Wednesday, May 23, 2012

من أخطر من من؟

من أخطر من من؟
علي زبيدات – سخنين

في استطلاع للرأي أجرته مؤخرا أل بي بي سي شمل 22 دولة احتلت إسرائيل المرتبة الثالثة كأسوأ دولة في العالم وصاحبة التأثير السلبي على العالم. وقبل عدة سنوات جرى استطلاع آخر للرأي في أوروبا تبين من خلاله أن دولة إسرائيل تشكل أكبر خطر على أمن العالم. وفي هذه الأيام بينما يشهد العالم جوا من الانفراج في الملف النووي الإيراني في أعقاب التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة النووية وإمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران والدول النووية العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، جن جنون حكام إسرائيل الذين لا يقبلون عن الحرب بديلا. وكأن الحرب بالنسبة لهم لعبة أطفال تتم بأسلحة بلاستكية ولا تتمخض عن قتل ودمار.
دولة إسرائيل وباعتراف العالم هي أكبر محرض ومثير للحروب في العالم. فقد كانت القوة الدافعة وراء الحروب في العراق ولبنان وغزة والدول العربية الأخرى بل أن يديها الطويلتين قد وصلتا أيضا إلى إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية إما مباشرة وإما بشكل غير مباشر عن طريق تصدير الأسلحة الفتاكة والخبراء والمرتزقة. لم يشهد العالم خلال تاريخه الطويل أبدا دولة صغيرة كهذه تثير كل هذه الحروب. ولم يشهد التاريخ البشري دولة عسكرية بل دولة أصبحت ترسانة من أسلحة الدمار الشامل مثل دولة إسرائيل. حتى أن إسبارطة القديمة أصبحت نموذجا لطيفا بالمقارنة بها.
أنا شخصيا ضد السلاح النووي مهما كان مصدره ومهما كان حامله. لا يوجد هناك قنبلة نووية إسلامية أو عربية أو غربية. السلاح النووي أعمى ومجرم لا دينا له ولا قومية يدمر كل ما حوله بشكل عشوائي. صنعه، امتلاكه واستعماله هو جريمة في حق البشرية. لا يوجد شيء في الدنيا يمكن أن يبرره. يعتقد البعض أن السلم العالمي يكون مضمونا أكثر إذا ما انكسر احتكار الدول العظمى للسلاح النووي وامتلكته دولا أخرى لأن ذلك من شأنه أن يشكل ميزانا من الرعب يردع كل دولة من استعمال أسلحتها. هذه نظرية فاسدة وخطيرة. أولا، أي حياة هذه يمكن أن تتمتع بها شعوب الأرض تعيش دوما في ظل رهيب من الرعب؟ وثانيا، بدل إنفاق المليارات على تطوير وتصنيع الأسلحة النووية يمكن إنفاقها على مكافحة المجاعات والأمراض في العالم.
عدالة القضية هي التي تحدد عدالة السلاح الذي يستعمل للدفاع عنها. ولكن لا يوجد هناك أية قضية في العالم تستطيع أن تحدد عدالة السلاح النووي. ليس سرا أن كرتنا الأرضية تقف على كف عفريت. وأن الترسانة النووية الموجودة الآن كافية لأن تدمرها عدة مرات. البرنامج النووي الإيراني مهما بلغت خطورته ومهما صدقنا الدعاية الغربية والإسرائيلية بشأنه فإنه أقل خطورة بما لا يقاس من الترسانة النووية التي تمتلكها إسرائيل. والعالم المنافق الذي يعرف هذه الحقيقة جيدا يصمت صمت أهل القبور. الأسلحة النووية لم ولن تجلب الأمن لأية دولة ولكنها جلبت الرعب والقلق والرعب للجميع وإذا استمر العالم في تطويرها وصنعها فإنها سوف تجلب نهايته أيضا. يجب البدء بنزع وتدمير هذه الأسلحة فورا ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأخرى التي تمتلكها بما فيها دولة إسرائيل.
يقود دولة إسرائيل  الآن مجموعة من المهووسين وعلى رأسهم رئيس الحكومة الذي لا يهدأ له بال إلا إذا أثار المزيد من الحروب والمزيد من الأزمات في العالم، ووزير خارجية يهدد بتفجير السد العالي لإغراق 80 مليون مصري،  ويصرح بأن مصر تشكل خطر على إسرائيل أكثر من نووي إيران ويدعو إلى إعادة احتلال سيناء. فهل من الغرابة أن يعتبر الرأي العام العالمي هذه الدولة الأخطر على أمنه؟
دولة إسرائيل مهددة بالزوال، وهذا أمر طبيعي مثلها مثل دول عديدة قامت وزالت في العالم. ولكني أستطيع أن أطمئن حكام هذه الدولة إنها لن تزول عن طريق النووي الإيراني أو نووي عربي أو غيره. لأن الأسلحة النووية تدمر البلاد ولا تحررها، ونحن نريد فلسطين محررة وليست مدمرة. وهذا هو الفرق الأساسي بين الحرب والثورة. زوال الدولة لا يعني زوال الشعب. قد يكون العكس صحيحا: قد يكون زوال الدولة شرطا أساسيا لبقاء الشعب. الأمن الوجودي لدولة إسرائيل شيء والأمن الوجودي لسكان هذه الدولة هو شيء آخر.
كلما تفاقمت الدعوة للحرب كلما تصاعدت الأصوات المعارضة لها حتى من الأوساط الحاكمة نفسها. فها هو وزير الحرب الإسرائيلي يشكك في خطورة إيران وفي حتمية الحل العسكري، وقد لحق به شخصيات أمنية أخرى مثل رئيس الموساد السابق وغيره. ولكن طبعا مثل هذه الأصوات ليست بديلا عن تحرك شعبي محلي وإقليمي وعالمي ضد الحرب بشكل عام وضد الأسلحة النووية والحرب النووية بشكل خاص.

Wednesday, May 16, 2012

انتخابات الهستدروت - عين على عيني وعين على كابل


انتخابات الهستدروت – عين على عيني وعين على كابل

علي زبيدات – سخنين

تدعو "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" العمال العرب (وغير العرب، بصفتها حزب يهودي عربي) والأحزاب العربية التي لا تشارك كأحزاب في انتخابات الهستدروت إلى دعمها في هذه الانتخابات من أجل تغيير قيادة الهستدروت الحالية برئاسة عوفر عيني وذلك بسبب "تواطؤها مع الحكومة ليمينية وتآمرها على مصالح العمال وخدمة أصحاب رؤوس المال". ولتحقيق هذا الهدف دخلت الجبهة في تحالف واسع برئاسة إيتان كابل تحت المسمى الجذاب "البيت الاجتماعي" كبديل للقيادة الحالية.
على فكرة، كل ما تقوله الجبهة في دعايتها الانتخابية عن عوقر عيني هو صحيح مئة في المائة ولكنها نسيت أن تقول للعمال على اعتبار أن ذاكرتهم ضعيفة وقصيرة أنها قبل خمس سنوات كان عوفر عيني ذاته هو المرشح الذي دعمته وانتخبته. فهل كانت الجبهة يا ترى هي أيضا متآمرة على مصالح العمال وتخدم أصحاب رؤوس المال؟ للتذكير فقط: الجبهة صوتت لعيني في الانتخابات السابقة بالرغم من انه رفضها مسبقا ورفض إدخالها إلى ائتلافه. واليوم تدعو العمال إلى انتخاب ايتان كابل وهو الآخر أحد زعماء حزب العمل مثله مثل عوفر وقد صرح بافتخار أن قائمته تضم أشخاصا من حزب الليكود وكاديما وحزب العمل إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي. فهل يوجد هناك أي ضمان بألا يقوم  إيتان كابل هذا بالتواطؤ مع الحكومة ولا يتآمر على مصالح العمال ولا يخدم الرأسمال؟
حسب الاتفاق الذي أبرمته الجبهة مع كابل في إطار " البيت الاجتماعي" سوف تحصل على 5.5% من مقاعد مؤتمر الهستدروت وهذا ما تعتبره انجازا كبيرا (ربما، بالمقارنة مع نتائج الانتخابات السابقة عندما خاضت الانتخابات بقائمة مستقلة وحصلت على 4.6%) وعلى 8.8% من مجلس نعمات.
واضح أن نسبة هزيلة كهذه سوف يكون وزنها كجناح ذبابة في مجمل سياسة الهستدروت. هذا إذا اقتنعنا مسبقا أن إيتان كابل، الذي يختبئ خلفه عمير بيرتس المشهور، سوف يكون أفضل من عوفر عيني.
للمعلومات فقط: يبلغ أصحاب حق الاقتراع لانتخابات الهستدروت نصف مليون ناخب. في الانتخابات الأخيرة بلغت نسبة المشاركين 27% فقط. تقوم الجبهة في هذه الأيام، أسبوعا قبل الانتخابات بحملة دعائية بين العمال العرب لإقناعهم برفع نسبة التصويت وذلك من خلال تجميل صورة الهستدروت بشكل عام والتركيز على أهميته في الدفاع عن حقوق العمال وخصوصا من خلال قائمة الجبهة التي تخوض هذه الانتخابات تحت 3 شعارات أساسية وهي: 1) تقوية النقابات والطبقة العاملة. 2) دحر النهج المتواطئ في الهستدروت. 3) تقوية الخط اليهودي - العربي الطبقي. العامل العربي، من خلال تجربته الطويلة والمريرة مع الهستدروت، يعرف أن هذه النقابة، إذا صح تسميتها نقابة أصلا، هي التي أضعفت وأفقرت وميزت ضد العامل العربي لسنوات طويلة. وأن نهج الجبهة لا يقل تواطؤا عن باقي القوائم، بالأمس كان التواطؤ سافرا مع رامون ومن ثم بيريتس وعوفر عيني واليوم مع كابل وغدا مع شخص آخر. أما الخط اليهودي العربي الذي يكثر الحديث عنه في مجالات عديدة فهو لا يمت للطبقة العاملة بصلة. إذ كيف يعقل وضع الضحية والجلاد في سلة واحدة؟
 نحن هنا لسنا بصدد سرد تاريخ الهستدروت ودوره في صنع نكبة شعبنا مع أهميته القصوى. فكتب التاريخ تزخر بهذا الدور في تحقيق المشروع الصهيوني. لم يكن الهدف الأساسي للهستدروت منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا أبدا الدفاع عن الطبقة العاملة بل وعلى لسان مؤسسيها: السيطرة على فلسطين وخدمة الكولونياليين الجدد وتوطينهم  على الأرض الفلسطينية بعد تهجير أهلها. بعد أكثر من 40 سنة بعد تأسيسها كانت الهستدروت مغلقة تماما أمام العمال الفلسطينيين وكانت تعمل تحت اسم: "نقابة العمال العبريين في أرض إسرائيل" وعندما غيرت اسمها لتصبح "النقابة العامة للعمال" لم يتغير جوهرها وبقيت معادية لطموحات ومصالح العامل الفلسطيني، وعندما أصبحت تسمى "النقابة العامة الجديدة" لم تجلب أي شيء جديد لهذا العامل. لا يوجد أي نقابة أخرى في العالم مهما بلغت رجعيتها وتواطؤها مع الرأسمال هي في الوقت نفسه أكبر مشغل في البلد.
إذا كنا ننادي بمقاطعة انتخابات الكنيست لعدم إضفاء الشرعية على هذه المؤسسة العنصرية فكم بالأحرى أن ننادي بمقاطعة انتخابات الهستدروت. على العمال الفلسطينيين أن يصوتوا للهستدروت  بأرجلهم وأن يرحلوا بعيدا عنها اليوم قبل الغد وأن يقوموا بتنظيم أنفسهم في نقابات عربية مستقلة. 

Wednesday, May 09, 2012

الأسرى بين الأحزاب والجمعيات

الأسرى بين الأحزاب والجمعيات
علي زبيدات – سخنين

تعاني الأحزاب السياسية والجمعيات، مثلها مثل الأشخاص، من الأمراض. منها ما طارئ وخفيف ومنها ما يكون مزمنا وخطيرا وبعضها ما يكون فتاكا. أود أن أذكر هنا مرضين أعتبرهما الأكثر انتشارا والتي تعاني منها معظم إن لم يكن جميع أحزابنا وجمعياتنا، بتفاوت ما طبعا، وبالتالي تعاني منها جماهيرنا بكافة فئاتها.
المرض الأول: الجمود العقائدي وضيق الأفق السياسي. وجد الحزب ذات مرة ووجدت معه مجموعة من المعتقدات السياسية التي جلبها عادة القائد المؤسس وهذا هو. لا تغيير، لا تطوير، لا إبداع. وتصبح استمرارية الحزب وقياداته المهيمنة هي كل شيء. من عوارض هذا المرض مجموعة السلوكيات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: التخبط، عدم وضوح الرؤيا، التقاعس، والصراعات والمؤامرات الداخلية.
المرض الثاني: هو العجرفة والتكبر. فهو الحزب الوحيد الذي يمتلك الحقيقة والخط الصحيح وهو الوحيد الذي يحق له التكلم باسم الشعب والوطن. ومن عوارض هذا المرض الفئوية والتعصب الأعمى وإقصاء الآخرين.
هذه الأحزاب والجمعيات، مثلها مثل الكثير من البشر، لا تعترف بأنها تعاني من المرض أصلا. ولعل هذا الإنكار هو أخطر شيء بالقصة كلها.
تتفق جميع الأحزاب العربية وجميع الجمعيات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الأسرى والمعتقلين على أن قضية الأسرى هي قضية وطنية من الدرجة الأولى وهي اليوم تكاد أن تكون القضية الملتهبة الوحيدة على ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. وجميعها من غير استثناء تنادي بضرورة الوقوف إلى جانب الأسرى في معركتهم غير المتكافئة من أجل الحصول على أبسط حقوقهم الطبيعية ودعم صمودهم إلى أبعد الحدود. ولكن على أرض الواقع الأمور تختلف كليا. عجز هذه الأحزاب والجمعيات عن نصرة الأسرى المضربين عن الطعام أصبح فضيحة.
الأمراض التي تكلمت عنها أعلاه هي، حسب رأيي، السبب الرئيسي لهذا العجز. بعد ثلاثة أسابيع من الإضراب المفتوح عن الطعام لأكثر من 2000 أسير وبعد مرور شهرين وأكثر على إضراب ثمانية من الأسرى الآخرين، وأظن أن بلال وثائر قد دخلا موسوعة غينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابها بعد أن تخطيا اليوم السبعين، بعد هذا كله لم تستطيع أحزابنا السياسية وجمعياتنا الحقوقية أن تجلس مع بعض وتخرج بقرار واحد من أجل عمل جريء ينقذ هؤلاء الأسرى من حملة الإبادة البطيئة التي يتعرضون لها. كل ما شاهدناه هو أن كل حزب أوعز لبعض كوادره وبعض أصدقائه أن يقفوا احتجاجا على هذا الدوار أو على ذاك المفرق قبل أو بعد أن يقف كوادر وأصدقاء الحزب الآخر. لنأخذ سخنين على سبيل المثال لا الحصر: في يوم الإضراب الأول وهو يوم الأسير الفلسطيني، 17 نيسان لم يتحرك أحد. وقد وقفت وحدي في دوار الشهداء احتجاجا على هذا الوضع المأساوي، بعد عدة أيام قام بعض شبيبة أبناء البلد من عدة قرى بالوقوف في نفس المكان رافعين شعاراتهم، وبعدهم بيوم أو يومين وقفت مجموعة من شبيبة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وفي اليوم التالي وقفت مجموعة من الشبيبة الشيوعية. مشهد تراجيكوميدي من الدرجة الأولى. الأوضاع في باقي المدن والقرى لا تختلف من حيث الجوهر عن هنا، والوضع القطري لا يختلف عن الوضع المحلي. أشك في أن مثل هذه النشاطات قد تفيد الأسرى وقضيتهم. ولكني متأكد بأنها تضر المجتمع مما تسببه من شرذمة وتعكير الأجواء بين الأطراف المختلفة. لقد قرر أحد الأطراف (بعد 22 يوم من الإضراب) إقامة خيمة اعتصام في ساحة عامة، وعندما سألت: لماذا لم تشاوروا أحزابا أخرى قد تكون معنية أو تطرحوا الموضوع على للجنة الشعبية لكي تكون المشاركة عامة وواسعة؟ وقد كان الجواب: أن الخيمة مفتوحة للجميع ومن يريد المشاركة فأهلا وسهلا. وكأن القضية مسألة تسجيل سبق. فهل من الغرابة بعد هذا أن تقاطع معظم الأحزاب الأخرى هذه الخيمة؟
لا أظن أنني أظلم أحدا إذا قلت أن كل ما قامت به هذه الأحزاب حتى اليوم لم يكن من أجل الأسرى بقدر ما كان من أجل نفسها، من أجل كوادرها وأصدقائها ومقربيها. ومما أضفى بعض الحماس عليها هو الجو العام الذي ساد في الأسبوعين الأخيرين بأن الانتخابات البرلمانية قريبة وقضية الأسرى تشكل مادة دسمة للدعاية الانتخابية. وربما في هذا الصدد يستحق نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية الشكر لأنه أفرغ الهواء من عجلات هذه الأحزاب بتراجعه عن الانتخابات المبكرة.
وأخيرا، لي همسة في آذان الشباب الذين حاولوا القيام بدور مميز لنصرة الأسرى:  يبدو أن لكل شبيبة " ختيارها". وما زلتم تستمعون كثيرا "لختايركم" الذين أورثوكم الكثير من الشوائب وعلى رأسها التعصب وعدم الانفتاح على الآخرين. الشباب في الأصل هو روح قبل أن يكون جيلا.


