سوف تزول "شرعيته" معه. كذلك الشعب الاردني وبعد أكثر من 15 سنة ما زال في غالبيته يرفض منح اي صبغة شرعية لدولة إسرائيل. أما على الساحة الفلسطينية، فأنه الى جانب نهج أوسلو التسووي ينمو ويترعرع نهج المقاومة الشعبية التي تعتبر إسرائيل كيانا غير شرعي.
الخلاصة هي أن الحركة الصهيونية ومن ثم دولة إسرائيل تحمل جرثومة فنائها في أحشائها وتحمل لاشرعيتها تحت ثوب شرعيتها المهترئ. لاشرعية إسرائيل لا تقوم على الجرائم التي إقترفتها في حق الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة وحتى اليوم من تشريد وتدمير ونهب واستيطان وحسب بل تتعداها الى لاشرعية مبادئها المعلنة، حيث منحت نفسها،وبصورة غير شرعية، حق تمثيل يهود العالم، في الوقت الذي نبذ معظمهم مبادئها. الحركة الصهيونية التي إنبثقت عنها دولة إسرائيل هي في نهاية المطاف حركة سياسية مصيرها كباقي الحركات السياسية من صعود وهبوط، إزدهار وإضمحلال حتى الزوال.
ما نراه اليوم من سيطرة صهيونية على الصعيد المحلي والاقليمي والعالمي ليس أكثر من حالة طارئة، نسبية ومشروطة، تتحول امام نظارنا الى ضدها.

Tuesday, May 05, 2009

من يتابع لجنة المتابعة؟


تناقلت وسائل الاعلام المحلية من جرائد ومواقع انترنت وإذاعات الاسبوع الماضي نبأ "إنتخاب" رئيس جديد للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. وبما أن المسألة غير شخصية فقد إخترت عدم التطرق الى الرئيس الجديد لا من قريب ولا من بعيد. كما تلاحظون، وضعت كلمة "انتخاب" بين هلالين صغيرين. بالطبع لم يكن ذلك من باب الصدفة. فمن لم يكتف بقراءة عنوان الخبر وقرأه كاملا لوجد انه لم يكن هناك لا انتخاب ولا يحزنون ولا حتى أي شكل من أشكال قد يوحي بالانتخابات المتعارف عليها. في الحقيقةلا أدري لماذا استعملت معظم الصحف هذه الكلمة، هل هو من باب السهو أم الخطأ أم العادة أم من باب التمنيات المكبوتة.
بالرغم من مساوئ الانتخابات خصوصا في بلادنا مثل الرشوات والكذب، الذي يسمى دعاية إنتخابية والفساد على الوانه واشكاله الا انها تحدد مسبقا ضرورة وجود مرشحين مختلفين وضرورة وجود جمهور يدلي بصوته وفي بعض الاحيان ضرورة وجود نقاش مستفيض وبرامج عمل، الخ. في حالتنا هذه لم يكن هناك أي غبار من هذا النوع.
ينص الخبر على أن سكرتارية لجنة المتابعة، بجميع مركباتها، عقدت جلسة خاصة وقررت بالاجماع التوجه الى السيد زيدان وتكليفه بهذه المهمة بعد تقليده لقب رئيس لجنة المتابعة العليا. تسربت بعض المعلومات التي تقول أن بعض مركبات اللجنة قد تغيب عن الجلسة وبعضها أبدى تحفظاته. ولكننا نحن كجمهور مثل الطرشان بالزفة لم نسمع لا رأي المتغيبين واسباب تغيبهم ولا أية تفاصيل عن المتحفظين وتحفظاتهم.
اصلا دعوني اتساءل: لماذا أقحمت وسائل الاعلام، على الطريقة الماسونية، عن ذكر أعضاء سكرتارية لجنة المتابعة الذين إجتمعوا ولماذا تسترت على اسماء الوفد الذي ارسل لمهمة التكليف؟
هل تم إنتخاب سكرتارية اللجنة كما تم إنتخاب رئيسها؟ أم هل تم تعيين أعضائها بشكل "توافقي"؟ وفي كلا الحالتين من الذي إنتخبهم ومن الذي عينهم عينهم؟ قد يزعم البعض أن الاحزاب والحركات السياسية هي التي إختارت مندوبيها في هذه اللجنة. بالرغم من عدم إنتمائي لأي حزب أو حركة سياسية إلا أن معلوماتي تؤكد انه لا يوجد هناك اية آلية حزبية أو حركية إنتخبت أو إختارت ممثليها للجنة المتابعة، كل ما في الامر يعود الى قرارات شخصية لبعض المتنفذين في هذه الاحزاب والحركات. والنتيجة تبقى واحدة: للجماهير العربية التي تدعي هذه اللجنة بتمثيلها لا ناقة ولا جمل بتركيبة أو عمل هذه اللجنة لا من بعيد ولا من قريب.
يروج البعض بضاعة فاسدة تقول: أن طريقة التوافق بادرة خير وتعبر عن موقف موحد ومسؤول وهي قادرة على الانتقال من موقف التحدي لسياسة التمييز الى موقف التصدي لها. أذا كان هناك من يصدق هذا الكلام فأنا أحسده على حسن نواياه وعلى طيبة قلبه.
رأيي أن هذا التوافق المزيف هو موقف جبان ولا خير يرجى منه. وأن الوحدة التي يتغنون بها ليست سوى قناع هش أضعف من بيت العنكبوت، ولم ترتق لجنة المتابعة في افضل اوقاتها الى درجة التحدي فكم بالاحرى الى مرحلة التصدي؟ لقد آن الاوان أن ننزل عن الشجرة العالية التي تسلقناها وأن نتخلص من شعاراتها الرنانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
مما لا شك فيه أن أوضاع جماهيرنا مأساوي لا تختلف جذريا عن أوضاع باقي جماهير شعبنا في كافة أماكن تواجده وهي بحاجة الى قيادة حكيمة ومخلصة ومناضلة تقود نضالها من أجل الحرية على ارضها، تدافع عن حقوقها المشروعة وتتصدى للسياسات الاسرائيلية الغاشمة. ولكن هل من الممكن أن تكون لجنة المتابعة بتركيبتها الحالية وبطريقة إختيار مؤسساتها ورئيسها وبغياب أي أفق نضالى عن عملها مرشحة للإرتقاء بالعمل الجماهيري الى المستوى المطلوب؟ للقيام بالدور التي تنسبها الى نفسها؟
في البيان الذي أصدرته سكرتارية لجنة المتابعة لكي تبشرنا ب"إنتخاب" رئيس جديد لم تنس أن تذكر طبعا ضرورة "إعادة تنظيم وبناء لجنة المتابعة". هذا الشعار الذي تتمسك به بعض الاطراف المكونة للجنة منذ سنوات طويلة ولكنها لم تتقدم حتى الآن قيد انملة، يذكرني بشعار آخر يعاني منه باقي جماهير شعبنا الفلسطيني وهو شعار: "إعادة تنظيم وبناء منظمة التحرير الفلسطينية". إسألوا أي مقاول عمار فأنه يسديكم النصيحة التالية: إذا لم تستطع ترميم بيتك الايل الى السقوط فمن الافضل أن تهدمه وتبني بيتا جديدا على أسس راسخة متينة.

Wednesday, April 29, 2009

النكبة بين الذاكرة والذكرى والفعل




كما أن بعض الاحداث قادرة على تغيير حياة شخص بصورة جذرية هناك أحداث قادرة على تغيير حياة شعب باكمله بصورة جذرية. مما لا شك فيه أن أحداث عام النكبة والنتائج التي تمخضت عنها قد غيرت حياة الشعب الفلسطيني الى درجة خروجه أو إخراجه عن مسار تطوره التاريخي الطبيعي والإلقاء به في خضم الصراع من أجل البقاء في ظروف قاسية اقل ما توصف به انها تفوق قدراته الطبيعية.
انا الآن لست بصدد تحليل أحداث النكبة وتحديد مسبباتها ونتائجها، فقد كتب الكثير في هذا المجال، والكثير مما هو ضروري لم يكتب بعد.اردت فقط أن الفت الانتباه الى بعض الظواهر السلبية التي لصقت بهذه الذكرى وتلقي بضلالها السلبية الى إمكانية عودة الشعب الفلسطيني الى حياته الطبيعية ككل شعوب الارض.
بالنسبة لنا كجماهير فلسطينية وقعت تحت الاحتلال منذ عام 1948 وبقيت منغرسة على ارضها بالرغم من كل سياسات التهجير من جهة والتهويد من جهة اخرى، هناك ثلاثة أحداث كونت ذاكرتنا الجماعية حتى أصبحت مكونا هاما في هويتنا الوطنية والتي ما زالت تربطنا بباقي جماهير شعبنا الفلسطيني والعربي. هذه الاحداث هي: عام النكبة ويوم الارض وإنتفاضة الاقصى. وليس من باب الصدفة أن تقوم جماهيرنا، بغض النظر عن إنتماءاتها الحزبية ومشاربها الاجتماعية، سنويا بإحياء ذكرى هذه الاحداث بالرغم من النواحي السلبية التي رافقتها مع مرور الزمن.
الذاكرة الجماعية التي تنغرس عميقا في وجدان وعقل الجماهير هي سلاح ضروري في الصراع من أجل البقاء والوجود لكل شعب. ولكن آفة هذه الذاكرة أنه قد يعلوها غبار الزمن وتتعرض للتشوية والاضمحلال.
حسب رأيي، أكبر خطر تتعرض له الذاكرة الجماعية هو تحولها الى مجرد ذكرى وتبتعد عن دائرة الفعل الخلاق الذي يجعل من الذاكرة نبراسا لنضال الشعب، الذي يجعل منها الضوء الذي يضيئ ذلك النفق القاتم الذي يمر به شعبنا حاليا. وأخشى أن ذاكرتنا الجماعية التي خلقتها الاحداث الثلاثة المذكورة تتحول بخطى سريعة لكي تتحول الى مجرد ذكرى روتينية، فصولها معروفة مسبقا. البرنامج هو نفسه: في كل سنة نختار قرية مهجرة من بين القرى ال530 التي دمرت عام النكبة. نستمع الى بعض الخطابات المجترة من بعض القيادات المهزوزة، نهتف ونرفع الشعارات التي تؤكد على ضرورة التمسك بحق العودة، نبكي على الاطلال ومن ثم نعود الى بيوتنا راضين عن أنفسنا ننتظر الذكرى في السنة القادمة لكي نخرج البرنامج نفسه من الدرج، نمسح عنه بعض الغبار ونلمعه قليلا. وهكذا دواليك. ونرتاح الى سحر العادة وراحة الروتين بعد أن تحولت الذاكرة الى مجرد ذكرى والنكبة مستمرة.
الذاكرة لكي تبقى حية بحاجة الى فعل، الى خلق وإبداع. وبهذه المناسبة اقول: بما أن ذكرى النكبة فضية وطنية من الدرجة الاولى يجب عدم تركها لمجموعة معينة مهما بلغ تفاني وإخلاص هذه المجموعة. لا يعقل أن تنفرد جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين" المدعومة من قبل لجنة المتابعة على علاتها بتنظيم هذه الذكرى سنويا ويتم إقصاء قطاعات حية من جماهيرنا.
لقد طرحت بالماضي كما طرح غيري عدة أفكار التي قد تدخل بعض الروح التجديدية على هذه الذكرى وتكون في صلبها. مثلا: إمكانية العودة الفعلية الى إحدى القرى المهجرة من خلال نصب الخيم أو الكرفانات وخوض معركة إعلامية على المستوى المحلي والدولي لإنجاح مثل هذه المحاولة. إلا أن الجمعية أقصت هذه الافكار حتى من غير مناقشتها.
العودة لن تقدم الى شعبنا على طبق من ذهب أو فضة من أحد وهي لن تأتي إلا عن طريق المقاومة والنضال. لذلك مسيرة العودة يجب أن تكون جزءا لا يتجزء من نهج المقاومة، يجب أن تكون رافعة للعمل الوطني الخلاق وألا تنزلق الى روتين العادة كما يحدث اليوم. جماهيرنا على أتم الاستعداد لإستخدام طرق جديدة في النضال ويجب عدم الاختباء وراء مزاعم عدم جاهيزية الجماهير كما يحدث في باقي المناسبات.
لماذا بعد 12 مسيرة عودة لم يتم حتى الآن أختيار مدينة فلسطينية مهجرة بالكامل مثل طبريا، صفد، بيسان او جزئيا مثل يافا، حيفا، عكا، اللد والرملة؟ لماذا لم يتم حتى الآن إختيار قرية تقوم على أنقاضها مستوطنة صهيونية مثل الخالصة، الجاعونة، أجزم وغيرها الكثير؟ هل من باب الصدفة أم لتحاشي المواجهة مع المستعمرين؟ أم خوفا من عدم الحصول على تصريح من الشرطة؟
النكبة أكبر من تحصر في قوالب ضيقة معدة مسبقا، النكبة أكبر من أن تصبح مجرد ذكرى سنوية. إننا نعيش النكبة يوميا، نتنفسها مع الهواء وتجري في عروقنا كالدماء وتستحوذ على عواطفنا وعقولنا فلماذا نخاف أن نعبر عنها؟ هل يجب علينا أن نكبتها داخلنا ونقمع كل محاولة لإنطلاقها أم علينا تفجيرها حمما وبراكين في وجه البشرية التي تفقد إنسانيتها؟

Wednesday, April 01, 2009

العودة الى كهف أفلاطون


شهدت منطقتنا هذا الاسبوع وفي يوم واحد تقريبا ثلاثة أحداث تلقي ظلالها على الوضع الراهن وتعكس آفاق تطور الاحداث السياسية على الصعيد المحلي والمنطقي والدولي. هذه الاحداث الثلاثة هي: مؤتمر القمة العربية في الدوحة، تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وإحياء الذكرى ال33 ليوم الارض.
لست بصدد تناول هذه الاحداث بالشرح والتحليل والاسهاب بالنقد والتعليق كما جرت العادة عند الصحفيين والكتاب ولكن تزامن هذه الاحداث ومجرياتها اثارت بي تأملات فلسفية صوفية نقلتني الى الماضي السحيق وحطت بي امام كهف افلاطون الشهير.
ما هي علاقة افلاطون وكهفه بهذه الاحداث؟
من المعلوم اننا نعيش في عصر المعلومات، المعلومات السريعة والشاملة. حيث ان الشبكة العنكبوتية قد اغرقتنا بكميات هائلة من المعلومات من شتى انحاء العالم وبسرعة قصوى. فما يكاد يحصل شيء في أحد اطراف العالم مهما كان تافها او عظيما إلا وتنقله هذه الشبكة الى باقي الاطراف. هذا ناهيك عن القنوات الفضائية التي تنقل لنا الحدث مباشرة بالصوت والصورة. ولكنها وبصورة عكسية تعيد الى ذاكرتنا القانون الاول في التفكير الديالكتيكي حول وحدة وصراع الاضداد. فكلما إزدادت المعلومات قلت الحقائق. فإذا أخذنا مؤتمر القمة العربية الاخير في الدوحة (وهو مؤتمر القمة الثالث أو الرابع في غضون بضعة اشهر) كمثل وجدنا قدر هائل من المعلومات على الشبكة والجرائد والبث المباشر على الفضائيات، ولكن أين الحقائق؟ هل حقا تمت المصالحة بين الملوك والرؤساء العرب؟ هل حقا سوف يقوم المؤتمرون بإعادة بنا غزة؟ هل تقدم العرب خطوة واحدة في طريق مواجهة التحديات الصادرة من إسرائيل بعد تشكيل الحكومة الجديدة؟ هل اصبحوا أكثر استعدادا للتعامل مع الادارة الامريكية الجديدة؟ إذن، المعلومات الغزيرة تغطي الحقائق بدل أن تكشفها.
الامر نفسه ينطبق على تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة. المعلومات حولها بلا نهاية. من لا يعرف الفرسان الثلاثة الذين سوف يقودون هذه الدولة في المرحلة القادمة، نتنياهو، براك وليبرمان؟ تاريخهم وسياستهم وافكارهم معروفة. ولكن اين الحقائق؟ هل ستواصل هذه الحكومة المفاوضات والتمسك بعملية السلام كما تدعي أم انها تحضر لشن حرب جديدة في المنطقة كما يظن آخرون؟ هل الترانسفير لفلسطينيي الداخل الذي رفع رايته ليبرمان أصبح وشيكا أم انه لم يكن سوى دعاية انتخابية؟ هل سيقوم ليبرمان بتناول العشاء الفاخر مع حسني مبارك في أحد منتجعات شرم الشيخ أم يدعه يذهب الى الجحيم كما قال السنة الماضية؟ وهل سنقدم، نحن فلسطينيو الداخل، آيات الولاء والاخلاص للدولة أم سوف تسحب المواطنة المشوهة من تحت أقدامنا. وهل براك هو رجل حرب أم رجل سلام؟ هل يشكل الجناح اليساري المتعقل في الحكومة أم انه يميني أكثر من اليمين المتطرف؟
وعلى صعيدنا المحلي وفي أعقاب إحياء الذكرى ال33 ليوم الارض من حقنا أن نتساءل: هل مسيرة ال10 كم من سخنين الى دير حنا قد قربتنا من الارض أم انها مؤشر على فقداننا للارض الى الابد؟ وهل كلما كبر حجم العلم الفلسطيني الذي حمله أحد الاحزاب العربية القومية جدا جدا والتي تؤمن بإمكانية تحقيق مشروعها القومي من خلال دهاليز الكنيست، هو دليل على زيادة أم نقص بالانتماء القومي الحقيقي؟
التأمل في هذه الامور نقلتني الى كهف افلاطون. القيت نظرة الى الداخل فرأيت زعماءنا العرب مقيدين بالسلاسل داخل الكهف. يبدوا واضحا انهم يرفلون بهذه السلاسل منذ ولادتهم. لا يستطيعون حراكا. عيونهم مصوبة الى أحد جدران الكهف. من خلفهم تشتعل نار لا يرونها ولكنها كافية لكي تلقي بظلال الاشياء على الجدار. وبسبب العادة والالفة وعدم خروجهم من الكهف يظنون أن الظلال والاشباح التي تتراقص على الحائط هي حقيقة الاشياء.
هنا تنتهي المقارنة بين الزعماء العرب وبين أهل كهف افلاطون. حيث أن أفلاطون يكسر السلاسل ويطلق سراح المحتجزين ويخرجهم الى النور، بالرغم من انهم في البداية لايستطيعون النظر الى النور ويعانون من ألم في عيونهم. ولكن مع الوقت يتعودون ويرون الامور على حقيقتها رويدا رويدا. بينما فضل الزعماء العرب البقاء للعيش في ظلمات الكهف مكبلين بالاصفاد طوال حياتهم حيث الامن والطمانينة.
الا يوجد زعيم عربي واحد يمتلك الجرأة ليحطم قيوده، يخرج من الكهف ويواجه النور؟
قال أحد الفلاسفة العرب المتصوفين:" كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" أما عندنا فقد إنعدمت الرؤيا تماما وأصبحت العبارة سلاحنا الوحيد.

Wednesday, March 25, 2009

الذكرى ال33 ليوم الارض: ذهبت الارض وبقيت الذكرى





تقول الارقام أن الفلسطينين كانوا يملكون حتى عام 1948 97% من أراضي فلسطين بينما لا يملكون اليوم، بعد 61 عاما من النكبة، سوى أقل من 3%. جميعنا نعرف ماذا جرى للأرض: من الذي صادرها وكيف صودرت ومن يمتلكها الآن. أظن لا حاجة للشرح والتوسع في هذا المجال. الدراسات حول هذا الموضوع والحمد لله غزيرة جدا ومتشعبة تفيض من على صفحات الكتب والمجلات. السؤال الذي لا نحب أن نساله لأنفسنا ونخجل من التطرق اليه هو: ماذا فعلنا لمواجهة غول المصادرة؟ ماذا فعلنا لمقاومة نهب أراضينا؟
لن أكون جاحدا وسوف أعترف. لقد فعلنا الكثير الكثير. أولا، إستنكرنا بشدة هذه الاعمال الهمجية غير الإنسانية. ثانيا، أدنا بكل ما نملك من عبارات سياسة النهب الغاشمة ثالثا شجبنا كافة الخطوات التي استعملتها الحكومة لتجريدنا من أراضينا. هذا بالاضافة الى ما لا يحصى ولا يعد من الاحتجاجات الكلامية والشعارات الحماسية والخطابات الملتهبة.
المرة الوحيدة التي خرجنا بها عن المألوف كانت في 30 آذار عام 1976 أي قبل 33 عاما بالكمال والتمام. وهو يوم الارض الخالد الذي نحيي ذكراه اليوم. لقد كان يوما ليس ككل الايام. كان إضرابا شاملا وحد أشلاء الوطن المقطع من النقب في الجنوب الى جبال الجليل في الشمال. الامر الذي أربك حكومة اسرائيل التي أرسلت قواتها لتعيد إحتلال القرى المتمردة. وجرت اشتباكات سقط بها شهداء وجرحى وأمتلأت السجون بالمعتقلين.
كل شيء في يوم الارض الاول كان جميلا، رومانسيا: الاضراب، المواجهات، قصص التعاضد والتكافل، هذا بالاضافة لى مخاوف المسؤولين وردعهم من الاقتراب الى اراضينا بعد ذلك.
هذا هو يوم الارض الذي نحيي ذكراه اليوم. ولكن إياكم إياكم أن تذهبوا بعيدا. يوجد بيننا بعض المتطرفين، عديمي المسؤولية الذين يريدون العودة بنا الى تلك الايام. فهم يطالبون كل سنة بالاضراب العام ولا يريدون أن يفهموا أن الجماهير غير مستعدة وغير جاهزة للإضراب (كيف كانت هذه الجماهير مستعدة وجاهزة عام 1976؟؟). وهم بمواقفهم هذه يقودوننا الى مواجهة خاسرة مع السلطات مما بفقدنا الانجازات التي حققناها. وفي بعض الاحيان يقوم نفر من الشباب الطائش بمهاجمة الاسيجة الشائكة التي شيدتها السلطة "لحماية" الارض المصادرة أو يقومون برشق دوريات الشرطة بالحجارة أو بإشعال النار يالاطارات ومحاولة إغلاق بعض الشوارع. إننا طبعا ندين ونستنكر أعمال الزعرنة هذه.
يا جماهير شعبنا الصامد: إكتفوا من يوم الارض الخالد بالذكرى. فهنيئا لنا ولكم بهذه الذكرى الخالدة. وبهذه المناسبة نعلمكم أن الارض المصادرة لن تعود، وقد خوزقنا الحكومة، لا مصادرة بعد اليوم إذ لم يعد لدينا أرض لكي تصادرها.
لسنا افضل من الاعرابي الذي عاد الى أهله خالي الوفاض وهو يقول: "اوسعتهم شتما وأودوا بالابل". يوم الارض أصبح مناسبة مثالية لشتم الحكومة والمسؤولين. صفحات الجرائد العربية، الوطنية منها وغير الوطنية، سوف تنضح هذا الاسبوع بالشتائم. الاحزاب السياسية سوف تتنافس فيما بينها من خلال الندوات التي تنظمها على شرف يوم الارض من الذي يفوز ويربح الجائزة الاولى في فن الشتائم المبتكرة. المنصة في المهرجان الرئيسي سوف تهتز من عنف الخطابات.
وأين الارض؟ إختفت، ذهبت من غير رجعة. أرض سخنين استولت عليها مستوطنات مسغاف، وأرض الناصرة وقراها استولت عليها الناصرة العليا وأرض القدس تغتصب وتدنس يوميا وأرض النقب تسحب من تحت أقدام أصحابها.
لقد كان يوم الارض الاول إستثنائيا، شاذ عن القاعدة. أما باقي ايامنا التي تشكل القاعدة في ايام خنوع وتراجع وأيام خذلان الارض التي تخجل بنا.
خذوا الذكرى وأعيدوا لنا الارض.

Wednesday, March 18, 2009

العودة الى الحرب الباردة


هل تصريحات الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بشأن ضرورة إعادة تسليح الجيش الروسي وتعزيز قدراته النووية والاستراتيجية هي بمثابة إعلان رسمي عن عودة الحرب الباردة في العلاقات الدولية وخصوصا بين الدول العظمى؟ كل المؤشرات تؤكد أن هذا هو الواقع. لم تأت تصريحات الرئيس الروسي باب الصدفة وهي ليست تصريحات، بل جاءت بعد تطورات الوضع السياسي والعسكري على ارض الواقع في السنوات الاخيرة على الاقل. جاءت هذه التصريحات ردا على السياسة التوسعية العنيفة التي يتبعها حلف الناتو لتوسيع نفوذه شرقا حتى وصوله الى تخوم روسيا وكان آخرها محاولة ضم أوكراينا وجورجيا الى هذا الحلف الامر الذي ترى به روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وقد أوضحت روسيا موقفها هذا في الحرب الاخيرة بينها وبين جورجيا. هذا بالاضافة الى قرار حلف ناتو بنشر ما يسمى الدرع الصاروخي في اوروبا الشرقية التي ترى به روسيا ايضا تهديدا لأمنها القومي.
بعد إنهيار الاتحاد السوقياتي، في تسعينات القرن، برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى وحيدة وأخذت تصرح وتمرح في العالم كما يحلو لها، بلا رقيب او محاسب. وبدأت تحشر انفها في كل صغيرة وكبيرة في شتى انحاء العالم وتثير النزاعات والحروبات في كل مكان. قامت بغزو وإحتلال أفغانستان والعراق والتدخل السافر في أفريقيا واسيا والتهديد بشن حروبات جديدة في ايران وسوريا وكوريا والسودان وغيرها من البلدان.
تورط أمريكا وحلفائها جلب عليهما أزمة إقتصادية خانقة لا يدري أحد كيف ستنتهي. غير أن التاريخ الحديث يؤكد أن الطريقة الافضل من وجهة النظر الامبريالية لحل أزماتها الاقتصادية هي شن المزيد من الحروب. دعونا نتذكر أن الركود الاقتصادي العنيف الذي عصف بهذه الدول في ثلاثينيات القرن الماضي قد قاد مباشرة الى الحرب العالمية الثانية التي لم تندمل جراحها بعد.
بالطبع، في هذا الصراع العالمي لا تقف دولة اسرائيل موقف الحياد. على العكس من ذلك تماما، بل هي تشكل في كثير من الاحيان رأس الحربة. من المعروف أن اسرائيل هي عضو غير معلن ولكنه رئيسي في حلف الناتو. وهي تملك ترسانة نووية واسلحة دمار شامل تحسدها عليها جميع الدول العظمى. وإذا ما قسنا حجمها الجغرافي والسكاني نستطيع أن نجزم أن هذه الدولة ليست سوى مخزن حربي كبير. لذلك ليس من باب الصدفة أن يقول حوالي 60% من الاوروبيين في إستطلاع أجرته المفوضية الاوروبية قبل عدة سنوات أن اسرائيل تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. وأن حوالي نصف الشعب الامريكي نفسه (43%) في إستطلاع مماثل يرى ذلك ايضا.
اسرائيل لا تكتفي بشن الحروب وتأجيج الصراعات في الشرق الاوسط، حيث قامت خلال سنتين بشن حربي إبادة في لبنان وفي غزة. ولكنها، على غرار الولايات المتحدة الامريكية ودول حلف الناتو الاخرى تلعب دورا رئيسيا في كافة النزاعات عن طريق تصدير الاسلحة وفي كثير من الحالات بتدخل مباشر عن طريق المخابرات والمستشارين العسكريين كما يحدث الآن في العراق ولبنان والسودان والعديد من دول أمريكا اللاتينية.
أنا شخصيا أتحفظ من وصف "اسرائيل" بأنها تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. ذلك لأن إسرائيل لا تلعب منفردة، بل هي لاعب أساسي في فريق كامل. النظام الامبريالي العالمي، الذي تشكل اسرائيل جزء منه، هو الذي يشكل أكبر خطر على السلام العالمي وعلى السلام في منطقتنا.
العديد من الساذجين سياسيا يظن انه على ضوء تشكيل حكومة يمينية متطرفة سيقوم "المجتمع الدولي" وخصوصا أمريكا وأوروبا بزيادة الضغط على اسرائيل وإرغامها على الوصول الى تسوية سلمية مقبولة على الطرفين. العكس من ذلك هو الصحيح: على ضوء الازمة الاقتصادية العالمية وعودة الحرب الباردة سوف تلاقي مثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة المزيد من الدعم من قبل المعسكر الامبريالي المهدد.
السلام الحقيقي الذي تحلم به البشرية لا يمكن أن يتحقق من غير هزيمة وإنهيار هذا المعسكر. الثورة كانت وما زالت هي الطريقة الوحيدة للقضاء على الحروب الرجعية. وهذا ليس مجرد شعار أكل الدهر عليه وشرب، بل حقيقة تلمسه وتحس به الشعوب المضطهدة.

Tuesday, March 10, 2009

نعم، يجب محاكمة عمر البشير وجميع الرؤساء والملوك والامراء العرب


في خطوة غير مسبوقة توحد الشارع العربي بصعيديه الرسمي والشعبي وبمعسكريه المعتدل والممانع وبيساره ويمينه وبأحزابه القومية واليسارية وحركاته الدينية حول الموقف الرافض والمندد بإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة لإعتقال الرئيس السوداني عمر البشير. مثل هذا الموقف الموحد لم نشهده عندما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتدمير العراق وإحتلاله أو عندما شنت اسرائيل مؤخرا حربين إجراميتين الاولى في لبنان والثانية في غزة. وكأن الدفاع عن عمر البشير أهم من الدفاع عن العراق ولبنان وفلسطين. أليست هذه الوحدة مشبوهة؟
سمعنا تبريرات المدافعين عن عمر البشير. ومن هي هذه المحكمة التي يكيل ميزان عدالتها بمكياليين والتي لا تجرؤ على تقديم مجرمي حرب معروفين، من الرئيس الامريكي السابق بوش الى شريكه رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير الى مجرمي الحرب الاسرائيليين، بينما تتطاول على الرئيس"القومي" "الممانع" عمر البشير.
لست هنا بصدد الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية ولا عن مدعيها العام الفاسد لويس مورينو اوكامبو بشكل خاص. إذ أن معظم ما قيل عنهما صحيح. فبالرغم من أن أمريكا وإسرائيل رفضتا التوقيع على قانون روما بخصوص إنشاء المحكمة إلا انهما تمارسان ضغوطا شديدة عليها حتى أصبحت وكأنها أداة طيعة تحت وصايتهما بالرغم من أنها من المفروض أن تكون مستقلة تماما حتى عن الامم المتحدة.
بعيدا عن العواطف الخادعة وبعيدا عن الشعارات الرنانة والديموغاغية، السؤال الذي يجب أن نطرحه على انفسنا: هل يستحق عمر البشير الاعتقال والمحاكمة أم لا؟ والجواب هو بدون تردد: نعم يستحق ذلك ومنذ وقت طويل. بل وأكثر من ذلك: جميع الرؤساء والملوك العرب يستحقون الاعتقال والمحاكمة من غير إستثناء. كنت أفضل بالطبع أن تتم محاكمتهم من قبل شعوبهم أو على الاقل من قبل محكمة دولية نزيهة. ولكن غياب ذلك ألا يكون ذريعة وتبريرا للدفاع عنهم.
عمر البشير متهم بإقتراف جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب وربما جرائم الابادة الجماعية في دارفور. هل ثمة أحد من الملوك والرؤساء العرب غير متهم بمثل هذه الجرائم؟ هل نحن بحاجة الى واحد مثل اوكامبو أو غيره ليذكرنا بذلك؟ جرائم الحرب في السودان لم تبدء فقط في السنة الماضية فلماذا اصدر قرار الاعتقال الآن فقط؟ عمر البشير متواجد على رأس السلطة منذ 20 سنة. بدأها بإنقلاب عسكري على حلفائه ومرؤسيه السابقين. خلال هذه السنوات جلب الجوع والدمار الى السودان الذي يمتلك خيرات تستطيع أن تشبع القارة الافريقية بأكملها. عمل على تقطيع أوصال السودان وأعطى الذريعة للدول الاوروبية الطامعة ولأمريكا واسرائيل أن تتدخل لتأجيج الصراعات القبلية والأثنية والثقافية في جميع أرجاء السودان وخصوصا في الجنوب وفي إقليم دارفور. كل هذا جرى في البداية بدعم ومساندة الدول الاستعمارية التي انقلبت عليه الآن. إذن من أجل وحدة السودان، من أجل إنقاذ السودان يجب محاكمة البشير. وما زال هناك متسع من الوقت لكي يهب الشعب السوداني ويقدمه الى المحاكمة التي سوف تكون أعدل بما لا يقاس من المحكمة الجنائية الدولية.
يحاولون، من خلال ابواق الدعاية الرسمية، ايهامنا بأن الحملة على عمر البشير سببها مواقفه الرافضة للهيمنة الامريكية – الاسرائيلية ودعمه للمقاومة في العراق وفلسطين. هذه كذبة مفضوحة لا تنطلي على أحد. ليكشف لنا عمر البشير عن دوره وعن دور رئيسه "القومي" الاسبق جعفر النميري في هجرة يهود اثيبوبيا الى فلسطين المحتلة عن طريق السودان. ماذا كان ثمن هذه الصفقة؟ ليكشف لنا عمر البشير وحليفه القوي السابق حسن الترابي عن دوره في تسليم المناضل الاممي كارلوس الى فرنسا لكي يقبع مدى الحياة في السجون الامريكية. ليكشف لنا عن مواقفه المناهضة للهيمنة الامريكية- الاسرائيلية وعن دعمه للمقاومة. هؤلاء الرؤساء الذين يبيعون الوطن لكل من يدفع الثمن يتذكرون أن لهم وطن فقط عندما ينقلب حلفاؤهم الاجانب عليهم.
عمر البشير الذي إغتصب السلطة ودمر السودان خلال 20 سنة من الحكم لا يستحق الدفاع عنه. السودان الوطن والسودان الشعب هما اللذان يستحقان الدفاع عنهما، وأول الدفاع هو التخلص من هذا النظام الفاسد.
يظن الملوك والرؤساء العرب انهم يستطيعون إدراة بلدانهم وكأنها مزارع خاصة بهم ويعاملون شعوبهم كالعبيد ويرتمون في أحضان الطامعين الاجانب حيث يتوهمون انهم بذلك يؤمنون الحماية لكراسيهم وعروشهم، فإذا إنقلب هؤلاء الطامعون عليهم أخذوا يصرخون: انقذونا الوطن في خطر.
عودة الى المحكمة الجنائية الدولية. علينا أن نطالب أولا بأن تكون هذه المحكمة نزيهة ومستقلة تضع نصب اعينها العدالة والامانة. لأنه فقط محكمة كهذه تستطيع أن تحاكم مجرمي الحرب الاسرائيليين وغيرهم ممن اقترفوا جرائم ضد الانسانية. فحتى ذلك الحين يجب أن نحافظ على شعلة المقاومة الشعبية ملتهبة.

Wednesday, March 04, 2009

الاعتراف الاخير




عندما كان أحدنا يعتقل لسباب سياسية(او امنية حسب القاموس الاسرائيلي) كانت الطريقة المفضلة عند المحققين لإبتزاز الإعترافات بما فعله أو لم يفعله المعتقلون، هو أن يقسم المحققون انفسهم الى محقق "سيئ" شرير، عنيف، يستعمل القوة والتهديد وإلى محقق "جيد" طيب القلب، رحيم يريد مساعدة المعتقل. فكان المحقق السيء يدخل أولا الى المعتقل ويبادره بمثل هذا الكلام: "انت مخرب؟ تريد أن تحرر فلسطين؟ سوف ترى نجوم الظهر هنا. سوف نحطمك تحطيما وتقضي باقي حياتك وراء القضبان. سوف تندم على اليوم الذي ولدتك امك به". مثل هذه التهديدات التي لا تنتهي ويرافقها في معظم الاحيان بعض الصفعات والركلات والشبح وغيرها من اساليب التعذيب الجسدي.مؤكدا انه لن يتوقف حتى يحصل على إعتراف كامل من المعتقل. ولكن سرعان ما كان المحقق "السيء" يغادر غرفة التحقيق ويدخل المحقق "الجيد" ويبدأ حديثه الناعم على النحو التالي: " ماذا جرى لك هل جننت؟ انت تبدو لي انسان عاقل فلماذا تخرب مستقبلك، انت ارتكبت خطأ ولكن انا استطيع مساعدتك. إعترف بما فعلته وانا سوف اخرجك من هذه الورطة. بعدين يا حبيبي: مائة ام تبكي وأمك لا تبكي" ومثل هذا الكلام المعسول الذي لا ينتهي. المهم في نهاية المطاف الحصول على الاعتراف. غني عن القول انه مع معتقل آخر كان المحققون يتبادلون الادوار.
يبدو أن هذا الاسلوب ليس إختراعا اسرائيليا. فهو موجود عند كافة مخابرات العالم. وهو ليس سوى تطبيق لسياسة العصا والجزرة المعروفة وللمكيافيلية السياسية التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة. فغاية المحقق أن يحصل على إعتراف المعتقل ومن أجل ذلك كل الوسائل متاحة.
المصيبة الحقيقية هو عندما يستعمل هذا الاسلوب المخابراتي ليس ضد معتقل بل ضد شعب بأسره وعندما لا يكون حكرا على محققين هذه هي وظيفتهم في نهاية المطاف بل عندما يشارك العالم أجمع في استعماله.
اليوم، المطروح على الشعب الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل. فهذه الرباعية المكونة من الامم المنحدة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا تضع شرطا مسبقا لكل مساعدة او لكل مفاوضات: الاعتراف بإسرائيل اولا. الدول العربية من خلال مبادرتها السلمية تدعو الى الاعتراف والتطبيع. السلطة الفلسطينية تدعو ما تبقى من مقاومة الى نبذ سلاح المقاومة واللجوء الى الاعتراف.
حرب الابادة التي شنتها اسرائيل مؤخرا على غزة كان هدفها الاول والاخير هو فرض الاعتراف على المقاومة. أي فرض "السلام" الاسرائيلي- الامريكي. ولكنها فشلت في تحقيق غايتها هذه. فلجأت الى مؤتمر شرم الشيخ لإعادة "إعمار غزة" ولكن الغاية الحقيقية كانت انتزاع الاعتراف بوسائل أخرى. أمريكا تعهدت بدفع 900 مليون دولار بشرط الاعتراف بإسرائيل اولا. الاتحاد الاوروبي ودول النفط العربية حذت حذوها. رئيس السلطة الفلسطينية ناشد المقاومة بالاعتراف. حتى وصل ثمن الاعتراف الى حوالي 4 ونصف مليارد دولار. قد يبدو هذا المبلغ للوهلة الاولى خياليا ولكنه لا يتجاوز المساعدات السنوية التي تمنحها الولايات المتحدة لإسرائيل.
ماذا يعني الاعتراف بإسرائيل؟
لم تكتف الدولة العبرية بتشريد الشعب الفلسطيني ونهب ارضه وسلب ممتلكاته ولكنها تطالبه بإن يعترف أن ما قامت به هو من حقها. الاعتراف بإسرائيل يعني أن كل ما قامت به منذ عام النكبة وحتى هذا اليوم هو أمر شرعي. الاعتراف يعني ان كل الحروب التي شنتها اسرائيل هي ضمن حقها في الدفاع عن النفس. الاعتراف يإسرائيل يعني أكثر من ذلك. انه يعني أن المشروع الصهيوني القائم على الأساطير والمبادئ العنصرية هو مشروع شرعي، هو حركة تحرر وطني وليس مشروعا استعماريا بإمتياز. في الوقت نفسه يعني أن نسحب إعترافنا بانفسنا كشعب، أن نسحب إعترافنا بتاريخنا وحضارتنا.
إسرائيل تستطيع أن تقتل وتدمر وتحتل ولكنها تعرف تمام المعرفة أن كل ذلك لا أهمية له إذا لم يتوج بالاعتراف. وللحقيقة نقول، ان اسرائيل إستطاعت أن تحقق انجازات هامة في هذا المجال. ولا أقصد هنا الاعتراف الدولي بها منذ قرار التقسيم. فالاعتراف الدولي لا قيمة له ما دام صاحب القضية لا يعترف. فالصين الوطنية وخلال فترة طويلة نالت إعتراف الامم المتحدة ولكن موقف الصين الشعبية الصامد جعل من هذا الاعتراف أمرا تافها سرعان ما زال. لذلك تركز إسرائيل على انتزاع الاعتراف من أصحاب الشأن: من الشعوب العربية بشكل عام ومن الشعب الفلسطيني بشكل خاص. وقد استطاعات كما قلت ان تخترق الجبهة العربية وتقلب لاءات الخرطوم الشهيرة رأسا على عقب في قمة بيروت. هذه بعض محطات الاعتراف: قرار 242 و 338، اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من دائرة الصراع، اتفاقيات اوسلو، أتفاقيات وادي عربة، مبادرة السلام العربية.
إنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي العربي بعد أن فرضت الاعتراف على دول الجامعة العربية. ولكنها فشلت على الصعيد الشعبي. فالشعوب العربية رفضت وترفض الاعتراف والتطبيع. وإنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي الفلسطيني بعد أن استحوذت على اعتراف السلطة.
المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة هي القلعة الاخيرة لعدم الاعتراف والتطبيع. لذلك يتحد العالم الرسمي لإسقاطها عن طريق القتل والدمار والحصار إن أمكن أو عن طريق الاموال والرشوات. معركة الاعتراف في غزة هي معركة الشعوب العربية والشعب الفلسطيني الاخيرة. الاعتراف هو الموت واللا إعتراف هو الحياة، ولا خيار أمام الشعوب إلا الحياة.
وأخيرا، لماذا لا نطالب إسرائيل بالاعتراف؟ الا يوجد لديها ما تعترف به؟

Tuesday, February 17, 2009

مصيدة الفئران



يدور الكلام هنا عن تلك الآلة القديمة التي نعرفها جميعا والتي كانت منتشرة خصوصا بالنواحي القروية وتستعمل لصيد الفئران التي كانت تؤرق راحة وحياة الفلاحين. تعمل هذه الآلة على اساس مبدأين يكمل أحدهما الآخر: الاول إجتذاب الفأر بواسطة قطعة من الاكل (قطعة من الخبز او مفضل قطعة من الجبنة التي تحبها الفئران) حتى يتم الايقاع به بالفخ. والثاني ألإطباق على الفأر عندما يسحب القطعة.
لا علاقة لهذه المقالة، لا من قريب ولا من بعيد، بالمسرحية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه والتي كتبتها الكاتبة الانجليزية أجاتا كريستي والتي ما زالت تعرض منذ حوالي 60 عاما على مسارح لندن لتكون أكثر مسرحية عرضا في تاريخ المسرح. ولا أجد داعي أن أطلب العذر من أجاتا كريستي لأني استعملت العنوان نفسه، فحسب رأيي لا يوجد حق لأحد إحتكار هذا الاسم الذي يعتبر جزءا من تراثنا الشعبي. ربما الشيء المشترك بين مسرحية "مصيدة الفئران" لأجاتا كريستي وبين المصيدة التي اتكلم عنها، انها جميعها مسرحية حسب أقوال كاتب انجليزي آخر أكثر شهرة هو وليم شكسبير:" العالم مسرح كبير ومعظم الرجال والنساء عليه مجرد ممثلين". هنا ينتهي وجهة الشبه ويبدأ الخلاف. فمسرحية أجاتا كريستي هي مسرحية خيالية وكل علاقة لها بالواقع هي من باب الصدفة. بينما مسرحيتنا هي واقعية بالرغم من انها تتفوق على الخيال في معظم مشاهدها. ولكن الخلاف الاكبر بين المسرحيتين هو أن جميع أبطال مسرحية اجاتا كريستي مشبوهين بإرتكابهم جريمة القتل وفقط في المشهد الاخير يتم الكشف عن القاتل الحقيقي الذي يكون عادة أقل المشبوهين تورطا. أما في مسرحيتنا فالقاتل معروف سلفا للجميع وهو لا يحاول أن يخفي ذلك. فهو يقترف جرائمه ببث حي ومباشر الى جميع انحاء العالم. إلا أن الجمهور يرفض أن يصدق بأنه القاتل ويعمل المستحيل لتبرئة ساحته وبالمقابل يتهم الضحية، المقتول، بالجريمة. هذا هو الفرق بين المسرح الخيالي المعقول على طريقة أجاتا كريستي والمسرح الواقعي اللامعقول على الطريقة الفلسطينية.
لنعود الى مصيدة فئراننا. وبما انني افضل الكلام المباشر على الرموز، ولمن لم يستنتج بعد ما اقصده ب"مصيدة الفئران" أقول ان المصيدة التي أتحدث عنها هي ما يسمى بالديموقراطية الاسرائيلية وعلى وجهة التحديد الانتخابات للكنيست الصهيوني التي جرت قبل فترة قصيرة. نعم الكنيست هي مصيدة فئران هائلة تستعملها الدولة للإطباق على "الفئران" السائبة المشاغبة التي تزعج راحة وحياة المستوطنين الجدد في هذه البلاد، والتي ما زالت ترفض قبول ما حل بها من نكبة عام 1948 وحتى اليوم. هذه المصيدة الهائلة تعمل حسب القوانين الكلاسيكية لعمل مصائد الفئران المعروفة: الخطوة الاولى، تجذب الفئران وخصوصا الطليعية منها بواسطة قطعة دسمة من الجبنة الفاخرة التي تحتوي على راتب عالي وتمويل سخي ومنصة للخطابات والصراخ والشتائم ضد صيادي الفئران. اما الخطوة الثانية فهي إغلاق جميع المنافذ على أكبر عدد ممكن من الفئران بعد أن يفقدوا هويتهم وحريتهم وإنتمائهم.
بالطبع الامور ليست سهلة الى هذا الحد. فكم سمعنا من أحد الفلاحين أن أحد الفئران الذكية قد غلبه بعد أن سحب الطعم وهرب أو انه فلت من الوقوع بالفخ في اللحظة الاخيرة. ولكن الفلاح العنيد يستطيع في نهاية المطاف الايقاع بأكثر الفئران ذكاء ما دام هذا الفار يرقص أمام المصيدة. وهذا بالضبط ما فعلته الدولة بالكنيست حتى أصبحت مصيدة للفئران الذكية. فقد منحت هذه الفئران حصانة برلمانية وتمويلا سخيا وقالت لهم: تعالوا وطالبوا بحقوق باقي الفئران. إجذبوا أكبر عدد ممكن منها الى داخل المصيدة حتى ترتاح ولا تحمل أي هم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع الفأر مهما بلغ من ذكاء ومن حماس أن يدافع عن باقي الفئران من داخل مصيدة؟
ما زالت الاحزاب العربية تحتفل بإنتصاراتها الوهمية في الانتخابات الاخيرة.تحتفل بحصولها على قطعة كبيرة من الجبنة الشهية. ولكنها لا تدري انها في حقيقة الامر تحتفل بوقوعها بالفخ. وهي ستبقى سعيدة وفرحة ما دامت لا تدرك انها تعيش في مصيدة كبيرة للفئران.
صائد الفئران الاسرائيلي ذكي جدا ويعرف بالضبط ماذا يعمل. فهو في قطاع غزة ليس بحاجة الى مصيدة. حيث يستعمل الاسلحة الفتاكة، الشرعية منها والمحرمة دوليا للقتل ويستعمل أسلحة أخرى للدمار. وفي الضفة الغربية يستعمل الاستيطان والجدران الفاصلة ويعتمد على المتعاونين المحليين. وهنا في الداخل يستعمل "مصيدة الفئران".
تعددت الاساليب والهدف واحد. وهدف المؤسسة الصهيونية أن تسوقنا جميع الى "مصيدة الفئران".




Wednesday, February 04, 2009

الكنيست لن تحمي بقاءنا ولن تبني مستقبلنا



غريب عجيب أمر الاحزاب العربية. لتبرير مشاركتها في الانتخابات قامت بحملة مسعورة على صعدين. الاول: الدفاع عن الكنيست الصهيوني دفاعا يفوق دفاعها عن غزة ويفوق دفاع الاحزاب الصهيونية عنه. والثاني: شن هجوم شرس على المقاطعة والمقاطعين.
لم يبق هناك أحد من زعامة القوائم العربية الثلاث والتي تسمي انفسها مجازا أحزابا عربية إلا وأدلى بدلوه في الدفاع عن الكنيست ومهاجمة المقاطعين. فهذا، على سبيل المثال لا الحصر، عودة بشارات السكرتير السابق للجبهة يقول على الموقع الرسمي للجبهة:" الترانسفير السياسي الذي لم ينجح اليمين بإنزاله بالعرب، يفعله بعض العرب، بشعارات وطنية تطبق الآفاق". ومن الجهة الاخرى يتناغم معه الشيخ ابراهيم صرصور رئيس الحركة الاسلامية الجنوبية ورئيس القائمة الموحدة ويشن هجوما شرسا على المقاطعة ويتهم من يدعو اليها بأنه يخدم موقف ليبرمان المتطرف ويتاجر بدماء غزة ويدعم اليمين الصهيوني المتطرف. وأكثر من ذلك حيث يقوم الشيخ بإتهام البعض بجمع التبرعات لإغاثة أهالي غزة ولكنهم ينفقونها على الدعاية لمقاطعة الانتخابات، وهذا اتهام خطير، بينما يعرف الجميع أن الاحزاب تمول دعايتها من ميزانية الدولة. وأضاف الشيخ أن الكنيست هي منصة لا غنى عنها لإسماع صوتنا والمطالبة بحقوقنا. الجرائد العربية والمواقع الاكترونية تنضح بمثل هذه التصريحات التعيسة التي إن دلت على شيء فإنها تدل على ضحالة وعقم القائمين عليها من جهة وعلى أن تيار المقاطعة هو تيار اصيل ينبع من صميم ضمير شعبنا من جهة أخرى.
لن أنزلق الى مهاترات شخصية، مع انها في بعض الاحيان ضرورية لإيقاف البعض عند حدهم. ولكننا في تيار المقاطعة المبدئية لإنتخابات الكنيست نقول لكل من يحب أن يسمع، كما قال جبران خليل جبران: نحب المريض ولكننا نكره المرض. ووبساطة نقولها أن الكنيست الصهيوني مرض، مرض مزمن وخطير، وأن الاحزاب العربية تنقل هذا المرض الى جماهير شعبنا. الطامة الكبرى عندما يكابر المريض ولا يعترف بمرضه.
الكنيست الصهيوني ليست منبرا للخطابات ومكانا للتعبير عن الرأي كما يدعي الشيخ ابراهيم صرصور وغيره من السياسيين. وهذا ما يعرفه كل طالب المتوسط في المرحلة الاعدادية. الكنيست هي أولا وقبل كل شيء أداة حكم، هي سلطة، وفي الدولة الحديثة على الطريقة الغربية الراسمالية، كما هو الوضع في هذه الدولة، هي أهم سلطة. وهي ليست سلطة وهمية كما في العديد من الدول النامية يعينها الملك متى يشاء ويلغيها متى يشاء. الكنيست كانت منذ يومها الاول وحتى هذا اليوم اداة السلطة التي استعملتها الحركة الصهيونية لصنع نكبة شعبنا عام 1948 وتشريده ونهب أراضيه، وهي الأداة الاولى في الجرائم التي لم تتوقف منذ ذلك الحين. تحميل مسؤولية هذه الجرائم المستمرة للحكومات المتعاقبة فقط وتبرئة الكنيست منها يدل على أحد أمرين إما غباء سياسي مطبق وإما أعلى درجات النفاق وإما على كلا الامرين معا.
الاحزاب العربية التي تتهمنا نحن المقاطعين بخدمة اليمين الصهيوني المتطرف تنسى او تتناسى انها ترقص مع هذا اليمين المتطرف في أروقة الكنيست وتنام بعد ذلك في أحضانه. إذن من يخدم من؟ من يبحث عن منصة للخطابات وللصراخ ليذهب ويشتغل رقاصة كما يقول اخوتنا المصريين فهناك سوف يجد منصة عامرة تجذب اليها الانتباه والابصار. أما إذا دخلت الكنيست، شئت ذلك أم ابيت فإنك تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية عما تقترفه هذه المؤسسة من جرائم.
قد يقول البعض، ولكن الاحزاب العربية تدخل الى الكنيست لكي تعارض السياسة الرسمية، لكي تدافع وتطالب بحقوقنا. هنا تكمن أخطر قوانين اللعبة. كيف تصبح أداة قمع غير شرعية شيئا جميلا ومقبولا في أعين العالم أجمع؟ بسيطة، بأن تقبل في داخلها بعض المعدودين على الضحية وتمنحهم هامشا من التحرك وتدعو العالم للفرجة عليهم. فهم في خطاباتهم مثل النمور ولكنها نمور من ورق او مثل الاسود ولكنها اسود سيرك وادعة.
أكثر ما يضحكني، وبعض الضحك ما يبكي، هو دعوة الاحزاب العربية بتكنيس الاحزاب الصهيونية من وسطنا العربي. هل يمكن أن تكون عضوا في أهم مؤسسة صهيونية وتقسم يمين الولاء للدولة كما تعرفها هذه المؤسسة وتطلق على نفسك حزب غير صهيوني أو حتى حزب معادي للصهيونية؟ من هو الصهيوني؟
الجواب على هذا السؤال أتركه لكل فلسطيني ليجيب عليه قبل أن يتوجه الى صندوق الانتخابات.

