Wednesday, November 23, 2011

إنقاذ الثورة في استمراريتها

إنقاذ الثورة في استمراريتها
علي زبيدات – سخنين

"إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان فعلينا أن نصنع ظروفا إنسانية" كارل ماركس

مرة أخرى ينزل شباب مصر إلى ميدان التحرير ويتصدون بصدورهم العارية لرصاص جنود وشرطة النظام بعدما سقط القناع وبان الوجه الحقيقي للطغمة العسكرية التي استلمت السلطة بعد رحيل مبارك ليس لتحقيق مطالب الثورة كما كانت تدعي بل لإنقاذ نظامه التي هي جزء منه.
نعود إلى مقولة كارل ماركس: مما لا شك فيه أن الظروف تلعب دورا حاسما في صنع الإنسان وفي كثير من الأحيان الدور الرئيسي ولكن مما لا شك فيه أيضا أن الإنسان هو من يصنع هذه الظروف، في معظم الأحيان يصنعها بصورة عفوية وغير واعية وفي بعض الأحيان بصورة لا إنسانية إطلاقا عن طريق الحروب واقتراف الجرائم ضد الإنسانية. ولكن في حالات أخرى يصنع الإنسان ظروفا إنسانية. وهذا هو بالذات دور الثورات: إنها تصنع ظروفا إنسانيا تقوم بدورها بصنع إنسان أفضل.
أذكر عندما كنت صغيرا كنت مغرما بمشاهدة أفلام رعاة البقر الأمريكية التي اكتشفت رجعيتها وتفاهتها فيما بعد. وأحد الأفلام الذي علق بذهني حتى يومنا هذا يروي قصة رئيس عصابة يقوم بالسطو على البنوك وفي إحدى عملياته يسطو على بنك سمع أنه يكدس في أقبيته كميات هائلة من الذهب. ولكنه عندما يصل مع أراد عصابته إلى الأقبية البنك ويكسر الأقفال لا يجد ذهبا بل يجد أن الحكومة قد حولتها إلى زنازين للثوار. وهكذا تلاحقه الدولة بجيوشها ليس بصفته لصا بل لكونه "حرر" الثوار. وهكذا جعلت منه بطلا قوميا بالرغم عنه لم يكن يحلم فيه. هذا هو نموذج صارخ كيف أن الظروف تصنع الإنسان بشكل عشوائي.
أتذكر هذه قصة كلما شاهدت فلما واقعيا تدور أحداثه على الخارطة السياسية في منطقتنا وأرى كم "بطلا قوميا" صنعته الظروف رغما عنه. أنظروا مثلا إلى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة فتح كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية وقائد جيش التحرير الفلسطيني، وهو يفتخر بأنه لم يحمل ولم يستعمل مسدسا في حياته قط، ويصف عمليات مقاومة الاحتلال بالحقيرة. ما هي الظروف التي جعلت هذا الشخص يقود "الثورة الفلسطينية" التي كانت (وربما ما زال البعض يعتبرها حتى الآن) طليعة الثورات العربية بينما يقبع الثوار الحقيقيون إما في القبور وإما في الزنازين.
وكيف وجد طبيب عيون شاب سوري لا يملك أية خبرة سياسية أو عسكرية نفسه يرث نظاما دمويا فاسدا بعد أن لاقى شقيقه الذي أعد لهذه المهمة مصرعه وبعد أن هزم المرض والده. وها هو منذ توليه الحكم ينادي بالإصلاح الذي لم يتقدم قيد أنملة واليوم يضع البلد بأكمله على يد عفريت.
وأخير وليس آخرا - ولا أريد هنا أن أستعرض باقي الدول العربية كيف هيأت سخرية الأقدار الظروف لأشخاص أمثال أمير قطر والكويت والبحرين وعمان واليمن وغيرها وغيرها لأن يصبحوا زعماء وقيادة ينصب بعضهم نفسه حام لحقوق الإنسان، نصيرا للديمقراطية وراع للثورات العربية بينما يحكم بلاده وكأنها مزرعة خاصة له ولحاشيته - أتذكر قصة هذا الفلم الأمريكي الرخيص ولكنه يصور بصدق ظاهرة البطل الذي تصنعه الظروف رغما عنه عندما أشاهد ما يجري الآن في ميدان التحرير في القاهرة وفي مدن مصرية أخرى. كيف يعقل أن يكون المشير محمد حسين طنطاوي، الذي تربى في أحضان النظام البائد وحصل على ترقياته ورتبه العسكرية من يدي الرئيس المخلوع مباشرة، وصيا على الثورة؟
اليوم جاء تحرك الشباب المصري لكي يصحح هذا الخطأ التاريخي الفاحش. ما يسمى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليس سوى بؤرة تحتمي فيها فلول النظام البائد. على الصعيد السياسي، يشكل هذا المجلس امتدادا للنظام هدفه الوحيد إجهاض الثورة بكافة الأساليب المتاحة. في البداية بواسطة قطع الوعود السرابية وتقديم رموز النظام لمحاكمات صورية وفيما بعد استعمال القوة والبطش والتنكيل بالمواطنين كما يحصل الآن.
إنقاذ الثورة يكمن في استمراريتها. والثورة في مصر لا يمكن أن تستمر طالما يتمسك هذا المجلس بزمام السلطة. لذلك فإن شعار المرحلة كما حدده الثوار هو إسقاط المشير المدعوم ليس فقط من فلول النظام البائد بل من قبل الإدارة الأمريكية والصهيونية أيضا.
الثورة هي التي تصنع الظروف الإنسانية ليس فقط في مصر بل في العالم أجمع. فكل عيون أحرار العالم وقلبوهم تتوجه اليوم إلى مصر أم الدنيا.

Wednesday, November 16, 2011

احتلال وول ستريت: خطوة على طريق التحرير

احتلال وول ستريت: خطوة على طريق التحرير
علي زبيدات – سخنين

"جنرال، دبابتك مركبة جبارة
إنها تحطم غابات وتسحق مائة رجل
ولكن بها عيب واحد
إنها بحاجة إلى سائق

جنرال، قاذفتك جبارة
تطير أسرع من العاصفة وتحمل أكثر مما يحمله فيل
ولكن بها عيب واحد
إنها بحاجة إلى تقني

جنرال، الإنسان مفيد
يستطيع أن يطير وأن يقتل
ولكن به عيب واحد
إنه يستطيع أن يفكر"
(من قصيدة للشاعر الألماني التقدمي برتولد بريخت – ترجمة الكاتب)

كتب شاعرنا هذه القصيدة قبل سنوات عديدة. منذ ذلك الحين أصبحت أمريكا سيدة الجنرالات. وأصبحت تمتلك من الدبابات والقاذفات والقنابل النووية ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات. ولكنها فشلت في أن تتخلص من العيب الكامن في جميع هذه الأسلحة وهو إنها بحاجة إلى إنسان وفشلت في أن تجعل هذا الإنسان يكف عن التفكير. هذا الإنسان هو الذي يزعزع الآن أعمدة النظام الرأسمالي.
أصبح وول ستريت، بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي قبل 10 أعوام، يشكل أكبر رمز للنظام الرأسمالي العالمي فهو يضم أكبر مركز للقمار عرفه التاريخ الحديث والذي يحمل الاسم المحترم: بورصة نيويورك كما يضم مراكز لأكبر الشركات المالية العالمية. على عكس برجي مركز التجارة العالمي لم يتعرض وول ستريت لعملية إرهابية قادها تنظيم القاعدة بل يتعرض منذ شهرين للحصار بهدف احتلاله من قبل حركة "احتلوا وول ستريت" وهي حركة من الشباب والطلاب والعمال تمثل 99% من الشعب المسحوق مقابل ال1% من المقامرين المختبئين في أوكار وول ستريت. الدولة التي تصدر ديمقراطيتها إلى العالم بواسطة دباباتها وقاذفاتها ترسل اليوم شرطتها لتفريق المتظاهرين بوسائل عنيفة وتمنعهم من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن أفكارهم. الشرطة هي الشرطة في كل مكان هدفها الأساسي هو المحافظة على مصالح الطبقة الحاكمة بكل ثمن.
لم يعد سرا أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف منذ أكثر من 3 سنوات بالنظام الرأسمالي العالمي في عقر دارها هي في تفاقم مستمر. حسب التقارير الرسمية الأخيرة: 50 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر. نسبة البطالة وصلت إلى 10%. آلاف الوظائف وأماكن الشغل تغلق أبوابها. العديد من الشركات والمصانع تعلن إفلاسها أو ترحل إلى الدول النامية. هذا بالإضافة إلى غلاء المعيشة وأزمة السكن والقروض. الفوارق في الأجور بين العمال ومدراء الشركات المالية الطفيلية وصلت إلى 300 ضعف وأكثر. بينما تحاول الإدارة الأمريكية إنقاذ البنوك والشركات المالية الفاسدة التي تعود إلى 1% من السكان.
لقد علمنا التاريخ، كما حدث في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي أن النظام الرأسمالي عندما يتعرض إلى ركود وأزمة اقتصادية عميقة يصبح أكثر توحشا وعدوانية مما عرض البشرية إلى الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى موت أكثر من 60 مليون شخص وإلى دمار رهيب ما زالت البشرية تعاني منه إلى يومنا هذا. فليس من باب الصدفة تتعالى اليوم أصوات التهديد الامبريالية لتأجيج الحرب ضد إيران وللتدخلات العسكرية في ليبيا وسوريا وأماكن أخرى من العالم. الحرب ضرورية للنظام الرأسمالي لكي يتعافى ويخرج من أزمته ومن حالة الركود والكساد التي يمر بها. فالحرب طريقته المفضلة للهيمنة على النفط والغاز وثروات الشعوب وعلى الأسواق العالمية وتجارة الأسلحة.
الثورة كانت وما زالت أفضل طريقة لإجهاض الحرب الإمبريالية. حركة "احتلال وول ستريت" هي جزء من التحرك الثوري على الصعيد العالمي، فقد انتشرت إلى أكثر من مائة مدينة أمريكية وفي بعضها وصلت إلى درجة المواجهات العنيفة كما حصل في أوكلاند. كما انتقلت المواجهات إلى حوالي 1500 مدينة في كل أرجاء العالم. وفي بعضها وصلت إلى درجة المواجهات بين المحتجين وبين حراس النظام كما حصل في روما ولندن ولشبونة ومدن أخرى. العولمة ألإمبريالية تخلق حركة مقاومة عالمية، أي إنها تخلق الأداة التي سوف تحفر قبرها وتلقي بها إلى مزبلة التاريخ.
وكما يؤكد قانون الرياضيات والمنطق: سالب ضرب سالب يساوي موجب فإن احتلال ضرب احتلال يساوي تحرير.

Wednesday, November 09, 2011

جريمة مستمرة

جريمة مستمرة

علي زبيدات – سخنين

لم أكن أعلم أن مصطلح "جريمة مستمرة" هو أيضا مصطلح قانوني يتعامل به القضاء الإسرائيلي حتى اكتشفت ذلك مؤخرا عندما مثلت أمام القضاء الإسرائيلي فائق العدالة. في الماضي كنت أستعمل هذا المصطلح لوصف ما حدث عام النكبة حيث شرد نصف الشعب الفلسطيني وجرد من ممتلكاته ودمرت العديد من مدنه وقراه. هذه الجريمة مستمرة إلى يومنا هذا ليس فقط من خلال مواصلة أعمال القتل والنهب بل أيضا من خلال إنكار النكبة. وكنت أستعمل هذا المصطلح لوصف احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 ومواصلة الجريمة حتى يومنا هذا من خلال بناء المستوطنات والجدار العازل والحواجز. فالاحتلال، كل احتلال، هو جريمة مستمرة من حيث طبيعته لا تتوقف إلا بعد زواله. لكن مخطئ من يظن أن القانون الإسرائيلي في إطار تعريفه للجريمة المستمرة يأخذ هذين النموذجين الصارخين بعين الاعتبار. فالنكبة من وجهة نظره هي حرب استقلال مشروعة. أما احتلال ما تبقى من فلسطين فيما بعد هو في حقيقة الأمر تحرير. فالشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في حقيقة الأمر ليس سوى محتل بينما جيش الاحتلال الإسرائيلي هو جيش تحرير. أما نحن، الفلسطينيون في النقب والجليل لسنا سوى دخلاء أو غزاة نغزو أرض الدولة ونستولي عليها من غير حق. وهذا ما تقوله لي تلك اللافتة اللعينة كلما مررت من تحت جسر كرمئيل في الطريق إلى قرى الشاغور: "جسر موطي غور محرر القدس" وكأن غور هذا صلاح الدين أو أحد قواده.
إذن، الجريمة المستمرة حسب القانون الإسرائيلي لا علاقة لها بالنكبة ولا بالنكسة. لا علاقة لها بهدم البيوت ولا بمصادرة الأراضي. ولكن لها علاقة وثيقة بما يسمى قانون البناء والتنظيم إذا ما تجرأت وبنيت بيتا صغيرا يأوي عائلتك ويقوم قاض في محكمة الصلح مدافعا عن هذا القانون الجائر ويصدر حكمه القاطع: إما أن تهدم البيت وإما أن تحصل على ترخيص. هذا طبعا بالإضافة إلى الغرامات الباهظة والسجن مع وقف التنفيذ والتوقيع على التزامات مالية. طبعا لا يوجد هناك إنسان عاقل يقوم بهدم بيته بيده. فلا يبقى أمامك سوى القيام بمعجزة في عصر انتهت به المعجزات وهو الحصول على ترخيص. المصيبة هنا هي أن المشتكي (لجنة التنظيم والبناء) هي التي من المفروض أن تمنحك مثل هذا الترخيص. وتجد نفسك أمام خيار مستحيل يعجز عنه أعظم أبطال التراجيديا الإغريقية: اهدم أو احصل على رخصة. أو كما يقول الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل في الماء.
الهدف المعلن للجان التنظيم والبناء هو مساعدة المواطن في تسهيل عملية البناء بشكل منظم لا يخالف القانون ولا يسبب الضرر لطرف آخر. ولكن لهذه اللجان في الوسط العربي هدف آخر وهو وضع العراقيل وإنهاك المواطن حتى يصل إلى مرحلة من اليأس حتى يهدم بيته أو يرحل. وإلا كيف نفسر أن آلاف المواطنين العرب لا يحصلون على ترخيص ومن ثم يضطرون للبناء "اللاشرعي" بينما يحصل المواطنون اليهود والمستوطنات على جميع التسهيلات؟
هل نحن شعب نحب مخالفة القانون ونعشق دفع الغرامات ونهوى الدخول للسجون؟
بدأت جريمتي المستمرة قبل حوالي 13 سنة بعدما يئست من لجنة التنظيم والبناء التابعة لمجلس مسغاف الإقليمي أن تصدر لي ترخيصا وذلك بحجج واهية مفعمة بالعنصرية. وقد حوكمت منذ ذلك الوقت عدة مرات بحجة أن جريمتي خطيرة ومستمرة ولم أنفذ قرار المحكمة. في كل مرة تطلب فيها النيابة تحويل الأحكام مع وقف التنفيذ إلى أحكام فعلية وسعادة القاضي يلبي الطلب. كيف لا والقانون واضح: لا يوجد هدم ولا يوجد رخصة إذن أنت مخالف للقانون ومدان.
في الجلسة الأخيرة قبل عدة أيام ألقيت نظرة على قائمة المتهمين الملصقة على باب القاضي والذين يجب عليهم المثول أمام القاضي. كان هناك 30 اسما بتهمة مخالفة قانون البناء والتنظيم من بينهم 29 اسم عربي.
لقد حكم علي بأربعة أشهر سجن تم تحويلها للعمل في خدمة الجمهور وتفعيل التزاما ماليا قديما بمبلغ 15000 شاقل بالإضافة إلى غرامة جديدة بمبلغ 5000 شاقل، هذا بالإضافة إلى عقوبات جديدة مع وقف التنفيذ. بعد المحكمة توجه إلي كهل لا أعرفه وقال لي: أنت شخص محظوظ فقد فرض عليك القاضي غرامة بسيطة.
يقف المواطن الفلسطيني في هذه البلاد وحيدا في معركة غير متكافئة أمام القانون المجحف ولجان التنظيم والبناء والمحكمة. أين دور البلديات والأحزاب السياسية ولجنة المتابعة وباقي المؤسسات المدنية في هذه القضية؟ تكاد تكون هذه المؤسسات غائبة تماما. في بعض الأحيان تكتفي بتصريحات دعم كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، خصوصا في الحالات التي تصل إلى درجة الهدم الفعلي ومن ثم تعود إلى سباتها العميق؟ متى على مؤسساتنا المذكورة أن تتخذ موقفا مبدئيا من هذه الأمور؟
شخصيا لست متفائلا في أن يكون هناك أي تحول جذري في موقف هذه المؤسسات. لذلك أدعو جميع المواطنين المتضررين مباشرة من لجان التنظيم المعتمدة قانون جائر والمدعومة من قبل حكومة تمارس سياسة عنصرية، للوحدة من أجل تحدي هذه اللجان ومن يقف ورائها.

Wednesday, November 02, 2011

ثورات محدودة الضمان

ثورات محدودة الضمان

علي زبيدات – سخنين

لا أدري من أول من روج لفصل الربيع باعتباره أجمل فصول السنة حتى أصبحت أوصافه تستعار للتعبير عما هو مشرق وجميل في حياة الانسان. قد يكون شاعرا أو حالما أو عالما طبيعيا أو مجرد محب للطبيعة. ولا أريد هنا أن أناقش صحة أو عدم صحة هذه النظرة العامة السائدة. ولكن بما أن الربيع أصبح سيد الموقف بلا منازع وبما أننا، نحن الشعوب العربية قد دخلنا هذا الربيع من أوسع أبوابه وأصبح تعبير: "ربيع الشعوب العربية" سائرا على كل لسان يتداوله الجميع بصورة رصينة ومتفائلة تارة وبصورة مبتذلة تارة أخرى، كان لا بد من التوقف أمام صفتين على غاية الأهمية يبدو أنهما غابتا عن عيون عشاق الربيع على مختلف أصنافهم.
الصفة الأولى: هي أن الربيع كباقي الفصول محدود زمنيا، قصير وعابر.
الصفة الثانية: هي أن الربيع حسب موقعه الجغرافي والمجازي ( السياسي والاجتماعي) لا يتسم دوما بالطقس المعتدل، الدافئ، الصافي بل قد تشوبه التقلبات المناخية من غيوم وعواصف وفيضانات التي قد تحوله إلى نقيضه.
لنأخذ مثلا ربيع الشعوب كما وصفه السياسيون والمؤرخون والمثقفون بشكل عام للأحداث التي اجتاحت أوروبا في عام 1848. فهذا الربيع الذي هبت رياحه من فرنسا حيث أسقطت الملكية ومن ثم انتشرت في بلدان أوروبية عديدة فأسقطت رمز الرجعية الأوروبية ممثلة بشخص رجل الدولة النمساوي مترنيخ وغيره، هذا الربيع كان قصيرا للغاية. فبعد فترة قصيرة عادت الأنظمة الرجعية والمحافظة إلى سابق عهدها وبسطت سلطتها بشكل أعتى واشد ظلما من السابق خصوصا في البلدان التي اضطرت بها إلى تقديم بعض التنازلات من أجل الحفاظ على أنظمتها وبدأت بمسيرة من التنكيل والانتقام. ولم تكن هذه الفترة قصيرة وعابرة فحسب بل تخللتها الحروب الدامية وتنامي النزعات القومية والعنصرية وأسست لفترة طويلة من النزاعات التي قادت إلى حربين عالميتين ولم تنته بعد.
"الربيع العربي" لا يشذ عن هذه القاعدة ولم يتخلص من هاتين الصفتين القاتلتين. كان هذا الربيع صافيا بعض الشيء في تونس ومصر وكانت المشاركة الجماهيرية تبعث الدفء في أوصالنا جميعا. إلا أن هذا الربيع جاء مكفهرا وقاتما في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين. التدخل الامبريالي المباشر في ليبيا بتواطؤ ومشاركة عربية زاد سماء ليبيا تلويثا واكفهرارا وكأن النظام الاستبدادي لوحده لا يكفي. هل كان تدمير مدينة سرت بواسطة طيارات حلف الناتو عملا ربيعيا جميلا حالما بينما كان قصف كتائب النظام لمصراطة عملا خريفيا همجيا؟ وهل قتل القذافي بعد أن قبض عليه حيا بهذه الطريقة البشعة هو عمل ربيعي شرعي اجتاز بنجاح فتوى"علماء" المسلمين يختلف عن القتل الذي مارسه النظام؟
لقد قلتها في الماضي وها أنا أكررها حاليا: إن المعارضة في أي بلد عربي ليست نقيضا للنظام بل هي امتدادا مكملة له حتى عندما تصبح بديلا له. بشكل عام، المعارضة في العالم العربي إما أنها كانت جزءا من النظام وانشقت عنه لخلافات فئوية على السلطة وإما أنها صورة طبق الأصل للنظام التي تسعى إلى تغييره. النقيض للنظام هو الشعب ولكن المأساة هي أن هذا الشعب ممزق بين النظام والمعارضة. على الجماهير الشعبية إذا أرادت أن تنتزع حريتها أن تضع النظام والمعارضة في سلة واحدة وتلقي بهما في مزبلة التاريخ.
لقد مر على العالم العربي 500 عاما من الركود السياسي والاقتصادي والفكري وكافة المجالات الأخرى والمستويات وعندما بدأ أخيرا يتحرك جاءت خطواته ثقيلة وبطيئة وبدا مترنحا بين الماضي والحاضر وسمح لكل قوة أجنبية أن تمد يدها تعيث فسادا وتعبث في نهضتها. والحالة هذه لم يكن غريبا أو مستهجنا أن يكون التغيير بطيئا وسطحيا حتى في الأماكن التي انتصرت بها الثورة بفضل تحرك جماهيري غير مسبوق كما في تونس ومصر. الانتقال من الثورة إلى الدولة في هذين البلدين جاء سريعا جدا. واليوم يتضح أكثر فأكثر أن الدولة الجديدة تحمل كل جينات الدولة القديمة. الأحزاب السياسية التي كانت تختبئ وراء الجدار أثناء الثورة وتقف بالمرصاد تتحين فرصتها نراها الآن تنقض على انجازات الثورة المتواضعة أصلا وتتسلق عليها لتصل إلى دفة السلطة.
يبدو الوضع في فلسطين أكثر سوأ. نلهث وراء الانتصارات الوهمية في الأمم المتحدة ومؤسساتها. فبعد غزوة استحقاق أيلول الناجحة - الفاشلة نكاد نشق ملابسنا فرحا في غزوة اليونسكو التي تلتها، وها نحن نعد ما استطعنا من عدة لخوض غزوات أخرى من هذا النوع.
أنا بصراحة لست من عشاق الربيع، عربيا كان أم أجنبيا. لا أستطيع أن أتمتع بربيع شمسه أمريكا وقمره إسرائيل ونجومه حلف الناتو ومصابيحه ملوك وأمراء وشيوخ النفط العربي. ليوم خريفي عاصف يكنس القاذورات المتراكمة منذ قرون في وطننا أفضل من مائة ربيع. وليوم شتوي هائج يجرف تخلفنا الحضاري من غير رحمة أو شفقة لهو الآخر أفضل من مائة ربيع. وليوم صيفي قائظ يبيد الطفيليات العالقة بشعوبنا لهو الآخر أفضل من مائة ربيع.

Wednesday, October 19, 2011

وأخيرا أسدل الستار على مسرحية جلعاد شاليط

وأخيرا أسدل الستار على مسرحية جلعاد شاليط
علي زبيدات – سخنين

التاريخ لا يتطور حسب أمنيات وتطلعات أي شخص مهما كان موقعه أو دوره. والتاريخ لا يصنع في ظروف تؤدي دائما إلى النجاح أو الانتصار. وأخيرا وليس آخرا وللأسف الشديد لا يتطور التاريخ حسب القيم الأخلاقية ومعايير العدالة والكرامة الإنسانية. ولكن هذا لا يعني أن الأمنيات والتطلعات خصوصا من قبل الشعوب المظلومة لا تلعب دورا حاسما في تطور التاريخ، ولا تنفي أن يصبو الجميع إلى النجاح والانتصار، ولا يقلل من أهمية القيم الأخلاقية مهما غابت عن الأنظار ومهما تم تشويهها.
هذا الأسبوع أسدل الستار على الفصل الأخير من مسرحية غلعاد شاليط وسط تصفيق الجمهور من جميع الأطراف. هذه المسرحية التي تنتمي إلى مسرح اللامعقول شغلتنا وشغلت العالم في السنوات الخمس الأخيرة حتى وصلت ذروتها هذا الأسبوع.
في الجانب الفلسطيني يوجد من يرفض أصلا اللجوء إلى خطف الجنود الاسرائيليين كوسيلة لتحرير الأسرى . ويعتبر عمليات الخطف عمليات إرهابية بحتة أو في أحسن الحالات عمليات عبثية تلحق الأضرار بالقضية الوطنية وتعرقل ما يسمى بالعملية السلمية ونهج المفاوضات. هذا لا يمنع، في حالة نجاح عملية خطف وتبادل، أن نراه يزاحم من أجل الحصول على بعض الانجازات. بالمقابل يوجد هناك من يؤمن بأن عملية خطف الجنود هي الوسيلة الوحيدة لإطلاق سراح الأسرى ولكن عند نجاح إحدى هذه العمليات نراه يعبر عن سخطه وخيبة أمله لأنها لم تحقق مآربه الخاصة.
في الجانب الإسرائيلي، وبالرغم من انعكاس الأدوار لا يختلف الأمر كثيرا: فمنهم من يؤيد عملية التبادل على اعتبار أن واجب الدولة التي ترسل جنودها للجبهة أن تعيدهم مهما كان الثمن، ومنهم من يرفض ذلك جملة وتفصيلا لأن ذلك يعتبر خضوعا للإرهاب على حد تعبيرهم وتشجيعا له.
في هذه العجالة، كفلسطيني منحاز كليا للقضية الوطنية الفلسطينية بكافة جوانبها، أريد أن ألقي الضوء على بعض الجوانب الخفية التي تتجاوز فرحة عائلات الأسرى بإطلاق سراح أبنائهم وتتجاوز خيبة أمل من بقي قابعا في سجون الاحتلال، ومن الجهة الأخرى تتجاوز فرحة عائلة شاليط والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام بعودة الجندي المخطوف. قد تبدو هذه الجوانب للوهلة الأولى ليست ذات أهمية ومهملة بالرغم من الكم الهائل من التحليلات والتعليقات والانتقادات التي فاضت بها وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية إلا أنها حسب رأيي ذات أهمية بالغة على تطور القضية الوطنية برمتها.
لقد نجحت دولة إسرائيل عن طريق إعلامها المتطور والمجند والمدعوم غربيا أن تستغل قضية الجندي المخطوف لقلب الموازين المقلوبة أصلا وتظهر للعالم على صورة الضحية البريئة التي تدافع عن نفسها. حتى أصبح اسم شاليط على كل لسان وتم تصويره كأنه حمل وديعا وليس جنديا تم اختطافه من قلب دبابته التي كانت تقصف المدنيين في غزة وفرد في جيش ارتكب جرائم حرب في حق مدنيين عزل. الأسوأ والأخطر من ذلك أنها نجحت بتحويل قضية الجندي المخطوف إلى وسيلة ناجعة لبلورة نوع من الانتماء الوطني الإسرائيلي مما ساهم في وقف عملية التفكك الذي يعاني منه المجتمع الإسرائيلي المصطنع. من خلال الدعاية المكثفة عن الدولة التي لا تترك جنودها في المعركة وأنه لا يوجد ثمن لإعادة جندي إلى بيته استطاعت دولة إسرائيل أن تنجز نجاحا وتقدما ملحوظا في صهر مركباتها المتنافرة بصورة تفوق جميع الأساطير التوراتية والصهيونية. لقد مر المواطن اليهودي الإسرائيلي خلال سنوات الاختطاف الخمسة وبشكل مكثف خلال الأسبوع الأخير بعملية مسح دماغ لم يسبق لها مثيل. تمم هذا الأمر بشكل واع ومدروس حيث تعرف السلطات الإسرائيلية حق المعرفة وتشعر بأن كيانها في مهب الرياح ومهدد بخطر الاندثار وأن التركيز على قضية الجندي وإعادته إلى البيت مهما كان الثمن يبقى ثمنا بخسا أمام إقناع الشباب اليهود بالبقاء مخلصين للدولة. يعاني الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة وباعتراف من قيادته العليا من ظاهرة تهرب وتملص هؤلاء الشباب من التجنيد. من هذا المنطلق عملت السلطات الإسرائيلية كل ما تستطيعه لجعل الجندي البسيط التافه المختطف أيقونة تقف الدولة بأسرها من ورائه كضمان لهم.
في المقابل فشل الإعلام الفلسطيني والعربي بإظهار الجانب الإنساني لآلاف الأسرى الذين ضحوا بحريتهم من أجل قضية عادلة. فبقوا مجرد أرقام. وقد انعكس ذلك بشكل مأساوي في الخطأ الذي تم بسببه استثناء بعض الأسيرات من عملية التبادل. فقد تم تصديق الرقم 27 بدون فحص أو تمحيص، ألا يوجد لهؤلاء الأسيرات أسماء كان من المفروض على المفاوض الفلسطيني معرفتها بحذافيرها؟
يجب ألا تصبح عملية اسر الجنود الإسرائيليين بهدف تبديلهم بالأسرى هدفا بحد ذاته يستحوذ على حركات المقاومة ويأتي على حساب النضال الواعي والهادف من أجل تحرير الأرض والإنسان. سمعت أحد الزملاء يقول: "خطف جندي واحد أسفر عن تحرير ألف أسير فيكفي أن يتم اختطاف 5 جنود لإفراغ السجون من الأسرى"، هذه العقلية الساذجة والمبسطة تستحوذ على معظمنا. إغلاق السجون الإسرائيلية بعد إفراغها من الأسرى لن يتم إلا بعد التحرير. وأخشى أن يكون الحلم بخطف الجنود وتبادل الأسرى تعبيرا عن العجز واليأس وليس وسيلة من وسائل النضال تخدم إستراتيجية التحرير وتكون خاضعة لها.
إسدال الستار على مسرحية شاليط يجب أن يكون حافزا ومؤشرا للعمل على إضعاف الكيان الصهيوني وليس على تقويته وفي الوقت نفسه حافزا لتنقية النضال الثوري الفلسطيني من الشوائب التي علقت به.

Wednesday, October 12, 2011

آلام كبيرة وآمال أكبر

آلام كبيرة وآمال أكبر

علي زبيدات – سخنين

أثناء كتابة هذه السطور تم الإعلان عن التوصل لاتفاق حول تبادل الأسرى بين الحكومة الإسرائيلية وفصائل المقاومة التي تحتجز الجندي جلعاد شليط. من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تختلط مشاعر الألم والغضب من جراء معاناة الأسرى مع مشاعر الفرح بقرب تحرر عدد كبير من المناضلين من السجون الإسرائيلية رغما عن أنف الحكومة الإسرائيلية. لا أريد هنا أن أتطرق الى صفقة التبادل، فما زال المخفي فيها أكثر من المكشوف. بالرغم من أن الأنباء عن الصفقة قد غطت بعض الشيء على الإضراب المفتوح عن الطعام الذي بدأه الأسرى قبل أسبوعين وعلى نشاطات التضامن معهم وعلى الموقف الذي اتخذته الجماهير الفلسطينية وقياداتها من أحزاب ومؤسسات، إلا أن نضال الحركة الأسيرة ما زال هو الأساس.
عمليات التبادل جرت في الماضي وتجري حاليا ومن المؤكد أنها سوف تجري في المستقبل أيضا. صحيح أن السجون الإسرائيلية لن تغلق أبوابها نهائيا على أحد ولكنها في الوقت نفسه سوف تبقى عامرة بالأسرى الفلسطينيين ما دام هناك احتلال وتشريد وما دامت هناك مقاومة. سوف يتحرر بعض المضربين عن الطعام قريبا ولكنهم كانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم من أجل أن يحظى من سيبقى في السجون الإسرائيلية ومن سوف يدخلها بظروف إنسانية. فمن المعروف أن الانجازات التي حققتها الحركة الأسيرة على مر السنين والتي تحاول الحكومة الإسرائيلية حاليا سلبها جاءت نتيجة لتراكمات نضالية طويلة من الإضرابات ومن المناضلين من دفع حياته ثمنا لها.
الإضراب المفتوح عن الطعام ليس لعبة يلجأ إليها الأسرى كلما طالبوا بمطلب ما، بل هو سلاح خطير لا يستعمل إلا في حالات الضرورة القصوى. إن اللجوء إلى هذا السلاح الآن يعكس مدى وحشية ولا إنسانية السلطات الإسرائيلية. يصبح سلاح الإضراب المفتوح عن الطعام فعالا من خلال امتداده إلى الخارج، من خلال العمل الجماهيري والرسمي الداعم والمتضامن والمتفاعل معه. السؤال الذي أطرحه هنا: هل كان هذا الامتداد على المستوى المطلوب جماهيريا ورسميا؟ جوابي هو بكل بساطة: لا.
لا أريد أن أتكلم هنا عن التعتيم الإعلامي الدولي والعربي وحتى الفلسطيني بكل ما يتعلق بالإضراب وعن الجهات التي تقف وراء هذا التعتيم، ولا أريد هنا أن أتطرق إلى مواقف السلطة الفلسطينية المزدوج من القضية برمتها، ومواقف العديد من الفصائل الفلسطينية، ليس بسبب عدم أهميتها ولكن لأن كل موضوع من هذه المواضيع يستحق التوقف عنده ومعالجته تفصيليا وهنا لست بصدد مثل هذه المعالجة.
أريد هنا أن أقتصر على موقف الجماهير الفلسطينية وقيادتها في المناطق المحتلة عام 1948. مرة أخرى، حسب رأيي رسبنا في الامتحان: لجنة المتابعة العليا التي تعتبر نفسها الجسم القيادي الأول للجماهير الفلسطينية في هذه المنطقة اجتمعت لأول مرة لمناقشة هذه القضية يوم الاثنين 10/10/2011 أي بعد أسبوعين من بداية الإضراب. وبعد نقاش مستفيض دام عدة ساعات، عما تمخض هذا الاجتماع؟ عن لا شيء، سوى كلام عام عن نية اللجنة:" تبني أي نشاط تضامني يدعم الأسرى بغض النظر عن الجهة المبادرة". طبعا، وعلى ذمة المواقع الإخبارية التي نقلت الخبر، كان هناك العديد من الاقتراحات مثل الإعلان عن يوم أو يومين إضراب عن الطعام، مظاهرات مستمرة أمام السجون، تنظيم مظاهرة قطرية، التوجه للسفارات الأجنبية، ولكن المهم لا قرارات. من طبيعي أن يكون هناك فجوة بين الكلام، الشعارات، النظرية وبين التطبيق، الممارسة، العمل ولكن أن تكون هناك قطيعة شبه مطلقة بينها فهذا أمر غير طبيعي.
الأحزاب السياسية رسبت في الامتحان في مكان آخر. لم تستطيع أن تتخلص من عصبيتها الحزبية وتصل إلى درجة أساسية من التنسيق فيما بينها. وهكذا جاءت معظم نشاطاتها تعيسة مقتصرة على بعض كوادرها في بعض المفارق والساحات. وكنا نحن، الغالبية الصامتة التي لا تنتمي لحزب معين، نستثنى من هذه النشاطات ولا نعلم بها أو نعلم بها بعد انتهائها. حالة اللجان المدنية التي قامت من أجل رعاية حقوق الأسرى والمعتقلين وحقوق الإنسان لم تكن أفضل من حالة الأحزاب السياسية. سؤال أخير في هذا المجال: لماذا فضل الشيخ رائد صلاح أن يبقى في لندن حيث الضباب على أن يعود ويأخذ مكانه الطبيعي في قيادة النشاطات المتضامنة مع الأسرى، وأين اختفت الحركة الإسلامية الشمالية؟
نقطة الضوء الوحيدة جاءت من قبل بعض التحركات الشبابية التي حاولت جاهدة التخلص من قيود ووصاية الأحزاب واللجان وقامت بمحاولات جادة لنقل الإضراب المفتوح عن الطعام من السجون إلى الشارع.
الأسرى، بعد الشهداء، هم الذين يحملون القضية الوطنية ويجعلون من أجسادهم شعلة تضيء طريق الحرية الشائك والطويل وهم يستحقون أن نشاركهم في آلامهم وآمالهم.

Wednesday, October 05, 2011

نستنكر بشدة !! وماذا بعد؟

نستنكر بشدة !! وماذا بعد؟
علي زبيدات – سخنين

بعد جريمة إحراق مسجد النور في طوبا الزنغرية انهالت الاستنكارات من حدب وصوب كل حسب أسلوبه وطريقته وكلماته الإنشائية. من رئيس الدولة الذي هرول لزيارة المسجد طالبا من مسلمي العالم السماح، إلى رئيس الحكومة الذي عبر عن صدمته، إلى وزير التربية والتعليم والراب الرئيسي لدولة إسرائيل وباقي زعماء الطوائف الدينية وحتى لجنة المتابعة العليا وأعضاء الكنيست العرب والأحزاب السياسية وباقي مؤسسات المجتمع المدني، والقائمة تطول. سيل جارف من الاستنكارات شديدة اللهجة منها من يحمل الحكومة والشرطة والعنصرية المتفشية مسؤولية ما يحصل.
كل هذا جيد. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: وماذا بعد الاستنكار؟ قريبا سوف تهدأ الأمور وتعود المياه إلى مجاريها لنغط في سبات عميق حتى نستفيق على عملية الحرق القادمة.
في الحقيقة، ما يهم في هذه الحادثة ويتجاهله جميع المستنكرين العرب مع علمهم واستيعابهم لهذا الواقع الخطير هو أن دولة إسرائيل قد نجحت في تمزيق وتفريق مجتمعنا الفلسطيني إلى طوائف، قد تلتقي في عملية استنكار ولكنها تختلف في باقي الأمور. انه لمن المحزن حقا بل من المخجل أن نقرأ، في وسائل الإعلام العربية وكأن الأمر طبيعي جدا، بيانا صادرا عن اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية العربية في إسرائيل وآخر عن منتدى مجالس القرى البدوية وآخر عن منتدى مجالس القرى الدرزية. وكأن القرى البدوية والقرى الدرزية ليست عربية أو أن عروبتها ناقصة.
لم تقم دولة إسرائيل باختراع سياسة "فرق تسد". وقد تكون قد تعلمتها وورثتها من الاستعمار الانجليزي الذي زرع بذور النزاع في كل مكان كان يستعمره ورحل عنه: في الهند والباكستان والعالم العربي ومعظم دول أفريقيا. هذه السياسة الاستعمارية الانجليزية معروفة جدا حتى أصبحت نموذجا كلاسيكيا. حتى جاءت دولة إسرائيل وطورت هذه السياسة إلى أقصى درجة: أولا فرقت بين اليهود وباقي الأغيار في العالم. شعب الله المختار من جهة مقابل جميع شعوب العالم "الغوييم" من جهة أخرى. ولم تكتف بذلك فبعد إقامة الدولة قامت بالتمييز بين الشعب اليهودي وبين أبناء الأقليات "بني ميعوطيم". ومن ثم قامت بتمزيق الشعب الفلسطيني الممزق أصلا إلى طوائف متنافرة. لا يوجد هنا بقايا شعب عربي فلسطيني تم تشريده قسر اعن وطنه بل يوجد بعض الطوائف من مسلمين ومسيحيين ودروز وشركس وبدو لا تربطهم أية هوية وطنية مشتركة. وقد استفردت مؤسسات الدولة بكل طائفة على حدة بينما نقف نحن وقفة المتفرج ومن حين لآخر نقول كلمة استنكار ردا على جريمة مقترفة.
لقد استفردت الدولة أولا بالطائفة الدرزية وفرضت على الشباب الدروز التجنيد الإجباري وبدأت تروج لهوية قومية درزية وتراث درزي وحلف دم وهمي يربط هذه الطائفة بالدولة. وقد تمت التضحية بحقيقة أن الدروز هم من صلب العروبة قلبا وقالبا على مذبح المصالح الشخصية. فإذا كان دروز هذه البلاد ليسوا عربا فلا وجود لعروبة في هذه البلاد. الدولة التي استفردت بهذه الطائفة وبشكل متناقض هي أول من تؤكد هذه الحقيقة من خلال معاملتها لهذه الطائفة على أرض الواقع: التمييز العنصري، مصادرة الأراضي، طمس الهوية والانتماء.
الأمر نفسه قامت به على مر السنين مع البدو. وبقدرة قادر فقد البدو عروبتهم وتم سلخهم بشكل منهجي عن تاريخهم وتراثهم. بينما من ناحية الأخرى يعاملون من قبل الدولة ومؤسساتها معاملة العبيد. ما يجري في النقب حاليا خير دليل على ذلك.
طبعا لدولة إسرائيل مصلحة في التفريق الطائفي لكي تسود. ولكن ما هي مصلحتنا نحن كشعب فلسطيني للرضوخ وقبول هذه السياسة الغاشمة؟
لماذا لا تقوم اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية بحل نفسها فورا وتعلن: لن تكون هناك لجنة قطرية للسلطات المحلية العربية بدون القرى البدوية والدرزية؟. متى قامت هذه اللجنة أصلا بحراك جدي تتحدى به السياسة الإسرائيلية وتوحد الصفوف؟ لماذا لا تقوم لجنة المتابعة العليا وباقي المؤسسات المدنية بعملية تواصل جدية لرأب التصدع القومي الذي سببته سياسة "فرق تسد". ماذا يفيدنا الاستنكار شريد اللهجة؟ ماذا تفيدنا زيارات المجاملات والنفاق؟ لا شيء.
وأين دور الأحزاب الوطنية والقومية والدينية والتقدمية في التصدي لهذه السياسة الغاشمة؟ لماذا لا يتم مثلا تنظيم يوم الأرض ولو لمرة واحدة في عسفيا أو بيت جن أو في النقب؟ أليست أراضي هذه القرى هي أراضي عربية؟ لماذا لا يكون هناك تحرك جماهيري لنصرة طوبا الزنغرية والقرى البدوية المهددة بالاقتلاع في النقب والاكتفاء بالزيارات النخبوية لبعض الزعامات والاستنكارات شديدة اللهجة؟ يناشدون الجماهير للوقوف إلى جانب إخواننا البدو في النقب ولكنهم يعجزون عن تنظيم حافلة واحدة تنقل المتضامنين من الجليل والمثلث، بينما يتنقلون هم بسياراتهم الفخمة الممولة من الكنيست الصهيوني أو من قبل أحزابهم وجمعياتهم.
لنجعل من جريمة حرق المسجد في طوبا الزنغرية حافزا للقيام بتواصل حقيقي يعيد اللحمة إلى الجسم الفلسطيني الواحد الممزق

Tuesday, October 04, 2011

Dina Zbidat, my daughter, a student in Colombia university wrote this article about the September bid for Palestinian statehood. I wrote about the same subject but in Arabic. I leave it for the readers to see the differences and the similarities.


There is still a disagreement among Palestinians whether to support president Abbas in his initiative or not. On one hand, there is the belief that the recognition of a Palestinian state will give the Palestinians a louder voice in the international arena, and that this step will be a step closer towards Palestinian self-determination. On the other hand, many Palestinian refugees and Palestinian citizens of Israel do not feel represented by Abbas in this move. Other Palestinians think the recognition of a state is useless since Israel will still be in control of most of the land, air, and water.


Opinions vary, and that is ok, but after hearing the speeches at the United Nations I had a lot to think about.


I first got angry after hearing Netanyahu’s speech. Netanyahu repeatedly mentioned the holocaust and the suffering of the Jewish people under Nazism, a subject that always comes up when discussing the question of Palestine. We should never forget the victims of that dark era, never. But what makes me angry is that I feel that those victims are being killed over and over again whenever they are being used by a state for legitimizing the oppression of a whole people in their name. And all I can think about to myself is: why can’t people see this?


In addition, Palestine solidarity movements have learned never to compare Israeli policies and strategies against Palestinians with the Nazi regime, because they are almost always accused of anti-Semitism. Yet, we hear over and over again comparisons made by Israelis between the Nazi regime and the Palestinians or other Arab regimes. The most recent example was in this same UN speech when Netenyahu said:

“...after eight years of this unremitting assault, Israel was finally forced to respond. But how should we have responded? Well, there is only one example in history of thousands of rockets being fired on a country's civilian population. It happened when the Nazis rocketed British cities during World War II. During that war, the allies leveled German cities, causing hundreds of thousands of casualties. Israel chose to respond differently. Faced with an enemy committing a double war crime of firing on civilians while hiding behind civilians ? Israel sought to conduct surgical strikes against the rocket launchers.”

So... hand made rockets fired from people under siege is compared to Nazi rockets fired during World War 2. Is Hamas, or the Palestinians, compared to Nazi germany here? Really? 1.5 million on a small piece of land are compared to the state of Nazi Germany. How Ironic. And wait Mr. Netanyahu, what would you compare the white phosphorus with, and all other weapons you have used against the Palestinian people?

Then I had to think about this whole notion of nation-states and the legitimacy this form of state has in our world these days. What is a nation? What is a state? Will a Palestinian state still be a state when recognized as a member to the UN but with a wall dividing its land, checkpoints all around, settlers burning mosques and trees, and no control over natural resources? And, why do Palestinians need a state in order to be recognized in the first place?

Why does there have to be a ‘Jewish’ state, supposedly the state of all the Jews around the world, for the Jewish people to feel ‘safe’? Why does the existence of one state have to come on the account of others? Why should the existence of a ‘Jewish’ state be based on systematic racism and discrimination against non-Jewish citizens, confiscation of lands, and continuous wars? Something is not right.


A couple of days ago Hillel (a student group with Zionism in its mission statement) put out a tent on Columbia campus with a banner saying “Talk Israel: Join the Conversation”. Some SJP members entered the tent to join other students in their discussions. One discussion point was titled “my love affair with Israel” and people were asked to say two words that came to their mind when hearing the word “Israel”. As most Jewish-Americans said “home”, my Palestinian friends felt pain. They felt pain because it was also their home, but as any Jewish person could go to the “home” they have never been to before because of the Israeli “law of return”1, my Palestinian friends were not allowed to go there, and see the houses where their parents were born in Yafa, Haifa, and Akka, despite their “right of return”2.


History and reality are never objective; we know that. But what I do want Columbia students to take away from the United Nations conference is this:

Always remember that Palestine and Israel are not two equal powers. We should be aware of this unbalanced power when discussing Palestine and Israel, and rethink the arguments and words we continuously hear when talking about this region


It is still unknown what the results of the Palestinian bid to the UN will be. But at least one positive thing came out of it; Palestine is being discussed again, and for that I am thankful.




Wednesday, September 28, 2011

إنها الذكرى الحادية عشرة لانتفاضة الأقصى

إنها الذكرى الحادية عشرة لانتفاضة الأقصى
علي زبيدات – سخنين

الانتفاضة كلمة عربية أصيلة اقتحمت معظم لغات العالم وأصبحت إحدى المفردات التي لا يستغني عنها أي قاموس في هذه اللغات، تستعمل لوصف كل حركة مقاومة أو تمرد أو احتجاج. فقط في اللغة العربية يوجد هناك محاولات حثيثة لوأد هذه الكلمة أو إعادتها إلى قمقمها.
ذكرى ماذا نحيي هذه الأيام؟ هل نحيي الذكرى الحادية عشرة ل "أحداث أكتوبر "2000؟ أم ذكرى "يوم الأقصى"؟ أو ذكرى "هبة القدس والأقصى"؟ أم هي إحياء ل "ذكرى شهداء هبة الأقصى" لا غير؟ وجدت هذه العناوين وغيرها في كافة الجرائد المواقع الفلسطينية المحلية والبيانات بما فيها البيان الرسمي للجنة المتابعة العليا في هذه المناسبة. ولكني لم أجد في أي مكان عنوانا يقول: إحياء الذكرى الحادية عشرة ل "انتفاضة الأقصى" أو إحياء الذكرى الحادية عشرة لل"انتفاضة الفلسطينية الثانية". لماذا تم شطب كلمة انتفاضة من كافة الأماكن؟ هل جاء ذلك من باب الصدفة؟ أم انه نتيجة لدراسة وتخطيط مسبقين خدمة لسياسة معينة؟
أولا، إنها ليست أحداث أكتوبر فقط، فقد بدأت "الأحداث" في 28 سبتمبر/أيلول عندما قام شارون وزمرته بحراسة أكثر من 3000 شرطي بتدنيس الأقصى. في اليوم التالي، أي في 29 أيلول سقط 7 شهداء وفي اليوم الذي تلاه: 30 أيلول سقط 10 شهداء وجاء أكتوبر وتوالى سقوط الشهداء حتى وصل إلى أكثر من 5000 شهيد بالإضافة إلى 50000 جريح. جاء إطلاق اسم: "أحداث أكتوبر" من قبل الحكومة الإسرائيلية ولكن سرعان ما تلقفته الأبواق العربية التي ربطت مصيرها بدولة إسرائيل. إزاء الضغط الشعبي اضطرت لجنة المتابعة بكل مكوناتها بما فيها الأحزاب العربية وما يسمى مؤسسات المجتمع المدني استعمال مصطلح: "يوم الأقصى". ولا يعلم غير الله لماذا "يوم" مع أن سقوط شهداء "الداخل" استمر على مدى عشرة أيام. يبدو أنه في الفترة الأخيرة تم الاتفاق على استعمال مصطلح "هبة الأقصى" أو "هبة القدس والأقصى". هذه الكلمة بالرغم من وقعها الايجابي تحمل في طياتها العفوية من جهة وقصر فترتها الزمنية من جهة أخرى. الخلاصة: كل التسميات مشروعة إذا تم شطب كلمة انتفاضة منها.
أنا كمواطن يتيم ومن مثلي من أيتام هذا الوطن نحيي الذكرى الحادية عشرة للانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتفاضة الأقصى.
بالطبع، إحياء ذكرى الشهداء الثلاثة عشر هو في صميم هذه الذكرى ولكن من غير الاستفراد بهم وسلخهم عن قافلة الشهداء الذين سقطوا في هذه الانتفاضة وفي غيرها. إن عملية الاستفراد هذه إن كانت تمس بشيء فإنها أولا وقبل كل شيء تمس بكرامة الشهداء أنفسهم. بحجة أوضاعنا الخاصة تم تقزيم انخراط جماهيرنا في النضال الوطني الفلسطيني العام وتم عمليا فصل شهدائنا عن باقي الشهداء وحصرهم في خانة: "كيف تقوم دولة بإطلاق النار على مواطنيها". من هذا المنطلق تمت المطالبة بإقامة لجنة تحقيق خاصة، الحكاية طويلة ومعروفة للجميع ولا داع للخوض فيها الآن. وكأن سقوط 5000 شهيد لا يستحق لجنة بل لجان تحقيق ولا يستحق ملاحقة المجرمين في كل مكان وزمان. نعم، نحن شعب واحد، ولكن مع وقف التنفيذ.
كما يقول المثل: شر البلية ما يضحك، ومن شدة مأساوية هذه الذكرى لم نعد ندري هل يجب علينا أن نبكي أم نضحك. فها هو رئيس السلطة الفلسطينية يعود من نيويورك لكي يستقبل استقبال الأبطال، وهو الذي يقود حملة طمس الانتفاضة من الذاكرة الفلسطينية، قد قال: "هذه الانتفاضة دمرتنا ودمرت كل ما بنيناه وما بني قبلنا" وقال: "الانتفاضة أضرت بمصلحة الشعب الفلسطيني وتعيق العملية السلمية". قائد الثورة الفلسطينية وقائد قواتها المسلحة يفتخر بأنه لم يحمل سلاحا في حياته قط. ولم يوفر جهدا في إجهاض أية مقاومة، قبل أن يصبح رئيسا للسلطة – عندما كان رئيسا للحكومة- وبعد أن أصبح رئيسا. وصف أعمال المقاومة بالحقيرة وصواريخها بالعبثية ولفق الفرية المعروفة بعسكرة الانتفاضة. وبذلك اصدر صك براءة لجيش الاحتلال الإسرائيلي المدجج بالسلاح والدبابات والطائرات في قمع المتظاهرين العزل. فمن المسؤول عن عسكرة الانتفاضة؟ وأدخل الجنرال دايتون لتدريب أجهزة الأمن لملاحقة المقاومين ولتأمين الحماية لجيش الاحتلال وللمستوطنين في إطار التنسيق الأمني. وقد صرح في كل مناسبة ومن غير مناسبة: لن تكون هناك انتفاضة في عهدي، فشلت المفاوضات أم لم تفشل، توصلنا إلى تسوية أم لم نتوصل. فهل من الغرابة أن تمر الذكرى الحادية عشرة لانتفاضة الأقصى في الضفة الغربية مرور الكرام؟
ينبغي العمل على إعادة ذكرى مناسباتنا الوطنية إلى نصابها الصحيح. فذكرى النكبة يجب ألا تقتصر على القرى المهجرة وتحتكر من قبل لجنة مشلولة ضيقة الأفق، وذكرى يوم الأرض يجب أن تحتضن كل شبر من أرض فلسطين. وذكرى الانتفاضة يجب أن تحتضن جميع الشهداء وبنفس المقدار.


Wednesday, September 21, 2011

من أيلول الأسود إلى أيلول الأشد سوادا

من أيلول الأسود إلى أيلول الأشد سوادا
علي زبيدات – سخنين

من أيلول الأسود في عمان عام 1970 مرورا بأيلول الأشد سوادا في بيروت عام 1982 وحتى أيلول الأشد سوادا على الإطلاق في نيويورك 2011، جرت في نهر الأردن مياه كثيرة كانت كافية لأن تقلب القضية الفلسطينية رأسا على عقب. في أيلول عمان الأسود خسرنا معركة وفي أيلول بيروت الأشد سوادا خسرنا الحرب أما في أيلول نيويورك الأشد سوادا على الإطلاق فقد خسرنا كل شيء بما فيه أنفسنا.
في أيلول عمان الأسود كنا نعرف من هو العدو وكان كل طفل يردد: العدو هو الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية. وكنا نعرف من هو الصديق: الجماهير الفلسطينية والشعوب العربية وقوى التحرر في العالم. في أيلول بيروت الأشد سوادا اختلط الحابل بالنابل، اختلطت الأوراق، تغيرت المواقع وتبدلت الأدوار. أما في أيلول نيويورك الأشد سوادا على الإطلاق فقد أصبح العدو صديقا وأصبح الصديق عدوا. حيث سوف يمد محمود عباس يده مصافحا بنيامين نتنياهو قبل أن يصوت ضد طلب الأول بقبول دولة فلسطينية في الأمم المتحدة وبعده. وسوف يعانق أوباما وكلينتون قبل وبعد أن يستعملا حق الفيتو.
في أيلول عمان الأسود خسرنا موقعا ولكننا ربحنا قضية. وفي أيلول بيروت الأشد سوادا ضحينا بهذه القضية من أجل الحصول على موقع في نهج التسوية الأمريكية – الإسرائيلية. وفي أيلول نيويورك الأشر سوادا على الإطلاق فقد أصبحنا أصحاب قضية افتراضية يحملها كبير مفاوضينا في حقيبته ويتجول بها في أروقة الأمم المتحدة وباقي مؤسسات "الشرعية الدولية" ويتسرب منها ما يتسرب.
في أيلول عمان الأسود كنا نطلق على أنفسنا اسم ثورة وحركة تحرر وطني وكان العديد يعتبرنا كذلك. في أيلول بيروت الأشد سوادا تركنا جماهيرنا عزلى تحت رحمة وحماية أمريكا وإسرائيل ومليشيا الكتائب الفاشية وركبنا السفن بعد أن تعهدنا بنبذ الإرهاب والتطرف وأن نصبح دبلوماسيين مهذبين، مع إننا واصلنا لبس قناع المقاومة والتحرر. أما إلى أيلول نيويورك ألأشد سوادا على الإطلاق فقد وصلنا عراة حتى من ورقة التين التي كانت تغطي عوراتنا وبدونا كالدجاجة الدائخة المضروبة على رأسها ندعي تحقيق الانتصارات والانجازات. لاحظوا أن الخيط الرفيع الذي يربط أيلول الأسود الأول بأيلول الأسود الأخير هو القيادة المتحجرة نفسها التي لم تتغير على مدى أربعة عقود، ونحن نتكلم عن الربيع العربي!!
كم أخطأ كارل ماركس عندما قال: "التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة بصورة مأساوية ومرة بصورة هزلية". عندنا التاريخ يعيد نفسه مرة ومرتين وثلاث وأكثر. في المرة الأولى بصورة مأساوية وفي المرة الثانية بصورة أكثر مأساوية وفي الثالثة عندما تتحول إلى مهزلة فإنها تكون أشنع من المأساة.
ما زلت أذكر, والكثيرون منا ما زالوا يذكرون كيف كان مدير المدرسة والمعلمون يجمعوننا في ساحة المدرسة للإحتفال بعيد استقلال دولة إسرائيل على صوت طبول الفرقة الكشفية وكيف كان معلم الموسيقى يعلمنا أن نغني معه: في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي، عمت الفرحة البلدان من السهل للوادي، إلى آخر الأغنية. كنا نرددها كالببغاوات. وبالرغم من التغير الجذري الذي طرأ علينا بعد أن تبنينا شعار: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا" فما زالت دولة إسرائيل تحتفل بيوم استقلالها في تاريخ معين مثلها مثل باقي الدول وما زال الكثيرون من بيننا يرسلون لها التهاني . أما نحن، الفلسطينيون، فبالرغم من أنه لا يوجد لدينا دولة بمعنى الكلمة فقد أصبح لدينا ثلاثة تواريخ استقلال على الأقل وتحيرنا أي تاريخ هو يوم الاستقلال الحقيقي. هل هو يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني في أعقاب إعلان الاستقلال في الجزائر وبعد أن قام شاعرنا القومي بالسطو على وثيقة الاستقلال الإسرائيلية مستلهما مضمونها وشكلها؟ أم هو في يوم 13 سبتمبر في أعقاب التوقيع على اتفاقيات أوسلو وولادة السلطة في عام 1993؟ أم هو 23 سبتمبر 2011 أي بعد الانتهاء من مسرحية نيويورك؟
لقد آن الأوان أن نشطب هذا الشهر من الرزنامة الفلسطينية بكل ما يحمله من دلائل ورموز ونستبدله بشهر مشرق جديد.

Wednesday, September 14, 2011

ومع ذلك عرب إسرائيل

ومع ذلك عرب إسرائيل
علي زبيدات – سخنين

عندما قدمت قوى الظلام الكنسية العالم والفيلسوف الايطالي جاليليو جاليلي إلى المحاكمة بتهمة الكفر لأنه كان يدافع عن النظرية التي تقول بأن الشمس هي الثابتة بينما الأرض هي التي تدور حولها، وعندما اضطر إلى التراجع تحت ضغوطات أصدقائه لكي ينجو من العقاب، خرج جاليليو من المحكمة وهو يهمس بجملته المشهورة: "ومع ذلك هي تدور"
بعد أربعة قرون من تلك الحادثة أجد نفسي واقفا الموقف نفسه عند الكلام عن أنفسنا، اقصد نحن الذين تحيرنا في اختيار الاسم الذي ينبغي أن نطلقه على أنفسنا: هل نحن عرب الداخل؟ أم عرب ال48؟ أم عرب الخط الأخضر؟ أم الفلسطينيون مواطنو دولة إسرائيل؟ أم حاشا وكلا، عرب إسرائيل؟ الاسم الذي نهرب منه كما نهرب من الطاعون؟.
بعد انتخابات البرايمرز داخل حزب العمل الإسرائيلي لانتخاب رئيسه القادم والتي لم تحسم نهائيا بعد، وجدتني أصرخ بأعلى صوتي، وليس همسا على غرار جاليليو: "ومع ذلك نحن عرب إسرائيل، ومع ذلك نحن عرب إسرائيل"
لتسقط كل الشعارات التي نرفعها ولتذهب إلى الجحيم، تلك التي تقول: نحن القابضون على الجمر، نحن المتشبثون بهذه الأرض، نحن الصامدون المتمسكون بهويتنا الوطنية، الجزء الحي من الشعب الفلسطيني الواحد، وغيرها الكثير من الشعارات الرنانة ولكن الفارغة كالطبل الأجوف. لقد أثبتنا من حيث الأساس وبكل بساطة: نحن عرب إسرائيل. نقطة.
التاريخ الحديث يعرف هذه ظاهرة منذ أن عرف الاستعمار. عندما كانت إنجلترا تستعمر الهند والباكستان مثلا كانت هناك طبقة ربطت مصالحها بهذا الاستعمار وخدمته بإخلاص وشاركت في حروبه بعيدا عن بلدانها، وعندما رحل هذا الاستعمار لحق من استطاع ذلك بالمستعمر. آلا يجدر أن نطلق على هؤلاء اسم: هنود انجلترا وباكستانيي انجلترا؟ وعندما رحل الاستعمار الهولندي عن اندونيسيا لحق به عدد كبير من اندونيسيي هولندا. وهذا ما حصل عندما رحل المستعمر الفرنسي عن الجزائر، ألم يكن هناك جزائريو فرنسا؟ فلماذا نشذ نحن عن هذه القاعدة؟
25 ألف عربي انضموا إلى حزب العمل الصهيوني، ولنفرض أن أكثر من نصفهم كانوا مزيفين يبقى أكثر من عشرة آلاف عربي هم أعضاء في هذا الحزب. ولا يقولن أحد أن هذه ظاهرة هامشية لأنهم أكثر من أعضاء كافة الأحزاب العربية مجتمعة. فإذا كان هؤلاء هامشيين فإن أحزابهم العربية "الوطنية" أكثر تهميشا. وإذا أضفنا إلى عرب حزب العمل عرب الليكود وعرب كديما وعرب شاس وعرب يسرائيل بيتينو فلماذا نخجل أن نطلق على أنفسنا: عرب إسرائيل؟؟ مهلا مهلا وماذا عن باقي الأحزاب العربية اليسارية والقومية والإسلامية؟ ألا تعرف نفسها بأنها أحزاب إسرائيلية؟ إذن لماذا هذه المكابرة ولا نعترف جميعا بأننا عرب إسرائيل ونفتخر بذلك؟ أم إننا نلحق المثل الذي يقول:" نفسي فيه وتفو عليه"
يبقى عرب حزب العمل صنفا فريدا من نوعه. فهم أشد إخلاصا لهذا الحزب حتى من آبائه الصهاينة المؤسسين. حتى بن غوريون الصهيوني رقم واحد غادر هذا الحزب الذي أسسه بعد خلافات مع زملائه. شمعون بيرس الذي نما وترعرع منذ نعومة أظفاره في أحضان هذا الحزب تركه وبحث عن "مستقبله" بعد أن تجاوز ال80 عاما من عمره في حزب آخر. وهذا براك, الرئيس الأخير للحزب، والذي استبسل عرب الحزب لإنجاحه يرحل هو الآخر. بينما عرب الحزب المبدئيون جدا جدا فهم الأشد تمسكا وإخلاصا. والأنكى من ذلك أنهم يؤيدون دائما من يكون الأكثر تحقيرا لهم ودوسا على كرامتهم. فقد دعموا شمعون بيرس بعد اقترافه مجزرة قانا واستخدموا مآذن بعض الجوامع للدعوة له، وأيدوا إيهود براك قبل مجزرة أكتوبر وبعدها. كما أيدوا بنيامين بن العازار عندما كان شريكا لشارون في اجتياح الضفة الغربية. وأيدوا عمير بيرتس قبيل الحرب على لبنان وها هم يعربون عن ولائهم له مجددا.
لا يوجد لدي تفسير جاهز ومقنع لهذه الظاهرة الخطيرة. اللهث وراء المصالح الآنية والشخصية لن يكون تفسيرا كافيا. انعدام الوعي السياسي والوطني هو أيضا عاجز عن تفسيرها، خصوصا وأن معظم النشيطين من المثقفين وحملة الشهادات الأكاديمية. المعايير الأخلاقية هي الأخرى أعجز من أن تفسرها.
يوجد لهذه القضية أبعاد حضارية تغوص في عمق التاريخ وتحدد العلاقة بين المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتح الميم)، قضية تفكك المجتمع الأصلاني في ظل هيمنة نظام كولونيالي عنصري. قد نجد بعض الإجابات لهذه الحالة في كتابات فرانس فانون وربما بعض المفكرين المسلمين التنويريين مثل مالك بن نبي وعلي شريعتي وغيرهما. ولكن كل دراسة جدية في هذا المجال يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التطورات المحلية والإقليمية والعالمية وتحللها بشكل ملموس.
الأسبوع القادم سوف تحسم رئاسة حزب العمل وسوف يلعب عرب هذا الحزب، الذين يفتخرون بأنهم يشكلون اللواء الأكبر داخله، دورا حاسما في ذلك. ولكن قيمتهم لن ترتفع وسوف تبقى في الحضيض. وثمنهم سيبقى بخسا.
عرب إسرائيل، كما قلت سابقا، ليسوا أولئك الموجودين في صفوف حزب العمل وباقي الأحزاب الصهيونية المعلنة فقط بل الموجودين أيضا في الأحزاب الإسرائيلية العربية الأخرى أيضا. لا يمكن أن تكون إسرائيليا وتدعي في الوقت نفسه مناهضة الصهيونية. فدولة إسرائيل تحمل جميع جينات الحركة الصهيونية. المواطنة الكاملة تعني أسرلة كاملة ولن يشفع لها أية هوية قومية. دولة إسرائيل لا يمكن أن تكون إلا دولة صهيونية، أي دولة كولونيالية عنصرية. حتى نتحرر نهائيا من الهيمنة المادية والثقافية والفكرية للصهيونية ونقاوم حالة التفكك التي تفرضها علينا سوف يبقى اسمنا: عرب إسرائيل.

Wednesday, September 07, 2011

من المفاوضات العبثية إلى الاستحقاقات الوهمية

من المفاوضات العبثية إلى الاستحقاقات الوهمية
علي زبيدات – سخنين

أنا لا أفهم عربي، هل يستطيع أحد أن يشرح لي ماذا تعني كلمة"استحقاق" بالضبط؟ ولماذا "استحقاق أيلول/سبتمبر" بالذات؟ هل يسمى هذا استحقاقا لأنه جاء بناء على وعد قطعه رئيس الولايات المتحدة براك أوباما على نفسه وأمام العالم، ومن ثم تملص منه، لإقامة دولة فلسطينية حتى أيلول من هذا العام؟ أم هذا الاستحقاق قد جاء كمكافأة للسلطة الفلسطينية بسبب قضائها نهائيا على نهج المقاومة وإخلاصها ومثابرتها على التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال؟ ومن ثم فإنها تستحق وتستأهل أن تتحول إلى دولة خصوصا وإن رئيس حكومتها سلام فياض قد صرح منذ فترة طويلة أنه يعمل على بناء مؤسسات الدولة لكي تصبح جاهزة في أيلول. وبناء المؤسسات يتم من خلال دمج الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي بتمويل ورعاية الدول المانحة ومن خلال تقوية أجهزة الأمن التي ساهم في إنشائها الجنرال الأمريكي دايتون والتي تعمل بالتنسيق الكامل مع دولة إسرائيل. لماذا نكرر كالببغاوات استعمال مصطلحات هلامية تفوح من أحشائها رائحة نتنة لا تمت بأية صلة إلى الدولة الحقيقية ذات السيادة والاستقلال. استحقاق الدولة لا يمكن أن يعني سوى أمرا واحدا لا غير: وهو انه قد حان أجل قيامها كنتيجة طبيعية لتراكم النضالات وتحقيق الانتصارات والانجازات التي فرضت نفسها على العالم أجمع وليس عن طريق الاستجداءات المذلة.
يقول البعض: من يعارض "استحقاق أيلول/سبتمبر"، من يعارض أن تتحول السلطة الفلسطينية إلى دولة تكون عضوا في الأمم المتحدة تحظى باعتراف دولي، فأنه يقف إلى جانب إسرائيل وأمريكا اللتان ترفضان هذه العملية وتسعيان إلى إفشالها. هذه الحجة التي انطلت على الكثيرين هي من أغبى الحجج.
أولا: من الخطأ أن يحدد شعب، يناضل من أجل حريته واستقلاله، إستراتيجيته بناء على مواقف أعدائه من قبول أو رفض بل بناء على اعتبارات مبدئية نابعة من صميم حقوقه ومصالحة الوطنية.
ثانيا: من يقول أن إسرائيل وأمريكا تقف فعلا ضد التوجه إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بهذه الدولة المسخ التي تتمتع دولة جنوب السودان المقامة حديثا باستقلالية أكثر منها بما لا يقاس؟ مسرحية الرفض الإسرائيلية واضحة الأهداف. فقد جاءت لاعتبارات استهلاكية داخلية لكي تحول أنظار واهتمامات المواطن الإسرائيلي إلى عدو خارجي وهمي على ضوء الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة التي عصفت بها. فهي تقوم بعملية تعبئة وتجنيد هؤلاء المواطنين من خلال التحريض والتخويف. من هذا المنطلق قامت بتدريب المستوطنين لكي "يدافعوا" عن أنفسهم في أعقاب الاستحقاق. هذا بالرغم من أن رئيس السلطة قد صرح مرات عديدة بأن التنسيق الأمني سوف يستمر وسوف تتعاون قوى الأمن الفلسطينية مع جنود الاحتلال لحماية المستوطنات. ودعا الفلسطينيين للركون إلى الهدوء. وصرح أيضا أن اللجوء إلى الأمم المتحدة لن يكون بديلا عن المفاوضات. إذن لماذا كل هذا الضجيج الفارغ من المضمون؟ إنه يتيح للسلطة الفلسطينية بعد عشرين سنة من المفاوضات العبثية الهروب إلى الأمام لاستحقاق وهمي. ويتيح لحكومة إسرائيل كما قلنا معالجة وحل مشاكلها الداخلية.
السيناريو واضح: إذا عرضت قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية على مجلس الأمن فهناك الفيتو الأمريكي. وإذا عرضت على الجمعية العمومية ونالت الأغلبية فإنها ستتحول في أحسن الحالات إلى دولة غير كاملة العضوية وبالتالي لن يتغير على وضعها شيء اللهم سوى أنها سوف تصبح أكثر قبولا للتنازل والابتزاز.
ما يثير القلق هنا هو موقف الفصائل الفلسطينية وقد انطلت عليها الكذبة وكأننا مقدمون على معركة وطنية من الدرجة الأولى وتجندت كرجل واحد وراء محمد عباس. على هذه الفصائل أن تخجل من نفسها وأن تبدأ بتغيير أسمائها الخادعة. شعارات هذه الفصائل تقتصر على: "الشعب يريد إنهاء الاحتلال"، "الشعب يريد إنهاء الانقسام"، "الشعب يريد الحرية والعودة والاستقلال". الخ. من هذا الصنف من الشعارات. وقد تم شطب كلمة "تحرير" من جميعها. وأنا اقترح عليها، إذا كان هناك من لا يزال بداخلها يخجل من نفسه، أن تبدأ بتغيير أسمائها: فلماذا "منظمة التحرير الفلسطينية"؟ ولماذا "حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح"؟ ولماذا "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؟ ولماذا "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"؟ هل ما زال هناك من يتحلى ببعض الجرأة والاستقامة ليقف ويقول: أيها الشعب الفلسطيني، انس كلمة تحرير، انس 80% من فلسطين، انس العودة. فكل ما تستطيع أن نحصل لك عليه هو هذا الاستحقاق التعيس.

Friday, August 26, 2011

1948 Tents versus 2011 Tents

August 10, 2011.
Ali Zbidat
1948 Tents versus 2011 Tents

I was asked about my stance on the Israeli protest movement that has been taking place for over two weeks, and the effect of the so-called Arab Spring on these protests, and most importantly: what the role of Palestinians living in the colonial state of Israel should be in these protests. Should they join these protests and tents and adopt the same demands? Should they erect their own tents and make demands relative to the Palestinian cause? Or should they quit, stand aside, and say: These protests don’t concern us at all?
Ultimately, the main theme of the Israeli protests, taken from the Arab Spring movement, and tweaked, is: “The people demand social justice!” This slogan summarizes the essence of previous, current and future Israeli protests. First: when they define “people”, we, the Palestinians, find our selves not only outside of this definition, but in the category of “enemy of the people”. Second, what does social justice mean when the entire state, from its inception, has survived on social oppression embodied in colonizing the land of Palestine and displacing its people.
Hence, I came to a definite non-negotiable answer: Any struggle in the State of Israel is necessarily a reactionary struggle as long as it opposes and ignores the struggle for natural rights for indigenous Palestinian people, including the liberation of the land and the return of the refugees.

In summary, The Israeli protest movement is reactionary regardless of its demands and our attempt to give ideological excuses/explanations to it, as some parties are trying. The demands of young couples, university students, doctors, and others can not be progressive demands if they ignore the demands of the indigenous people and instead race to steal their land and destroy any person opposing them.
The aim of these protests is to improve the situation of the colonizers/occupiers while our job is to hold them accountable. Is it my job, as a homeless Palestinian refugee, to make certain that my occupier can live a nice life and acquire a bigger and cheaper apartment on my land? Let this occupier go to hell and wander homeless on the streets. What do the inhabitants of these new, clean, colorful, tents in Tel Aviv, Haifa and Jerusalem think of the black Palestinian tents that filled the area in 1948? Do they recognize their responsibility to these tents? Anyone who wants to live in a comfortable apartment at reasonable price cannot ignore these questions!
Social demands cannot be separated from political demands, especially in this country.
I am not, nor will I fall into the Zionist traps. I am not claiming that the Israeli society does not suffer from class struggles, nor am I someone who is narrow-minded by my nationalist ideals. I do not believe that the “Jewish nation” is an exceptional case because I simply do not believe in the existence of a Jewish nation outside of the sick imagination of some racist Zionists. We have enough meaningless bickering between the Israeli Communist Party and the BALAD party (party that represents Palestinian), which is just as Israeli as the Communist Party.
What I have said above does not lessen the significance of the Israeli protest. In actuality, a positive and important consequence of these events is the truth that came out about our local leadership and political parties. In spite of our continuous empty talks about housing problems, lack of building permissions and land confiscations, our leadership was too cowardly to take initiative and waited two weeks into the Israeli protest movement to join, fearing we wouldn’t be welcomed among the various Israeli protest groups.
Another reason for the importance of the protest movement is its expression of the crisis of the Israeli state locally, and the rising crisis with capitalist systems worldwide.

Finally, these protesters, united, from the right and left, liberals and conservatives, will find themselves faced with a question that will continue to follow them as they attempt to escape it: Will the State of Israel give them any solutions? Or will they discover that the State is in fact their real problem?

Wednesday, August 24, 2011

من الذي انتصر في ليبيا؟ الشعب الليبي أم حلف الناتو؟

من الذي انتصر في ليبيا؟ الشعب الليبي أم حلف الناتو؟
علي زبيدات – سخنين

سقط نظام حسني مبارك في يوم الجمعة 11 فبراير 2011 وعمت الفرحة معظم شوارع العالم العربي. وبالرغم من انتقاداتي السابقة واللاحقة على مجرى الثورة وخصوصا على ضرورة استمراريتها، تعميقها والسير بها حتى النهاية إلا أن الحدث حسب رأيي كان يستحق الاحتفال في كل بيت عربي وشارع. على جناح السرعة، قررت المبادرة بالاتصال بجميع فنانينا الملتزمين وتنظيم مهرجان احتفالي في سخنين بمناسبة انتصار الثورة المصرية ومن قبلها الثورة التونسية. بالرغم من ضيق الوقت ومن التجاوب المتواضع للفنانين، والتجاوب المتواضع من الجماهير إلا أن المهرجان قام في يوم الأحد 13 فبراير أي بعد يومين فقط من انتصار الثورة وكانت الفنانة الملتزمة سلام أبو آمنة على رأس المحتفلين. قلت من على المنصة وأنا تحت تأثير الحماس الشديد الذي وصل إلى حد الهستيريا، خصوصا وأن رياح الثورة أخذت تهب على بلدان عربية أخرى: هذا هو الاحتفال الأول وسوف نحتفل هنا بانتصار كل ثورة عربية، في اليمن وليبيا والبحرين وسوريا والأردن والمغرب وفلسطين.
منذ ذلك التاريخ لم تنتصر أي ثورة عربية، ما عدا "ثورة" ليبيا. وها أنا أنكث بوعدي. لم استطع الاحتفال بل لم استطع حتى الفرح بسقوط صنم عربي آخر. لقد استحوذت علي الشكوك: هل ما حدث في ليبيا كان ثورة أصلا؟ هل نال الشعب الليبي حريته؟ أم أن كل ما هنالك أنه فاز باستعمار جديد؟ كيف يمكن الاحتفال أو حتى الفرح إلى جانب نيقولاي ساركوزي، سلفيو برلسكوني، ديفيد كاميرون وحمد بن خليفة آل ثاني؟ وهل المحتفلون في بنغازي وطرابلس يمثلون حقا الشعب الليبي؟ إذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة كل ما آمنت به وناضلت من أجله حتى ألان.
أولا: يجب أن أغير رأيي وموقفي من حلف الناتو. فهو ليس حلفا امبرياليا قام من أجل ما يسميه هو: مقاومة الخطر الشيوعي وحماية أعضائه الذين ينتمون إلى"العالم الحر" من هذا الخطر. وقام بشن الحرب الباردة التي تحولت إلى حرب ساخنة في العديد من الدول النامية: كوريا، فيتنام، لاوس، كمبوديا، كوبا، تشيلي وغيرها. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بدأ يبحث عن عدو جديد فوجده في العالم الإسلامي والعربي فشن حرب إبادة في أفغانستان والعراق ووقف إلى جانب دولة إسرائيل في جميع حروبها. بل هو حلف يناصر الشعوب المظلومة ويدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وثانيا: يجب تقديم اعتذاري إلى كل من كرزاي والجلبي والمالكي وعلاوي والسنيورة والحريري وعباس وفياض الذين اتهمتهم بالعمالة أو التواطؤ مع الامبريالية بينما هم أبطال وطنيون على غرار زميلهم في ليبيا مصطفى عبد الجليل.
ثالثا: يجب أن أسحب كل ما قلته عن جامعة الدول العربية: عن عجزها وفسادها وأن أكف عن التطاول على بعض الأنظمة العربية ونعتها بالرجعية فها هي وقفت إلى جانب "الثورة" الليبية وخصوصا دول الخليج والسعودية وقرار الجامعة العربية الذي شكل الغطاء اللازم لحلف الناتو من أجل التدخل العسكري. حمد بن خليفة آل ثاني هو تشي جيفارا الشرق بعد وقفته المشرفة إلى جانب "الكتائب الأممية" في العراق والبحرين وليبيا. يا لسخرية الأقدار!
عند كتابة هذه السطور كان مصير القذافي الشخصي ما زال مجهولا. إلا أن مصير نظامه كان قد حسم قبل ذلك بعدة أشهر أي بعد قرار جامعة الدول العربية بتفويض مجلس الأمن فرض حظر الجوي على ليبيا لحماية المدنيين وبعد قرار مجلس الأمن تنفيذ هذه "الحماية" من خلال غارات حلف الناتو الجوية، وكأنه لا يوجد مدنيين في المناطق التي تعرضت لهذه الغارات. لقد شن حلف الناتو بناء على تصريحاته هو أكثر من 7500 غارة جوية، فلماذا لم تقم قناة الجزيرة والعربية بتغطية هذه الغارات خصوصا تلك التي استهدفت المدنيين وأوقعت ضحايا لن نعرف عددها أبدا بينما كانت تعيد بث صور غارات كتائب القذافي التي استهدفت المدنيين مهما كانت ضئيلة عشرات بل مئات المرات؟
لا أدافع عن نظام القذافي ولا أتباكى على سقوطه. فقد كتبت عن ضرورة إسقاطه عندما كان المحتفلون اليوم يحجون إليه وينادونه بملك الملوك ورئيس الرؤساء. لكن للحقيقة وللتاريخ لم يكن القذافي أسوأ من باقي الحكام العرب الذين يتم السكوت عن جرائمهم. هل الملوك والرؤساء العرب من محمد السادس في المغرب مرورا بعبد الله الثاني في الأردن وحتى ملك السعودية وباقي أمراء الخليج أفضل من القذافي؟ فلماذا لا يقوم حلف الناتو إذا كانت مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان العربي تهمه إلى هذه الدرجة بتخليصنا منهم؟.
تمتلئ صفحة الفيسبوك بالتهاني من قبل المنافقين "الوطنيين" قبل غيرهم ومن قبل الحريصين على حقوق الإنسان بسقوط الطاغية وبهذا النصر العظيم الذي حققه الشعب الليبي! بدون أن ينبسوا ببنت شفة حول عودة الاستعمار إلى هذا البلد إلى سابق عهده.
ما حدث في ليبيا لا يمت للثورة بصلة. إنه صراع على السلطة بين نخب قبائلية متناحرة. القيادة في المجلس الوطني الانتقالي كانوا إلى فترة بسيطة مضت من أركان نظام القذافي وشاركوه عشرات السنين بجرائمه. سوف يتغير من يقف على رأس النظام ولكن النظام نفسه باق، ولكن هذه المرة سوف يكون أكثر خضوعا للنظام الامبريالي العالمي.
لقد أعدم عمر المختار من قبل المستعمر الايطالي مرة واحدة. ولكنه يعدم كل يوم من قبل الطرفين المتصارعين الذين يقترفون جرائمهم باسمه. دعوا عمر المختار يستريح في قبره، لا تقلقوا راحته الأبدية. فروح عمر المختار سوف تلاحقكم حتى انتصار الثورة الحقيقية.

Wednesday, August 17, 2011

سوريا: هل هي ثورة أم مؤامرة؟

سوريا: هل هي ثورة أم مؤامرة؟
علي زبيدات - سخنين

كلما كثرت المعلومات التي تردنا عما يجري في سوريا كلما ابتعدت وضاعت الحقيقة. إننا نقف أمام فيض بالمعلومات تغرقنا فيها قناة الجزيرة والعربية وال BBC الانجليزية وال CNN الأمريكية و France 24 باللغة العربية وعشرات القنوات الفضائية والمواقع العنكبوتية والصحف. كل هذا الفيض والأراضي السورية مغلقة في وجه وسائل الإعلام هذه فكيف تكون حالة هذا الكم الهائل من المعلومات لو كانت الحدود السورية مفتوحة أمامها؟ أي "شاهد عيان" يظهر على شاشة الجزيرة عبر الهاتف هو شاهد زور وأي منهم هو شاهد حقيقي؟ أي مقطع فيديو تم تركيبه أو العبث به أو منتجته عن طريق الفوتو شوب وأي مقطع يصور بصدق ما يجرى على أرض الواقع؟.
لا أريد أن أكرر نفسي فقد كتبت في هذا الموضوع سابقا. تطورات الأحداث لم تزعزع إيماني بما قلت بل بالعكس فقد زاد هذا الإيمان رسوخا.
وضعت أمامي مقياسين لتقييم حركات الاحتجاج العربية والتي يسميها البعض بشكل جارف بالثورات العربية، الاول: مدى جذرية التحولات الاجتماعية والسياسية التي تطرحها هذه الحركات منذ اندلاعها وخلال الصراع ومدى تحقيق هذه التحولات في البلدان التي انتصرت فيها (تونس ومصر). الثاني: مدى مقاومة نظام العولمة الرأسمالي ورفض هيمنته ومقاومته.
يشكل هذان المقياسان بالنسبة لي، وأرجو أن يكون كذلك بالنسبة للآخرين أيضا، نوعا من البوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح وتحذر من الانحراف. في الحقيقة كانت انجازات حركات الاحتجاج العربية، وأنا لا أجرؤ على تسمية جميعها بالثورات لأن ذلك سيكون تجنيا على مفهوم الثورة، في كلا المجالين متواضعة جدا في الأماكن التي سقط فيها النظام (مصر وتونس) أما في الأماكن التي لم يسقط فيها النظام بعد (ليبيا، اليمن، البحرين، سوريا) وفي باقي الأماكن التي لم يصل فيها الصراع إلى حد الانفجار فالوضع أسوأ بما لا يقاس.
في تونس ومصر على سبيل المثال، وهنا لا أتردد أبدا أن أطلق اسم الثورة على التحولات التي حصلت فيها من حيث المد الجماهيري والمشاركة الشعبية التي أسفرت عن إسقاط النظام. ولكن أين التحولات الاجتماعية والسياسية التي حصلت؟ لم أسمع مثلاعن إعادة تقسيم عادل لثروات البلد. لم أسمع عن تأميم بنوك أو شركات احتكارية أو إعادة توزيع أراض أو لجم تغول رأس المال المحلي المدعوم عالميا. في مصر مثلا لم يستطيعوا حتى التخلص من صفقة بيع الغاز لإسرائيل بالرغم من اتفاق الجميع على إجحافها. وأين رفض الهيمنة الامبريالية؟ ولا كلمة، بل على العكس يحاول النظامين الجديدين في كل من تونس ومصر الحفاظ على العلاقات الحميمة مع النظام الامبريالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ومع الاتحاد الأوروبي. الوضع أسوأ بما لا يقاس في ليبيا حيث قام المعارضون بإرجاع القوى الامبريالية متمثلة بحلف الناتو إلى البلد الذي قدم آلاف الشهداء للتحرر من نيرها. انك بحاجة لخيال مريض حتى تسمي قيادة المعارضين الليبيين بالثوار، هذا بغض النظر عن طبيعة النظام القائم.
لنعود إلى الوضع في سوريا والذي يهمنا أضعاف ما يهمنا الوضع في ليبيا أو في أي قطر عربي آخر. ليس فقط لأن سوريا قريبة علينا جغرافيا ولها دور خاص تجاه القضية الفلسطينية، بل لأننا كفلسطينيين نشكل جزءا لا يتجزأ من بلاد الشام ومن شعبها بالرغم من حالة التمزق التي فرضتها علينا معاهدة سايكس – بيكو وبالرغم من النزاعات الإقليمية لبعض الطبقات الحاكمة. هل ما يجري في سوريا هو مؤامرة دولية – إقليمية – محلية لإسقاط نظام الممانعة خدمة لدولة إسرائيل؟ أم هي ثورة شعبية ضد نظام قمعي فاسد؟ مما لا شك فيه أنه يوجد هناك مؤامرة تستهدف سوريا ودورها في النزاع العربي – الإسرائيلي وإلا كيف يمكن أن نفهم تكالب أمريكا وأوروبا والرجعية العربية لمحاصرة وإسقاط النظام السوري؟ هل يمكن أن نقف إلى جانب الاستبداد في قطر والسعودية والى جانب تيار المستقبل اللبناني ونصدق أن دورهم هو حرصا على الشعب السوري ودفاعا عن حريته ورخائه؟ هل يمكن أن نطمر رؤوسنا بالرمل ولا نرى التحركات الإسرائيلية المخابراتية لاختراق كل بلد عربي؟ ولكن، ومن جهة أخرى، هل ينفي هذا استبدادية وفساد النظام السوري؟ كلا طبعا. إذن، الوضع في غاية التعقيد ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبسيطه. وهنا لا بد من العودة إلى البوصلة التي تكلمت عنها سابقا. ما يقلقني هنا هو انجراف قوى المعارضة السورية في العموميات. الاقتصار على الشعارات العامة حول إسقاط النظام الاستبدادي واستبداله بنظام ديمقراطي لم تعد كافية. خصوصا وأن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية عليها علامات استفهام كبيرة. حتى ألان لم أسمع عن أية معارضة سورية تطرح برنامجا اجتماعيا سياسيا تقدميا وتدعو الجماهير لتبنيه والنضال من أجله. والاهم من ذلك لم أسمع عن تصريحات من أية جهة معارضة تدعو إلى مقاومة الهيمنة امبريالية وكل أشكال التدخل الأجنبي. بالمقابل توجد هناك أوساط معينة من المعارضة السورية ترتمي في أحضان الامبريالية الغربية ومنها من قابل وزيرة الخارجية الأمريكية مؤخرا. هنا لا تكفي التصريحات العامة برفض التدخل العسكري الأجنبي بل يجب فضح ورفض مثل هذا التدخل بجميع أشكاله. حتى تستحق حركات الاحتجاج السورية اسم ثورة يجب أن تطرح برنامجا اجتماعيا سياسيا جذريا وتقدميا وأن تعبر عن مدى رفضها ومقاومتها للهيمنة الامبريالية. أقول ذلك وأنا أضع ما آلت إليه الثورة الفلسطينية (ثورة مجازا) نصب عيني: إذ كيف يمكن اعتبارها ثورة وهي تدور في فلك الامبريالية والصهيونية؟ كيف يمكن اعتبارها ثورة وهي غارقة من رأسها إلى أخمص قدميها بالفساد؟
انتهى نظام البعث السوري تاريخيا ولكن هل نريد احمد جلبي، كرزاي، عباس، حريري آخر؟؟

