Wednesday, August 26, 2009

ما افسده الدهر لا يصلحه العطارون


أنا لا افهم بالضبط ما هو المقصود من شعار "إعادة البناء" الذي نستعمله بكثرة في الآونة الأخيرة كحل سحري للخروج من أزمتنا على المستوى الوطني والمحلي. فالفصائل الفلسطينية على شتى مشاربها الفكرية والسياسية تدعو إلى "إعادة بناء" منظمة التحرير الفلسطينية كحل وحيد لإنهاء حالة الانقسام والعودة إلى أيام "الوحدة الوطنية" السعيدة. وعلى الساحة المحلية تدعو كافة الأحزاب والحركات العربية الإسرائيلية (ومن عنده اعتراض على هذه التسمية فليقف) إلى إعادة بناء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل (لاحظوا الاسم).
قبل سنوات اشتريت سيارة قديمة(موديل 1977) أصبحت مثلا عندنا في الحارة. نظرا لضيق الحالة المادية وثمنها الزهيد قررت شراءها ضاربا بعرض الحائط نصائح المحذرين من الأهل والأصدقاء. اشتريتها من هنا وبدأ الخراب بها من هنا. أصلح رأس المحرك فيخرب الكلاتش، أصلح الكلاتش فينتقل الخراب إلى شبكة الكهربائية وهكذا دواليك. حتى دفعت على التصليحات إضعاف ما كلفني ثمنها. وفي النهاية، وبعد أن كادت أن تقضي علي ماديا حاولت بيعها كقطع غيار لعلي أستطيع أن أعوض بعض الشيء. فلم أجد أي كراج يقبلها. وأخيرا توقفت نهائيا والقي بها في مجمع للنفايات غير مأسوف عليها.
ماذا بقي من منظمة التحرير الفلسطينية لإعادة بنائه؟ معروف أن المنظمة تتكون من ثلاث مؤسسات رئيسية: المجلس الوطني الفلسطيني، المجلس المركزي واللجنة التنفيذية؟
إذا كان مؤتمر فتح السادس عقد بعد عشرين سنة من المؤتمر الخامس، فهل أحد يعرف متى عقد المجلس الوطني للمرة الأخيرة؟ هل أحد يعرف من هم أعضاء المجلس وما هو عددهم. نحن نهاجم الكنيست الإسرائيلي بمناسبة ومن غير مناسبة، ولكن على الأقل أعضاء الكنيست معروفون بأسمائهم وبعددهم. عدت إلى الأرشيفات فوجدت أن المؤتمر الفلسطيني الأول المؤسس للمنظمة في عام 1964 ضم 397 عضوا أصبحوا أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الأول. وبعد استيلاء فصائل المقاومة على المنظمة في أعقاب هزيمة حزيران وحسب طريقة المخاصصة تقلص العدد إلى 143 عضوا. ولكن هذا العدد كان يزيد وينقص حسب رغبة القيادة المتنفذة في اللجنة المركزية وعند الحاجة كان يصل إلى عدة مئات. بعد اتفاقيات أوسلو تخلى المجلس الوطني الفلسطيني نهائيا عن كونه الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني وأصبح أداة للترويج وتمرير هذه الاتفاقيات. وبصفته هذه عقد في عام 1998 في غزة تحت رعاية أمريكية- إسرائيلية (على غرار مؤتمر فتح السادس) من أجل تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني لكي يتلاءم مع المرحلة الجديدة، مرحلة الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها. وهكذا تم شطب 12 بندا تدعوا إلى التحرير ومقاومة الاحتلال وتعديل 16 بندا آخرا.
أليس من السخرية أن يقوم اليوم سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني(وهو بالمناسبة مثل رئيس السلطة محمود عباس منتهية صلاحيته) بدعوة هذا المجلس للانعقاد من أجل اختيار أعضاء جدد للجنة التنفيذية بدلا من الذين توفوا؟ أنا أتحدى الزعنون أن يكشف لنا عن أسماء الذين وجه لهم الدعوات لحضور هذه الجلسة. إلى هذا الحد وصل الاستهتار بأعلى هيئة تشريعية فلسطينية، المجلس الوطني الفلسطيني.
هل المجلس المركزي أحسن حالا؟ أراهن أن معظم الفلسطينيين لا يعرفون أصلا بوجوده. هذا المجلس الذي من المفروض أن يكون هيئة دائمة ويشكل حلقة وصل بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية ويجتمع مرة كل شهرين على الأقل. أعضاء هذا المجلس بالأساس مندوبون عن الفصائل الفلسطينية المسلحة التي اختفت معظمها عن الساحة. وعدده هو أيضا كان يتغير حسب رغبة القيادة المتنفذة فبدأ ب32 عضوا عام 1973 وأخذ يزداد حتى وصل حسب آخر معلوماتي إلى 59 عضوا بالإضافة إلى ستة مراقبين. ولكن طبعا هذا الرقم غير ذي أهمية لأن المجلس ككل مشلول شللا كاملا.
وأخيرا اللجنة التنفيذية، وهي حسب تعريفها:"أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة، وتكون دائمة الانعقاد، وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية". فهي إذن توازي الحكومات في الدول الأخرى.
أكثر من ثلث اللجنة التنفيذية (6 أعضاء) توفوا (بعضهم قبل 13 سنة) وما زالت أماكنهم شاغرة. تصورا أن ستة وزراء في الحكومة الإسرائيلية ماتوا وما زالت الحكومة تمارس نشاطها وكأن شيئا لم يحدث. بعد أوسلو هذه اللجنة أسوة بالمجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفروض أن ينتخبها تنازلت عن دورها طوعا لصالح حكومة السلطة الفلسطينية التي يرأسها حاليا سلام فياض الذي لا تربطه لا ناقة ولا جمل بأي شكل من أشكال النضال الفلسطيني. ماذا تعمل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اليوم؟ هل سمعتم لها أي صوت ضد الحرب الأخيرة على غزة؟ ضد الحصار الذي تجاوز عامه الثالث؟ ضد تهويد القدس؟ ضد الاستيطان؟ حتى الدول الغربية الصديقة لإسرائيل انتقدت السياسة الإسرائيلية أكثر من هذه اللجنة.
النتيجة، هل جسم كهذا يمكن أن يعاد بناؤه؟ إذا كانت هذه الجثة الميتة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فعلى هذا الشعب السلام. على الشعب الفلسطيني أن يدفن موتاه ويكف عن البكاء وينهض.
الدعوة إلى إعادة بناء "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل" هي نصيبنا من هذه المأساة. أصلا وجود مثل هذه اللجنة يعني تخليد انسلاخنا عن شعبنا الفلسطيني بما يرضي الكيان الصهيوني. المصيبة أننا ننظر إلى هذه اللجنة كحامية لهويتنا الوطنية وليست كوسيلة لأسرلتنا. لقد باءت جميع المحاولات للتوفيق بين هذين النقيضين بالفشل. إننا بحاجة إلى بناء، وليس إلى إعادة بناء، لجنة متابعة للجماهير الفلسطينية في فلسطين المحتلة. ولكن أحيانا قبل البناء لا مفر من الهدم.
لماذا المصداقية ضرورية؟
علي زبيدات – سخنين

قرأت خبرا ظننته للوهلة الأولى ملفقا إلى درجة الافتراء. يقول الخبر: أن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة سوف تطرح على لجنة المتابعة العليا للشؤون العربية أن تتبنى موقف الإضراب العام في ذكرى هبة أكتوبر. هل يمكن تصديق مثل هذا الخبر؟ قد يكون صادر من أحد المزايدين الذين يتهمون الجبهة بمناسبة وبغير مناسبة بالتقاعس وعدم تصعيد النضال لكي يرتقي إلى مستوى الأحداث وغيرها من الشعارات. فالجبهة تقريبا منذ يوم الأرض الأول وهي تعارض مبدئيا اللجوء إلى الإضرابات العامة بحجة أن الجماهير غير مستعدة لذلك أو أن أضرارها تفوق فوائدها. وفي الحالات القليلة التي اتخذت بها لجنة المتابعة قرارا بالإضراب واضطرت الجبهة قبول هذا القرار على مضض لم تتجند بما فيه الكفاية لإنجاحه وكان لسان حالها يقول: ألم اقل لكم أن الجماهير غير جاهزة للإضراب؟
ولكن سرعان ما تبين لي أن هذا الخبر ليس ملفقا. حيث وجدت مقالا مطولا في موقع الجبهة الالكتروني بقلم سكرتير الجبهة القطرية المحامي أيمن عودة بعنوان:" لماذا الإضراب". يقول أيمن في بداية المقال:" الإضراب ليس رد فعل مباشر وغريزي. وإنما رد فعل سياسي مدروس ومخطط له لمواجهة مجمل سياسة التحريض والإقصاء ونزع الشرعية من المواطنين العرب". كلام جميل، أليس كذلك؟
ولكن وراء هذه الكلمات الجميلة تكمن حسب رأيي نوايا قبيحة. هل هذا يعني أن الذين اقترحوا الإضراب العام في ذكرى أيام الأرض وهبة أكتوبر والحروب التي شنتها الدولة على شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة ولبنان كانت رد فعل مباشر وغريزي؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجلس حضرتك وحزبك وتحضر رد فعل "سياسي" و"مدروس" و"مخطط له"؟ ما الذي يجعل مجمل سياسة التحريض والإقصاء ونزع الشرعية التي تتحدث عنها تختلف عن السياسة التي مارستها الدولة طوال الأربعين سنة الأخيرة على الأقل؟
تعميم هذا الخبر قبل ذكرى أكتوبر بفترة تقارب الشهرين جاء ليضفي صبغة من الجدية والمصداقية عليه. فهو ليس رد فعل غريزي بل هو مدروس ومخطط له. وهذه الفترة ضرورية لتجنيد الرفاق من أجل إنجاح الإضراب العام. والإضراب العام لا يعني إغلاق بعض الحوانيت في الناصرة وأم الفحم وسخنين. بل عام بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. أي شل جميع مرافق الحياة من مدارس وجامعات ومؤسسات حكومية وخاصة. وهذه الفترة ضرورية أيضا لإقناع المترددين أو غير المقتنعين، وللكاتب يوجد تصور كيف يمكن إقناع هؤلاء. ولكن حسب رأيي كل هذا الكلام لا يجدي فتيلا. المصداقية تبدأ بنقد الذات ومحاولة تصحيح الأخطاء السابقة. فقبل أن تسأل "لماذا الإضراب" يجب أن تعطي جوابا مقنعا على السؤال الذي يقول: لماذا كنا كل هذه الفترة ضد الإضراب العام؟
مع كل الاحترام لذكرى هبة أكتوبر وكل الاحترام للشهداء الذين سقطوا برصاص الشرطة، إلا أن هذه الحادثة لا تشكل المفصل الأساسي في تاريخنا كشعب فلسطيني يناضل لتحرير أرضه وعودته إلى دياره. حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة وأسفرت عن استشهاد حوالي 1500 شهيد أكثر من 80% منهم من المدنيين وأكثر من 300 طفل، أليست مفصلا أهم؟ فلماذا لم يفكر أحد برد فعل سياسي ومدروس ومخطط له؟ واكتفت الأحزاب من باب رفع العتب بأعمال احتجاجية هزيلة، حتى المظاهرة الجبارة التي جرت في سخنين في نهاية الحرب كانت قد أفرغت من مضمونها النضالي.
وما زالت الدماء التي سفكت في حرب الإبادة التي شنتها الدولة على لبنان في عام 2006 والتي استمرت 33 يوم لم تجف بعد. إلا إنها لم تكن كافية للجنة المتابعة بجميع مركباتها أن تدعو لإضراب عام.
بدل أن تكون ذكرى هبة أكتوبر ويوم الأرض مناسبات للتأكيد على لحمة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده تستغله الأحزاب العربية الإسرائيلية المنضوية تحت كنف لجنة المتابعة للتشديد على ما يميزنا ويفصلنا عن الشعب. كيف تستطيع الدولة أن تطلق النار وتقتل ستة من مواطنيها في يوم الأرض؟ وكيف تستطيع أن تقتل بدم بارد 13 شابا من مواطني الدولة في هبة أكتوبر. بالنسبة لهذه الأحزاب هذه الناحية بالذات هي التي ميزت يوم الأرض وهبة أكتوبر. أما آلاف الشهداء الذين يسقطون يوميا في غزة والضفة فهم في المرتبة الثانية.
لقد عبر سكرتير الجبهة القطرية عن خوفه، وهو خوف مشترك لكافة الأحزاب العربية الإسرائيلية، من السياسة الإسرائيلية التي:"كشفت عن عوراتها في السنوات الأخيرة، والتي تقول جهارا، الدولة ليست لكم. وانتم غير مرغوب ببقائكم هنا".
هذا الشيء الوحيد الصحيح الذي تقوله السياسة الإسرائيلية: هذه الدولة ليست لنا. ولكن بقاءنا هنا غير مرهون برغبة أحد.
وأخيرا، ولكي لا افهم غلط ويقول أحدهم تحيرنا معكم فعندما نرفض الإضراب تنتقدوننا وعندما ندعو للإضراب تنتقدوننا، الإضراب العام يبقى وسيلة نضالية لتعبئة الجماهير ورفع وعيها لمواصلة نضالها بغض النظر عن نوايا البعض. ويجب بذل كل الجهود لإنجاح الإضراب.

