Wednesday, March 18, 2009

العودة الى الحرب الباردة


هل تصريحات الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بشأن ضرورة إعادة تسليح الجيش الروسي وتعزيز قدراته النووية والاستراتيجية هي بمثابة إعلان رسمي عن عودة الحرب الباردة في العلاقات الدولية وخصوصا بين الدول العظمى؟ كل المؤشرات تؤكد أن هذا هو الواقع. لم تأت تصريحات الرئيس الروسي باب الصدفة وهي ليست تصريحات، بل جاءت بعد تطورات الوضع السياسي والعسكري على ارض الواقع في السنوات الاخيرة على الاقل. جاءت هذه التصريحات ردا على السياسة التوسعية العنيفة التي يتبعها حلف الناتو لتوسيع نفوذه شرقا حتى وصوله الى تخوم روسيا وكان آخرها محاولة ضم أوكراينا وجورجيا الى هذا الحلف الامر الذي ترى به روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وقد أوضحت روسيا موقفها هذا في الحرب الاخيرة بينها وبين جورجيا. هذا بالاضافة الى قرار حلف ناتو بنشر ما يسمى الدرع الصاروخي في اوروبا الشرقية التي ترى به روسيا ايضا تهديدا لأمنها القومي.
بعد إنهيار الاتحاد السوقياتي، في تسعينات القرن، برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى وحيدة وأخذت تصرح وتمرح في العالم كما يحلو لها، بلا رقيب او محاسب. وبدأت تحشر انفها في كل صغيرة وكبيرة في شتى انحاء العالم وتثير النزاعات والحروبات في كل مكان. قامت بغزو وإحتلال أفغانستان والعراق والتدخل السافر في أفريقيا واسيا والتهديد بشن حروبات جديدة في ايران وسوريا وكوريا والسودان وغيرها من البلدان.
تورط أمريكا وحلفائها جلب عليهما أزمة إقتصادية خانقة لا يدري أحد كيف ستنتهي. غير أن التاريخ الحديث يؤكد أن الطريقة الافضل من وجهة النظر الامبريالية لحل أزماتها الاقتصادية هي شن المزيد من الحروب. دعونا نتذكر أن الركود الاقتصادي العنيف الذي عصف بهذه الدول في ثلاثينيات القرن الماضي قد قاد مباشرة الى الحرب العالمية الثانية التي لم تندمل جراحها بعد.
بالطبع، في هذا الصراع العالمي لا تقف دولة اسرائيل موقف الحياد. على العكس من ذلك تماما، بل هي تشكل في كثير من الاحيان رأس الحربة. من المعروف أن اسرائيل هي عضو غير معلن ولكنه رئيسي في حلف الناتو. وهي تملك ترسانة نووية واسلحة دمار شامل تحسدها عليها جميع الدول العظمى. وإذا ما قسنا حجمها الجغرافي والسكاني نستطيع أن نجزم أن هذه الدولة ليست سوى مخزن حربي كبير. لذلك ليس من باب الصدفة أن يقول حوالي 60% من الاوروبيين في إستطلاع أجرته المفوضية الاوروبية قبل عدة سنوات أن اسرائيل تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. وأن حوالي نصف الشعب الامريكي نفسه (43%) في إستطلاع مماثل يرى ذلك ايضا.
اسرائيل لا تكتفي بشن الحروب وتأجيج الصراعات في الشرق الاوسط، حيث قامت خلال سنتين بشن حربي إبادة في لبنان وفي غزة. ولكنها، على غرار الولايات المتحدة الامريكية ودول حلف الناتو الاخرى تلعب دورا رئيسيا في كافة النزاعات عن طريق تصدير الاسلحة وفي كثير من الحالات بتدخل مباشر عن طريق المخابرات والمستشارين العسكريين كما يحدث الآن في العراق ولبنان والسودان والعديد من دول أمريكا اللاتينية.
أنا شخصيا أتحفظ من وصف "اسرائيل" بأنها تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. ذلك لأن إسرائيل لا تلعب منفردة، بل هي لاعب أساسي في فريق كامل. النظام الامبريالي العالمي، الذي تشكل اسرائيل جزء منه، هو الذي يشكل أكبر خطر على السلام العالمي وعلى السلام في منطقتنا.
العديد من الساذجين سياسيا يظن انه على ضوء تشكيل حكومة يمينية متطرفة سيقوم "المجتمع الدولي" وخصوصا أمريكا وأوروبا بزيادة الضغط على اسرائيل وإرغامها على الوصول الى تسوية سلمية مقبولة على الطرفين. العكس من ذلك هو الصحيح: على ضوء الازمة الاقتصادية العالمية وعودة الحرب الباردة سوف تلاقي مثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة المزيد من الدعم من قبل المعسكر الامبريالي المهدد.
السلام الحقيقي الذي تحلم به البشرية لا يمكن أن يتحقق من غير هزيمة وإنهيار هذا المعسكر. الثورة كانت وما زالت هي الطريقة الوحيدة للقضاء على الحروب الرجعية. وهذا ليس مجرد شعار أكل الدهر عليه وشرب، بل حقيقة تلمسه وتحس به الشعوب المضطهدة.

No comments: