Wednesday, April 27, 2011

الثورة العربية وعيد العمال العالمي

الثورة العربية وعيد العمال العالمي
علي زبيدات – سخنين

عندما ولد يوم الأول من أيار كيوم عالمي للطبقة العاملة قبل حوالي قرن وربع قرن من الزمن كان العامل يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها. فكان من الطبيعي أن يكون مطلبه الأساسي في ذلك الوقت تحديد يوم العمل بثماني ساعات حتى يبقى لديه بعض الوقت للراحة وتجديد طاقته والاستمتاع ولو قليلا بالحياة. بعد ذلك تطور النضال العمالي ليشمل الأجور المتدنية حين ذاك، وتمت المطالبة بحد أدنى للأجور والحق في التنظيم وإقامة النقابات العمالية والمطالبة في الضمانات الاجتماعية. في أماكن كثيرة من العالم اقترن النضال العمالي بالنضال الوطني من أجل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار بأشكاله المختلفة القديمة منها والحديثة، من أجل حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة ومن أجل حقوق الإنسان بشكل عام.
كاد هذا اليوم، خلال هذه الفترة الطويلة، أن يقفز عن عالمنا العربي. فما زال العامل العربي بشكل عام حتى يومنا هذا يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها، هذا إذا توفر العمل أصلا ولم يكن ملقى في أحضان البطالة ومن ثم في أحضان الحاجة والفقر المدقع، في عالمنا العربي من الخيال أن نتكلم عن ضمانات اجتماعية أو شيء يسمى حد أدنى من الأجور أو ضمان للدخل وغيرها من الأمور التي حققها العمال في معظم أرجاء العالم منذ وقت طويل. وقد حاولت الطبقات الحاكمة وما زالت إقناع العمال العرب عدم الاهتمام بيوم العمال العالمي تارة لكونه ولد في أمريكا فهو إذن يوم مستورد من العالم الامبريالي، وقد عزف على هذا الوتر الأنظمة التي تضع على وجهها قناعا قوميا أو وطنيا، وطورا لكونه مستوردا من الاتحاد السوفيتي السابق والأحزاب الشيوعية والعمالية وقد ضرب على هذا الوتر العديد من الحركات الدينية.
صحيح تاريخيا أن يوم الأول من أيار ولد في أمريكا ولكنه ولد من خلال الصراع الدامي ضد النظام الرأسمالي الأمريكي الذي يتغنى بالدمقراطية. ولو ولد في أحضان النظام الرأسمالي لتلقفته الطبقات الحاكمة عندنا بالترحاب وبدون أية مشكلة كما فعلت بعيد العشاق "الفلانتاين" على سبيل المثال. وصحيح أيضا أن الأممية الثانية عندما كانت ثورية بزعامة فريدريك انجلز وآخرين قد تبنت هذا اليوم وجعلت منه يوما يرمز لوحدة الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم من أجل تحقيق المبدأ الذي أعلن قبل ذلك بحوالي نصف قرن في البيان الشيوعي: "يا عمال العالم اتحدوا"، ومن ثم تم تبني هذا اليوم من قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا والأحزاب الشيوعية الثورية في ذلك الوقت. هذه الحقائق لا تجعل أبدا من هذا اليوم يوما أمريكيا أو روسيا أو أجنبيا دخيلا يجب مقاطعته. بل على العكس من ذلك فإن الطبقة العاملة العربية اليوم أحوج ما تكون إلى عيد العمال العالمي أولا من أجل توحيد صفوفها في مواجهة الأنظمة المستشرسة وثانيا لمد الجسور بينها وبين عمال العالم الذين يناضلون من أجل قضية واحدة ألا وهي التحرر من نير الاضطهاد والاستغلال الرأسمالي.
بالرغم من أن الثورة العربية الراهنة المتفجرة في أكثر من قطر لا يمكن تصورها بدون الدور الحاسم للطبقة العاملة ولباقي الطبقات الكادحة والمثقفين الثوريين إلا انه تجري محاولات حثيثة لإقصاء العمال عن قيادة هذه الثورات والاكتفاء بتحقيق بعض الإصلاحات ومنع تطور هذه الثورات لتصبح ثورات عمالية. ومما يساعد على نجاح هذه المهمة هو هيمنة شريحة ارستقراطية من الطبقة العاملة تتكلم باسم الطبقة العاملة ولكنها تنفذ في نهاية المطاف سياسة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
النضال العمالي بدون وعي طبقي يؤدي في أحسن الحالات إلى بعض الإصلاحات ولكنه يبقي النظام الاجتماعي والسياسي كما هو. وعندما تشعر الطبقات الحاكمة بالقوة ثانية سوف تنقض على هذه الإصلاحات وتعيد الوضع السابق إلى نصابه. الثورة السياسية يجب أن ترافقها ثورة اجتماعية وثقافية. الضمان الوحيد لاستمرارية ونجاح الثورة هو تحويلها من ثورة وطنية ديمقراطية إلى ثورة عمالية بقيادة طبقة عاملة تتبنى أيديولوجية عمالية ثورية.
وعندما نقول ثورة عمالية نعني إلغاء كافة أشكال الاستغلال الرأسمالي: إلغاء نظام الأجور والنقد والربح. نعني إلغاء كافة أشكال العنصرية والتمييز على أساس عرقي، ديني أو جنسي. الثورة العمالية بطبيعتها تعني تخطي وهدم كافة الحدود الجغرافية والاجتماعية التي تفرق بين الشعوب.
العامل الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة العربية والعالمية وتقع على عاتقه ليس فقط النضال من أجل تأمين لقمة العيش بل أيضا وفي الأساس النضال من أجل الحرية والاستقلال من الاحتلال الصهيوني وحلفائه من متعاونين فلسطينيين وعرب. ينبغي على العامل الفلسطيني حتى يستطيع أن يقوم بدوره التاريخي جنبا إلى جنب مع عمال العالم أن ينفض عن نفسه غبار الخنوع الذي تنميه وتفرضه الأحزاب والحركات الانتهازية والتحريفية التي تسمي نفسها عمالية زورا وبهتانا ولكنها في الحقيقة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
ليكن يوم الأول من أيار هذا العام يوما مشهودا لانطلاق الثورة العمالية العربية.

Wednesday, April 20, 2011

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

علي زبيدات – سخنين

أتذكر هذا المثل العربي الذي يؤكد أن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر كلما قرأت خبرا أو مقالا عن ضرورة إعادة بناء، ترميم أو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية أو "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" واختصارا لطول الاسم الذي يثقل على الكاتب وعلى القارئ أكتفي بتسميتها: لجنة المتابعة.
هل يذكر أحد متى بدأ الكلام عن ضرورة إعادة بناء هاتين المؤسستين؟ منذ سنوات طويلة، صحيح؟ وأكاد أجزم منذ اليوم الأول لإقامتهما. أي قبل أن يعبث الدهر بأصابعه لإفسادهما. وذلك لسبب بسيط: لكونهما ولدتا أصلا مشوهتين. ولكن كما يبدو استطاع الجمال والشباب لفترة من الزمن ستر تشويهات الولادة هذه. غير أن هذه التشويهات بدأت تطفو على السطح وتطغى حتى أصبح من المستحيل تجاهلها. من هنا كثرت المطالبات بإصلاحها. بعض هذه المطالبات بريء وساذج وصادر عن حسن نية ولكن غالبيتها خبيث جاء ليحقق مآرب أخرى.
لا أريد أن أتطرق هنا إلى المطالب بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بالرغم من أهمية هذا الموضوع الجدير بتناوله بشكل مستقل خصوصا وأنه مطروح بقوة من قبل كافة الفصائل الفلسطينية الموجودة في سلطة أوسلو والمعارضة لها. سأكتفي هنا بالكلام عن لجنة المتابعة.
يبدو من الإخبار القليلة التي تناولتها وسائل الإعلام المحلية مؤخرا أن الأجواء داخل لجنة المتابعة متعكرة وربما أكثر من متعكرة ولكني أكتفي هنا بهذا الوصف: الجميع عاتب على الجميع والزعلان أكثر من الراضي وازدادت حالات اللمز والغمز واللسع. ومع ذلك تحمل هذه اللجنة عكازها وتتابع سيرها الأعرج. وبشكل موسمي تعالت الأصوات المطالبة بالإصلاح.
التجمع الوطني الديمقراطي هو من الأحزاب الفاعلة داخل هذه اللجنة ولعله أكثر الأحزاب تحمسا لإصلاح أو إعادة بناء هذه اللجنة. وقد لفت نظري مقال بقلم السكرتير العام لهذا الحزب: عوض عبد الفتاح نشر مؤخرا بعنوان: الشعب يريد انتخاب "المتابعة". لنتغاضى للحظة عن تقزيم شعار الشعب يريد.... وعن اختزال الشعب بشخص السكرتير العام أو الحزب الذي ينتمي إليه، فهو لم يقل: أنا أريد أو حزبي يريد بل مرة واحدة على طريقة لويس الرابع عشر وليس على طريقة شباب ميدان التحرير: الشعب يريد...
حسنا، انتخاب المتابعة، هذا هو الأرنب السحري الذي يخرجه صاحب المشروع القومي الديمقراطي من قبعته لإصلاح لجنة المتابعة.
لقد جربنا الانتخابات في مواقع أخرى فهل تحسنت أوضاعنا يا ترى؟ ألم ننتخب رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية؟ وماذا كانت النتيجة؟ لقد أعادتناهذه الانتخابات إلى العائلية والطائفية ونشرت الفساد في كل مكان داخل هذه المؤسسة المنتخبة ففي كل صباح نسمع عن قضية فساد ورشوات متورط بها رئيس بلدية أو نائبه أو موظف كبير. هل يستطيع أحدنا أن يقف ويذكر إيجابية واحدة جلبته لنا هذه الانتخابات؟
وقد جربنا الانتخابات داخل الأحزاب العربية تقليدا للأحزاب الصهيونية: البرايمرز. وأحمد الله أنني ابعد ما يكون عنها. ولكن طريقة انتخاب المرشحين للكنيست في هذه الأحزاب وطريقة انتخاب القياديين في كل حزب معروفة للجميع. هل جعلت الانتخابات الحزبية من أحزابنا أفضل؟ أترك الإجابة عن هذا التساؤل مفتوحا أمام القراء الحزبيين منهم وغير الحزبيين.
والآن يريدون استخدام هذه الوصفة السحرية لإعادة بناء لجنة المتابعة: انتخاب اللجنة!!
هل ستكون طبيعة هذه الانتخابات مختلفة عن طبيعة الانتخابات المحلية والحزبية من حيث المعايير السياسية والاخلاقية؟ هل نصبح ديمقراطيين بمجرد مناداتنا بالانتخابات؟
ولكي لا أفهم خطأ أنا لست ضد الانتخابات من حيث المبدأ. ولكني ضد الانتخابات عندما تصبح مسخرة، عندما تكون لعبة تحكمها قوانين المصالح الشخصية والفئوية والعائلية والطائفية. قبل الانتخابات يجب أن نتمتع بمستوى كاف من الوعي لما نريد، يجب أن تكون لدينا رؤيا واضحة لمشروع سياسي وطني. قبل أن نطالب بالانتخابات يجب أن نناقش بعمق هل نحن بحاجة إلى لجنة متابعة أصلا؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هي مهمات هذه اللجنة؟ ما هي الشؤون التي تتابعها وأمام من؟ وما هي علاقة هذه اللجنة بالجماهير العربية؟ الشعب يريد أن يعرف طريقه أولا.
رأيي الشخصي يقول: أن لجنة المتابعة لا تعرف طريقها وهي بالتالي عاجزة عن معرفة طريق الشعب وأعجز من أن تقود هذا الشعب لأي طريق. على العطارين أن يصغوا لما يقوله الدهر، لقد آن الأوان لكي نبحث عن بدائل لهذه اللجنة.

Wednesday, April 13, 2011

في ذكرى يوم الاسير الفلسطيني

في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

دعيت في نهاية العام الماضي إلى أحد المؤتمرات في جنوب أفريقيا وكانت المناسبة احتفال إحدى الحركات بإنهاء نظام الابرتهايد في ذلك البلد. وقد دار الحديث والحوار والنقاش في شتى المواضيع وكان من ضمنها المقاومة والسجون. وكان حضور نيلسون مانديلا، ليس الجسدي، في هذا المؤتمر طاغيا ليس بصفته أول رئيس اسود لجنوب إفريقيا فحسب بل أيضا بصفته رمزا للسجين السياسي الذي قضى 28 عاما في غياهب السجون. بالرغم من كون جمهور المشاركين من متكلمين وحضور من المهتمين بالسياسة العالمية إضافة إلى السياسة الداخلية، إلا أنهم تفاجؤا عندما قلت لهم: يوجد بين يدي قائمة لعشرة اسري سياسيين فلسطينيين يقبعون في السجون الإسرائيلية أمضوا في السجن فترة أطول من تلك التي أمضاها نيلسون مانديلا. وأن عميد الأسرى الفلسطيني نائل البرغوثي قد أكمل عامه ال33 وراء القضبان.
يوجد لدى إسرائيل أسير واحد، وهو بالمناسبة ليس أسيرا سياسيا. لم يسجن بسبب آرائه أو نشاطاته السياسية بل تم خطفه من دبابته التي كانت تقصف مدن ومخيمات قطاع غزة. اسم هذا الأسير جلعاد شاليط. وأظن لو ذهبنا إلى ولاية ألاسكا وتكلمنا مع إحدى عائلات الاسكيمو في أحد بيوت الايجلو أو لو ذهبنا إلى غابات الأمازون وتكلمنا مع قبيلة من السكان الأصليين التي تم اكتشافها مؤخرا وسألناهم: من هو جلعاد شاليط لعرفوا جيدا عمن نتكلم.
أسرد هاتين القصتين لأبين مدى عجز وقصور الإعلام الفلسطيني والعربي في قضية الأسرى. ولا يشفع لنا أننا نحيي يوم الأسير الفلسطيني كل عام في مثل هذه الفترة بالخطابات الرنانة والبيانات التي لا تحصى ولكن تكاد لا تقرأ. هذا بالرغم من وجود وزارتين للأسرى واحدة في رام الله وأخرى في غزة بالإضافة إلى عشرات اللجان والجمعيات التي من المفروض أن تكرس جل نشاطها واهتمامها لقضايا الأسرى على كافة الأصعدة.
السؤال الذي أريد أن أوجهه في هذه المناسبة لوزارتي الأسرى هو: هل يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان هو للأسير الفلسطيني في السجون الإسرائيلية فقط أم أيضا يشمل الأسير الفلسطيني في سجون السلطة المشطورة؟ وسؤال آخر لو سمحتم: كيف يمكن أن نثق وكيف يمكن أن نصدق أن تقوم وزارة بالدفاع عن حقوق الأسرى بينما يصف رئيس السلطة عمليات هؤلاء الأسرى بالعمليات بالحقيرة؟
منذ سنوات ونحن نسمع عن ضرورة تدويل قضية الأسرى والتوجه إلى محكمة العدل الدولية لاتخاذ قرار بخصوص مكانة الأسير الفلسطيني والاعتراف به كأسير حرب أو سجين سياسي وليس كإرهابي مجرم ولكي يعامل حسب ما ينص عليه القانون الدولي ومعاهدة جينيف الثالثة والرابعة، والتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والى كافة منظمات حقوق الإنسان. ولكن إذا كنا لا نستطيع تذويت قضية الأسرى محليا فكيف نستطيع تدويلها؟ وهل وزارة في سلطة تقف ضد كل ما يجسده الأسرى من مقاومة ونضال مخولة أصلا سياسيا وأخلاقيا بتمثيل الأسرى وتنبني قضيتهم؟
هل المؤتمرات التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى في الجزائر والمغرب أو أي مكان آخر حيث يتهافت عليها السياسيون من قياديي فصائل وأعضاء كنيست مصطحبين بعض الأسرى المحررين هدفها حقا الدفاع عن حقوق الأسرى؟ ولماذا كلما ذكرت هذه الجهات قضية الأسرى في المحافل الدولية والرسمية تركز على الناحية "الإنسانية" و"القانونية" و" الأخلاقية" ولكنها تشطب من قاموسها الناحية السياسية التي هي لب القضية؟
هناك صناعة رائجة في فلسطين هي صناعة الأسرى.
طبعا، لا يمكن بأي حال من الأحوال التعميم. هناك أشخاص وبعض اللجان التي تعمل بكل صدق وإخلاص وتفان لخدمة قضية الأسرى كل حسب إمكانياته وقدراته. قد تخطئ في بعض التصرفات وقد تكون عرضة لتأثيرات سلبية صادرة عن الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات الرسمية. هؤلاء الأشخاص وهذه اللجان لا يمكن وضعها في سلة واحدة مع الوزارات والمؤسسات الرسمية. الرجل الذي يشكل نموذجا فريدا من نوعه في هذا المجال هو المرحوم أحمد حبيب الله – أبو هشام الذي رحل عنا منذ فترة طويلة ولكننا اليوم نفتقده أكثر من أي يوم مضى.
الشرذمة السياسية التي يعاني منها مجتمعنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 تلقي بظلالها الثقيلة على لجان الأسرى. زيادة عدد هذه اللجان لا يعني بالضرورة الارتقاء بالعمل دفاعا عن الأسرى. ها نحن نقف أياما معدودات قبيل يوم الأسير الفلسطيني وقد حرثت الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا بحثا عن النشاطات التي تحضرها لنا هذه اللجان لإحياء هذه المناسبة ولم أجد شيئا يذكر. قد نسمع عن بعضها في الصحف بعد حدوثها. وقد نسمع عن بعضها الآخر قبيل حدوثها إذا كنا مقربين من إحدى هذه اللجان. أسمع في اللحظة الأخيرة إن إحدى هذه اللجان تنظم تظاهرة رفع شعارات على أحد المفارق، وأخرى تنظم اعتصاما أمام أحد السجون. وعندما أشارك في إحدى هذه النشاطات أرى الوجوه نفسها. هناك انقطاع شبه كامل مع الجماهير. يكاد التنسيق فيما بين هذه اللجان أن يكون معدوما. أصابها ما أصاب الأحزاب السياسية: كل ينظم نشاطه الخاص الذي يحضره الأعضاء والمقربون فقط. مع أننا جميعا نقسم بأغلظ الإيمان أن قضية الأسرى هي قضية وطنية تتخطى جميع الأطر والحواجز.
"الحرية لأسرى الحرية" يجب أن يصبح خطة عمل وليس مجرد شعار يرفع في المناسبات.


Wednesday, April 06, 2011

عودة إلى مجزرة دير ياسين

عودة الى مجزرة دير ياسين علي زبيدات – سخنين في خضم المجازر التي يتعرض لها المواطن العربي في أماكن متعددة من العالم العربي المترامي الأطراف من المحيط إلى الخليج، كدنا أن ننسى المجازر التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني على يد السلطات الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا. حتى بتنا نظن أن الهدف من المجازر العربية هو أن تنسينا مجازر إسرائيل وتقول لنا: احمدوا ربكم ألف مرة في اليوم لأنكم ترزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي الإنساني المتنور وتتعرضون ل"مجازر" علي يد الجيش الإسرائيلي الأكثر تمسكا بالقيم الأخلاقية في العالم وليس من نظام ثوري أو قومي أو وطني كما هو الوضع في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها. لقد آن الأوان كي نعيد الأمور إلى نصابها. في مثل هذه الأيام من عام 1948 وبالتحديد في 9 نيسان/ أبريل دخلت العصابات الصهيونية إلى قرية دير ياسين غربي القدس وقتلت بدم بارد أكثر من 250 مواطن أعزل معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال. لم تخف العصابات الصهيونية هدفها من وراء هذه الجريمة البشعة وهو إرهاب المواطنين الآمنين العزل ودفعهم للرحيل ومن ثم الاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم. لم تكن مجزرة دير ياسين المجزرة الوحيدة في عام 1948 بل رافقتها عشرات المجازر امتدت من شمال فلسطين إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها. ولكن تبقى مجزرة دير ياسين الأكثر شهرة وأهمية والتي حفرت في الذاكرة الفلسطينية الجماعية وفي ذاكرة كل فلسطيني حتى أصبحت رمزا للنكبة الفلسطينية التي وقعت فعلا في أعقاب هذه المجزرة وغيرها من المجازر حيث تم هدم أكثر من 500 قرية وترحيل ما يقارب نصف الشعب الفلسطيني. من ظن أن المجازر الإسرائيلية قد توقفت بعد قيام "الدولة الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط سرعان ما تبين أنه مخطئ: فالمجازر توالت واستمرت بأشكال مختلفة وتسميات أخرى. يكفي هنا أن نذكر بعضها: من كفر قاسم مرورا بصبرا وشاتيلا وقانا إلى جنين ونابلس والخليل وحتى غزة التي ما زالت تتعرض إلى أطول مجزرة عرفها التاريخ المعاصر. المجازر التي تنفذها بعض الأنظمة العربية في حق شعوبها مهما بلغت من بشاعة لن تستطيع محو المجازر الإسرائيلية من الذاكرة الفلسطينية والعربية بل على العكس من ذلك فإنها وبشكل عكسي تنميها وتقويها. إذ لا تخفي هذه الأنظمة أنها تعلمت البطش والتنكيل والأرض المحروقة والدمار العظيم من العصابات الصهيونية، وان المجازر التي اقترفتها إسرائيل قد أصبحت نموذجا يحتذى. ولم تبخل إسرائيل في تزويد هذه الأنظمة بالمعلومات والإرشاد والخبرات وفي كثير من الأحيان بالسلاح أيضا. "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ترتبط عضويا بالأنظمة اللاديمقراطية المحيطة بها. للوهلة الأولى يظن بعض الساذجين أن كلا الطرفين: دولة إسرائيل من جهة والأنظمة العربية من جهة أخرى يقفان على طرفي نقيض ويشكلان لعقود طويلة ما يسمى في السياسة الدولية: طرفي الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن خلف هذا الصراع الوهمي تكمن حالة من الانسجام والتناغم والتعاون وفي كثير من الأحيان تقسيم الأدوار. فإذا بادرت إسرائيل باقتراف جريمة أو مجزرة جديدة نرى الأنظمة العربية تغض الطرف وتتقاعس عن الرد وتكتفي بإدانة شفوية خجولة حتى يمر الغضب الشعبي وتعود المياه إلى مجاريها. وإذا بادر أحد الأنظمة العربية بإقتراف مجزرة ضد شعبه تقوم إسرائيل برد الجميل بطريقة أو بأخرى. وهكذا تستمر المسرحية حسب قوانين اللعبة التي وضعها واتفق عليها الطرفان. ولكن، وبالرغم من كل شيء، يوجد هناك فرق جوهري بين المجازر التي تقترفها دولة إسرائيل وبين المجازر التي ترتكبها الأنظمة العربية. وهذا الفرق هو أن الشعوب العربية بدأت تحاكم وتعاقب أنظمتها ووضعت نصب أعينها إسقاط هذه الأنظمة وقد استطاعت بالفعل أن تحقق ذلك في تونس وفي مصر ولن تكون باقي الأنظمة بعد اليوم في مأمن عن هذا المصير. أما دولة إسرائيل فمع الأسف الشديد لا يوجد هناك حتى الآن من يحاسبها أو يعاقبها، بل العكس هو الصحيح فكلما تمادت في جرائمها كلما حازت على مزيد من الدعم والتأييد. فبعد مجزرة دير ياسين حصلت على شرعيتها الدولية، وبعد مجزرة كفر قاسم لم تجد من يحاكمها فحاكمت نفسها وعاقبت المسئول عن المجزرة بدفع غرامة باهظة تبلغ قرشا واحدا ليس ثمنا للدماء الفلسطينية المسفوكة بل لخرقه بعض صلاحياته، أما من مجزرة صبرا وشاتيلا فقد سحبت نفسها مثل الشعرة من العجين. وها هي ما زالت مستمرة في حرب الإبادة ضد غزة أمام نظر وسمع العالم. لن ننسى مجزرة دير ياسين ولن ننسى باقي المجازر السابقة والراهنة ولن نغفر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى سوف تزف ساعة الحساب والعقاب؟؟

Wednesday, March 30, 2011

سوريا أكبر من حزب البعث وأكبر من حركة الإخوان المسلمين

سوريا أكبر من حزب البعث وأكبر من حركة الإخوان المسلمين علي زبيدات – سخنين وصل قطار الثورة مؤخرا إلى سوريا. هذا القطار الذي إذا ركبته الشعوب يختزل مسافات التغيير الاجتماعي والسياسي في فترة قصيرة نسبيا من الزمن. عندما يبطئ التغيير التدريجي، الذي يسمى في القاموس السياسي بالإصلاحات، أو يدخل في مرحلة من الركود أو التقهقر، عندما لا تستطيع الطبقة الحاكمة أن تواصل حكمها بالطرق والأساليب التي اتبعتها وعندما لا تستطيع الطبقات المحكومة أن تحمل هذه الطرق والأساليب أكثر تهب أعاصير الثورة الهوجاء التي يعرف الجميع متى تهب ولكن لا يعرف أحد متى وكيف تركد. نقف أمام نموذجين من الثورة العربية: النموذج التونسي – المصري، حيث نجحت الجماهير الشعبية الغفيرة التي خرجت إلى الشارع في لجم شراسة الأنظمة البائدة واستطاعت بأقل ما يمكن من الخسائر والتضحيات إسقاط هذه الأنظمة. هناك طبعا أسباب تاريخية لظهور هذا النموذج في هذين البلدين بالذات لعبت دورا حاسما في نجاح الثورة ولكن ليس هنا المجال لتحليلها ودراستها. وهناك النموذج الليبي – اليمني: حيث لم تستطع الجماهير الشعبية شل حركة النظام وإحباط قدراته على قمع الجماهير. في ليبيا، على وجه التحديد، أخذ هذا النموذج طابعا عنيفا أعتبره مأساويا، فقد استطاع النظام إيقاع الجماهير المنتفضة في فخ التخلي عن التحرك الشعبي لصالح الرد العسكري المشكوك فيه خصوصا وأن من قاد هذا الرد هم شخصيات نمت وترعرعت في أحضان نظام القذافي وانشقت عنه لأسباب خاصة ولمصالح فئوية ضيقة. هذا الأمر فتح الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي المباشر بمباركة الرجعية العربية والقيادة الدخيلة على الجماهير الليبية. اليوم ما يجري في ليبيا لا يمت بأية صلة بالثورة لا من قريب ولا من بعيد. ما يحدث ليس بأكثر من صراع شرس على السلطة والثورة من كافة الأطراف المتورطة. لا يمكن أن نتحدث عن ثورة حقيقية في ظل التدخل العسكري الغاشم للحلف الأطلسي. وجميعنا يعرف لماذا تأسس هذا الحلف وما هي مهماته وما هو تاريخه. كما إننا لا نستطيع التحدث عن ثورة حقيقية في ظل غياب أي خطاب سياسي تحرري. قد يتغير النظام في ليبيا في نهاية الأمر نتيجة هذا الصراع ويأتي نظام آخر. ولكنه لن يكون مختلفا في طبيعته عن النظام المدحور من حيث قبوله بالهيمنة الامبريالية وحفاظه على التركيبة العشائرية للمجتمع بكل ما تحمله من فساد وامتيازات. في سوريا، يبدو أننا أمام نسخة جديدة من النموذج الليبي – اليمني. حوالي نصف قرن من سيطرة حزب البعث أوصلت البلاد إلى شفا هاوية رهيبة. هذا الحزب الذي نقش على رايته الشعارات الثلاثة: وحدة، حرية، اشتراكية وجد نفسه بعد نصف قرن من الحكم يطبق العكس تماما. فالوحدة: أصبحت انشقاقا وشرذمة فعندما استولى الحزب على السلطة في سوريا والعراق انشق الحزب على نفسه وأصبح كلا الشقين من ألد الأعداء. حتى داخل الحزب الواحد لم تكن هناك وحدة بل صراع دائم غالبا ما كان صراعا داميا. الحرية: ماذا تعني الحرية في ظل قوانين الطوارئ التي فرضت منذ اليوم الأول وحتى اليوم الأخير، إذا لم تكن تعني حرية أجهزة الأمن والمخابرات في كتم وكبت كل صوت معارض مهما كان خافتا؟ حتى الأحزاب التي شكلت الجبهة الوطنية التقدمية تحت كنف حزب البعث تتوق إلى حرية التنظيم والاجتماع في ابسط صوره. الاشتراكية: هي أيضا كان لها مفهوم فريد من نوعه، وهذا المفهوم أبعد ما يكون عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاقتصادية بين مجموعات الشعب في مدن والأرياف ومن الطوائف والقوميات المختلفة. الاشتراكية كانت تعني الفساد والمزيد من الفساد، وإفقار الجماهير الشعبية إلى حد المجاعة. حاول نظام البعث جاهدا أن يخفي هذا الواقع المرير وراء قناع معاداة أمريكا وحشد كافة طاقات البلد للمواجهة القومية المصيرية من أجل تحرير الجولان من نير الاحتلال الإسرائيلي. ونصب نفسه قائدا لما سماه محور الممانعة. هذا القناع بدأ يهترئ ويتساقط رويدا رويدا. من لا يعرف مواقف النظام السوري المتقلبة والانتهازية في لبنان؟ وشارك في الحرب التي شنتها أمريكا وحلف الناتو على العراق. أما الموقف من إسرائيل فهي عجيب غريب. ليس سرا أن الجبهة السورية أكثر هدوءا وأمنا لإسرائيل من كافة الجبهات. قد أتفهم أن النظام لا يستطيع تحرير الجولان عسكريا في الظروف الراهنة لذلك هو بحاجة لفترة طويلة من الاستعدادات، ولكن كيف يتفق ذلك مع التصريح بأن خيار السلام مع إسرائيل هو خيار استراتيجي؟ يحاول النظام السوري على الأقل منذ مؤتمر مدريد وحتى اليوم التفاوض مع إسرائيل للوصول إلى تسوية إما مباشرة وإما بمساعدة وسطاء. غير أن التعنت الإسرائيلي ورفضها التنازل عن الجولان هو ما أبقى على هذا القناع لفترة طويلة من الزمن. إذن، عن أية مقاومة وممانعة يتحدثون؟ تذكرني السياسة السورية ببيت أبو الطيب المتنبي: جود الرجال من الأيدي وجودهم من اللسان فلا كانوا ولا الجود. مع إبدال كلمة جود بكلمة مقاومة. ولكن، وهنا يوجد لكن كبيرة، وكبيرة جدا. قسم لا يستهان به من المعارضة السورية أسوأ بما لا يقاس من النظام الراهن خصوصا تلك الشخصيات المتواجدة في الدول الغربية وتترعرع في أحضان مخابراتها. يكفي أن نذكر هنا شخصيتين من هذا النوع: عبد الحليم خدام وعم الرئيس: رفعت الأسد. هذه الشخصيات تقف بالمرصاد وتتحين الفرص كالضباع المسعورة لكي تعود إلى دمشق على دبابات حلف الناتو. يوجد هناك أحزاب معارضة أخرى عديدة قد لا تخدم أجندة أجنبية بشكل مباشر ولكنها ليست بأفضل من حزب البعث. قسم منها انشق عن هذا الحزب أو كان متحالفا معه لفترة طويلة. مثل هذه الأحزاب ليست جديرة بالثقة. ينبغي على الثورة، وتحت كافة الظروف، أن تتشبث بالطابع والعمق الجماهيري فهما صمام الأمان لكل ثورة. وأن تتبنى بشكل واضح وصريح لا يقبل التأويل برنامجا مناهضا للهيمنة الامبريالية والصهيونية من جهة، وبرنامجا وطنيا تقدميا على الصعيد السياسي من جهة أخرى. سوريا هي قلب الأمة العربية النابض وانتصار الثورة فيها قد يمحو من الخارطة مرة واحدة والى الأبد اتفاقية سايكس – بيكو التي مزقت الوطن العربي. انتصار الثورة في سوريا يعني انتصارها في الأردن وفلسطين ولبنان، يعني وحدة بلاد الشام كخطوة أولى على طريق توحيد العالم العربي بأسره.

Wednesday, March 23, 2011

فجر أوديسا والعشاق الفاسقون

فجر أوديسا والعشاق الفاسقون

علي زبيدات – سخنين

يوجد في البيت الأبيض الأمريكي على ما يبدو شخص أو أشخاص مختصين بالبحث عن أسماء براقة وجذابة يطلقونها على العمليات العسكرية التي تشنها القوات الأمريكية على بعد آلاف الأميال من بلادها. فبعد أن أتحفونا قبل عقدين من الزمن باسم "عاصفة الصحراء" والتي كان هدفها الظاهر "تحرير الكويت" من الاحتلال العراقي بينما كان هدفها الباطن والحقيقي تدمير العراق الذي تم لاحقا وإحكام الهيمنة الغربية على النفط العربي. واليوم يتحفوننا باسم أكثر جاذبية وأكثر رومانسية بعد أن غاصوا في عمق التاريخ حتى وصلوا إلى القرن الثامن قبل الميلاد وعادوا باسم "فجر أوديسا" وأطلقوها على العملية التي تهدف إلى " تحرير ليبيا" هذه المرة من طغيان العقيد القذافي.

ملحمة أوديسة التي تروي مغامرات أحد أبطال الإغريق: أوديسيوس بعد نهاية حرب طروادة في طريق عودته إلى أرض وطنه وتعرضه للعديد من المخاطر والويلات بسبب غضب بعض الآلهة عليه، هذه الرحلة التي طالت لعشر سنوات، ولكن مع كل فجر جديدة وبفضل آلهة الفجر كان يخرج من التيه في البحار والجزر ويقترب من أرض الوطن. وربما هذا ما ألهم هذا المختص أو المختصين بالأسماء باختيار "فجر أوديسا" اسما لهذه العملية العسكرية، فهل سيجلب هذا العدوان الغربي غدا مشرقا عزيزا إلى ليبيا يا ترى؟

لكن ملحمة الأوديسة تروي أيضا قصة بنلوب زوجة أوديسيوس المخلصة التي قررت أن تنتظر عودة زوجها التي تأخرت فتكالب عليها العشاق الفاسقون من النبلاء من كل حدب وصوب، حاولوا إقناعها بأن زوجها المحبوب لن يعود بعد أن ابتلعته أمواج البحر العاصفة وطالبوها بأن تختار لها زوجا من بينهم. هؤلاء النبلاء العشاق الفاسقون والمزيفون ضربوا بعرض الحائط جميع القيم الأخلاقية والاجتماعية وكانت أطماعهم هي التي تسيرهم. لم يتورعوا من استعمال كافة الطرق للاستئثار بقلب بنلوب وإساءة معاملة ابنها تلماك ومن ثم الإساءة إلى أوديسيوس نفسه الذي وصل متخفيا حتى استطاع جمع هؤلاء النبلاء الفاسقين وقتلهم عن بكرة أبيهم بقوسه الذي لا يقدر على استعماله سواه.

تحالف الغرب الذي يدك ليبيا في هذه الأيام بحجة الدفاع عن الشعب الليبي ومساعدته للتخلص من الطاغية لا يمت بصلة إلى أوديسيوس الحكيم والشجاع الباحث عن العادلة ولكنه يشبه إلى حد التطابق تحالف العشاق الفاسقين للنيل من قلب بنلوب ومن ثم النيل من المملكة بأسرها. فكان من الأحرى أن يطلق على هذه العملية: غروب العشاق الفاسقين.

انه لمن سخرية الأقدار أن يتزعم الرئيس الفرنسي ساركوزي تحالفا يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحوله عصابة من قطاع الطرق أتوا من أمريكا وكندا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها، يطلقون على أنفسهم "المجتمع الدولي" أو " الشرعية الدولية" ويستعملون حلف الناتو سوطا مسلطا على ظهور الدول الفقيرة. وانه لمن سخرية الأقدار أيضا وفي ظل التحرك العربي الثوري أن يأبى الأقزام العرب إلا أن يسقطوا ورقة التوت التي تغطي عوراتهم لكي يبرروا هذا التحالف النجس لشن هذا الهجوم العدواني السافر.

لا يوجد ثورة في ليبيا ولا يوجد ثوار. بل يوجد هناك قبائل أو بالأحرى زعماء قبائل متناحرين فيما بينهم على السلطة وعلى الثروة. معمر القذافي ليس سوى أحد هؤلاء الزعماء القبليين الذي استأثر بالسلطة والثروة لفترة أربعة عقود ويحاول أن يؤمن استمرار حكمه. معظم المعارضون الذين يسمون أنفسهم مجازا ثوار قد تربوا وترعرعوا في أحضان القذافي ومنهم رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل وعبد الفتاح يونس وعمر الحريري ومحمود جبريل وغيرهم من أعضاء المجلس وخارج أعضاء المجلس. قسم آخر من المعارضين نشأ وترعرع في الدول الغربية وعلى غرار المعرضة العراقية في وقته يحلم هؤلاء بالعودة إلى ليبيا على ظهور الطائرات وربما الدبابات الغربية لاستلام السلطة. هل تشاهدون قوى شبابية قيادية في حركة 17 فبراير؟ أنا لا أشاهد. بالعكس أرى بعض الشباب يهتفون باسم القذافي. أية ثورة هذه التي ترمي بنفسها في أحضان أعتى القوى المعادية للثورة؟

سوف يسقط القذافي عاجلا أم آجلا لأنه يستحق السقوط ولكن من سيحل مكانه؟ العملاء الذين وصلوا إلى السلطة بواسطة السلاح الغربي؟ وهل سيكون هؤلاء أفضل من القذافي؟

كما يبدو، ليس فقط لا يوجد هناك ثورة ليبية بل لا يوجد هناك شعب ليبي أصلا. ما يوجد في ليبيا مجموعة من القبائل تتحالف تارة وتتصارع فيما بينها تارة أخرى حسب مصالحها القبلية الخاصة. هذه القبائل ما زالت بحاجة إلى ثورة لكي تصبح شعبا بالمعنى الحقيقي للكلمة.

يتهمون القذافي بتجنيد المرتزقة الأفارقة لقتل أبناء شعبه، وماذا يفعل المجلس الوطني الانتقالي؟ أليست الجيوش الغربية أسوأ أنواع المرتزقة؟ ألا تقتل هذه القوات المدنيين أيضا؟

طبعا لا يمكن أن نلقي التهمة كاملة على التحالف الغربي، ففي نهاية المطاف هذا التحالف يخدم مصالحه الإستراتيجية أولا وأخيرا. المتهم الأساسي في هذه القضية هي جامعة الدول العربية التي أثبت للمرة المليون منذ تأسيسها على يد البريطانيين وحتى اليوم أنها توحد زبالة العالم العربي. ويجب توسيع شعار الثورة العربية: الشعب يريد إسقاط النظام إلى: الشعب يريد إسقاط جامعة الدول العربية.

لا يعقل أن تقوم مثل هذه المنظمة البائسة بدعوة قوات أجنبية لغزو بلد عربي مهما كانت الأسباب والتبريرات. وفي الوقت نفسه لا تحرك سكانا أمام تحرك القوات السعودية والخليجية لقمع المعارضة في البحرين. ولا تعمل شيئا لوقف المأساة في اليمن ووضع حد لمهزلة علي عبد الله الصالح.

تصوروا أن شعب شبه الجزيرة العربية ثار على العائلة السعودية وبدأت هذه العائلة باستعمال آلتها العسكرية للبطش بالجماهير فهل تتخذ الجامعة العربية قرارا للجم هذه العائلة؟ وهل تتوجه إلى مجلس الأمن لإصدار قرار لحماية الشعب؟ وإذا تحركت الجيوش الغربية فهل تتحرك لحماية الجماهير أم لحماية العائلة المالكة؟

أقولها بصراحة بل بوقاحة، لقد خيبت الثورة التونسية والثورة المصرية آمالي وآمال الكثيرين على امتداد الوطن العربي . أين هذه الثورتان مما يجري في ليبيا وفي اليمن وفي البحرين وفي سوريا وفي الجزائر والمغرب؟ لماذا لا تعود مصر وتأخذ دورها القيادي في دعم الثورات العربية؟ قد يقول البعض يكفي هاتان الثورتان مشاكلهما الداخلية ومن غير المعقول مطالبتهما بالتورط في الثورات العربية الأخرى. أنا أقول عكس ذلك: سيكون حل المشاكل الداخلية أسهل كلما "تورطت" أكثر بالثورات الأخرى لأن انتصار هذه الثورات هو الضمان الوحيد لاستمرارية التحولات الثورية في مصر وتونس. التقوقع داخل الحدود الضيقة وصفة أكيدة لتراجع وتقهقر أية ثورة. أخشى أن يكون السبب هو أن هذه الثورات ما زالت ملوثة بعناصر كثيرة من النظام البائد. هذه العناصر إذا لم يبادر للتخلص منها وبشكل جذري قد تؤدي إلى إجهاض الثورتين نهائيا.

من العار أيضا أن يقوم "المفكر العربي" عزمي بشارة من على قناة الجزيرة بالتنظير لتبرير التدخل العسكري الغربي في ليبيا بشكل يرضي أصدقاءه أو مشغليه في قطر: اتهام القذافي بأنه هو السبب في تدخل الغرب عسكريا هو اتهام زائف. لماذا لم يدع هذا "المفكر العربي" إلى تدخل عسكري عربي في ليبيا؟ ولماذا يبلع لسانه ولا ينبس ببنت شفة عن التدخل السعودي – الإماراتي – القطري في البحرين؟

إننا نريدها ثورة عربية صافية وطاهرة من المحيط إلى الخليج، بدون تدخل أجنبي مهما كان شكله ومهما كانت تبريراته. إننا نريدها ثورة عربية صافية وطاهرة ضد جميع الأنظمة الرجعية الفاسدة. ونريدها أن تكون ثورة واحدة تلتحم الواحدة بالأخرى لكي تشكل سيمفونية رائعة على طريق الحرية والتقدم.

Wednesday, March 16, 2011

طرابلس قبل مدريد - من أجل إقامة ألوية عربية أممية

طرابلس قبل مدريد – من أجل إقامة ألوية عربية أممية

علي زبيدات – سخنين


في عام ١٩٣٦ اندلعت الحرب الاهلية الاسبانية في أعقاب انقلاب فاشي قامت به مجموعة من الجنرالات الفاشيين بقيادة الجنرال الفاشي فرانسيسكو فرانكو على الجمهورية الاسبانية الثانية بعد انتخاب حكومة يسارية. في ذلك الوقت كانت أوروبا مسرحا للصراع الدامي بين الفاشية التي انتصرت في المانيا وايطاليا وانتشرت كالوبأ في معظم الدول الاوروبية الاخرى وبين القوى الديمقراطية. هذا الصراع الذي بلغ ذروته في اندلاع الحرب العالمية الثانية. قامت المانيا هتلر وايطاليا موسوليني بتقديم الدعم الهائل المكون من الطائرات والاسلحة الثقيلة والقوات الخاصة لمساعدة قوات فرانكو. بينما وقفت بريطانيا وفرنسا المعدودتان على المعسكر "الديمقراطي" المناهض للفاشية وقفة المتفرج. وهكذا بدأ فرانكو يزحف نحو مدريد مخلفا وراءه أرضا محروقة وآلاف الضحايا. كان الاتحاد السوفياتي البلد الوحيد الذي قدم بعض الدعم للجمهورية المحاصرة، الا أن هذا الدعم لم يكن كافيا. فقامت الأممية الشيوعية (الكومنترن) باطلاق مبادرة تشكيل ألوية أممية لنصرة الجمهورية الاسبانية من الاحزاب الشيوعية والاشتراكية والفوضوية ومن التنظيمات والافراد المناهضين للفاشية. خلال فترة فصيرة بلغ أفراد هذه الاولية أكثر من خمسين ألف متطوع جاؤوا من خمسين دولة من شتى أرجاء العالم. شاركت هذه الألوية في الدفاع عن الجمهورية الاسبانية وعن عاصمتها مدريد. وقدمت أكثر من عشرة آلاف شهيد. ولكن النتيجة كانت للأسف، ولأسباب لسنا بصدد شرحها هنا، سقوط مدريد وسقوط الجمهورية وانتصار الفاشية التي حكمت البلاد حتى توفي فرانكو في عام ١٩٧٥.

إلا أن الألوية الاممية قدمت نموذجا ناريخيا على أن الدفاع عن الثورة يجب أن يكون عابرا للقارات وللقوميات وللإختلافات الايديولوجية. الثورة العربية التي انطلقت من تونس ومن ثم انتقلت الى مصر وحققت انتصارات باهرة وما زالت متفجرة في ليبيا واليمن والبحرين بحاجة الى ألوية عربية أممية لنصرنتها والدفاع عنها. الانظمة العربية بدون استثناء، بغض النظر اذا كانت تسمي تفسها ملكية أم جمهورية، ديمقراطية أم استبدادية، يجب أن تسقط. ويجب أن تسقط ثوريا. وهذا يعني في واقعنا الراهن أمرين أساسيين: أن تكون الثورة معادية للهيمنة الامبريالية والصهيونية، وأن تطرح برنامجا سياسيا واجتماعيا تقدميا. والا أصبح الصراع مجرد صراع على السلطة ولا يستحق أن يسمى ثورة.

اليوم تواجه الثورة العربية تحديات عديدة. فمن جهة، تقترف الانظمة البائدة الجرائم الشنيعة في حق الشعوب في محاولاتها لإنقاذ نفسها، وخير مثال على ذلك ما يقوم به نظام القذافي من حرب إبادة. ومن جهة آخرى تتكالب القوى الرجعية العربية لمد يد المساعدة للانظمة الرجعية على شاكلتها الآيلة للسقوط وخير مثال على ذلك التدخل السعودي والخليجي السافر لقمع ثورة شعب العربي في البحرين. كما أن الامبريالية الغربية تتربص لإحتواء النضالات الثورية لتفريغها من محتواها التقدمي والمعادي للامبريالية ومن ثم بسط هيمنتها مما يؤمن لها الاستمرار في نهب خيرات الشعوب وعلى رأسها النفط العربي.

إقامة الالوية العربية الاممية تساعد الشعوب الثائرة على الصمود أمام هذه التحديات. لا يوجد اليوم كومنترن لكي يبادر في اقامة مثل هده الألوية. ومعظم الاحزاب اليسارية قد فسدت. لذلك فإن المسؤولية لاقامة مثل هذه الالوية يقع من حيث الاساس على عاتق الشعوب التي أسقطت أنظمتها، أي على عاتق الشعبين المصري والتونسي. على الثورة التونسية والمصرية وليس فقط من باب التضامن مع الشعوب الشقيقة بل أيضا من باب الدفاع عن نفسها من فلول الانظمة البائدة ومن مواجهة الهيمنة الامبريالية المتربصة أن تبادر الى فتح باب التطوع أمام الشباب العربي لتشكيل ألوية تأخذ دورها في الدفاع عن الثورة. يجب العمل الفوري وبدون أي تردد أو ابطاء لفتح مكاتب لتسجيل المتطوعين في القاهرة وفي تونس وتأمين وصولهم الى ساحات النضال.

الألوية العربية الاممية التي تناضل الى جانب الشعب الليبي هي الضمان الوحيد لإنقاذ طرابلس ليس فقط من نظام الفاسد الجاثم على صدور هذا الشعب منذ أكثو من أربعين عاما بل أيضا من كل تدخل أجنبي. إذا كان الشعب الليبي يريد إن يتحرر فعلا وليس مجرد أن يستبدل نظاما بنظام آخر عليه إن يرفض كل أشكال التدخل أجنبي مهما كانت تسميتها أو مبرراتها. بما في ذلك ما يسمى بالحظر الجوي وتدخل المجتمع الدولي والشرعية الدولية ومجلس الأمن وحلف الناتو.

في عام ١٩٣٦ شارك العديد من الشباب العرب التقدميين الى جانب اخوانهم من البلدان الاخرى في الدفاع عن مدريد وفي الوقت نقسه رافق فرانكو العديد من الجنود المغاربة الذين قاتلوا معه. على الشباب العرب أن يختار في أية جهة يقف. أليست طرابلس أحق من أن يدافع عنها الشباب العربي ويحررها؟

إننا نرى أمام أعيننا قيام جبهة رجعية تقودها الانظمة العربية الرجعية وعلى رأسها النظام السعودي مدعومة من قبل الامبريالية الامريكية واسرائيل لإجهاض الثورة العربية في كل بلد. الرد الوحيد على هذه الجبهة هو إقامة جبهة تقدمية تباشر في تشكيل ألوية تدافع عن وتشارك في الثورة العربية الواحدة من المحيط الى الخليج.

Wednesday, March 09, 2011

الشعب يريد استرجاع الارض

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010275 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010259

الشعب يريد استرجاع الارض

علي زبيدات – سخنين


تفيد الاحصائيات التي تتناولها كافة المؤسسات الاهلية أن ٩٧٪ من الأراضي الفلسطينية قد تمت مصادرتها. اذا كان الأمر كذلك فأي معنى يبقى لشعار الدفاع عن الارض الذي نتشدق به في مثل هذا الوقت من كل سنة؟ له معنى واحد من إثنين: إما أنه كلام فارغ لأحد الشعارات الرنانة وإما أنه كذبة نكذبها على أنفسنا ونصدقها. وفي كلتا الحالتين هذا يعني٫ أولا: إننا فشلنا فشلا ذريعا في الدفاع عن الارض٫ فمن يستطيع أن يدعي أن فقدان ٩٧٪ من الارض ليس فشلا؟

ثانيا: المطلوب اليوم النضال من أجل إستعادة الارض.

مشكلتنا إننا لا نعترف بالواقع ونتمسك بحبال غليظة ولكنها جميعها حبال وهمية. فبعد أن وأدنا يوم الأرض الاول وأفرغناه من محتواه النضالي جعلنا منه أيقونة مقدسة نحتقل بها في كل عام في الثلاثين من شهر آذار. وقد تعودنا على سماع الاسطوانة المشروخة نفسها: الخطباء من على منصة يوم الأرض يزيلون الغبار عن خطاباتهم القديمة ويتحفوننا بنضالاتهم وانتصاراتهم الوهمية. ويبدو أنهم تنبهوا في السنوات الاخيرة لذلك وأخذوا يختصرون من الخطابات محاولين اقتصارها على رئيس لجنة المتابعة ورئيس بلدية البلد المضيف.

نعم٫ لقد فشلنا في الدفاع عن الأرض فشلا ذريعا وإذا لم نعترف بهذه الحقيقة مهما كانت مرة فلا يمكننا أبدا أن نحلم باسترجاع حتى شبر واحد منها. ولهذا الفشل أسباب كثيرة أستطيع أن أجملها في سبب واحد وهو أننا جعلنا يوم الارض الاول عام ١٩٧٦ يوما استثنائيا وليس قاعدة. إذ لا يعقل أن تدافع عن الارض يوما واحدا في العمر فقط وتستغرب في الوقت نفسه أن تخسر ٩٧٪ منها وتدعي انك حققت انتصارا باهرا. نحن لا نواجه هنا عصابات من قطاع الطرق على طريقة أفلام رعاة البقر الامريكية٫ بل نواجه دولة حديثة لا ترحم وضعت نصب أعينها أن تستولي على كافة أراضي السكان الاصليين ومن ثم ترحيلهم أيضا.

الارض لن تستعاد بالخطابات ولا بالإستجداءات بل بجعل كافة أيام السنة يوم أرض من نوع يوم الارض الاول. أي يوم نضالي جماهيري. ولكن زعامتنا للأسف تخاف النضال الجماهيري أكثر مما تخاف من بطش السلطة وشراستها. لنأخذ مثلا ما يجري في النقب وفي العراقيب على وجه الخصوص: لماذا لا يتم تعبئة الجماهير وزجها في النضال للدفاع عن أهلنا في العراقيب وعن أراضيهم؟ لماذا يتم الاكتفاء بإرسال بعض النجوم، بالرغم من كل نواياهم الحسنة وصدقهم وإخلاصهم، من أمثال أيمن عودة والشيخ رائد صلاح ويتم إهمال واستثناء الجماهير العريضة التي من الممكن أن تغير جذربا مجريات الامور. لماذا تستطيع الحركة الاسلامية تجنيد آلاف بل عشرات الآلاف من المشاركين في مهرجانات "الاقصى في خطر" ولا تجند أكثر من عشرة للدفاع عن العراقيب؟ هل لأنها لا تستطيع أم لأنها لا تريد؟ ولماذا تستطيع الجبهة الديموقراطية زج الجماهير الغفيرة في قاعة لمناسبة احتفالية في سخنين وتكتفي ببعض الافراد الذين يمكن عدهم على أصابع يد واحدة للدفاع عن العراقيب؟ الامر نفسه ساري المفعول بالنسبة لكافة الاحزاب والحركات السياسية بلا اسثناء وفي الاساس على لجنة المتابعة التي تشملهم جميعا.

سكرتير التجمع الوطني الديموقراطي٫ عوض عبدالفتاح يتساءل: “ماذا نفعل بدروس الثورات العربية عشية يوم الارض؟" بعد كيل المديح على حزبه الذي " كسر الجمود الفكري والسياسي عام ١٩٩٥ وأحدث ثورة في الفكر السياسي عند عرب الداخل على مدار ال ١٥ عاما" يدعو الى نفض الرتابة عن حزبه وعن جميع الاحزاب والحركات ومؤسسات المجتمع المدني ويطالب أن يبدأ كل بنفسه. لو كانت المسألة تقتصر على الخروج من الرتابة لكانت في غاية السهولة والبساطة ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير وأكثر تعقيدا٫ انها مسألة كسر التحجر وليست مجرد خروح من رتابة.

لم يعد لدينا أرض ندافع عنها، ولكن لدينا أرض سلبت ونهبت في وضح النهار، بشكل ديموفراطي وحسب القوانين، وعلينا أن نناضل من أجل استرجاعها. لكي يستطيع أهلنا في النقب العيش على ارضهم بكرامة، لكي يستطيع أهلنا في اللد الحفاظ على بيوتهم لكي يستطيع شبابنا في سخنين والناصرة وأم الفحم وكافة مدننا وقرانا بناء بيوتهم عليها.

النضال من أجل استرجاع الارض لن يكون نزهة ولن يكون بأي حال من الاحوال أسهل من النضال للدفاع عنها. لذلك اذا تمسكنا بعاداتنا القديمة في النضال سوف نفشل في قضية استرجاع الارض كما فشلنا في قضية الدفاع عنها. الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا دلتنا على الطريق: طريق الجماهير الشعبية.

Wednesday, March 02, 2011

احذروا من "الثورة" الأمريكية

احذروا من "الثورة" الأمريكية

علي زبيدات – سخنين

في الماضي، وفي الحاضر والمستقبل أيضا، كنا وما زلنا نحذر من السلام الأمريكي (باكس أمريكانا). هذا السلام الذي تحاول الإدارة الأمريكية فرضه على شعبنا الفلسطيني وعلى الشعوب العربية الأخرى. يقوم هذا السلام على ثلاثة مبادئ أساسية لا تغيير فيها ولا زحزحة عنها وهي:
أولا: تأمين ضخ النفط إلى أمريكا والاتحاد الأوروبي ومن ثم إلى باقي الدول الصناعية بسلاسة وبأخفض الأسعار الممكنة.
ثانيا: الحفاظ على أمن وسلامة ورفاهية دولة إسرائيل ككيان كولونيا لي عنصري غاصب.
ثالثا: إبقاء شعوب ودول المنطقة تحت التبعية والهيمنة الأمريكية.
هذا كان جوهر اتفاقيات كامب ديفيد، اتفاقيات أوسلو، اتفاقيات وادي عربة وكل اتفاقية يمكن أن توقع مستقبلا بين أية دولة عربية وإسرائيل برعاية أمريكية. ومن يعترض على هذه المبادئ فمصيره ما حدث في العراق. أما من يتبنى هذه المبادئ ويعمل على تحقيقها فسوف ينعم بالرضا والاستقرار بغض النظر إذا كانت جمهوريا أم ملكيا، ديمقراطيا أم ديكتاتوريا، وطنيا أم عميلا، يحترم حقوق الإنسان أم يدوس عليها.
اليوم أريد أن أحذر من "الثورة" الأمريكية. وأنا أستعمل كلمة ثورة مجازا لأن الولايات المتحدة الأمريكية ( والدول الامبريالية الأخرى) لا تصدر ثورات بل تصدر ثورات مضادة وحروب. وهذه الثورات المضادة والحروب هي في الواقع استمرار للسلام الأمريكي لكن بوسائل أخرى.
قامت الولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة وحتى اليوم الأخير برعاية ودعم نظام زين العابدين بن علي البوليسي القمعي في تونس لأنه كان من أفضل من خدموا إستراتيجيتها في المنطقة. ولم تكن مصلحة الشعب التونسي وحقوقه الإنسانية واردة في قاموس السياسة الأمريكية. ولكنها عندما رأت أن ما شيدته خلال ربع قرن ينهار أمام أعينها وأمام أعين العالم في شهر، تذكرت أن النظام البائد كان يدوس على أبسط حقوق المواطن التونسي محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام البائد وذلك بنشر الأكاذيب حول دعمها للثورة التونسية حيث تبرأت من بن علي وكأنها لا تعرفه أصلا. إلا أن ا هذه الخدعة المكشوفة لم تنطل على أحد فالشعب التونسي يعرف جيدا من هم أصدقاؤه ومن هم أصدقاء النظام البائد.
اللعبة نفسها حاولت أمريكا أن تلعبها في مصر. فنظام حسني مبارك كان يشكل ركنا أساسيا في سياسة أمريكا في المنطقة. فقد سهر كثيرا على أمن وسلامة إسرائيل وكان من أشد الأنظمة تبعية لأمريكا في المنطقة حيث وقف إلى جانبها في غزو العراق وفي إقامة تحالفا رجعيا لمواجهة المقاومة الوطنية في العراق ولبنان وفلسطين. في هذه الأثناء لم تهتم أمريكا بسحق الحقوق الإنسانية الأساسية للمواطن المصري ولم تهتم بالفساد الذي دفع معظم الشعب إلى حافة المجاعة. ولكنها عندما رأت الأرض تهتز تحت أقدام حسني مبارك ونظامه، بدأت تتذكر حقوق الإنسان في مصر وبعد فترة من التذبذب وعدم الوضوح في الموقف أخذت تغير موقفها شكليا، وكانت على استعداد لأن تضحي بحسني مبارك وبعض من حوله من أجل إنقاذ النظام ككل. وهنا أيضا كان شباب مصر أوعى من أن يقعوا بالفخ الأمريكي، وما زالوا يطالبون بإسقاط النظام كلية وليس بعض رموزه فقط.
هذا السيناريو يعيد نفسه مرة أخرى. ولكن هذه المرة بمزيد من الحدة والشراسة في ليبيا. لقد صدق القذافي عندما قال: ليبيا ليست تونس وليست مصر وهو ليس زين العابدين ولا مبارك. بالرغم من أن القذافي، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة من حكمه، خدم السياسة الأمريكية بحماسة منقطعة النظير تفوق ما قدمه النظامان التونسي والمصري، فإن النظام الليبي لم يحظ بثقة أمريكا وأوروبا. فقد قام القذافي بتسليم برامجه النووية وأسلحة الدمار الشامل إلى أمريكا ووشى بكل من ساعدوه في برامجه هذه. وقدم التعويضات السخية لكل من طالبه فيها. واتخذ أسوأ شخصيتين سياسيتين على المستوى العالمي كأعز أصدقائه ومستشاريه وهما برلسكوني وطوني بلير. وتم السكوت عليه ما دام يزودهم بالبضاعة. ولكنهم يبدو أنهم لم ينسوا ماضيه عندما كان يتكلم باسم القومية العربية ويقود جبهة مناهضة للامبريالية الغربية. وعندما وصل السيل الزبى وبدأ البركان الليبي يقذف حممه ويزعزع أركان النظام، تذكرت أمريكا والدول الغربية أن القذافي يقمع شعبه بوحشية ولا يحترم حقوق الإنسان. وحاولت أن تتعلم من دروس تونس ومصر فتتالت التصريحات التي تدين القذافي من الرئيس الأمريكي أوباما إلى وزيرة خارجيته كلينتون إلى باقي المسئولين في البيت الأبيض وتسارعت الاتصالات وعقد المؤتمرات واتخاذ القرارات في مجلس الأمن. حتى أصبح المراقب للوهلة الأولى يظن أن الثورة قد انطلقت من معقل الديمقراطية في البيت الأبيض. ويبدو أن القذافي نفسه قد تسرع في إلقاء التهمة على حبوب الهلوسة ومن ثم على تنظيم القاعدة، وفي لقائه الأخير مع بعض الصحفيين الغربيين اعترف بأن أصدقاءه الأمريكان والأوروبيين قد خانوه.
أمريكا هي أمريكا لم تتغير. هدفها في ليبيا كما في مصر كما في تونس كما في فلسطين والعراق ولبنان وباقي البلدان العربية واحد يتلخص في 3 كلمات: النفط، إسرائيل والتبعية. الشعب الليبي، في حسه الوطني الطبيعي يشعر ويعرف النوايا الأمريكية لذلك فهو يرفض التدخل الأمريكي مهما قدمت من أسباب وتبريرات ومهما كانت الطريق حتى تحقيق الانتصار شائكة وصعبة.
الثورة عربية قلبا وقالبا وعليها تبقى كذلك حتى تكنيس الأنظمة الرجعية إلى مزبلة التاريخ وتحرير البلدان العربية من الهيمنة الامبريالية.

Tuesday, February 22, 2011

الشعب يريد إسقاط سلطة أوسلو

الشعب يريد إسقاط سلطة أوسلو
علي زبيدات – سخنين

بينما تنتشر الثورة العربية كالنار في الهشيم بعد انتصارها الساحق في تونس ومصر وقرب انتصارها في ليبيا واليمن والبحرين. وبينما ما زالت الجماهير العربية الثائرة ترفع شعار المرحلة: الشعب يريد إسقاط النظام، نرى بعض المأجورين وبعض المغرر بهم في رام الله وفي بعض الأماكن الفلسطينية الأخرى يرفعون الشعار المسخ والمشوه والخادع: "الشعب يريد إنهاء الانقسام". هذا الشعار الإنتهازي يعني من ضمن ما يعنيه تبرئة سلطة أوسلو من مسئوليتها عن خلق الظروف التي أدت إلى هذا الانقسام. أنا شخصيا، لا أؤمن بأن هذه المظاهرات قامت بمبادرة شباب فلسطين على غرار شباب ميدان التحرير بل على ثقة بأن الذين نظموها هم وجوه أكل الدهر عليها وشرب، ركبت الموجة الشبابية في محاولاتها اليائسة لإنقاذ سلطة أوسلو. يكفي أن نلقي نظرة خاطفة على الشخصيات التي سارت في الصف الأول من المظاهرة المركزية في رام الله ووقفت أمام الكاميرات: عزام الأحمد: رئيس كتلة فتح البرلمانية، قيس عبد الكريم: عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، خالدة جرار: عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، مصطفى البرغوثي: أمين عام المبادرة الوطنية. وقد استطعت أن المح ممثل "التيار القومي" لعرب الداخل، سكرتير التجمع الوطني الديمقراطي عوض عبد الفتاح. هذا بالإضافة إلى وجوه متعبة لم أتعرف على أصحابها تهتف بصوت مشروخ يخرج من بين الشفاه ويتلاشى قبل أن يصل إلى آذان الناس وإذا وصل إلى آذانهم فأنه لا يلامس شغاف قلوبهم: "الشعب يريد إنهاء الانقسام".
سلطة أوسلو التي ينبغي على الشعب الفلسطيني إسقاطها لا تقتصر على رئيس السلطة ورئيس حكومته وأجهزته الأمنية وباقي المؤسسات الرسمية، بل تشمل أيضا تلك المعارضة الداجنة المدجنة من التنظيمات التي تسمي نفسها وطنية، قومية، يسارية، أو إسلامية. وهي لا تقتصر على الضفة الغربية فحسب بل تشمل قطاع غزة أيضا. لقد كدنا أن ننسى أن سلطة حماس في قطاع غزة جاءت نتاجا لاتفاقيات أوسلو التفريطية. وقد كدنا أن ننسى أن الانقسام كان نتيجة صراع شرس على سلطة وهمية. مقاومة الاحتلال، والنضال من أجل العودة والحرية والاستقلال ليس بحاجة إلى سلطة تقدم التنازلات تلو التنازلات.
الانقسام سوف ينتهي من ذاته فور إسقاط سلطة أوسلو. نقطة سطر جديد.
مسرحية إدانة الاستيطان الإسرائيلي في مجلس الأمن لن تنقذ سلطة أوسلو ولن تجعل منها سلطة وطنية. مرة أخرى ينزل بعض المأجورين يرافقهم بعض المغرر فيهم إلى الشارع يهتفون للسلطة التي: "مضت قدما في إدانة الاستيطان بالرغم من الضغط الأمريكي والإسرائيلي". لم يخطر على بالهم أن هذه المسرحية كتبت، أنتجت وأخرجت بواسطة هذا الثالوث حيث خرجت كافة الأطراف رابحة: فالسلطة تريد أن تدحض ما فضحته وثائق "كشف المستور"، وإسرائيل تستطيع مواصلة الاستيطان وأمريكا ما زالت راعية "مفاوضات السلام" بالرغم من الفيتو.
واضح أن سلطة أوسلو هي جزء لا يتجزأ من النظام الرسمي العربي. علاقاتها الحميمة مع الرئيس التونسي الهارب، زين العابدين بن علي قديمة جدا وتعود إلى ما قبل تحولها إلى سلطة. استمرت هذه العلاقة الحميمة حتى اليوم الأخير. كان موقفا مخجلا أن يقف من يدعون زعامة الثورة الفلسطينية إلى جانب النظام التونسي وضد الثورة التونسية. وكانت علاقة هذه السلطة أكثر حميمية مع نظام كامب ديفيد الذي أسقطه الشعب المصري. وهي اليوم تقف إلى جانب الأنظمة الديكتاتورية التي تترنح على كراسيها. هذه السلطة هي وصمة عار في جبين الثورة الفلسطينية ويجب إسقاطها الآن قبل غدا. ما يقوم به نظام القذافي، الذي أشبعنا على مدى أكثر من 40 سنة بشعارات ثورية وقومية لا تسمن ولا تؤمن من جوع، من جرائم في قمع الجماهير الثائرة سوف تقوم به سلطة أوسلو بواسطة أجهزتها الأمنية لقمع كل معارضة تطالب في إسقاطها.
بالنسبة لنا، نحن فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948، قد يقول البعض: لا يوجد لدينا نظام نسقطه، وكما قال لي أحد أصدقائي "الوطنيين": لا نستطيع أصلا أن نسقط ذبابة، وخير ما نعمله هو أن نلتصق بأجهزة التلفزيون لمتابعة الأخبار، وقلوبنا ودعواتنا مع الشعوب العربية. وقد يشارك البعض في تظاهرة هنا رفع شعارات هناك ينظمها أحد الأحزاب، أو في مهرجان خطابي تنظمه لجنة المتابعة بعد السقوط وكأن النصر كان مستحيلا بدونها.
طبعا هذه النظرة خاطئة من أساسها. نستطيع أن نفعل الكثير لو تخطينا حاجز الخوف.
على صعيد الزعامة لا أمل للأسف الشديد. قبل أقل من عام قام وفد كبير يمثل هذه الزعامة أحسن تمثيل بالحجيج إلى ليبيا لزيارة قائد "ثورة الفاتح" بحجة التواصل. وقد تزاحم أعضاء الوفد من ينال شرف الكلام بين يدي القائد، ومن نال شرف الكلام منهم تنافس في إبداع آيات المدح والتبجيل من رئيس رؤساء العرب إلى ملك ملوك أفريقيا. حتى أن أحد ممثلي التيار "القومي الجذري" الذي يرفض حل الدولتين حيا القائد لتبنيه حل الدولة الواحدة التي تنادي به حركته مشيرا بذلك إلى ترهات "إسراطين". أنا أتحدى أعضاء الوفد الأربعين أن يجتمعوا من جديد ويدينوا قصف ملك الملوك لجماهير المتظاهرين العزل بالطيران الحربي.
ولكن على الصعيد الجماهيري يمكن فعل الكثير. لقد آن الأوان لكي ننفض عن أنفسنا غبار السلبية والخمول ونخرج إلى الشوارع لكي نثبت لأنفسنا أولا وللعالم بأسره بعد ذلك إننا لسنا فقط جزءا لا يتجزأ من الشعب العربي بل جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الثائر. علينا أن نساهم في رفع شعار: الشعب يريد إسقاط النظام العربي. وعندما يسقط هذا النظام من المحيط إلى الخليج يصبح زوال الهيمنة الكولونيالية والامبريالية مسألة وقت ليس أكثر.

Wednesday, February 16, 2011

سقط النظام ولكنه ما زال حيا

سقط النظام ولكنه ما زال حيا
علي زبيدات – سخنين

الشعب يريد إسقاط النظام، هذا هو شعار المرحلة بدون منازع. الشعب التونسي أسقط نظام زين العابدين بن علي في تونس والشعب المصري أسقط نظام حسني مبارك في مصر. وتقع على عاتق كل شعب عربي أن يسقط نظامه. إذن شعار:" الشعب يريد إسقاط النظام" هو شعار استراتيجي ساري المفعول في كافة الدول العربية. وهو شعار صحيح من حيث الجوهر يلخص مطالب الشعوب من أجل الحرية والكرامة والتقدم.
ولكن، وهنا يوجد لكن كبيرة: ماذا نعني بالضبط عندما نقول يجب إسقاط النظام؟ هنا تختلف الرؤى والتأويلات. من يسقط من ارتفاع شاهق قد يحالفه الحظ وحالما يقع على الأرض يقف مرة أخرى على رجليه ينفض عنه الغبار ويتابع سيره كسابق عهده وكأن شيئا لم يحدث. وفي أحيان أخرى يتعرض إلى أضرار تتراوح ما بين أضرار طفيفة، متوسطة أو جسيمة، يصاب بالكسور هنا وهناك وقد يخرج بإعاقة دائمة. ومنهم من ينقل على جناح السرعة إلى قسم الطوارئ لتلقي العلاج ويخضع لعمليات معقدة. ومنهم من يسقط ولا تقوم له قائمة بعد ذلك إذ يدق عنقه ويفارق الحياة مرة واحدة والى الأبد.
كذلك الأنظمة عندما تسقط. النظام المصري والنظام التونسي من قبله اللذين سقطا من ارتفاع شاهق قد تعرضا من غير شك إلى أضرار جسيمة، أثخنا بالجراح والكسور ولكنهما لم يلفظا أنفاسهما الأخيرة بعد. فالنظام المصري الساقط ما زال حيا من خلال بقاء نائب الرئيس، عمر سليمان الذي ما زال يمارس نشاطه التخريبي في الظل وكأن شيئا لم يحدث. ومن خلال الحكومة التي عينها الرئيس المخلوع برئاسة أحمد شفيق، ومن خلال رئيس ديوان رئيس الجمهورية، ومن خلال كبار الضباط الموجودين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين يديرون البلاد حاليا، ومن خلال البيروقراطيين ورجال الأعمال والمسئولين في المؤسسات الرسمية الذين يشكلون جزءا لا يتجزأ من النظام البائد ويعرقلون التقدم إلى نظام جديد.
مما لا شك فيه أن النظام المصري الذي سقط بشكل مدوي قد تعرض إلى أضرار قاتلة، ولكنه يحاول أن يستعيد عافيته بشتى الطرق، من ضمنها تقديم التنازلات للشعب والوعود السخية ولكن أيضا من خلال تلقي الدعم من قوى الهيمنة الخارجية وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتين تعملان بلا كلل من أجل إنقاذ النظام حتى ولو كان الثمن التضحية برأس أو رؤوس النظام. ما دام النظام الساقط لم يستعد عافيته بعد فإنه سوف يواصل المراوغة والخداع حيث نرى العديد من أعمدة هذا النظام يلبسون الأقنعة وينتقلون إلى معسكر الشعب الثائر. ويطبقون المثل العربي القائل:" يتمسكن لكي يتمكن" بحذافيره.
نعم، أنا أؤيد شعار: الشعب يريد إسقاط النظام من غير تحفظ. ويجب تعميم هذا الشعار ليشمل كافة الشعوب العربية بل كافة شعوب العالم التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها. ولكن إسقاطه يجب أن يعني تنحيه تماما عن مكانته، يعني زواله من منصة التاريخ. لا يعقل أن يسقط النظام ويبقى في الوقت نفسه. يخرج من الباب لكي يعود ويدخل من الشباك. يجب تكنيسه تماما وتنظيف الوطن تنظيفا شاملا وجذريا من قاذوراته. فقط بهذه الطريقة يمكن بناء نظام جديد يقوم على أساس العدالة الاجتماعية وإعادة الكرامة للمواطن.
النظام المصري الساقط، في حالة استعادة عافيته، لا سمح الله، سوف ينقض على الجماهير الشعبية حالما يستطيع ذلك ويجردها من مكتسباتها التي انتزعتها بنضالها وبتقديم الشهداء. لذلك على الشعب الثائر أن يقف بالمرصاد لحماية الثورة. عليه ألا يغادر ميدان التحرير واللجوء إلى المسيرات المليونية حتى يتم التخلص من بقايا النظام البائد وحتى يتم تلبية مطالبه كاملة.
كما قلت في مقال سابق: الثورة الحقيقية تبدأ بعد إسقاط النظام السابق ولا تنتهي عند إسقاطه. على الثورة أن تبقى مستمرة لأن توقفها يمنح الفرصة لفلول النظام أن تلملم نفسها وتشن هجوما مضادا. ليس من باب الصدفة أن تدعو بعض الجهات التي كان وما زال يربطها أواصر قوية مع النظام البائد إلى منع الاعتصام في ميدان التحرير وعدم اللجوء إلى المظاهرات الشعبية والعودة إلى "الحياة الطبيعية" و"الاستقرار". بينما معظم الوعود في الإصلاح ما زالت حبرا على ورق.
نعم، الشعب يريد إسقاط النظام، ولكنه يريدها سقطة لا قيام بعدها.

Wednesday, February 09, 2011

أين التضامن؟ أين الوفاء؟

أين التضامن؟ أين الوفاء؟
علي زبيدات – سخنين

تدخل الثورة المصرية مرحلة بالغة الخطورة من مراحل تطورها. التناقضات الداخلية التناحرية تحتدم وتصل إلى أوجها: إما النظام وإما الشعب. لا يوجد هناك خيار آخر. لقد أصبح تراجع الثورة عن مطلبها الأساسي ألا وهو إسقاط النظام مستحيلا. النظام نفسه يعرف هذه الحقيقة لذلك نراه يلجأ إلى كافة الأساليب من أجل إنقاذ نفسه، تارة بالقمع والتنكيل وتارة باللجوء إلى تقديم التنازلات ووعود بالإصلاحات.
لقد أثبت الشعب المصري أنه قادر على تحقيق النصر وذلك من خلال صموده ومن خلال إيمانه الذي لا يتزعزع بعدالة قضيته. ولكن الثورة في نهاية المطاف ليست لعبة وليست نزهة. إنها صراع دامي مليء بالفداء والتضحيات. لن تترك الطبقة الحاكمة الملتصقة بالكراسي أماكنها بمحض إرادتها. بل سوف تتمسك بها حتى الرمق الأخير، حتى يتم اقتلاعها بالقوة وطرحها في سلة مهملات التاريخ. ولكن على الشعب المصري ألا يبقى وحيدا. انه بحاجة إلى تضامن كافة الشعوب والطبقات المضطهدة معه، حتى التوصل إلى تشكيل جبهة عالمية للدفاع ولنصرة الثورة المصرية. هذه الجبهة ضرورية لصد تدخلات الامبريالية الأمريكية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي.
خيبة الأمل الكبيرة تكمن بالموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي المخزي إزاء الثورة المصرية. أين التضامن؟ أين الوفاء؟ لقد قدم الشعب المصري آلاف بل عشرات الآلاف من الضحايا دفاعا عن فلسطين منذ عام 1948 مرورا بعام 1956 وحرب حزيران 1967 وحتى حرب تشرين عام 1973. واليوم يقف هذا الشعب في وجه النظام الذي باع القضية الفلسطينية قبل أن يغتصب حقوق الشعب المصري نفسه. وماذا كانت النتيجة؟ صمت، مشاهدة عن بعد، هذا في أفضل الأحيان وتواطؤ وتأييد النظام في حالات عديدة.
وأنا هنا لا أقصد الموقف الرسمي للسلطة في رام الله: هذه السلطة كانت قبل الثورة حليفة إستراتيجية للنظام المصري وستبقى كذلك إذا تمكن هذا النظام لا سمح الله من النجاة والبقاء. لذلك لن أعلق حتى ولو بكلمة واحدة على موقف هذه السلطة التي تنتظر بدورها تحويل ساحة المنارة إلى ميدان تحرير.
المصيبة الكبرى تأتي من موقف سلطة حماس في قطاع غزة. لقد صدمت من تصريحات القيادي البارز في حركة حماس محمود الزهار والتي نشرتها إحدى الصحف المحلية حيث يقول:" سنبقى على الحياد حتى يحسم الشعب المصري خياراته ونحن سنتعامل مع هذه الخيارات بما فيه مصلحة القضية الفلسطينية" ويتابع: " من الحكمة أن نترك لمصر تخطي هذه المرحلة حتى تتمكن من استرداد دورها العربي والإقليمي". الوقوف على الحياد في هذه القضية لن يكون خطأ استراتيجيا فحسب، بل هو جريمة يصل إلى حد الخيانة. ألا يفهم الزهار وهو القيادي البارز أن مصلحة القضية الفلسطينية يمكن في الوقوف بقوة وصلابة إلى جانب الشعب المصري في ثورته؟ هل نسي هو وغيره في حركة حماس نزول الجماهير المصرية إلى الشوارع احتجاجا على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل سنتين؟ تتحدى آلة القمع التي يستعملها النظام الآن؟ لماذا تمنع المسيرات المؤيدة للثورة في شوارع غزة ورفح وخان يونس وباقي المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية؟ باختصار: موقف سلطة غزة لا يقل خزيا عن موقف سلطة رام الله، إذا لم تقم فورا بقلبه رأسا على عقب قبل فوات الأوان.
أين التنظيمات الفلسطينية، اليسارية والوطنية والإسلامية، الجذرية منها والانتهازية، الموجودة في السلطة أو في المعارضة مما يجري الآن في مصر؟ أين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟ أين الجبهة الديمقراطية، والنضال الشعبي وحزب الشعب؟ أين الجهاد الإسلامي وحماس؟
أين التحرك الفلسطيني في الشتات؟ في مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن؟ لا تقولوا إننا نلجأ إلى أضعف الإيمان فقلوبنا مع الشعب المصري ودعواتنا لهم بالنصر. الشعب المصري في هذه الساعات ينتظر أقوى الإيمان وليس أضعفه.
قلت في مناسبات عديدة، وها أنا أكرر ما قلته: إن موقف الجماهير الفلسطينية في المناطق المحتلة عام 1948 من القمة وحتى القاعدة هو موقف بائس وتعيس. يقول رئيس لجنة المتابعة أن ما يجري في مصر هو شأن داخلي ويرفض أن يعلن عن موقف رسمي للجنة. بل يتحاشى حتى مناقشة هذا الموضوع في جلسة بحضور كافة مركبات هذه اللجنة. الأحزاب العربية، وخاصة الجبهة الديمقراطية والتجمع الوطني الديمقراطي، تكرس حالة الشرذمة وكل منها يقاطع النشاطات التي ينظمها الطرف الآخر. كل حزب يجمع شلة ضئيلة من كوادره على أحد المفارق أو في إحدى الساحات ويدعي أنه الوحيد الذي يدعم الثورة المصرية. إذا كان هذا كل ما تستطيع أن تفعله الأحزاب العربية فذلك مصيبة وإذا كانت تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك ولا تفعله الآن فالمصيبة أكبر.
الثورة في مصر هي الأمل الوحيد في عودة الشعوب العربية إلى التاريخ والى الحضارة الإنسانية الحديثة وانتصارها هو الضمان الوحيد لانتصار الثورة في كافة البلدان العربية.

Wednesday, February 02, 2011

الثورة في مصر: عشرة أيام هزت العالم

الثورة في مصر: عشرة أيام هزت العالم

علي زبيدات – سخنين

من الصعب جدا، بل من المستحيل الكتابة عن حدث على مستوى الثورة المصرية خلال أوج تطوره وفي خضم أحداثه حيث تتغير المجريات بسرعة فائقة وتبدو التطورات غير متوقعة، من غير الوقوع في تحليلات ذاتية وتقييمات قد تقترب أو تبتعد عما يجري على ارض الواقع، وفي حالتنا هذه عما يجري من حيث الأساس في ميدان التحرير في القاهرة.
لا شك في أن ما جرى حتى الآن وما يجري إلى هذه اللحظة وما سوف يجري في الأيام القليلة القادمة، وبالتحديد من يوم الغضب الأول في 25 كانون الثاني إلى يوم الغضب القادم في 4 شباط، عشرة أيام هزت العالم ودخلت التاريخ من أوسع أبوابه. لست هنا بصدد تقييم أو تحليل ما يجري في مصر، ولست بصدد إسداء النصائح لأحد، وانصح كل من لديه نصائح أن يبقيها لنفسه لأن انفجار الثورات وتطورها لا يجري حسب نصائح وتمنيات أحد. كل ما أطمح إليه هنا هو أن أعبر عن موقف شخصي متواضع إزاء ما يجري في مصر. واطمح كذلك أن يلاقي هذا الموقف استحسانا وقبولا عند قوى التغيير التي تصنع التاريخ في تونس ومصر وغدا في باقي الدول العربية.
لطالما قلت وآمنت أن الثورة في مصر (وليس في فلسطين أو أية دولة عربية أخرى) هي الكفيلة في إعادة الأمة العربية إلى التاريخ، وهي الضمان الوحيد لتغيير وجه المنطقة بما فيه تحدي الهيمنة الامبريالية- الصهيونية وإلحاق الهزيمة بها من جهة وربط المنطقة بأكملها من جديد بركب الحضارة. وما زلت أقول ذلك وأؤمن به بدون تحفظ. من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم تكالب إسرائيل، الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي والرجعية العربية لفعل المستحيل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام البائد حتى وإن كان ثمن ذلك التضحية ببعض رموز النظام التي خدمت هذا المعسكر لفترة طويلة وتقديم بعض التنازلات للجماهير الثائرة التي يمكن الانقضاض عليها لاحقا عندما تستقر الأمور.
من هنا أنبش في تاريخ الثورات وأقول أن الخطر الرئيسي للثورة، كل ثورة، يأتي من تناقضاتها الداخلية. التناقضات الخارجية ليست أكثر من عامل مساعد لا يعمل مستقلا بل من خلال الامتزاج بالتناقضات الداخلية. ينبغي على الثورة لكي تنجح وتحقق مهماتها الأساسية أن تكون مستمرة. حالما تتوقف الثورة يبدأ العد التنازلي وتبدأ الثورة المضادة برفع رأسها. حتى الآن جميع الثورات توقفت في مرحلة ما من مراحل تطورها. ويبدو أن الثورة المصرية هي الأخرى سوف تتوقف في مرحلة ما من مراحل تطورها. ولكن كلما كان التوقف في مراحل متأخرة كلما كانت الخسائر أقل وكلما كانت الانجازات أكثر. النظام البائد يعمل المستحيل لإجهاض الثورة قبل أن تنفجر وعندما يفشل في ذلك يعمل المستحيل لوأدها في بدايتها.
حسب رأيي، الموقف السليم الذي يجب التشبث به في جميع الحالات وتحت كافة الظروف هو عدم التوقف في أول الطريق أو في وسطها بل المضي بالثورة قدما حتى النهاية. حتى الآن حققت الثورة المصرية انجازات هامة لا يمكن الاستهانة بها: فقد دفنت قضية التوريث مرة واحدة والى الأبد ودفنت معها قضية التمديد أيضا مرة واحدة والى الأبد. وأعادت للشعب المصري كرامته وهيبته في العالم كله. ولكن هذه الانجازات تبقى متواضعة بالمقارنة بما يجب إنجازه بعد. المشكلة الأساسية التي تواجهها الجماهير الثائرة الآن هو الحذر من عودة النظام البائد الذي أخرج من الباب لكي لا يعود من الشباك بحلة جديدة. المتسلقون على أنواعهم منتشرون في كل مكان وخصوصا بين الجماهير الثائرة. بقايا النظام البائد لا تقتصر على نائب الرئيس القديم الجديد، عمر سليمان ولا تقتصر على الحكومة الجديدة التي هي نسخة طبق الأصل عن الحكومة السابقة بل تشمل أيضا شخصيات تغطي نفسها برداء المعارضة، وتتزين بهذه التسمية ليس لمعارضتها النظام بل لمعارضتها الفئة الحاكمة التي منعتها من المشاركة في هذا النظام. وأخص بالذكر هنا البرادعي وعمرو موسى وغيرهما من الحزبيين والسياسيين الإصلاحيين.
لقد أثبتت الثورة في مصر وقبلها في تونس حقيقة جديدة سوف تلعب دورا هاما في النضال الثوري في باقي البلدان العربية وهي إنه لم تعد هناك حاجة للأحزاب السياسية، مهما ادعت من ثورية، من أجل تفجير الثورة وقيادتها. لقد وجدت الأحزاب السياسية نفسها متخلفة عن الجماهير بأميال طويلة. وتحاول أن تلحق بالركب الثوري بطرق وممارسات انتهازية وبواسطة مقدرتها على التسلق وتبدأ في حرف الثورة عن مسارها الصحيح والبحث مع بقايا النظام السابق عن صفقة يؤمن لها بعض المكاسب الشخصية. وهذا هو الخطر الأكبر الآن على الثورة في تونس وفي مصر.
ولكن هذا لا يعني أن باستطاعة الجماهير الثائرة الاستغناء عن القيادة الثورية الحقيقية. العكس هو الصحيح. إن ما تحتاجه الثورة المصرية الآن هو قيادة ثورية ملتزمة تسترشد بنظرية ثورية وتواصل النضال بأساليب ثورية. غياب مثل هذه القيادة يشكل الخطر الأكبر الآخر على الثورة وعلى استمراريتها.
لم تعد الثورة في البلدان العربية مجرد أمنيات بل أصبحت واقعا ملموسا يشعر بها الداني والقاصي. وأول من يشعر بها هي الأنظمة العربية المتهرئة التي بدأت تحضر نفسها لمواجهتها. ولكنها سوف تكون أعجز من المواجهة: تغيير الحكومة في الأردن لن ينقذ النظام الملكي، الكلام عن الإصلاح في سوريا والمغرب والجزائر والسعودية وغيرها لن يجدي فتيلا. الثورة قادمة لا محالة عاجلا أم آجلا. هذه العاصفة الثورية لن تقفز عن بلادنا فلسطين أيضا. بعد فضائح "كشف المستور" يستطيع محمود عباس وبطانته في السلطة أن ينظموا مسيرات التأييد المزيفة كما يحلو لهم. ولكن من الغباء أن يظنوا بأن مثل هذه المسيرات سوف تضمن بقاءهم. لقد قامت هذه الزمرة خلال عقدين من الزمن بنقل الشعب الفلسطيني من طليعة النضال الثوري التحرري في العالم العربي إلى خادم ملحق للمعسكر الأمريكي –الصهيوني – الرجعي العربي.
هذه العاصفة الثورية لن تقفز عنا نحن أيضا في فلسطين المحتلة عام 1948. أولا يجب التخلص من الزعامة البائسة الممثلة في لجنة المتابعة العليا، التي عجزت عن اتخاذ موقف واضح إزاء الثورة في تونس وفي مصر ولم تدع حتى لمظاهرة تأييد واحدة كما حصل في جميع أنحاء العالم واعتبرت ما يجري محض قضية داخلية . أما الأحزاب السياسية العربية فقد كانت مواقفها هزيلة تعكس طبيعتها الهزيلة وكإسقاط واجب قامت بتنظيم بعض النشاطات الهامشية الانعزالية.
المارد العربي الذي خرج من قممه ينطلق من المحيط إلى الخليج وقد أصبح من المستحيل إعادته إلى قمقمه. وعندما ينظف هذه البلدان من الرؤساء والملوك والأمراء الذين انتهى تاريخ صلاحيتهم سوف يصبح الانتصار على الصهيونية والامبريالية العالمية حتمية تاريخية.

Wednesday, January 26, 2011

كشف المستور وإخفاء المكشوف


كشف المستور وإخفاء المكشوف
علي زبيدات – سخنين

ماذا تبقى من القضية الفلسطينية بعد الكشف عن الوثائق السرية للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في قناة الجزيرة؟ هل هذه هي الثورة الفلسطينية؟ هل هذه حركة تحرر وطني أصلا؟ إنه لأمر محزن حقا بل محبط. كل فلسطيني يرى ما يرى ويسمع ما يسمع ولا تصيبه حالة من الإحباط الشديد يكون عديم المشاعر.
وثائق الجزيرة كانت معروفة للجميع، إن لم يكن بتفاصيلها فبخطوطها العريضة وبروحها. من لا يعرف أن المفاوض الفلسطيني قدم تنازلات غير مسبوقة على جميع الأصعدة؟ من لا يعرف أن حق العودة أستعمل كورقة يتلاعب بها المفاوض الفلسطيني قبل الإسرائيلي على الأقل منذ وثيقة جينيف التي وقعها ياسر عبد ربه ويوسي بيلين وحتى اليوم؟ ومن لم يعرف أن المفاوض الفلسطيني قدم التنازلات المجانية في القدس؟ هل كان هناك حاجة لوثيقة خاصة تحمل توقيع صائب عريقات لكي نعرف أن الجانب الفلسطيني مستعد للتخلي عن الحي اليهودي والارمني؟ وهل كنا بحاجة إلى تصريحات ليبرمان لكي نعلم أن المفاوض الفلسطيني سوف يقبل بمبدأ تبادل الأراضي والتبادل السكاني؟ أما عن التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل فحدث بلا حرج.
المصيبة ليست بالوثائق نفسها، المصيبة في رد الفعل الفلسطيني المخزي عليها. هل هذا هو شعب الجبارين؟ هل هذا هو الشعب الذي اكتوى بلهيب النكبة واقسم أن يناضل حتى العودة والتحرير؟
لم يكن غريبا أن يقف رجال السلطة وقفة رجل واحد للدفاع عن سلطتهم البائسة. ولكن الغريب كل الغرابة أن يقف الشعب الفلسطيني تقريبا برمته وقفة المتفرج أو اللامبالي أو حتى المتفهم والمتعاون.
في سياق دفاعه عن السلطة يقول عباس: " كل المفاوضات أو اللقاءات وكل قضية تطرح علينا نقدمها بتفاصيلها للدول العربية مشفوعة بالوثائق". صح النوم، وكأننا لا نعرف أن الدول العربية متورطة بهذه المفاوضات وهذه التنازلات من رأسها إلى أخمص قدميها. وكأننا لا نعلم أن محمود عباس لا يجرؤ على المضي خطوة واحدة في طريق المفاوضات بدون مباركة مبارك والعبداللين (ملكي الأردن والسعودية).
تصرخ وسائل الإعلام الفلسطينية الرسمية بصوت واحد رتيب: قناة الجزيرة شنت حربها لتصفية محمود عباس سياسيا ومن أجل إسقاط السلطة، فهي تثير الفتن وتضعف المفاوض الفلسطيني أمام إسرائيل وأمريكا وتخدم الصهيونية وإيران وحماس وحزب الله، وتسحب الورقة الرابحة دوما: وهي أن أكبر قاعدة أمريكية موجودة في قطر وعلى مرمى حجر من مكاتب الجزيرة في الدوحة. وفي خضم هذا الصراخ الصاخب لا نسمع حتى ولا كلمة واحدة عن مضمون الوثائق.
لست من عشاق قطر أو أية دولة خليجية، بل اعتبرها جميعا دولا اصطناعية خلقها الاستعمار البريطاني لتمزيق الوطن العربي ولو لم تكن رابضة على بحر من النفط لما اهتم بها أحد. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا. الموضوع هو الوثائق ومضامينها. يقول صائب عريقات المتهم رقم واحد في هذه الوثائق: لو كان ما جاء في هذه الوثائق من تنازلات صحيح فأنا أستغرب لماذا لم تقبلها إسرائيل. أنظروا إلى درجة غباء كبير المفاوضين: إسرائيل ترفض ليس فقط عودة 100 ألف لاجئ بل ترفض عودة ألف لاجئ بل عودة مائة لاجئ، بل أكثر من ذلك إنها تريد طرد أكبر عدد من السكان الفلسطينيين الذين لم يهجروا عام 1948. هل تعرف الآن لماذا ترفض إسرائيل ولماذا تماطل؟ إسرائيل ليست معنية بالسيطرة على الحي اليهودي والارمني فحسب بل تريد السيطرة على القدس بكل أحيائها أما قدسكم فيجب أن تبحثوا عنها في أبو ديس أو في أي مكان آخر خلف الجدار العازل. إسرائيل لن تتنازل عن مستوطنات أبو جبل أبو غنيم أو أية مستوطنة تعتبرها هي غير شرعية حتى لو قبلتم باقي المستوطنات بل هي تريد بناء المزيد من هذه المستوطنات. إسرائيل لا تكتفي بالتنسيق الأمني لتصريف الأعمال اليومية والتخفيف عن المواطنين بل تريدكم عملاء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وقد قطعتم شوطا كبيرا في هذا الاتجاه حتى استحققتم شهادة تقدير ومكافأة من الاحتلال على ذلك.
يضيف ياسر عبد ربه في إطار هجومه على الجزيرة، أنها تزيف الحقائق وتغير النصوص وتقتطع كلمة من هنا ومن هناك لخدمة موقفها المسبق. فهل تفضلت يا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقلت لنا ما هي الحقائق بدون تزييف؟ وما هي النصوص الأصلية؟ وما هو دورك في هذه المفاوضات وهذه التنازلات؟
كالعادة لا تقف زعامة السلطة الفلسطينية الفتحاوية وحدها في هذا الموقف، إذ يلتف حولها مجموعة من الأحزاب والشخصيات الطفيلية التي تسمي نفسها يسارية. فهذا حزب الشعب على لسان نافذ غنيم وحنا عميرة يصرحان بأن ما تقوم به الجزيرة "لا يخدم الصمود الرسمي الرافض للضغوط الإسرائيلية والأمريكية لمواصلة المفاوضات ولا يخدم الجهود الدبلوماسية لكسب تأييد العالم". أما أحمد مجدلاني من النضال الشعبي فقد صرح بقوله: "أن هذه الوثائق محاولة فاشلة للاغتيال السياسي لعباس وللقيادة الفلسطينية". وبمثل هذا الكلام صرحت فدا والجبهة الديمقراطية. أي باختصار جميع المستفيدين من أموال الدول المانحة.
أما عندنا في الداخل فإن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة تلعب دور شاهد الزور وتقود حملة الدفاع عن السلطة حيث فتحت موقعها على مصراعيه أمام رموز السلطة للتعبير عن آرائهم وقد انتدب عودة بشارات ليكتب دفاعا عن السلطة التي تربطها علاقة متينة بالجبهة بشن الهجوم على عبد الباري عطوان ووصفه "بالقط الذي عين حارسا على اللبن". يا للوقاحة!. هذا ما يذكرني بالنائب محمد بركة عندما جلس في الصف الأول من مهرجان خطابي نظمته السلطة الفلسطينية في رام الله لإحياء يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وكلما صرح محمود عباس بشيء كان يوجه كلامه إلى بركة يقول: أليس هذا صحيحا يا أخ محمد؟ وكان محمد يهز رأسه علامة الموافقة.
هذه هي مهمة شهداء الزور: إخفاء المكشوف.
بينما تموج الأرض تحت أقدام الطغاة الفاسدين ليس فقط في تونس بل أيضا في الجزائر ومصر والأردن فمن العار أن تبقى هذه الطغمة التي تختبئ خلف أعدل قضية في عالمنا الراهن تدفن رأسها بالرمال وتظن أنه لا يراها أحد وتنام مطمئنة.
في سنوات السبعين من القرن الماضي لعبت أموال النفط المتدفقة على منظمة التحرير الفلسطينية دورا حاسما في إفساد قطاعات واسعة وحرف المنظمة عن طريقها النضالي، واليوم تلعب أموال الدول المانحة الدور نفسه. لكن الرشوات لم تكن أبدا ضمانا لسلطة فاسدة. وكذلك الأجهزة الأمنية مهما بلغت من جبروت لن تشكل ضمانا لها. وهذا ما أثبتته الثورة الشعبية في تونس وهذا ما سوف تثبته الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها.

Wednesday, January 19, 2011

الثورة العربية الكبرى في تونس: الآمال والمخاوف

الثورة العربية الكبرى في تونس: الآمال والمخاوف
علي زبيدات - سخنين

الثورات العظمى في تاريخ البشرية ، المنتصرة منها وغير المنتصرة، تحولت عاجلا أم آجلا الى نقيضها، إلى ثورات مضادة. هكذا حدث بالثورة الفرنسية الأولى التي كنست النظام الملكي الإقطاعي إلى مزبلة التاريخ ولكنها سرعان ما بدأت تأكل أبناءها حتى تحولت إلى نظام استبدادي جديد. وهكذا حدث في كومونة باريس حيث تكالبت قوى أوروبا الرجعية لإخمادها وهكذا حدث لثورة أكتوبر العظمى في روسيا التي دشنت عهدا جديدا في تاريخ البشرية ولكنها في النهاية انهارت انهيارا مدويا. كلما كانت الثورة عظيمة وجاءت بتطلعات وآمال عظيمة وفتحت آفاقا واسعة أمام الشعوب كلما كان سقوطها رهيبا ومؤلما. لا تنقص هذه الحقيقة الموضوعية، المرة من أهمية وضرورة الثورات بشيء، بل على العكس من ذلك تماما. فالثورات هي قاطرة التطور التاريخي، وهي تختزل التطور التدريجي الذي يمتد سنين طويلة في وقت قصير لا يتجاوز الشهور القليلة وفي بعض الأحيان الأسابيع القليلة أو حتى الأيام المعدودة. حتى بعد هزيمتها تفرض الثورات العظيمة مطالبها وبرنامجها وأحيانا مبادئها النظرية أيضا على أعدائها ونراهم ينفذون معظم هذه المطالب وهم مرغمون.
الثورة التونسية هي واحدة من هذه الثورات العظيمة. وفي عالمنا العربي هي الثورة العربية الأولى حتى وإن جاءت متأخرة بأكثر من قرنين عن الثورات الحديثة، ولكنها جاءت.
يطلق بعض المؤرخون العرب اسم: الثورة العربية الكبرى على تحالف شريف مكة مع الانجليز في الحرب العالمية الأولى، مع إن هذا التحالف لم يرتق إلى أي شكل من أشكال الثورة أو حتى النضال التحرري التقدمي. بل كان رجعيا منذ البداية حيث بدل الاحتلال التركي بالهيمنة الاستعمارية الأوروبية لا غير ومهد الطريق أمام الحركة الصهيونية لإقامة كيانها على أرض ففلسطين. لا تزال شعوبنا العربية تعاني من آثار ومخلفات هذا التحالف الذي لم ينته تماما حتى يومنا هذا. أما باقي الأحداث التي نطلق عليها مجازا اسم ثورة فلم تكن أكثر من انقلابات عسكرية، اخترعنا العديد من المصطلحات لوصفها مثل: الثورة التصحيحية، ثورة الإنقاذ الوطني، الخ. أو نضالات تحررية وئدت وهي جنين أو أجهضت قبل أن تنمو وتتصاعد وتحولت إلى حركات رجعية كما حصل على الساحة الفلسطينية والتي نصر بعناد على تسميتها بالثورة. النموذج الوحيد الذي اقترب إلى مصاف الثورة الحديثة كانت الثورة الجزائرية التي قدمت مليون شهيد في النضال ضد الاستعمار الفرنسي. ولكنها اقتصرت على التحرير الوطني وكانت تقمع كل نضال اجتماعي شعبي. ولن يكون غريبا أن تنتقل شرارة الثورة أول ما تنتقل إلى الجزائر لكي تنجز ما عجز التحرير عن انجازه، ومن ثم إلى سائر الأقطار العربية.
إذن الثورة التونسية هي الثورة الأولى التي تستحق وبامتياز أن نسميها ثورة. للمرة الأولى تخرج الآلاف المؤلفة من جماهير الشعب التونسي بكافة قطاعاته من عمال وطلبة وعاطلين، رجال ونساء، شيوخ وشباب، إلى الشوارع بصدورها العارية وأياديها العزلى تتحدى بلا خوف وبلا رهبة آلة القمع المدججة بالسلاح. تطالب بالخبز والعمل والحرية والكرامة. المشاهد التي رأيناها في الشهر الأخير تعيد إلى أذهاننا مشاهد الثورة الشعبية الأخيرة التي انفجرت في المنطقة عندما قامت الملايين من الشعب الإيراني بطرد الشاه وإسقاط نظامه العميل الذي لم يختلف من حيث الجوهر عن نظام زين العابدين بن علي.
ربع قرن من بناء وتطوير آلة قمع عصرية مؤلفة من جهاز أمني مخابراتي متشعب كالإخطبوط أفراده مدربون على التعذيب بكافة أشكاله الحديثة، يحملون الأسلحة المتطورة وتفويض كامل باستعمالها، هذا بالإضافة إلى السجون المظلمة المكتظة، كل ذلك انهار في أقل من شهر.
ولكن الثورة التونسية، ككل ثورة عظيمة تحمل في أحشائها عنصر فنائها وتحولها إلى نقيضها. على الثورة بمفهومها الإنساني الحضاري أن تبدأ بعد إسقاط نظام الحكم البائد ويجب ألا تنتهي بأي حال من الأحوال مع إسقاط النظام. على الثورة أن تبقى مستمرة. الثورة التي تتوقف تحكم على نفسها بالإعدام. يوجد هناك خطران داهمان يتهددان الثورة التونسية يجب عدم الانتظار حتى ولو للحظة واحدة في مواجهتهما. الخطر الأول: يكمن في تسلل رجالات النظام البائد إلى صفوف الثورة وإفسادها من الداخل. إذ لا يعقل هروب بن علي من البلاد والقبول برئيس وزرائه واقرب معاونيه البقاء على رأس السلطة الجديدة. النظام البائد لا يقتصر على الرئيس الهارب وبعض أفراد عائلته الفاسدين بل هو نظام لطبقة اجتماعية كاملة. وهذه الطبقة تكون على استعداد للتضحية بشخص من قيادتها من أجل إنقاذ نظامها. إعلان وجهاء النظام السابق عن استقالتهم من الحزب الحاكم لا يعدو كونه أكثر من الخديعة لإنقاذ النظام ككل. على الجماهير الثائرة ألا تكتفي بمطالبة هؤلاء التخلي عن مناصبهم، بل يجب المطالبة باعتقالهم فورا وزجهم في السجن ومحاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم. الرئيس المؤقت: المبزغ والوزير الأول: الغنوشي ووزير الداخلية: أحمد قريعة، ووزير المالية والدفاع وباقي رموز النظام البائد هم ليسوا نظيفي الأيدي وليسوا ذوي كفاءات عالية كما يدعي الغنوشي بل هم شركاء في الجريمة ويجب أن يلحقوا بالزعيم المخلوع والهارب أو يزج بهم داخل السجون.
الخطر الثاني الذي يتهدد الثورة هو غياب القيادة الثورية. معظم أحزاب المعارضة هي أحزاب انتهازية أو هامشية وهم مستعدين للمتاجرة والمقايضة وبيع الثورة بثمن بخس. ما أحوج تونس اليوم إلى حزب بلشفي يتسلح بالنظرية الثورية والممارسة الثورية يقود الثورة قدما حتى انجاز مهامها الإستراتيجية.
مهما كانت التطورات السياسية على الساحة التونسية فقد أثبتت الثورة أن الشعوب العربية حية وقادرة على الانطلاق نحو الحرية. وأثبتت أن هذه الأنظمة المتهرئة هي في نهاية المطاف نمور من ورق ولن تستطيع أجهزتها الأمنية إنقاذها. قد لا تنتقل شرارة الثورة حالا إلى باقي الدول العربية ولكنها قادمة لا محالة. لقد بدأت فرائص الحكام العرب ترتجف وخوفهم لا يوصف. لم نسمع أحد منهم وقفة بشكل فعلي إلى جانب الثورة وقد توحدوا جميعا في خندق واحد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام البائد لأنه في الوقت نفسه إنقاذا لهم.
على الساحة الفلسطينية، ليس من باب الصدفة أن يخيم الصمت على رموز السلطة الفلسطينية خصوصا أولئك الذين يعدون من أيتام بن علي وترعرعوا على فضلات نظامه. على عكس الجماهير الفلسطينية في كل مكان الاشد حماسا وتأييدا للثورة. بالرغم من تعاسة وعدم استقلالية هذه السلطة فإن رياح الثورة عندما تصلها لن تقفز عنها، وحينئذ لن يحميها جهازها الأمني المدعوم أمريكيا وإسرائيليا وأردنيا.
عاشت الثورة العربية في تونس وعقبال شعبنا الفلسطيني وكافة الشعوب العربية وشعوب العالم التي تناضل من أجل حريتها وكرامتها.

Wednesday, January 12, 2011

مشروع الدولة ثنائة القومية كمطلب فلسطيني مرفوض

مشروع الدولة ثنائية القومية كمطلب فلسطيني مرفوض
علي زبيدات – سخنين

كلما تعثرت "المفاوضات السلمية" التي ترعاها وتشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية بين السلطة الفلسطينية وبين دولة إسرائيل كلما تعالت الأصوات التي تنادي بحل الدولة الواحدة كبديل لحل الدولتين المطروح في هذه المفاوضات. وبما أن تعثر المفاوضات بلغ مؤخرا أوجه حتى وصلت إلى طريق مسدود تعالت الأصوات التي تنادي بحل الدولة الواحدة بشكل غير مسبوق. هذه الأصوات تتعالى من كل حدب وصوب ومن مصادر غريبة عجيبة. على الساحة الفلسطينية كان أحمد قريع السباق في التلويح للجوء إلى حل الدولة الواحدة كورقة ضغط يهدد بها الجانب الإسرائيلي الذي لم يعره أي اهتمام لا في المفاوضات حول الدولتين ولا في الكلام العابر حول الدولة الواحدة. اليوم، كما تناولت وسائل الإعلام الذي يقود هذه الأصوات المزعجة ليس غير كبير المفاوضين، صاحب نظرية "الحياة مفاوضات"، صائب عريقات بالإضافة إلى مجموعة لم نسمع عتها من قبل تطلق على نفسها "تكامل" وتحظى بدعم من أعلى المستويات السياسية في السلطة ومن الرئيس محمود عباس نفسه. هذه المهزلة أربكت حتى الأشخاص والمجموعات التي كانت تنادي بحل الدولة الواحدة من منطلقات أيديولوجية: حل الدولة العلمانية الديمقراطية والدولة ثنائية القومية.
اختلط الحابل بالنابل، حتى وصلت درجة اللغوصة بخصوص حل الدولة الواحدة إلى درجة غير معقولة بانضمام مجموعة من قادة اليمين الصهيوني المعروفين بعنصريتهم مثل موشيه أرنس الذي ينادي بمنح الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة الغربية بعد التخلص ممن يرفض الولاء للدولة الصهيونية وإقامة دولة واحدة في فلسطين التاريخية. ولكنه ليس الوحيد، فالقائمة تطول وفي كل يوم ينضم إليها عضو جديد معروف بعنصريته وكراهيته للعرب وللفلسطينيين.
لقد تناولت بالنقد عدة مرات جميع أشكال وصيغ مشاريع حل الدولة الواحدة وخصوصا تلك التي تتلفع بقناع أيديولوجي مبدئي كما طرحتها حركة أبناء البلد في مؤتمر حيفا الأول والثاني تحت عنوان: "حق العودة والدولة العلمانية الديمقراطية في فلسطين" ولكن أيضا كما طرحت في "التصور المستقبلي" الصادر عن لجنة المتابعة و"وثيقة حيفا" الصادرة عن مركز مدى الكرمل و"الدستور الديمقراطي" الصادر عن عدالة. أنا هنا لست بصدد تكرار ما قلته في هذا الموضوع. ولكني سوف أقتصر في هذه المقالة بالرد على بعض المنادين بحل الدولة ثنائية القومية والذي يقوده عندنا بعض الاكاديميين وعلى رأسهم الدكتور اسعد غانم والبروفسور نديم روحانا والبروفسور مروان دويري وغيرهم ومن الجمعيات مدى الكرمل، عدالة وغيرهما. وبسبب ضيق المجال سوف أقتصر بتناول الأفكار التي طرحها أسعد غانم في هذا الموضوع في الورقة التي قدمها في مؤتمر حيفا الثاني بعنوان: "مشروع الدولة ثنائية القومية كمطلب فلسطيني مرغوب" وفيما بعد في العديد من المقابلات والمقالات التي نشرها في الصحافة المحلية.
في الحقيقة، بدأ اسعد غانم بالترويج للدولة ثنائية القومية منذ زمن بعيد. وقد ظهرت ثمرة جهوده، مع آخرين في "التصور المستقبلي" المذكور، الصادر عن لجنة المتابعة العليا برئاسة شوقي خطيب. وقد تناولت وسائل الإعلام في حينه عن نية الاثنين تشكيل حزب سياسي الأمر الذي نفاه اسعد غانم. في تلك الفترة كان وسطنا الفلسطيني في الداخل ما زال يعيش في أحضان وهم "دولة المواطنين" أو "دولة جميع مواطنيها" التي نادى فيها عضو الكنيست السابق عزمي بشارة والذي يحب أن يسمى حاليا ب"المفكر العربي". لقد حاول عزمي بشارة تطبيق نظريته هذه من خلال حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أسسه من أجل هذه المهمة، ورفع الشعار الذي يحتوي، حسب رأيي، على أحد أكبر التناقضات في علم المنطق وهو:" هوية قومية ومواطنة كاملة" وهذا يعني بكل بساطة أن تكون عربيا قوميا تعلق صورة جمال عبد الناصر في البيت وأن تكون في الوقت نفسه مواطنا إسرائيليا كامل الحقوق تعلق صورة شمعون بيرس في المكتب. هكذا وجد أسعد غانم وباقي الأكاديميين العرب أنفسهم ينشطون في ظل عزمي بشارة ولكن بدون الكاريزما التي كان يتمتع بها وبدون تفوقه في المجال الإعلامي. وبدل أن ينضم أسعد غانم إلى حزب التجمع الوطني الديمقراطي القريب منه فكريا أو إلى أحد الأحزاب السياسية العربية الأخرى اختار أن ينضم إلى لجنة مقاطعة انتخابات الكنيست. عملنا سوية في هذه اللجنة. وللحقيقة أقول أنه وبعد حوالي 5 سنوات لم أفهم حتى الآن ما إذا كان أسعد غانم مقاطعا لانتخابات الكنيست أم لا. فمن جهة كان يلوم الأحزاب العربية على غياب الوحدة فيما بينها وعلى حالة التشرذم التي تسببها ويلومها على غياب العنصر النسائي من بين مرشحيها وفي الوقت نفسه يدعو إلى مقاطعة هذه الانتخابات. واذكر إنني في احد الاجتماعات التي عقدت في مركز جمعية ابن خلدون التي يرأسها فقدت أعصابي وصرخت: "قرر هل أنت مقاطع للانتخابات أم أنت معها"؟ طبعا لم يكن أسعد غانم وحده مقاطعا وليس مقاطعا لانتخابات الكنيست، ولكن هذه قصة أخرى
في الآونة الأخيرة ينشط أسعد غانم في الترويج للدولة ثنائية القومية ونراه يوجه المزيد من النقد للسلطة الفلسطينية وخصوصا لرئيس حكومتها وللذين يقبلون بحل الدولتين بأسوأ أشكاله: أي الدولة ناقصة السيادة ومقطعة الأوصال التي تصرح إسرائيل بأنها ستكون مستعدة لمنحها للفلسطينيين إن لبوا شروطها المعروفة.
نقدي الأساسي على الدولة ثنائية القومية هو المغالطة الفاضحة التي ينضح بها اسمها بالذات: من هما القوميتان المقصودتان؟ القومية العربية الفلسطينية من جهة؟ والقومية اليهودية أو اليهودية الإسرائيلية من جهة أخرى؟ أنا شخصيا لا أؤمن بأن الشعب الفلسطيني يشكل قومية بأي معنى كان. ومن جهة أخرى لا يوجد شيء اسمه قومية يهودية أو يهودية إسرائيلية إلا داخل رؤوس الصهاينة المتعنتين. ما يوجد لدينا هنا ليس أكثر من مجموعة من المستعمرين جاؤوا من قوميات متعددة تجمعهم بعض الأساطير ولكن في الأساس تجمعهم المصالح الاقتصادية. أما أسعد غانم فأنه يقول:" إن اليهود في إسرائيل هم مجموعة قومية يجب التعاون معها لأجل إقامة دولة ثنائية القومية" ويقول أيضا، وأنا أقتبس من الورقة التي قدمها في مؤتمر حيفا الثاني:”...مستقبل الشعب الفلسطيني يختلف عن باقي الشعوب العربية ولا يتناسق مع فكرة الوحدة العربية والتكامل العربي، بل يجب على الفلسطينيين القبول بهوية وانتماء يتلاءم مع الدولة ثنائية القومية مع عدم إغفال ضرورة التواصل الفكري والحضاري وليس السياسي مع العالم العربي". هكذا إذن التواصل السياسي يجب أن يكون مع المستعمرين الذين نهبوا الأرض وشردوا الشعب وليس مع الامتداد العربي الطبيعي!!
حل ثنائية القومية، على طريقة أسعد غانم وغيره ليس مطروحا لكي يتم تسويقه حالا:" بل يجب أن يطرح كحل بعيد المدى يتم تطويره على ضوء وصول حل المشكلة الفلسطينية من خلال دولة في الضفة والقطاع وذات سيادة كاملة إلى طريق مسدود". ها هو قد وصل حل الدولتين إلى طريق مسدود فهل نتوقع من أنصار حل ثنائية القومية أن يقوموا بتسويقه الآن؟ وبخصم نهاية الموسم يصل إلى 50-70 %؟