Monday, August 17, 2009

الارتقاء نحو الحضيض
علي زبيدات

لم يعد ذو أهمية إن كان محمود عباس اختير بالتزكية رئيسا لحركة فتح كما أفادت بعض المصادر أو أنه انتخب بالإجماع كما أكدت مصادر أخرى. وليس ثمة من فرق بين من نجح من المرشحين للجنة المركزية وبين من لم ينجح. الآمر سيان بين الحرس القديم الذي تقهقر وبين الدماء "الشابة" التي ضخت. الأمر الوحيد ذات الأهمية هو أن فتح خرجت من مؤتمرها السادس بريئة من تهمة الثورة والمقاومة كبراءة الذئب من دم يوسف. لم تعد تربطها أية علاقة بشيء اسمه حركة تحرير وطني سوى اسمها المعكوس الذي عاد إلى طبيعته. لقد أصبحت فتح حزبا سياسيا آخرا مثلها مثل باقي الأحزاب التي تعج بها ساحتنا العربية. مع فارق بسيط هو أنها حزب لسلطة مشوهة فمن الطبيعي أن تكون هي الأخرى حزبا سياسيا مشوها. لذلك لم استغرب أن ينشر عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي أحمد سعد في موقع الجبهة مقالا طويلا يكيل المديح على المؤتمر والرئيس محمود عباس وقيادته الحكيمة التي " تقود المقاومة الوطنية بواسطة المفاوضات من غير التفريط بالثوابت ..."
قد تكون فتح هي التي أطلقت الرصاصة الأولى ضد العدو فيما يسمى مجازا بالثورة الفلسطينية في الفاتح من يناير عام 1965 – وهي حقيقة قابلة للنقاش- ولكنها في أعقاب هذا المؤتمر، قد أطلقت الرصاصة الأخيرة ولكن هذه المرة على نفسها وعلى جماهيرها.
لا أكتب اليوم كمراقب أو كناقد يتابع الإحداث، بل كعضو سابق في هذه الحركة قضى ستة أعوام في السجون الإسرائيلية بتهمة الانتماء لحركة فتح. وغيري قد قضى فترة أطول أو اقصر. أعود بالذاكرة إلى بداية سنوات السبعين حيث كانت السجون الإسرائيلية مليئة بالمناضلين من فلسطينيي الداخل الذين التحقوا بصفوف فتح لكي يشاركوا في تحرير الوطن المحتل. أذكر على سبيل المثال لا الحصر عشرات الأسرى من عكا ومجد الكروم والناصرة والطيرة وغيرها. في تلك الأيام كانت فتح تشكل حلم مشترك للجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها. وأنظر اليوم إلى المؤتمرين في بيت لحم والمرشحين للجنة المركزية والمجلس الثوري فلا أرى اسما واحدا من فلسطينيي الداخل. الاسم الوحيد الذي لفت نظري ونظر العديدين ولا أدري كيف أصنفه هو اسم أوري ديفيس، ولكن هذه قصة أخرى.
أنا شخصيا أفقت من هذا الحلم الزائف مبكرا. أصلا، لم يكن انتمائي لحركة فتح منذ البداية نابعا عن قناعاتي بأفكارها ومبادئها. الأفكار والمبادئ كانت آخر شيء يهم الحركة منذ اليوم الأول لتأسيسها وحتى ما آلت إليه اليوم. لذلك كنت ترى في صفوفها اليساري واليميني والقومي والمتدين والاشتراكي والماركسي. وكنت أظن في ذلك الوقت أن ذلك ليس بمصيبة ما دام الجميع متفقين على مقاومة الدولة الصهيونية ومعادين للإمبريالية.
قد يقول البعض، كما قال أحمد سعد في مقاله المذكور:" صحيح أن المؤتمر قد تمسك بالخيار السلمي ولكنه لم يتنازل عن حقه باستعمال كافة أشكال النضال". ويشددون على كلمة "كافة" لكي نفهم أن الكفاح المسلح الذي شرعته القوانين الدولية هو من ضمن هذه الأشكال. ولكن هذا الشكل بالذات له اسمه، وكان يذكر في قرارات كافة المجالس الوطنية الفلسطينية خوفا من الالتباس حتى تم وأده مع بداية مرحلة المفاوضات. إن هذا الكلام ليس فقط استهتارا بعقولنا بل تلاعب بعواطفنا وأحلامنا أيضا. من لا يتنازل عن كافة أشكال النضال لا يلاحق المقاومين ويطلق النار عليهم أو يزج بهم في السجون أو يسلمهم للمحتلين أو يسومهم أبشع أنواع التعذيب.
بعد عشرين سنة عقدت حركة فتح مؤتمرها السادس. اللعنة، ألا يوجد تقرير واحد من اللجنة المركزية يقيم هذه الفترة؟ يشير إلى "الانجازات" التي حققتها على الأقل؟ ومن جهتي يستطيع أن يتغاضى عن الإخفاقات. تعقد المؤتمرات عادة لتصحيح مسارات، لمكافأة من قدم وضحى، ومحاسبة من قصر وتقاعس. في مؤتمر فتح لم يكن أي شيء من هذا القبيل. لذلك أقول انه كان مؤتمرا لحزب سياسي مفلس ويعرف انه مفلس، ولكن باقي الأطراف المشاركة تريده أن يبقى. السعودية والأردن ومصر قامت بتمويل هذا المؤتمر، إسرائيل وفرت له الحماية والرعاية وأمريكا باركته.
لم تعد الشعارات تخدعنا. الكلام حول التمسك بالثوابت وبكافة أشكال المقاومة لا يساوي قشرة ثوم. خرتشوف أجهض ثورة بكاملها ولم يكف عن الكلام حول انتصارات الاشتراكية والدخول إلى مرحلة الشيوعية. أنور السادات، قاد الثورة المضادة في مصر في كافة المجالات بينما كان يحتفل سنويا بثورة يوليو المجيدة. فما الذي يمنع محمود عباس من السير على نفس الطريق؟
يقولون لنا، بعد المؤتمر، مع انه لم يكن هناك أي تصريح رسمي بذلك، لن تكون هناك عودة إلى المفاوضات من غير وقف كامل للاستيطان في الضفة والقدس. هل يوجد من يصدق هذا الكلام؟ 16 سنة من المفاوضات الأخيرة كانت تجري مع تزايد الاستيطان، فما الذي تغير خصوصا بعد إعادة انتخاب كبير المفاوضين؟ على كل حال إن غدا لناظره قريب.
تشير تجارب الشعوب التي خاضت تجارب مريرة من أجل حريتها واستقلالها أن أفراد من القيادة أو حركات كاملة قد تتساقط في خضم النضال. وبعض هؤلاء الأفراد وهذه الحركات ترتقي بهذا السقوط مكتفية بخدمة المحتلين مقابل الشزر القليل من الامتيازات. ولكن يبدو أن مثل هؤلاء لا يعرف أن السمك الميت وحده الذي يطفو على سطح الماء.
لقد آن الأوان أن ندفن موتانا ونتابع المسيرة.
دولة واحدة؟ دولتان؟ ثلاث دول؟ لا، شكرا لا دولة
علي زبيدات – سخنين

من حين لآخر تخرج إلينا مجموعة من " المثقفين" الذين تسبق أسماؤهم ألقابا رفيعة بمؤتمر يهدف إلى إنقاذنا من هذا الصراع المزمن والمستعصي الذي أنهك جميع المتصارعين من خلال إيجاد حل عادل وشامل. آخر هذه المؤتمرات كان المؤتمر الذي نظمه مركز مدى الكرمل وجمعية ابن خلدون في حيفا تحت شعار:" فقط حل الدولة الواحدة وثنائية القومية يضمن العدل والمساواة المدنية والقومية للطرفين".
لا أدري ما هو الجديد الذي طرحه هؤلاء"المثقفون" في هذا الموضوع ولم يطرح سابقا في مؤتمر لندن مثلا وفي المؤتمر الذي نظمته حركة أبناء البلد في حيفا أيضا قبل أكثر من عام وفي العديد من اللقاءات والمحاضرات وما تضمنته وثيقة حيفا التي أصدرها مركز مدى نفسه قبل سنوات. أنا شخصيا لم المس أي شيء جديد. ربما الشيء الوحيد الجديد هو التوقيت، يعني الموضة. فكلما تجدد الكلام عن حل الدولتين نلاحظ مثل هذه التحركات التي سرعان ما تتلاشى وتخمد. وحسب رأيي، جاء هذا المؤتمر كرد فعل لخطف الأضواء بعد خطاب اوباما الذي جدد تعهد الإدارة الأمريكية وتمسكها بحل الدولتين وكذلك رد على خطاب نتنياهو الذي تضمن تصوره للدولة الفلسطينية.
إذن، وباختصار، يوجد هناك حل الدولتين الذي يتراوح بين دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة أي في أحسن الحالات على حوالي 20% من فلسطين التاريخية وبين تصور نتنياهو لدولة منزوعة السلاح لا سلطة فعلية لها على الأرض أو الجو أو البحر مع تنازل كامل عن حق العودة وعن القدس. حل الدولتين هذا الذي يتأرجح بين هذين الطرفين يحظى بما يسمى الشرعية الدولية والمجتمع الدولي أي الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والدول العربية والسلطة الفلسطينية.
تعثر هذا الحل لفترة طويلة أثار بالمقابل النقاش حول ما يسمى: "حل الدولة الواحدة" وهو أيضا يتأرجح بين طرفين متباعدين. فهناك العديد من أنصار "ارض إسرائيل الكاملة" ممن كان شعارهم في سنوات الثمانين والتسعين: "أف شاعل" أي "ولا خطوة" يرقصون طربا لدى سماعهم "الدولة الواحدة" وفي الطرف الآخر يوجد من يفهم الدولة الواحدة على أنها دولة "جميع مواطنيها". طبعا في الوسط يوجد قوس واسع من الاجتهادات والتسميات مثل دولة ثنائية القومية، دولة كونفدرالية، دولة المواطنين، دولة ديمقراطية علمانية، الخ.
في ظل هذا الصراع السياسي حدث ما لم يكن بالحسبان. فبينما كان من المفروض أن تتطور السلطة الفلسطينية حتى تصبح الدولة الفلسطينية المستقلة كتجسيد لحل الدولتين، قامت حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزة. ووجد من يقول: إننا في الحقيقة أمام ثلاث دول وليس دولتين. إذ أن سيطرة حماس لن تكون أمرا عابرا وهي تتصرف كدولة أكثر بكثير من السلطة في رام الله.
للوهلة الأولى،قد يظن البعض، أن ثمة تناقض صارخ ومباشر بين هذين الطرحين: حل الدولتين مقابل حل الدولة الواحدة. ولكن نظرة أخرى إلى جوهر القضية تبين أن التناقض بينهما نسبي جدا وعلى جانب كبير من الوهم والخداع. الجميع يدعو إلى الدولة من غير أن نسمع شيئا عن طبيعة هذه الدولة وجوهرها اللهم سوى بعض الشعارات الرنانة مثل الديمقراطية والمساواة. هل رأيتم في التاريخ الحديث دولة لا تدعي الديمقراطية ولا تنصب نفسها حارسا على حقوق المواطنين ومنحهم المساواة؟ جميع هذه الحلول تدور في محور واحد: الدولة وقدسية الدولة.
في المؤتمر المذكور يقول الدكتور أسعد غانم: " حل الدولتين في حالة تلاش وآن الأوان لمناقشة حلول أخرى بما فيها حل الدولة الواحدة". وأنا أقول: نعم لقد آن الأوان لمناقشة حلول أخرى بما فيها حل أللا دولة.
هل الدولة هي قيمة عليا تستحق أن نقدم الشهداء من أجلها؟ هل هي ضرورية للمواطن العادي من أجل أن يعيش حياة حرة كريمة؟ الجواب القاطع هو لا. لا يوجد للدولة أية قيمة أخلاقية. الفاشيون وحدهم من يمنحون الدولة مثل هذه القيمة. بينما هي أداة وظيفتها تعكير صفو حياة المواطن العادي.
لا ينبغي أن يكون المرء ماركسيا أو فوضويا لكي يشعر بأن الدولة في حقيقة الأمر ليست سوى آلة قمع في أيدي الطبقات الحاكمة مكونة من جيش وشرطة وسجون ومؤسسات سلطوية مختلفة. وأن الكلام حول الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون لا تهدف إلا إلى تشديد الرقابة والسيطرة وفي بعض الأحيان تلطيف الأجواء لكي لا تتمرد الطبقات المسحوقة.
نعم، لقد آن الأوان لكي نناقش حلول أخرى. فلماذا لا نحيي النقاش الذي كان رائجا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بين جميع الحركات الثورية والتقدمية حول ضرورة إلغاء الدولة كدولة. حول هذا الموضوع بالذات كان هناك توافق مبدئي بين الشيوعيين والفوضويين ليس فقط حول ضرورة نفي الدولة الرأسمالية بل الدولة بحد ذاتها. الخلاف كان بالأساس حول الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. بينما أصر الشيوعيون على ضرورة تنظيم الطبقة العاملة وعلى دورها التاريخي في صنع الثورة ركز الفوضويون على العمل الفردي.
الفكرة الأساسية في البيان الشيوعي تقول أنه بعد القضاء على المجتمع الطبقي لن تبقى هناك حاجة لجهاز خاص يسمى الدولة. للأسف الشديد بدأ التراجع عن هذه الفكرة بعد سحق كومونة باريس في نهاية القرن التاسع عشر عندما بدأ ماركس وانجلز يتكلمان عن ضرورة مرحلة انتقالية أسمياها: "ديكتاتورية البروليتاريا الثورية" وفيما بعد، في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في روسيا كتب لينين : أن الماركسية تناضل من أجل إلغاء الدولة الرأسمالية، أما الدولة العمالية فإنها تضمحل تدريجيا حتى تختفي بعد الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. ما حدث في الواقع كان على العكس تماما هو أن الدولة العمالية عادت إلى الرأسمالية ولم تتطور أبدا نحو الشيوعية.
اليوم، مع تطور العلم والتكنولوجيا وأساليب الإدارة جعلت من الدولة جهازا قمعيا بحتا ينبغي التخلص منه. وعلينا ألا ننسى أن هذا الجهاز هو المسئول الأول عن الحروب والمجاعات والأهوال على المستوى العالمي.
لا يناضل المواطن المضطهد واللاجئ المشرد من أجل الدولة مهما كان القناع التي تضعه على وجهها. إنه لا يقدم التضحيات الجسام حتى الشهادة من أجل من الذي سيحكمه، هذا التنظيم أم ذاك، هذه الحكومة أو تلك. بل يناضل من أجل مثل أعلى سام، من أجل تحرير وطن مسلوب مثلا، من أجل الحرية. الدولة لم ولن تكون هذا المثل السامي.

Tuesday, July 21, 2009

الثورة المغدورة

الثورة المغدورة

علي زبيدات – سخنين

إذا كانت اتهامات فاروق القدومي الأخيرة لمحمود عباس ومحمد دحلان صحيحة فإنها مأساة وإذا كانت ملفقة فإن المأساة أكبر. ولن يتغير في جوهر الأمور شيء إذا جاءت هذه الاتهامات في سياق نزاع شخصي بين شخصين قياديين أو بين تيارين داخل حركة فتح. النتيجة الحتمية لهذه الاتهامات وتفاعلاتها تبقى واحدة وهي إسدال الستار على دور حركة فتح التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وإن دل على شيء فإنه يدل على إفلاس كامل للخط السياسي والإيديولوجي والتنظيمي لحركة فتح. أقول ذلك من غير شماتة. فقد قدمت فتح مئات بل آلاف الشهداء منذ بداية المقاومة وحتى اليوم. وكم مؤلم أن تذهب تضحيات وأرواح هؤلاء الشهداء سدى. وما زالت سجون الاحتلال تأوي الآلاف من المناضلين الذين ينتمون إلى هذه الحركة العريقة. ولكن بالرغم من الحسرة والشعور بالإحباط والغضب، أصبح كل ذلك في ذمة التاريخ.
لكل ثورة يوجد عدوان. الأول عدو خارجي يتجسد عادة بالاستعمار والقوى الرجعية العميلة، وعدو داخلي يتمثل بتلك الطبقات والحركات التي تكون في مرحلة تاريخية معينة في معسكر الثورة وتقوم في بعض الأحيان بدور أساسي في النضال ولكنها مع تغير المرحلة التاريخية تتساقط رويدا رويدا حتى تغادر صفوف الثورة وينتهي بها المطاف في معسكر الأعداء، ويطلق عليها الثورة المضادة. تفيد تجارب الشعوب أن العدو الداخلي أخطر بما لا يقاس من العدو الخارجي. فالعدو الخارجي معروف والصراع معه مباشر ومكشوف. وقد تتلقى القوى الثورية الضربات الأليمة والانتكاسات والهزائم. وقد يطول النضال وترتفع التضحيات. ولكن ما دامت القضية عادلة والجماهير تحتضنها وتحميها، فالنصر على هذا العدو في النهاية سيكون حتميا. أما العدو الداخلي، الذي ينمو ويترعرع داخل الحركات الثورية في غفلة من الزمن فقد يقضي على الثورة ويحولها إلى ضدها بدون مقاومة تذكر.
الثورة الفلسطينية، أو على الأصح ما كنا نسميه مجازا بالثورة الفلسطينية لا تشذ عن هذه القاعدة. فهذه "الثورة" لم ترتق ابدآ إلى مصاف الثورة لا من حيث وضوح رؤيتها وتحديد أهدافها ولا من حيث إيديولوجيتها ولا من حيث ممارساتها النضالية والسياسية. ولكنها، عندما انفجرت في ظل الهزائم العربية، شكلت بصيصا من نور في سماء الأمة المظلم وشكلت شعاعا من الأمل على طريق التحرير. غير أن رياح القيادة جرت بما لا تشتهيه سفن الجماهير. فسرعان ما عادت هذه القيادة إلى الثلم العربي الرسمي، وتبوأت حركات المقاومة بعد سيطرتها على منظمة التحرر الفلسطينية مكانها في جامعة الدول العربية بعد أن نالت الاعتراف من دول هذه الجامعة بشرط أن تحافظ على مستوى متدن من المقاومة وعدم الارتقاء به إلى مصاف الثورة السياسية الاجتماعية. وهكذا سرعان ما بدأت هذه القيادة بمغازلة العدو الخارجي ( الامبريالية والصهيونية) من خلال البرامج المرحلية والمفاوضات كمرحلة تمهيدية حتى الاتفاقيات التفريطية اللاحقة. وفي هذه المسيرة المشؤومة نمت طبقة عميلة لبست قناع الوطنية لفترة معينة. واليوم يسقط هذا القناع أمام الجميع لكي يتبين أن ما اعتبرناه ثورة وهو في الحقيقة لم يكن أكثر من مقاومة أصبح ثورة مضادة. فبعد أن كنا نعتبر الحركة الوطنية الفلسطينية طليعة حركات التحرر العربية أصبحت هذه الحركة الحليف الاستراتيجي للرجعية العربية من المحيط إلى الخليج. وبعد أن كنا نعتبرها رأس الحربة في النضال ضد الصهيونية والامبريالية العالمية وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية أصبحت هذه الحركة حليفا استراتيجيا لهما.
المصيبة عندنا كانت مضاعفة. فالثورات الحديثة الأخرى التي آلت إلى ثورات مضادة قد حققت بعض أهدافها. فثورة أكتوبر العظمى في روسيا مثلا، كانت قبل انحرافها واندثارها قد دكت النظام القيصري الأكثر رجعية ونقلت بلدا إقطاعيا متخلفا إلى مصاف الدول العظمى في فترة قياسية. والثورة الجزائرية التي قدمت مليون شهيد استطاعت أن تطرد استعمارا استيطانيا جثم على أرضها 130 سنة قبل أن تتحول وتفتك بأبنائها. وثورة يوليو المصرية استطاعت أن تؤمم القناة وتسدد ضربة قاسية للإقطاع والرجعية قبل أن تعود الطغمة الحاكمة حاليا وترتمي في أحضان الامبريالية والصهيونية. والأمثلة كثيرة من لثورات في الصين وفيتنام إلى إيران وجنوب افريقيا وغيرها. ما عدا في فلسطين. حيث تحولت "الثورة" من ثورة إلى ثورة مضادة من غير أن تحقق إنجازا واحدا يذكر، اللهم إلا إذا اعتبرنا السلطة إنجازا وتمزيق ما تبقى من فلسطين بين ضفة غربية وغزة إنجازا والقتال على سلطة وهمية إنجازا.
الواقع أليم ومحزن ومحبط. ومن لا يعترف بذلك يكذب على نفسه. ولكن، ما دامت القضية الفلسطينية تحافظ على عدالتها. وما دامت الجماهير المشردة المسحوقة تتمسك بقضيتها فتغيير الواقع مهما بلغت قسوته فلن يكون ممكنا فحسب بل حتميا أيضا.
الثورة الفلسطينية لم تمت ولكنها لم تولد بعد وهذه أيام مخاضها.

العقل العربي بين إرهاصات التخلف وضرورة النهضة



تعريف المصطلحات الفكرية مهما كان مجالها، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا، أدبيا أو أي مجال آخر ليس بالأمر السهل. مهما كان التعريف شاملا ومحكما ومبنيا على أسس منطقية متينة فلا بد إلا أن يحتوي على بعض الثغرات والإدعاءات غير المبرهنة وبالتالي يكون نسبيا ومشروطا وأحادي الجانب. في الآونة الأخيرة يكثر استعمال مصطلح "العقل العربي" ومقدرته على نفض غبار التخلف والنهوض بالعالم العربي واللحاق بركب الحضارة.
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: هل يوجد هناك شيء اسمه العقل العربي؟ أو العقل الصيني أو العقل اليهودي، الخ.؟؟ طبعا كل تعميم هو خاطئ أو في أحسن الحالات صحته نسبية. فالعقول عادة ما تتخطى الحدود الجغرافية والزمنية وتتفاعل فيما بينها بشكل معقد وغامض في معظم الأحيان وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض. ولكن بالرغم من كل هذه التحفظات لا بد من مثل هذه التعريفات وإلا تعطلت لغة الحوار والنقد والبحث والدراسات. كذلك اختلف الفلاسفة وعلماء النفس حول تعريف مفهوم العقل واستعملوا كلمات مترادفة أو متشابهة مما زاد من عدم الوضوح فمنهم من استعمل كلمة الإدراك أو التفكير أو المعرفة أو الوعي وجميعها مصطلحات متقاربة جدا تعكس الرؤية الخاصة لهذا المفكر أو ذاك.
لنعود إلى العقل العربي. طبعا، مقالة صحفية لا تطمح أبدا تقديم تحليل واف أو دراسة شاملة تتناول العقل العربي. من أجل ذلك يمكن الرجوع إلى موسوعة محمد عابد الجابري ورد جورج طرابيشي عليها بالإضافة إلى العديد من الدراسات الأخرى. كل ما اطمح إليه هو الإشارة إلى بعض النقاط ذات الأهمية العملية التي تواجهنا في حياتنا اليومية وفي نضالنا غير المتكافئ ضد الدولة الصهيونية جميع إفرازاتها. لذلك أفضل استعمال مصطلح "الوعي العربي" بدلا من "العقل العربي" وذلك لأن الوعي هو مقياس لنجاعة أو عدم نجاعة العقل. الوعي يشمل الإدراك والمعرفة ولكنه يشمل أيضا المقدرة على التحليل والاستنتاج ومن ثم اتخاذ موقف وتغيير الواقع.
إذا كان العقل هو الذي يفرز التفكير فأن الوعي هو الذي يدركه ويقيمه ويصحح مساره. من المؤكد أن وعينا الجماعي ليس سوى انعكاس لعقلنا الجماعي. فإذا قبلنا تعريف جون لوك للوعي بأنه إدراك ما يدور داخل العقل، فماذا الذي يمكن أن ندركه إذا كان عقلنا الجماعي يفرز تفكيرا جامدا، يعجز عن مواجهة ابسط التحديات، متقوقع على نفسه يخاف من النور، لا يعرف ما يريده ولا يستطيع أن يحدد أهدافه؟.
إننا نعاني من قلة الوعي في جميع المجالات، ومن الأفضل أن نعترف بهذه الحقيقة المرة. هل نتحلى بوعي اجتماعي؟ إذا كنا كذلك فكيف نفسر القتل على خلفية ما يسمى "شرف العائلة" وكيف نفسر النزاعات الطائفية والعائلية التي تتحكم في تصرفاتنا؟ إننا نطالب العالم أن يعترف بنا كشعب له حقوق طبيعية مغتصبة يناضل من أجل تحقيقها في الوقت الذي لا نستطيع أن نفكر حتى على مستوى مدينة أو قرية، بل تفكيرنا يبقى محصورا في الحارة وداخل الحمولة.
هل يوجد لدينا وعي سياسي؟ إذا كنا كذلك فكيف نفسر انبطاحنا بهذا الشكل المخزي أمام صانعي نكبة شعبنا؟ كيف نفرط بنضال طويل مليء بالشهداء والتضحيات مقابل وعود وهمية.
هل نتحلى بوعي بيئي؟ إذا كنا كذلك فكيف نفسر القاذورات المتراكمة على أرصفة شوارعنا وعدم تقيدنا بأبسط التصرفات للحفاظ على بيئة صحية مثل عدم إلقاء النفايات من نوافذ سياراتنا.
هل تستطيع يدان مشلولتان أن ترفع ثقلا عن الأرض؟ لا طبعا.
هل يستطيع عقل عاجز أن يقوم بمهمة النهوض بالأمة؟ لا طبعا.
من أجل النهوض بالأمة من كبوتها التي طال عليها الزمن نحن بحاجة إلى عقل متمرد، ثوري جامح يشن حربا لا هوان فيها أولا وقبل كل شيء على نفسه، على العادات والتقاليد البالية، على الأفكار المسبقة التي تمنعنا من معرفة حقيقية للعالم من حولنا، على خوفنا من الخروج إلى النور ومواجهة العالم.
وأنا أكتب هذه السطور أتذكر قول أحد الملوك العرب مخاطبا أحد القادة الصهاينة: "بالعقل اليهودي والمال العربي نستطيع أن نحول منطقة الشرق الأوسط إلى جنة". يا للعار.


Tuesday, June 23, 2009

عندما يكون الفكر عقيما تكون السياسة عاقرا



نشر د. عمر سعيد مقالا مطولا بعنوان: "عندما يحدث طلاق السياسة من الفكر" تناول فيه علاقة العمل السياسي وخصوصا على ساحتنا المحلية بالفكر النقدي. وتوصل إلى نتيجة مفادها أنه يوجد طلاق بين الاثنين. مما لا شك فيه أن موضوع المقال على درجة عالية من الأهمية وكان من المفروض فتح هذا الملف منذ وقت بعيد على ضوء الأوضاع المزرية للفكر العربي وللسياسة العربية على الساحة المحلية والقومية. المشكلة في مقال د. عمر سعيد، كما سأحاول أن أوضح لاحقا أنه لم يتجرأ على وضع الإصبع على الجرح واكتفى بخدش الموضوع من الخارج ولاعتبارات حزبية ضيقة تقاعس عن المضي قدما بما اقترحه هو ذاته.
يبدأ الخلل بالعنوان. لكي يكون هناك طلاق يجب أن يسبق ذلك زواج. وأنا ازعم أن السياسة والفكر في عالمنا العربي لم تربطهما هذه العلاقة ابدآ. وأكثر من ذلك، حتى علاقة حب غير شرعية عابرة لم تكن بينهما.
يصف الكاتب في بداية المقال بأن الثقافة العربية تعاني من تصلب في العروق وانسداد في الشرايين وذلك بسبب غياب الممارسات الفكرية النقدية الجريئة التي تتصدى للبنى الاجتماعية والثقافية المتهتكة. يبدو الكاتب من خلال هذا الوصف متفائلا بعض الشيء، فالتصلب في العروق وانسداد الشرايين لم يعد ذلك المرض الخطير مع تطور الطب الحديث. ما تعاني منه السياسة العربية والفكر العربي أخطر من ذلك بكثير. إنهما بدون مبالغة يعانيان من فقدان المناعة المكتسبة.
أوافق الكاتب انه يوجد هناك تضخم مشوه لقيمة وفعالية العقل السياسي النفعي على حساب الفكري والمعرفي. ولكن هذا لا ينبع من الفوضى الفكرية العارمة ومن الاضطراب الأخلاقي لمصطلحاتها حيث أن هذه الأمور ذاتها ليست سوى أشكال ونتاج للسياسة النفعية وعلينا أن نبحث عن أسبابها في انعدام الفكر النقدي الخلاق.
يذكر الكاتب ثلاثة أمور تميز ساحتنا الثقافية والسياسية المحلية ويحاول أن يجد تبريرا لبعضها. أولا: مقاومة الطمس والاحتواء الصهيوني. ثانيا: القطيعة الثقافية مع الامتداد العربي. ثالثا: الصراع بين الحداثة والأصالة.
من غير الاستخفاف بأهمية وخطورة هذه الأمور إلا أن استعمالها كمبررات لوضعنا البائس ما زالت الطريق طويلة وإلقاء المسؤولية على طرف معين وإعفاء الآخرين منها هو في حده الأدنى يفتقد للمصداقية وبعيد عن الجرأة الفكرية التي يطالب الكاتب نفسه بها.
هيمنة خطاب حزبي واحد على ساحتنا المحلية على الصعيدين السياسي والثقافي، والمقصود هنا الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كان له دور فعال في الاحتواء الصهيوني. فقد ظهر هذا الحزب وكأنه مصاب بنوع من انفصام الشخصية. فمن جهة هو يعرف نفسه بأنه" حزب الوطنية الإسرائيلية" ومن جهة أخرى يعتبر نفسه جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية. وهو يقبل بإسرائيل كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره ويحتفل بذكرى استقلال هذا الكيان ومن جهة أخرى يشارك في إحياء النكبة الفلسطينية. هذه السياسة وهذه الممارسات غير مبنية على ايدولوجيا "علمية" وعلى تحليل "تاريخي" كما يسخر الكاتب مشيرا إلى النظرية الماركسية، بل على العكس من ذلك: هذه السياسة والممارسات مبنية على تخلي الحزب عن الايدولوجيا العلمية وعن التحليل التاريخي للواقع. التحريفية سيطرت على هذا الحزب قبل عام النكبة بوقت طويل.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ويضع مصداقية الكاتب على المحك هو: بعد كسر هيمنة الخطاب الحزبي الواحد هل أصبح وضعنا أحسن؟ وهل الحزب الذي ينتمي إليه الكاتب شكل البديل المطلوب؟
لقد كنا نعيش في وهم المعرفة وما زلنا نعيش في وهم المعرفة. كل ما فعلناه هو تغيير وهم بوهم آخر. بماذا يختلف الكلام عن حل الدولتين عن الكلام عن الدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها إذا كانت الكنيست الصهيوني هي الطريق لجميع هذه الحلول. هل يوجد حقا فرق بين عضو كنيست ينتمي للحزب الشيوعي الإسرائيلي وللأحزاب العربية الأخرى؟ كلهم في الاسرلة سواء ولا يغير هذه الحقيقة كبر العلم الفلسطيني المرفوع في المظاهرات ولا الكلام المنتفخ عن القومية العربية. الكنيست توحدكم جميعا.
وعندما أفلست الايدولوجيا "العلمية" و"التاريخية" ودخلنا إلى عصر حوانيت الجمعيات الممولة بسخاء خارجيا هل أصبح واقعنا الثقافي أفضل؟ هل إيديولوجيا "التصور المستقبلي" و "الدستور الديمقراطي" و"وثيقة حيفا" أفضل؟
مصيبتنا لا تكمن فقط بأننا نعيش وهم المعرفة وليس المعرفة نفسها بل نميل دائما إلى تصديق ما هو جاهز والى تقبل الأشياء مسلمة. ما يقوله الحزب هو الصحيح وغيره خاطئ. وطبعا في مشهدنا المحلي يمكن دائما اختزال الحزب بزعيمه.
إذن، كسر هيمنة الحزب الواحد، وهيمنة الخطاب الواحد لم تقودنا إلى التعددية كما نعلل أنفسنا بل إلى الشرذمة والى المزيد من الشرذمة.
الانقطاع الثقافي عن العالم العربي كعامل في أزمة الثقافة المحلية هو موضوع واسع لا مجال للخوض به هنا. ولكنني أكتفي بالقول أن المأزوم لا يستطيع أن يخلص غيره من أزمته. الفكر النقدي العربي في حالة يرثى لها ومعظم من يطلق عليهم "مفكرون" أو يطلقون على أنفسهم هذا الاسم نراهم ليسوا أكثر من موظفين في القنوات الرسمية العربية أو مفكري بلاط على غرار شعراء البلاط القدامى.
وأخيرا أود أن أتطرق باختصار إلى مسالة الحداثة والأصالة والى غرامنا المفرط بالتراث واعتباره المركب الأهم في هويتنا الوطنية في مواجهة الاحتواء الصهيوني. أولا وقبل كل شيء أقول: إذا أردنا اللحاق بركب التاريخ يجب أن نلقي على الأقل ب90% من "تراثنا" إلى مزبلة التاريخ. يجب أن نقبر هذا التراث ونتابع المسير وإلا بقينا خارج الحضارة. فقط من حاضره تعيس ومستقبله أتعس يهرب للجوء إلى ماضيه ويكرر المقولة الممجوجة: من لا ماض له لا مستقبل له. حضارة الشعوب تقاس بالتقدم الذي تنجزه، أي بمدى التغيير الذي تحققه وليس بمدى ركودها وتحجرها. الشعب الذي يتقدم هو الذي يصنع التاريخ والشعب الذي يراوح مكانه سيجد نفسه عرضة للقمع والعبودية. الهوية، ذلك الشعار السحري يجب أن نفككه إلى مركباته الأولية ونتخلى عن كل مركب فقد تاريخ صلاحيته بدون رحمة. أليس ما حدث في شفاعمرو مؤخرا ومن قبل في المغار والناصرة وغيرها هو جزء من تراثنا؟ هو جزء من هويتنا؟ فلماذا نذرف دموع التماسيح الآن.
من أجل النهوض بالفكر النقدي، من أجل الارتقاء بثقافتنا الوطنية من الحضيض ووضعها في مصاف الحضارة الإنسانية التقدمية يجب أن نهزم أولا ذلك الوهم المعرفي الذي نعيش فيه. يجب علينا تحطيم العديد من الأصنام التي نعبدها.
من أجل ذلك نستطيع أن نبدأ بخطوة بسيطة كل واحد في فينا يستطيع أن يخطوها وهي أن نضع كل شيء موضع سؤال من غير أن ننزلق إلى وهم وكأننا نملك أجوبة نهائية. في خضم هذا الصراع الثقافي الشاق والطويل عينا في الوقت نفسه أن نتعلم العيش رغم اختلاف الآراء الأفكار من الخلال الحرص على حرية الفكر من جهة والتسامح من جهة أخرى.