Wednesday, May 02, 2012

النداء الأخير لإنقاذ أسرى الحرية
علي زبيدات – سخنين

لم يعد هناك مجال للتأتاة أو للتلعثم. لم يعد هناك مجال للمجاملة أو للنفاق. لقد أصبح الصمت عارا والسكوت جريمة. الصورة واضحة بدون أية رتوش: تعامل كافة المستويات القيادية الفلسطينية مع قضية الأسرى السياسيين المضربين عن الطعام أصبحت فضيحة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. وبناء على ذلك لم يعد أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحمل المسؤولية كاملة وتقوم بواجبها كما ينبغي وإما أن ترحل مرة واحدة وإلى الأبد.
الساعة الرملية على وشك النفاد. في كل لحظة أسير مضرب عن الطعام معرض للإستشهاد. الأسير ثائر حلاحلة بعد 64 يوما من الإضراب في غيبوبة، الأسير بلال ذياب هو الآخر يواجه خطر الموت، صحة الأسير أحمد سعدات في تدهور خطير، وهكذا عشرات الأسرى. مئات الأسرى الآخرين يدخلون الأسبوع الثالث من الإضراب. السلطات الإسرائيلية مصرة على موقفها المتعنت ومما يشجعها على تعنتها هذا هو الموقف المخزي لكافة المستويات القيادية الفلسطينية والعربية.
ماذا تنتظرون حتى تتحركوا؟ استشهاد واحد؟ اثنين؟ عشرة؟ يصرح رئيس السلطة الفلسطينية بأن السلطة سوف تعمل على تحويل قضية الأسرى إلى الأمم المتحدة وسوف تعمل على تدويل القضية برمتها؟ ماذا تنتظر؟ لماذا لم تحول القضية إلى الأمم المتحدة (العقيمة أصلا) حتى الآن؟ خصوصا وأن قضية الأسرى ملتهبة منذ فترة طويلة. على الأقل لكي نقول إنك فعلت ما تستطيعه. ولكن لكي نصدقك ولو قليلا يا سيادة الرئيس توقف حالا عن كافة أشكال التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، توقف عن بعث الرسائل لرئيس الحكومة الإسرائيلية والتي تلقى في سلة المهملات من غير أن تفتح، توقف عن التصريحات المشينة بأن نتنياهو شريكك للسلام الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
إسماعيل هنية، رئيس حكومة غزة يدعو إلى انتفاضة في الدول العربية والإسلامية لنصرة الأسرى. من الأحرى بك أن تدعو إلى انتفاضة في فلسطين أولا، بل من الأحرى أن تضرب التهدئة بعرض الحائط أولا.  عن أية تهدئة تتكلم يا رجل؟ أقوى الحبوب المهدئة في العالم لم تعد تنفع لتهدئة الشارع الفلسطيني.
وعندنا في فلسطين المحتلة عام 1948: لجنة المتابعة العليا بلعت لسانها، لا بيان، لا تصريح ، لا اجتماع. وكيف تجتمع أصلا ورئيسها في زيارة إلى مولدوفا لتفقد طلاب طب الأسنان، ورئيس اللجنة لقطرية للسلطات المحلية العربية في أمريكا لجمع الأموال؟ وحدث بلا حرج عن أعضاء الكنيست العرب الذين يملؤون قاعة وأروقة الكنيست بالصراخ حول كل موضوع مهما بلغت تفاهته ولكنهم يصمتون صمت أهل القبور فيما يتعلق بقضية الأسرى.
تعيش الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها حالة من التأهب والغليان. وهي، مثلها مثل الحركة الأسيرة نفسها، على أتم الاستعداد للصمود وتصعيد النضال. إذن لا يوجد هناك أي تبرير أمام المؤسسات القيادية لكي تدعي كعادتها بأن الجماهير غير جاهزة لخوض النضال.
مع كل احترامي وتقديري لعشرات الشباب والناشطين الذين ينزلون إلى الشوارع والمفارق والساحات في مدن وقرى عربية عديدة والذين يشاركون في خيم الاعتصام والمظاهرات أمام بعض السجون. غير أنه في هذه القضية بالذات لا بد من قرار سياسي  على مستوى قطري لحشد وتنظيم وتعبئة كافة طبقات المجتمع. للأسف الشديد، قرار كهذا ما زال حكرا على المستويات القيادية التي تكلمت عنها. على الشباب والناشطين المنتمين لأحزاب سياسية وغير المنتمين أن يعملوا على زيادة الضغط على المؤسسات القيادية بدءا من قياداتهم الحزبية الخاصة ووضعهم أمام مسؤولياتهم الوطنية: إما القيام بالواجب كما تمليه القضية وإما الرحيل.
الأسرى بعد الشهداء هم الشعلة التي تبقي قضيتنا الوطنية حية. لولاهم لماتت القضية منذ زمن بعيد في أروقة مدريد وأسلو وواشنطن وتحت أقدام جنودا الاحتلال. لذلك من حقهم علينا أن نعمل كل ما نستطيعه حتى تبقى هذه الشعلة ملتهبة.
                                                               

Wednesday, April 25, 2012

إنها نكبة، بل أكثر من نكبة

 إنها نكبة، بل أكثر من نكبة
علي زبيدات – سخنين

لا اعتراض لدي في استعمال مصطلح نكبة لوصف ما حل بالشعب الفلسطيني عام 1948: اقتلاع وتهجير 850 ألف فلسطيني، أي أكثر من نصف الشعب الفلسطيني حينذاك، في المناطق المحتلة التي قامت عليها دولة إسرائيل وصلت نسبة التطهير العرقي للسكان إلى 85%، هذا بالإضافة إلى هدم وتدمير 531 قرية وقتل أكثر من 15 ألف مواطن، وسلب الأرض والممتلكات. إذا كان كل ذلك ليس بنكبة فما هي النكبة إذن؟
ولكني أضم صوتي إلى الأصوات العديدة التي تقول أن مصطلح النكبة بالرغم من شموليته وأهميته إلا أنه لا يغطي كافة نواحي ما حدث في عام 1948. في هذه العجالة سوف أتوقف عند ناحيتين قد طغى عليها بل طمسها استعمال مصطلح "النكبة" ولم تأخذ حقها كما يجب ومن الضروري اليوم التركيز عليهما.
الناحية الأولى: إن ما حدث كان جريمة، جريمة حرب، جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم ويعاقب عليها القانون الدولي خصوصا وأن المجرم معروف وقد اقترف جرائمه على مرأى ومسمع العالم بأسره. وها هو يحتفل بجرائمه. بعض ضحايا هذه الجرائم ما زالوا أحياء في مخيمات اللجوء وفي شتى أصقاع الأرض وبعضهم قد لقي حتفه بعد مرور 64 عاما بعد ما أورثوا المعاناة لأولادهم وأحفادهم.  ماذا فعلنا حتى ينال هؤلاء المجرمون جزاءهم العادل؟ القليل القليل. بل وفي السنوات الأخيرة أصبح كل شي قابلا للمساومة باسم المفاوضات وحتى أن قسم منا أصبح يشاركهم في احتفالاتهم.
الناحية الثانية: التي طغى عليها وطمسها مصطلح النكبة هي أن ما حدث عام 1948 كان هزيمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان. وللهزيمة، كل هزيمة، يوجد أسباب ويوجد مسئولون عنها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل استوعبنا أسباب الهزيمة؟ وهل تحمل أحد المسؤولية عنها أو نال عقابه؟ الجواب هو كلا. ما زالت أسباب الهزيمة تنخر  في عظامنا وما زال المسئولون عنها يتبؤون المراكز القيادية في فلسطين وفي دول المواجهة ويقودوننا من هزيمة إلى أخرى لا تقل من حيث هولها عن هزيمة عام النكبة.  المصيبة أنهم حولوا هذه الهزائم الحقيقة إلى انتصارات وهمية عن طريق الخطابات والشعارات وتزييف التاريخ والتشبث بتلابيب السلطة. سوف تستمر النكبة ما دمنا لا ندرك ولا نعي أسبابها وما دامت القوى الميتة التي تجثم فوق صدورنا هي التي تحدد لنا مسيرتنا.
إذن، ما حدث عام 1948 كان نكبة وجريمة وهزيمة. وعلينا ألا ننسى ذلك ونحن نحيي الذكرى ال64 للنكبة. لست ضد زيارات القرى المهجرة في هذه المناسبة بالعكس يجب زيارتها كل أيام السنة وليس يوما واحدا فقط. ولست ضد ما يسمى بمسيرات العودة، بل يجب تنظيم النشاطات التي تعبر عن تمسكنا بحق العودة طوال السنة وليس في يوم واحد. كل ما أقوله بكل بساطة: أن مسيرات العودة كما تنظم الآن وكما تنظم كل سنة لا تقربنا ولو بشبر واحد من العودة الحقيقية. تماما كما أن مسيرات يوم الارض بالشكل الذي نشهده  لن تعيد لنا سنتمترا واحدا من الأرض المصادرة.
