Tuesday, June 23, 2009

عندما يكون الفكر عقيما تكون السياسة عاقرا



نشر د. عمر سعيد مقالا مطولا بعنوان: "عندما يحدث طلاق السياسة من الفكر" تناول فيه علاقة العمل السياسي وخصوصا على ساحتنا المحلية بالفكر النقدي. وتوصل إلى نتيجة مفادها أنه يوجد طلاق بين الاثنين. مما لا شك فيه أن موضوع المقال على درجة عالية من الأهمية وكان من المفروض فتح هذا الملف منذ وقت بعيد على ضوء الأوضاع المزرية للفكر العربي وللسياسة العربية على الساحة المحلية والقومية. المشكلة في مقال د. عمر سعيد، كما سأحاول أن أوضح لاحقا أنه لم يتجرأ على وضع الإصبع على الجرح واكتفى بخدش الموضوع من الخارج ولاعتبارات حزبية ضيقة تقاعس عن المضي قدما بما اقترحه هو ذاته.
يبدأ الخلل بالعنوان. لكي يكون هناك طلاق يجب أن يسبق ذلك زواج. وأنا ازعم أن السياسة والفكر في عالمنا العربي لم تربطهما هذه العلاقة ابدآ. وأكثر من ذلك، حتى علاقة حب غير شرعية عابرة لم تكن بينهما.
يصف الكاتب في بداية المقال بأن الثقافة العربية تعاني من تصلب في العروق وانسداد في الشرايين وذلك بسبب غياب الممارسات الفكرية النقدية الجريئة التي تتصدى للبنى الاجتماعية والثقافية المتهتكة. يبدو الكاتب من خلال هذا الوصف متفائلا بعض الشيء، فالتصلب في العروق وانسداد الشرايين لم يعد ذلك المرض الخطير مع تطور الطب الحديث. ما تعاني منه السياسة العربية والفكر العربي أخطر من ذلك بكثير. إنهما بدون مبالغة يعانيان من فقدان المناعة المكتسبة.
أوافق الكاتب انه يوجد هناك تضخم مشوه لقيمة وفعالية العقل السياسي النفعي على حساب الفكري والمعرفي. ولكن هذا لا ينبع من الفوضى الفكرية العارمة ومن الاضطراب الأخلاقي لمصطلحاتها حيث أن هذه الأمور ذاتها ليست سوى أشكال ونتاج للسياسة النفعية وعلينا أن نبحث عن أسبابها في انعدام الفكر النقدي الخلاق.
يذكر الكاتب ثلاثة أمور تميز ساحتنا الثقافية والسياسية المحلية ويحاول أن يجد تبريرا لبعضها. أولا: مقاومة الطمس والاحتواء الصهيوني. ثانيا: القطيعة الثقافية مع الامتداد العربي. ثالثا: الصراع بين الحداثة والأصالة.
من غير الاستخفاف بأهمية وخطورة هذه الأمور إلا أن استعمالها كمبررات لوضعنا البائس ما زالت الطريق طويلة وإلقاء المسؤولية على طرف معين وإعفاء الآخرين منها هو في حده الأدنى يفتقد للمصداقية وبعيد عن الجرأة الفكرية التي يطالب الكاتب نفسه بها.
هيمنة خطاب حزبي واحد على ساحتنا المحلية على الصعيدين السياسي والثقافي، والمقصود هنا الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كان له دور فعال في الاحتواء الصهيوني. فقد ظهر هذا الحزب وكأنه مصاب بنوع من انفصام الشخصية. فمن جهة هو يعرف نفسه بأنه" حزب الوطنية الإسرائيلية" ومن جهة أخرى يعتبر نفسه جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية. وهو يقبل بإسرائيل كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره ويحتفل بذكرى استقلال هذا الكيان ومن جهة أخرى يشارك في إحياء النكبة الفلسطينية. هذه السياسة وهذه الممارسات غير مبنية على ايدولوجيا "علمية" وعلى تحليل "تاريخي" كما يسخر الكاتب مشيرا إلى النظرية الماركسية، بل على العكس من ذلك: هذه السياسة والممارسات مبنية على تخلي الحزب عن الايدولوجيا العلمية وعن التحليل التاريخي للواقع. التحريفية سيطرت على هذا الحزب قبل عام النكبة بوقت طويل.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ويضع مصداقية الكاتب على المحك هو: بعد كسر هيمنة الخطاب الحزبي الواحد هل أصبح وضعنا أحسن؟ وهل الحزب الذي ينتمي إليه الكاتب شكل البديل المطلوب؟
لقد كنا نعيش في وهم المعرفة وما زلنا نعيش في وهم المعرفة. كل ما فعلناه هو تغيير وهم بوهم آخر. بماذا يختلف الكلام عن حل الدولتين عن الكلام عن الدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها إذا كانت الكنيست الصهيوني هي الطريق لجميع هذه الحلول. هل يوجد حقا فرق بين عضو كنيست ينتمي للحزب الشيوعي الإسرائيلي وللأحزاب العربية الأخرى؟ كلهم في الاسرلة سواء ولا يغير هذه الحقيقة كبر العلم الفلسطيني المرفوع في المظاهرات ولا الكلام المنتفخ عن القومية العربية. الكنيست توحدكم جميعا.
وعندما أفلست الايدولوجيا "العلمية" و"التاريخية" ودخلنا إلى عصر حوانيت الجمعيات الممولة بسخاء خارجيا هل أصبح واقعنا الثقافي أفضل؟ هل إيديولوجيا "التصور المستقبلي" و "الدستور الديمقراطي" و"وثيقة حيفا" أفضل؟
مصيبتنا لا تكمن فقط بأننا نعيش وهم المعرفة وليس المعرفة نفسها بل نميل دائما إلى تصديق ما هو جاهز والى تقبل الأشياء مسلمة. ما يقوله الحزب هو الصحيح وغيره خاطئ. وطبعا في مشهدنا المحلي يمكن دائما اختزال الحزب بزعيمه.
إذن، كسر هيمنة الحزب الواحد، وهيمنة الخطاب الواحد لم تقودنا إلى التعددية كما نعلل أنفسنا بل إلى الشرذمة والى المزيد من الشرذمة.
الانقطاع الثقافي عن العالم العربي كعامل في أزمة الثقافة المحلية هو موضوع واسع لا مجال للخوض به هنا. ولكنني أكتفي بالقول أن المأزوم لا يستطيع أن يخلص غيره من أزمته. الفكر النقدي العربي في حالة يرثى لها ومعظم من يطلق عليهم "مفكرون" أو يطلقون على أنفسهم هذا الاسم نراهم ليسوا أكثر من موظفين في القنوات الرسمية العربية أو مفكري بلاط على غرار شعراء البلاط القدامى.
وأخيرا أود أن أتطرق باختصار إلى مسالة الحداثة والأصالة والى غرامنا المفرط بالتراث واعتباره المركب الأهم في هويتنا الوطنية في مواجهة الاحتواء الصهيوني. أولا وقبل كل شيء أقول: إذا أردنا اللحاق بركب التاريخ يجب أن نلقي على الأقل ب90% من "تراثنا" إلى مزبلة التاريخ. يجب أن نقبر هذا التراث ونتابع المسير وإلا بقينا خارج الحضارة. فقط من حاضره تعيس ومستقبله أتعس يهرب للجوء إلى ماضيه ويكرر المقولة الممجوجة: من لا ماض له لا مستقبل له. حضارة الشعوب تقاس بالتقدم الذي تنجزه، أي بمدى التغيير الذي تحققه وليس بمدى ركودها وتحجرها. الشعب الذي يتقدم هو الذي يصنع التاريخ والشعب الذي يراوح مكانه سيجد نفسه عرضة للقمع والعبودية. الهوية، ذلك الشعار السحري يجب أن نفككه إلى مركباته الأولية ونتخلى عن كل مركب فقد تاريخ صلاحيته بدون رحمة. أليس ما حدث في شفاعمرو مؤخرا ومن قبل في المغار والناصرة وغيرها هو جزء من تراثنا؟ هو جزء من هويتنا؟ فلماذا نذرف دموع التماسيح الآن.
من أجل النهوض بالفكر النقدي، من أجل الارتقاء بثقافتنا الوطنية من الحضيض ووضعها في مصاف الحضارة الإنسانية التقدمية يجب أن نهزم أولا ذلك الوهم المعرفي الذي نعيش فيه. يجب علينا تحطيم العديد من الأصنام التي نعبدها.
من أجل ذلك نستطيع أن نبدأ بخطوة بسيطة كل واحد في فينا يستطيع أن يخطوها وهي أن نضع كل شيء موضع سؤال من غير أن ننزلق إلى وهم وكأننا نملك أجوبة نهائية. في خضم هذا الصراع الثقافي الشاق والطويل عينا في الوقت نفسه أن نتعلم العيش رغم اختلاف الآراء الأفكار من الخلال الحرص على حرية الفكر من جهة والتسامح من جهة أخرى.

Wednesday, June 17, 2009

الخطاب المفقود

في بداية الشهر حبس العالم العربي والإسلامي أنفاسه وهو يستمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي الجديد براك أوباما من على منصة جامعة القاهرة أمام حوالي 2500 شخص وببث مباشر إلى الملايين عبر كافة الفضائيات الإخبارية العربية. في هذا الخطاب أراد اوباما أن يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالمين العربي والإسلامي. نحن هنا لسنا بصدد تحليل هذا الخطاب أو تقييمه ولكن والحق يقال أن أوباما استطاع من خلال بعض عبارات المجاملة حول تاريخ الإسلام المضيء ودوره ومكانته في أمريكا ومن خلال الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم في عدة مواقع من خطابه ومن خلال بعض الأفكار العامة غير الملزمة، أن يكتسح العالم العربي والإسلامي. وتحولت أمريكا بين ليلة وضحاها إلى أعز صديق للعرب وللمسلمين.
قلت قبل وبعد خطاب أوباما في القاهرة أنه إذا أراد أوباما أن يحسن صورة أمريكا عند العرب كان عليه قبل قدومه أن يسحب كافة جنوده من العراق والافغانستان وأن يعوض هذين البلدين عن الخسائر (التي لا تعوض) التي سببها الجيش الأمريكي. وعليه أيضا إغلاق كافة القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية ويتوقف عن دعم الأنظمة الفاسدة. وإذا أراد أن يحسن صورته وصورة بلاده عند الشعب الفلسطيني عليه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وسحب الاعتراف بها ككيان غير شرعي ومساعدة الشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه وخصوصا تحرير الأرض والعودة. وعدم الاكتفاء باجترار التزامه بإقامة دولة فلسطينية هلامية لا أحد يعرف حدودها أو مكوناتها.
طبعا أتهمت حتى من قبل أقرب المقربين بالمبالغة والمزاودة إذ لم يخلق حتى الآن الزعيم الأمريكي الذي يحلم بمثل ذلك. ونصحوني أن أرى النصف المليء من الكأس وليس النصف الفارغ. إنها مجرد نقطة ماء عالقة في قاع ألكاس ليس إلا ولكن ما العمل ونحن كما يقول مثلنا الشعبي: نغرق في شبر من الماء.
على كل حال، إذا كان هناك شيء ايجابي في خطاب أوباما فأنه يكمن في الخطاب نفسه، أي بوجود رئيس أمريكي يقوم بدوره.
في منتصف الشهر ذاته، أي في بداية هذا الأسبوع وبالتحديد في 14 يونيو وقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على منصة جامعة أخرى هي جامعة بار أيلان المعروفة بانتمائها لليمين الإسرائيلي المتطرف وألقى خطابا شرح به موقفه وموقف حكومته ليس فقط من خطاب أوباما بل مما يسمى المسيرة السلمية بشكل عام. مرة أخرى حبس العالم العربي أنفاسه ليستمع الى هذا الخطاب.
بعد المقدمة التي سردها في تزييف التاريخ وإلقاء التهم على الضحية وهو الشعب الفلسطيني أراد أن يظهر بمظهر رجل السلام. فهو يشارك الرئيس اوباما رؤيته ورؤية "العالم الحر" بموافقته على قيام دولة فلسطينية. فهو لا يريد السيطرة على الشعب الفلسطيني، إنه يريد فقط دولة منزوعة السلاح توجد بها شرطة لقمع المواطنين الذين يفكرون بالمقاومة، دولة لا تملك السلطة على أجوائها ولا على حدودها ومعابرها. دولة تتقبل الكتل الاستيطانية وتهويد القدس وتعترف بها كعاصمة أبدية لإسرائيل. وتعترف بها كدولة الشعب اليهودي.
"العالم الحر" وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة براك أوباما رحبت بهذا الخطاب وإعتبرته خطوة إلى الامام في الطريق السلام المنشود. أحد القادة الأوروبيين صرح بطريقة بائسة تدعي إلى السخرية: "لقد ذكر نتنياهو في خطابه كلمة دولة وهذا أمر إيجابي".
العالم العربي والإسلامي صمت مثل أهل القبور، بعض الأصوات الفلسطينية الهزيلة تحتج هنا وهناك.
أين الخطاب العربي؟؟
العرب، المشهورين بالخطابات منذ العصر الجاهلي مرورا بالعصور الإسلامية المتعاقبة وحتى يومنا هذا لماذا عقد لسانهم؟
للتذكير فقط، كان الخطيب في العصر الجاهلي بمثابة وزير إعلام القبيلة يقدم النصح والإرشاد والمفاخرة ويمثل قبيلته في مقابلة الملوك. وما زلنا حتى اليوم نردد خطب قس بن ساعدة وسهل بن عمر ولبيد بن ربيعة. وجاء الإسلام وجعل من الخطابة فنا ومهنة. فلو لم يكن هناك خطباء لما أنتشر الإسلام في أصقاع الأرض وما زلنا نردد خطبة الوداع وخطب علي بن أبي طالب. وبعد نشوء الأحزاب والحركات الإسلامية كان لكل منها خطيب خاص دخل التاريخ الاسلامي من خلال خطبه فهذا الحسين بن علي والحجاج بن يوسف وزياد بن أبي سفيان والكثيرون غيرهم على مر العصور، بزوا الخطيب الاغريقي باركليس وتركوا الخطيب الروماني شيشرون في الخلف. هذا ناهيك عن خطب الجمعة التي أصبحت جزءا من الصلاة في كافة الجوامع. والآن لا يوجد أحد يرد على خطابي أوباما ونتنياهو بخطاب؟
أين شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي الذي بعث الدعوات للاستماع لخطاب اوباما باسمه وباسم رئيس جامعة القاهرة؟ إذا عجز المرء في مرحلة معينة عن استرداد حقه السليب بالقوة فقد يعذر، ولكن أن يعجز حتى عن الكلام؟ فهذا لا عذر له إلا إذا كان ميتا.

Tuesday, June 02, 2009

الانتصار الاخير


علي زبيدات – سخنين

في صباح الخامس من حزيران عام 1967 شنت القوات الإسرائيلية هجوما مفاجئا على 3 دول عربية. خلال ساعات قليلة من اليوم الأول كانت الطائرات الإسرائيلية قد دمرت معظم الطائرات المصرية وأخرجت سلاح الجو المصري من المعركة تماما وأبقت القوات البرية المصرية بدون حماية فريسة للنيران الإسرائيلية المنهمرة من الجو والبر وشقت الطريق السريعة أمام القوات الإسرائيلية للوصول إلى قناة السويس بعد احتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. بعد ذلك وجهت ضربة للجيش الأردني واحتلت القدس الشرقية وباقي الضفة الغربية. وهكذا وقعت فلسطين التاريخية بأكملها تحت الاحتلال الإسرائيلي. وفي الأيام الأخيرة من هذه الحرب الخاطفة استفردت بالقوات السورية وقامت باحتلال هضبة الجولان.
مما لا شك فيه أن هذه الحرب كانت من الناحية العسكرية انتصارا يصعب تصديقه يكاد التاريخ الحديث لا يعرف شبيها له.
قبل هذه الحرب كانت إسرائيل قد حققت انتصارين عسكريين: الأول في حربها عام 1948 حيث استولت على 78% من فلسطين وشردت شعبها ونهبت أرضه والانتصار العسكري الثاني كان في عام 1956 من خلال العدوان الثلاثي على مصر حيث احتلت قطاع غزة وسيناء ولكنها أرغمت على الانسحاب منهما بعد عدة أشهر.
لقد أطلق العرب على هذه الحرب ونتائجها أسم النكسة التي انضمت إلى شقيقتها، النكبة التي ولدت عام 1948. وفي أعقابها تغيرت الإستراتيجية العربية من شعار: إزالة مصدر العدوان، أي القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين إلى شعار: إزالة آثار العدوان أي تحرير المناطق التي احتلتها إسرائيل في هذه الحرب.
في الذكرى ال42 لحرب حزيران، لست بصدد دراسة وتحليل هذه الحرب، فقد كتب الكثير في هذا المجال وسوف يكتب المزيد حاليا ومستقبلا وأكتفي برصد الخطوط العريضة للتحولات التي طرأت على المنطقة في أعقاب هذه الحرب وكنتيجة مباشرة وغير مباشرة لها.
الأمر الأول الذي يلفت النظر أن هذه الحرب كانت بالنسبة لإسرائيل، من الناحية العسكرية انتصارا كبيرا ولكنها في الوقت نفسه كانت الانتصار الأخير. حيث شنت بعدها خمس حروب كبيرة وهي حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 والحرب اللبنانية الأولى عام 1982 والثانية عام 2006 والحرب الأخيرة في غزة عام 2008، هذا بالإضافة إلى العديد من المعارك الأخرى بدءا من معركة الكرامة والاعتداءات المتكررة على لبنان ومحاولات قمع الانتفاضة الأولى والثانية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا حتى هذه الحرب كانت إسرائيل تحقق الانتصارات وبعدها إما أنها لم تحقق نصرا يذكر وإما أنها كانت تهزم؟ هل طرأ انقلاب في موازين القوى العسكرية؟ هل ضعفت إسرائيل عسكريا وبالمقابل ازدادت قوة الجيوش العربية؟ الجواب هو كلا، لا هذا ولا ذاك. ميزان القوى العسكري ما زال في صالح إسرائيل فبالإضافة إلى أنها ما زالت تملك أقوى سلاح جوي في المنطقة وتمتلك أكثر الأسلحة تطورا فأنها تمتلك كمية هائلة من أسلحة الدمار الشامل ومن ضمنها الأسلحة النووية. بالمقابل ما زالت الجيوش العربية الرسمية تعاني من الضعف والتخلف على كافة الأصعدة. إذن ينبغي أن نبحث عن السبب في مكان آخر.
لقد كشفت حرب حزيران 1967 أن الجيوش العربية مجتمعة غير مستعدة وعاجزة عن مواجهة إسرائيل وأكثر من ذلك: كانت تفتقر إلى ابسط الخطط العسكرية هذا بالإضافة إلى نقص بالأسلحة والتدريب والكفاءات والقيادة السليمة. لقد كانت الجيوش العربية مرآة لأنظمتها الفاسدة والمتخلفة. بالمقابل كانت إسرائيل تتمتع بالتفوق العسكري وخصوصا التفوق المطلق لسلاحها الجوى وكانت على تمام الاستعداد لخوض الحرب وامتلاكها للخطط العسكرية هذا بالإضافة إلى الدعم الأجنبي وخصوصا الأمريكي والأوروبي وكذلك استغلالها لحرب إعلامية ونفسية ناجعة. هذه الصورة لم تتغير جذريا حتى الآن وبالرغم من ذلك تعجز إسرائيل من تحقيق النصر، والسؤال لماذا؟
ما عدا الحربين الاولتين اللتان تلتا حرب حزيران، أي حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 لم تخض إسرائيل الحروب ضد الجيوش العربية الرسمية، بل ضد حركات مقاومة تحظى بعمق جماهيري وفي كثير من الحالات كان الجماهير هي القوة الأولى. هذا التحول الجوهري في مضمون الصراع عمل على تحييد قسم كبير من التفوق الإسرائيلي العسكري ومن جهة أخرى أتاح الفرصة لإشكال مختلفة ومتنوعة من النضال.
الأنظمة العربية وجيوشها الرسمية قد خرجت نهائيا من دائرة الصراع خصوصا بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وما يسمى بمبادرة السلام العربية. هذه الأنظمة مهزومة عسكريا وسياسيا وما زالت. الصراع اليوم يتمحور بين إسرائيل كدولة كولونيالية وبين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. والشعوب التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها قد تتكبد الخسائر الفادحة وتقدم التضحيات الجسيمة وقد تتراجع هنا وهناك ولكنها لا تقهر.
قوة إسرائيل العسكرية قد تفيدها في شن الحروب على الدول المجاورة التي خرجت من دائرة الصراع أصلا بالرغم من الدعاية الاسرائيلية ولكنها لن تفيدها في حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد. اليوم تدفع إسرائيل ثمن غطرستها ونشوتها من انتصارها الكبير ولكن الأخير.

Wednesday, May 20, 2009

آداب الزيارة الى واشنطن


علي زبيدات- سخنين

للزيارة في التراث العربي مكانة خاصة. خصوصا زيارة الاصدقاء والاقارب والمعارف. فهي تعمق الصداقة وتحافظ على التواصل وتنقي الاجواء. ولكل زيارة آدابها. فالزيارة في المناسبات السعيدة تختلف عنها في المناسبات الحزينة، وزيارة المريض تختلف عن الزيارة من أجل المتعة والترفيه. ولكن بالرغم من تنوع المناسبات يمكن الاشارة الى بعض الآداب العامة للزيارات. مثلا، من الضروري إختيار الوقت المناسب للزيارة إذ من غير المعقول أو المقبول أن تفرض الزيارة في وقت غير ملائم للطرفين. ومن آداب الزيارة الاستئذان مسبقا وفي المصطلحات الدبلوماسية الحديثة تسمى الاعداد للزيارة. ومن آداب الزيارة أن تحمل في طياتها النوايا الحسنة من ترحيب وحسن استقبال. واخيرا من آداب الزيارة عدم الاطالة (ثقل الدم والظل) وعدم الاكثار.
لا أدري كيف أصنف زيارات الزعماء العرب الى واشنطن لمقابلة الرئيس الامريكي الجديد وهل ثمة آداب خاصة بها؟ . فهم بين خائف ومتردد ومتحمس. يبدو أن زيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو قد انقذتهم من هذه الورطة. وللوهلة الاولى يبدو لمتتبع هذه الزيارة وكأن نتنياهو هو مبعوث جامعة الدول العربية الى واشنطن. في الشهر الماضي، بعد أحد مؤتمرات القمة، اوفدت الدول العربية والاسلامية الملك عبدالله، ملك الاردن الى واشنطن لكي يمثلها ويحث الرئيس الامريكي الجديد على مواصلة المساعي السلمية بين الدول العربية وإسرائيل. إلا أن هذه الزيارة لم ترتقي الى مستوى الحدث وسرعان ما طواها النسيان ولم تتمخض عن أية نتائج عملية أو سياسية.
أما زيارة نتنياهو الى واشنطن فإنها محط أنظار العالم وخصوصا الانظار العربية. في الحقيقة موقف الزعماء العرب مثير للشفقة. فهم يخدمون أمريكا أضعاف ما تقدمه اسرائيل من خدمات لها. بالاضافة الى انهم أكثر طاعة وإستكانة. ومع ذلك لا يحظون حتى بنسبة ضئيلة من الترحاب والاحترام الذي يحظى به نتنياهو المشاكس.
حمل نتنياهو معه الى واشنطن السياسة الاسرائيلية القديمة-الجديدة لحكومته. وعبر عنها بشكل واضح لا يقبل التأويل الا عند الزعماء العرب. فبدل أن يكرر كذبة موافقة اسرائيل على إقامة دولة فلسطينية كما جرت العادة من أيام رابين مرورا بشارون وبراك واولمرت تجاهل الموضوع نهائيا وأكتفى بالقول: يستطيع الفلسطينيون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. وهو على كل حال موضوع ثانوي إذا ما قورن بمهمته الاولى وهي مواجهة الخطر الايراني بمساعدة امريكا ومعسكر الاعتدال العربي. وبخلاف رؤساء الحكومة الاسرائيلية السابقين الذين أكدوا في زياراتهم المتكررة لواشنطن التزامهم بوقف الاستيطان ومواصلته حال عودتهم، أكد أن الاستيطان مسألة اسرائيلية داخلية.
يكاد الزعماء العرب يخرجون من ملابسهم فرحا من مواقف اوباما خلال هذه الزيارة. فقد أكد على تمسكه بحل الدولتين. مرحى، وما الجديد في ذلك؟ ألم يتمسك بوش ومن قبله كلنتون بهذا الحل؟ فماذا كانت النتيجة؟ وطالب اوباما بوقف الاستيطان، وهذا ايضا ليس بالامر الجديد، ألم ينص مؤتمر أنابولس ومن قبله خارطة الطريق الامريكية على ذلك؟ المطالبة بوقف الاستيطان شيء ووقفه على ارض الواقع هو شيء آخر. ولكن يبدو أن هذه الحقيقة تتجاوز مقدرة الزعماء العرب على الاستيعاب. فالاستيطان منذ البداية لا يمكن أن يتم من غير مليارات الدولارات التي تمنحها امريكا سنويا لإسرائيل.
نتنياهو يزور واشنطن كصديق، يستقبل بحرارة ليس فقط من قبل اللوبي الصهيوني المتنفذ بل أيضا من قبل الغالبية العظمى من أعضاء السنات الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء. أما الملك عبدالله فقد زار واشنطن كمتسول وفي الاسبوع القادم يزورها متسول عربي آخر هو محمود عباس.
من كان يظن أن "مبادرة السلام العربية" هي نهاية التنازلات العربية حيث قدمت تطبيع العلاقات بين الدول العربية وأسرائيل على طبق من ذهب بعد تصفية القضية الفلسطينية بحجة حلها، فهو مخطئ. التنازلات مستمرة. وقد استطاع نتنياهو أن يقنع أوباما بضرورة تقديم المزيد من التنازلات وخصوصا فيما يتعلق بقضية عودة اللاجئين. يجب توطين اللاجئين قبل التوصل الى اية تسوية وعلى الفلسطينيين أن يعترفوا بيهودية الدولة لسد اية ثغرات مستقبلية لعودتهم. زيارة عباس الاسبوع القادم تأتي في هذا السياق هدفها تقديم المزيد من التنازلات حتى يتسنى لأوباما القدوم الى القاهرة لكي يعلن مبادرته الجديدة للسلام التي تقوم على اساس "مبادرة السلام العربية" المعدلة.
في خضم مفاوضات أوسلو صرح الرئيس الفلسطيني السابق عرفات بعد زيارته للبيت الابيض انه قد وجد في البيت الابيض صديقا للشعب الفلسطيني هو بيل كلنتون. وكلنا يعرف ما فعله هذا الصديق لتصفية القضية الفلسطينية وتصفية الرئيس نفسه، فهل يجد محمود عباس صديقا جديدا للشعب الفلسطيني في البيت الابيض؟
الحلف الامريكي- الاسرائيلي – الرجعي العربي هو ليس شعارا أكل الدهر عليه وشرب من مخلفات مرحلة منقرضة، بل هو حقيقة راهنة، وعلى شعوب المنطقة أن تبقى متيقظة ومستعدة لمواجهته ودحره.

Wednesday, May 13, 2009

61 عاما على النكبة بين الشرعية واللاشرعية


العلاقة بين المطلق والنسبي هي علاقة جدلية في غاية التعقيد يحكمها قانون وحدة وصراع الاضداد. فعندما نقول:كل شيء نسبي فإننا نقول في الوقت نفسه: كل شي مطلق. هذا لا يعني فقط أن احدهما قد يتحول الى الآخر حسب الزمان والمكان واالظروف بل يعني أيضا أن المطلق موجود داخل النسبي والعكس هو صحيح وأن الفرق بين المطلق والنسبي هو في حد ذاته نسبي حسب كافة المعايير المنطقية.
العلاقة بين الهزيمة والانتصار تجسد هي أيضا قانون وحدة وصراع الاضداد. فكم من إنتصار يكون أسوأ من هزيمة، وكم من هزيمة تحمل في أحشائها بذور الانتصار؟ الهزيمة قد تكون أم الانتصار كما قد يكون الانتصار أب الهزيمة. قد يخوض المرء عدة معارك ويخسرها ولكنه يربح الحرب وقد يحدث عكس ذلك تماما.
أسوق هذه المقدمة النظرية لكي أدخل صلب الموضوع وهو مرة أخرى الذكرى ال61 لنكبة فلسطين. قبل أسبوعين قامت جماهيرنا بإحياء هذه الذكرى بمسيرة العودة الثانية عشر لقرية الكفرين المهجرة تحت شعار: "يوم إستقلالهم هو يوم نكبتنا" حيث كانت دولة إسرائيل في اليوم ذاته، تحتفل بيوم"إستقلالها" حسب التقويم العبري.
لا اريد هنا التطرق الى هذه المسيرة التي كانت حسب رأيي هزيلة من حيث التنظيم والمضمون، بل من أهزل مسيرات العودة حتى اليوم، إذ عبرت عن رايي هذا في حينه. لذلك إخترت التقويم الميلادي المتعارف عليه لتناول جوانب أخرى من هذه الذكرى تتجاهلها عادة مسيرات العودة التي لا تتجاوز عملية رد الفعل التي يوحي اليها شعارها الرئيسي.
في يوم الجمعة، الساعة الرابعة بعد الظهر في 14 ايار ن عام 1948 وقف دفيد بن غوريون في تل ابيب يتلو ما يسمى بوثيقة الاستقلال ويعلن قيام دولة إسرائيل. وكان ذلك عدة ساعات قبل إسدال الستار على الانتداب البريطاني المقررفي منتصف الليل من اليوم نفسه.
بعد مرور أكثر من قرن من قيام الحركة الصهيونية ( المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897) ومرور 61 عاما على تحول هذه الحركة الى دولة نستطيع أن نقيم، بما تسمح به مقالة صحفية قصيرة، هل حققت هذه الحركة – الدولة إنتصارا ساحقا (مطلقا) أم أن إنتصارها كان نسبيا؟ أم أنها هزمت او انها في طريقها الى الهزيمة في تحقيق أهدافها المعلنة؟ هل الشرعية الدولية التي حظيت بها هي شرعية حقا أم غير شرعية؟
مما لا شك فيه أن الحركة الصهيونية إستطاعت أن تحقق إنجازات هامة إستطاعت أن تغير وجه التاريخ في منطقتنا. يكفي أن نذكر هنا وعد بلفور الذي منحها حق الاستيطان في فلسطين بمساعدة دولة عظمى في حينه هي بريطانيا. ومن ثم الانتداب الصادر عن عصبة الامم الذي كان هدفه المعلن هو تنفيذ وعد بلفور وأخيرا قرار التقسيم الذي إتخذته الامم المتحدة.
إلا أن هذه الانجازات بالرغم من أهميتها وخطورتها فإنها لم ترتق الى درجة الانتصار المطلق. حيث بقيت الحركة الصهيونية حركة هامشية حتى بين اليهود أنفسهم الذين فضلوا الهجرة الى أوروبا وأمريكا وكانت الحركة الصهيونية بحاجة الى النازية وجرائمها وإستغلالها الى أقصى الحدود لكي تستطيع جلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم الى فلسطين. وكل ما إستطاعت الحركة الصهيونية فعله بعد أكثر من قرن من نشاطها المكثف هو جلب حوالي ثلث يهود العالم. وهذا يعني من منظور تاريخي فشلا أكثر من أن يكون نجاحا إذا علمنا أن مبدأ الصهيونية الاول كان ولا يزال جلب كافة يهود العالم الى فلسطين.
بالاضافة الى ذلك فإن شرعية وعد بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم هي شرعية نسبية جدا قد تحولت الى ضدها بسبب الرفض الفلسطيني الشعبي لها، وهو صاحب القضية والقرار. وقد شعرت الدولة الوليدة بذلك، وتبين لها أن الشرعية الدولية التي حصلت عليها لا تساوي شيئا إذا لم تنل الشرعية العربية والفلسطينية. وهنا يجب أن نعترف أن دولة إسرائيل هنا أيضا حققت إنجازات كبيرة عملت على تغيير وجهة المنطقة. عندما صدر قرار التقسيم عام 1947 كان الحزب الشيوعي الاسرائيلي هو الحزب الوحيد الذي أعترف بشرعية الدولة وبسبب موقفه هذا أفلس جماهيريا ونبذ على الصعيدين الوطني والقومي ووجد نفسه في خندق واحد مع الاحزاب الصهيونية ومع المتعاونين معها من الفلسطينيين. ولكن لاحقا بدأ الشرخ يتسع خصوصا بعد حربي 1967 و1973. وجاء الاختراق الاكبر في إتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت أكبر دولة عربية وهي مصر من دائرة الصراع ومن ثم ضم الاردن في أعقاب إتفاقيات وادي عربة. إلا أن الاختراق الاخطر كان في إتفاقيات اوسلو حيث إنخرط قسم كبير من أصحاب القضية المباشرين في تسوية منحت الدولة العبرية شرعية تفوق كل ما تقدم. وشارك بها أحزاب وتنظيمات "قومية" و"وطنية" رفضت إتفاقيات أوسلو شكلا وقبلت بها روحا ونهجا وأخذت تنظر لدولة ثنائية القومية أو دولة جميع مواطنيها أو صيغ غامضة من الدولة الديموقراطية العلمانية. وأخيرا جاءت "مبادرة السلام العربية" لكي تقدم الشرعية على طبق من ذهب للدولة التي قامت على أسس لا شرعية حسب كل المعايير الدولية والانسانية والاخلاقية.
للوهلة الاولى يبدو وكأن دولة إسرائيل قد حققت حلمها الابدي بعد أن حصلت على الشرعية الدولية والعربية والفلسطينية.ولكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. فإن جميع هذه "الشرعيات" نسبية ومزيفة وهي في نهاية المطاف لاشرعية. فبعد اكثر من 30 سنة على توقيع معاهدة "السلام" بين اسرائيل ومصر ما زال الشعب المصري بكافة طبقاته الاجتماعية يرفض الاعتراف بهذه الدولة والتطبيع معها وعندما يزول النظام القائم سوف تزول "شرعيته" معه. كذلك الشعب الاردني وبعد أكثر من 15 سنة ما زال في غالبيته يرفض منح اي صبغة شرعية لدولة إسرائيل. أما على الساحة الفلسطينية، فأنه الى جانب نهج أوسلو التسووي ينمو ويترعرع نهج المقاومة الشعبية التي تعتبر إسرائيل كيانا غير شرعي.
الخلاصة هي أن الحركة الصهيونية ومن ثم دولة إسرائيل تحمل جرثومة فنائها في أحشائها وتحمل لاشرعيتها تحت ثوب شرعيتها المهترئ. لاشرعية إسرائيل لا تقوم على الجرائم التي إقترفتها في حق الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة وحتى اليوم من تشريد وتدمير ونهب واستيطان وحسب بل تتعداها الى لاشرعية مبادئها المعلنة، حيث منحت نفسها،وبصورة غير شرعية، حق تمثيل يهود العالم، في الوقت الذي نبذ معظمهم مبادئها. الحركة الصهيونية التي إنبثقت عنها دولة إسرائيل هي في نهاية المطاف حركة سياسية مصيرها كباقي الحركات السياسية من صعود وهبوط، إزدهار وإضمحلال حتى الزوال.
ما نراه اليوم من سيطرة صهيونية على الصعيد المحلي والاقليمي والعالمي ليس أكثر من حالة طارئة، نسبية ومشروطة، تتحول امام نظارنا الى ضدها.

Tuesday, May 05, 2009

من يتابع لجنة المتابعة؟


تناقلت وسائل الاعلام المحلية من جرائد ومواقع انترنت وإذاعات الاسبوع الماضي نبأ "إنتخاب" رئيس جديد للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. وبما أن المسألة غير شخصية فقد إخترت عدم التطرق الى الرئيس الجديد لا من قريب ولا من بعيد. كما تلاحظون، وضعت كلمة "انتخاب" بين هلالين صغيرين. بالطبع لم يكن ذلك من باب الصدفة. فمن لم يكتف بقراءة عنوان الخبر وقرأه كاملا لوجد انه لم يكن هناك لا انتخاب ولا يحزنون ولا حتى أي شكل من أشكال قد يوحي بالانتخابات المتعارف عليها. في الحقيقةلا أدري لماذا استعملت معظم الصحف هذه الكلمة، هل هو من باب السهو أم الخطأ أم العادة أم من باب التمنيات المكبوتة.
بالرغم من مساوئ الانتخابات خصوصا في بلادنا مثل الرشوات والكذب، الذي يسمى دعاية إنتخابية والفساد على الوانه واشكاله الا انها تحدد مسبقا ضرورة وجود مرشحين مختلفين وضرورة وجود جمهور يدلي بصوته وفي بعض الاحيان ضرورة وجود نقاش مستفيض وبرامج عمل، الخ. في حالتنا هذه لم يكن هناك أي غبار من هذا النوع.
ينص الخبر على أن سكرتارية لجنة المتابعة، بجميع مركباتها، عقدت جلسة خاصة وقررت بالاجماع التوجه الى السيد زيدان وتكليفه بهذه المهمة بعد تقليده لقب رئيس لجنة المتابعة العليا. تسربت بعض المعلومات التي تقول أن بعض مركبات اللجنة قد تغيب عن الجلسة وبعضها أبدى تحفظاته. ولكننا نحن كجمهور مثل الطرشان بالزفة لم نسمع لا رأي المتغيبين واسباب تغيبهم ولا أية تفاصيل عن المتحفظين وتحفظاتهم.
اصلا دعوني اتساءل: لماذا أقحمت وسائل الاعلام، على الطريقة الماسونية، عن ذكر أعضاء سكرتارية لجنة المتابعة الذين إجتمعوا ولماذا تسترت على اسماء الوفد الذي ارسل لمهمة التكليف؟
هل تم إنتخاب سكرتارية اللجنة كما تم إنتخاب رئيسها؟ أم هل تم تعيين أعضائها بشكل "توافقي"؟ وفي كلا الحالتين من الذي إنتخبهم ومن الذي عينهم عينهم؟ قد يزعم البعض أن الاحزاب والحركات السياسية هي التي إختارت مندوبيها في هذه اللجنة. بالرغم من عدم إنتمائي لأي حزب أو حركة سياسية إلا أن معلوماتي تؤكد انه لا يوجد هناك اية آلية حزبية أو حركية إنتخبت أو إختارت ممثليها للجنة المتابعة، كل ما في الامر يعود الى قرارات شخصية لبعض المتنفذين في هذه الاحزاب والحركات. والنتيجة تبقى واحدة: للجماهير العربية التي تدعي هذه اللجنة بتمثيلها لا ناقة ولا جمل بتركيبة أو عمل هذه اللجنة لا من بعيد ولا من قريب.
يروج البعض بضاعة فاسدة تقول: أن طريقة التوافق بادرة خير وتعبر عن موقف موحد ومسؤول وهي قادرة على الانتقال من موقف التحدي لسياسة التمييز الى موقف التصدي لها. أذا كان هناك من يصدق هذا الكلام فأنا أحسده على حسن نواياه وعلى طيبة قلبه.
رأيي أن هذا التوافق المزيف هو موقف جبان ولا خير يرجى منه. وأن الوحدة التي يتغنون بها ليست سوى قناع هش أضعف من بيت العنكبوت، ولم ترتق لجنة المتابعة في افضل اوقاتها الى درجة التحدي فكم بالاحرى الى مرحلة التصدي؟ لقد آن الاوان أن ننزل عن الشجرة العالية التي تسلقناها وأن نتخلص من شعاراتها الرنانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
مما لا شك فيه أن أوضاع جماهيرنا مأساوي لا تختلف جذريا عن أوضاع باقي جماهير شعبنا في كافة أماكن تواجده وهي بحاجة الى قيادة حكيمة ومخلصة ومناضلة تقود نضالها من أجل الحرية على ارضها، تدافع عن حقوقها المشروعة وتتصدى للسياسات الاسرائيلية الغاشمة. ولكن هل من الممكن أن تكون لجنة المتابعة بتركيبتها الحالية وبطريقة إختيار مؤسساتها ورئيسها وبغياب أي أفق نضالى عن عملها مرشحة للإرتقاء بالعمل الجماهيري الى المستوى المطلوب؟ للقيام بالدور التي تنسبها الى نفسها؟
في البيان الذي أصدرته سكرتارية لجنة المتابعة لكي تبشرنا ب"إنتخاب" رئيس جديد لم تنس أن تذكر طبعا ضرورة "إعادة تنظيم وبناء لجنة المتابعة". هذا الشعار الذي تتمسك به بعض الاطراف المكونة للجنة منذ سنوات طويلة ولكنها لم تتقدم حتى الآن قيد انملة، يذكرني بشعار آخر يعاني منه باقي جماهير شعبنا الفلسطيني وهو شعار: "إعادة تنظيم وبناء منظمة التحرير الفلسطينية". إسألوا أي مقاول عمار فأنه يسديكم النصيحة التالية: إذا لم تستطع ترميم بيتك الايل الى السقوط فمن الافضل أن تهدمه وتبني بيتا جديدا على أسس راسخة متينة.

Wednesday, April 29, 2009

النكبة بين الذاكرة والذكرى والفعل




كما أن بعض الاحداث قادرة على تغيير حياة شخص بصورة جذرية هناك أحداث قادرة على تغيير حياة شعب باكمله بصورة جذرية. مما لا شك فيه أن أحداث عام النكبة والنتائج التي تمخضت عنها قد غيرت حياة الشعب الفلسطيني الى درجة خروجه أو إخراجه عن مسار تطوره التاريخي الطبيعي والإلقاء به في خضم الصراع من أجل البقاء في ظروف قاسية اقل ما توصف به انها تفوق قدراته الطبيعية.
انا الآن لست بصدد تحليل أحداث النكبة وتحديد مسبباتها ونتائجها، فقد كتب الكثير في هذا المجال، والكثير مما هو ضروري لم يكتب بعد.اردت فقط أن الفت الانتباه الى بعض الظواهر السلبية التي لصقت بهذه الذكرى وتلقي بضلالها السلبية الى إمكانية عودة الشعب الفلسطيني الى حياته الطبيعية ككل شعوب الارض.
بالنسبة لنا كجماهير فلسطينية وقعت تحت الاحتلال منذ عام 1948 وبقيت منغرسة على ارضها بالرغم من كل سياسات التهجير من جهة والتهويد من جهة اخرى، هناك ثلاثة أحداث كونت ذاكرتنا الجماعية حتى أصبحت مكونا هاما في هويتنا الوطنية والتي ما زالت تربطنا بباقي جماهير شعبنا الفلسطيني والعربي. هذه الاحداث هي: عام النكبة ويوم الارض وإنتفاضة الاقصى. وليس من باب الصدفة أن تقوم جماهيرنا، بغض النظر عن إنتماءاتها الحزبية ومشاربها الاجتماعية، سنويا بإحياء ذكرى هذه الاحداث بالرغم من النواحي السلبية التي رافقتها مع مرور الزمن.
الذاكرة الجماعية التي تنغرس عميقا في وجدان وعقل الجماهير هي سلاح ضروري في الصراع من أجل البقاء والوجود لكل شعب. ولكن آفة هذه الذاكرة أنه قد يعلوها غبار الزمن وتتعرض للتشوية والاضمحلال.
حسب رأيي، أكبر خطر تتعرض له الذاكرة الجماعية هو تحولها الى مجرد ذكرى وتبتعد عن دائرة الفعل الخلاق الذي يجعل من الذاكرة نبراسا لنضال الشعب، الذي يجعل منها الضوء الذي يضيئ ذلك النفق القاتم الذي يمر به شعبنا حاليا. وأخشى أن ذاكرتنا الجماعية التي خلقتها الاحداث الثلاثة المذكورة تتحول بخطى سريعة لكي تتحول الى مجرد ذكرى روتينية، فصولها معروفة مسبقا. البرنامج هو نفسه: في كل سنة نختار قرية مهجرة من بين القرى ال530 التي دمرت عام النكبة. نستمع الى بعض الخطابات المجترة من بعض القيادات المهزوزة، نهتف ونرفع الشعارات التي تؤكد على ضرورة التمسك بحق العودة، نبكي على الاطلال ومن ثم نعود الى بيوتنا راضين عن أنفسنا ننتظر الذكرى في السنة القادمة لكي نخرج البرنامج نفسه من الدرج، نمسح عنه بعض الغبار ونلمعه قليلا. وهكذا دواليك. ونرتاح الى سحر العادة وراحة الروتين بعد أن تحولت الذاكرة الى مجرد ذكرى والنكبة مستمرة.
الذاكرة لكي تبقى حية بحاجة الى فعل، الى خلق وإبداع. وبهذه المناسبة اقول: بما أن ذكرى النكبة فضية وطنية من الدرجة الاولى يجب عدم تركها لمجموعة معينة مهما بلغ تفاني وإخلاص هذه المجموعة. لا يعقل أن تنفرد جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين" المدعومة من قبل لجنة المتابعة على علاتها بتنظيم هذه الذكرى سنويا ويتم إقصاء قطاعات حية من جماهيرنا.
لقد طرحت بالماضي كما طرح غيري عدة أفكار التي قد تدخل بعض الروح التجديدية على هذه الذكرى وتكون في صلبها. مثلا: إمكانية العودة الفعلية الى إحدى القرى المهجرة من خلال نصب الخيم أو الكرفانات وخوض معركة إعلامية على المستوى المحلي والدولي لإنجاح مثل هذه المحاولة. إلا أن الجمعية أقصت هذه الافكار حتى من غير مناقشتها.
العودة لن تقدم الى شعبنا على طبق من ذهب أو فضة من أحد وهي لن تأتي إلا عن طريق المقاومة والنضال. لذلك مسيرة العودة يجب أن تكون جزءا لا يتجزء من نهج المقاومة، يجب أن تكون رافعة للعمل الوطني الخلاق وألا تنزلق الى روتين العادة كما يحدث اليوم. جماهيرنا على أتم الاستعداد لإستخدام طرق جديدة في النضال ويجب عدم الاختباء وراء مزاعم عدم جاهيزية الجماهير كما يحدث في باقي المناسبات.
لماذا بعد 12 مسيرة عودة لم يتم حتى الآن أختيار مدينة فلسطينية مهجرة بالكامل مثل طبريا، صفد، بيسان او جزئيا مثل يافا، حيفا، عكا، اللد والرملة؟ لماذا لم يتم حتى الآن إختيار قرية تقوم على أنقاضها مستوطنة صهيونية مثل الخالصة، الجاعونة، أجزم وغيرها الكثير؟ هل من باب الصدفة أم لتحاشي المواجهة مع المستعمرين؟ أم خوفا من عدم الحصول على تصريح من الشرطة؟
النكبة أكبر من تحصر في قوالب ضيقة معدة مسبقا، النكبة أكبر من أن تصبح مجرد ذكرى سنوية. إننا نعيش النكبة يوميا، نتنفسها مع الهواء وتجري في عروقنا كالدماء وتستحوذ على عواطفنا وعقولنا فلماذا نخاف أن نعبر عنها؟ هل يجب علينا أن نكبتها داخلنا ونقمع كل محاولة لإنطلاقها أم علينا تفجيرها حمما وبراكين في وجه البشرية التي تفقد إنسانيتها؟

Wednesday, April 01, 2009

العودة الى كهف أفلاطون


شهدت منطقتنا هذا الاسبوع وفي يوم واحد تقريبا ثلاثة أحداث تلقي ظلالها على الوضع الراهن وتعكس آفاق تطور الاحداث السياسية على الصعيد المحلي والمنطقي والدولي. هذه الاحداث الثلاثة هي: مؤتمر القمة العربية في الدوحة، تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وإحياء الذكرى ال33 ليوم الارض.
لست بصدد تناول هذه الاحداث بالشرح والتحليل والاسهاب بالنقد والتعليق كما جرت العادة عند الصحفيين والكتاب ولكن تزامن هذه الاحداث ومجرياتها اثارت بي تأملات فلسفية صوفية نقلتني الى الماضي السحيق وحطت بي امام كهف افلاطون الشهير.
ما هي علاقة افلاطون وكهفه بهذه الاحداث؟
من المعلوم اننا نعيش في عصر المعلومات، المعلومات السريعة والشاملة. حيث ان الشبكة العنكبوتية قد اغرقتنا بكميات هائلة من المعلومات من شتى انحاء العالم وبسرعة قصوى. فما يكاد يحصل شيء في أحد اطراف العالم مهما كان تافها او عظيما إلا وتنقله هذه الشبكة الى باقي الاطراف. هذا ناهيك عن القنوات الفضائية التي تنقل لنا الحدث مباشرة بالصوت والصورة. ولكنها وبصورة عكسية تعيد الى ذاكرتنا القانون الاول في التفكير الديالكتيكي حول وحدة وصراع الاضداد. فكلما إزدادت المعلومات قلت الحقائق. فإذا أخذنا مؤتمر القمة العربية الاخير في الدوحة (وهو مؤتمر القمة الثالث أو الرابع في غضون بضعة اشهر) كمثل وجدنا قدر هائل من المعلومات على الشبكة والجرائد والبث المباشر على الفضائيات، ولكن أين الحقائق؟ هل حقا تمت المصالحة بين الملوك والرؤساء العرب؟ هل حقا سوف يقوم المؤتمرون بإعادة بنا غزة؟ هل تقدم العرب خطوة واحدة في طريق مواجهة التحديات الصادرة من إسرائيل بعد تشكيل الحكومة الجديدة؟ هل اصبحوا أكثر استعدادا للتعامل مع الادارة الامريكية الجديدة؟ إذن، المعلومات الغزيرة تغطي الحقائق بدل أن تكشفها.
الامر نفسه ينطبق على تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة. المعلومات حولها بلا نهاية. من لا يعرف الفرسان الثلاثة الذين سوف يقودون هذه الدولة في المرحلة القادمة، نتنياهو، براك وليبرمان؟ تاريخهم وسياستهم وافكارهم معروفة. ولكن اين الحقائق؟ هل ستواصل هذه الحكومة المفاوضات والتمسك بعملية السلام كما تدعي أم انها تحضر لشن حرب جديدة في المنطقة كما يظن آخرون؟ هل الترانسفير لفلسطينيي الداخل الذي رفع رايته ليبرمان أصبح وشيكا أم انه لم يكن سوى دعاية انتخابية؟ هل سيقوم ليبرمان بتناول العشاء الفاخر مع حسني مبارك في أحد منتجعات شرم الشيخ أم يدعه يذهب الى الجحيم كما قال السنة الماضية؟ وهل سنقدم، نحن فلسطينيو الداخل، آيات الولاء والاخلاص للدولة أم سوف تسحب المواطنة المشوهة من تحت أقدامنا. وهل براك هو رجل حرب أم رجل سلام؟ هل يشكل الجناح اليساري المتعقل في الحكومة أم انه يميني أكثر من اليمين المتطرف؟
وعلى صعيدنا المحلي وفي أعقاب إحياء الذكرى ال33 ليوم الارض من حقنا أن نتساءل: هل مسيرة ال10 كم من سخنين الى دير حنا قد قربتنا من الارض أم انها مؤشر على فقداننا للارض الى الابد؟ وهل كلما كبر حجم العلم الفلسطيني الذي حمله أحد الاحزاب العربية القومية جدا جدا والتي تؤمن بإمكانية تحقيق مشروعها القومي من خلال دهاليز الكنيست، هو دليل على زيادة أم نقص بالانتماء القومي الحقيقي؟
التأمل في هذه الامور نقلتني الى كهف افلاطون. القيت نظرة الى الداخل فرأيت زعماءنا العرب مقيدين بالسلاسل داخل الكهف. يبدوا واضحا انهم يرفلون بهذه السلاسل منذ ولادتهم. لا يستطيعون حراكا. عيونهم مصوبة الى أحد جدران الكهف. من خلفهم تشتعل نار لا يرونها ولكنها كافية لكي تلقي بظلال الاشياء على الجدار. وبسبب العادة والالفة وعدم خروجهم من الكهف يظنون أن الظلال والاشباح التي تتراقص على الحائط هي حقيقة الاشياء.
هنا تنتهي المقارنة بين الزعماء العرب وبين أهل كهف افلاطون. حيث أن أفلاطون يكسر السلاسل ويطلق سراح المحتجزين ويخرجهم الى النور، بالرغم من انهم في البداية لايستطيعون النظر الى النور ويعانون من ألم في عيونهم. ولكن مع الوقت يتعودون ويرون الامور على حقيقتها رويدا رويدا. بينما فضل الزعماء العرب البقاء للعيش في ظلمات الكهف مكبلين بالاصفاد طوال حياتهم حيث الامن والطمانينة.
الا يوجد زعيم عربي واحد يمتلك الجرأة ليحطم قيوده، يخرج من الكهف ويواجه النور؟
قال أحد الفلاسفة العرب المتصوفين:" كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" أما عندنا فقد إنعدمت الرؤيا تماما وأصبحت العبارة سلاحنا الوحيد.

Wednesday, March 25, 2009

الذكرى ال33 ليوم الارض: ذهبت الارض وبقيت الذكرى





تقول الارقام أن الفلسطينين كانوا يملكون حتى عام 1948 97% من أراضي فلسطين بينما لا يملكون اليوم، بعد 61 عاما من النكبة، سوى أقل من 3%. جميعنا نعرف ماذا جرى للأرض: من الذي صادرها وكيف صودرت ومن يمتلكها الآن. أظن لا حاجة للشرح والتوسع في هذا المجال. الدراسات حول هذا الموضوع والحمد لله غزيرة جدا ومتشعبة تفيض من على صفحات الكتب والمجلات. السؤال الذي لا نحب أن نساله لأنفسنا ونخجل من التطرق اليه هو: ماذا فعلنا لمواجهة غول المصادرة؟ ماذا فعلنا لمقاومة نهب أراضينا؟
لن أكون جاحدا وسوف أعترف. لقد فعلنا الكثير الكثير. أولا، إستنكرنا بشدة هذه الاعمال الهمجية غير الإنسانية. ثانيا، أدنا بكل ما نملك من عبارات سياسة النهب الغاشمة ثالثا شجبنا كافة الخطوات التي استعملتها الحكومة لتجريدنا من أراضينا. هذا بالاضافة الى ما لا يحصى ولا يعد من الاحتجاجات الكلامية والشعارات الحماسية والخطابات الملتهبة.
المرة الوحيدة التي خرجنا بها عن المألوف كانت في 30 آذار عام 1976 أي قبل 33 عاما بالكمال والتمام. وهو يوم الارض الخالد الذي نحيي ذكراه اليوم. لقد كان يوما ليس ككل الايام. كان إضرابا شاملا وحد أشلاء الوطن المقطع من النقب في الجنوب الى جبال الجليل في الشمال. الامر الذي أربك حكومة اسرائيل التي أرسلت قواتها لتعيد إحتلال القرى المتمردة. وجرت اشتباكات سقط بها شهداء وجرحى وأمتلأت السجون بالمعتقلين.
كل شيء في يوم الارض الاول كان جميلا، رومانسيا: الاضراب، المواجهات، قصص التعاضد والتكافل، هذا بالاضافة لى مخاوف المسؤولين وردعهم من الاقتراب الى اراضينا بعد ذلك.
هذا هو يوم الارض الذي نحيي ذكراه اليوم. ولكن إياكم إياكم أن تذهبوا بعيدا. يوجد بيننا بعض المتطرفين، عديمي المسؤولية الذين يريدون العودة بنا الى تلك الايام. فهم يطالبون كل سنة بالاضراب العام ولا يريدون أن يفهموا أن الجماهير غير مستعدة وغير جاهزة للإضراب (كيف كانت هذه الجماهير مستعدة وجاهزة عام 1976؟؟). وهم بمواقفهم هذه يقودوننا الى مواجهة خاسرة مع السلطات مما بفقدنا الانجازات التي حققناها. وفي بعض الاحيان يقوم نفر من الشباب الطائش بمهاجمة الاسيجة الشائكة التي شيدتها السلطة "لحماية" الارض المصادرة أو يقومون برشق دوريات الشرطة بالحجارة أو بإشعال النار يالاطارات ومحاولة إغلاق بعض الشوارع. إننا طبعا ندين ونستنكر أعمال الزعرنة هذه.
يا جماهير شعبنا الصامد: إكتفوا من يوم الارض الخالد بالذكرى. فهنيئا لنا ولكم بهذه الذكرى الخالدة. وبهذه المناسبة نعلمكم أن الارض المصادرة لن تعود، وقد خوزقنا الحكومة، لا مصادرة بعد اليوم إذ لم يعد لدينا أرض لكي تصادرها.
لسنا افضل من الاعرابي الذي عاد الى أهله خالي الوفاض وهو يقول: "اوسعتهم شتما وأودوا بالابل". يوم الارض أصبح مناسبة مثالية لشتم الحكومة والمسؤولين. صفحات الجرائد العربية، الوطنية منها وغير الوطنية، سوف تنضح هذا الاسبوع بالشتائم. الاحزاب السياسية سوف تتنافس فيما بينها من خلال الندوات التي تنظمها على شرف يوم الارض من الذي يفوز ويربح الجائزة الاولى في فن الشتائم المبتكرة. المنصة في المهرجان الرئيسي سوف تهتز من عنف الخطابات.
وأين الارض؟ إختفت، ذهبت من غير رجعة. أرض سخنين استولت عليها مستوطنات مسغاف، وأرض الناصرة وقراها استولت عليها الناصرة العليا وأرض القدس تغتصب وتدنس يوميا وأرض النقب تسحب من تحت أقدام أصحابها.
لقد كان يوم الارض الاول إستثنائيا، شاذ عن القاعدة. أما باقي ايامنا التي تشكل القاعدة في ايام خنوع وتراجع وأيام خذلان الارض التي تخجل بنا.
خذوا الذكرى وأعيدوا لنا الارض.

Wednesday, March 18, 2009

العودة الى الحرب الباردة


هل تصريحات الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بشأن ضرورة إعادة تسليح الجيش الروسي وتعزيز قدراته النووية والاستراتيجية هي بمثابة إعلان رسمي عن عودة الحرب الباردة في العلاقات الدولية وخصوصا بين الدول العظمى؟ كل المؤشرات تؤكد أن هذا هو الواقع. لم تأت تصريحات الرئيس الروسي باب الصدفة وهي ليست تصريحات، بل جاءت بعد تطورات الوضع السياسي والعسكري على ارض الواقع في السنوات الاخيرة على الاقل. جاءت هذه التصريحات ردا على السياسة التوسعية العنيفة التي يتبعها حلف الناتو لتوسيع نفوذه شرقا حتى وصوله الى تخوم روسيا وكان آخرها محاولة ضم أوكراينا وجورجيا الى هذا الحلف الامر الذي ترى به روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وقد أوضحت روسيا موقفها هذا في الحرب الاخيرة بينها وبين جورجيا. هذا بالاضافة الى قرار حلف ناتو بنشر ما يسمى الدرع الصاروخي في اوروبا الشرقية التي ترى به روسيا ايضا تهديدا لأمنها القومي.
بعد إنهيار الاتحاد السوقياتي، في تسعينات القرن، برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى وحيدة وأخذت تصرح وتمرح في العالم كما يحلو لها، بلا رقيب او محاسب. وبدأت تحشر انفها في كل صغيرة وكبيرة في شتى انحاء العالم وتثير النزاعات والحروبات في كل مكان. قامت بغزو وإحتلال أفغانستان والعراق والتدخل السافر في أفريقيا واسيا والتهديد بشن حروبات جديدة في ايران وسوريا وكوريا والسودان وغيرها من البلدان.
تورط أمريكا وحلفائها جلب عليهما أزمة إقتصادية خانقة لا يدري أحد كيف ستنتهي. غير أن التاريخ الحديث يؤكد أن الطريقة الافضل من وجهة النظر الامبريالية لحل أزماتها الاقتصادية هي شن المزيد من الحروب. دعونا نتذكر أن الركود الاقتصادي العنيف الذي عصف بهذه الدول في ثلاثينيات القرن الماضي قد قاد مباشرة الى الحرب العالمية الثانية التي لم تندمل جراحها بعد.
بالطبع، في هذا الصراع العالمي لا تقف دولة اسرائيل موقف الحياد. على العكس من ذلك تماما، بل هي تشكل في كثير من الاحيان رأس الحربة. من المعروف أن اسرائيل هي عضو غير معلن ولكنه رئيسي في حلف الناتو. وهي تملك ترسانة نووية واسلحة دمار شامل تحسدها عليها جميع الدول العظمى. وإذا ما قسنا حجمها الجغرافي والسكاني نستطيع أن نجزم أن هذه الدولة ليست سوى مخزن حربي كبير. لذلك ليس من باب الصدفة أن يقول حوالي 60% من الاوروبيين في إستطلاع أجرته المفوضية الاوروبية قبل عدة سنوات أن اسرائيل تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. وأن حوالي نصف الشعب الامريكي نفسه (43%) في إستطلاع مماثل يرى ذلك ايضا.
اسرائيل لا تكتفي بشن الحروب وتأجيج الصراعات في الشرق الاوسط، حيث قامت خلال سنتين بشن حربي إبادة في لبنان وفي غزة. ولكنها، على غرار الولايات المتحدة الامريكية ودول حلف الناتو الاخرى تلعب دورا رئيسيا في كافة النزاعات عن طريق تصدير الاسلحة وفي كثير من الحالات بتدخل مباشر عن طريق المخابرات والمستشارين العسكريين كما يحدث الآن في العراق ولبنان والسودان والعديد من دول أمريكا اللاتينية.
أنا شخصيا أتحفظ من وصف "اسرائيل" بأنها تشكل أكبر خطر على السلام العالمي. ذلك لأن إسرائيل لا تلعب منفردة، بل هي لاعب أساسي في فريق كامل. النظام الامبريالي العالمي، الذي تشكل اسرائيل جزء منه، هو الذي يشكل أكبر خطر على السلام العالمي وعلى السلام في منطقتنا.
العديد من الساذجين سياسيا يظن انه على ضوء تشكيل حكومة يمينية متطرفة سيقوم "المجتمع الدولي" وخصوصا أمريكا وأوروبا بزيادة الضغط على اسرائيل وإرغامها على الوصول الى تسوية سلمية مقبولة على الطرفين. العكس من ذلك هو الصحيح: على ضوء الازمة الاقتصادية العالمية وعودة الحرب الباردة سوف تلاقي مثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة المزيد من الدعم من قبل المعسكر الامبريالي المهدد.
السلام الحقيقي الذي تحلم به البشرية لا يمكن أن يتحقق من غير هزيمة وإنهيار هذا المعسكر. الثورة كانت وما زالت هي الطريقة الوحيدة للقضاء على الحروب الرجعية. وهذا ليس مجرد شعار أكل الدهر عليه وشرب، بل حقيقة تلمسه وتحس به الشعوب المضطهدة.

Tuesday, March 10, 2009

نعم، يجب محاكمة عمر البشير وجميع الرؤساء والملوك والامراء العرب


في خطوة غير مسبوقة توحد الشارع العربي بصعيديه الرسمي والشعبي وبمعسكريه المعتدل والممانع وبيساره ويمينه وبأحزابه القومية واليسارية وحركاته الدينية حول الموقف الرافض والمندد بإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة لإعتقال الرئيس السوداني عمر البشير. مثل هذا الموقف الموحد لم نشهده عندما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتدمير العراق وإحتلاله أو عندما شنت اسرائيل مؤخرا حربين إجراميتين الاولى في لبنان والثانية في غزة. وكأن الدفاع عن عمر البشير أهم من الدفاع عن العراق ولبنان وفلسطين. أليست هذه الوحدة مشبوهة؟
سمعنا تبريرات المدافعين عن عمر البشير. ومن هي هذه المحكمة التي يكيل ميزان عدالتها بمكياليين والتي لا تجرؤ على تقديم مجرمي حرب معروفين، من الرئيس الامريكي السابق بوش الى شريكه رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير الى مجرمي الحرب الاسرائيليين، بينما تتطاول على الرئيس"القومي" "الممانع" عمر البشير.
لست هنا بصدد الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية ولا عن مدعيها العام الفاسد لويس مورينو اوكامبو بشكل خاص. إذ أن معظم ما قيل عنهما صحيح. فبالرغم من أن أمريكا وإسرائيل رفضتا التوقيع على قانون روما بخصوص إنشاء المحكمة إلا انهما تمارسان ضغوطا شديدة عليها حتى أصبحت وكأنها أداة طيعة تحت وصايتهما بالرغم من أنها من المفروض أن تكون مستقلة تماما حتى عن الامم المتحدة.
بعيدا عن العواطف الخادعة وبعيدا عن الشعارات الرنانة والديموغاغية، السؤال الذي يجب أن نطرحه على انفسنا: هل يستحق عمر البشير الاعتقال والمحاكمة أم لا؟ والجواب هو بدون تردد: نعم يستحق ذلك ومنذ وقت طويل. بل وأكثر من ذلك: جميع الرؤساء والملوك العرب يستحقون الاعتقال والمحاكمة من غير إستثناء. كنت أفضل بالطبع أن تتم محاكمتهم من قبل شعوبهم أو على الاقل من قبل محكمة دولية نزيهة. ولكن غياب ذلك ألا يكون ذريعة وتبريرا للدفاع عنهم.
عمر البشير متهم بإقتراف جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب وربما جرائم الابادة الجماعية في دارفور. هل ثمة أحد من الملوك والرؤساء العرب غير متهم بمثل هذه الجرائم؟ هل نحن بحاجة الى واحد مثل اوكامبو أو غيره ليذكرنا بذلك؟ جرائم الحرب في السودان لم تبدء فقط في السنة الماضية فلماذا اصدر قرار الاعتقال الآن فقط؟ عمر البشير متواجد على رأس السلطة منذ 20 سنة. بدأها بإنقلاب عسكري على حلفائه ومرؤسيه السابقين. خلال هذه السنوات جلب الجوع والدمار الى السودان الذي يمتلك خيرات تستطيع أن تشبع القارة الافريقية بأكملها. عمل على تقطيع أوصال السودان وأعطى الذريعة للدول الاوروبية الطامعة ولأمريكا واسرائيل أن تتدخل لتأجيج الصراعات القبلية والأثنية والثقافية في جميع أرجاء السودان وخصوصا في الجنوب وفي إقليم دارفور. كل هذا جرى في البداية بدعم ومساندة الدول الاستعمارية التي انقلبت عليه الآن. إذن من أجل وحدة السودان، من أجل إنقاذ السودان يجب محاكمة البشير. وما زال هناك متسع من الوقت لكي يهب الشعب السوداني ويقدمه الى المحاكمة التي سوف تكون أعدل بما لا يقاس من المحكمة الجنائية الدولية.
يحاولون، من خلال ابواق الدعاية الرسمية، ايهامنا بأن الحملة على عمر البشير سببها مواقفه الرافضة للهيمنة الامريكية – الاسرائيلية ودعمه للمقاومة في العراق وفلسطين. هذه كذبة مفضوحة لا تنطلي على أحد. ليكشف لنا عمر البشير عن دوره وعن دور رئيسه "القومي" الاسبق جعفر النميري في هجرة يهود اثيبوبيا الى فلسطين المحتلة عن طريق السودان. ماذا كان ثمن هذه الصفقة؟ ليكشف لنا عمر البشير وحليفه القوي السابق حسن الترابي عن دوره في تسليم المناضل الاممي كارلوس الى فرنسا لكي يقبع مدى الحياة في السجون الامريكية. ليكشف لنا عن مواقفه المناهضة للهيمنة الامريكية- الاسرائيلية وعن دعمه للمقاومة. هؤلاء الرؤساء الذين يبيعون الوطن لكل من يدفع الثمن يتذكرون أن لهم وطن فقط عندما ينقلب حلفاؤهم الاجانب عليهم.
عمر البشير الذي إغتصب السلطة ودمر السودان خلال 20 سنة من الحكم لا يستحق الدفاع عنه. السودان الوطن والسودان الشعب هما اللذان يستحقان الدفاع عنهما، وأول الدفاع هو التخلص من هذا النظام الفاسد.
يظن الملوك والرؤساء العرب انهم يستطيعون إدراة بلدانهم وكأنها مزارع خاصة بهم ويعاملون شعوبهم كالعبيد ويرتمون في أحضان الطامعين الاجانب حيث يتوهمون انهم بذلك يؤمنون الحماية لكراسيهم وعروشهم، فإذا إنقلب هؤلاء الطامعون عليهم أخذوا يصرخون: انقذونا الوطن في خطر.
عودة الى المحكمة الجنائية الدولية. علينا أن نطالب أولا بأن تكون هذه المحكمة نزيهة ومستقلة تضع نصب اعينها العدالة والامانة. لأنه فقط محكمة كهذه تستطيع أن تحاكم مجرمي الحرب الاسرائيليين وغيرهم ممن اقترفوا جرائم ضد الانسانية. فحتى ذلك الحين يجب أن نحافظ على شعلة المقاومة الشعبية ملتهبة.

Wednesday, March 04, 2009

الاعتراف الاخير




عندما كان أحدنا يعتقل لسباب سياسية(او امنية حسب القاموس الاسرائيلي) كانت الطريقة المفضلة عند المحققين لإبتزاز الإعترافات بما فعله أو لم يفعله المعتقلون، هو أن يقسم المحققون انفسهم الى محقق "سيئ" شرير، عنيف، يستعمل القوة والتهديد وإلى محقق "جيد" طيب القلب، رحيم يريد مساعدة المعتقل. فكان المحقق السيء يدخل أولا الى المعتقل ويبادره بمثل هذا الكلام: "انت مخرب؟ تريد أن تحرر فلسطين؟ سوف ترى نجوم الظهر هنا. سوف نحطمك تحطيما وتقضي باقي حياتك وراء القضبان. سوف تندم على اليوم الذي ولدتك امك به". مثل هذه التهديدات التي لا تنتهي ويرافقها في معظم الاحيان بعض الصفعات والركلات والشبح وغيرها من اساليب التعذيب الجسدي.مؤكدا انه لن يتوقف حتى يحصل على إعتراف كامل من المعتقل. ولكن سرعان ما كان المحقق "السيء" يغادر غرفة التحقيق ويدخل المحقق "الجيد" ويبدأ حديثه الناعم على النحو التالي: " ماذا جرى لك هل جننت؟ انت تبدو لي انسان عاقل فلماذا تخرب مستقبلك، انت ارتكبت خطأ ولكن انا استطيع مساعدتك. إعترف بما فعلته وانا سوف اخرجك من هذه الورطة. بعدين يا حبيبي: مائة ام تبكي وأمك لا تبكي" ومثل هذا الكلام المعسول الذي لا ينتهي. المهم في نهاية المطاف الحصول على الاعتراف. غني عن القول انه مع معتقل آخر كان المحققون يتبادلون الادوار.
يبدو أن هذا الاسلوب ليس إختراعا اسرائيليا. فهو موجود عند كافة مخابرات العالم. وهو ليس سوى تطبيق لسياسة العصا والجزرة المعروفة وللمكيافيلية السياسية التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة. فغاية المحقق أن يحصل على إعتراف المعتقل ومن أجل ذلك كل الوسائل متاحة.
المصيبة الحقيقية هو عندما يستعمل هذا الاسلوب المخابراتي ليس ضد معتقل بل ضد شعب بأسره وعندما لا يكون حكرا على محققين هذه هي وظيفتهم في نهاية المطاف بل عندما يشارك العالم أجمع في استعماله.
اليوم، المطروح على الشعب الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل. فهذه الرباعية المكونة من الامم المنحدة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا تضع شرطا مسبقا لكل مساعدة او لكل مفاوضات: الاعتراف بإسرائيل اولا. الدول العربية من خلال مبادرتها السلمية تدعو الى الاعتراف والتطبيع. السلطة الفلسطينية تدعو ما تبقى من مقاومة الى نبذ سلاح المقاومة واللجوء الى الاعتراف.
حرب الابادة التي شنتها اسرائيل مؤخرا على غزة كان هدفها الاول والاخير هو فرض الاعتراف على المقاومة. أي فرض "السلام" الاسرائيلي- الامريكي. ولكنها فشلت في تحقيق غايتها هذه. فلجأت الى مؤتمر شرم الشيخ لإعادة "إعمار غزة" ولكن الغاية الحقيقية كانت انتزاع الاعتراف بوسائل أخرى. أمريكا تعهدت بدفع 900 مليون دولار بشرط الاعتراف بإسرائيل اولا. الاتحاد الاوروبي ودول النفط العربية حذت حذوها. رئيس السلطة الفلسطينية ناشد المقاومة بالاعتراف. حتى وصل ثمن الاعتراف الى حوالي 4 ونصف مليارد دولار. قد يبدو هذا المبلغ للوهلة الاولى خياليا ولكنه لا يتجاوز المساعدات السنوية التي تمنحها الولايات المتحدة لإسرائيل.
ماذا يعني الاعتراف بإسرائيل؟
لم تكتف الدولة العبرية بتشريد الشعب الفلسطيني ونهب ارضه وسلب ممتلكاته ولكنها تطالبه بإن يعترف أن ما قامت به هو من حقها. الاعتراف بإسرائيل يعني أن كل ما قامت به منذ عام النكبة وحتى هذا اليوم هو أمر شرعي. الاعتراف يعني ان كل الحروب التي شنتها اسرائيل هي ضمن حقها في الدفاع عن النفس. الاعتراف يإسرائيل يعني أكثر من ذلك. انه يعني أن المشروع الصهيوني القائم على الأساطير والمبادئ العنصرية هو مشروع شرعي، هو حركة تحرر وطني وليس مشروعا استعماريا بإمتياز. في الوقت نفسه يعني أن نسحب إعترافنا بانفسنا كشعب، أن نسحب إعترافنا بتاريخنا وحضارتنا.
إسرائيل تستطيع أن تقتل وتدمر وتحتل ولكنها تعرف تمام المعرفة أن كل ذلك لا أهمية له إذا لم يتوج بالاعتراف. وللحقيقة نقول، ان اسرائيل إستطاعت أن تحقق انجازات هامة في هذا المجال. ولا أقصد هنا الاعتراف الدولي بها منذ قرار التقسيم. فالاعتراف الدولي لا قيمة له ما دام صاحب القضية لا يعترف. فالصين الوطنية وخلال فترة طويلة نالت إعتراف الامم المتحدة ولكن موقف الصين الشعبية الصامد جعل من هذا الاعتراف أمرا تافها سرعان ما زال. لذلك تركز إسرائيل على انتزاع الاعتراف من أصحاب الشأن: من الشعوب العربية بشكل عام ومن الشعب الفلسطيني بشكل خاص. وقد استطاعات كما قلت ان تخترق الجبهة العربية وتقلب لاءات الخرطوم الشهيرة رأسا على عقب في قمة بيروت. هذه بعض محطات الاعتراف: قرار 242 و 338، اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من دائرة الصراع، اتفاقيات اوسلو، أتفاقيات وادي عربة، مبادرة السلام العربية.
إنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي العربي بعد أن فرضت الاعتراف على دول الجامعة العربية. ولكنها فشلت على الصعيد الشعبي. فالشعوب العربية رفضت وترفض الاعتراف والتطبيع. وإنتصرت اسرائيل على الصعيد الرسمي الفلسطيني بعد أن استحوذت على اعتراف السلطة.
المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة هي القلعة الاخيرة لعدم الاعتراف والتطبيع. لذلك يتحد العالم الرسمي لإسقاطها عن طريق القتل والدمار والحصار إن أمكن أو عن طريق الاموال والرشوات. معركة الاعتراف في غزة هي معركة الشعوب العربية والشعب الفلسطيني الاخيرة. الاعتراف هو الموت واللا إعتراف هو الحياة، ولا خيار أمام الشعوب إلا الحياة.
وأخيرا، لماذا لا نطالب إسرائيل بالاعتراف؟ الا يوجد لديها ما تعترف به؟

Tuesday, February 17, 2009

مصيدة الفئران



يدور الكلام هنا عن تلك الآلة القديمة التي نعرفها جميعا والتي كانت منتشرة خصوصا بالنواحي القروية وتستعمل لصيد الفئران التي كانت تؤرق راحة وحياة الفلاحين. تعمل هذه الآلة على اساس مبدأين يكمل أحدهما الآخر: الاول إجتذاب الفأر بواسطة قطعة من الاكل (قطعة من الخبز او مفضل قطعة من الجبنة التي تحبها الفئران) حتى يتم الايقاع به بالفخ. والثاني ألإطباق على الفأر عندما يسحب القطعة.
لا علاقة لهذه المقالة، لا من قريب ولا من بعيد، بالمسرحية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه والتي كتبتها الكاتبة الانجليزية أجاتا كريستي والتي ما زالت تعرض منذ حوالي 60 عاما على مسارح لندن لتكون أكثر مسرحية عرضا في تاريخ المسرح. ولا أجد داعي أن أطلب العذر من أجاتا كريستي لأني استعملت العنوان نفسه، فحسب رأيي لا يوجد حق لأحد إحتكار هذا الاسم الذي يعتبر جزءا من تراثنا الشعبي. ربما الشيء المشترك بين مسرحية "مصيدة الفئران" لأجاتا كريستي وبين المصيدة التي اتكلم عنها، انها جميعها مسرحية حسب أقوال كاتب انجليزي آخر أكثر شهرة هو وليم شكسبير:" العالم مسرح كبير ومعظم الرجال والنساء عليه مجرد ممثلين". هنا ينتهي وجهة الشبه ويبدأ الخلاف. فمسرحية أجاتا كريستي هي مسرحية خيالية وكل علاقة لها بالواقع هي من باب الصدفة. بينما مسرحيتنا هي واقعية بالرغم من انها تتفوق على الخيال في معظم مشاهدها. ولكن الخلاف الاكبر بين المسرحيتين هو أن جميع أبطال مسرحية اجاتا كريستي مشبوهين بإرتكابهم جريمة القتل وفقط في المشهد الاخير يتم الكشف عن القاتل الحقيقي الذي يكون عادة أقل المشبوهين تورطا. أما في مسرحيتنا فالقاتل معروف سلفا للجميع وهو لا يحاول أن يخفي ذلك. فهو يقترف جرائمه ببث حي ومباشر الى جميع انحاء العالم. إلا أن الجمهور يرفض أن يصدق بأنه القاتل ويعمل المستحيل لتبرئة ساحته وبالمقابل يتهم الضحية، المقتول، بالجريمة. هذا هو الفرق بين المسرح الخيالي المعقول على طريقة أجاتا كريستي والمسرح الواقعي اللامعقول على الطريقة الفلسطينية.
لنعود الى مصيدة فئراننا. وبما انني افضل الكلام المباشر على الرموز، ولمن لم يستنتج بعد ما اقصده ب"مصيدة الفئران" أقول ان المصيدة التي أتحدث عنها هي ما يسمى بالديموقراطية الاسرائيلية وعلى وجهة التحديد الانتخابات للكنيست الصهيوني التي جرت قبل فترة قصيرة. نعم الكنيست هي مصيدة فئران هائلة تستعملها الدولة للإطباق على "الفئران" السائبة المشاغبة التي تزعج راحة وحياة المستوطنين الجدد في هذه البلاد، والتي ما زالت ترفض قبول ما حل بها من نكبة عام 1948 وحتى اليوم. هذه المصيدة الهائلة تعمل حسب القوانين الكلاسيكية لعمل مصائد الفئران المعروفة: الخطوة الاولى، تجذب الفئران وخصوصا الطليعية منها بواسطة قطعة دسمة من الجبنة الفاخرة التي تحتوي على راتب عالي وتمويل سخي ومنصة للخطابات والصراخ والشتائم ضد صيادي الفئران. اما الخطوة الثانية فهي إغلاق جميع المنافذ على أكبر عدد ممكن من الفئران بعد أن يفقدوا هويتهم وحريتهم وإنتمائهم.
بالطبع الامور ليست سهلة الى هذا الحد. فكم سمعنا من أحد الفلاحين أن أحد الفئران الذكية قد غلبه بعد أن سحب الطعم وهرب أو انه فلت من الوقوع بالفخ في اللحظة الاخيرة. ولكن الفلاح العنيد يستطيع في نهاية المطاف الايقاع بأكثر الفئران ذكاء ما دام هذا الفار يرقص أمام المصيدة. وهذا بالضبط ما فعلته الدولة بالكنيست حتى أصبحت مصيدة للفئران الذكية. فقد منحت هذه الفئران حصانة برلمانية وتمويلا سخيا وقالت لهم: تعالوا وطالبوا بحقوق باقي الفئران. إجذبوا أكبر عدد ممكن منها الى داخل المصيدة حتى ترتاح ولا تحمل أي هم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع الفأر مهما بلغ من ذكاء ومن حماس أن يدافع عن باقي الفئران من داخل مصيدة؟
ما زالت الاحزاب العربية تحتفل بإنتصاراتها الوهمية في الانتخابات الاخيرة.تحتفل بحصولها على قطعة كبيرة من الجبنة الشهية. ولكنها لا تدري انها في حقيقة الامر تحتفل بوقوعها بالفخ. وهي ستبقى سعيدة وفرحة ما دامت لا تدرك انها تعيش في مصيدة كبيرة للفئران.
صائد الفئران الاسرائيلي ذكي جدا ويعرف بالضبط ماذا يعمل. فهو في قطاع غزة ليس بحاجة الى مصيدة. حيث يستعمل الاسلحة الفتاكة، الشرعية منها والمحرمة دوليا للقتل ويستعمل أسلحة أخرى للدمار. وفي الضفة الغربية يستعمل الاستيطان والجدران الفاصلة ويعتمد على المتعاونين المحليين. وهنا في الداخل يستعمل "مصيدة الفئران".
تعددت الاساليب والهدف واحد. وهدف المؤسسة الصهيونية أن تسوقنا جميع الى "مصيدة الفئران".




Wednesday, February 04, 2009

الكنيست لن تحمي بقاءنا ولن تبني مستقبلنا



غريب عجيب أمر الاحزاب العربية. لتبرير مشاركتها في الانتخابات قامت بحملة مسعورة على صعدين. الاول: الدفاع عن الكنيست الصهيوني دفاعا يفوق دفاعها عن غزة ويفوق دفاع الاحزاب الصهيونية عنه. والثاني: شن هجوم شرس على المقاطعة والمقاطعين.
لم يبق هناك أحد من زعامة القوائم العربية الثلاث والتي تسمي انفسها مجازا أحزابا عربية إلا وأدلى بدلوه في الدفاع عن الكنيست ومهاجمة المقاطعين. فهذا، على سبيل المثال لا الحصر، عودة بشارات السكرتير السابق للجبهة يقول على الموقع الرسمي للجبهة:" الترانسفير السياسي الذي لم ينجح اليمين بإنزاله بالعرب، يفعله بعض العرب، بشعارات وطنية تطبق الآفاق". ومن الجهة الاخرى يتناغم معه الشيخ ابراهيم صرصور رئيس الحركة الاسلامية الجنوبية ورئيس القائمة الموحدة ويشن هجوما شرسا على المقاطعة ويتهم من يدعو اليها بأنه يخدم موقف ليبرمان المتطرف ويتاجر بدماء غزة ويدعم اليمين الصهيوني المتطرف. وأكثر من ذلك حيث يقوم الشيخ بإتهام البعض بجمع التبرعات لإغاثة أهالي غزة ولكنهم ينفقونها على الدعاية لمقاطعة الانتخابات، وهذا اتهام خطير، بينما يعرف الجميع أن الاحزاب تمول دعايتها من ميزانية الدولة. وأضاف الشيخ أن الكنيست هي منصة لا غنى عنها لإسماع صوتنا والمطالبة بحقوقنا. الجرائد العربية والمواقع الاكترونية تنضح بمثل هذه التصريحات التعيسة التي إن دلت على شيء فإنها تدل على ضحالة وعقم القائمين عليها من جهة وعلى أن تيار المقاطعة هو تيار اصيل ينبع من صميم ضمير شعبنا من جهة أخرى.
لن أنزلق الى مهاترات شخصية، مع انها في بعض الاحيان ضرورية لإيقاف البعض عند حدهم. ولكننا في تيار المقاطعة المبدئية لإنتخابات الكنيست نقول لكل من يحب أن يسمع، كما قال جبران خليل جبران: نحب المريض ولكننا نكره المرض. ووبساطة نقولها أن الكنيست الصهيوني مرض، مرض مزمن وخطير، وأن الاحزاب العربية تنقل هذا المرض الى جماهير شعبنا. الطامة الكبرى عندما يكابر المريض ولا يعترف بمرضه.
الكنيست الصهيوني ليست منبرا للخطابات ومكانا للتعبير عن الرأي كما يدعي الشيخ ابراهيم صرصور وغيره من السياسيين. وهذا ما يعرفه كل طالب المتوسط في المرحلة الاعدادية. الكنيست هي أولا وقبل كل شيء أداة حكم، هي سلطة، وفي الدولة الحديثة على الطريقة الغربية الراسمالية، كما هو الوضع في هذه الدولة، هي أهم سلطة. وهي ليست سلطة وهمية كما في العديد من الدول النامية يعينها الملك متى يشاء ويلغيها متى يشاء. الكنيست كانت منذ يومها الاول وحتى هذا اليوم اداة السلطة التي استعملتها الحركة الصهيونية لصنع نكبة شعبنا عام 1948 وتشريده ونهب أراضيه، وهي الأداة الاولى في الجرائم التي لم تتوقف منذ ذلك الحين. تحميل مسؤولية هذه الجرائم المستمرة للحكومات المتعاقبة فقط وتبرئة الكنيست منها يدل على أحد أمرين إما غباء سياسي مطبق وإما أعلى درجات النفاق وإما على كلا الامرين معا.
الاحزاب العربية التي تتهمنا نحن المقاطعين بخدمة اليمين الصهيوني المتطرف تنسى او تتناسى انها ترقص مع هذا اليمين المتطرف في أروقة الكنيست وتنام بعد ذلك في أحضانه. إذن من يخدم من؟ من يبحث عن منصة للخطابات وللصراخ ليذهب ويشتغل رقاصة كما يقول اخوتنا المصريين فهناك سوف يجد منصة عامرة تجذب اليها الانتباه والابصار. أما إذا دخلت الكنيست، شئت ذلك أم ابيت فإنك تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية عما تقترفه هذه المؤسسة من جرائم.
قد يقول البعض، ولكن الاحزاب العربية تدخل الى الكنيست لكي تعارض السياسة الرسمية، لكي تدافع وتطالب بحقوقنا. هنا تكمن أخطر قوانين اللعبة. كيف تصبح أداة قمع غير شرعية شيئا جميلا ومقبولا في أعين العالم أجمع؟ بسيطة، بأن تقبل في داخلها بعض المعدودين على الضحية وتمنحهم هامشا من التحرك وتدعو العالم للفرجة عليهم. فهم في خطاباتهم مثل النمور ولكنها نمور من ورق او مثل الاسود ولكنها اسود سيرك وادعة.
أكثر ما يضحكني، وبعض الضحك ما يبكي، هو دعوة الاحزاب العربية بتكنيس الاحزاب الصهيونية من وسطنا العربي. هل يمكن أن تكون عضوا في أهم مؤسسة صهيونية وتقسم يمين الولاء للدولة كما تعرفها هذه المؤسسة وتطلق على نفسك حزب غير صهيوني أو حتى حزب معادي للصهيونية؟ من هو الصهيوني؟
الجواب على هذا السؤال أتركه لكل فلسطيني ليجيب عليه قبل أن يتوجه الى صندوق الانتخابات.

Tuesday, January 27, 2009

الانتخابات للكنيست الصهيوني؟ لأ شكرا



تعرفون حكاية الشيخ الذي كان يعرج بشكل دائم على دار للدعارة فسألوه: الى أين يا شيخ؟ فأجابهم للصلاة. فقالوا له: ما نعرفه أن من يريد الصلاةيذهب الى المسجد وليس الى دار للدعارة. هذه هي حكايتنان بل هذه هي مصيبتنا، بإختصار مع المناضلين الاشاوس من الاحزاب العربية المتهافتة هذه الايام على إنتخابات الكنيست . تسأل أحدهم: الى أين يا أخ؟ الى أين يا رفيق؟ فيجيبك بكل فخر وإعتزاز: الى الكنيست. وماذا تفعل في الكنيست؟ أناضل ضد التمييز العنصري ومن أجل المساواة واطالب بالحقوق المشروعة لجماهير شعبنا، أنا في الكنيست من أجل خدمة هذا الشعب المظلوم.
بعد المجازر التي إقترفتها الدولة الصهيونية في غزة والتي تشيب من هولها الصبيان، وبعد أن شاهدنا الدم المسفوك بالالوان الطبيعية وببث مباشر على الشاشة التي أمامنا، ندعو أصحاب الضمائر الحية من جماهير شعبنا أن يقفوا للحظة واحدة أمام ضمائرهم ويحاولوا الاجابة عن هذا السؤال: هل حقا الكنيست الصهيوني مكان للنضال والمطالبة بالحقوق أم هو وكر للدعارة السياسية حيث تطبخ به المجازر التي لا تتوقف ضد شعبنا؟
لنبدأ من النهاية. اليس الثالوث المجرم الذين قادوا مجازر غزة ونفذوها، أولمرت وبراك وليفني هم أعضاء في الكنيست ؟ وهم الذين يقودون هذه المؤسسة العنصرية؟ ألم يكن جميع من ارتكبوا المجازر في هذه الدولة في حق شعبنا من بن غوريون الى موشه ديان الى غولدا مئير الى بيغن وشامير ورابين وبيرس وشارون ونتنياهو وغيرهم الكثيرون أعضاء في الكنيست؟
يوجد هناك من يعيدنا الى كتابات جان جاك روسو ومونتسكيو ويلفت انتباهنا الى نظرية الفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في الدولة "الديموقراطية" الحديثة. ويقول: الحكومة هي التي تنفذ الجرائم وهي المسؤولة عنها والكنيست هي المؤسسة الوحيدة التي تستطيع لجمها. هذا المنطق الهزيل المريض يتهاوى أمام الواقع الذي يؤكد العكس تماما: الكنيست هي التي فوضت هذه الحكومة كما فوضت الحكومات السابقة بتنفيذ هذه الجرائم. الفصل بين السلطات وخصوصا في دولة اسرائيل ليس سوى وهم لم يعد يصدقه حتى طلاب المدارس الابتدائية في دروس المدنيات. ما كان قبل 250 سنة يسمى فصلا بين السلطات ليس اليوم أكثر من تقسيم أدوار، من تعاون وتنسيق بين هذه السلطات لإنجاح النظام ككل. البرلمان يسن القوانين والحكومة تنفذها والمحكمة تحاكم من يخرقها وهكذا تبقى الدائرة مغلقة. هذا هو جوهر الديموقراطية الغربية التي تبنت إسرائيل أقبح وابشع اشكالها. والتي وصفها كارل ماركس منذ زمن طويل:" الدولة الديموقراطية الرأسمالية تمنح الجماهير المسحوقة الحق في أن تختار من يقمعها كل اربع او خمس سنوات". هذا الكلام كان وصفا للدول الديموقراطية الراسمالية التي تطورت بشكل طبيعي من خلال الصراع الطبقي فما بالكم بدولة مصطنعة زرعت على هذه الارض بالقوة بعد إغتصابها وتهجير أهلها؟
لنعود الى البرلمان الاسرائيلي، الكنيست، حتى الاسم ينضح بالتمييز والتزييف ولا تربطه أية صلة بثقافتنا او حضارتنا، وهو مأخوذ من الاساطير المؤسسة لهذه الدولة ابتداء من الكنيست الكبيرة بعد السبي المزعوم، مرورا بالمؤتمر الصهيوني الاول في بازل عام 1897 وحتى الجمعية التأسيسية والكنيست الحديثة التي أعلن من على منصتها قيام دولة اسرائيل عام 1948.
منذ إعلان ما يسمى بوثيقة "الاستقلال" التي تنفي وجودنا في هذه البلاد نفيا مطلقا وحتى اليوم، قامت الكنيست بسن مئات القوانين المجحفة بحق شعبنا وتجريدنا من ابسط حقوقنا الطبيعية واولها حقنا بالحياة على أرضنا. فقد سنت الكنيست القوانين التي تخلد نفينا في المهاجر وبالمقابل سنت "قانون العودة" الذي يمنح اليهودي الذي لا تربطه اية صلة بالبلاد الحق بأن يستوطن في أي مكان يريد على وطننا. وسنت عشرات القوانين لشرعنة نهب اراضينا وبيوتنا وممتلكاتنا. بالاضافة الى ذلكن تمنح الكنيست الحكومة ثقتها بعد أن توافق على خطوطها السياسية العريضة وتراقب عملها من خلال اللجان البرلمانية. وهذا يدل على أن الكنيست هي التي تجسد الطبيعة العنصرية للدولة وتتحمل المسؤولية الاولى عن نكبتنا، أضعاف ما تتحمله الحكومات المتتالية. أهمية البرلمان في كل نظام تفوق أهمية اية حكومة. فالحكومات تقوم وتسقط وتتغير بينما البرلمان هو الذي يمنح النظام استمراريته. لذلك فإن دخول النواب العرب للكنيست بحجة محاربة سياسة الحكومة هو إفتراء وفي احسن الحالات هو غباء سياسي. وهم كمن يرتكب الكبائر بدون حرج ويأنف عن ارتكاب الصغائر.
بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب قائمتين عربيتين ومن ثم قرار المحكمة بشطب قرار الشطب، اتضح مدى زيف وعبثية هذه اللعبة وقوانينها التي تراوح بين عنصرية النظام وبين قدرته على الخداع. لكي تمر كذبة الديموقراطية محليا وعالميا، يكون النظام بحاجة الى معارضة. في إسرائيل يتم إستخدام النواب العرب كورقة لستر عورات النظام والتغطية على جرائمه التي يقترفها. الاحزاب الصهيونية ليست بحاجة ماسة الى نواب عرب في صفوفها وليس من باب الصدفة وجود نائب عربي واحد في الاحزاب الصهيونية المركزية ويستعمل عادة للزينة لا أكثر ولا اقل. ولكن هذه الاحزاب بحاجة الى 10 أعضاء كنيست عرب على الاقل، يشتمون ويصرخون ويعارضون لكي يستطيعوا بعد ذلك الخروج الى العالم حتى بعد المجازر التي ارتكبت مؤخرا في غزة ويقولوا: هذه هي الديمقراطية الاسرائيلية، للنواب العرب الحرية في شتمنا في عقر دارنا.
بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب القائمتين العربيتين لوح حزب التجمع الوطني الديموقراطي باللجوء الى "بدائل سياسية وشعبية لا ترتاح لها الدولة" على حد تعبير السكرتير العام عوض عبدالفتاح. أما رئيس القائمة النائب جمال زحالقة فقد صرح:" لا يصنعون لنا معروفا بل عليهم أن شكروننا على خيارنا بالمشاركة بالانتخاابات البرلمانية، وفي حالة شطب التجمع ستجري مقاطعة جماهيرية للإنتخابات". هذه التصريحات تذكرنا بما قاله القائد التاريخي لهذا الحزب، عزمي بشارة بعد أن نفى نفسه، بإن النضال البرلماني قد استنفذ نفسه ويوجد أمام حزبه خيارات أخرى.
ولكن الشعارات شيء والسياسة العملية شيء آخر. فسرعان ما هرول الحزب الى المحكمة الاسرائيلية ليقدم استئنافا على قرار الشطب، وهناك نفى زعامة الحزب التهم الموجهة ضدهم واعلنوا مرة أخرى اعترافهم والتزامهم بالدولة العبرية كتجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره. وأكبر دليل على مصداقيتهم أنهم في حالة دخولهم للكنيست سوف يقسمون يمين الولاء للدولة تماما مثل النواب الصهاينة الذين طالبوا بشطبهم.
وعند خروج المشطوبين "منتصرين" من قاعة المحكمة صرح بعضهم قائلا: والان بعد أن حققنا النصر على ليبرمان الترانسفيري علينا أن نحقق النصر على الذين يريدون لنا الترانسفير السياسي من الداخل والذين ينادون بمقاطعة الانتخابات. حتى أن بعض الاصوات لم تخجل من القول: أن المقاطعين لإنتخابات الكنيست أشد خطرا من ليبرمان نفسه وكرروا الفرية المجوجة أن المقاطعة هي دعم للأحزاب الصهيونية.
هذا في الوقت الذي كان محمد كناعنة، الامين العام لحركة أبناء البلد التي تقود حركة المقاطعة يصرح:" اننا في حركة أبناء البلد نشجب ونستنكر قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب قائمتي الموحدة والتجمع ونعتبرها ملاحقة عنصرية فاشية ومحاولة لضرب القوى السياسية الفاعلة والحية، بالرغم من مقاطعتنا للإنتخابات ننظر بخطورة لهذا الاسلوب".
وانا هنا اوجه اللوم الى الرفيق محمد كناعنة، ولو كنت مكانه لقلت:" هذه هي المؤسسة التي راهنتم عليها 60 عاما تلفظكم من داخلها، تدوس على كرامتكم وتعاملكم كما تعامل المومس وضربتم بعرض الحائط كل ما قلناه عنها. تستحقون ما فعلوه بكم، من غير شماتة لعلكم تستخلصون العبر. ولكن من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام..
نعم، الكنيست ليست مكانا للنضال الوطني الشريف كما أن دار الدعارة ليست مكانا للصلاة. وكما قال أمير البيان، شكيب ارسلان:" يفكر الوطني بالاجيال القادمة اما السياسي فيفكر بالانتخابات القادمة". من أجل فلسطين، من أجل العودة ومن أجل الاجيال القادمة نناشد جماهيرنا الفلسطينية أن تقاطع انتخابات الكنيست، أن تنزع الشرعية عن هذه المؤسسة اللاشرعية حسب كافة القيم والمقاييس الاخلاقية. هذه المؤسسة ملطخة بدماء اطفال غزة تماما كالحكومة والجيش، بل هي التي تتحمل المسؤولية الاولى.
لا يكفي ان نهتف بالشعارات الرنانة ونقول نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، واننا شعب واحد مهما تشتتنا وتمزقنا. كيف نقبل بهذا الفتات وباقي شعبنا محروم من أبسط حقوقه؟ لماذا نناشد أهالي القدس بمقاطعة الانتخابات ولا نطبق ذلك على انفسنا؟ هل لأننا، بعيدا عن الشعارات، نعترف بواقع الاحتلال ونرى أن مصيرنا مرتبط باسرائيل وليس بمستقبل شعبنا؟ ألم تكن أحد اسباب رفضنا لاتفاقيات أوسلو هو شطبنا من معادلة حل القضية الفلسطينية؟ ولأن هذه الاتفاقيات تعاملت مع شعبنا كأجزاء مبتورة؟
الدعوة الى مقاطعة انتخابات الكنيست لا تعني بأي حال من الاحوال التقوقع في البيوت ولا تعني صم الآذان وإغماض العيون عن آلام شعبنا وعن النضال من أجل تحقيق مطالبه العادلة. بل على العكس من ذلك تماما: مقاطعة الانتخابات للكنيست الصهيوني تعني قيادة النضال في مساره الصحيح، تعني ما لمح اليه البعض حينما وقف للحظة امام خطر الشطب: اللجوء الى "بدائل سياسية شعبية". تعني بناء مؤسساتنا الوطنية التي توحدنا كشعب ولا تفرقنا. تعني الحفاظ على هويتنا الوطنية ورفض الاسرلة مهما كانت التبريرات والتسويغات. التهافت على انتخابات الكنيست هي عملية تطبيع واسرلة الى ابعد الحدود ولن تفيد كل الفلذكات الكلامية طمس هذه الحقيقة. ليكن شعارنا الوطني الصادق: هذا هو وطننا الذي لا وطن لنا سواه ولكن هذه الدولة ليست دولتنا.

Wednesday, January 21, 2009

شكرا جيش الدفاع الاسرائيلي




عاد جنودنا الابطال الى الديار بعد أن لقنوا العدو درسا لن ينسوه ابدا. عاد جنودنا ظافرين بعد أن شنوا حربا دفاعية على قطاع غزة، حربا هي من كثر الحروب عدالة وانسانية. في هذه الحرب قتل جنودنا الابطال من الجو والبحر والبر خلال 3 أسابيع أكثر من 1300 شخص منهم أكثر من 400 طفل واكثر من 100 إمرأة وجرحوا حوالي 6 آلاف شخص نصفهم من الاطفال والنساء. لولا القيم الاخلاقية العالية التي يتحلى بها جيشنا ولولا طهارة سلاحه وحساسيته المفرطة للجانب الانساني لقتل وجرح أعدادا أكبر بما لا يقاس. هذا بالاضافة الى تدمير قسم كبير من البنى التحتية حيث دمرنا اكثر من 20 الف منزل، 4 آلاف هدمناها بشكل كامل، اي سويناها مع الارض. منها المدارس والمساجد التي تحولت الى أوكار تعج بالمخربين.
هذا هو مصير كارهي إسرائيل، ليمح الرب اسمهم. لقد وصانا رب إسرائيل وهو يقف معنا دوما منذ أيام يهوشع بن نون أن نبيد أعدائنا عن بكرة ابيهم. ألم يأمرنا بقتل الاطفال والشيوخ والنساء وحتى الشجر والغنم والحمير عندما حررنا اريحا وباقي المدن التي وعدنا بها الرب ؟ كل من يخالفنا دمه في رأسه وعليه أن يدفع الثمن يحياته. فقط من يتعامل معنا ويخون وطنه وشعبه يستطيع أن يعيش بجوارنا. كما فعلت راحاب الزانية في ذلك الوقت، الم نحميها هي وعائلتها لأنها ساعدت جواسيسنا؟ واليوم الا نحمي ونحافظ على سلامة محمود عباس وسلطته وعلى كافة الانظمة العربية المعتدلة التي تخدمنا؟.
قد يقول البعض من أصحاب النفوس الجميلة من الاغيار او حتى من بيننا: إن قتل الاطفال هو عمل غير إنساني تحرمه القوانين الدولية. أولا من يقول أن هؤلاء الاطفال معدودين من البشر؟ انهم مجرد مخلوقات تدب على قدمين كما وصفهم مناحم بيغين، بل هم صراصير دائخة داخل قنينة كما وصفهم آخر. ثانيا، وهو الاهم، هؤلاء الاطفال سوف يكبرون وسوف يحاربوننا، الا نحارب اليوم أطفال الانتفاضة الاولى؟ فمن واجبنا إذن أن نقدم العلاج على الضربة وأن نقتل في الصباح من يريد قتلنا في المساء، اليست هذه تعاليم رب اسرائيل التي تنص عليها كتبنا المقدسة؟
ولماذا نقتل النساء الفلسطينيات؟ ألسن هن الامهات اللاتي ينجبن هؤلاء الارهابيين المخربين الصغار؟ وهن اللاتي يربينهم على كراهيتنا ويرسلنهم لمحاربتنا؟
طبعا، لكي يسكت الاغيار عنا، ويغضوا الطرف عن المجازر العادلة التي نقوم بها، خصوصا وأن معظم هؤلاء الاغيار يقدمون لنا الدعم، يجب أن نستمر في دعايتنا التي تقول: اننا نقتل الاطفال والشوخ والنساء من أجل مصلحتهم، لكي نخلصهم من المخربين الذين يستعملونهم كدروع بشرية، لكي يتمردوا عليهم ويساعدوننا على التخلص منهم، ونحن نتعهد، كما تعهدنا لراحاب الزانية أن ندعهم يعيشون بسلام بجوارنا وأن يخدموننا كما كانوا يفعلون في السابق.
عاد الابناء الى الديار بعد أن إستحموا بدماء الفلسطينيين ردا على الارهابين الملطخة ايديهم بدماء الشعب اليهودي. طبعا لا يوجد هناك مجال للمقارنة بين دم ابنائنا ودم ابنائهم. وكما قال شاعرنا القومي حاييم نحمان بيالك:" الانتقام لدم طفل يهودي لم يخلقه الشيطان بعد" أما دماء الاطفال الفلسطينيين فهي رخيصة حتى في أعين ذويهم لذلك يبعثونهم للموت. إننا شعب الكتاب، شعب الله المختار، لذلك نستعمل في حروينا آخر ما توصل له العلم، فإذا اردنا ان نصفي أحد زعامتهم نلقي عليه قنبلة وزنها طن تقضي عليه وعلى عائلته وعلى كل من يتواجد بقربه، ونستعمل الاسلحة المحرمة دوليا والتي نصنعها بأنفسنا لكي نجرب نجاعتها. هذا بالاضافة الى الطائرات الحربية من آخر طراز والدبابات والغواصات أما هم، بصفتهم شعب بدائي متخلف يستعملون بدورهم اسلحة بدائية متخلفة تسبب بعض الثقوب في الجدران وفي الساحات المفتوحة ولكنها تسبب الرعب والهلع لمواطنيننا.
حربنا حرب دفاعية عادلة، بدأت في عام 1948 حيث طردنا أعدائنا من بيوتهم واراضيم وهدمنا قراهم، ومن ثم لاحقناهم الى مخيماتهم وقتلنا منهم الكثيرين، فرضنا عليهم الحصار برا وبحرا وجوا، منعنا عنهم الاكل والدواء، جعلنا من القطاع سجنا كبيرا، وأخيرا شن جيشنا الذي يعتبر رابع أكبر جيش في العالم حرب غبادة ضدهم، ولكنهم لا يستسلمون ويصرون على العودة لبيوتهم المهدمة. أي نوع من البشر هؤلاء؟.
مرة أخرى شكرا جيش الدفاع الاسرائيلي.

Tuesday, January 13, 2009

مقاطعة انتخابات الكنيست موقف وطني وواجب أخلاقي



على ضوء المجازر التي ترتكبها المؤسسة الاسرائيلية في غزة والجرائم ضد الانسانية التي تقترفها، فإن مقاطعة إنتخابات الكنيست القادمة تختلف عن مقاطعتها في المرات السابقة. في الماضي كان الكلام عن المقاطعة عبارة عن إجتهادات نظرية حتى عندما كانت تتناول قضايا مبدئية. وكانت نسبة كبيرة من المقاطعين تتبنى موقف المقاطعة لأسباب سياسية أو شخصية آنية كفقدان الامل من التوصل الى مساواة حقيقية من خلال النضال البرلماني أو لخيبة املهم من النواب العرب والاحزاب التي ارسلتهم الى الكنيست. هذه المرة الامر يختلف تماما. النظريات التي كان معظمها في أعين الناخبين مجرد شعارات خاوية من أي محتوى عملي أو في أحسن تعريف، تنطلق من ابراج عاجية منفصلة عن هموم الجماهير، أصبحت اليوم شيئا ملموسا يصل الى كل مواطن من خلال الصور التي تكاد لا تصدق الآتية من غزة.
علاقة الحرب على غزة، وخصوصا من خلال توقيتها وشراستها، بإنتخابات الكنيست القادمة لم يعد ينكرها أحد. لقد أصبح كل صوت في هذه الانتخابات ملطخا بدماء أطفال ونساء وشيوخ ومناضلي غزة. عين تحصي القتل والدمار في غزة وعين على االاستطلاعات الانتخابية.
لم يعد يالامكان التهرب من هذا الواقع. إذا كانت الحرب هي سياسة ولكن بوسائل أخرى فإن السياسة هي أيضا حرب لكن بوسائل أخرى. وعلى الجماهير العربية في هذه البلاد أن تحدد موقفها ليس من الحرب التي افرزتها السياسة الاسرائيلية وحسب بل ومن السياسة التي سوف تعقب هذه الحرب أيضا.
تدعي إسرائيل انها دولة "يهودية ديموقراطية". حسنا جدا، لنسلم جدلا بهذا التعريف. وعلى غرار الدول الديموقراطية الغربية فإن لهذه الدولة مؤسسات تتمركز في سلطات ثلاثة، منفصلة ظاهريا عن بعضها البعض ولكنها في حقيقة الامر تكمل بعضها وتقوم كل سلطة بدورها. وتكون محصلة هذا التقاسم وهذا التعاون والانسجام بالادوار هي الدولة ككل: 1) السلطة التشريعية، (البرلمان) الذي يسمى هنا الكنيست. 2) السلطة التنفيذية وهي الحكومة. 3) السلطة القضائية وهي المحاكم المختلفة.
تدعي الاحزاب العربية التي تشارك في الانتخابات أن وجودها في الكنيست ضروري من أجل محاربة سياسة التمييز والحرب التي تقوم بها السلطة التنفيذية (الحكومة). هذا الادعاء كاذب جملة وتفصيلا: أولا، معظم أعضاء الحكومة هم في الوقت نفسه أعضاء في الكنيست. ورئيس الحكومة هو عادة رئيس الحزب الذي يمتلك أكبر عدد من من نواب الكنيست. ثانيا، الحكومة لا تباشر بأعمالها الا بعد أن تنال الثقة من الكنيست. ثالثا، الكنيست هي التي توافق على الحكومة وعلى خطوطها الاساسية وهي الوحيدة التي تستطيع اسقاطها من خلال نزع الثقة عنها. رابعا، الكنيست تراقب عمل الحكومة من خلال لجانها المختلفة والتي تضم نوابا عربا. خامسا، أصلا صلاحيات الحكومة محددة بالقوانين التي تسنها الكنيست. من هنا نستنتج أن السلطة التشريعية (البرلمان) (الكنيست) تفوق من حيث اهميتها للنظام على السلطة التنفيذية (الحكومة).
إذن، ايتها الاحزاب العربية، اين الفصل بين الكنيست والحكومة؟ وكيف يمكن أن تكون حقا ضد الحكومة وفي الوقت نفسه عضوا في الكنيست؟ من يقول ذلك فهو يخدع نفسه ويخدع الجماهير.
اسرائيل، برؤوسها الثلاث، هي دولة كولونيالية عنصرية تحتل كامل فلسطين. هكذا كانت عند قيامها عام 1948 وهكذا هي اليوم. انها مخلصة لطبيعتها تمام الاخلاص، لم ولن تتغير. فهي لا تستطيع أن تخرج من جلدها. من هدم 530 قرية وطرد 750 مواطن آمن عام 1948 فما الغرابة في أن يدمر غزة عن بكرة ابيها ويقتل ألف ويجرح 5 آلاف؟
الاحزاب العربية التي تمنح هذا الكيان الشرعية من خلال التهافت على الكنيست وتدعي انها تعمل ذلك لمحاربة التمييز، مثلها كمن يرتكب الكبائر ويحرم الصغائر.
لكي تمر كذبة الدولة "اليهودية الديموقراطية" على سكان هذه البلاد وعلى العالم اجمع ترحب المؤسسة الاسرائيلية بوجود "نواب" عرب في الكنيست. ففي نهاية المطاف الديموقراطية تعني وجود معارضين في مؤسسات الدولة. الدور المحدد للنواب العرب هو تجميل صورة هذه الديموقراطية الزائفة. وهذا الدور في هذه الايام لا يقدر بثمن. بينما تقترف الدولة جرائم تستفز الضمائر الحية في شتى انحاء العالم، فما احوجها الى نواب معدودين على الشعب الضحية لكي يسوقوا مثل هذه الديموقراطية.
لقد قامت قائمة الاحزاب العربية التي شطبتها لجنة الانتخابات المركزية ولم تقعد. فهذا النائب واصل طه يصرح:" أن قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب الاحزاب العربية يفضح الوجه البشع للديموقراطية المزيفة". المجازر التي ترتكب في غزة ألم تكن كافية لفضح الوجه البشع للديموقراطية المزيفة؟
وهذه اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات تصرح:" قرار اللجنة المركزية للإنتخابات بشطب القائمتين هو قرار سياسي عنصري، يأتي ضمن منهج الملاحقات السياسية ونزع الشرعية القانونية والسياسية والمساعي لفك ارتباط جماهير شعبنا وحركاتها السياسية بوطنها وشعبها وبالقضية الفلسطينية.." هل وجودنا في الكنيست هو ضمان ارتباطنا بشعبنا ووطننا وقضيتنا؟؟ يا عيب الشوم. وهذا جمال زحالقة يقول:" في حالة شطب التجمع ستجري مقاطعة جماهيرية للإنتخابات، فهم لا يصنعون معنا معروفا بل عليهم أن يشكروننا على خيارنا بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية". المقاطعة الجماهيرية آتية سواء شطب التجمع أم لم يشطب ومن الافضل أن تغير خيارك وتلحق حالك.
هذا هو غيض من فيض من تصريحات قيادة الاحزاب المهددة بالشطب.
ولكن أخشى أن تكون هذه مرة أخرى مجرد مناورة ذكية. لجنة الانتخابات تشطب والمحكمة العليا تثبت. ويتم ضرب عصفورين بحجر. فمن ناحية تستطيع المؤسسة أن "تبرهن" للعالم أجمع على ديموقراطيتها وتحول الانظار عن جرائمها في غزة، وفي الوقت نفسه تستطيع الاحزاب العربية بعد سحب الشطب أن تستغلها في الدعاية الانتخابية.
الكنيست مكان ملطخ بدماء أهلنا في غزة. لن نمنح الشرعية لهذه المؤسسة العنصرية.

Wednesday, January 07, 2009

المقاومة في غزة أعادتنا الى الجذور



حرب غزة الاخيرة أعادت الصراع العربي الصهيوني الى جذوره. الصراع هو صراع على الوجود وليس على الحدود. هو صراع بين امة، حتى وإن كانت ممزقة تعاني من التخلف في مجالات عديدة، ولكن جذورها تضرب في أعماق التاريخ، هي الامة العربية وبين حركة كولونيالية مدعومة من النظام الامبريالي العالمي، كونت لنفسها كيانا عسكريا يسمى دولة اسرائيل إغتصبت لنفسها جزءا عزيزا من وطن هذه الامة.
السؤال المطروح اليوم على الامة العربية من المحيط الى الخليج بل وعلى العالم بإسره هو: ما هو مدى شرعية هذا الكيان؟
إن منح هذا الكيان شرعية يعني الاعتراف بجميع المجازر التي إقترفها منذ عام النكبة 1948 وحتى اليوم. منذ مجزرة دير ياسين الى مجزرة مدرسة الانروا في غزة مرورا بالمجازر الاخرى التي تكاد لا تعد ولا تحصى، حتى يمكن تلخيص تاريخ هذا الكيان بتاريخ المجازر التي إرتكبها. هذا بالاضافة الى سياسة الابادة الاثنية (جينوسايد) التي يتبناها وينفذها، وليس سياسة "التطهير العرقي" (ethnic cleansing) المستعملة حاليا. ما يجري في غزة اليوم هو تصفية جسدية لمجموعة بشرية. ولن تغير جميع الإدانات والاستنكارات مهما تعالت من هذه الحقيقة شيئا.
على الدول العربية أن تسحب مبادرتها المخزية التي تمنح هذا الكيان الشرعية والسلام والعلاقات الطبيعية. وعلى المنظمات الفلسطينية بكافة اديولوجياتها أن تسحب إعترافها بهذا الكيان من خلال الغاء اتفاقيات اوسلو وكل ما نتج عنها من إفرازات، وعلى حماهيرنا الفلسطينية في الداخل أن تنزع الشرعية عن هذا الكيان من خلال مقاطعة الانتخابات المقبلة للكنيست الصهيوني. وعلى المجتمع الدولي أن يراجع قرارته التي منحت هذا الكيان الشرعية منذ وعد بلفور مرورا بصك الانتداب وحتى قرار التقسيم وما أعقبه من نتائج على ارض الواقع.
ينقسم العالم اليوم الى معسكرين كبيرين: المعسكر الداعم لمقاومة جماهير غزة ويضم الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وشعوب العالم اجمع والتي تعبر عنه بالمظاهرات الشعبية تنتشر في كل بقاع العالم. والمعسكر الداعم للطغمة الفاشية الاسرائيلية والذي يضم نادي الانظمة الرجعية من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي الى الانظمة العربية والتي تتحكم بما يسمى الشرعية الدولية.
وبذلك أعادت حرب غزة الصراع العالمي الى مساره التاريخي الصحيح: الصراع بين النظام الامبريالي العالمي الذي تقوده العولمة الامريكية وشعوب العالم التي ترزح تحت الهيمنة الامبريالية. وأعادت المصداقية لشعارات ظن الجميع أنها توارت عن الانظار وأصبحت في ذمة التاريخ وعلى رأسها شعار الثورة العالمية كطريق وحيد لحل هذا الصراع وإنقاذ المجتمع البشري من الدمار الذي تجره نحوه العولمة الامريكية.
ونعود الى ساحتنا المحلية: إن المظاهرة الجبارة التي شهدتها مدينة سخنين في الاسبوع الماضي والمظاهرات المحلية المتواصلة في كل مدينة وقرية وفي الجامعات تبرهن بما لا يترك مجالا للشك أن الجماهير تقف الى جانب المقاومة في غزة. ولكن هذه النشاطات ابرزت مرة أخرى الفجوة العميقة بين الجماهير الشعبية والقيادة. وأعادت العلاقات الجدلية المركبة بين هذين الطرفيين الى واجهة النقاش. فالقيادة متسترة وراء "الحكمة والمسؤولية" تعمل ما تستطيعه للجم التحرك الشعبي لكي لا يخرج من تحت رقابتها وإشرافها وهي من أجل ذلك تدفع ضريبة كلامية من خلال التنديد والاستنكار والمشاركة في نشاطات محدودة ومراقبة. هذه الجدلية بين القيادة والجماهير لا تحل الا من خلال تطور النضال ومن خلال التعبئة والتوعية.
مثال على هذه الاشكالية هو الرد المتشنج الذي عبر عنه محمد بركة وبعض اقطاب لجنة المتابعة التي تعتبر نفسها المرجعية الوطنية والسياسية للجماهير الفلسطينية في الداخل على تصريحات القيادي في حركة حماس اسامة حمدان الذي حييا جماهيرنا على مواقفها وطالب بالمزيد من النشاطات :"لإرباك العدو وزلزلة بيته من الداخل" وهي دعوة طبيعية ومتوازنة، فهو لم يطلب من جماهيرنا حمل السلاح دفاعا عن غزة فنحن لا نملك السلاح ومن يملكه مننا يضعه في خدم الجيش الاسرائيلي والشرطة الاسرائيلية، وهو يعرف بالضبط اوضاعنا ومقدراتنا. يمكن إرباك العدو وزعزعة اركان بيته من الداخل بالمزيد من المظاهرات والإضرابات العامة والاعتصامات السلمية والعصيان المدني بكافة اشكاله وهي نشاطات تشرعها كافة القوانين الدولية. ولم يكن من باب الصدفة أن يظهر محمد بركة على قناة العربية التي تعتبر منبرا لما يسمى بمعسكر الاعتدال. وبوقاحة يتوجه بركة الى حمدان طالبا منه أن "يحتفظ بنصائحه لنفسه"، مختبئا وراء شعارات مزيفة حول عدم "التدخل بأولوياتنا" وحول " الخصوصية الجغرافية والسياسية والمدنية" وحكمة وشجاعة لجنة المتابعة.. تصريحات محمد بركة تناغمت مع تصريحات الطيب عبد الرحيم أحد أركان التطبيع الفلسطيني مع اسرائيل الذي دعا الجماهير في الداخل الفلسطيني الى الانضباط خوفا من "جلب الويلات والتهجير" لجماهيرنا. وتصريحاته هذه ليست سوى تكرارا لما قاله رئيس السلطة محمود عباس في أكثر من مناسبة بصدد عدم تدخل جماهيرنا الفلسطينية في النضال ضد الاحتلال والاكتفاء بأن نكون "جسرا للسلام" مع اسرائيل.
إن كان هناك ثمة أي شيء ايجابي من حرب الابادة التي تشنهت اسرائيل في غزة فهو إعادة اللحمة الى هذا الشعب الممزق في جميع اماكن تواجده على الصعيد الشعبي.