Wednesday, June 17, 2009

الخطاب المفقود

في بداية الشهر حبس العالم العربي والإسلامي أنفاسه وهو يستمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي الجديد براك أوباما من على منصة جامعة القاهرة أمام حوالي 2500 شخص وببث مباشر إلى الملايين عبر كافة الفضائيات الإخبارية العربية. في هذا الخطاب أراد اوباما أن يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالمين العربي والإسلامي. نحن هنا لسنا بصدد تحليل هذا الخطاب أو تقييمه ولكن والحق يقال أن أوباما استطاع من خلال بعض عبارات المجاملة حول تاريخ الإسلام المضيء ودوره ومكانته في أمريكا ومن خلال الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم في عدة مواقع من خطابه ومن خلال بعض الأفكار العامة غير الملزمة، أن يكتسح العالم العربي والإسلامي. وتحولت أمريكا بين ليلة وضحاها إلى أعز صديق للعرب وللمسلمين.
قلت قبل وبعد خطاب أوباما في القاهرة أنه إذا أراد أوباما أن يحسن صورة أمريكا عند العرب كان عليه قبل قدومه أن يسحب كافة جنوده من العراق والافغانستان وأن يعوض هذين البلدين عن الخسائر (التي لا تعوض) التي سببها الجيش الأمريكي. وعليه أيضا إغلاق كافة القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية ويتوقف عن دعم الأنظمة الفاسدة. وإذا أراد أن يحسن صورته وصورة بلاده عند الشعب الفلسطيني عليه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وسحب الاعتراف بها ككيان غير شرعي ومساعدة الشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه وخصوصا تحرير الأرض والعودة. وعدم الاكتفاء باجترار التزامه بإقامة دولة فلسطينية هلامية لا أحد يعرف حدودها أو مكوناتها.
طبعا أتهمت حتى من قبل أقرب المقربين بالمبالغة والمزاودة إذ لم يخلق حتى الآن الزعيم الأمريكي الذي يحلم بمثل ذلك. ونصحوني أن أرى النصف المليء من الكأس وليس النصف الفارغ. إنها مجرد نقطة ماء عالقة في قاع ألكاس ليس إلا ولكن ما العمل ونحن كما يقول مثلنا الشعبي: نغرق في شبر من الماء.
على كل حال، إذا كان هناك شيء ايجابي في خطاب أوباما فأنه يكمن في الخطاب نفسه، أي بوجود رئيس أمريكي يقوم بدوره.
في منتصف الشهر ذاته، أي في بداية هذا الأسبوع وبالتحديد في 14 يونيو وقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على منصة جامعة أخرى هي جامعة بار أيلان المعروفة بانتمائها لليمين الإسرائيلي المتطرف وألقى خطابا شرح به موقفه وموقف حكومته ليس فقط من خطاب أوباما بل مما يسمى المسيرة السلمية بشكل عام. مرة أخرى حبس العالم العربي أنفاسه ليستمع الى هذا الخطاب.
بعد المقدمة التي سردها في تزييف التاريخ وإلقاء التهم على الضحية وهو الشعب الفلسطيني أراد أن يظهر بمظهر رجل السلام. فهو يشارك الرئيس اوباما رؤيته ورؤية "العالم الحر" بموافقته على قيام دولة فلسطينية. فهو لا يريد السيطرة على الشعب الفلسطيني، إنه يريد فقط دولة منزوعة السلاح توجد بها شرطة لقمع المواطنين الذين يفكرون بالمقاومة، دولة لا تملك السلطة على أجوائها ولا على حدودها ومعابرها. دولة تتقبل الكتل الاستيطانية وتهويد القدس وتعترف بها كعاصمة أبدية لإسرائيل. وتعترف بها كدولة الشعب اليهودي.
"العالم الحر" وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة براك أوباما رحبت بهذا الخطاب وإعتبرته خطوة إلى الامام في الطريق السلام المنشود. أحد القادة الأوروبيين صرح بطريقة بائسة تدعي إلى السخرية: "لقد ذكر نتنياهو في خطابه كلمة دولة وهذا أمر إيجابي".
العالم العربي والإسلامي صمت مثل أهل القبور، بعض الأصوات الفلسطينية الهزيلة تحتج هنا وهناك.
أين الخطاب العربي؟؟
العرب، المشهورين بالخطابات منذ العصر الجاهلي مرورا بالعصور الإسلامية المتعاقبة وحتى يومنا هذا لماذا عقد لسانهم؟
للتذكير فقط، كان الخطيب في العصر الجاهلي بمثابة وزير إعلام القبيلة يقدم النصح والإرشاد والمفاخرة ويمثل قبيلته في مقابلة الملوك. وما زلنا حتى اليوم نردد خطب قس بن ساعدة وسهل بن عمر ولبيد بن ربيعة. وجاء الإسلام وجعل من الخطابة فنا ومهنة. فلو لم يكن هناك خطباء لما أنتشر الإسلام في أصقاع الأرض وما زلنا نردد خطبة الوداع وخطب علي بن أبي طالب. وبعد نشوء الأحزاب والحركات الإسلامية كان لكل منها خطيب خاص دخل التاريخ الاسلامي من خلال خطبه فهذا الحسين بن علي والحجاج بن يوسف وزياد بن أبي سفيان والكثيرون غيرهم على مر العصور، بزوا الخطيب الاغريقي باركليس وتركوا الخطيب الروماني شيشرون في الخلف. هذا ناهيك عن خطب الجمعة التي أصبحت جزءا من الصلاة في كافة الجوامع. والآن لا يوجد أحد يرد على خطابي أوباما ونتنياهو بخطاب؟
أين شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي الذي بعث الدعوات للاستماع لخطاب اوباما باسمه وباسم رئيس جامعة القاهرة؟ إذا عجز المرء في مرحلة معينة عن استرداد حقه السليب بالقوة فقد يعذر، ولكن أن يعجز حتى عن الكلام؟ فهذا لا عذر له إلا إذا كان ميتا.

Tuesday, June 02, 2009

الانتصار الاخير


علي زبيدات – سخنين

في صباح الخامس من حزيران عام 1967 شنت القوات الإسرائيلية هجوما مفاجئا على 3 دول عربية. خلال ساعات قليلة من اليوم الأول كانت الطائرات الإسرائيلية قد دمرت معظم الطائرات المصرية وأخرجت سلاح الجو المصري من المعركة تماما وأبقت القوات البرية المصرية بدون حماية فريسة للنيران الإسرائيلية المنهمرة من الجو والبر وشقت الطريق السريعة أمام القوات الإسرائيلية للوصول إلى قناة السويس بعد احتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. بعد ذلك وجهت ضربة للجيش الأردني واحتلت القدس الشرقية وباقي الضفة الغربية. وهكذا وقعت فلسطين التاريخية بأكملها تحت الاحتلال الإسرائيلي. وفي الأيام الأخيرة من هذه الحرب الخاطفة استفردت بالقوات السورية وقامت باحتلال هضبة الجولان.
مما لا شك فيه أن هذه الحرب كانت من الناحية العسكرية انتصارا يصعب تصديقه يكاد التاريخ الحديث لا يعرف شبيها له.
قبل هذه الحرب كانت إسرائيل قد حققت انتصارين عسكريين: الأول في حربها عام 1948 حيث استولت على 78% من فلسطين وشردت شعبها ونهبت أرضه والانتصار العسكري الثاني كان في عام 1956 من خلال العدوان الثلاثي على مصر حيث احتلت قطاع غزة وسيناء ولكنها أرغمت على الانسحاب منهما بعد عدة أشهر.
لقد أطلق العرب على هذه الحرب ونتائجها أسم النكسة التي انضمت إلى شقيقتها، النكبة التي ولدت عام 1948. وفي أعقابها تغيرت الإستراتيجية العربية من شعار: إزالة مصدر العدوان، أي القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين إلى شعار: إزالة آثار العدوان أي تحرير المناطق التي احتلتها إسرائيل في هذه الحرب.
في الذكرى ال42 لحرب حزيران، لست بصدد دراسة وتحليل هذه الحرب، فقد كتب الكثير في هذا المجال وسوف يكتب المزيد حاليا ومستقبلا وأكتفي برصد الخطوط العريضة للتحولات التي طرأت على المنطقة في أعقاب هذه الحرب وكنتيجة مباشرة وغير مباشرة لها.
الأمر الأول الذي يلفت النظر أن هذه الحرب كانت بالنسبة لإسرائيل، من الناحية العسكرية انتصارا كبيرا ولكنها في الوقت نفسه كانت الانتصار الأخير. حيث شنت بعدها خمس حروب كبيرة وهي حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 والحرب اللبنانية الأولى عام 1982 والثانية عام 2006 والحرب الأخيرة في غزة عام 2008، هذا بالإضافة إلى العديد من المعارك الأخرى بدءا من معركة الكرامة والاعتداءات المتكررة على لبنان ومحاولات قمع الانتفاضة الأولى والثانية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا حتى هذه الحرب كانت إسرائيل تحقق الانتصارات وبعدها إما أنها لم تحقق نصرا يذكر وإما أنها كانت تهزم؟ هل طرأ انقلاب في موازين القوى العسكرية؟ هل ضعفت إسرائيل عسكريا وبالمقابل ازدادت قوة الجيوش العربية؟ الجواب هو كلا، لا هذا ولا ذاك. ميزان القوى العسكري ما زال في صالح إسرائيل فبالإضافة إلى أنها ما زالت تملك أقوى سلاح جوي في المنطقة وتمتلك أكثر الأسلحة تطورا فأنها تمتلك كمية هائلة من أسلحة الدمار الشامل ومن ضمنها الأسلحة النووية. بالمقابل ما زالت الجيوش العربية الرسمية تعاني من الضعف والتخلف على كافة الأصعدة. إذن ينبغي أن نبحث عن السبب في مكان آخر.
لقد كشفت حرب حزيران 1967 أن الجيوش العربية مجتمعة غير مستعدة وعاجزة عن مواجهة إسرائيل وأكثر من ذلك: كانت تفتقر إلى ابسط الخطط العسكرية هذا بالإضافة إلى نقص بالأسلحة والتدريب والكفاءات والقيادة السليمة. لقد كانت الجيوش العربية مرآة لأنظمتها الفاسدة والمتخلفة. بالمقابل كانت إسرائيل تتمتع بالتفوق العسكري وخصوصا التفوق المطلق لسلاحها الجوى وكانت على تمام الاستعداد لخوض الحرب وامتلاكها للخطط العسكرية هذا بالإضافة إلى الدعم الأجنبي وخصوصا الأمريكي والأوروبي وكذلك استغلالها لحرب إعلامية ونفسية ناجعة. هذه الصورة لم تتغير جذريا حتى الآن وبالرغم من ذلك تعجز إسرائيل من تحقيق النصر، والسؤال لماذا؟
ما عدا الحربين الاولتين اللتان تلتا حرب حزيران، أي حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 لم تخض إسرائيل الحروب ضد الجيوش العربية الرسمية، بل ضد حركات مقاومة تحظى بعمق جماهيري وفي كثير من الحالات كان الجماهير هي القوة الأولى. هذا التحول الجوهري في مضمون الصراع عمل على تحييد قسم كبير من التفوق الإسرائيلي العسكري ومن جهة أخرى أتاح الفرصة لإشكال مختلفة ومتنوعة من النضال.
الأنظمة العربية وجيوشها الرسمية قد خرجت نهائيا من دائرة الصراع خصوصا بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وما يسمى بمبادرة السلام العربية. هذه الأنظمة مهزومة عسكريا وسياسيا وما زالت. الصراع اليوم يتمحور بين إسرائيل كدولة كولونيالية وبين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. والشعوب التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها قد تتكبد الخسائر الفادحة وتقدم التضحيات الجسيمة وقد تتراجع هنا وهناك ولكنها لا تقهر.
قوة إسرائيل العسكرية قد تفيدها في شن الحروب على الدول المجاورة التي خرجت من دائرة الصراع أصلا بالرغم من الدعاية الاسرائيلية ولكنها لن تفيدها في حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد. اليوم تدفع إسرائيل ثمن غطرستها ونشوتها من انتصارها الكبير ولكن الأخير.

Wednesday, May 20, 2009

آداب الزيارة الى واشنطن


علي زبيدات- سخنين

للزيارة في التراث العربي مكانة خاصة. خصوصا زيارة الاصدقاء والاقارب والمعارف. فهي تعمق الصداقة وتحافظ على التواصل وتنقي الاجواء. ولكل زيارة آدابها. فالزيارة في المناسبات السعيدة تختلف عنها في المناسبات الحزينة، وزيارة المريض تختلف عن الزيارة من أجل المتعة والترفيه. ولكن بالرغم من تنوع المناسبات يمكن الاشارة الى بعض الآداب العامة للزيارات. مثلا، من الضروري إختيار الوقت المناسب للزيارة إذ من غير المعقول أو المقبول أن تفرض الزيارة في وقت غير ملائم للطرفين. ومن آداب الزيارة الاستئذان مسبقا وفي المصطلحات الدبلوماسية الحديثة تسمى الاعداد للزيارة. ومن آداب الزيارة أن تحمل في طياتها النوايا الحسنة من ترحيب وحسن استقبال. واخيرا من آداب الزيارة عدم الاطالة (ثقل الدم والظل) وعدم الاكثار.
لا أدري كيف أصنف زيارات الزعماء العرب الى واشنطن لمقابلة الرئيس الامريكي الجديد وهل ثمة آداب خاصة بها؟ . فهم بين خائف ومتردد ومتحمس. يبدو أن زيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو قد انقذتهم من هذه الورطة. وللوهلة الاولى يبدو لمتتبع هذه الزيارة وكأن نتنياهو هو مبعوث جامعة الدول العربية الى واشنطن. في الشهر الماضي، بعد أحد مؤتمرات القمة، اوفدت الدول العربية والاسلامية الملك عبدالله، ملك الاردن الى واشنطن لكي يمثلها ويحث الرئيس الامريكي الجديد على مواصلة المساعي السلمية بين الدول العربية وإسرائيل. إلا أن هذه الزيارة لم ترتقي الى مستوى الحدث وسرعان ما طواها النسيان ولم تتمخض عن أية نتائج عملية أو سياسية.
أما زيارة نتنياهو الى واشنطن فإنها محط أنظار العالم وخصوصا الانظار العربية. في الحقيقة موقف الزعماء العرب مثير للشفقة. فهم يخدمون أمريكا أضعاف ما تقدمه اسرائيل من خدمات لها. بالاضافة الى انهم أكثر طاعة وإستكانة. ومع ذلك لا يحظون حتى بنسبة ضئيلة من الترحاب والاحترام الذي يحظى به نتنياهو المشاكس.
حمل نتنياهو معه الى واشنطن السياسة الاسرائيلية القديمة-الجديدة لحكومته. وعبر عنها بشكل واضح لا يقبل التأويل الا عند الزعماء العرب. فبدل أن يكرر كذبة موافقة اسرائيل على إقامة دولة فلسطينية كما جرت العادة من أيام رابين مرورا بشارون وبراك واولمرت تجاهل الموضوع نهائيا وأكتفى بالقول: يستطيع الفلسطينيون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. وهو على كل حال موضوع ثانوي إذا ما قورن بمهمته الاولى وهي مواجهة الخطر الايراني بمساعدة امريكا ومعسكر الاعتدال العربي. وبخلاف رؤساء الحكومة الاسرائيلية السابقين الذين أكدوا في زياراتهم المتكررة لواشنطن التزامهم بوقف الاستيطان ومواصلته حال عودتهم، أكد أن الاستيطان مسألة اسرائيلية داخلية.
يكاد الزعماء العرب يخرجون من ملابسهم فرحا من مواقف اوباما خلال هذه الزيارة. فقد أكد على تمسكه بحل الدولتين. مرحى، وما الجديد في ذلك؟ ألم يتمسك بوش ومن قبله كلنتون بهذا الحل؟ فماذا كانت النتيجة؟ وطالب اوباما بوقف الاستيطان، وهذا ايضا ليس بالامر الجديد، ألم ينص مؤتمر أنابولس ومن قبله خارطة الطريق الامريكية على ذلك؟ المطالبة بوقف الاستيطان شيء ووقفه على ارض الواقع هو شيء آخر. ولكن يبدو أن هذه الحقيقة تتجاوز مقدرة الزعماء العرب على الاستيعاب. فالاستيطان منذ البداية لا يمكن أن يتم من غير مليارات الدولارات التي تمنحها امريكا سنويا لإسرائيل.
نتنياهو يزور واشنطن كصديق، يستقبل بحرارة ليس فقط من قبل اللوبي الصهيوني المتنفذ بل أيضا من قبل الغالبية العظمى من أعضاء السنات الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء. أما الملك عبدالله فقد زار واشنطن كمتسول وفي الاسبوع القادم يزورها متسول عربي آخر هو محمود عباس.
من كان يظن أن "مبادرة السلام العربية" هي نهاية التنازلات العربية حيث قدمت تطبيع العلاقات بين الدول العربية وأسرائيل على طبق من ذهب بعد تصفية القضية الفلسطينية بحجة حلها، فهو مخطئ. التنازلات مستمرة. وقد استطاع نتنياهو أن يقنع أوباما بضرورة تقديم المزيد من التنازلات وخصوصا فيما يتعلق بقضية عودة اللاجئين. يجب توطين اللاجئين قبل التوصل الى اية تسوية وعلى الفلسطينيين أن يعترفوا بيهودية الدولة لسد اية ثغرات مستقبلية لعودتهم. زيارة عباس الاسبوع القادم تأتي في هذا السياق هدفها تقديم المزيد من التنازلات حتى يتسنى لأوباما القدوم الى القاهرة لكي يعلن مبادرته الجديدة للسلام التي تقوم على اساس "مبادرة السلام العربية" المعدلة.
في خضم مفاوضات أوسلو صرح الرئيس الفلسطيني السابق عرفات بعد زيارته للبيت الابيض انه قد وجد في البيت الابيض صديقا للشعب الفلسطيني هو بيل كلنتون. وكلنا يعرف ما فعله هذا الصديق لتصفية القضية الفلسطينية وتصفية الرئيس نفسه، فهل يجد محمود عباس صديقا جديدا للشعب الفلسطيني في البيت الابيض؟
الحلف الامريكي- الاسرائيلي – الرجعي العربي هو ليس شعارا أكل الدهر عليه وشرب من مخلفات مرحلة منقرضة، بل هو حقيقة راهنة، وعلى شعوب المنطقة أن تبقى متيقظة ومستعدة لمواجهته ودحره.