Wednesday, August 10, 2011

خيمة 1948 مقابل خيمة 2011


خيمة 1948 مقابل خيمة 2011
علي زبيدات – سخنين

سئلت عن موقفي من حركة الاحتجاج الإسرائيلية التي تجتاح البلاد منذ أكثر من أسبوعين وعن تأثير ما يسمى بالربيع العربي على هذه الاحتجاجات، وأخيرا وليس آخرا وربما كان السؤال الأهم: ما هو دور الجماهير الفلسطينية في هذه البلاد؟ هل ينبغي أن تنضم إلى هذه الاحتجاجات وتلقي بثقلها في خيام الاعتصام وتتبنى مطالبها؟ أم عليها أن تقيم خيامها الخاصة وتطالب بتحقيق مطالبها الخاصة؟ أم عليها أن تعتزل وتقف وقفة المتفرج وتقول: هذه الاحتجاجات لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد. وهناك العديد من التساؤلات الأخرى المتفرعة عن ذلك.
لنبدأ من النهاية: شعار حركة الاحتجاج الإسرائيلية الرئيسي، المستمد، مع التحريف طبعا، من حركات الاحتجاج العربية هو: " الشعب يريد عدالة اجتماعية الآن". هذا الشعار يلخص جوهر الاحتجاجات الإسرائيلية السابقة والراهنة والقادمة أيضا. أولا: عندما يعرفون الشعب، فنحن الفلسطينيون نجد أنفسنا ليس فقط خارج تعريفهم بل نجد أنفسنا في خانة "أعداء الشعب". وثانيا ما معنى عدالة اجتماعية والدولة بأسرها تقوم منذ يومها الأول على الظلم الاجتماعي الذي يجسده اغتصاب أرض فلسطين وتشريد أهلها.
من هنا جاء جوابي النهائي المسبق الذي لا يقبل أي نقاش وهو: أن كل نضال في دولة إسرائيل هو بالضرورة ومن حيث التعريف نضال رجعي ما دام يتعارض أو يتجاهل النضال من أجل إعادة الحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني كاملة والتي تتلخص في تحرير الأرض وعودة اللاجئين.
باختصار: حركة الاحتجاج الإسرائيلية هي حركة رجعية في جوهرها مهما كانت مطالبها ومهما حاولنا إضفاء التبريرات الإيديولوجية عليها كما تفعل بعض الأحزاب. مطالب الأزواج الشابة، طلاب الجامعات، الأطباء وغيرهم لا يمكن أن تكون مطالب تقدمية إذا كانت تتنكر لحقوق أصحاب الأرض وتتسابق في هضمها وقمع كل من يطالب بها. هذه النضالات جاءت في أحسن الحالات لكي تحسن من ظروف المغتصبين الحياتية بينما مهمتنا هي معاقبة المغتصبين. هل من مهمتي، أنا الفلسطيني اللاجئ المشرد، أن ينعم مغتصبي بحياة رغدة وينال شقة سكنية أوسع على أرضي وبأسعار رخيصة؟ ليذهب هذا المغتصب إلى الجحيم وليتشرد في الشوارع. ما هو رأي سكان الخيام الجديدة والنظيفة والملونة في تل أبيب والقدس وحيفا وباقي المدن الإسرائيلية بالخيام الفلسطينية السوداء التي ملأت المنطقة في عام 1948؟ هل يعترفون بمسؤوليتهم عن تلك الخيام؟ من يريد أن يحصل على شقة مريحة ومن يريد أن يستأجر شقة بسعر معقول في هذه البلاد لا يمكنه أبدا أن يهرب أو يتهرب من مواجهة هذا السؤال.
لا يمكن فصل المطالب الاجتماعية عن المطالب السياسية خصوصا في هذه البلاد مهما حاول عصام مخول وأيمن عودة وعودة بشارات وغيرهم ابتذال الشيوعية كنظرية نقدية كبرى وتحويلها إلى نظرية ليبرالية مبتذلة تقود إلى ممارسات أشد ابتذالا. لا يهمني إذا صرح مخول بأنه يفتخر بانتمائه إلى الشعب الإسرائيلي أو لم يصرح، كما لا يهمني كثيرا ماذا تقوله وثيقة السادس من حزيران 1980. فهو "جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني" حسب الوثيقة وهو في الوقت نفسه "جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب الإسرائيلي" فأين التناقض؟ هل يوجد تناقض؟ لا يوجد تناقض. أنصح الرفيق مخول وباقي الرفاق أن يحضروا المسرحية الكوميدية "خادم لسيدين".
لست من الواقعين في فخ الحركة الصهيونية. ولا أقول بأن المجتمع الإسرائيلي يخلو من الصراعات الطبقية. ولست ممن "يؤدلجون ضيق الأفق القومي" ولا أؤمن بأن "الشعب اليهودي" حالة استثنائية مميزة لأني وبكل بساطة لا أؤمن بوجود "شعب يهودي" أصلا إلا داخل المخيلة المريضة لبعض العنصريين الصهاينة. لقد سئمنا من المناكفة العقيمة بين الحزب الشيوعي الإسرائيلي والتجمع الوطني الديمقراطي (مع وبدون هلالين) الذي لا يقل إسرائيلية عن الحزب الشيوعي.
ما قلته سابقا لا يقلل من أهمية الحركة الاحتجاج الإسرائيلية. ولعل أكثر مساهمة ايجابية قدمتها لنا هي أنها عرت قيادتنا المحلية من أحزاب سياسية ولجنة متابعة مرة أخرى. فبالرغم من كلامنا الغزير ولكن الفارغ عن ضائقتنا السكنية وهدم البيوت وعدم الترخيص ومناطق النفوذ وغيرها إلا أن هذه القيادة جبنت من تأخذ زمام المبادرة بيدها وتعمل شيئا، وفقط بعد مرور أكثر من أسبوعين قررت وبشكل خجول ركوب الموجة ويدها على قلبها: هل سيتم الترحيب بها أم أو لفظها.
هذه الحركة مهمة أيضا لأنها تعبر عن أزمة الدولة ككل، بل عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي بأسره. في نهاية المطاف سوف يجد هؤلاء المحتجون، الموحدون بيمينهم ويسارهم، بليبرالييهم وعنصريهم، أنفسهم يقفون أمام السؤال الذي يلاحقهم ويهربون منه: هل دولة إسرائيل ستقدم لهم الحلول؟ أم أنهم سيكتشفون أن هذه الدولة هي مشكلتهم الحقيقية؟

Wednesday, August 03, 2011

المجاعات والموت هي صناعات رأسمالية

المجاعات والموت هي صناعات رأسمالية
علي زبيدات – سخنين

الصور التي تبثها الفضائيات يوميا عن المجاعة في القرن الأفريقي فظيعة ومحزنة ولكنها ليست فقط كذلك، إنها مثيرة للسخط والغضب في الوقت نفسه. مظاهر الأطفال الذين يشبهون الهياكل العظمية في فلم رعب أمريكي، الشيوخ والنساء ومظاهر الفقر المدقع والبؤس والجوع، أنها جميعها أمور لا تصدق، إنها وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء. ولكنها أولا وقبل كل شيء جريمة مروعة. وككل جريمة يوجد هناك مجرم اقترفها يجب فضحه، إلقاء القبض عليه، تقديمه إلى المحاكمة ومعاقبته عقابا صارما يتناسب مع هول الجريمة.
كالعادة، الفضائيات ومن ورائها مما يسمى بالمجتمع الدولي والمؤسسات "الإنسانية" التي يرعاها النظام الرأسمالي السائد تبرئ المجرم الحقيقي وتبحث عن عوامل ثانوية لكي تحملها مسؤولية هذه الجرائم. تقول لنا هذه الفضائيات ومن يمولها ويقف وراءها: أن المسئول عن المجاعة في القرن الإفريقي هو الجفاف الذي يضرب تلك المنطقة. ومن يستطيع أن يكذب الصور التي تجسد هذا الجفاف؟ إلا أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. طبعا يوجد هناك جفاف، وهذا الجفاف يلعب دورا مهما في تفشي المجاعات ولكن من هنا وحتى تحميل الجفاف جريمة هذه المجاعات المسافة طويلة.
أولا وقبل كل شيء الجفاف نفسه كجزء من ظاهرة التحولات المناخية التي تشهدها كرتنا الأرضية المسئول الأول عنه هو النظام الرأسمالي العالمي المهيمن، وهذا باعتراف الدول الصناعية المتطورة نفسها. ثانيا، لماذا هذا العجز في مواجهة الجفاف؟ أثيوبيا مثلا هي خزان عالمي للمياه وأراضيها تشمل المنابع الأساسية لنهر النيل الذي يمر فيه 115 مليار كوب سنويا، فكيف لا يوجد هناك سياسة لتزويد جنوبها الذي يضربه الجفاف بشكل دائم بالمياه الضرورية؟ أوغندا وكينيا وحتى الصومال التي تقع في مركز الجفاف والمجاعة لديها ما يكفي من المياه لمواجهة الجفاف والتغلب عليه. إذن يوجد هناك عامل آخر هو المسئول عن هذه الجرائم البشعة. منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة: الفاو تذكر بالإضافة إلى الجفاف غلاء الأسعار والنزاعات العسكرية الداخلية كأسباب لتفشي المجاعة. فمثلا أسعار الذرة وباقي الحبوب في هذه المنطقة ارتفعت في الثلاث سنوات الأخيرة بنسبة تتراوح بين 60-120%. أما النزاعات المسلحة فحدث فيها بلا حرج. في الصومال لا يوجد حكومة معترف بها منذ سنوات. الكل هناك يطلق النار على الكل. وعدد قطع الأسلحة بين أيدي الناس يزيد عن عدد الأرغفة. والوضع ليس أحسن بكثير في باقي دول القرن الأفريقي الأخرى. ولكن الفاو وباقي المؤسسات التابعة للأمم المتحدة مرة أخرى تتستر على المجرم الحقيقي وتحاول تبرئته من خلال الدعوة للإسراع بإرسال المساعدات الغذائية. لا تقول الفاو مثلا من هو المسئول عن غلاء أسعار السلع الأساسية وما هي علاقة هذا الغلاء بالأزمة الاقتصادية التي عصفت مؤخرا بالدول الرأسمالية المتطورة. ولا تقول شيئا حول من يشعل نار النزاعات الداخلية المسلحة ومن الذي يزود الأطراف المتنازعة بالسلاح. الجواب واضح: النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تفعل ذلك. ولكن الوضع أخطر من ذلك بكثير. دول القرن الأفريقي ليست دولا فقيرة فهي غنية بالمواد الخام من معادن مختلفة منها اليورانيوم والغاز الطبيعي ومؤخرا تم اكتشاف حقول نفط واسعة في الصومال، هذا بالإضافة إلى الأراضي الخصبة التي لا تكفي لإطعام السكان المحليين فحسب بل ولتصدير الفائض أيضا. أين ذهبت هذه الثروات؟ بكل بساطة يتم سلبها من قبل الشركات الرأسمالية العالمية. لم أصدق عيني عندما قرأت أن هذه الشركات تحتكر حقولا واسعة في أثيوبيا وكينيا لزراعة الزهور التي تصدر إلى أوروبا بدلا من أن تكون مزروعة بالذرة والقمح. بينما يتلقى العامل في هذه المزارع أجرا يوميا لا يزيد عن 50 سنت.
4 ملايين صومالي مهددون بالموت جوعا. 14 مليون أفريقي في القرن الأفريقي مهددون بالموت جوعا. مليار إنسان في شتى أرجاء العالم يعانون من سوء التغذية. إذن، النظام الرأسمالي العالمي هو القاتل، هو المجرم الحقيقي، هو المسئول ليس عن المجاعات فحسب بل وعن الجفاف وغلاء المعيشة والحروب المتواصلة أيضا. ولا يغرنكم ذر الرماد في العيون على شكل هبات ومساعدات وقروض يقدمها هذا النظام القاتل.
نحن، سكان هذه المنطقة من العالم، نعرف هذه الحقيقة جيدا من واقع قطاع غزة. قطاع غزة ليس فقيرا كما يصوره البعض. وهو يستطيع سد احتياجات سكانه بكاملها وحتى تصدير العديد من السلع إلى الخارج. النظام الرأسمالي من تل أبيب إلى واشنطن مرورا بباريس ولندن هو الذي يخنق ويفرض الفقر على قطاع غزة. غزة ليست بحاجة إلى هبات الدول المانحة وليست بحاجة إلى الملايين التي ما زالت حبرا على ورق والتي خصصها أمراء النفط كذبا وبهتانا لإعادة إعمارها. إنها بحاجة إلى أمر واحد فقط: ارفعوا أيديكم القذرة عن قطاع غزة وهو سيعمر نفسه والآخرين أيضا.
في هذا الشهر، شهر رمضان تزداد المواعظ ضد البذخ والتبذير، وأنا شخصيا لست من المتحمسين للمواعظ، فالبذخ مستمر والتبذير مستمر بل ويزداد أيضا والطوابير أمام حوانيت الحلويات والمواد الغذائية والمطاعم الفاخرة تزداد طولا. وبدل أن يصرح أحد زعامات الحركة الإسلامية في البلاد أمام آلاف المستمعين أنه سوف يرسل المساعدات الإنسانية للصومال ننصحه أن يبدأ بإرسال هذه المساعدات إلى غزة وهي الأقرب. ولكن أولا يجب البدء بمحاربة البذخ والتبذير والاختصار من الإفطارات الجماعية المبالغ فيها والإعلان عن حملة لنصرة غزة يتم تنفيذها في عيد الفطر.