Tuesday, January 27, 2009

الانتخابات للكنيست الصهيوني؟ لأ شكرا



تعرفون حكاية الشيخ الذي كان يعرج بشكل دائم على دار للدعارة فسألوه: الى أين يا شيخ؟ فأجابهم للصلاة. فقالوا له: ما نعرفه أن من يريد الصلاةيذهب الى المسجد وليس الى دار للدعارة. هذه هي حكايتنان بل هذه هي مصيبتنا، بإختصار مع المناضلين الاشاوس من الاحزاب العربية المتهافتة هذه الايام على إنتخابات الكنيست . تسأل أحدهم: الى أين يا أخ؟ الى أين يا رفيق؟ فيجيبك بكل فخر وإعتزاز: الى الكنيست. وماذا تفعل في الكنيست؟ أناضل ضد التمييز العنصري ومن أجل المساواة واطالب بالحقوق المشروعة لجماهير شعبنا، أنا في الكنيست من أجل خدمة هذا الشعب المظلوم.
بعد المجازر التي إقترفتها الدولة الصهيونية في غزة والتي تشيب من هولها الصبيان، وبعد أن شاهدنا الدم المسفوك بالالوان الطبيعية وببث مباشر على الشاشة التي أمامنا، ندعو أصحاب الضمائر الحية من جماهير شعبنا أن يقفوا للحظة واحدة أمام ضمائرهم ويحاولوا الاجابة عن هذا السؤال: هل حقا الكنيست الصهيوني مكان للنضال والمطالبة بالحقوق أم هو وكر للدعارة السياسية حيث تطبخ به المجازر التي لا تتوقف ضد شعبنا؟
لنبدأ من النهاية. اليس الثالوث المجرم الذين قادوا مجازر غزة ونفذوها، أولمرت وبراك وليفني هم أعضاء في الكنيست ؟ وهم الذين يقودون هذه المؤسسة العنصرية؟ ألم يكن جميع من ارتكبوا المجازر في هذه الدولة في حق شعبنا من بن غوريون الى موشه ديان الى غولدا مئير الى بيغن وشامير ورابين وبيرس وشارون ونتنياهو وغيرهم الكثيرون أعضاء في الكنيست؟
يوجد هناك من يعيدنا الى كتابات جان جاك روسو ومونتسكيو ويلفت انتباهنا الى نظرية الفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في الدولة "الديموقراطية" الحديثة. ويقول: الحكومة هي التي تنفذ الجرائم وهي المسؤولة عنها والكنيست هي المؤسسة الوحيدة التي تستطيع لجمها. هذا المنطق الهزيل المريض يتهاوى أمام الواقع الذي يؤكد العكس تماما: الكنيست هي التي فوضت هذه الحكومة كما فوضت الحكومات السابقة بتنفيذ هذه الجرائم. الفصل بين السلطات وخصوصا في دولة اسرائيل ليس سوى وهم لم يعد يصدقه حتى طلاب المدارس الابتدائية في دروس المدنيات. ما كان قبل 250 سنة يسمى فصلا بين السلطات ليس اليوم أكثر من تقسيم أدوار، من تعاون وتنسيق بين هذه السلطات لإنجاح النظام ككل. البرلمان يسن القوانين والحكومة تنفذها والمحكمة تحاكم من يخرقها وهكذا تبقى الدائرة مغلقة. هذا هو جوهر الديموقراطية الغربية التي تبنت إسرائيل أقبح وابشع اشكالها. والتي وصفها كارل ماركس منذ زمن طويل:" الدولة الديموقراطية الرأسمالية تمنح الجماهير المسحوقة الحق في أن تختار من يقمعها كل اربع او خمس سنوات". هذا الكلام كان وصفا للدول الديموقراطية الراسمالية التي تطورت بشكل طبيعي من خلال الصراع الطبقي فما بالكم بدولة مصطنعة زرعت على هذه الارض بالقوة بعد إغتصابها وتهجير أهلها؟
لنعود الى البرلمان الاسرائيلي، الكنيست، حتى الاسم ينضح بالتمييز والتزييف ولا تربطه أية صلة بثقافتنا او حضارتنا، وهو مأخوذ من الاساطير المؤسسة لهذه الدولة ابتداء من الكنيست الكبيرة بعد السبي المزعوم، مرورا بالمؤتمر الصهيوني الاول في بازل عام 1897 وحتى الجمعية التأسيسية والكنيست الحديثة التي أعلن من على منصتها قيام دولة اسرائيل عام 1948.
منذ إعلان ما يسمى بوثيقة "الاستقلال" التي تنفي وجودنا في هذه البلاد نفيا مطلقا وحتى اليوم، قامت الكنيست بسن مئات القوانين المجحفة بحق شعبنا وتجريدنا من ابسط حقوقنا الطبيعية واولها حقنا بالحياة على أرضنا. فقد سنت الكنيست القوانين التي تخلد نفينا في المهاجر وبالمقابل سنت "قانون العودة" الذي يمنح اليهودي الذي لا تربطه اية صلة بالبلاد الحق بأن يستوطن في أي مكان يريد على وطننا. وسنت عشرات القوانين لشرعنة نهب اراضينا وبيوتنا وممتلكاتنا. بالاضافة الى ذلكن تمنح الكنيست الحكومة ثقتها بعد أن توافق على خطوطها السياسية العريضة وتراقب عملها من خلال اللجان البرلمانية. وهذا يدل على أن الكنيست هي التي تجسد الطبيعة العنصرية للدولة وتتحمل المسؤولية الاولى عن نكبتنا، أضعاف ما تتحمله الحكومات المتتالية. أهمية البرلمان في كل نظام تفوق أهمية اية حكومة. فالحكومات تقوم وتسقط وتتغير بينما البرلمان هو الذي يمنح النظام استمراريته. لذلك فإن دخول النواب العرب للكنيست بحجة محاربة سياسة الحكومة هو إفتراء وفي احسن الحالات هو غباء سياسي. وهم كمن يرتكب الكبائر بدون حرج ويأنف عن ارتكاب الصغائر.
بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب قائمتين عربيتين ومن ثم قرار المحكمة بشطب قرار الشطب، اتضح مدى زيف وعبثية هذه اللعبة وقوانينها التي تراوح بين عنصرية النظام وبين قدرته على الخداع. لكي تمر كذبة الديموقراطية محليا وعالميا، يكون النظام بحاجة الى معارضة. في إسرائيل يتم إستخدام النواب العرب كورقة لستر عورات النظام والتغطية على جرائمه التي يقترفها. الاحزاب الصهيونية ليست بحاجة ماسة الى نواب عرب في صفوفها وليس من باب الصدفة وجود نائب عربي واحد في الاحزاب الصهيونية المركزية ويستعمل عادة للزينة لا أكثر ولا اقل. ولكن هذه الاحزاب بحاجة الى 10 أعضاء كنيست عرب على الاقل، يشتمون ويصرخون ويعارضون لكي يستطيعوا بعد ذلك الخروج الى العالم حتى بعد المجازر التي ارتكبت مؤخرا في غزة ويقولوا: هذه هي الديمقراطية الاسرائيلية، للنواب العرب الحرية في شتمنا في عقر دارنا.
بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب القائمتين العربيتين لوح حزب التجمع الوطني الديموقراطي باللجوء الى "بدائل سياسية وشعبية لا ترتاح لها الدولة" على حد تعبير السكرتير العام عوض عبدالفتاح. أما رئيس القائمة النائب جمال زحالقة فقد صرح:" لا يصنعون لنا معروفا بل عليهم أن شكروننا على خيارنا بالمشاركة بالانتخاابات البرلمانية، وفي حالة شطب التجمع ستجري مقاطعة جماهيرية للإنتخابات". هذه التصريحات تذكرنا بما قاله القائد التاريخي لهذا الحزب، عزمي بشارة بعد أن نفى نفسه، بإن النضال البرلماني قد استنفذ نفسه ويوجد أمام حزبه خيارات أخرى.
ولكن الشعارات شيء والسياسة العملية شيء آخر. فسرعان ما هرول الحزب الى المحكمة الاسرائيلية ليقدم استئنافا على قرار الشطب، وهناك نفى زعامة الحزب التهم الموجهة ضدهم واعلنوا مرة أخرى اعترافهم والتزامهم بالدولة العبرية كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره. وأكبر دليل على مصداقيتهم أنهم في حالة دخولهم للكنيست سوف يقسمون يمين الولاء للدولة تماما مثل النواب الصهاينة الذين طالبوا بشطبهم.
وعند خروج المشطوبين "منتصرين" من قاعة المحكمة صرح بعضهم قائلا: والان بعد أن حققنا النصر على ليبرمان الترانسفيري علينا أن نحقق النصر على الذين يريدون لنا الترانسفير السياسي من الداخل والذين ينادون بمقاطعة الانتخابات. حتى أن بعض الاصوات لم تخجل من القول: أن المقاطعين لإنتخابات الكنيست أشد خطرا من ليبرمان نفسه وكرروا الفرية المجوجة أن المقاطعة هي دعم للأحزاب الصهيونية.
هذا في الوقت الذي كان محمد كناعنة، الامين العام لحركة أبناء البلد التي تقود حركة المقاطعة يصرح:" اننا في حركة أبناء البلد نشجب ونستنكر قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب قائمتي الموحدة والتجمع ونعتبرها ملاحقة عنصرية فاشية ومحاولة لضرب القوى السياسية الفاعلة والحية، بالرغم من مقاطعتنا للإنتخابات ننظر بخطورة لهذا الاسلوب".
وانا هنا اوجه اللوم الى الرفيق محمد كناعنة، ولو كنت مكانه لقلت:" هذه هي المؤسسة التي راهنتم عليها 60 عاما تلفظكم من داخلها، تدوس على كرامتكم وتعاملكم كما تعامل المومس وضربتم بعرض الحائط كل ما قلناه عنها. تستحقون ما فعلوه بكم، من غير شماتة لعلكم تستخلصون العبر. ولكن من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام..
نعم، الكنيست ليست مكانا للنضال الوطني الشريف كما أن دار الدعارة ليست مكانا للصلاة. وكما قال أمير البيان، شكيب ارسلان:" يفكر الوطني بالاجيال القادمة اما السياسي فيفكر بالانتخابات القادمة". من أجل فلسطين، من أجل العودة ومن أجل الاجيال القادمة نناشد جماهيرنا الفلسطينية أن تقاطع انتخابات الكنيست، أن تنزع الشرعية عن هذه المؤسسة اللاشرعية حسب كافة القيم والمقاييس الاخلاقية. هذه المؤسسة ملطخة بدماء اطفال غزة تماما كالحكومة والجيش، بل هي التي تتحمل المسؤولية الاولى.
لا يكفي ان نهتف بالشعارات الرنانة ونقول نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، واننا شعب واحد مهما تشتتنا وتمزقنا. كيف نقبل بهذا الفتات وباقي شعبنا محروم من أبسط حقوقه؟ لماذا نناشد أهالي القدس بمقاطعة الانتخابات ولا نطبق ذلك على انفسنا؟ هل لأننا، بعيدا عن الشعارات، نعترف بواقع الاحتلال ونرى أن مصيرنا مرتبط باسرائيل وليس بمستقبل شعبنا؟ ألم تكن أحد اسباب رفضنا لاتفاقيات أوسلو هو شطبنا من معادلة حل القضية الفلسطينية؟ ولأن هذه الاتفاقيات تعاملت مع شعبنا كأجزاء مبتورة؟
الدعوة الى مقاطعة انتخابات الكنيست لا تعني بأي حال من الاحوال التقوقع في البيوت ولا تعني صم الآذان وإغماض العيون عن آلام شعبنا وعن النضال من أجل تحقيق مطالبه العادلة. بل على العكس من ذلك تماما: مقاطعة الانتخابات للكنيست الصهيوني تعني قيادة النضال في مساره الصحيح، تعني ما لمح اليه البعض حينما وقف للحظة امام خطر الشطب: اللجوء الى "بدائل سياسية شعبية". تعني بناء مؤسساتنا الوطنية التي توحدنا كشعب ولا تفرقنا. تعني الحفاظ على هويتنا الوطنية ورفض الاسرلة مهما كانت التبريرات والتسويغات. التهافت على انتخابات الكنيست هي عملية تطبيع واسرلة الى ابعد الحدود ولن تفيد كل الفلذكات الكلامية طمس هذه الحقيقة. ليكن شعارنا الوطني الصادق: هذا هو وطننا الذي لا وطن لنا سواه ولكن هذه الدولة ليست دولتنا.

Wednesday, January 21, 2009

شكرا جيش الدفاع الاسرائيلي




عاد جنودنا الابطال الى الديار بعد أن لقنوا العدو درسا لن ينسوه ابدا. عاد جنودنا ظافرين بعد أن شنوا حربا دفاعية على قطاع غزة، حربا هي من كثر الحروب عدالة وانسانية. في هذه الحرب قتل جنودنا الابطال من الجو والبحر والبر خلال 3 أسابيع أكثر من 1300 شخص منهم أكثر من 400 طفل واكثر من 100 إمرأة وجرحوا حوالي 6 آلاف شخص نصفهم من الاطفال والنساء. لولا القيم الاخلاقية العالية التي يتحلى بها جيشنا ولولا طهارة سلاحه وحساسيته المفرطة للجانب الانساني لقتل وجرح أعدادا أكبر بما لا يقاس. هذا بالاضافة الى تدمير قسم كبير من البنى التحتية حيث دمرنا اكثر من 20 الف منزل، 4 آلاف هدمناها بشكل كامل، اي سويناها مع الارض. منها المدارس والمساجد التي تحولت الى أوكار تعج بالمخربين.
هذا هو مصير كارهي إسرائيل، ليمح الرب اسمهم. لقد وصانا رب إسرائيل وهو يقف معنا دوما منذ أيام يهوشع بن نون أن نبيد أعدائنا عن بكرة ابيهم. ألم يأمرنا بقتل الاطفال والشيوخ والنساء وحتى الشجر والغنم والحمير عندما حررنا اريحا وباقي المدن التي وعدنا بها الرب ؟ كل من يخالفنا دمه في رأسه وعليه أن يدفع الثمن يحياته. فقط من يتعامل معنا ويخون وطنه وشعبه يستطيع أن يعيش بجوارنا. كما فعلت راحاب الزانية في ذلك الوقت، الم نحميها هي وعائلتها لأنها ساعدت جواسيسنا؟ واليوم الا نحمي ونحافظ على سلامة محمود عباس وسلطته وعلى كافة الانظمة العربية المعتدلة التي تخدمنا؟.
قد يقول البعض من أصحاب النفوس الجميلة من الاغيار او حتى من بيننا: إن قتل الاطفال هو عمل غير إنساني تحرمه القوانين الدولية. أولا من يقول أن هؤلاء الاطفال معدودين من البشر؟ انهم مجرد مخلوقات تدب على قدمين كما وصفهم مناحم بيغين، بل هم صراصير دائخة داخل قنينة كما وصفهم آخر. ثانيا، وهو الاهم، هؤلاء الاطفال سوف يكبرون وسوف يحاربوننا، الا نحارب اليوم أطفال الانتفاضة الاولى؟ فمن واجبنا إذن أن نقدم العلاج على الضربة وأن نقتل في الصباح من يريد قتلنا في المساء، اليست هذه تعاليم رب اسرائيل التي تنص عليها كتبنا المقدسة؟
ولماذا نقتل النساء الفلسطينيات؟ ألسن هن الامهات اللاتي ينجبن هؤلاء الارهابيين المخربين الصغار؟ وهن اللاتي يربينهم على كراهيتنا ويرسلنهم لمحاربتنا؟
طبعا، لكي يسكت الاغيار عنا، ويغضوا الطرف عن المجازر العادلة التي نقوم بها، خصوصا وأن معظم هؤلاء الاغيار يقدمون لنا الدعم، يجب أن نستمر في دعايتنا التي تقول: اننا نقتل الاطفال والشوخ والنساء من أجل مصلحتهم، لكي نخلصهم من المخربين الذين يستعملونهم كدروع بشرية، لكي يتمردوا عليهم ويساعدوننا على التخلص منهم، ونحن نتعهد، كما تعهدنا لراحاب الزانية أن ندعهم يعيشون بسلام بجوارنا وأن يخدموننا كما كانوا يفعلون في السابق.
عاد الابناء الى الديار بعد أن إستحموا بدماء الفلسطينيين ردا على الارهابين الملطخة ايديهم بدماء الشعب اليهودي. طبعا لا يوجد هناك مجال للمقارنة بين دم ابنائنا ودم ابنائهم. وكما قال شاعرنا القومي حاييم نحمان بيالك:" الانتقام لدم طفل يهودي لم يخلقه الشيطان بعد" أما دماء الاطفال الفلسطينيين فهي رخيصة حتى في أعين ذويهم لذلك يبعثونهم للموت. إننا شعب الكتاب، شعب الله المختار، لذلك نستعمل في حروينا آخر ما توصل له العلم، فإذا اردنا ان نصفي أحد زعامتهم نلقي عليه قنبلة وزنها طن تقضي عليه وعلى عائلته وعلى كل من يتواجد بقربه، ونستعمل الاسلحة المحرمة دوليا والتي نصنعها بأنفسنا لكي نجرب نجاعتها. هذا بالاضافة الى الطائرات الحربية من آخر طراز والدبابات والغواصات أما هم، بصفتهم شعب بدائي متخلف يستعملون بدورهم اسلحة بدائية متخلفة تسبب بعض الثقوب في الجدران وفي الساحات المفتوحة ولكنها تسبب الرعب والهلع لمواطنيننا.
حربنا حرب دفاعية عادلة، بدأت في عام 1948 حيث طردنا أعدائنا من بيوتهم واراضيم وهدمنا قراهم، ومن ثم لاحقناهم الى مخيماتهم وقتلنا منهم الكثيرين، فرضنا عليهم الحصار برا وبحرا وجوا، منعنا عنهم الاكل والدواء، جعلنا من القطاع سجنا كبيرا، وأخيرا شن جيشنا الذي يعتبر رابع أكبر جيش في العالم حرب غبادة ضدهم، ولكنهم لا يستسلمون ويصرون على العودة لبيوتهم المهدمة. أي نوع من البشر هؤلاء؟.
مرة أخرى شكرا جيش الدفاع الاسرائيلي.