Wednesday, May 13, 2009

61 عاما على النكبة بين الشرعية واللاشرعية


العلاقة بين المطلق والنسبي هي علاقة جدلية في غاية التعقيد يحكمها قانون وحدة وصراع الاضداد. فعندما نقول:كل شيء نسبي فإننا نقول في الوقت نفسه: كل شي مطلق. هذا لا يعني فقط أن احدهما قد يتحول الى الآخر حسب الزمان والمكان واالظروف بل يعني أيضا أن المطلق موجود داخل النسبي والعكس هو صحيح وأن الفرق بين المطلق والنسبي هو في حد ذاته نسبي حسب كافة المعايير المنطقية.
العلاقة بين الهزيمة والانتصار تجسد هي أيضا قانون وحدة وصراع الاضداد. فكم من إنتصار يكون أسوأ من هزيمة، وكم من هزيمة تحمل في أحشائها بذور الانتصار؟ الهزيمة قد تكون أم الانتصار كما قد يكون الانتصار أب الهزيمة. قد يخوض المرء عدة معارك ويخسرها ولكنه يربح الحرب وقد يحدث عكس ذلك تماما.
أسوق هذه المقدمة النظرية لكي أدخل صلب الموضوع وهو مرة أخرى الذكرى ال61 لنكبة فلسطين. قبل أسبوعين قامت جماهيرنا بإحياء هذه الذكرى بمسيرة العودة الثانية عشر لقرية الكفرين المهجرة تحت شعار: "يوم إستقلالهم هو يوم نكبتنا" حيث كانت دولة إسرائيل في اليوم ذاته، تحتفل بيوم"إستقلالها" حسب التقويم العبري.
لا اريد هنا التطرق الى هذه المسيرة التي كانت حسب رأيي هزيلة من حيث التنظيم والمضمون، بل من أهزل مسيرات العودة حتى اليوم، إذ عبرت عن رايي هذا في حينه. لذلك إخترت التقويم الميلادي المتعارف عليه لتناول جوانب أخرى من هذه الذكرى تتجاهلها عادة مسيرات العودة التي لا تتجاوز عملية رد الفعل التي يوحي اليها شعارها الرئيسي.
في يوم الجمعة، الساعة الرابعة بعد الظهر في 14 ايار ن عام 1948 وقف دفيد بن غوريون في تل ابيب يتلو ما يسمى بوثيقة الاستقلال ويعلن قيام دولة إسرائيل. وكان ذلك عدة ساعات قبل إسدال الستار على الانتداب البريطاني المقررفي منتصف الليل من اليوم نفسه.
بعد مرور أكثر من قرن من قيام الحركة الصهيونية ( المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897) ومرور 61 عاما على تحول هذه الحركة الى دولة نستطيع أن نقيم، بما تسمح به مقالة صحفية قصيرة، هل حققت هذه الحركة – الدولة إنتصارا ساحقا (مطلقا) أم أن إنتصارها كان نسبيا؟ أم أنها هزمت او انها في طريقها الى الهزيمة في تحقيق أهدافها المعلنة؟ هل الشرعية الدولية التي حظيت بها هي شرعية حقا أم غير شرعية؟
مما لا شك فيه أن الحركة الصهيونية إستطاعت أن تحقق إنجازات هامة إستطاعت أن تغير وجه التاريخ في منطقتنا. يكفي أن نذكر هنا وعد بلفور الذي منحها حق الاستيطان في فلسطين بمساعدة دولة عظمى في حينه هي بريطانيا. ومن ثم الانتداب الصادر عن عصبة الامم الذي كان هدفه المعلن هو تنفيذ وعد بلفور وأخيرا قرار التقسيم الذي إتخذته الامم المتحدة.
إلا أن هذه الانجازات بالرغم من أهميتها وخطورتها فإنها لم ترتق الى درجة الانتصار المطلق. حيث بقيت الحركة الصهيونية حركة هامشية حتى بين اليهود أنفسهم الذين فضلوا الهجرة الى أوروبا وأمريكا وكانت الحركة الصهيونية بحاجة الى النازية وجرائمها وإستغلالها الى أقصى الحدود لكي تستطيع جلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم الى فلسطين. وكل ما إستطاعت الحركة الصهيونية فعله بعد أكثر من قرن من نشاطها المكثف هو جلب حوالي ثلث يهود العالم. وهذا يعني من منظور تاريخي فشلا أكثر من أن يكون نجاحا إذا علمنا أن مبدأ الصهيونية الاول كان ولا يزال جلب كافة يهود العالم الى فلسطين.
بالاضافة الى ذلك فإن شرعية وعد بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم هي شرعية نسبية جدا قد تحولت الى ضدها بسبب الرفض الفلسطيني الشعبي لها، وهو صاحب القضية والقرار. وقد شعرت الدولة الوليدة بذلك، وتبين لها أن الشرعية الدولية التي حصلت عليها لا تساوي شيئا إذا لم تنل الشرعية العربية والفلسطينية. وهنا يجب أن نعترف أن دولة إسرائيل هنا أيضا حققت إنجازات كبيرة عملت على تغيير وجهة المنطقة. عندما صدر قرار التقسيم عام 1947 كان الحزب الشيوعي الاسرائيلي هو الحزب الوحيد الذي أعترف بشرعية الدولة وبسبب موقفه هذا أفلس جماهيريا ونبذ على الصعيدين الوطني والقومي ووجد نفسه في خندق واحد مع الاحزاب الصهيونية ومع المتعاونين معها من الفلسطينيين. ولكن لاحقا بدأ الشرخ يتسع خصوصا بعد حربي 1967 و1973. وجاء الاختراق الاكبر في إتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت أكبر دولة عربية وهي مصر من دائرة الصراع ومن ثم ضم الاردن في أعقاب إتفاقيات وادي عربة. إلا أن الاختراق الاخطر كان في إتفاقيات اوسلو حيث إنخرط قسم كبير من أصحاب القضية المباشرين في تسوية منحت الدولة العبرية شرعية تفوق كل ما تقدم. وشارك بها أحزاب وتنظيمات "قومية" و"وطنية" رفضت إتفاقيات أوسلو شكلا وقبلت بها روحا ونهجا وأخذت تنظر لدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها أو صيغ غامضة من الدولة الديموقراطية العلمانية. وأخيرا جاءت "مبادرة السلام العربية" لكي تقدم الشرعية على طبق من ذهب للدولة التي قامت على أسس لا شرعية حسب كل المعايير الدولية والانسانية والاخلاقية.
للوهلة الاولى يبدو وكأن دولة إسرائيل قد حققت حلمها الابدي بعد أن حصلت على الشرعية الدولية والعربية والفلسطينية.ولكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. فإن جميع هذه "الشرعيات" نسبية ومزيفة وهي في نهاية المطاف لاشرعية. فبعد اكثر من 30 سنة على توقيع معاهدة "السلام" بين اسرائيل ومصر ما زال الشعب المصري بكافة طبقاته الاجتماعية يرفض الاعتراف بهذه الدولة والتطبيع معها وعندما يزول النظام القائم سوف تزول "شرعيته" معه. كذلك الشعب الاردني وبعد أكثر من 15 سنة ما زال في غالبيته يرفض منح اي صبغة شرعية لدولة إسرائيل. أما على الساحة الفلسطينية، فأنه الى جانب نهج أوسلو التسووي ينمو ويترعرع نهج المقاومة الشعبية التي تعتبر إسرائيل كيانا غير شرعي.
الخلاصة هي أن الحركة الصهيونية ومن ثم دولة إسرائيل تحمل جرثومة فنائها في أحشائها وتحمل لاشرعيتها تحت ثوب شرعيتها المهترئ. لاشرعية إسرائيل لا تقوم على الجرائم التي إقترفتها في حق الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة وحتى اليوم من تشريد وتدمير ونهب واستيطان وحسب بل تتعداها الى لاشرعية مبادئها المعلنة، حيث منحت نفسها،وبصورة غير شرعية، حق تمثيل يهود العالم، في الوقت الذي نبذ معظمهم مبادئها. الحركة الصهيونية التي إنبثقت عنها دولة إسرائيل هي في نهاية المطاف حركة سياسية مصيرها كباقي الحركات السياسية من صعود وهبوط، إزدهار وإضمحلال حتى الزوال.
ما نراه اليوم من سيطرة صهيونية على الصعيد المحلي والاقليمي والعالمي ليس أكثر من حالة طارئة، نسبية ومشروطة، تتحول امام نظارنا الى ضدها.

Tuesday, May 05, 2009

من يتابع لجنة المتابعة؟


تناقلت وسائل الاعلام المحلية من جرائد ومواقع انترنت وإذاعات الاسبوع الماضي نبأ "إنتخاب" رئيس جديد للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. وبما أن المسألة غير شخصية فقد إخترت عدم التطرق الى الرئيس الجديد لا من قريب ولا من بعيد. كما تلاحظون، وضعت كلمة "انتخاب" بين هلالين صغيرين. بالطبع لم يكن ذلك من باب الصدفة. فمن لم يكتف بقراءة عنوان الخبر وقرأه كاملا لوجد انه لم يكن هناك لا انتخاب ولا يحزنون ولا حتى أي شكل من أشكال قد يوحي بالانتخابات المتعارف عليها. في الحقيقةلا أدري لماذا استعملت معظم الصحف هذه الكلمة، هل هو من باب السهو أم الخطأ أم العادة أم من باب التمنيات المكبوتة.
بالرغم من مساوئ الانتخابات خصوصا في بلادنا مثل الرشوات والكذب، الذي يسمى دعاية إنتخابية والفساد على الوانه واشكاله الا انها تحدد مسبقا ضرورة وجود مرشحين مختلفين وضرورة وجود جمهور يدلي بصوته وفي بعض الاحيان ضرورة وجود نقاش مستفيض وبرامج عمل، الخ. في حالتنا هذه لم يكن هناك أي غبار من هذا النوع.
ينص الخبر على أن سكرتارية لجنة المتابعة، بجميع مركباتها، عقدت جلسة خاصة وقررت بالاجماع التوجه الى السيد زيدان وتكليفه بهذه المهمة بعد تقليده لقب رئيس لجنة المتابعة العليا. تسربت بعض المعلومات التي تقول أن بعض مركبات اللجنة قد تغيب عن الجلسة وبعضها أبدى تحفظاته. ولكننا نحن كجمهور مثل الطرشان بالزفة لم نسمع لا رأي المتغيبين واسباب تغيبهم ولا أية تفاصيل عن المتحفظين وتحفظاتهم.
اصلا دعوني اتساءل: لماذا أقحمت وسائل الاعلام، على الطريقة الماسونية، عن ذكر أعضاء سكرتارية لجنة المتابعة الذين إجتمعوا ولماذا تسترت على اسماء الوفد الذي ارسل لمهمة التكليف؟
هل تم إنتخاب سكرتارية اللجنة كما تم إنتخاب رئيسها؟ أم هل تم تعيين أعضائها بشكل "توافقي"؟ وفي كلا الحالتين من الذي إنتخبهم ومن الذي عينهم عينهم؟ قد يزعم البعض أن الاحزاب والحركات السياسية هي التي إختارت مندوبيها في هذه اللجنة. بالرغم من عدم إنتمائي لأي حزب أو حركة سياسية إلا أن معلوماتي تؤكد انه لا يوجد هناك اية آلية حزبية أو حركية إنتخبت أو إختارت ممثليها للجنة المتابعة، كل ما في الامر يعود الى قرارات شخصية لبعض المتنفذين في هذه الاحزاب والحركات. والنتيجة تبقى واحدة: للجماهير العربية التي تدعي هذه اللجنة بتمثيلها لا ناقة ولا جمل بتركيبة أو عمل هذه اللجنة لا من بعيد ولا من قريب.
يروج البعض بضاعة فاسدة تقول: أن طريقة التوافق بادرة خير وتعبر عن موقف موحد ومسؤول وهي قادرة على الانتقال من موقف التحدي لسياسة التمييز الى موقف التصدي لها. أذا كان هناك من يصدق هذا الكلام فأنا أحسده على حسن نواياه وعلى طيبة قلبه.
رأيي أن هذا التوافق المزيف هو موقف جبان ولا خير يرجى منه. وأن الوحدة التي يتغنون بها ليست سوى قناع هش أضعف من بيت العنكبوت، ولم ترتق لجنة المتابعة في افضل اوقاتها الى درجة التحدي فكم بالاحرى الى مرحلة التصدي؟ لقد آن الاوان أن ننزل عن الشجرة العالية التي تسلقناها وأن نتخلص من شعاراتها الرنانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
مما لا شك فيه أن أوضاع جماهيرنا مأساوي لا تختلف جذريا عن أوضاع باقي جماهير شعبنا في كافة أماكن تواجده وهي بحاجة الى قيادة حكيمة ومخلصة ومناضلة تقود نضالها من أجل الحرية على ارضها، تدافع عن حقوقها المشروعة وتتصدى للسياسات الاسرائيلية الغاشمة. ولكن هل من الممكن أن تكون لجنة المتابعة بتركيبتها الحالية وبطريقة إختيار مؤسساتها ورئيسها وبغياب أي أفق نضالى عن عملها مرشحة للإرتقاء بالعمل الجماهيري الى المستوى المطلوب؟ للقيام بالدور التي تنسبها الى نفسها؟
في البيان الذي أصدرته سكرتارية لجنة المتابعة لكي تبشرنا ب"إنتخاب" رئيس جديد لم تنس أن تذكر طبعا ضرورة "إعادة تنظيم وبناء لجنة المتابعة". هذا الشعار الذي تتمسك به بعض الاطراف المكونة للجنة منذ سنوات طويلة ولكنها لم تتقدم حتى الآن قيد انملة، يذكرني بشعار آخر يعاني منه باقي جماهير شعبنا الفلسطيني وهو شعار: "إعادة تنظيم وبناء منظمة التحرير الفلسطينية". إسألوا أي مقاول عمار فأنه يسديكم النصيحة التالية: إذا لم تستطع ترميم بيتك الايل الى السقوط فمن الافضل أن تهدمه وتبني بيتا جديدا على أسس راسخة متينة.