 برنامج هذه المسيرات معروف سلفا: زج آلاف المتظاهرين المتحمسين والمتشبثين بحق العودة في طريق وعرية ملتوية، لكي لا تستفز الشرطة، وتركهم فريسة للمشاحنات والنزاعات الحزبية، حتى الوصول إلى أرض المهرجان وسماع خطابات رئيس لجنة المتابعة، مندوب "لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين"، ممثل لجنة القرية المهجرة وكلمة لمواطن يهودي يعاني من تأنيب الضمير ويتكرم علينا باعترافه بحق العودة، ومن ثم بعض الفقرات الفنية "الملتزمة". وبعدها يعود كل واحد إلى بيته في انتظار الذكرى القادمة على أرض قرية مهجرة أخرى.
هل يعرف أحد ماذا تعمل لجنة "الدفاع عن حقوق المهجرين" في باقي أيام السنة؟ وهل يعرف أحد كيف تتخذ هذه اللجنة قراراتها؟ ومن خولها أصلا حق احتكار هذه الذكرى؟ أظن أنه بعد خمسة عشرة مسيرة من مسيرات العودة، وهي في الحقيقة نسخة مكررة لمسيرة واحدة، قد آن الأوان لمراجعة كافة حيثياتها وجوانبها لكي تصبح بالفعل رافعة تقربنا إلى العودة الحقيقية. الخطوة الأولى على طريق التغيير هي البدء بنقاش مفتوح وصريح يتناول القضية بمجملها. كنت في الماضي، ولم أكن الوحيد، قد قدمت بعض الاقتراحات التي، حسب رأيي، قد تساهم في كسر الروتين وتصب في مصلحة حق العودة بشكل عملي. وكان الاقتراح الأهم هو إجراء دراسة لإمكانية إعادة بناء إحدى القرى المهجرة يتم اختيارها لكي تكون نموذجا بالتعاون مع أهلها المهجرين والتفاف كافة جماهير شعبنا وتنظيم حملة إعلامية على مستوى عالمي تواكب هذه الخطوة. ولكن على حد علمي، لم يتم مناقشة هذه الفكرة على اعتبار أنها فكرة خيالية.
على كل حال اليوم لدي اقتراح جديد، إلى جانب القديم الذي ما زال ضروريا، ولا أخجل من الاعتراف إنه جاء من وحي ما تقوم به دولة إسرائيل قبل احتفالها بعيد استقلالها. حيث تقوم بإحياء ذكرى من "سقطوا في حروب إسرائيل" والذين بلغ عددهم حتى اليوم 22993 وقد فوجئت بأن العد يبدأ من عام 1860 ولم أقم بفحص ما جرى في ذلك العام فلأمر لا يعنيني. ولكن ما سقط من الشعب الفلسطيني ومن الأمة العربية في "حروب فلسطين" يبلغ عشرات بل مئات الأضعاف ممن سقط في "حروب إسرائيل" على مدى قرن ونصف. وفي بعض الأحيان، ما سقط في حرب واحدة كان يفوق هذا العدد. وللأسف أقول إنني لم أجد في أي مكان عدد الذين سقطوا من أجل فلسطين. ماذا نعمل لإحياء ذكرى هؤلاء الشهداء؟ ولماذا لا نخصص لهم مكانا يليق بهم عندما نحيي ذكرى النكبة؟ لماذا نتجاهلهم وكأنهم غير موجودين؟ أدخلوا إلى المواقع الإسرائيلية لكي تروا الكمية الهائلة من القصص عن العائلات الثكلى، ألا يوجد عائلات فلسطينية وعربية ثكلى؟ وهل وجعهم وألمهم أقل من وجع وألم العائلات اليهودية الثكلى؟ استمعوا إلى خطابات رئيس الدولة ورئيس الحكومة وباقي المسئولين الإسرائيليين في هذه المناسبة وهم يذرفون دموع التماسيح على "ضحاياهم". بينما في الطرف الآخر حتى دموع التماسيح قد جفت.
في ذكرى النكبة يجب أن نذكر ونتذكر كل شيء.