Tuesday, January 13, 2009

مقاطعة انتخابات الكنيست موقف وطني وواجب أخلاقي



على ضوء المجازر التي ترتكبها المؤسسة الاسرائيلية في غزة والجرائم ضد الانسانية التي تقترفها، فإن مقاطعة إنتخابات الكنيست القادمة تختلف عن مقاطعتها في المرات السابقة. في الماضي كان الكلام عن المقاطعة عبارة عن إجتهادات نظرية حتى عندما كانت تتناول قضايا مبدئية. وكانت نسبة كبيرة من المقاطعين تتبنى موقف المقاطعة لأسباب سياسية أو شخصية آنية كفقدان الامل من التوصل الى مساواة حقيقية من خلال النضال البرلماني أو لخيبة املهم من النواب العرب والاحزاب التي ارسلتهم الى الكنيست. هذه المرة الامر يختلف تماما. النظريات التي كان معظمها في أعين الناخبين مجرد شعارات خاوية من أي محتوى عملي أو في أحسن تعريف، تنطلق من ابراج عاجية منفصلة عن هموم الجماهير، أصبحت اليوم شيئا ملموسا يصل الى كل مواطن من خلال الصور التي تكاد لا تصدق الآتية من غزة.
علاقة الحرب على غزة، وخصوصا من خلال توقيتها وشراستها، بإنتخابات الكنيست القادمة لم يعد ينكرها أحد. لقد أصبح كل صوت في هذه الانتخابات ملطخا بدماء أطفال ونساء وشيوخ ومناضلي غزة. عين تحصي القتل والدمار في غزة وعين على االاستطلاعات الانتخابية.
لم يعد يالامكان التهرب من هذا الواقع. إذا كانت الحرب هي سياسة ولكن بوسائل أخرى فإن السياسة هي أيضا حرب لكن بوسائل أخرى. وعلى الجماهير العربية في هذه البلاد أن تحدد موقفها ليس من الحرب التي افرزتها السياسة الاسرائيلية وحسب بل ومن السياسة التي سوف تعقب هذه الحرب أيضا.
تدعي إسرائيل انها دولة "يهودية ديموقراطية". حسنا جدا، لنسلم جدلا بهذا التعريف. وعلى غرار الدول الديموقراطية الغربية فإن لهذه الدولة مؤسسات تتمركز في سلطات ثلاثة، منفصلة ظاهريا عن بعضها البعض ولكنها في حقيقة الامر تكمل بعضها وتقوم كل سلطة بدورها. وتكون محصلة هذا التقاسم وهذا التعاون والانسجام بالادوار هي الدولة ككل: 1) السلطة التشريعية، (البرلمان) الذي يسمى هنا الكنيست. 2) السلطة التنفيذية وهي الحكومة. 3) السلطة القضائية وهي المحاكم المختلفة.
تدعي الاحزاب العربية التي تشارك في الانتخابات أن وجودها في الكنيست ضروري من أجل محاربة سياسة التمييز والحرب التي تقوم بها السلطة التنفيذية (الحكومة). هذا الادعاء كاذب جملة وتفصيلا: أولا، معظم أعضاء الحكومة هم في الوقت نفسه أعضاء في الكنيست. ورئيس الحكومة هو عادة رئيس الحزب الذي يمتلك أكبر عدد من من نواب الكنيست. ثانيا، الحكومة لا تباشر بأعمالها الا بعد أن تنال الثقة من الكنيست. ثالثا، الكنيست هي التي توافق على الحكومة وعلى خطوطها الاساسية وهي الوحيدة التي تستطيع اسقاطها من خلال نزع الثقة عنها. رابعا، الكنيست تراقب عمل الحكومة من خلال لجانها المختلفة والتي تضم نوابا عربا. خامسا، أصلا صلاحيات الحكومة محددة بالقوانين التي تسنها الكنيست. من هنا نستنتج أن السلطة التشريعية (البرلمان) (الكنيست) تفوق من حيث اهميتها للنظام على السلطة التنفيذية (الحكومة).
إذن، ايتها الاحزاب العربية، اين الفصل بين الكنيست والحكومة؟ وكيف يمكن أن تكون حقا ضد الحكومة وفي الوقت نفسه عضوا في الكنيست؟ من يقول ذلك فهو يخدع نفسه ويخدع الجماهير.
اسرائيل، برؤوسها الثلاث، هي دولة كولونيالية عنصرية تحتل كامل فلسطين. هكذا كانت عند قيامها عام 1948 وهكذا هي اليوم. انها مخلصة لطبيعتها تمام الاخلاص، لم ولن تتغير. فهي لا تستطيع أن تخرج من جلدها. من هدم 530 قرية وطرد 750 مواطن آمن عام 1948 فما الغرابة في أن يدمر غزة عن بكرة ابيها ويقتل ألف ويجرح 5 آلاف؟
الاحزاب العربية التي تمنح هذا الكيان الشرعية من خلال التهافت على الكنيست وتدعي انها تعمل ذلك لمحاربة التمييز، مثلها كمن يرتكب الكبائر ويحرم الصغائر.
لكي تمر كذبة الدولة "اليهودية الديموقراطية" على سكان هذه البلاد وعلى العالم اجمع ترحب المؤسسة الاسرائيلية بوجود "نواب" عرب في الكنيست. ففي نهاية المطاف الديموقراطية تعني وجود معارضين في مؤسسات الدولة. الدور المحدد للنواب العرب هو تجميل صورة هذه الديموقراطية الزائفة. وهذا الدور في هذه الايام لا يقدر بثمن. بينما تقترف الدولة جرائم تستفز الضمائر الحية في شتى انحاء العالم، فما احوجها الى نواب معدودين على الشعب الضحية لكي يسوقوا مثل هذه الديموقراطية.
لقد قامت قائمة الاحزاب العربية التي شطبتها لجنة الانتخابات المركزية ولم تقعد. فهذا النائب واصل طه يصرح:" أن قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب الاحزاب العربية يفضح الوجه البشع للديموقراطية المزيفة". المجازر التي ترتكب في غزة ألم تكن كافية لفضح الوجه البشع للديموقراطية المزيفة؟
وهذه اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات تصرح:" قرار اللجنة المركزية للإنتخابات بشطب القائمتين هو قرار سياسي عنصري، يأتي ضمن منهج الملاحقات السياسية ونزع الشرعية القانونية والسياسية والمساعي لفك ارتباط جماهير شعبنا وحركاتها السياسية بوطنها وشعبها وبالقضية الفلسطينية.." هل وجودنا في الكنيست هو ضمان ارتباطنا بشعبنا ووطننا وقضيتنا؟؟ يا عيب الشوم. وهذا جمال زحالقة يقول:" في حالة شطب التجمع ستجري مقاطعة جماهيرية للإنتخابات، فهم لا يصنعون معنا معروفا بل عليهم أن يشكروننا على خيارنا بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية". المقاطعة الجماهيرية آتية سواء شطب التجمع أم لم يشطب ومن الافضل أن تغير خيارك وتلحق حالك.
هذا هو غيض من فيض من تصريحات قيادة الاحزاب المهددة بالشطب.
ولكن أخشى أن تكون هذه مرة أخرى مجرد مناورة ذكية. لجنة الانتخابات تشطب والمحكمة العليا تثبت. ويتم ضرب عصفورين بحجر. فمن ناحية تستطيع المؤسسة أن "تبرهن" للعالم أجمع على ديموقراطيتها وتحول الانظار عن جرائمها في غزة، وفي الوقت نفسه تستطيع الاحزاب العربية بعد سحب الشطب أن تستغلها في الدعاية الانتخابية.
الكنيست مكان ملطخ بدماء أهلنا في غزة. لن نمنح الشرعية لهذه المؤسسة العنصرية.

Wednesday, January 07, 2009

المقاومة في غزة أعادتنا الى الجذور



حرب غزة الاخيرة أعادت الصراع العربي الصهيوني الى جذوره. الصراع هو صراع على الوجود وليس على الحدود. هو صراع بين امة، حتى وإن كانت ممزقة تعاني من التخلف في مجالات عديدة، ولكن جذورها تضرب في أعماق التاريخ، هي الامة العربية وبين حركة كولونيالية مدعومة من النظام الامبريالي العالمي، كونت لنفسها كيانا عسكريا يسمى دولة اسرائيل إغتصبت لنفسها جزءا عزيزا من وطن هذه الامة.
السؤال المطروح اليوم على الامة العربية من المحيط الى الخليج بل وعلى العالم بإسره هو: ما هو مدى شرعية هذا الكيان؟
إن منح هذا الكيان شرعية يعني الاعتراف بجميع المجازر التي إقترفها منذ عام النكبة 1948 وحتى اليوم. منذ مجزرة دير ياسين الى مجزرة مدرسة الانروا في غزة مرورا بالمجازر الاخرى التي تكاد لا تعد ولا تحصى، حتى يمكن تلخيص تاريخ هذا الكيان بتاريخ المجازر التي إرتكبها. هذا بالاضافة الى سياسة الابادة الاثنية (جينوسايد) التي يتبناها وينفذها، وليس سياسة "التطهير العرقي" (ethnic cleansing) المستعملة حاليا. ما يجري في غزة اليوم هو تصفية جسدية لمجموعة بشرية. ولن تغير جميع الإدانات والاستنكارات مهما تعالت من هذه الحقيقة شيئا.
على الدول العربية أن تسحب مبادرتها المخزية التي تمنح هذا الكيان الشرعية والسلام والعلاقات الطبيعية. وعلى المنظمات الفلسطينية بكافة اديولوجياتها أن تسحب إعترافها بهذا الكيان من خلال الغاء اتفاقيات اوسلو وكل ما نتج عنها من إفرازات، وعلى حماهيرنا الفلسطينية في الداخل أن تنزع الشرعية عن هذا الكيان من خلال مقاطعة الانتخابات المقبلة للكنيست الصهيوني. وعلى المجتمع الدولي أن يراجع قرارته التي منحت هذا الكيان الشرعية منذ وعد بلفور مرورا بصك الانتداب وحتى قرار التقسيم وما أعقبه من نتائج على ارض الواقع.
ينقسم العالم اليوم الى معسكرين كبيرين: المعسكر الداعم لمقاومة جماهير غزة ويضم الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وشعوب العالم اجمع والتي تعبر عنه بالمظاهرات الشعبية تنتشر في كل بقاع العالم. والمعسكر الداعم للطغمة الفاشية الاسرائيلية والذي يضم نادي الانظمة الرجعية من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي الى الانظمة العربية والتي تتحكم بما يسمى الشرعية الدولية.
وبذلك أعادت حرب غزة الصراع العالمي الى مساره التاريخي الصحيح: الصراع بين النظام الامبريالي العالمي الذي تقوده العولمة الامريكية وشعوب العالم التي ترزح تحت الهيمنة الامبريالية. وأعادت المصداقية لشعارات ظن الجميع أنها توارت عن الانظار وأصبحت في ذمة التاريخ وعلى رأسها شعار الثورة العالمية كطريق وحيد لحل هذا الصراع وإنقاذ المجتمع البشري من الدمار الذي تجره نحوه العولمة الامريكية.
ونعود الى ساحتنا المحلية: إن المظاهرة الجبارة التي شهدتها مدينة سخنين في الاسبوع الماضي والمظاهرات المحلية المتواصلة في كل مدينة وقرية وفي الجامعات تبرهن بما لا يترك مجالا للشك أن الجماهير تقف الى جانب المقاومة في غزة. ولكن هذه النشاطات ابرزت مرة أخرى الفجوة العميقة بين الجماهير الشعبية والقيادة. وأعادت العلاقات الجدلية المركبة بين هذين الطرفيين الى واجهة النقاش. فالقيادة متسترة وراء "الحكمة والمسؤولية" تعمل ما تستطيعه للجم التحرك الشعبي لكي لا يخرج من تحت رقابتها وإشرافها وهي من أجل ذلك تدفع ضريبة كلامية من خلال التنديد والاستنكار والمشاركة في نشاطات محدودة ومراقبة. هذه الجدلية بين القيادة والجماهير لا تحل الا من خلال تطور النضال ومن خلال التعبئة والتوعية.
مثال على هذه الاشكالية هو الرد المتشنج الذي عبر عنه محمد بركة وبعض اقطاب لجنة المتابعة التي تعتبر نفسها المرجعية الوطنية والسياسية للجماهير الفلسطينية في الداخل على تصريحات القيادي في حركة حماس اسامة حمدان الذي حييا جماهيرنا على مواقفها وطالب بالمزيد من النشاطات :"لإرباك العدو وزلزلة بيته من الداخل" وهي دعوة طبيعية ومتوازنة، فهو لم يطلب من جماهيرنا حمل السلاح دفاعا عن غزة فنحن لا نملك السلاح ومن يملكه مننا يضعه في خدم الجيش الاسرائيلي والشرطة الاسرائيلية، وهو يعرف بالضبط اوضاعنا ومقدراتنا. يمكن إرباك العدو وزعزعة اركان بيته من الداخل بالمزيد من المظاهرات والإضرابات العامة والاعتصامات السلمية والعصيان المدني بكافة اشكاله وهي نشاطات تشرعها كافة القوانين الدولية. ولم يكن من باب الصدفة أن يظهر محمد بركة على قناة العربية التي تعتبر منبرا لما يسمى بمعسكر الاعتدال. وبوقاحة يتوجه بركة الى حمدان طالبا منه أن "يحتفظ بنصائحه لنفسه"، مختبئا وراء شعارات مزيفة حول عدم "التدخل بأولوياتنا" وحول " الخصوصية الجغرافية والسياسية والمدنية" وحكمة وشجاعة لجنة المتابعة.. تصريحات محمد بركة تناغمت مع تصريحات الطيب عبد الرحيم أحد أركان التطبيع الفلسطيني مع اسرائيل الذي دعا الجماهير في الداخل الفلسطيني الى الانضباط خوفا من "جلب الويلات والتهجير" لجماهيرنا. وتصريحاته هذه ليست سوى تكرارا لما قاله رئيس السلطة محمود عباس في أكثر من مناسبة بصدد عدم تدخل جماهيرنا الفلسطينية في النضال ضد الاحتلال والاكتفاء بأن نكون "جسرا للسلام" مع اسرائيل.
إن كان هناك ثمة أي شيء ايجابي من حرب الابادة التي تشنهت اسرائيل في غزة فهو إعادة اللحمة الى هذا الشعب الممزق في جميع اماكن تواجده على الصعيد الشعبي.

Wednesday, December 31, 2008

غزة..صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم



على عكس أولئك الذين يتباكون على غزة ويذرفون عليهاالدموع (ومعظمها دموع تماسيح) بسبب الدمار الشامل الذي تتعرض له والمجازر الرهيبة التي يرتكبها الجلاوزة الاسرائيلين، ارى أن قطاع غزة هو أكثر مكان طبيعي في العالم العربي في هذه الايام. انه المكان الوحيد المضيء بالرغم من انعدام الاضواء في ربوعه. بينما تغط باقي الاماكن التي تنعم بالكهرباء وأضواء النيون في ظلام دامس.
هذا هو الوضع الطبيعي، في مكان محاصر من جميع الجهات، في مكان اصبحت لقمة الخبز فيه مبللة بالدماء وجرعة الدواء مفقودة، في مكان تداس به كرامة الانسان صباح مساء، هذا هو الوضع الطبيعي، المقاومة والتمرد والعنفوان. بينما وضعنا هو غير الطبيعي، حيث نرفل برفاهية قاذروت المجتمع الاستهلاكي وننظر الى الصور الآتية الينا من القطاع وكأننا نشاهد فلما سينمائيا صنع في هوليوود تحت إدارة مخرج صهيوني.
أهل غزة هم وحدهم الاحياء بالرغم من إن الموت يحصدهم رجالا ونساء واطفالا. وهم وحدهم من يستحقون الحياة لذلك يستفزون ملاك الموت. ونحن هم الاموات بالرغم من تشبثنا بقشور الحياة.
ما نحتاج اليه في هذه الايام هو أن نصنع المزيد من قطاعات غزة في كل مكان من العالم العربي، من المحيط الى الخليج. ما أحوجنا لأن نتذكر صرخة الثائر العالمي تشي جيفارا عندما دعى الى تفجير فيتنام ثانية وثالثة ورابعة من أجل الحاق الهزيمة بالامبريالية الامريكية لنيل الحرية والاستقلال.
ما نراه اليوم في غزة هو السلام الذي وعدونا به في مؤتمر انابوليس قبل سنة. هل تذكرون تصريحات بوش واولمرت وعباس التي بشرتنا بحلول السلام حتى نهاية العام؟ نعم هذا هو سلامهم. سلامهم حرب ودمار ومجازر. فليذهبوا الى الجحيم غير مأسوف عليهم هم وسلامهم المزعوم.
كما قال الشيخ حسن نصرالله في خطابه الاخير: هذه الحرب ليست حربا على حماس لكونها تنظيما اسلاميا أو ارهابيا، كما لم تكن الحرب الاخيرة في لينان حربا على حزب الله. ما يهم أمريكا واسرائيل أن تكون خاضعا لهيمنتهما وتقبل ما يمليانه عليك وآمن بما تشاء.
الحرب في غزة اليوم لا تهدف فقط الى تصفية المقاومة بل الى تصفية القضية الفلسطينية تصفية كاملة وفرض الحل الاسرائيلي- الامريكي على الشعب الفلسطيني. المقاومة الفلسطينية ومركزها في غزة هي حجر العثرة الأخير المتبقي أمام فرض مثل هذه التسوية. سقوط غزة يعني إنتهاء الحرب التي تفجرت عام النكبة بإنتصار الصهيونية النهائي.
الحرب على غزة اسقطت آخر قناع عن وجوه كافة الاطراف. أسقطت آخر قناع عن الدولة "الديموقراطية" الوحيدة في المنطقة وبان وجهها الحقيقي بدون رتوش: دولة فاشية بإمتياز. هذه الحرب أسقطت نهائيا صفة "وطنية" عن سلطة اوسلو التي ظهرت بوجهها الخياني البشع بإمتياز هي أيضا حيث تفوقت على سلطة كرزاي والمالكي في افغانستان والعراق وقوات العميل لحد في الجنوب اللبناني قبل تحريره. وسقط القناع الاخيرعن جميع الانظمة العربية فلم يعد هناك أية فوارق بين انظمة جمهورية او ملكية، تقدمية أو رجعية، معسكر اعتدال أو معسكرممانعة. عورات الجميع إنكشفت على حقيقتها لمن يحب أن يشاهد . وسقط القناع عما يسمى بالمجتمع الدولي والشرعية الدولية. هذا المجتمع الذي يراوح بين الصمت والتواطؤ والمشاركة بالجريمة. الفوارق شكلية لا جوهرية. الاتحاد الاوروبي يلعب لعبة قذرة ما زالت وصمة عار ورثها من ماضية الاستعماري. روسيا والصين وباقي الدول العظمى هي عظمى بالحجم ولكنها وضيعة فيما عدا ذلك. الامم المتحدة ومجلس الامن اصبحا مرتعا لللصوص وقطاع الطرق.
العالم بأسره يعرف بالضبط ماذا يحدث في غزة من جرائم. الصور لا تكذب ابدا. أكاذيب اسرائيل بحاجة الى صنف آخر من البشر لكي يصدقها. هل يوجدعاقل واحد يملك ذرة من الضمير الحي يصدق أن طائرات ال أف 16 والاباتشي والقنابل الذكية والصواريخ المتطورة هي دفاع عن النفس بينما صواريخ القسام البدائية هي رمز العدوان؟ هل يحق للفلسطينيين المحاصرين برا وبحرا وجوا الدفاع عن أنفسهم؟ أم أن هذا الحق حصرا على الاسرائيليين المغتصبين؟ ما هي القوانين وما هي الشرائع التي تحدد وتعرف الدفاع عن النفس؟
وأخيرا أوجه كلامي للجماهير الفلسطينية في الداخل وللاحزاب السياسية والحركات الفاعلة على الساحة. إن رد فعلنا على جرائم غزة مكلل بالخزي وبالعار وإن دل على شيء فإنه يدل على عقمنا وعجزنا. هل هذه المظاهرات الهزيلة ترتقي الى مستوى الاحداث؟ اليست من باب رفع العتب ؟ وتصريحات المسؤولين في الشجب والادانة اليست دفع ضريبة كلامية لا أكثر ولا أقل؟ اليس من المخجل الدعوة الى مظاهرة قطرية يأتي بعد اسبوع على بداية الجرائم؟ ولو لم تكن الانتخابات للكنيست الصهيوني على الابواب لما تحرك أحد؟.
إذا ارادت الاحزاب السياسية العربية المتكالبة على الانتخابات أن تنقذ ما تبقى من ماء وجهها ( ولا أقول من دماء) أن تعلن عن انسحابها الجماعي من هذه اللعبة وتنزع الشرعية عن الكنيست التي منحت ثقتها ودعمها لهذه الحكومة المتعطشة للدماء.
على الجمعيات المدنية واللجان الشعبية وأخص بالذكر لجنة اهالي شهداء الاقصى أن تكف منذ اليوم اتهام ايهود براك بالمسؤولية عن قتل 13 شهيدا، فهو المسؤول عن قتل 400 شهيد وهذا ليس العدد النهائي. على هذه الجمعيات واللجان أن تذكر 27 كانون الاول - ديسمبر كما تذكر الاول من تشرين الاول – أكتوبر وتجعل منهما مناسبة واحدة.

Wednesday, December 24, 2008

تهافت التهافت الى الكنيست



بعد العرض الرديء الذي قدمته لنا الاحزاب العربية (وغير العربية) في الانتخابات المحلية الاخيرة تعود الينا بمسلسل آخر عن الانتخابات للكنيست شاهدنا في الايام الاخيرة الحلقة الاولى منه التي تدور حول تعيين "إنتخاب" مرشحيها لهذه الانتخابات، والتي تسمى باللغة السياسية الدارجة "البرايمريز".
ليس من الضروري أن يكون الشخص محللا سياسيا أو خبيرا بشؤون الاحزاب لكي يستنتج أن هذه الاحزاب قد تفوقت على نفسها من حيث الاداء الرديء والمستوى الهابط في هذه الحلقة وعلى كافة المستويات.
كما ذكرت تقتصر هذه الحلقة التي أكتب عنها الآن على إختيار المرشحين "البرايمريز". وسوف تليها بلا شك حلقات أخرى مثيرة بالرغم من رداءتها المعروفة سلفا حول المفاوضات والتداولات بين الاحزاب التي سوف تتمخض عن تحالفات غريبة عجيبة حتى تتوصل الى قوائم نهائية للمرشحين. هذا ناهيك عن الدعاية الانتخاية. وسوف أتناول هذه الحلقات في وقتها.
من المفروض أن تكون البرايمريز وسيلة "ديموقراطية" يتنافس من خلالها المرشحون داخل كل حزب من أجل إختيار الافضل لقيادة هذا الحزب في الانتخابات. هل كانت هناك حقا منافسة شريفة ( أو حتى في بعض الاحيان منافسة غير شريفة؟) داخل هذه الاحزاب؟ لنلق نظرة سريعة وندع الحقائق تتكلم عن نفسها ولنستمع لبعض ما قاله المتنافسون انفسهم عن أحزابهم وذلك لتفادي أن اتهم باللاموضوعية والمواقف المغرضة ضد هذه الاحزاب.
قبل حوالي اسبوع عقدت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة مؤتمرها القطري لإنتخاب مرشحيها للكنيست. كان النائب محمد بركة هو المرشح الوحيد للمكان الاول، واجهته مشكلة صغيرة فقط: بصفته عضو كنيست مخضرم ومن المفروض إخلاقيا أن يتنحى جانبا لكي يفسح المجال لمرشح آخر، ولكن بالطبع الاعتبارات الاخلاقية لا تلعب دورا في العمل السياسي، فكان عليه، حسب النظام الداخلي للجبهة، أن ينال موافقة ثلثي أعضاء المؤتمر الحاضرين. فما المشكلة؟ لا مشكلة على الاطلاق، فبعد أن صفى معارضيه في القمة خلال السنتين الاخيرتين فقد نال 98% من أصوات المؤتمرين. وهذه نسبة لا تعيب اي زعيم عربي يتزين بالديموقراطية. هكذا حسم المكان الاول بدون منافسة وبدون إنتخابات حقيقية. المرشح الثاني تاريخيا (لنقل في العقدين الاخيرين) يجب أن يكون مسيحيا وهذا المكان مفصل على مقاس حنا سويد. وكان من المتوقع أن يكون التنافس على هذا المكان شيقا لأن المرشح اليهودي (الثالث تاريخيا) متشجعا من نجاحه النسبي في الانتخابات المحلية لرئاسة بلدية تل ابيب قد أعلن عن نيته المنافسة على هذا المكان. ولكن ولإعتبارات نفعية مختلفة وضغوطات من أجل الحفاظ على التوازن، سحب ترشيحه في اللحظة الاخيرة. وهكذا حسم المكان الثاني ايضا بدون منافسة وبدون إنتخاب. المكان الثالث اصبح من نصيب دوف حنين، الممثل اليهودي، ايضا بدون منافسة وبدون انتخاب. وهكذا صمدت المعادلة المعروفة التي تقول: الاماكن الثلاثة الاولى للجبهة يجب أن تكون محصورة علة مرشح مسلم ثم مسيحي ثم يهودي بالترتيب، مرة أخرى. وبذلك إنحصرت المنافسة الحقيقية على المكان الرابع فقط حيث شهد هذا المكان إزدحاما غير مسبوق مؤلف من ثمانية مرشحين، تنازل إثنان منهما فيما بعد. وهنا دخل عنصر آخر معركة التنافس وهو التآمر وعقد الصفقات. وكانت عايدة توما مرشحة العنصر النسائي ضحية هذه المنافسة حيث خرجت من المولد بدون حمص تعض على أصبعها.
في الوقت نفسه عقد التجمع الوطني الديموقراطي مؤتمره والذي يحب أن يطلق على نفسه ممثل "التيار القومي". من حيث الجوهر لم يختلف هذا المؤتمر عن مؤتمر الجبهة. المكان الاول لم يشهد أية منافسة فقد كان محسوما مسبقا لصالح عضو الكنيست جمال زحالقة. كان من المتوقع أن يجري التنافس الحقيقي على المكان الثاني. ولكن قبل المؤتمر بعدة أيام اعلن النائب واصل طه عن قراره بعدم ترشيح نفسه لفترة جديدة وبالمقابل تم إختياره رئيسا للحزب. وحتى الآن لا أدري كيف يكون للحزب رئيسين، حيث لا يزال عزمي بشارة رئيسا للحزب من منفاه ولم اسمع عن تخليه عن هذا المنصب. هل يدري احدكم؟
علىأي حال، حل واصل طه بتنحيه عن المنافسة مشكلة ولكنه في الوقت نفسه خلق عدة مشاكل. هنا ايضا التوازن الطائفي على درجة عالية من الاهمية ولا يصح الاخلال به خصوصا وأن المكان الاول قد آل مرشح مسلم فإذا لم يكن المرشح الثاني مسيحيا فهذا يعني المخاطرة بفقدان الاصوات المسيحية وهكذا تم دفع انطون ليوس لينافس على المكان الثاني أمام النائب سعيد نفاع. يبدو انه ليس نحن فقط، الموجودين خارج التجمع، لم نسمع بهذا المرشح من قبل بل أغلبية أعضاء التجمع ايضا، وهكذا تم إنتخاب النائب سعيد نفاع. ولكن حالا بعد انتهاء المؤتمر تناولت وسائل الاعلام العربية انباء من داخل التجمع تتذمر من هذا الاختيار لأنه لن يجلب للتجمع أصوات جديدة. هذه الاصوات التجمعية كانت أجبن من أن تصرح علنا بما كان واضحا من الخبر ومفاده أن نفاع ينتمي للطائفة الدرزية التي تمنح معظم اصواتتها للأحزاب الصهيونية، بينما مرشح مسيحي يستطيع أن يحافظ على الاصوات المسيحية خصوصا وأن مؤسس الحزب ينتمي لهذه الطائفة. المكان الثالث كان مخصصا لإمرأة وفازت به حنين الزعبي من غير منافسة. ولو خاضت المنافسة كما يجب لما نالت اصوات تؤهلها للمكان العاشر كما كانت الحال عندما تركت خارج المكتب السياسي للتجمع.
المشهد التراجوكوميدي تكرر عند الاحزاب الاخرى: رئيس الحزب، وهو في معظم الاحيان يعتبر الحزب حانوتا خاصا به، يؤمن المكان الاول لنفسه ويتفنن في عقد الصفقات التي تضمن ترشيح المقربين.
الحركة الاسلامية الجنوبية على سبيل المثال: الشيخ عبدالله صرصور وضع المكان الاول فوق المنافسة وجرى العراك على المكان الثاني شبه المضمون في القائمة الموحدة. وعندما فاز مسعود غنايم بهذا المقعد خرج المرشح الآخر سليمان ابو أحمد وجماعته غاضبين وأعلن عن انسحابه من الحركة. وهكذا أثبتت الحركة الاسلامية مرة أخرى انها حزب يتكالب على متع الدنيا مثله مثل باقي الاحزاب الدنيوية.
وكيف لا يمكن أن نذكر الحزب الديموقراطي العربي، حيث أعلن مختار الحزب بأنه يتنازل عن رئاسة الحزب "مؤقتا" للنائب طلب الصانع الذي سوف يبقى المرشح الاول ولكن ليس قبل أن يؤمن مستقبل ابنه باسل دراوشه الذي أختير كمرشح ثاني، بشرط أن تعود رئاسة الحزب اليه في الفترة القادمة.
القائمة العربية للتغيير، وهي تدار كمزرعة خاصة للنائب احمد الطيبي وقريبه اسامة السعدي، وسوف يبقيان في المكان الاول والثاني الى ما شاء الله.
حزب الوسط العربي، الذي يضم النائب السابق عباس زكور والاسبق محمد حسن كنعان. كلاهما يبحث عن حضن دافئ يحتضنه حتى ولو لم يؤد هذا الاحتضان الى اروقة الكنيست، فهما على استعداد لقبول شريحة متواضعة من التمويل.
إن نسينا فإننا لا ننسى المرشحين العرب في الاحزاب الصهيونية. هذه المرة وضعهم أصعب. وأخير حزب العمل سوف يكون نظيفا من العرب. الوزير العربي الاول، غالب مجادلة وضع في المكان 15 بينما جميع الاستطلاعات تمنح حزبه 10 مقاعد، النائبان الآخران، ناديا الحلو وشكيب شنان سيكونان هما ايضا في خبر كان. أما مرشح كديما "العربي" مجلي وهبي، رجل تسيبي ليفني فقد حصل على مكانه بعد شجار مع أكرم حسون رجل شاؤول موفاز والمرشحين الاخرين، شجار لا يشرف حتى قطاع الطرق.
هذه هي الاحزاب التي سوف تتوجه اليك أخي المواطن لتمنحها صوتك وثقتك. هل تغير عليها شيء؟ الا يحق لنا أن نقول: تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما أجيتي؟
علي زبيدات - سخنين

Wednesday, December 17, 2008

اين حل قضيتنا القومية وأين حل قضيتكم القومية؟



يبدو اننا كجماهير فلسطينية في هذه البلاد نعاني من مشكلة في فهم المقروء ومشاكل في إستيعاب المسموع ايضا. وإلا كيف نفسر ردود الفعل المتشنجة التي صدرت عن الزعامات والاحزاب العربية بخصوص تصريحات تسيبي ليفني الاخيرة عندما قالت أمام طلاب أحدى المدارس الثانوية في تل أبيب:" عندما تقوم الدولة الفلسطينية استطيع أن أقول لمواطني دولة اسرائيل الفلسطينيين، الذين نطلق عليهم اليوم اسم عرب اسرائيل، أن الحل القومي لقضيتكم موجود في مكان آخر"؟
ما الجديد في تصريح ليفني هذا؟ هل الان فقط اكتشفت هذه الاحزاب والزعامات أن ايديولوجية الترانسفير ليست حكرا على ليبرمان وعلى ما يسمى اليمين المتطرف، بل هي في صميم الحركة الصهيونية على كافة تياراتها؟ الم تقم الحركة الصهيونية منذ البداية على اسطورة: "شعب بلا ارض يعود الى أرض بلا شعب"؟ ولمعلوماتكم من إختلق هذه الاسطورة، طورها وجعل منها سياسة عملية ووضعها في موقع التنفيذ لم يكن تيارا هامشيا عنصريا ينتمي لليمين المتطرف، بل كان التيار الاساسي في الحركة الصهيونية ممثلا بحزب العمل بكافة تجلياته واشكاله السابقة والراهنة. ما جرى في عام 1948 من عمليات تطهير عرقي لم يعد ينكره أحد حتى أولئك الذين خططوا له ونفذوه وحاولوا لفترة طويلة إخفاء جرائمهم من خلال إعادة كتابة التاريخ بعد تزييف الحقائق. وأكثر من ذلك، فإن أغلبهم اليوم نادمون على عدم إكمال المهمة حتى النهاية ولم يطهروا فلسطين من الفلسطينيين حتى بكرة ابيهم.
ليست التصريحات التي نسمعها من فترة لأخرى من زعماء الدولة سوى حنين الى تلك الايام والتباكي على الفرصة التاريخية التي ضاعت من بين ايديهم.
ما قالته ليفني مؤخرا ليس سوى تكرار لما ورد فيما يسمى "وثيقة الاستقلال" الصهيونية. هذه الوثيقة التي تعتبر نموذجا لتزييف التاريخ، حيث اعلنت عن قيام دولة " يهودية" كأستمرار طبيعي لدولة وهمية قامت قبل أكثر من الفين سنة شاطبة تماما شعوبا وحضارات متعددة نمت وترعرعت خلال قرون طويلة على أرض فلسطين.
كل ما فعلته ليفني هو انها عبرت عن الايديولوجية الصهيونية بكلماتها الخاصة، ولم تأت بشيء جديد. وإذا كان هناك ثمة شيء جديد هو صراحتها ووضوحها، فهي مقبلة على انتخابات برلمانية ومن أجل الحصول على حفنة من الاصوات جرت العادة أن يتنافس المرشحون فيما بينهم حول أمرين: الاول تصعيد عمليات القتل والدمار والتهديد كما يجري في غزة والخليل ونابلس وباقي المناطق الفلسطينية. والثاني هو تبني المواقف العنصرية والمجاهرة بها.
الرد على تصريحات الساسة الاسرائيليين المتكررة يجب أن يتجاوز الادانة والتنديد، وهي الطريقة الوحيدة التي تعرفها الاحزاب العربية وأعضاء الكنيست ، الذين بمجرد وجودهم في ذلك المكان يمنحون الشرعية لهذه المؤسسة العنصرية بكافة أعضائها ولكل ما يصدر عنهم.
الرد على هذه التصريحات يجب أن يكون واضحا ومن غير تلعثم. وهو حسب رأيي يتلخص في نقطتين اساسيتين:
اولا: هذه الدولة، سموها كما شئتم، " اسرائيل"، دولة "يهودية ديموقراطية" هي ليست دولتنا وانتم على حق في ذلك. فهي لا يمكن أن تعبر عن طموحاتنا القومية ولا يمكن أن تكون اساسا لحل قضيتنا القومية. وصدقت ليفني عندما قالت أن حل قضيتنا القومية موجود في مكان آخر، ولكنها نسيت أن تقول: أن المكان الآخر هو فلسطين التاريخية التي لا تقبل القسمة او التجزئة؟
ثانيا، من جهة أخرى، على تسيبي ليفني وباقي القيادات الصهيونية أن تبحث هي أيضا عن مكان آخر لتحقيق طموحاتها القومية، فمن جاء من روسيا فهي بلاد واسعة يستطيع أن يعود اليها ويحل قضيته القومية هناك، او في اوكراينا او جورجيا أو بولندا أو رومانيا أو المغرب أو اليمن أو أمريكا، الخ.
فلسطين هي أولا وقبل كل شيء وطن الشعب الفلسطيني. هي وطن اللاجئين الذين شردوا من ديارهم عام 1948 كما هي وطن الذين بقوا يرزحون تحت الاحتلال في المناطق التي احتلت عام 1948 وعام 1967. ومن لا يعترف بهذه البديهية لا يمكن أن تكون فلسطين وطنا له وعليه أن يبحث عن وطن آخر.
وأخيرا أعيد صياغة اقوال تسيبي ليفني وأعيدها اليها من غير إحترام: " عندما تقوم الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، من البحر الى النهر، أستطيع أن أقول لمواطني دولة فلسطين الاسرائيليين، الذين نطلق عليهم اليوم اسم يهود صهاينة، أن الحل القومي لقضيتكم موجود في مكان آخر".