Wednesday, April 29, 2009

النكبة بين الذاكرة والذكرى والفعل




كما أن بعض الاحداث قادرة على تغيير حياة شخص بصورة جذرية هناك أحداث قادرة على تغيير حياة شعب باكمله بصورة جذرية. مما لا شك فيه أن أحداث عام النكبة والنتائج التي تمخضت عنها قد غيرت حياة الشعب الفلسطيني الى درجة خروجه أو إخراجه عن مسار تطوره التاريخي الطبيعي والإلقاء به في خضم الصراع من أجل البقاء في ظروف قاسية اقل ما توصف به انها تفوق قدراته الطبيعية.
انا الآن لست بصدد تحليل أحداث النكبة وتحديد مسبباتها ونتائجها، فقد كتب الكثير في هذا المجال، والكثير مما هو ضروري لم يكتب بعد.اردت فقط أن الفت الانتباه الى بعض الظواهر السلبية التي لصقت بهذه الذكرى وتلقي بضلالها السلبية الى إمكانية عودة الشعب الفلسطيني الى حياته الطبيعية ككل شعوب الارض.
بالنسبة لنا كجماهير فلسطينية وقعت تحت الاحتلال منذ عام 1948 وبقيت منغرسة على ارضها بالرغم من كل سياسات التهجير من جهة والتهويد من جهة اخرى، هناك ثلاثة أحداث كونت ذاكرتنا الجماعية حتى أصبحت مكونا هاما في هويتنا الوطنية والتي ما زالت تربطنا بباقي جماهير شعبنا الفلسطيني والعربي. هذه الاحداث هي: عام النكبة ويوم الارض وإنتفاضة الاقصى. وليس من باب الصدفة أن تقوم جماهيرنا، بغض النظر عن إنتماءاتها الحزبية ومشاربها الاجتماعية، سنويا بإحياء ذكرى هذه الاحداث بالرغم من النواحي السلبية التي رافقتها مع مرور الزمن.
الذاكرة الجماعية التي تنغرس عميقا في وجدان وعقل الجماهير هي سلاح ضروري في الصراع من أجل البقاء والوجود لكل شعب. ولكن آفة هذه الذاكرة أنه قد يعلوها غبار الزمن وتتعرض للتشوية والاضمحلال.
حسب رأيي، أكبر خطر تتعرض له الذاكرة الجماعية هو تحولها الى مجرد ذكرى وتبتعد عن دائرة الفعل الخلاق الذي يجعل من الذاكرة نبراسا لنضال الشعب، الذي يجعل منها الضوء الذي يضيئ ذلك النفق القاتم الذي يمر به شعبنا حاليا. وأخشى أن ذاكرتنا الجماعية التي خلقتها الاحداث الثلاثة المذكورة تتحول بخطى سريعة لكي تتحول الى مجرد ذكرى روتينية، فصولها معروفة مسبقا. البرنامج هو نفسه: في كل سنة نختار قرية مهجرة من بين القرى ال530 التي دمرت عام النكبة. نستمع الى بعض الخطابات المجترة من بعض القيادات المهزوزة، نهتف ونرفع الشعارات التي تؤكد على ضرورة التمسك بحق العودة، نبكي على الاطلال ومن ثم نعود الى بيوتنا راضين عن أنفسنا ننتظر الذكرى في السنة القادمة لكي نخرج البرنامج نفسه من الدرج، نمسح عنه بعض الغبار ونلمعه قليلا. وهكذا دواليك. ونرتاح الى سحر العادة وراحة الروتين بعد أن تحولت الذاكرة الى مجرد ذكرى والنكبة مستمرة.
الذاكرة لكي تبقى حية بحاجة الى فعل، الى خلق وإبداع. وبهذه المناسبة اقول: بما أن ذكرى النكبة فضية وطنية من الدرجة الاولى يجب عدم تركها لمجموعة معينة مهما بلغ تفاني وإخلاص هذه المجموعة. لا يعقل أن تنفرد جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين" المدعومة من قبل لجنة المتابعة على علاتها بتنظيم هذه الذكرى سنويا ويتم إقصاء قطاعات حية من جماهيرنا.
لقد طرحت بالماضي كما طرح غيري عدة أفكار التي قد تدخل بعض الروح التجديدية على هذه الذكرى وتكون في صلبها. مثلا: إمكانية العودة الفعلية الى إحدى القرى المهجرة من خلال نصب الخيم أو الكرفانات وخوض معركة إعلامية على المستوى المحلي والدولي لإنجاح مثل هذه المحاولة. إلا أن الجمعية أقصت هذه الافكار حتى من غير مناقشتها.
العودة لن تقدم الى شعبنا على طبق من ذهب أو فضة من أحد وهي لن تأتي إلا عن طريق المقاومة والنضال. لذلك مسيرة العودة يجب أن تكون جزءا لا يتجزء من نهج المقاومة، يجب أن تكون رافعة للعمل الوطني الخلاق وألا تنزلق الى روتين العادة كما يحدث اليوم. جماهيرنا على أتم الاستعداد لإستخدام طرق جديدة في النضال ويجب عدم الاختباء وراء مزاعم عدم جاهيزية الجماهير كما يحدث في باقي المناسبات.
لماذا بعد 12 مسيرة عودة لم يتم حتى الآن أختيار مدينة فلسطينية مهجرة بالكامل مثل طبريا، صفد، بيسان او جزئيا مثل يافا، حيفا، عكا، اللد والرملة؟ لماذا لم يتم حتى الآن إختيار قرية تقوم على أنقاضها مستوطنة صهيونية مثل الخالصة، الجاعونة، أجزم وغيرها الكثير؟ هل من باب الصدفة أم لتحاشي المواجهة مع المستعمرين؟ أم خوفا من عدم الحصول على تصريح من الشرطة؟
النكبة أكبر من تحصر في قوالب ضيقة معدة مسبقا، النكبة أكبر من أن تصبح مجرد ذكرى سنوية. إننا نعيش النكبة يوميا، نتنفسها مع الهواء وتجري في عروقنا كالدماء وتستحوذ على عواطفنا وعقولنا فلماذا نخاف أن نعبر عنها؟ هل يجب علينا أن نكبتها داخلنا ونقمع كل محاولة لإنطلاقها أم علينا تفجيرها حمما وبراكين في وجه البشرية التي تفقد إنسانيتها؟

Wednesday, April 01, 2009

العودة الى كهف أفلاطون


شهدت منطقتنا هذا الاسبوع وفي يوم واحد تقريبا ثلاثة أحداث تلقي ظلالها على الوضع الراهن وتعكس آفاق تطور الاحداث السياسية على الصعيد المحلي والمنطقي والدولي. هذه الاحداث الثلاثة هي: مؤتمر القمة العربية في الدوحة، تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وإحياء الذكرى ال33 ليوم الارض.
لست بصدد تناول هذه الاحداث بالشرح والتحليل والاسهاب بالنقد والتعليق كما جرت العادة عند الصحفيين والكتاب ولكن تزامن هذه الاحداث ومجرياتها اثارت بي تأملات فلسفية صوفية نقلتني الى الماضي السحيق وحطت بي امام كهف افلاطون الشهير.
ما هي علاقة افلاطون وكهفه بهذه الاحداث؟
من المعلوم اننا نعيش في عصر المعلومات، المعلومات السريعة والشاملة. حيث ان الشبكة العنكبوتية قد اغرقتنا بكميات هائلة من المعلومات من شتى انحاء العالم وبسرعة قصوى. فما يكاد يحصل شيء في أحد اطراف العالم مهما كان تافها او عظيما إلا وتنقله هذه الشبكة الى باقي الاطراف. هذا ناهيك عن القنوات الفضائية التي تنقل لنا الحدث مباشرة بالصوت والصورة. ولكنها وبصورة عكسية تعيد الى ذاكرتنا القانون الاول في التفكير الديالكتيكي حول وحدة وصراع الاضداد. فكلما إزدادت المعلومات قلت الحقائق. فإذا أخذنا مؤتمر القمة العربية الاخير في الدوحة (وهو مؤتمر القمة الثالث أو الرابع في غضون بضعة اشهر) كمثل وجدنا قدر هائل من المعلومات على الشبكة والجرائد والبث المباشر على الفضائيات، ولكن أين الحقائق؟ هل حقا تمت المصالحة بين الملوك والرؤساء العرب؟ هل حقا سوف يقوم المؤتمرون بإعادة بنا غزة؟ هل تقدم العرب خطوة واحدة في طريق مواجهة التحديات الصادرة من إسرائيل بعد تشكيل الحكومة الجديدة؟ هل اصبحوا أكثر استعدادا للتعامل مع الادارة الامريكية الجديدة؟ إذن، المعلومات الغزيرة تغطي الحقائق بدل أن تكشفها.
الامر نفسه ينطبق على تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة. المعلومات حولها بلا نهاية. من لا يعرف الفرسان الثلاثة الذين سوف يقودون هذه الدولة في المرحلة القادمة، نتنياهو، براك وليبرمان؟ تاريخهم وسياستهم وافكارهم معروفة. ولكن اين الحقائق؟ هل ستواصل هذه الحكومة المفاوضات والتمسك بعملية السلام كما تدعي أم انها تحضر لشن حرب جديدة في المنطقة كما يظن آخرون؟ هل الترانسفير لفلسطينيي الداخل الذي رفع رايته ليبرمان أصبح وشيكا أم انه لم يكن سوى دعاية انتخابية؟ هل سيقوم ليبرمان بتناول العشاء الفاخر مع حسني مبارك في أحد منتجعات شرم الشيخ أم يدعه يذهب الى الجحيم كما قال السنة الماضية؟ وهل سنقدم، نحن فلسطينيو الداخل، آيات الولاء والاخلاص للدولة أم سوف تسحب المواطنة المشوهة من تحت أقدامنا. وهل براك هو رجل حرب أم رجل سلام؟ هل يشكل الجناح اليساري المتعقل في الحكومة أم انه يميني أكثر من اليمين المتطرف؟
وعلى صعيدنا المحلي وفي أعقاب إحياء الذكرى ال33 ليوم الارض من حقنا أن نتساءل: هل مسيرة ال10 كم من سخنين الى دير حنا قد قربتنا من الارض أم انها مؤشر على فقداننا للارض الى الابد؟ وهل كلما كبر حجم العلم الفلسطيني الذي حمله أحد الاحزاب العربية القومية جدا جدا والتي تؤمن بإمكانية تحقيق مشروعها القومي من خلال دهاليز الكنيست، هو دليل على زيادة أم نقص بالانتماء القومي الحقيقي؟
التأمل في هذه الامور نقلتني الى كهف افلاطون. القيت نظرة الى الداخل فرأيت زعماءنا العرب مقيدين بالسلاسل داخل الكهف. يبدوا واضحا انهم يرفلون بهذه السلاسل منذ ولادتهم. لا يستطيعون حراكا. عيونهم مصوبة الى أحد جدران الكهف. من خلفهم تشتعل نار لا يرونها ولكنها كافية لكي تلقي بظلال الاشياء على الجدار. وبسبب العادة والالفة وعدم خروجهم من الكهف يظنون أن الظلال والاشباح التي تتراقص على الحائط هي حقيقة الاشياء.
هنا تنتهي المقارنة بين الزعماء العرب وبين أهل كهف افلاطون. حيث أن أفلاطون يكسر السلاسل ويطلق سراح المحتجزين ويخرجهم الى النور، بالرغم من انهم في البداية لايستطيعون النظر الى النور ويعانون من ألم في عيونهم. ولكن مع الوقت يتعودون ويرون الامور على حقيقتها رويدا رويدا. بينما فضل الزعماء العرب البقاء للعيش في ظلمات الكهف مكبلين بالاصفاد طوال حياتهم حيث الامن والطمانينة.
الا يوجد زعيم عربي واحد يمتلك الجرأة ليحطم قيوده، يخرج من الكهف ويواجه النور؟
قال أحد الفلاسفة العرب المتصوفين:" كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" أما عندنا فقد إنعدمت الرؤيا تماما وأصبحت العبارة سلاحنا الوحيد.

Wednesday, March 25, 2009

الذكرى ال33 ليوم الارض: ذهبت الارض وبقيت الذكرى





تقول الارقام أن الفلسطينين كانوا يملكون حتى عام 1948 97% من أراضي فلسطين بينما لا يملكون اليوم، بعد 61 عاما من النكبة، سوى أقل من 3%. جميعنا نعرف ماذا جرى للأرض: من الذي صادرها وكيف صودرت ومن يمتلكها الآن. أظن لا حاجة للشرح والتوسع في هذا المجال. الدراسات حول هذا الموضوع والحمد لله غزيرة جدا ومتشعبة تفيض من على صفحات الكتب والمجلات. السؤال الذي لا نحب أن نساله لأنفسنا ونخجل من التطرق اليه هو: ماذا فعلنا لمواجهة غول المصادرة؟ ماذا فعلنا لمقاومة نهب أراضينا؟
لن أكون جاحدا وسوف أعترف. لقد فعلنا الكثير الكثير. أولا، إستنكرنا بشدة هذه الاعمال الهمجية غير الإنسانية. ثانيا، أدنا بكل ما نملك من عبارات سياسة النهب الغاشمة ثالثا شجبنا كافة الخطوات التي استعملتها الحكومة لتجريدنا من أراضينا. هذا بالاضافة الى ما لا يحصى ولا يعد من الاحتجاجات الكلامية والشعارات الحماسية والخطابات الملتهبة.
المرة الوحيدة التي خرجنا بها عن المألوف كانت في 30 آذار عام 1976 أي قبل 33 عاما بالكمال والتمام. وهو يوم الارض الخالد الذي نحيي ذكراه اليوم. لقد كان يوما ليس ككل الايام. كان إضرابا شاملا وحد أشلاء الوطن المقطع من النقب في الجنوب الى جبال الجليل في الشمال. الامر الذي أربك حكومة اسرائيل التي أرسلت قواتها لتعيد إحتلال القرى المتمردة. وجرت اشتباكات سقط بها شهداء وجرحى وأمتلأت السجون بالمعتقلين.
كل شيء في يوم الارض الاول كان جميلا، رومانسيا: الاضراب، المواجهات، قصص التعاضد والتكافل، هذا بالاضافة لى مخاوف المسؤولين وردعهم من الاقتراب الى اراضينا بعد ذلك.
هذا هو يوم الارض الذي نحيي ذكراه اليوم. ولكن إياكم إياكم أن تذهبوا بعيدا. يوجد بيننا بعض المتطرفين، عديمي المسؤولية الذين يريدون العودة بنا الى تلك الايام. فهم يطالبون كل سنة بالاضراب العام ولا يريدون أن يفهموا أن الجماهير غير مستعدة وغير جاهزة للإضراب (كيف كانت هذه الجماهير مستعدة وجاهزة عام 1976؟؟). وهم بمواقفهم هذه يقودوننا الى مواجهة خاسرة مع السلطات مما بفقدنا الانجازات التي حققناها. وفي بعض الاحيان يقوم نفر من الشباب الطائش بمهاجمة الاسيجة الشائكة التي شيدتها السلطة "لحماية" الارض المصادرة أو يقومون برشق دوريات الشرطة بالحجارة أو بإشعال النار يالاطارات ومحاولة إغلاق بعض الشوارع. إننا طبعا ندين ونستنكر أعمال الزعرنة هذه.
يا جماهير شعبنا الصامد: إكتفوا من يوم الارض الخالد بالذكرى. فهنيئا لنا ولكم بهذه الذكرى الخالدة. وبهذه المناسبة نعلمكم أن الارض المصادرة لن تعود، وقد خوزقنا الحكومة، لا مصادرة بعد اليوم إذ لم يعد لدينا أرض لكي تصادرها.
لسنا افضل من الاعرابي الذي عاد الى أهله خالي الوفاض وهو يقول: "اوسعتهم شتما وأودوا بالابل". يوم الارض أصبح مناسبة مثالية لشتم الحكومة والمسؤولين. صفحات الجرائد العربية، الوطنية منها وغير الوطنية، سوف تنضح هذا الاسبوع بالشتائم. الاحزاب السياسية سوف تتنافس فيما بينها من خلال الندوات التي تنظمها على شرف يوم الارض من الذي يفوز ويربح الجائزة الاولى في فن الشتائم المبتكرة. المنصة في المهرجان الرئيسي سوف تهتز من عنف الخطابات.
وأين الارض؟ إختفت، ذهبت من غير رجعة. أرض سخنين استولت عليها مستوطنات مسغاف، وأرض الناصرة وقراها استولت عليها الناصرة العليا وأرض القدس تغتصب وتدنس يوميا وأرض النقب تسحب من تحت أقدام أصحابها.
لقد كان يوم الارض الاول إستثنائيا، شاذ عن القاعدة. أما باقي ايامنا التي تشكل القاعدة في ايام خنوع وتراجع وأيام خذلان الارض التي تخجل بنا.
خذوا الذكرى وأعيدوا لنا الارض.