  

Wednesday, April 18, 2012

يوم نكبتنا ويوم نكبتهم

يوم نكبتنا ويوم نكبتهم
علي زبيدات – سخنين

في هذه الأيام تقترب ذكرى النكبة الفلسطينية والتي نحيها في السنوات الأخيرة تحت شعار: "يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا". غير أن دولة إسرائيل وقبل أن تحتفل بذكرى استقلالها تقوم هي الأخرى بإحياء ما تسميه: "ذكرى الكارثة والبطولة". يبدو أنه بالنسبة لنا كفلسطينيين وكعرب أسهل أن نربط يوم نكبتنا بعيد استقلالهم وذلك بسبب العلاقة السببية الواضحة التي تربط بين الحدثين والتي لا خلاف حولها، على الأقل من وجهة النظر الفلسطينية. ولكننا كنا وما زلنا نتحاشى ربط ذكرى نكبتنا بذكرى "نكبتهم"،الهولوكوست أو المحرقة وذلك لأن هذا الموضوع شديد الحساسية من جهة ويشكل حقلا واسعا مليء بالألغام من المفضل عدم الاقتراب إليه. هذا الأمر منح دولة إسرائيل احتكارا عالميا معترفا به على كل ما جرى ليهود أوروبا خلال الحكم النازي. وقد أسست استقلالها السياسي، أخلاقيا على الأقل على ما جرى في هذه الحقبة من التاريخ، هذا الأمر الذي أبقى النكبة الفلسطينية في الظل.
مما شجعني على الكتابة في هذا الموضوع وفي هذا الوقت بالذات، حتى وإن كانت مقالة صحفية محددة الأبعاد، هو عشرات المقالات والتقارير الرسمية وغير الرسمية التي تنشرها وسائل الإعلام الإسرائيلية حول الوضع المزري الذي يعاني منه الناجون من المحرقة النازية مما يكفي لسحب كل تبرير أخلاقي لاحتكار الكارثة وتجييرها لخدمة استقلال الدولة العبرية مهما كانت أبعاد النكبة الفلسطينية.
جاء في أحد هذه التقارير الذي نشرته صحيفة هآرتس: يوجد في دولة إسرائيل اليوم 198 ألف من الناجين من الهولوكوست، 50 ألف منهم كانوا بحاجة ماسة للمساعدة حتى يقضوا أيام عيد الفصح الأخير. أكثر من 50% منهم يعيشون تحت خط الفقر، 80% منهم لا يستطيعون الحصول على العلاج الكافي والملائم. وفي هذه السنة بالذات قامت الحكومة بتقليص الميزانية المعدة لدعم هؤلاء الناجين. هذا ناهيك عن قصص الفساد والسرقة والرشوة التي تنتشر في اللجان والتنظيمات التي تجمع الأموال باسم هؤلاء الناجين وتجد طريقها إلى جيوب أثرياء الحرب القدامى والجدد. وكان آخرها الأخبار عن اعتقال مسئولين في أكبر منظمة لتقديم "المساعدة" للناجين بتهمة سرقة ملايين الشواقل وتبيض الأموال.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا فعلت دولة إسرائيل بمليارات الدولارات التي أخذتها باسم ضحايا النازية؟ وكم من هذه المليارات قد صرفت فعلا على الضحايا أنفسهم؟ ماذا كان دور البنوك وأرباب الصناعات العربية والمؤسسة العسكرية والنخبة السياسية في نهب هذه المليارات؟ هذا هو موضوع ما يسمى: ب"صناعة الكارثة" والذي لم يطلقه لاساميون ومنكرو الكارثة بل مفكرون يهود من ضحايا النازية أمثال نورمان فينكلشتاين.
ما حدث ليهود أوروبا أبان الحكم النازي هو أولا وقبل كل شي جريمة ضد الإنسانية تضاف إلى جرائمها التي طالت الملايين من الشعوب الأخرى وخصوصا في روسيا وبلدان أوروبا الشرقية والشعب الألماني نفسه. بأي حق تقوم دولة إسرائيل اليوم باحتكار تمثيل ضحايا النازية من يهود أوروبا؟ ماذا فعلت الحركة الصهيونية، بكافة تياراتها ومنظماتها وخصوصا تلك التي جاءت لاستعمار فلسطين، لمحاربة الوحش النازي وإنقاذ يهود أوروبا؟
يقولون أن أحد أسباب تعاطف الدول الغربية مع دولة إسرائيل هو شعورها بالذنب لتقصيرها في حماية يهود أوروبا من المحرقة. على الدول الغربية بالفعل أن تشعر بالذنب ولكن أولا: لتسامحها مع صعود النازيين والفاشيين إلى الحكم وثانيا لتقاعسها في الدفاع عن الشعوب والجماهير التي تعرضت لجرائم النازية. دولة إسرائيل هي آخر من يستحق الشعور بالذنب اتجاهها.
اليهود الذين لوحقوا في أوروبا من قبل النازيين والفلسطينيون الذين شردوا من بيوتهم وأراضيهم في عام النكبة هم ضحايا عقلية عنصرية واحدة وسياسة استعمارية واحدة. لقد آن الأوان نتخلص من العقدة، لا بل من الكذبة التي تقول: "إننا في فلسطين ضحايا ضحايا النازية". حكام دولة إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم ليسوا ولم يكونوا أبدا ضحايا للنازية. وكما أن بعض الحكام العرب استفادوا من النكبة الفلسطينية بعد أن ساهموا أولا في حدوثها ومن ثم أخذوا يذرفون دموع التماسيح عليها، كذلك استفادت الحركة الصهيونية من الهولوكوست قبل وأثناء وقوعها ومن ثم أخذت هي الأخرى تذرف دموع التماسيح على الضحايا. حرص الأنظمة العربية على الفلسطينيين وحرص دولة إسرائيل على ضحايا النازية من اليهود كلاهما كذبة يجب فضحها ومحاربتها. وبالتالي على ضحايا العنصرية والفاشية في كل مكان أن يتحدوا.