Wednesday, July 20, 2011

حمى المصالحة وأوهام الوحدة

حمى المصالحة وأوهام الوحدة
علي زبيدات – سخنين

كتبت في الماضي وها أنا أعود وأكتب: ليست كل وحدة هي وحدة ايجابية وليس كل انشقاق هو انشقاق سلبي. الوحدة التي تجمع بين الغث والسمين، وتخلط القمح مع الزوان وبين من يخدم قضية شعبه العادلة بإخلاص وبين الذي يتاجر ويفرط بها لا يمكن أن تكون وحدة ايجابية حتى وأن جعلنا منها بقرة مقدسة وأحطناها بهالة من القدسية وأطلقنا عليها اسم "الوحدة الوطنية" الذي لا يستطيع أن يتطاول عليه أحد. في المقابل، الانشقاق الذي جاء ليفرز القمح عن الزوان، ليعري ويسقط العناصر الطفيلية التي تساوم على الثوابت، والذي جاء للدفاع عن قضية الشعب لا يمكن أن يكون سلبيا.
حسب رأيي، في خضم النضال ومع تطور الأحداث على كافة المستويات لا يوجد هناك حالة نموذجية مثالية. فالوحدة كما الانشقاق يحملان بين طياتهما عناصر ايجابية وأخرى سلبية وتشكل عملية معقدة من وحدة وصراع الأضداد. لذلك يجب تناول كل ظاهرة وحدة أو انشقاق بشكل ملموس وبروح نقدية.
في الفترة الأخيرة طغت على الساحة الفلسطينية موجة من المصالحات والكلام المكثف عن إعادة الوحدة بدأت بين فتح وحماس وانتقلت إلى الحركة الإسلامية الشمالية والجنوبية ومن ثم إلى حركة أبناء البلد.
في الحقيقة كنت في البداية متعاطفا إلى أبعد الحدود مع الانشقاق بين فتح وحماس بالرغم من أنه لا يربطني بالطرفين أية علاقة تنظيمية أو أيديولوجية. وكنت أرى فيما حصل بأنه فرز بين نهجين متعارضين: نهج المقاومة مقابل نهج التفريط. وجاء لينظف الشوائب الفاسدة التي علقت بالقضية الفلسطينية والتي فرضتها النخبة المهيمنة في سلطة أوسلو. ولكن مع الوقت تبين أن الصورة تختلف بعض الشيء وأن الهدف الأساسي من الانشقاق كان الصراع على سلطة وهمية هي سلطة أوسلو. وإن الشعارات في واد والواقع في واد. طبعا منذ اللحظة الأولى للانشقاق بدأ الكلام عن المصالحة وعن إعادة اللحمة بين الطرفين والتي تكللت مؤخرا بالنجاح بعد 5 سنوات من المحاولات المعروفة لكل فلسطيني. المصالحة لم تتطرق حتى ولا بكلمة واحدة عن نهج المقاومة مقابل نهج التفريط، أو عن أية قضية مبدئية تخص صلب النضال الفلسطيني. ولكنها تمركزت حول الاتفاق لتشكيل حكومة انتقالية جديدة تضم شخصيات مستقلة، تشكيل لجنة انتخابية وبعض المطالب المتبادلة كإطلاق سراح المعتقلين من كلا الطرفيين. هل كان الانشقاق منذ البداية حول هذه الأمور؟
وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية تصور المصالحة وإعادة الوحدة بين كافة الفصائل وكأنه مطلب جماهيري مقدس على الجميع أن يهتف له ويصفق لنجاحه. بينما استمرار الانقسام هو مطلب إسرائيلي – أمريكي ويكفي تهديد نتنياهو لرئيس السلطة: يجب أن تختار إما إسرائيل وإما حماس.
الحقيقة غير ذلك. صحيح أن المطلب الإسرائيلي – الأمريكي هو أن يكون هناك انقسام فلسطيني يشغل الفلسطينيين بعيدا عن قضية العودة والتحرير ولكنه يفضل أن تكون هناك وحدة فلسطينية تعمل على وأد العودة والتحرير إلى الأبد.
المصالحة بين شقي الحركة الاسلامية في الداخل لا يهم أعضاء الحركتين وحدهم بل يهم كافة قطاعات شعبنا. هل كان الانشقاق قبل حوالي 15 سنة حول موقف مبدئي من الانتخابات للكنيست الصهيوني وحول الموقف من الكيان الصهيوني برمته أم كانت هناك خلافات شخصية امتزجت مع بعض المواقف السياسية؟ لا أخفي مرة أخرى بأني كنت اشد ميلا إلى الشق الشمالي، هذا بالرغم من بعدي التنظيمي والايدولوجي عن الطرفين. مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف مبدئي من غير شك، ولكن مقاطعة الشق الشمالي لهذه الانتخابات لم تكن جذرية بالقدر المطلوب وكانت تتخذ موقفا ليبراليا منها: قيادة الحركة لا ترشح نفسها ولا تنتخب ولكن القاعدة تستطيع أن تشارك أو لا تشارك. مرة أخرى تكللت محاولات المصالحة بالنجاح، هذا حسب وسائل الإعلام التي هي مصدري الوحيد للمعلومات، ولكن من غير أن تحسم هذه القضية. واليوم يقوم التحضير على قدم وساق لمهرجان الوحدة تحت شعار: مهرجان "البيعة والوفاء لرسول الله"، وكأن الانقسام كان لهذا السبب. لو كنت عضوا في أحدى الحركتين الإسلاميتين لسالت: لماذا كان الانشقاق؟ ولماذا الوحدة الآن.
المصالحة الأخيرة والوحدة الأخيرة هي بين شقي أبناء البلد، هذا على اعتبار أن الشق الثالث الذي شارك في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي وما زال منخرطا في صفوفه قد تنازل عن اعتبار نفسه طرفا في المصالحة والوحدة. على عكس الحالتين السابقتين أجد نفسي هنا متورطا عاطفيا على الأقل. فقد كانت وما زالت تربطني بهذا التيار أواصر عديدة. ولكني هنا أيضا أقف أمام لغز: لماذا كان الانشقاق أصلا وعلى أي أساس تأتي الوحدة الآن؟
بعد التجربة القصيرة والخروج من التجمع الوطني الديمقراطي أعلن كلا الشقين المقاطعة المبدئية الانتخابات للكنيست. وكانت توجه الانتقادات بين الحين والآخر لأحد الشقين بأن مقاطعته للانتخابات ليست حاسمة وليست مبدئية وأن خروجه من التجمع كان لعدم حصوله على المراكز التي كان يطمح بها. كلا الشقين وجد مكانا له في لجنة المتابعة العليا جنبا إلى جنب مع باقي الأحزاب العربية التي تؤمن بالكنيست وانتخاباتها. وأخيرا تبنى كلا الشقين حل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة. إذن أين الاختلافات الفكرية والسياسية التي تبرر الانشقاق؟ وهل حقا لم تلعب الخلافات الشخصية دورا حاسما في هذا الانشقاق. وعلى أي أساس تتم الوحدة حاليا؟ لم أقرأ أية وثيقة سياسية تبين أسس مثل هذه الوحدة المقترحة. أبناء البلد تاريخيا هي الحركة السياسية الوحيدة التي تمسكت بالهوية الوطنية الفلسطينية كهوية وحيدة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948. ولكنها لم تتطور فكريا كما وتعثرت سياسيا. في الماضي كان هناك نقاش أيديولوجي في صفوفها فمنهم من أراد أن تتبنى الحركة الماركسية اللينينية والاشتراكية العلمية ومنهم من اكتفى بالأفكار القومية العامة. اليوم لا يوجد هناك أي نقاش فكري حيث ما زال البعض يتبنى الماركسية والبعض الآخر قريب من فكر الإخوان المسلمين.
القضية ليست وحدة أو عدم وحدة الحركة بل ما هو الأساس السياسي والايدولوجي لهذه الوحدة. والقضية في الوقت نفسه ليست الانشقاق ولكن ما هي المبررات الإيديولوجية لهذا الانشقاق.
الصراع الفكري والأيديولوجي هو الضمان الوحيد لعدم الانجراف في تيار أوهام الوحدة والمصالحات.

Wednesday, July 13, 2011

من كذبة المفاوضات إلى كذبة الاعتراف

من كذبة المفاوضات إلى كذبة الاعتراف

علي زبيدات – سخنين

لنفرض جدلا أن سلطة أوسلو ذهبت إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولنفرض جدلا أن 190 دولة من أصل 193 دولة ( على اعتبار أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودولة ميكرونيزيا سوف تصوت ضد القرار) صوتت لصالح هذا القرار وأصبحت دولة فلسطين عضوا كاملا في الأمم المتحدة وليست بصفة مراقب كما هي عليه الآن، فهل يتغير شيء على أرض الواقع؟ هل ستزول مئات الحواجز ويستطيع المواطن العادي أو حتى الوزير أو رئيس الوزراء أو رئيس السلطة نفسه أن يتنقل بحرية بين مدينة وأخرى أو قرية وأخرى؟ هل سيغادر مستوطن واحد الأرض التي اغتصبها ويعيدها بمحض إرادته لهذه الدولة الوليدة؟ هل سيحترم الجيش الإسرائيلي هذه الدولة ويكف عن شن الغارات والاعتقالات متى شاء وأينما شاء؟ هل سيكون لهذه الدولة حدود معترف بها ما عدا التصريح المبهم بأنها تقوم على أساس حدود حزيران 1967؟ هل ستكون القدس فعلا عاصمة هذه الدولة أو إنها ستكون عاصمة مع وقف التنفيذ أو ربما عاصمة افتراضية؟
بعد 20 عاما من المفاوضات العبثية يهربون من جحيم هذه المفاوضات إلى نعيم الاعتراف في الأمم المتحدة ويصورون ذلك على أنه صمود عظيم بل هل انتصار باهر وإنجاز ما بعده إنجاز. فقط نفوس مريضة سقيمة تستطيع أن تصور هذا السيناريو على هذا الشكل. بل أستطيع أن أقول إنها نفوس ميتة. وفقط نفوس مريضة تستطيع أن تصدق هذا الكلام.
سوف تكون دولة ميكرونيزيا التي نشتمها ونتهكم عليها كلما ذكر أسمها أكثر استقلالا من الدولة الفلسطينية المقترحة. على الأقل ميكرونيزيا هي التي تحدد من يدخل إليها ومن يخرج منها ولا يوجد هناك حواجز تعرقل الحركة وتمنع التنقل من جزيرة إلى أخرى.
عشرون سنة كذبوا علينا هو عمر المفاوضات، ولا أريد هنا أن أتطرق إلى أكاذيب ما قبل المفاوضات، فهل المقصود عشرين سنة أخرى كذب حول الاعتراف؟
الأمم المتحدة لا تخلق دولا مستقلة. النظرية التي تقول إن الأمم المتحدة هي التي خلقت دولة إسرائيل عام 1948 غير دقيقة وغير صحيحة. فهذه الدولة ولدت بقوة السلاح بعد أن دمرت المجتمع الفلسطيني وشردت الشعب وسلبت الأرض الفلسطينية وأقامت دولتها. وكان قبولها عضوا في الأمم المتحدة تحصيل حاصل ليس إلا. الأمم المتحدة اليوم أسوأ من الأمم المتحدة في عام 1948. اليوم أصبحت أداة طيعة بين أصابع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والدول الامبريالية الأخرى. الأمين العام لهذه المنظمة ليس أكثر من موظف لخدمة سياسة الهيمنة الأمريكية. ولم يخجل قبل فترة أن يصرح أن لإسرائيل الحق في فرض الحصار البحري على قطاع غزة وناشد الدول الأعضاء الابتعاد عن أي تحرك لكسر هذا الحصار.
الشرعية الدولية التي تتمسك فيها سلطة أوسلو هي أيضا كذبة كبيرة. هذه ليست شرعية دولية بل العكس تماما: إنها لاشرعية دولية.
يعترف اليوم ب"الدولة الفلسطينية" أكثر من 120 دولة أي أكثر من نصف أعضاء الأمم المتحدة، أي أكثر من الدول التي تعترف بدولة إسرائيل. ويوجد في هذه الدول سفارات وقنصليات فلسطينية. ومن يظن أن هذه السفارات والقنصليات تمثل قضية شعب فلسطين العادلة فهو مخطئ. إنها بؤر للفساد ليس أكثر. فها هو سفير سلطة أوسلو لدى الأمم المتحدة ضيف مرغوب فيه لدى المنظمات الصهيونية يصرح حول الهدف من الذهاب للأمم المتحدة وطلب الاعتراف:" الهدف من هذه الخطوة هو إنقاذ حل الدولتين ومنع قيام الدولة الواحدة، وهذه هي الفرصة الأخيرة أمام إسرائيل لأن الدولة الواحدة تعني انتحار إسرائيل".
هكذا إذن. يضعوننا أمام خيارين: إما المفاوضات وإما الاعتراف. وكلا الخيارين هما عملية اغتصاب. وعملية الاعتراف أصلا هي مجرد مناورة للعودة في اللحظة الأخيرة للمفاوضات العبثية لكي تستمر المسرحية.
كما يقول المثل العربي: "بين حانا ومانا ضاعت لحانا": بين المفاوضات والاعتراف ضاعت القضية.
لقد آن الأوان كشف ووضع حد لهذا الكذب. وفقط استمرار النضال الثوري التقدمي وتطويره الكفيل بذلك.

Wednesday, July 06, 2011

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا
علي زبيدات – سخنين

مخطئ من يظن أن دولة إسرائيل لوحدها تفرض الحصار على قطاع غزة. العالم بأسره يشارك في هذا الحصار بشكل أو بآخر. ما يجري اليوم أمام أنظار وسمع العالم في ملاحقة أسطول الحرية الثاني نزع القناع عن وجوه الكثيرين وكشف عورات الجميع. لم يعد كافيا أن نكيل الشتائم لدولة الاحتلال حتى نتبرأ من هذا الحصار بعد أن نسل أنفسنا كالشعرة من العجين، ننفض عن كاهلنا تحمل المسؤولية ونردد لا حول لنا ولا قوة أو لا حول ولا قوة إلا بالله.
الأمر لم يعد يتحمل هذا التملق والكذب والتزوير والخوف من المواجهة، لم يعد يتحمل الشعارات الرنانة ولا المجاملات ولا حتى الأحاديث الدبلوماسية الدبقة.
من هنا، أنا أتهم، وأظن أن معظم سكان قطاع غزة البسطاء يتهمون معي هذا العالم الجبان، الصامت، المتواطئ، الغادر بالمشاركة في هذا الحصار المجرم الذي يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. لا أستثني أحدا.
أبدأ باتهام أنفسنا نحن في فلسطين المحتلة عام 1948، من مؤسسات رسمية وعلى رأسها لجنة المتابعة والأحزاب والحركات السياسية وهي معروفة، وأذكرها مرة أخرى بالاسم: الحركتان الإسلاميتان، الحزب الشيوعي وجبهته، التيار "الوطني" كما يحب أن يطلق على نفسه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وباقي أحزاب التهريج ذات الأسماء الرنانة "الديمقراطي العربي" و"القومي العربي" و"العربية للتغيير" وأبناء البلد بشقيها أو بثلاثة أو أربعة شقوقها، لا أدري، كذلك اتهم ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني من الجمعيات التي تعيش على فضلات الأموال المستجداة من الصناديق والدول المانحة الامبريالية. كذلك لا استثني الأفراد من الجماهير، مثلي ومثل غيري الذين يتابعون ما يجري على شاشات التلفزيون وعلى شبكة الانترنت ويضربون كفا بكف بعدما أصابهم مرض اليأس والإحباط والشعور بالعجز. نعم، جميعنا مشاركون في حصار غزة وجميعنا نتحمل مسؤولية هذه الجريمة.
ماذا فعلنا من أجل كسر الحصار عن غزة؟ لماذا يجب أن ننتظر أصلا بعض النشطاء القادمين من عشرين دولة أو أكثر وبعض السفن الصغيرة أكثر لكي نعبر عن مشاعرنا؟ قد يقول البعض: إننا لا نملك سفنا لكسر الحصار، لذلك نكتفي بإرسال عشرة مندوبين من النخبة للمساهمة في الأسطول. ولكن هل الحصار على غزة من البحر فقط؟ ألا يوجد هناك حصار بري أيضا؟ كم "أسطولا" بريا نظمنا لكسر الحصار؟ أسطول؟؟ آسف أقصد كم شاحنة؟ ها هو شهر رمضان على الأبواب ويكفي ما يتبقى على موائدنا لإطعام جميع المحاصرين، هذا ناهيك عن ولائم الإفطار الجماعية التي يشارك فيها رموز من يفرضون الحصار من رئيس الدولة شمعون بيرس وحتى أصغر وزير وموظف.
صرح رئيس لجنة المتابعة، السيد محمد زيدان لوسائل الإعلام: لن نشارك بأسطول الحرية الثاني لأننا نخشى المضايقات الإسرائيلية". من يخشى المضايقات الإسرائيلية من المفضل أن يبحث لنفسه عن منصب آخر. بالمناسبة، أنصح رئيس هذه اللجنة حفاظا على ماء الوجه أن يقدم استقالته فورا.
لماذا لا ننظم أسبوعيا، كل يوم جمعة، أسطولا بريا لكسر الحصار؟ قد يقول البعض: لا نستطيع. وأنا أجيب: هل حاولتم؟
الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967، من أحزاب وتنظيمات وفصائل بغض النظر عن موقعها، في السلطة كانت أو في المعارضة، هم أيضا متورطون في فرض هذا الحصار.أليس من العار أن يكون الرئيس الفلسطيني أول من يؤيد اقتراح اليونان التي رضخت للضغط الإسرائيلي بأن يتم نقل المعونات إلى ميناء اشدود ومن ثم تقوم السلطات الإسرائيلية بنقله إلى غزة كما تراه مناسبا؟ على كل حال، دور هذا "الرئيس" ودور رئيس حكومته في حصار غزة منذ سنوات معروف للقاصي والداني. كل فلسطيني يقبل بسلطة أوسلو هو موضوعيا شريك في حصار غزة شاء ذلك أم أبى.
الدول العربية بدون استثناء شريكة في هذا الحصار الغاشم. أكتفي هنا بالإشارة إلى موقف مصر "الثورة" المخزي من هذا الحصار. بالرغم من الضجيج الإعلامي ما زال معبر رفح على حاله، فتحه لبضعة أيام في الأسبوع أو لبضعة ساعات في اليوم وشروط عبوره لا تخجل حتى نظام حسني مبارك البائد. يا حيف، كيف يستطيع نظام أن يتكلم عن كرامته القومية وهو لا يملك السيطرة على معبر في أرضه؟ هذا الواقع ليس من شيم الثوار بل من صفات العملاء والمتعاونين.
إذا كنا نحن، الفلسطينيون والعرب نشارك في حصار قطاع غزة، بدون أن يرجف لنا جفن، فبأي وازع أخلاقي نستطيع أن نلوم تركيا على موقفها الغادر؟ ونلوم اليونان على رضوخها، ونلوم الأمم المتحدة على تواطؤها والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على تعاونهما مع إسرائيل؟
الشعب الذي يرضى بالإهانة ويرضى بأن تداس كرامته فهو يستحق أن يعامل كالعبيد.
العالم يحاصر قطاع غزة عسكريا وسياسيا واقتصاديا. ولكن في المقابل، قطاع غزة يحاصر العالم أخلاقيا. ولن يهزم الحصار إلا الحصار.