Wednesday, December 31, 2008

غزة..صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم



على عكس أولئك الذين يتباكون على غزة ويذرفون عليهاالدموع (ومعظمها دموع تماسيح) بسبب الدمار الشامل الذي تتعرض له والمجازر الرهيبة التي يرتكبها الجلاوزة الاسرائيلين، ارى أن قطاع غزة هو أكثر مكان طبيعي في العالم العربي في هذه الايام. انه المكان الوحيد المضيء بالرغم من انعدام الاضواء في ربوعه. بينما تغط باقي الاماكن التي تنعم بالكهرباء وأضواء النيون في ظلام دامس.
هذا هو الوضع الطبيعي، في مكان محاصر من جميع الجهات، في مكان اصبحت لقمة الخبز فيه مبللة بالدماء وجرعة الدواء مفقودة، في مكان تداس به كرامة الانسان صباح مساء، هذا هو الوضع الطبيعي، المقاومة والتمرد والعنفوان. بينما وضعنا هو غير الطبيعي، حيث نرفل برفاهية قاذروت المجتمع الاستهلاكي وننظر الى الصور الآتية الينا من القطاع وكأننا نشاهد فلما سينمائيا صنع في هوليوود تحت إدارة مخرج صهيوني.
أهل غزة هم وحدهم الاحياء بالرغم من إن الموت يحصدهم رجالا ونساء واطفالا. وهم وحدهم من يستحقون الحياة لذلك يستفزون ملاك الموت. ونحن هم الاموات بالرغم من تشبثنا بقشور الحياة.
ما نحتاج اليه في هذه الايام هو أن نصنع المزيد من قطاعات غزة في كل مكان من العالم العربي، من المحيط الى الخليج. ما أحوجنا لأن نتذكر صرخة الثائر العالمي تشي جيفارا عندما دعى الى تفجير فيتنام ثانية وثالثة ورابعة من أجل الحاق الهزيمة بالامبريالية الامريكية لنيل الحرية والاستقلال.
ما نراه اليوم في غزة هو السلام الذي وعدونا به في مؤتمر انابوليس قبل سنة. هل تذكرون تصريحات بوش واولمرت وعباس التي بشرتنا بحلول السلام حتى نهاية العام؟ نعم هذا هو سلامهم. سلامهم حرب ودمار ومجازر. فليذهبوا الى الجحيم غير مأسوف عليهم هم وسلامهم المزعوم.
كما قال الشيخ حسن نصرالله في خطابه الاخير: هذه الحرب ليست حربا على حماس لكونها تنظيما اسلاميا أو ارهابيا، كما لم تكن الحرب الاخيرة في لينان حربا على حزب الله. ما يهم أمريكا واسرائيل أن تكون خاضعا لهيمنتهما وتقبل ما يمليانه عليك وآمن بما تشاء.
الحرب في غزة اليوم لا تهدف فقط الى تصفية المقاومة بل الى تصفية القضية الفلسطينية تصفية كاملة وفرض الحل الاسرائيلي- الامريكي على الشعب الفلسطيني. المقاومة الفلسطينية ومركزها في غزة هي حجر العثرة الأخير المتبقي أمام فرض مثل هذه التسوية. سقوط غزة يعني إنتهاء الحرب التي تفجرت عام النكبة بإنتصار الصهيونية النهائي.
الحرب على غزة اسقطت آخر قناع عن وجوه كافة الاطراف. أسقطت آخر قناع عن الدولة "الديموقراطية" الوحيدة في المنطقة وبان وجهها الحقيقي بدون رتوش: دولة فاشية بإمتياز. هذه الحرب أسقطت نهائيا صفة "وطنية" عن سلطة اوسلو التي ظهرت بوجهها الخياني البشع بإمتياز هي أيضا حيث تفوقت على سلطة كرزاي والمالكي في افغانستان والعراق وقوات العميل لحد في الجنوب اللبناني قبل تحريره. وسقط القناع الاخيرعن جميع الانظمة العربية فلم يعد هناك أية فوارق بين انظمة جمهورية او ملكية، تقدمية أو رجعية، معسكر اعتدال أو معسكرممانعة. عورات الجميع إنكشفت على حقيقتها لمن يحب أن يشاهد . وسقط القناع عما يسمى بالمجتمع الدولي والشرعية الدولية. هذا المجتمع الذي يراوح بين الصمت والتواطؤ والمشاركة بالجريمة. الفوارق شكلية لا جوهرية. الاتحاد الاوروبي يلعب لعبة قذرة ما زالت وصمة عار ورثها من ماضية الاستعماري. روسيا والصين وباقي الدول العظمى هي عظمى بالحجم ولكنها وضيعة فيما عدا ذلك. الامم المتحدة ومجلس الامن اصبحا مرتعا لللصوص وقطاع الطرق.
العالم بأسره يعرف بالضبط ماذا يحدث في غزة من جرائم. الصور لا تكذب ابدا. أكاذيب اسرائيل بحاجة الى صنف آخر من البشر لكي يصدقها. هل يوجدعاقل واحد يملك ذرة من الضمير الحي يصدق أن طائرات ال أف 16 والاباتشي والقنابل الذكية والصواريخ المتطورة هي دفاع عن النفس بينما صواريخ القسام البدائية هي رمز العدوان؟ هل يحق للفلسطينيين المحاصرين برا وبحرا وجوا الدفاع عن أنفسهم؟ أم أن هذا الحق حصرا على الاسرائيليين المغتصبين؟ ما هي القوانين وما هي الشرائع التي تحدد وتعرف الدفاع عن النفس؟
وأخيرا أوجه كلامي للجماهير الفلسطينية في الداخل وللاحزاب السياسية والحركات الفاعلة على الساحة. إن رد فعلنا على جرائم غزة مكلل بالخزي وبالعار وإن دل على شيء فإنه يدل على عقمنا وعجزنا. هل هذه المظاهرات الهزيلة ترتقي الى مستوى الاحداث؟ اليست من باب رفع العتب ؟ وتصريحات المسؤولين في الشجب والادانة اليست دفع ضريبة كلامية لا أكثر ولا أقل؟ اليس من المخجل الدعوة الى مظاهرة قطرية يأتي بعد اسبوع على بداية الجرائم؟ ولو لم تكن الانتخابات للكنيست الصهيوني على الابواب لما تحرك أحد؟.
إذا ارادت الاحزاب السياسية العربية المتكالبة على الانتخابات أن تنقذ ما تبقى من ماء وجهها ( ولا أقول من دماء) أن تعلن عن انسحابها الجماعي من هذه اللعبة وتنزع الشرعية عن الكنيست التي منحت ثقتها ودعمها لهذه الحكومة المتعطشة للدماء.
على الجمعيات المدنية واللجان الشعبية وأخص بالذكر لجنة اهالي شهداء الاقصى أن تكف منذ اليوم اتهام ايهود براك بالمسؤولية عن قتل 13 شهيدا، فهو المسؤول عن قتل 400 شهيد وهذا ليس العدد النهائي. على هذه الجمعيات واللجان أن تذكر 27 كانون الاول - ديسمبر كما تذكر الاول من تشرين الاول – أكتوبر وتجعل منهما مناسبة واحدة.

Wednesday, December 24, 2008

تهافت التهافت الى الكنيست



بعد العرض الرديء الذي قدمته لنا الاحزاب العربية (وغير العربية) في الانتخابات المحلية الاخيرة تعود الينا بمسلسل آخر عن الانتخابات للكنيست شاهدنا في الايام الاخيرة الحلقة الاولى منه التي تدور حول تعيين "إنتخاب" مرشحيها لهذه الانتخابات، والتي تسمى باللغة السياسية الدارجة "البرايمريز".
ليس من الضروري أن يكون الشخص محللا سياسيا أو خبيرا بشؤون الاحزاب لكي يستنتج أن هذه الاحزاب قد تفوقت على نفسها من حيث الاداء الرديء والمستوى الهابط في هذه الحلقة وعلى كافة المستويات.
كما ذكرت تقتصر هذه الحلقة التي أكتب عنها الآن على إختيار المرشحين "البرايمريز". وسوف تليها بلا شك حلقات أخرى مثيرة بالرغم من رداءتها المعروفة سلفا حول المفاوضات والتداولات بين الاحزاب التي سوف تتمخض عن تحالفات غريبة عجيبة حتى تتوصل الى قوائم نهائية للمرشحين. هذا ناهيك عن الدعاية الانتخاية. وسوف أتناول هذه الحلقات في وقتها.
من المفروض أن تكون البرايمريز وسيلة "ديموقراطية" يتنافس من خلالها المرشحون داخل كل حزب من أجل إختيار الافضل لقيادة هذا الحزب في الانتخابات. هل كانت هناك حقا منافسة شريفة ( أو حتى في بعض الاحيان منافسة غير شريفة؟) داخل هذه الاحزاب؟ لنلق نظرة سريعة وندع الحقائق تتكلم عن نفسها ولنستمع لبعض ما قاله المتنافسون انفسهم عن أحزابهم وذلك لتفادي أن اتهم باللاموضوعية والمواقف المغرضة ضد هذه الاحزاب.
قبل حوالي اسبوع عقدت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة مؤتمرها القطري لإنتخاب مرشحيها للكنيست. كان النائب محمد بركة هو المرشح الوحيد للمكان الاول، واجهته مشكلة صغيرة فقط: بصفته عضو كنيست مخضرم ومن المفروض إخلاقيا أن يتنحى جانبا لكي يفسح المجال لمرشح آخر، ولكن بالطبع الاعتبارات الاخلاقية لا تلعب دورا في العمل السياسي، فكان عليه، حسب النظام الداخلي للجبهة، أن ينال موافقة ثلثي أعضاء المؤتمر الحاضرين. فما المشكلة؟ لا مشكلة على الاطلاق، فبعد أن صفى معارضيه في القمة خلال السنتين الاخيرتين فقد نال 98% من أصوات المؤتمرين. وهذه نسبة لا تعيب اي زعيم عربي يتزين بالديموقراطية. هكذا حسم المكان الاول بدون منافسة وبدون إنتخابات حقيقية. المرشح الثاني تاريخيا (لنقل في العقدين الاخيرين) يجب أن يكون مسيحيا وهذا المكان مفصل على مقاس حنا سويد. وكان من المتوقع أن يكون التنافس على هذا المكان شيقا لأن المرشح اليهودي (الثالث تاريخيا) متشجعا من نجاحه النسبي في الانتخابات المحلية لرئاسة بلدية تل ابيب قد أعلن عن نيته المنافسة على هذا المكان. ولكن ولإعتبارات نفعية مختلفة وضغوطات من أجل الحفاظ على التوازن، سحب ترشيحه في اللحظة الاخيرة. وهكذا حسم المكان الثاني ايضا بدون منافسة وبدون إنتخاب. المكان الثالث اصبح من نصيب دوف حنين، الممثل اليهودي، ايضا بدون منافسة وبدون انتخاب. وهكذا صمدت المعادلة المعروفة التي تقول: الاماكن الثلاثة الاولى للجبهة يجب أن تكون محصورة علة مرشح مسلم ثم مسيحي ثم يهودي بالترتيب، مرة أخرى. وبذلك إنحصرت المنافسة الحقيقية على المكان الرابع فقط حيث شهد هذا المكان إزدحاما غير مسبوق مؤلف من ثمانية مرشحين، تنازل إثنان منهما فيما بعد. وهنا دخل عنصر آخر معركة التنافس وهو التآمر وعقد الصفقات. وكانت عايدة توما مرشحة العنصر النسائي ضحية هذه المنافسة حيث خرجت من المولد بدون حمص تعض على أصبعها.
في الوقت نفسه عقد التجمع الوطني الديموقراطي مؤتمره والذي يحب أن يطلق على نفسه ممثل "التيار القومي". من حيث الجوهر لم يختلف هذا المؤتمر عن مؤتمر الجبهة. المكان الاول لم يشهد أية منافسة فقد كان محسوما مسبقا لصالح عضو الكنيست جمال زحالقة. كان من المتوقع أن يجري التنافس الحقيقي على المكان الثاني. ولكن قبل المؤتمر بعدة أيام اعلن النائب واصل طه عن قراره بعدم ترشيح نفسه لفترة جديدة وبالمقابل تم إختياره رئيسا للحزب. وحتى الآن لا أدري كيف يكون للحزب رئيسين، حيث لا يزال عزمي بشارة رئيسا للحزب من منفاه ولم اسمع عن تخليه عن هذا المنصب. هل يدري احدكم؟
علىأي حال، حل واصل طه بتنحيه عن المنافسة مشكلة ولكنه في الوقت نفسه خلق عدة مشاكل. هنا ايضا التوازن الطائفي على درجة عالية من الاهمية ولا يصح الاخلال به خصوصا وأن المكان الاول قد آل مرشح مسلم فإذا لم يكن المرشح الثاني مسيحيا فهذا يعني المخاطرة بفقدان الاصوات المسيحية وهكذا تم دفع انطون ليوس لينافس على المكان الثاني أمام النائب سعيد نفاع. يبدو انه ليس نحن فقط، الموجودين خارج التجمع، لم نسمع بهذا المرشح من قبل بل أغلبية أعضاء التجمع ايضا، وهكذا تم إنتخاب النائب سعيد نفاع. ولكن حالا بعد انتهاء المؤتمر تناولت وسائل الاعلام العربية انباء من داخل التجمع تتذمر من هذا الاختيار لأنه لن يجلب للتجمع أصوات جديدة. هذه الاصوات التجمعية كانت أجبن من أن تصرح علنا بما كان واضحا من الخبر ومفاده أن نفاع ينتمي للطائفة الدرزية التي تمنح معظم اصواتتها للأحزاب الصهيونية، بينما مرشح مسيحي يستطيع أن يحافظ على الاصوات المسيحية خصوصا وأن مؤسس الحزب ينتمي لهذه الطائفة. المكان الثالث كان مخصصا لإمرأة وفازت به حنين الزعبي من غير منافسة. ولو خاضت المنافسة كما يجب لما نالت اصوات تؤهلها للمكان العاشر كما كانت الحال عندما تركت خارج المكتب السياسي للتجمع.
المشهد التراجوكوميدي تكرر عند الاحزاب الاخرى: رئيس الحزب، وهو في معظم الاحيان يعتبر الحزب حانوتا خاصا به، يؤمن المكان الاول لنفسه ويتفنن في عقد الصفقات التي تضمن ترشيح المقربين.
الحركة الاسلامية الجنوبية على سبيل المثال: الشيخ عبدالله صرصور وضع المكان الاول فوق المنافسة وجرى العراك على المكان الثاني شبه المضمون في القائمة الموحدة. وعندما فاز مسعود غنايم بهذا المقعد خرج المرشح الآخر سليمان ابو أحمد وجماعته غاضبين وأعلن عن انسحابه من الحركة. وهكذا أثبتت الحركة الاسلامية مرة أخرى انها حزب يتكالب على متع الدنيا مثله مثل باقي الاحزاب الدنيوية.
وكيف لا يمكن أن نذكر الحزب الديموقراطي العربي، حيث أعلن مختار الحزب بأنه يتنازل عن رئاسة الحزب "مؤقتا" للنائب طلب الصانع الذي سوف يبقى المرشح الاول ولكن ليس قبل أن يؤمن مستقبل ابنه باسل دراوشه الذي أختير كمرشح ثاني، بشرط أن تعود رئاسة الحزب اليه في الفترة القادمة.
القائمة العربية للتغيير، وهي تدار كمزرعة خاصة للنائب احمد الطيبي وقريبه اسامة السعدي، وسوف يبقيان في المكان الاول والثاني الى ما شاء الله.
حزب الوسط العربي، الذي يضم النائب السابق عباس زكور والاسبق محمد حسن كنعان. كلاهما يبحث عن حضن دافئ يحتضنه حتى ولو لم يؤد هذا الاحتضان الى اروقة الكنيست، فهما على استعداد لقبول شريحة متواضعة من التمويل.
إن نسينا فإننا لا ننسى المرشحين العرب في الاحزاب الصهيونية. هذه المرة وضعهم أصعب. وأخير حزب العمل سوف يكون نظيفا من العرب. الوزير العربي الاول، غالب مجادلة وضع في المكان 15 بينما جميع الاستطلاعات تمنح حزبه 10 مقاعد، النائبان الآخران، ناديا الحلو وشكيب شنان سيكونان هما ايضا في خبر كان. أما مرشح كديما "العربي" مجلي وهبي، رجل تسيبي ليفني فقد حصل على مكانه بعد شجار مع أكرم حسون رجل شاؤول موفاز والمرشحين الاخرين، شجار لا يشرف حتى قطاع الطرق.
هذه هي الاحزاب التي سوف تتوجه اليك أخي المواطن لتمنحها صوتك وثقتك. هل تغير عليها شيء؟ الا يحق لنا أن نقول: تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما أجيتي؟
علي زبيدات - سخنين