Tuesday, December 16, 2008

حذاء واحد أفضل من ألف خطاب



الحذاء سلاح ذو حدين. ممكن أن تداس تحته وممكن أن تضرب به أعداءك. في عالمنا العربي القاعدة هي في الاستعمال الاول. فنحن نداس تحت نعال المحتلين في فلسطين والعراق والصومال وتحت نعال الحكام والمخابرات وقوات الامن المختلفة في باقي البلدان. الاستثناء هو أن نستعمل الحذاء لضرب أعدائنا من محتلين وقامعين. من هنا تنبع أهمية حذاء منتظر الزيدي الذي قذف به الى وجه بوش. انه استثناء فريد من نوعه. لذلك يصلح لأن يكون نموذجا يحتذى به. إذا كنت لا تستطيع أن تقاوم محتلك بوسائل اخرى فالحذاء يفي بالغرض وقد يكون فتاكا أكثر من اسلحة الدمار الشامل. تصوروا أن حذاء المنتظري حرك الشارع العربي، حرك الضمير العربي أكثر من كل الشعارات والخطابات، واخيرا تنفسنا الصعداء، تبسمنا بل ضحكنا من أعماق قلوبنا.
طرق المقاومة، الاحتجاج، التعبير عن مكنونات النفس عديدة ومتنوعة. بعضها بسيط الى ابعد حدود البساطة ولكنها تكون خلاقة ومميزة خصوصا عندما تأتي في الوقت المناسب وفي المكان المناسب وفي الظروف المناسبة. كل هذه كانت متوفرة عندما خلع منتظر حذائه وارسله ليودع الرئيس بوش الذي اراد، إمعانا منه في إذلال وتحقير العرب أن ينهي ولايته في البلد الذي دمره وقتل أهله.
تداعيات هذه القضية ما زالت في اوجها. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد العام. مما لا شك فيه أن منتظر الزيدي عندما قام بهذا العمل الجريء قد خاطر بحياته وحتى الان دفع الثمن ببعض الكدمات والضلوع المكسرة والاعتقال. وقد يقدم للمحاكمة ويزج بالسجن مثله مثل آلاف العراقيين. وقد يصفى جسديا، وقد يطلق سراحه تحت مطرقة الضغط الشعبي وقد تستغله الحكومة العميلة لتبرهن على ديموقراطيتها المزيفة. حتى الان كتب الكثير عن هذه الحادثة وسوف يكتب أكثر من ذلك. فقد اصبحت ملكا للجميع، أصبحت بسرعة البرق تراثا، والهمت العديد من الشعراء وكتاب القصة والمقالات والخواطر، وربما قريبا صانعي الافلام والمسرحيات ايضا. ولا أخفي أن حذاء الزيدي قد دفعني بقوة الى كتابةهذه السطور.
اود هنا أن اركز على نقطتين لا غير.
الاولى: هل بوش هو وحده من يستحق الحذاء في وجهه؟ وماذا عن الملوك والرؤساء العرب، الجبناء أمام المحتلين والابطال الصناديد مع مواطني بلدانهم. متى سنرى النعال تتطاير فوق رؤوس هؤلاء؟ متى سوف يقف منتظر جديد في كل عاصمة من العواصم العربية ملوحا بحذائه؟ لا اشك أن مثل هذا الخوف ساورجميع الحكام العرب ومن يدري قد يطلبوا من رجال مخابراتهم منذ اليوم أن يدخلوا اليهم المواطنين وهم حفاة.
على جماهير الشعوب العربية، من المحيط الى الخليج، أن تحول القاعدة الى إستثناء والاستثناء الى قاعدة. اي بدل أن يكون الحذاء أداة للدوس على كرامة المواطن وحقوقه يصبح صفعة على وجوه العتاة.
النقطة الثانية، موجهة الى جماهيرنا في الداخل. الى متى سنبقى نلعق أحذية محتلينا الذين يقترفون جرائم الحرب منذ 60 سنة ولم يتوقفوا حتى هذا اليوم؟ هل من المعقول أن نستقبل هؤلاء المجرمين بالولائم والفرق الكشفية وفرق الرقص وخطابات النفاق، كما استقبل شمعون بيرس في سخنين مؤخرا؟ الى متى كلما زارنا وزير او مسؤول حكومي يخشى أن يغادر البلاد خوفا من ملاحقته قضائيا نزج ب"وجهاء" البلد لإستقبالهم بالطبول والزمور؟ ألم يحن الوقت لإستعمال الحذاء كأداة استقبال؟
نرى هؤلاء المسؤولين، من رئيس الدولة مرورا برئيس الحكومة وحتى آخر وزير، يزورون بلدات يهودية فلا نراهم يحظون بإستقبال حافل كالذي يحظون به في قرانا ومدننا. هل سبب ذلك الكرم وحسن الضيافة أم الجبن وفقدان الكرامة؟
تحية الى منتظر الزيدي والى حذائه الذهبي.

Wednesday, December 03, 2008

أم كامل تنقذ شرف الامة



في هذا الليل العربي الطويل حالك السواد، في هذا الزمن البائس حيث تعيش غزة في ظل ابشع حصار ظلما وظلاما، ولا اقول بعد الآن تحت عيون وأنوف العرب، بل بمشاركتهم الفعالة في هذا الحصار، في هذا الزمن حيث يعيش الشعب الفلسطيني حالة من التشرذم والتمزق تفوق ما تعرض له عام النكبة 1948، ظهر هناك في نهاية النفق المدلهم بصيص من النور ومن الامل اضاءته سيدة فاضلة تدعى الحاجة فوزية، ام كامل الكرد.
قبل حوالي شهر قامت قوات إسرائلية ليست مدججة بالسلاح فحسب، بل تلوح في يدها بقرار صادر عن أعلى مؤسسة قضائية في هذه الدولة "الديموقراطية" بطرد عائلة الكرد من بيتها في حي الشيخ جراح والإلقاء بها في العراء وهي تدوس ابسط الحقوق الانسانية: حق كل شخص أن يعيش في بيته بأمن وسلام. وفي الوقت نفسه سمحت لمجموعة من قطعان الفاشية المستوطنين بالسيطرة على البيت وتقوم بحمايتهم.
لم تستسلم أم كامل لهذا الاعتداء الغاشم ولم تنحني أمام هذه الجريمة النكراء. فقد واصلت صمودها الذي بدأته في رفض كافة التهديدات والعروض المغرية لإجبارها على ترك بيتها بمحض ارادتها بكل شموخ وكبرياء. وانتقلت من البيت الى خيمة الاعتصام وصرحت لكل من يريد أن يسمع انها لن تغادر الخيمة الا بالعودة الى بيتها المغتصب. وقد دفعت أم كامل ثمنا باهضا مقابل صمودها الاسطوري هذا وكان آخرها أستشهاد زوجها الذي كان يعاني من مرض مزمن والذي لم يستطع جسمه العليل تحمل جريمة الطرد.
لقد قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ اليوم الاول لإحتلال القدس وعلى مدار 41 سنة، هي عمر الاحتلال، بتنفيذ سياسة رهيبة معدة مسبقا لتهويد القدس. بدأت بطرد المواطنين العرب من أحد أحياء القدس القديمة وإقامة ما يسمى بالحي اليهودي ومن ثم السيطرة على حائط البراق والاماكن المحيطة به والسيطرة على عشرات المنازل في شتى ارجاء القدس العتيقة عن طريق القوة والخداع والابتزاز وفي الوقت نفسه فرضت حصارا شاملا على المسجد الاقصى ولم تتوقف للحظة واحدة من الحفر والتنقيب من تحته بهدف تقويض اركانه، هذا ناهيك عن المحاولات العديدة للإعتداء عليه بدأ بالحرق مرورا بالاقتحامات المتكررة وانتهاء بالمؤامرات الحثيثة لتقويضه.
سياسة تهويد القدس استمرت بشكل منهجي ومكثف من خلال بناء عشرات المستوطنات على الارض العربية حول القدس وضمها الى المدينة. خلال 40 عاما من الاحتلال استوطن في القدس أكثر من 200 ألف مستوطن من حدود رام الله في الشمال الى بيت لحم في الجنوب الى مشارف اريحا والبحر الميت في الشرق.
سياسة تهويد القدس شملت ايضا سياسة تطهير عرقي للسكان العرب من خلال عمليات الطرد ومصادرة الهويات والملاحقة والتضييق ومن خلال بناء جدار الفصل العنصري. في هذه الايام تصل سياسة تهويد القدس العنصرية الى اوج شراستها مع تكثيف الاستيطان في جبل ابو غنيم وجبل المكبر والطور والشيخ جراح وباقي الاحياء العربية. طرد عائلة الكرد من بيتها هو مقدمة لطرد 27 عائلة اخرى في الحي نفسه، وقطعان المستوطنين الذين إحتلوا البيت هم نواه لحي صهيوني جديد سوف يقوم على انقاض البيوت العربية.
هذه الجرائم في حق اهلنا في القدس وهي في الوقت ذاته جرائم في حق الانسانية، تجري امام انظار العالم الذي لا ولن يحرك ساكنا، ولكن المصيبة الاكبر انها تجري امام انظارنا نحن ولا نحرك ساكنا، اللهم سوى الاستنكار ومزيد من الاستنكار الذي لم يعد يجدي فتيلا. في اليوم التالي لطرد عائلة الكرد من بيتها كان رئيس السلطة الفلسطينية يجتمع مع رئيس الحكومة الاسرائيلي أولمرت في القدس. عملية الطرد لم تطرح للنقاش اصلا بل دار الحديث حول كيفية تركيع غزة ومواصلة المفاوضات "السسلمية"، بينما بعث رئيس السلطة بعض مؤيديه للمشاركة في عملية الاستنكار. أما أحزابنا السياسية العربية "الوطنية" فقد كانت مشغولة بالانتخابات للسلطات المحلية.
لقد وصلت صرخة أم كامل الى جميع أنحاء العالم ولبى هذه الصرخة الكثيرين من شتى انحاء العالم. ولكنها يبدو انها لم تصل الى آذنانا جميعا، نحن أصحاب القضية.
على جميع الاهالي الذين يؤمون الاقصى للصلاة في هذه الايام، ونحن نقف على تبة عيد الاضحى، أن يعرجوا على خيمة أم كامل، ليس من أجل التضامن فحسب، بل بالاساس من أجل التزود بروح الصمود والتضحية التي تبثها أم كامل.
إن سياسة تهويد القدس هي نفسها سياسة تهويد الجليل والمثلث والنقب وسياسة التطهير العرقي في القدس هي نفسها سياسة التطهير العرقي التي يتعرض لها أهلنا حاليا في النقب. فلا تدعوا هذه السياسة تمر.

Friday, November 28, 2008

في الذكرى ال61 لقرار التقسيم: القرار ما زال باطلا



صرح ايهود اولمرت، رئيس الحكومة الاسرائيلية المستقيل، الذي اجبر على الاستقالة بشكل مخز بسبب فضائحه وإخفاقاته المتكررة:" حلم إسرائيل الكبرى انتهى من غير رجعة. ومن أجل الحفاظ على يهودية الدولة يجب تقاسم الارض مع من نعيش معهم". اي انه بعد 60 عاما إستيقظ من النوم ليشاهد أن الحلم الصهيوني بإقامة اسرايل الكبرى قد تبدد وذهب مع الريح. فلا يسعنا هنا إلا ان نقول له: صح النوم.
ولكن ماذا عن حلم "اسرائيل الصغرى"، تلك الدولة التي يريد أولمرت وغيره من زعماء الصهيونية الذين يقفون الى يساره او الى يمينه يريدون المحافظة على "يهوديتها"؟. يبدو أن هذا الحلم، بالنسبة لهؤلاء الزعماء، لم ينته بعد ولكنه من المؤكد انه لم يعد حلما ورديا جميلا بل نراه يتحول كل ليلة الى كابوس مرعب ومخيف. وحتى يزول هذا الحلم أيضا بشكل نهائي ويعترفوا بزواله، سيبقى الصراع مستمرا حتى يجد التاريخ الحل الوحيد الذي يقبله: الحلم الذي يقوم على الاساطير وعلى القرارات غير الشرعية مصيره الاندثار.
أظن أن دولة اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت على اساطير وخرافات لم يعد يؤمن بها أحد حتى اؤلئك الذين يدعون الايمان بها. ثمة لا يوجد هناك شعب مختار لله وبالتالي لا يوجد وعد رباني لمنح هذه الارض أو تلك لمثل هذا الشعب. هذه الاساطير لم تعد موجودة في صورتها الحديثة أيضا والتي تقول: "شعب بلا أرض يعود الى ارض بلا شعب".
تبقى القرارات غير الشرعية والتي لعبت بالفعل دورا حاسما في إقامة هذه الدولة. ولكن عدم شرعية هذه القرارات يحمل في احشائه ضرورة وحتمية زوالها. يكفي أن نذكر في هذا السياق ثلاثة قرارات غير شرعية بإمتياز كانت دولة اسرائيل نتجة لتنفيذها.
وعد بلفور:
وهو من أغرب الوعود التي عرفها التاريخ قديمه وحديثه. حيث يقوم طرف غريب، غاشم مغتصب، بوعد طرف آخر يحمل الصفات نفسها لمنحه شيئا لا يملكه وليس له ادنى حق فيه. هكذا قامت بريطانيا، الدولة الاستعمارية العريقة التي نهبت خيرات العالم بوعد الحركة الصهيونية، وهي حركة استعمارية نشأت وترعرعت فيي ظل الاستعمار الاوروبي، بمنحها فلسطين من غير أخذ رأي اهلها لا من قريب ولا من بعيد. ما زالت لاشرعية هذا الوعد بعد حوالي قرن من صدوره تصرخ حتى السماء.
صك الانتداب البريطاني على فلسطين:
خطوة عملية لتحقيق وعد بلفور المذكور، ولكن هذه المرة بتغطية دولية وتحت وصاية عصبة الامم المتحدة. الانتداب هي كلمة مخادعة استعملت كقناع لحالة استعمارية كلاسيكية. كان الهدف الصريح منها هو تمكين الحركة الصهيونية حتى تصبح قادرة على إقامة دولة تحل في الوقت المناسب مكان الاستعمار البريطاني وتواصل دوره في المنطقة.
قرار التقسيم:
في 29 تشرين ثاني من عام 1947 إكتملت المؤامرة وأصبح تنفيذها ممكنا. في هذا اليوم اتخذت الامم المتحدة، وريثة عصبة الامم، قرار 181 بتقسيم فلسطين ومنح الجزء الاكبر منها للحركة الصهيونية لإقامة دولة اسرائيل عليها. وإعتبر هذا القرار تجسيدا "للشرعية" الدولية حيث صوت الى جانبه 33 عضوا بينما عارضه 13 آخرون. ولكن دراسة حيثيات هذا القرار والظروف التي أتخذ بها تؤكد العكس من ذلك تماما: فقد كان تجسيدا للاشرعية الدولية. البرهنة على لا شرعية هذا القرار هي موضوع لدراسات عميقة ومستفيضة وليس مقالة صحفية، ولكن يكفي هنا أن نذكر بعض السمات التي طبعت لاشرعية هذا القرار:
كان عام 1947 عام انتخابات للرئاسة الامريكية ومن أجل كسب دعم تأييد اللوبي الصهيوني قام الرئيس ترومان بالضغط لاتخاذ هذا القرار الصهيوني. الا يذكرنا ذلك بالانتخابات الامريكية الاخيرة حيث قام جميع المرشحين من اوباما الى ماكين ونائبيهما وباقي المرشحين بالتهافت على اللوبي الصهيوني والتسابق في تعبيرهم عن مدى التأييد للدولة لعبرية؟
وكان هناك سبب آخر يكمن خلف تأييد ترومان وباقي الزعماء الغربين لهذا القرار وهو رغبتهم في تحويل أنظار يهود اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من الهجرة الى بلدان اوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية وتشجيعهم للهجرة الى فلسطين. هكذا قامت الادارة الامريكية بالضغط وفي بعض الاحيان تهديد وحتى ابتزاز بعض الدول لكي تصوت الى جانب قرار التقسيم. وقد كانت حال الامم المتحدة في ذلك الوقت لا تختلف عن حالها في أيامنا هذه حيث تفعل الولايات المتحد بها ما تشاء، كل ذلك تحت قناع "الشرعية الدولية"
لقد كان رفض الشعب الفلسطيني لهذه القرارت المجحفة أمرا طبيعيا حتى ولو كلفه ذلك غاليا. ولكن المصيبة أن اوساط فلسطينية متنفذة بدأت تتراجع عن هذا الموقف المبدئي الرافض. هذا التراجع بدأ منذ زمن بعيد وكان أول تجلياته الرسمية تبني منظم التحرير الفلسطينية ما يسمى بالبرنامج المرحلي وقبولها بمبدأ المفاوضات والمساومات لحل الصراع. وبعد سنتين من تبني هذا الخيار، أي في عام 1976 قررت الامم المتحدة منح منظمة التحرير مكافأة على تراجعها هذا، وأصدرت قرارا بإعتبار يوم 29/11 وهو ذكرى قرار التقسيم المشؤوم يوما "للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني". وقد بلع هذا الطعم السام اوساط واسعة من الجماهير الفلسطينية والعربية، ناهيك عن كافة الانظمة، بعد أن بهرت أبصارهم مظاهر "التضامن" الرسمية من ملوك ورؤساء وزعماء عالميين ومحافل دولية. وكان ثمن ذلك إما نسيان قرار التقسيم المجحف وإما تبنيه على إعتبار انه يجسد الشرعية الدولية التي يجب أن نؤسس عليها مطالبنا. ومن أجل الحقيقة نقول: لقد دفع هذا الثمن كاملا.
قرار تقسيم فلسطين كان باطلا عندما أصدر في عام 1947 وهو ما زال باطل اليوم حتى بعد أن قبله عدد كبير من ضحاياه وهو سيبقى باطل مهما طال به الزمن.