Wednesday, March 18, 2009

العودة الى الحرب الباردة


هل تصريحات الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بشأن ضرورة إعادة تسليح الجيش الروسي وتعزيز قدراته النووية والاستراتيجية هي بمثابة إعلان رسمي عن عودة الحرب الباردة في العلاقات الدولية وخصوصا بين الدول العظمى؟ كل المؤشرات تؤكد أن هذا هو الواقع. لم تأت تصريحات الرئيس الروسي باب الصدفة وهي ليست تصريحات، بل جاءت بعد تطورات الوضع السياسي والعسكري على ارض الواقع في السنوات الاخيرة على الاقل. جاءت هذه التصريحات ردا على السياسة التوسعية العنيفة التي يتبعها حلف الناتو لتوسيع نفوذه شرقا حتى وصوله الى تخوم روسيا وكان آخرها محاولة ضم أوكراينا وجورجيا الى هذا الحلف الامر الذي ترى به روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وقد أوضحت روسيا موقفها هذا في الحرب الاخيرة بينها وبين جورجيا. هذا بالاضافة الى قرار حلف ناتو بنشر ما يسمى الدرع الصاروخي في اوروبا الشرقية التي ترى به روسيا ايضا تهديدا لأمنها القومي.
بعد إنهيار الاتحاد السوقياتي، في تسعينات القرن، برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى وحيدة وأخذت تصرح وتمرح في العالم كما يحلو لها، بلا رقيب او محاسب. وبدأت تحشر انفها في كل صغيرة وكبيرة في شتى انحاء العالم وتثير النزاعات والحروبات في كل مكان. قامت بغزو وإحتلال أفغانستان والعراق والتدخل السافر في أفريقيا واسيا والتهديد بشن حروبات جديدة في ايران وسوريا وكوريا والسودان وغيرها من البلدان.
تورط أمريكا وحلفائها جلب عليهما أزمة إقتصادية خانقة لا يدري أحد كيف ستنتهي. غير أن التاريخ الحديث يؤكد أن الطريقة الافضل من وجهة النظر الامبريالية لحل أزماتها الاقتصادية هي شن المزيد من الحروب. دعونا نتذكر أن الركود الاقتصادي العنيف الذي عصف بهذه الدول في ثلاثينيات القرن الماضي قد قاد مباشرة الى الحرب العالمية الثانية التي لم تندمل جراحها بعد.
بالطبع، في هذا الصراع العالمي لا تقف دولة اسرائيل موقف الحياد. على العكس من ذلك تماما، بل هي تشكل في كثير من الاحيان رأس الحربة. من المعروف أن اسرائيل هي عضو غير معلن ولكنه رئيسي في حلف الناتو. وهي تملك ترسانة نووية واسلحة دمار شامل تحسدها عليها جميع الدول العظمى. وإذا ما قسنا حجمها الجغرافي والسكاني نستطيع أن نجزم أن هذه الدولة ليست سوى مخزن حربي كبير. لذلك ليس من باب الصدفة أن يقول حوالي 60% من الاوروبيين في إستطلاع أجرته المفوضية الاوروبية قبل عدة سنوات أن اسرائيل تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. وأن حوالي نصف الشعب الامريكي نفسه (43%) في إستطلاع مماثل يرى ذلك ايضا.
اسرائيل لا تكتفي بشن الحروب وتأجيج الصراعات في الشرق الاوسط، حيث قامت خلال سنتين بشن حربي إبادة في لبنان وفي غزة. ولكنها، على غرار الولايات المتحدة الامريكية ودول حلف الناتو الاخرى تلعب دورا رئيسيا في كافة النزاعات عن طريق تصدير الاسلحة وفي كثير من الحالات بتدخل مباشر عن طريق المخابرات والمستشارين العسكريين كما يحدث الآن في العراق ولبنان والسودان والعديد من دول أمريكا اللاتينية.
أنا شخصيا أتحفظ من وصف "اسرائيل" بأنها تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. ذلك لأن إسرائيل لا تلعب منفردة، بل هي لاعب أساسي في فريق كامل. النظام الامبريالي العالمي، الذي تشكل اسرائيل جزء منه، هو الذي يشكل أكبر خطر على السلام العالمي وعلى السلام في منطقتنا.
العديد من الساذجين سياسيا يظن انه على ضوء تشكيل حكومة يمينية متطرفة سيقوم "المجتمع الدولي" وخصوصا أمريكا وأوروبا بزيادة الضغط على اسرائيل وإرغامها على الوصول الى تسوية سلمية مقبولة على الطرفين. العكس من ذلك هو الصحيح: على ضوء الازمة الاقتصادية العالمية وعودة الحرب الباردة سوف تلاقي مثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة المزيد من الدعم من قبل المعسكر الامبريالي المهدد.
السلام الحقيقي الذي تحلم به البشرية لا يمكن أن يتحقق من غير هزيمة وإنهيار هذا المعسكر. الثورة كانت وما زالت هي الطريقة الوحيدة للقضاء على الحروب الرجعية. وهذا ليس مجرد شعار أكل الدهر عليه وشرب، بل حقيقة تلمسه وتحس به الشعوب المضطهدة.

Tuesday, March 10, 2009

نعم، يجب محاكمة عمر البشير وجميع الرؤساء والملوك والامراء العرب


في خطوة غير مسبوقة توحد الشارع العربي بصعيديه الرسمي والشعبي وبمعسكريه المعتدل والممانع وبيساره ويمينه وبأحزابه القومية واليسارية وحركاته الدينية حول الموقف الرافض والمندد بإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة لإعتقال الرئيس السوداني عمر البشير. مثل هذا الموقف الموحد لم نشهده عندما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتدمير العراق وإحتلاله أو عندما شنت اسرائيل مؤخرا حربين إجراميتين الاولى في لبنان والثانية في غزة. وكأن الدفاع عن عمر البشير أهم من الدفاع عن العراق ولبنان وفلسطين. أليست هذه الوحدة مشبوهة؟
سمعنا تبريرات المدافعين عن عمر البشير. ومن هي هذه المحكمة التي يكيل ميزان عدالتها بمكياليين والتي لا تجرؤ على تقديم مجرمي حرب معروفين، من الرئيس الامريكي السابق بوش الى شريكه رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير الى مجرمي الحرب الاسرائيليين، بينما تتطاول على الرئيس"القومي" "الممانع" عمر البشير.
لست هنا بصدد الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية ولا عن مدعيها العام الفاسد لويس مورينو اوكامبو بشكل خاص. إذ أن معظم ما قيل عنهما صحيح. فبالرغم من أن أمريكا وإسرائيل رفضتا التوقيع على قانون روما بخصوص إنشاء المحكمة إلا انهما تمارسان ضغوطا شديدة عليها حتى أصبحت وكأنها أداة طيعة تحت وصايتهما بالرغم من أنها من المفروض أن تكون مستقلة تماما حتى عن الامم المتحدة.
بعيدا عن العواطف الخادعة وبعيدا عن الشعارات الرنانة والديموغاغية، السؤال الذي يجب أن نطرحه على انفسنا: هل يستحق عمر البشير الاعتقال والمحاكمة أم لا؟ والجواب هو بدون تردد: نعم يستحق ذلك ومنذ وقت طويل. بل وأكثر من ذلك: جميع الرؤساء والملوك العرب يستحقون الاعتقال والمحاكمة من غير إستثناء. كنت أفضل بالطبع أن تتم محاكمتهم من قبل شعوبهم أو على الاقل من قبل محكمة دولية نزيهة. ولكن غياب ذلك ألا يكون ذريعة وتبريرا للدفاع عنهم.
عمر البشير متهم بإقتراف جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب وربما جرائم الابادة الجماعية في دارفور. هل ثمة أحد من الملوك والرؤساء العرب غير متهم بمثل هذه الجرائم؟ هل نحن بحاجة الى واحد مثل اوكامبو أو غيره ليذكرنا بذلك؟ جرائم الحرب في السودان لم تبدء فقط في السنة الماضية فلماذا اصدر قرار الاعتقال الآن فقط؟ عمر البشير متواجد على رأس السلطة منذ 20 سنة. بدأها بإنقلاب عسكري على حلفائه ومرؤسيه السابقين. خلال هذه السنوات جلب الجوع والدمار الى السودان الذي يمتلك خيرات تستطيع أن تشبع القارة الافريقية بأكملها. عمل على تقطيع أوصال السودان وأعطى الذريعة للدول الاوروبية الطامعة ولأمريكا واسرائيل أن تتدخل لتأجيج الصراعات القبلية والأثنية والثقافية في جميع أرجاء السودان وخصوصا في الجنوب وفي إقليم دارفور. كل هذا جرى في البداية بدعم ومساندة الدول الاستعمارية التي انقلبت عليه الآن. إذن من أجل وحدة السودان، من أجل إنقاذ السودان يجب محاكمة البشير. وما زال هناك متسع من الوقت لكي يهب الشعب السوداني ويقدمه الى المحاكمة التي سوف تكون أعدل بما لا يقاس من المحكمة الجنائية الدولية.
يحاولون، من خلال ابواق الدعاية الرسمية، ايهامنا بأن الحملة على عمر البشير سببها مواقفه الرافضة للهيمنة الامريكية – الاسرائيلية ودعمه للمقاومة في العراق وفلسطين. هذه كذبة مفضوحة لا تنطلي على أحد. ليكشف لنا عمر البشير عن دوره وعن دور رئيسه "القومي" الاسبق جعفر النميري في هجرة يهود اثيبوبيا الى فلسطين المحتلة عن طريق السودان. ماذا كان ثمن هذه الصفقة؟ ليكشف لنا عمر البشير وحليفه القوي السابق حسن الترابي عن دوره في تسليم المناضل الاممي كارلوس الى فرنسا لكي يقبع مدى الحياة في السجون الامريكية. ليكشف لنا عن مواقفه المناهضة للهيمنة الامريكية- الاسرائيلية وعن دعمه للمقاومة. هؤلاء الرؤساء الذين يبيعون الوطن لكل من يدفع الثمن يتذكرون أن لهم وطن فقط عندما ينقلب حلفاؤهم الاجانب عليهم.
عمر البشير الذي إغتصب السلطة ودمر السودان خلال 20 سنة من الحكم لا يستحق الدفاع عنه. السودان الوطن والسودان الشعب هما اللذان يستحقان الدفاع عنهما، وأول الدفاع هو التخلص من هذا النظام الفاسد.
يظن الملوك والرؤساء العرب انهم يستطيعون إدراة بلدانهم وكأنها مزارع خاصة بهم ويعاملون شعوبهم كالعبيد ويرتمون في أحضان الطامعين الاجانب حيث يتوهمون انهم بذلك يؤمنون الحماية لكراسيهم وعروشهم، فإذا إنقلب هؤلاء الطامعون عليهم أخذوا يصرخون: انقذونا الوطن في خطر.
عودة الى المحكمة الجنائية الدولية. علينا أن نطالب أولا بأن تكون هذه المحكمة نزيهة ومستقلة تضع نصب اعينها العدالة والامانة. لأنه فقط محكمة كهذه تستطيع أن تحاكم مجرمي الحرب الاسرائيليين وغيرهم ممن اقترفوا جرائم ضد الانسانية. فحتى ذلك الحين يجب أن نحافظ على شعلة المقاومة الشعبية ملتهبة.