Wednesday, January 05, 2011

الثورة مستمرة، وأنها لثورة حتى النصر

الثورة مستمرة، وأنها لثورة حتى النصر

علي زبيدات – سخنين

اقتبست هذا العنوان من اللافتات التي رفعتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح في احتفالها المركزي في رام الله بمناسبة الذكرى أل 46 لانطلاقتها، والتي كتبت بالبنط العريض لافتة للأنظار.وها أنا أعيد كتابتها بشيء من السخرية وبكثير من الحسرة. عن أية ثورة يتكلمون؟ لكي تكون هناك ثورة مستمرة يجب أن يكون هناك ثورة أصلا. أين الثورة في ظل التنسيق الأمني وزج المقاومين في السجون ونعت عمليات المقاومة بالحقيرة، ورفض كافة إشكال المقاومة ما عدا المفاوضات، والقائمة تطول؟ أين الثورة وقد تحول الفدائي إلى دركي ينتظر راتبه في آخر الشهر؟ يبدو أننا بحاجة لإعادة تعريف الثورة.

أنا مع أن يكون الثائر ايجابيا ومتفائلا، وأن يتكلم عن استمرارية النضال حتى في أحلك الأوقات وحتى في ظل التقهقر والتراجع. ولكن بشرط أن يكون ثائرا أولا وليس موظفا فاسدا يستخدم الشعارات الرنانة من أجل تخدير الجماهير. بالإضافة إلى اللافتات المذكورة كان في هذا الاحتفال الكثير من المواقف السريالية وخصوصا في الخطابات النارية الملقاة من على المنصة. يقولون كلما كبرت الكذبة كلما مال الناس إلى تصديقها. ويبدو أن هذا القول كان أمام أعين الخطباء في هذا الاحتفال.

في الحقيقة لا أدري ما وجه الشبه بين فتح 1965 وبين فتح 2011. دعوني أسرد هنا مثالا واحدا فقط: بعد الانطلاقة في الاول من يناير، 1965 والتي جاءت نتيجة لفقدان الأمل من التحرك العربي الرسمي ممثلا بالجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية ومن التحرك الفلسطيني الرسمي ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تدور في فلك الموقف الرسمي العربي، بفترة وجيزة جاء إلى المنطقة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وألقى خطابة الشهير في منطقة أريحا عارضا مشروعه لحل النزاع العربي الصهيوني وطالب الفلسطينيين ألا ينجروا وراء عواطفهم وأن يعترفوا بقرار التقسيم وبدولة إسرائيل والشروع في مفاوضات مباشرة لإقامة دولة فلسطينية. جاء الرد الشعبي والرسمي على هذه المقترحات سريعا. فقد عمت المظاهرات أرجاء البلاد وفي بعض العواصم العربية منددة بهذه المقترحات الخيانية، ووصلت الاحتجاجات إلى المطالبة بطرد تونس من الجامعة العربية. وقد لعبت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد الشقيري دورا حاسما في قيادة هذه الاحتجاجات. وعقد المجلس الوطني الفلسطيني مؤتمره الثاني لرفض هذه المقترحات جملة وتفصيلا. ولا ننسى أن حركة فتح في تلك الأيام كانت توجه سهام نقدها إلى الشقيري والمنظمة التي يرأسها لخضوعها للموقف العربي العاجز عن المواجهة.

ولكن يبدو أن الزمن دوار والزمن غدار، فبعد 46 سنة من تلك الأحداث تعمدت خلالها القيادة الفتحاوية في تونس وسبقت رئيسها السابق الحبيب بورقيبة بأميال طويلة في نهج التسوية، جاءت مباشرة من تونس لتتبوأ السلطة الفلسطينية في رام الله.

هل هذه هي الثورة المستمرة؟ وهل هذه هي الانتصارات التي حققناها؟

هل من أجل هذه النهاية سقط آلاف الشهداء من فتح ومن غيرها من الفصائل في الأردن وفي لبنان وفي فلسطين؟ هل من أجل هذه النهاية سجن الآلاف من المناضلين في السجون الإسرائيلية وما زال الآلاف قابعين في زنازينها؟

يقول رئيس السلطة الفلسطينية، الذي هو في الوقت نفسه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، الذي هو في الوقت نفسه رئيس حركة فتح في هذه المناسبة: " كانت فتح وستبقى رمزا وأملا ورائدة النضال الفلسطيني رغم حملات النيل منها وتشويه صورتها وإثارة الفتن في داخلها". نعم كانت فتح رمزا ولكن الرموز تسقط أيضا، وكانت أملا ولكن الأمل يتحول إلى يأس أيضا، وكانت رائدة للنضال ولكنها أصبحت رائدة في وأد النضال والاستعاضة عنه بالمفاوضات العبثية التي لا تنتهي. أما حملات النيل منها فقد جاءت من داخلها، وتشويه صورتها جاء من زعاماتها الفاسدة التي أثارت الفتن. هل يمكن أن تعود فتح إلى سابق عهدها؟ تفاؤل العاطفة يجب أن يتغلب على تشاؤم العقل، وأقول نعم يمكن بل يجب أن تعود فتح إلى سابق عهدها عندما تنتفض الكوادر الشابة التي لم تفسدها السلطة بعد وتأخذ زمام المبادرة بين أيديها.

ليست حركة فتح وحدها بحاجة إلى انطلاقة جديدة بل كافة الفصائل أيضا. في الآونة الأخيرة أحيت عدة فصائل ذكرى انطلاقتها منها حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفصائل أخرى تلاشت عن الساحة النضالية أو تكاد. في جميع هذه الاحتفالات سيطر التبجح المزيف الذي يحول التقهقر إلى تقدم والانتكاسات إلى انتصارات والتخبط إلى رؤيا ثاقبة وغاب عنها عنصر النقد والنقد الذاتي، غاب عنها عنصر الإبداع في النظرية والممارسة الثوريتين. لنجعل من العام الجديد انطلاقة ثورية جديدة وخلاقة لشعبنا الفلسطيني بكافة مركباته وكافة تنظيماته.

Wednesday, December 29, 2010

متى يبدأ التطبيع وينتهي التواصل

متى يبدأ التطبيع وينتهي التواصل؟
علي زبيدات – سخنين

النقاش حول التطبيع، المقصود هنا علاقة طبيعية بين الفلسطينيين والعرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وحول التواصل، والمقصود هنا العلاقة التي تربط أهالي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وبين باقي الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، مستمر بدون توقف. يهدأ تارة ويعلو تارة أخرى. وقد كتب الكثير حول هذا الموضوع وسوف يكتب حوله أكثر. النظرة السائدة في هذا النقاش هي من غير شك إدانة التطبيع بكافة أشكاله، رفضه ومقاومته من جهة والدفاع عن التواصل وتشجيعه من جهة أخرى. ولكن هذه النظرة السائدة لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيدا وجعلت الموضوع برمته محفوفا بالمخاطر وكأنه حقلا مزروعا بالألغام. فالمسالة ليست إذا كان التطبيع مرفوض أم لا بل إذا ما كان هذا العمل أم ذاك، هذه السياسة أم تلك تطبيعا أم لا. وإذا ما كان ما نسميه تواصلا لا يصب في مصب التطبيع أم لا.
عاد هذا الموضوع مؤخرا وطفا على السطح واحتل واجهة الأخبار في أعقاب منع وفد لجنة المتابعة العليا من دخول الجزائر للمشاركة بمؤتمر لنصرة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وذلك بإيعاز شخصي ومباشر من قبل الرئيس الجزائري. فقد رأى الجزائريون بهذه المشاركة تطبيعا بينما أعتبر الوفد مشاركته تواصلا. وقد وعد رئيس لجنة المتابعة برفع شكوى حول هذا الموضوع إلى جامعة الدول العربية والى القمة العربية. لا أدري كيف ستبت جامعة الدول العربية أو القمة العربية بهذا الشأن وهي نفسها متهمة بالتطبيع.
حسب رأيي يوجد هناك نظرتان إلى قضية التطبيع والتواصل، الأولى: هي نظرة ميتافيزيقية، ميكانيكية، أحادية الجانب تنظر إلى الأمور وكأنها منعزلة عن بعضها البعض فإما أن يكون أمرا معينا تطبيعيا وإما أن يكون تواصلا. والثانية: نظرة جدلية ترى في هذين المصطلحين تناقضا تربط فيما بينهما وحدة وصراع. قد يتحول الأول إلى الثاني وبالعكس. فقد يكون هناك تواصل نتيجته تطبيعية وقد يكون هناك تطبيع يفرز نوعا من التواصل. أنا شخصيا أومن بالنظرة الجدلية لهذه المعضلة لأنها هي الوحيدة القادرة على نقد تحليل المعطيات بشكل علمي وواقعي واستخلاص العبر منها.
ليس المقصود من هذه المقالة توزيع شهادات وطنية على هذا الشخص أو ذاك أو على هذه الجهة أو تلك أو سحبها منهم إن كانوا يمتلكونها. فلا أحد يملك الصلاحية لمنح أو سحب مثل هذه الشهادات، ولكني لا أنكر الهدف النقدي منها وذلك لأيماني أن النقد هو المقدمة الأولى للحفاظ على الثوابت.
زيارة وفد لجنة المتابعة المفترضة إلى الجزائر قد تكون تواصلا كما كانت الزيارة من قبل إلى ليبيا. ولكن هذا لا ينفي أنها كانت في الوقت نفسه تطبيعا. أعضاء الوفد، بحسن نية أو بغيرها، يرون جانب التواصل فقط ويعمون عن رؤية جانب التطبيع بالرغم من أن هذا الجانب هو الطاغي. إسرائيل قادرة، لو أرادت، على منع الوفد من مغادرة البلاد، ولكنها لم تفعل ذلك لأنها تعرف أن ذلك هو جوهر التطبيع من وجهة نظرها. فماذا يعطي انطباعا على أن الأمور "طبيعية" بين إسرائيل والدول العربية أكثر من مثل هذه الزيارات. على فكرة يجب أن نوضح هنا أن دولة إسرائيل لا تريد علاقات طبيعية مع الدول العربية، وعندما نتكلم عن التطبيع بالمفهوم الإسرائيلي للكلمة هذا يعني قبول الدول العربية لدولة إسرائيل كما هي. أي أن التطبيع هو الاعتراف بالرواية والسيادة الإسرائيليتين. وفد لجنة المتابعة لا يذهب إلى الجزائر أو إلى أية دولة عربية على انه وفد فلسطيني محض بل على انه وفد فلسطيني من مواطني دولة اسرائيل. أي انه يحمل معه المواطنة الإسرائيلية إلى كل مكان يذهب إليه. ويجب هنا ألا ننسى الاسم الكامل للجنة المتابعة:" لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل". لاحظوا أن هذا الاسم الرسمي يشطب كلمة فلسطينية بينما يؤكد على كلمة إسرائيلية. لا يمكن أن تكون في النهار إسرائيليا وفي الليل فلسطينيا وفي الوقت نفسه تتباكى لماذا يرفضون دخولك إلى الجزائر!
التطبيع يتداخل مع التواصل في كافة المجالات وليس فقط في الزيارات من هذا النوع والمشاركة في المؤتمرات. خذوا مثلا الرحلات السياحية إلى مصر من طابا وشرم الشيخ إلى القاهرة أليس تطبيعا بين إسرائيل وأكبر دولة عربية على قاعدة اتفاقية كامب ديفيد؟ أم أنها مجرد تواصل بريء؟ وهل يغير من الحقيقة شيء أن يلجأ بعض الوطنيين إلى زيارة المرحوم الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم هربا من تأنيب ضمائرهم؟
مثل آخر، طلابنا في الأردن الذين يعدون بالآلاف، لا يمكن نفي جانب التواصل في هذه القضية والفوائد الأخرى ولكن ماذا عن جانب التطبيع؟ أليس تواجد هؤلاء الطلاب يشكل دعما للتطبيع بين النظام الأردني ودولة إسرائيل؟ هل يمكن أن نكون ضد معاهدة السلام بين الدولتين وفي الوقت نفسه نقبل ببعض نتائجها؟
زيارات "التواصل" التي بدأها عزمي بشارة إلى سوريا والتي جمعت أقارب طال فراقهم عشرات السنين الم يكن لها أيضا جانبا تطبيعيا؟ ألم تخدم هذه الزيارات دولة إسرائيل وتجمل وجها البشع وتضفي عليه مسحة من الإنسانية؟ هذه الزيارات التي اتسعت وشملت دول أخرى من الخليج إلى اليمن إلى المغرب العربي والتي انضم إليها أشخاص لا يتلفعون بعباءة القومية العربية ألم تكن أفضل وسيلة لتغلغل إسرائيل في العالم العربي؟
زيارات الشاعر سميح القاسم المتكررة إلى دول الخليج وغيرها، وهو شاعر المقاومة الذي يملك رصيدا وطنيا لا يمكن أن ينكره أحد والذي يقول أن جوازه الحقيقي هو بيت الشعر وليس جواز السفر الإسرائيلي الذي يحمله والذي يقول لو طبع كل العرب يبقى شخص واحد في الجليل اسمه سميح القاسم لن يطبع، والذي ينعت الدول العربية بحظائر سايكس – بيكو، ألا يوجد موضوعيا لهذه الزيارات نتائج تطبيعية توازي إن كانت لا تفوق نتائجها التواصلية؟
هذه فقط بعض الأمثلة على إشكالية وحدة التناقض بين التطبيع والتواصل.وهي إشكالية عملية وليست نظرية فحسب.
سوف يبقى التناقض بين التطبيع والتواصل قائما ما دام التناقض الأوسع والاشمل بين دولة إسرائيل والعالم العربي قائما. لذلك يجب إخضاع هذا التناقض الثانوي مهما بلغت أهميته إلى التناقض الرئيسي بين الكيانين العربي والإسرائيلي. التواصل الحقيقي هو ذلك التواصل الذي يواجه التطبيع ويقاومه وليس ذلك الذي يتعايش معه. يجب التضحية بالتواصل الذي يخدم التطبيع بالرغم من كل الاعتبارات العاطفية.