Wednesday, November 19, 2008

مواعظ الحاخام بيرس ومواعظ الشيخ عبدالله



لقد أثار مؤتمر "حوار الاديان" الذي عقد مؤخرا في نيويورك بمبادرة ملك السعودية عبدالله بن عبد العزيز ورعاية الامم المتحدة والذي حضره مندوبون من 80 دولة بينهم 20 من ملوك ، رؤساء ورؤساء حكومات العالم، العديد من ردود الفعل. وقد لفت إنتباهي مقال الصحفي القدير محرر جريدة القدس العربي، عبدالباري عطوان وأعادت نشره صحيفة العنوان الرئيسي في الاسبوع الماضي بعنوان: "مواعظ الحاخام بيريس" كنموذج لردود الفعل هذه. لقد كرس الكاتب مقاله لفضح ما هو مفضوح من أكاذيب بيرس حول السلام وحقوق الانسان والتسامح بينما تقوم حكومته بتجويع مليون ونصف فلسطيني في قطاع غزة وتدوس على ابسط الحقوق الانسانية للشعب الفلسطيني. وأسهب الكاتب في وصف هذه الاكاذيب التي حولت المجرم الى ضحية والضحية الى مجرم وسط تصفيق الوفود العربية المشاركة. وكان واضحا للجميع أن لا علاقة لهذا المؤتمر بالاديان ولا بالحوار ولكنه كان مؤتمرا تطبيعيا من الطراز الاول.
بالطبع كل ما قاله عطوان صحيح تماما، ولكن كما قلت فهو يفضح المفضوح. فهل كان الكاتب يتوقع من بيريس الذي يعتبر أسوأ سياسي اسرائيلي منذ دافيد بين غوريون أن يدافع عن حقوق الفلسطينيين وأن يعترف بالجرائم التي اقترفتها دولته على مدى أكثر من 60 عاما وأن يقدم الاعتذار؟ ما فقدته في هذا المقال هو التغاضي عن "مواعظ" الشيوخ العرب وعلى راسهم العبدين: عبدالله بن عبد العزيز وعبدالله بن الحسين. إن الاكتفاء بالانتقاد الخجول للزعماء العرب وبالمقابل صب جام غضبنا على بيريس سيكون في أفضل الحالات صوتا تائها في الصحراء العربية وسهما طائشا عديم الجدوى.
أكاد أقول كل الاحترام لبيريس الذي جاء زعماء العالم من كل صوب وحدب لسماع اكاذيبه على أنغام تصفيق أصحاب القضية وأصدقائهم. بيرس الذي يمتدح العاهل السعودي ويصف مبادرته لحل النزاع العربي – الصهيوني التي صدرت منذ أكثر من ست سنوات بالمبادرة "الملهمة" التي سوف تقودنا الى الوئام العالمي والتفاهم المتبادل هو بيرس نفسه الذي أصطف فلسطينيو الداخل لأنتخابه بعد إقترافه لمجزرة قانا بحجة أن البديل له أسوأ منه.
مؤتمر حوار الاديان لا يفضح مواعظ بيرس الزائفة والمخادعة بقدر ما يفضح "مواعظ" الزعماء العرب الذين إتحدوا في حلف غير مقدس مع أمريكا واسرائيل. هذا الحلف الذي تتزعمه السعودية ويرتكز على الانظمة العميلة السائدة في عالمنا العربي من المحيط الى الخليج، هذا الحلف الاسوأ بما لا يقاس من حلف بغداد سيء الصيت هو الذي يجب أن يفضح وأن يحارب حتى اسقاطه.
يقول العاهل السعودي في المؤتمر:"ان الارهاب والاجرام أعداء الله وأعداء كل دين وحضارة وما كانا ليظهرا لولا غياب مبدأ التسامح". يا لسخرية الاقدار، أن يقال هذا الكلام في حضرة نخبة من الارهابيين والمجرمين وعلى رأسهم بوش وبيرس وليفني. أين التسامح وايسط حقوق التعبير عن الراي مقموعة في السعودية منذ أن إغتصبت هذه العائلة السلطة بمساعدة الامريكان؟. من المعروف أن المذهب الوهابي السائد يخنق كافة المذاهب والآراء والاجتهادات. فعن أي تسامح يتكلم؟
اننا نعرف على الاقل ما هو عدد الاسرى في السجون الاسرائيلية وبماذا تتهمهم المؤسسة الصهيونية، فهل يوجد هناك أحد يعرف ما هو عدد الاسرى في السجون السعودية والاردنية والمصرية وما هي تهمهم؟
في مؤتمر "حوار الاديان" لم يكن هناك لا حوار ولا متدينون. كان هناك مجموعة من الزعماء المرعوبين يتداولون في كيفية الحفاظ على كراسيهم. ولم يكن الدين سوى قناع على وجوههم.
لو كان الحوار هو المقصود والتسامح هو الغاية لبدأ به كل واحد في بيته. العالم الاسلامي ممزق بين سنة وشيعة وصوفية واصولية وحنفية وحنبلية واخوان مسلمين وحزب تحرير وقاعدة وأسماء العشرات من الحركات والاحزاب والمذاهب ولغة الحوار الوحيدة المتعارف عليها فيما بينهم هي لغة التكفير ومن ثم القتل.
من أجل حوار حقيقي داخل العقيدة الواحدة ليس هناك ادنى حاجة لشد الرحال الى نيويورك ودعوة كل من هب ودب.
بالمناسبة، لماذا ينحصر "حوار الاديان" على الاسلام والمسيحية واليهودية؟ متى سوف نتحرر من الاساطير التوراتية التي تؤسس عليها اسرائيل شرعية كيانها وقمنا نحن بتبنيها وألحقناها بمقدساتنا؟ هذه الاساطير تضرب جذورا عميقة في ادبيات ومسلمات الاديان الثلاثة وقد آن الاوان لإجتثاثها، جمعها وإرسالها الى متحف التاريخ الى جانب الاساطير الاغريقية والرومانية وغيرها من الحضارات.
وإذا كان المقصود من هذا المؤتمر هو التسامح وإحترام مختلف الثقافات والاديان فلماذا لم يدع له ممثلون عن الديانة الهندوسية مثلا؟. خصوصا وانه يوجد أكثر من 150 مليون مسلم يعيشون بالهند وما احوحجهم للحوار مع أبناء وطنهم الآخرين لحل قضية كشمير والعديد من المشاكل الحياتية الاخرى، ولماذا يتم تجاهل الديانة البوذية حيث يعيش حوالي 100 مليون مسلم في الصين والدول الاخرى التي تدين بالبوذية؟. حسب رايي المتواضع الحوار مع هذه الاديان أكثر أهمية من الحوار مع الديانة اليهودية التي لا تشمل بضعة ملايين.
الحوار، التسامح، الاحترام في ظل العولمة الشرسة المنفلتة من عقالها أصبحت مصطلحات فارغة تماما كمصطلحات السلام والديموقراطية.
علي زبيدات - سخنين

Sunday, November 16, 2008

ايها المرشحون: لملموا صوركم من الشوارع وانصرفوا



الحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه. انتهت الجولة الاولى من الانتخابات المحلية. فمنهم من فاز ومنهم من فشل ومنهم ما زال ينتظر حظه. لن أذرف الدمع على من لملم بضاعته الفاسدة وعاد الى بيته مكفهر الوجه بعد أن تحملناه خمس سنوات. ولن انثر الورد أمام الفائز الذي سوف يجثم على كاهلنا السنوات الخمس القادمة.
انتهت الانتخابات البلدية وليتها لم تبدأ. البعض يسميها المعركة الانتخابية، وإذا صحت هذه التسمية فهي معركة وهمية نشنها على انفسنا. والبعض يسميها "العرس الديموقراطي" وكان من الاحرى أن يسميها "البغاء الديموقراطي". هذه الانتخابات كشفت أكثر من غيرها عن عوراتنا، عن إفلاسنا الاخلاقي، عن وجهنا القبيح. وبالمقابل نحن لا نملك الجرأة حتى على النظر الى المرآة لكي لا نواجه قبحنا. بعض النعم التي جلبتها لنا هذه الانتخابات يخجل القلم من وصفها وتشمئز الصفحات البيضاء من أن تلطخ بها.
لا تكتفي الدعاية الانتخابية بتلويث شوراعنا بالملصقات والصور وبالمناشير الفارغة والكثير منها مناشير ساقطة، ولا تقتصر على "الاقناع" بما يرافقه من ضغوطات وأكاذيب ووعود عرقوبية ولكنها تتجاوزها الى الرشوات وشراء الذمم وعقد الصفقات المشبوهة في الدهاليز المظلمة. الصوت أصبح سلعة. وكما أن لكل سلعة ثمنها كذلك لكل صوت ثمنه. وقد علمت من مصادر موثوقة، وحسب رأيي كلكم يعلم ذلك، أن العديد من المرشحين قد دفع ما يلزم ثمنا لهذه الاصوات. وكانت الاسعار تتراوح من 100 شيكل الى بضعة آلاف من الشواكل. شيء مخز.
لقد وضع المرشحون الاقوياء نصب أعينهم، وبإعترافهم الواضح والصريح: تحقيق الفوز بكل ثمن. أي الغاية تبرر الوسيلة. هذه المكيافيلية الرخيصة قد نسفت جميع المقاييس الاخلاقية وجرتها الى الحضيض. يدعون الناس الى تحكيم ضمائرهم قبل التوجه الى صناديق الاقتراع وفي الوقت نفسه يدفنون ضمائرهم.
خمس سنوات والحفر تملأ الشوارع والمياه تنقطع كل أثنين وخميس والقمامة تصبح تلالا. ولكن بقدرة قادر تدب النخوة والحياة في عروق المسؤولين في الشهر الاخير قبل الانتخابات، فتمتلئ الشوارع بعمليات الترقيع والتعبيد، وتتناثر سيارات الكركار، وبناء الاسوار الواقية. يراهنون على قصر ذاكرة الناس وبساطتهم. قد تنطلي هذه الامور على البعض ولكن تبقى اللعبة مكشوفة امام الغالبية العظمى الذين يرفضون العبث الى هذه الدرجة بعقولهم ويقومون في نهاية المطاف بمعاقبة هؤلاء المسؤولين.
وصل الى يدي عدد لا يستهان به من المناشير الساقطة، التي كما قلت يخجل القلم من وصفها والتي تنضح بالكلام البذيء والشتائم الموجهة الى المرشح الآخر وهي إن دلت على شيء فإنها تدل على الحضيض الاخلاقي الذي وصلنا اليه بسبب هذه الانتخابات. ومهما قام المرشحون الآخرون بإستنكارها والتنصل منها فإنها تبقى وصمة عار يلازم هذا "العرس الديموقراطي".
زعم اكبر حزبين في وسطنا العربي: الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، بأنهما حققا الانتصارات الباهرة. إنتصار آخر كهذا وعلى الدنيا ومن عليها السلام. أي إنتصار حققاه وقد سقطت آخر ورقة سياسية كانت تستر عوراتهما؟ أعطوني مثلا واحدا خاض به هذان الحزبان الانتخابات ببرنامج سياسي بعيدا عن الاستقطاب العائلي او الطائفي وإبرام الصفقات المشبوهة؟.
تتغنى الجبهة الديموقراطية بإنتصارها في الناصرة، عاصمة وسطنا العربي، العزيزة على قلوبنا جميعا. الجميع يعرف أن هذا الانتصار جاء نتيجة للإستقطاب الطائفي الخطير الذي نما وترعرع خلال سنوات طويلة. وبسب الخلافات الداخلية في المعسكر المنافس. فهل يوجد ما يفرح؟ والامثلة كثيرة.
ولكن الطامة الكبرى حسب رأيي تكمن في نسبة المنتخبين العالية التي وصلت في كثير من القرى والمدن الى 98%. وكأحد الذين نادوا بمقاطعة الاتخابات أعترف بالفشل الذريع وبعدم فهمي المطبق لنفسية وعقلية المنتخبين. إننا أمام حالة من الادمان المرضي، تماما كالادمان على المخدرات أو الكحول او التدخين. فكما لا ينفع أن تعظ المدمن على التدخين وتنصحه بالاقلاع عنه بسبب الاضرار الجسيمة التي يسببها، كذلك لا ينفع الوعظ بمقاطعة الانتخابات بسبب أضرارها. من أجل ذلك يوجد ضرورة لعلاج. نعم، التهافت على الانتخابات بهذه الصورة مرض. فالمواطن في سخنين، حيث وصلت نسبة التصويت الى 97% ليس أكثر وعيا من المواطن في تل أبيب حيث كانت النسبة 32% أو في القدس حيث بلغت النسبة 42%. وبما أنني لست معالجا نفسيا أكتفي بالقول: الله يشفينا.
كل ما أطلبه، حتى الانتخابات القادمة، أن يقوم المرشحون بتنظيف الاماكن العامة من صورهم وملصقاتهم وألا يتركونها حتى تزيلها امطار الشتاء القادم.
أرفق هذه القصيدة الرائعة للشاعر والمغني الامريكي التقدمي توم باكستون
We All Sound The Same
Words and Music by Tom Paxton

The candidates come and the candidates go, and we all sound the same
I'm Eeenie, I'm Meenie, I'm Minie, I'm Mo, and we all sound the same
We're having another election this year,
We're hiring the halls and we're pouring the beer
We'll tell you precisely what you long to hear,
And we all sound the same.

We're there every time you turn on your TV, and we all sound the same
Help stop unemployment, try voting for me! Yes, we all sound the same
We're kissing the babies and shaking the hands,
We're blowing balloons and we're leading the bands
We're hoping that nobody here understands
That we all sound the same.

[bridge]We'll fearlessly take our positions when we know how you feel
We've taken the polls, and we know it's the safe thing to do
We've studied the trends for the feelings that we're allowed to feel
We'll be out there leading, about two or three steps behind you
[that's off of the record]
(spoken*) Mr. Chairman, my close friend, Mr. Lincoln, has a ... we all sound the same
(spoken) Introducing our new economic plan for the future of America...and we all sound the same
(spoken) And I have come before this august gathering to promise you that if I am elected, I will further discover misbeliefs in institution, constitution, and prosperity...and we all sound the same

[bridge]We'll fearlessly take our positions when we know how you feel
We've taken our polls, and we know it's the safe thing to do
We've studied the trends for the feelings that we're about to feel
We'll be out there leading, about two or three steps behind you
[that's off of the record]

We're fast on our feet when the ball's in our court, and we all sound the same
We're earnestly hoping your memories are short, and we all sound the same
We've mastered the art of rhetorical curve,
We've practiced sincerity, screwed up our nerve
We're praying we don't get what we all deserve
And we all sound the same
We're praying we don't get what we all deserve
And we all sound the same

Wednesday, November 05, 2008

الذكرى ال 91 للثورة الاشتراكية العظمى



قد يقول البعض: ولماذا احياء هذه الذكرى بعد أن انهار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي وأصبحت الثورة في خبر كان. من يردد هذا الكلام ينتمي على الارجح الى معسكر واسع من القوى اليمينية والمحافظة تقوده الكراهية والحقد ليس على الثورة الروسية ذاتها، ولكن على ما تجسده هذه الثورة وترمز اليه من منظار تاريخي. من المعروف أن هذه الثورة تجسد وترمز أكثر من غيرها الى ضرورة وأمكانية قيام الطبقات والشعوب المضطهدة بالانتصار على النظام الراسمالي العالمي وبناء نظام آخر مختلف جذريا.
حتى لو قبلنا جدلا أن الثورة الاشتراكية قد فشلت فإن ذلك لا يقلل بشيء من قيمتها التاريخية. من المعروف أن الثورة الفرنسية الكبرى قد تحولت خلال فترة قصيرة جدا الى امبراطورية قمعية أغرقت اوروبا بالحروب وانتهت بإعادة الملكية الفرنسية لعدة سنوات. ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر دورها في تغيير وجه العالم الحديث. حتى ارغمت ألد أعدائها الى تنفيذ وصيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما حصل لباقي الثورات الحديثة التي لعبت دورا حاسما في نقل البشرية من القرون الوسطى والانظمة الاقطاعية الى العصر الحديث. فهذه كومونة باريس تغرق بالدماء بعد حوالي الشهرين من استلام الثوار للحكم في العاصمة الفرنسية وفرض النظام الاشتراكي الجديد. ومن ثم عادت الرجعية لتسيطر على البلاد. ولم يفكر أحد في العالم أن يسحب من تحت اقدامها أهميتها التاريخية. ونحن في العالم العربي ما زلنا نحتفل بثورة المليون شهيد في الجزائر بالرغم من انها وخلال فترة قصيرة تحولت الى ثورة مضادة وفرضت نظاما قمعيا وأعادت الاستعمار من الشباك بعد أن خرج من الباب. ونحن في فلسطين ما زالنا نحيي إنطلاق الثورة الفلسطينية بالرغم من انها لم تكن في يوم من الايام ثورة حقيقية. كانت مقاومة بسيطة للإحتلال على أمل أن تتطور الى ثورة للتحرير الوطني. ولكنها تطورت الى سلطة هزيلة تتعامل مع الاحتلال بدل أن تقاومه. مع كل ذلك لم يقم أحد بهضم حقها التاريخي وإنكار اهميتها على تطور الصراع العربي – الصهيوني. الامر نفسه يمكن أن نطبقه على باقي الثورات في شتى انحاء العالم التي إما انها تحولت الى ثورة مضادة واما انها انتهت وماتت بشكل طبيعي، مثل الثورات الصينية، الفيتنامية، الكوبية، الاسبانية، وغيرها الكثير.
إذن ما هو سر تكالب جميع قوى العالم الراسمالي على الثورة الاشتراكية العظمى بالرغم من تعثرها منذ زمن طويل وزوال الاتحاد السوفياتي منذ حوالي عقدين؟ لماذا يتحد سياسيو ومفكرو المعسكر الرأسمالي وإتباعهم في الدول النامية على إدانة ومهاجمة هذه الثورة في كل مناسبة وبدون مناسبة وتجريدها من طبيعتها الثورية التقدمية؟
السبب هو أن هذه الثورة كانت الثورة الوحيدة التي وضعت نصب اعينها القضاء على النظام الراسمالي العالمي وبرهنت أن ذلك ممكن من خلال الثورة لجموع الكادحين الثوريين المنظمين والمسلحين.
النظام الراسمالي العالمي، بشكله الجديد، العولمة بقيادة أمريكية، يعرف تمام المعرفة أن ما انهار في الاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية والصين لم يكن سوى تجربة محدودة وملموسة للثورة الاشتراكية في بلد واحد وتحت ظروف معينة، ولكن هذا لا يعني بأنه لن تكون هناك تجارب أخرى، تجارب تتعلم الدروس والعبر من التجربة السوفياتية وتصحح أخطاءها ومن ثم تنفجر من جديد.
أصلا، الذي انهار في الاتحاد السوفياتي هو نظام راسمالية الدولة، والذي سمي بشكل إعتباطي نظاما إشتراكيا. فمن المعروف انه بحكم الظروف التاريخية التي مرت بها روسيا بعد الثورة مباشرة وبسبب تخلفها الاقتصادي والحرب العالمية التي تحولت الى حرب اهلية والتدخل الاجنبي والحصار العالمي، حافظت الثورة الاشتراكية على العديد من السمات الرأسمالية والتي تفاقمت بسبب البيروقراطية المستشرية حتى تحولت الى رأسمالية الدولة فترة طويلة قبل الانهيار الرسمي للإتحاد السوفياتي في بداية سنوات التسعين.
على الثورة الاشتراكية القادمة ألا تقدم مثل هذه التنازلات المبدئية التي تقود في نهاية المطاف الى عودة الرأسمالية. عليها القضاء على النظام الراسمالي بشكل كامل وشامل من خلال القضاء على الملكية الخاصة والعمل المأجور والنضال مباشرة لتحقيق الشعار الشيوعي: "من كل واحد حسب مقدرته ولكل واحد حسب حاجته"
للذكرى ال91 للثورة الاشتراكية هذه السنة أهمية خاصة في ظل تفاقم الازمة الاقتصادية التي تعصف في النظام الرأسمالي العالمي وفي ظل الحروب الوحشية التي تشنها امريكا في شتى ارجاء العالم. الظروف الراهنة تؤكد من جديد المنطلق الاساسي للثورة الاشتراكية العظمى الذي يقول: ما دام النظام الراسمالي سائدا فالازمات الاقتصادية والحروب الامبريالية تبقى حتمية.
الاحزاب والتنظيمات التي تسمى نفسها اشتراكية وشيوعية اليوم هي جزء من التجربة التي انهارت واندثرت ولا تستطيع أن تقوم بأي دور ثوري. وهي في طريقها الى الاضمحلال والزوال. الثورة الاشتراكية الجديدة بحاجة الى تنظيمات وأحزاب ثورية جديدة، انها بحاجة الى إنسان إشتراكي جديد.
يقول ماركس: الثورات هي قاطرة التاريخ. واليوم التاريخ بحاجة الى قاطرة تنقل البشرية الى عصر افضل، خال من الاستغلال والحروب.
إن ذكرى الثورة الاشتراكية العظمى سوف تبقى خالدة الى الابد، وأن الثورة الاشتراكية القادمة سوف تكون أعظم وأعمق.