Wednesday, March 04, 2009

الاعتراف الاخير




عندما كان أحدنا يعتقل لسباب سياسية(او امنية حسب القاموس الاسرائيلي) كانت الطريقة المفضلة عند المحققين لإبتزاز الإعترافات بما فعله أو لم يفعله المعتقلون، هو أن يقسم المحققون انفسهم الى محقق "سيئ" شرير، عنيف، يستعمل القوة والتهديد وإلى محقق "جيد" طيب القلب، رحيم يريد مساعدة المعتقل. فكان المحقق السيء يدخل أولا الى المعتقل ويبادره بمثل هذا الكلام: "انت مخرب؟ تريد أن تحرر فلسطين؟ سوف ترى نجوم الظهر هنا. سوف نحطمك تحطيما وتقضي باقي حياتك وراء القضبان. سوف تندم على اليوم الذي ولدتك امك به". مثل هذه التهديدات التي لا تنتهي ويرافقها في معظم الاحيان بعض الصفعات والركلات والشبح وغيرها من اساليب التعذيب الجسدي.مؤكدا انه لن يتوقف حتى يحصل على إعتراف كامل من المعتقل. ولكن سرعان ما كان المحقق "السيء" يغادر غرفة التحقيق ويدخل المحقق "الجيد" ويبدأ حديثه الناعم على النحو التالي: " ماذا جرى لك هل جننت؟ انت تبدو لي انسان عاقل فلماذا تخرب مستقبلك، انت ارتكبت خطأ ولكن انا استطيع مساعدتك. إعترف بما فعلته وانا سوف اخرجك من هذه الورطة. بعدين يا حبيبي: مائة ام تبكي وأمك لا تبكي" ومثل هذا الكلام المعسول الذي لا ينتهي. المهم في نهاية المطاف الحصول على الاعتراف. غني عن القول انه مع معتقل آخر كان المحققون يتبادلون الادوار.
يبدو أن هذا الاسلوب ليس إختراعا اسرائيليا. فهو موجود عند كافة مخابرات العالم. وهو ليس سوى تطبيق لسياسة العصا والجزرة المعروفة وللمكيافيلية السياسية التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة. فغاية المحقق أن يحصل على إعتراف المعتقل ومن أجل ذلك كل الوسائل متاحة.
المصيبة الحقيقية هو عندما يستعمل هذا الاسلوب المخابراتي ليس ضد معتقل بل ضد شعب بأسره وعندما لا يكون حكرا على محققين هذه هي وظيفتهم في نهاية المطاف بل عندما يشارك العالم أجمع في استعماله.
اليوم، المطروح على الشعب الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل. فهذه الرباعية المكونة من الامم المنحدة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا تضع شرطا مسبقا لكل مساعدة او لكل مفاوضات: الاعتراف بإسرائيل اولا. الدول العربية من خلال مبادرتها السلمية تدعو الى الاعتراف والتطبيع. السلطة الفلسطينية تدعو ما تبقى من مقاومة الى نبذ سلاح المقاومة واللجوء الى الاعتراف.
حرب الابادة التي شنتها اسرائيل مؤخرا على غزة كان هدفها الاول والاخير هو فرض الاعتراف على المقاومة. أي فرض "السلام" الاسرائيلي- الامريكي. ولكنها فشلت في تحقيق غايتها هذه. فلجأت الى مؤتمر شرم الشيخ لإعادة "إعمار غزة" ولكن الغاية الحقيقية كانت انتزاع الاعتراف بوسائل أخرى. أمريكا تعهدت بدفع 900 مليون دولار بشرط الاعتراف بإسرائيل اولا. الاتحاد الاوروبي ودول النفط العربية حذت حذوها. رئيس السلطة الفلسطينية ناشد المقاومة بالاعتراف. حتى وصل ثمن الاعتراف الى حوالي 4 ونصف مليارد دولار. قد يبدو هذا المبلغ للوهلة الاولى خياليا ولكنه لا يتجاوز المساعدات السنوية التي تمنحها الولايات المتحدة لإسرائيل.
ماذا يعني الاعتراف بإسرائيل؟
لم تكتف الدولة العبرية بتشريد الشعب الفلسطيني ونهب ارضه وسلب ممتلكاته ولكنها تطالبه بإن يعترف أن ما قامت به هو من حقها. الاعتراف بإسرائيل يعني أن كل ما قامت به منذ عام النكبة وحتى هذا اليوم هو أمر شرعي. الاعتراف يعني ان كل الحروب التي شنتها اسرائيل هي ضمن حقها في الدفاع عن النفس. الاعتراف يإسرائيل يعني أكثر من ذلك. انه يعني أن المشروع الصهيوني القائم على الأساطير والمبادئ العنصرية هو مشروع شرعي، هو حركة تحرر وطني وليس مشروعا استعماريا بإمتياز. في الوقت نفسه يعني أن نسحب إعترافنا بانفسنا كشعب، أن نسحب إعترافنا بتاريخنا وحضارتنا.
إسرائيل تستطيع أن تقتل وتدمر وتحتل ولكنها تعرف تمام المعرفة أن كل ذلك لا أهمية له إذا لم يتوج بالاعتراف. وللحقيقة نقول، ان اسرائيل إستطاعت أن تحقق انجازات هامة في هذا المجال. ولا أقصد هنا الاعتراف الدولي بها منذ قرار التقسيم. فالاعتراف الدولي لا قيمة له ما دام صاحب القضية لا يعترف. فالصين الوطنية وخلال فترة طويلة نالت إعتراف الامم المتحدة ولكن موقف الصين الشعبية الصامد جعل من هذا الاعتراف أمرا تافها سرعان ما زال. لذلك تركز إسرائيل على انتزاع الاعتراف من أصحاب الشأن: من الشعوب العربية بشكل عام ومن الشعب الفلسطيني بشكل خاص. وقد استطاعات كما قلت ان تخترق الجبهة العربية وتقلب لاءات الخرطوم الشهيرة رأسا على عقب في قمة بيروت. هذه بعض محطات الاعتراف: قرار 242 و 338، اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من دائرة الصراع، اتفاقيات اوسلو، أتفاقيات وادي عربة، مبادرة السلام العربية.
إنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي العربي بعد أن فرضت الاعتراف على دول الجامعة العربية. ولكنها فشلت على الصعيد الشعبي. فالشعوب العربية رفضت وترفض الاعتراف والتطبيع. وإنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي الفلسطيني بعد أن استحوذت على اعتراف السلطة.
المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة هي القلعة الاخيرة لعدم الاعتراف والتطبيع. لذلك يتحد العالم الرسمي لإسقاطها عن طريق القتل والدمار والحصار إن أمكن أو عن طريق الاموال والرشوات. معركة الاعتراف في غزة هي معركة الشعوب العربية والشعب الفلسطيني الاخيرة. الاعتراف هو الموت واللا إعتراف هو الحياة، ولا خيار أمام الشعوب إلا الحياة.
وأخيرا، لماذا لا نطالب إسرائيل بالاعتراف؟ الا يوجد لديها ما تعترف به؟

Tuesday, February 17, 2009

مصيدة الفئران



يدور الكلام هنا عن تلك الآلة القديمة التي نعرفها جميعا والتي كانت منتشرة خصوصا بالنواحي القروية وتستعمل لصيد الفئران التي كانت تؤرق راحة وحياة الفلاحين. تعمل هذه الآلة على اساس مبدأين يكمل أحدهما الآخر: الاول إجتذاب الفأر بواسطة قطعة من الاكل (قطعة من الخبز او مفضل قطعة من الجبنة التي تحبها الفئران) حتى يتم الايقاع به بالفخ. والثاني ألإطباق على الفأر عندما يسحب القطعة.
لا علاقة لهذه المقالة، لا من قريب ولا من بعيد، بالمسرحية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه والتي كتبتها الكاتبة الانجليزية أجاتا كريستي والتي ما زالت تعرض منذ حوالي 60 عاما على مسارح لندن لتكون أكثر مسرحية عرضا في تاريخ المسرح. ولا أجد داعي أن أطلب العذر من أجاتا كريستي لأني استعملت العنوان نفسه، فحسب رأيي لا يوجد حق لأحد إحتكار هذا الاسم الذي يعتبر جزءا من تراثنا الشعبي. ربما الشيء المشترك بين مسرحية "مصيدة الفئران" لأجاتا كريستي وبين المصيدة التي اتكلم عنها، انها جميعها مسرحية حسب أقوال كاتب انجليزي آخر أكثر شهرة هو وليم شكسبير:" العالم مسرح كبير ومعظم الرجال والنساء عليه مجرد ممثلين". هنا ينتهي وجهة الشبه ويبدأ الخلاف. فمسرحية أجاتا كريستي هي مسرحية خيالية وكل علاقة لها بالواقع هي من باب الصدفة. بينما مسرحيتنا هي واقعية بالرغم من انها تتفوق على الخيال في معظم مشاهدها. ولكن الخلاف الاكبر بين المسرحيتين هو أن جميع أبطال مسرحية اجاتا كريستي مشبوهين بإرتكابهم جريمة القتل وفقط في المشهد الاخير يتم الكشف عن القاتل الحقيقي الذي يكون عادة أقل المشبوهين تورطا. أما في مسرحيتنا فالقاتل معروف سلفا للجميع وهو لا يحاول أن يخفي ذلك. فهو يقترف جرائمه ببث حي ومباشر الى جميع انحاء العالم. إلا أن الجمهور يرفض أن يصدق بأنه القاتل ويعمل المستحيل لتبرئة ساحته وبالمقابل يتهم الضحية، المقتول، بالجريمة. هذا هو الفرق بين المسرح الخيالي المعقول على طريقة أجاتا كريستي والمسرح الواقعي اللامعقول على الطريقة الفلسطينية.
لنعود الى مصيدة فئراننا. وبما انني افضل الكلام المباشر على الرموز، ولمن لم يستنتج بعد ما اقصده ب"مصيدة الفئران" أقول ان المصيدة التي أتحدث عنها هي ما يسمى بالديموقراطية الاسرائيلية وعلى وجهة التحديد الانتخابات للكنيست الصهيوني التي جرت قبل فترة قصيرة. نعم الكنيست هي مصيدة فئران هائلة تستعملها الدولة للإطباق على "الفئران" السائبة المشاغبة التي تزعج راحة وحياة المستوطنين الجدد في هذه البلاد، والتي ما زالت ترفض قبول ما حل بها من نكبة عام 1948 وحتى اليوم. هذه المصيدة الهائلة تعمل حسب القوانين الكلاسيكية لعمل مصائد الفئران المعروفة: الخطوة الاولى، تجذب الفئران وخصوصا الطليعية منها بواسطة قطعة دسمة من الجبنة الفاخرة التي تحتوي على راتب عالي وتمويل سخي ومنصة للخطابات والصراخ والشتائم ضد صيادي الفئران. اما الخطوة الثانية فهي إغلاق جميع المنافذ على أكبر عدد ممكن من الفئران بعد أن يفقدوا هويتهم وحريتهم وإنتمائهم.
بالطبع الامور ليست سهلة الى هذا الحد. فكم سمعنا من أحد الفلاحين أن أحد الفئران الذكية قد غلبه بعد أن سحب الطعم وهرب أو انه فلت من الوقوع بالفخ في اللحظة الاخيرة. ولكن الفلاح العنيد يستطيع في نهاية المطاف الايقاع بأكثر الفئران ذكاء ما دام هذا الفار يرقص أمام المصيدة. وهذا بالضبط ما فعلته الدولة بالكنيست حتى أصبحت مصيدة للفئران الذكية. فقد منحت هذه الفئران حصانة برلمانية وتمويلا سخيا وقالت لهم: تعالوا وطالبوا بحقوق باقي الفئران. إجذبوا أكبر عدد ممكن منها الى داخل المصيدة حتى ترتاح ولا تحمل أي هم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع الفأر مهما بلغ من ذكاء ومن حماس أن يدافع عن باقي الفئران من داخل مصيدة؟
ما زالت الاحزاب العربية تحتفل بإنتصاراتها الوهمية في الانتخابات الاخيرة.تحتفل بحصولها على قطعة كبيرة من الجبنة الشهية. ولكنها لا تدري انها في حقيقة الامر تحتفل بوقوعها بالفخ. وهي ستبقى سعيدة وفرحة ما دامت لا تدرك انها تعيش في مصيدة كبيرة للفئران.
صائد الفئران الاسرائيلي ذكي جدا ويعرف بالضبط ماذا يعمل. فهو في قطاع غزة ليس بحاجة الى مصيدة. حيث يستعمل الاسلحة الفتاكة، الشرعية منها والمحرمة دوليا للقتل ويستعمل أسلحة أخرى للدمار. وفي الضفة الغربية يستعمل الاستيطان والجدران الفاصلة ويعتمد على المتعاونين المحليين. وهنا في الداخل يستعمل "مصيدة الفئران".
تعددت الاساليب والهدف واحد. وهدف المؤسسة الصهيونية أن تسوقنا جميع الى "مصيدة الفئران".




Wednesday, February 04, 2009

الكنيست لن تحمي بقاءنا ولن تبني مستقبلنا



غريب عجيب أمر الاحزاب العربية. لتبرير مشاركتها في الانتخابات قامت بحملة مسعورة على صعدين. الاول: الدفاع عن الكنيست الصهيوني دفاعا يفوق دفاعها عن غزة ويفوق دفاع الاحزاب الصهيونية عنه. والثاني: شن هجوم شرس على المقاطعة والمقاطعين.
لم يبق هناك أحد من زعامة القوائم العربية الثلاث والتي تسمي انفسها مجازا أحزابا عربية إلا وأدلى بدلوه في الدفاع عن الكنيست ومهاجمة المقاطعين. فهذا، على سبيل المثال لا الحصر، عودة بشارات السكرتير السابق للجبهة يقول على الموقع الرسمي للجبهة:" الترانسفير السياسي الذي لم ينجح اليمين بإنزاله بالعرب، يفعله بعض العرب، بشعارات وطنية تطبق الآفاق". ومن الجهة الاخرى يتناغم معه الشيخ ابراهيم صرصور رئيس الحركة الاسلامية الجنوبية ورئيس القائمة الموحدة ويشن هجوما شرسا على المقاطعة ويتهم من يدعو اليها بأنه يخدم موقف ليبرمان المتطرف ويتاجر بدماء غزة ويدعم اليمين الصهيوني المتطرف. وأكثر من ذلك حيث يقوم الشيخ بإتهام البعض بجمع التبرعات لإغاثة أهالي غزة ولكنهم ينفقونها على الدعاية لمقاطعة الانتخابات، وهذا اتهام خطير، بينما يعرف الجميع أن الاحزاب تمول دعايتها من ميزانية الدولة. وأضاف الشيخ أن الكنيست هي منصة لا غنى عنها لإسماع صوتنا والمطالبة بحقوقنا. الجرائد العربية والمواقع الاكترونية تنضح بمثل هذه التصريحات التعيسة التي إن دلت على شيء فإنها تدل على ضحالة وعقم القائمين عليها من جهة وعلى أن تيار المقاطعة هو تيار اصيل ينبع من صميم ضمير شعبنا من جهة أخرى.
لن أنزلق الى مهاترات شخصية، مع انها في بعض الاحيان ضرورية لإيقاف البعض عند حدهم. ولكننا في تيار المقاطعة المبدئية لإنتخابات الكنيست نقول لكل من يحب أن يسمع، كما قال جبران خليل جبران: نحب المريض ولكننا نكره المرض. ووبساطة نقولها أن الكنيست الصهيوني مرض، مرض مزمن وخطير، وأن الاحزاب العربية تنقل هذا المرض الى جماهير شعبنا. الطامة الكبرى عندما يكابر المريض ولا يعترف بمرضه.
الكنيست الصهيوني ليست منبرا للخطابات ومكانا للتعبير عن الرأي كما يدعي الشيخ ابراهيم صرصور وغيره من السياسيين. وهذا ما يعرفه كل طالب المتوسط في المرحلة الاعدادية. الكنيست هي أولا وقبل كل شيء أداة حكم، هي سلطة، وفي الدولة الحديثة على الطريقة الغربية الراسمالية، كما هو الوضع في هذه الدولة، هي أهم سلطة. وهي ليست سلطة وهمية كما في العديد من الدول النامية يعينها الملك متى يشاء ويلغيها متى يشاء. الكنيست كانت منذ يومها الاول وحتى هذا اليوم اداة السلطة التي استعملتها الحركة الصهيونية لصنع نكبة شعبنا عام 1948 وتشريده ونهب أراضيه، وهي الأداة الاولى في الجرائم التي لم تتوقف منذ ذلك الحين. تحميل مسؤولية هذه الجرائم المستمرة للحكومات المتعاقبة فقط وتبرئة الكنيست منها يدل على أحد أمرين إما غباء سياسي مطبق وإما أعلى درجات النفاق وإما على كلا الامرين معا.
الاحزاب العربية التي تتهمنا نحن المقاطعين بخدمة اليمين الصهيوني المتطرف تنسى او تتناسى انها ترقص مع هذا اليمين المتطرف في أروقة الكنيست وتنام بعد ذلك في أحضانه. إذن من يخدم من؟ من يبحث عن منصة للخطابات وللصراخ ليذهب ويشتغل رقاصة كما يقول اخوتنا المصريين فهناك سوف يجد منصة عامرة تجذب اليها الانتباه والابصار. أما إذا دخلت الكنيست، شئت ذلك أم ابيت فإنك تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية عما تقترفه هذه المؤسسة من جرائم.
قد يقول البعض، ولكن الاحزاب العربية تدخل الى الكنيست لكي تعارض السياسة الرسمية، لكي تدافع وتطالب بحقوقنا. هنا تكمن أخطر قوانين اللعبة. كيف تصبح أداة قمع غير شرعية شيئا جميلا ومقبولا في أعين العالم أجمع؟ بسيطة، بأن تقبل في داخلها بعض المعدودين على الضحية وتمنحهم هامشا من التحرك وتدعو العالم للفرجة عليهم. فهم في خطاباتهم مثل النمور ولكنها نمور من ورق او مثل الاسود ولكنها اسود سيرك وادعة.
أكثر ما يضحكني، وبعض الضحك ما يبكي، هو دعوة الاحزاب العربية بتكنيس الاحزاب الصهيونية من وسطنا العربي. هل يمكن أن تكون عضوا في أهم مؤسسة صهيونية وتقسم يمين الولاء للدولة كما تعرفها هذه المؤسسة وتطلق على نفسك حزب غير صهيوني أو حتى حزب معادي للصهيونية؟ من هو الصهيوني؟
الجواب على هذا السؤال أتركه لكل فلسطيني ليجيب عليه قبل أن يتوجه الى صندوق الانتخابات.