Tuesday, April 10, 2012

يوم الأسير الفلسطيني: دمعة وابتسامة

يوم الأسير الفلسطيني: دمعة وابتسامة
علي زبيدات – سخنين

كل سنة، يداهمنا السابع عشر من نيسان. لا نستطيع أن نشطبه من تقويمنا حتى لو أردنا ذلك. ومهما فعلنا لا نستطيع أن نتجنبه. التقويم الفلسطيني مليء بالأيام، مليء بالأيام التي لا يحسدنا عليها أحد. غير أن السابع عشر من نيسان، يوم الأسير الفلسطيني يبقى يوما فريدا من نوعه، يوما ينبع من الجرح الفلسطيني، يجري في الجرح الفلسطيني ويصب في الجرح الفلسطيني.
ماذا يمكن أن يكتب في هذا اليوم ولم يكتب بعد؟ وماذا يمكن أن يقال ولم يقال؟ كل شيء كتب وكل شيء قيل وبدل المرة عشرات المرات. هل نكتب عن الألم والمعاناة والتعذيب؟ أم نكتب عن التضحية والفخر والاعتزاز؟ هل نكتب عن التضامن والدعم والمشاركة؟ أم نكتب عن التقصير واللامبالاة والخذلان؟ هل نكتب إلى حكومات دول الجامعة العربية والأوروبية والأمم المتحدة؟ أم نكتب إلى السلطة لفلسطينية والفصائل التي دخل الأسير السجون الاسرائيلية باسمها؟ أم نكتب إلى منظمات حقوق الإنسان المحلية والعربية والدولية؟
وكيف سوف نحيي هذا اليوم؟ بالمهرجانات والخطابات والرقص الشعبي والأغاني الثورية الملتزمة؟ وهل تستطيع الخطابات مهما بلغت بلاغة ألفاظها وسمت شعاراتها أن تعيد للأسير جزءا من كرامته الإنسانية التي يجردها منه السجان الإسرائيلي يوميا؟ وهل تستطيع الأغاني الثورية الملتزمة، التي أصبح مجرد غنائها في هذا الزمن التعيس، زمن المفاوضات العبثية، مفارقة سريالية كبرى، هل تستطيع أن تلجم السجان الإسرائيلي وتمنعه من تعنته ويتوقف عن سياسة الإهمال الطبي والعزل ومنع الزيارات عن الأسير الفلسطيني؟ وهل يستطيع الرقص الشعبي مهما كان أصيلا أن يهدئ من روع الأمعاء الخاوية للأسرى المضربين عن الطعام؟ لا شيء من هذا القبيل إطلاقا.
لذلك، في هذا اليوم لن أكتب عن هذا اليوم. لن أطالب الحكومة الإسرائيلية أن تكف عن جرائمها وتعيد الحقوق الطبيعية للأسرى وتحترم كرامتهم الإنسانية. من لا يزال يؤمن بالمطالبة فليتفضل ويطالب. ولن أتوجه إلى أية مؤسسة رسمية كانت أو غير رسمية، فلسطينية أم عربية أم دولية لكي تقوم بواجبها اتجاه الأسرى. ولن أدعو ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني من منظمات دفاع عن الأسرى ومنظمات حقوق إنسان وفصائل وأحزاب سياسية إلى تنظيم المهرجانات الخطابية.
في هذا اليوم لي دعوة واحدة، قد تبدو للوهلة الأولى متشائمة إلى ابعد حدود التشاؤم وقد لا يستسيغها الكثيرين، فليكن. في هذا اليوم، السابع عشر من نيسان، يوم الأسير الفلسطيني أدعو الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها أن تقعد مع نفسها وتبكي على نفسها قليلا. أن تتأمل داخل نفسها وتحاول أن تفهم: كيف وصلنا إلى هذه الحالة. في هذا اليوم أدعو ملايين الشعب الفلسطيني أن يجربوا ولو لمرة واحدة أن يضربوا عن الطعام لأنهم أحوج إلى مثل هذا الإضراب من الأسرى المضربين أنفسهم. إضراب الشيخ خضر عدنان، وهو شخص واحد، عن الطعام ل66 يوما وإضراب هناء شلبي، وهي أيضا شخص واحد، عن الطعام قد حرك فينا ما لم تحركه سنوات طويلة من المقاومة العقيمة، فتصوروا الزلزال الذي يمكن يحركه إضراب عشرة ملايين فلسطيني ليوم واحد فقط أي ما يساوي عشرة ملايين يوم؟
الأسير لا يملك سلاحا آخرا سوى أمعاءه الخاوية. وهو السلاح الوحيد الذي يستطيع أن يستعمله في دفاعه عن إنسانيته المسلوبة. وقد استعمله حتى الآن بشرف. نحن الذين نقبع خارج السجون الصغيرة المغلقة من المفروض أن نمتلك أسلحة أخرى ونستعمل إشكالا أخرى من النضال. ولكننا للأسف الشديد، على مدى الأجيال سلمنا جميع أسلحتنا بما فيها أمعاءنا . لأن الأمعاء المليئة المتخمة لا تصلح لأن تكون سلاحا.
كما يطالب البعض بأن يكون يوم الأرض من كل سنة يوم إضراب وأن تكون ذكرى هبة القدس والأقصى من كل سنة يوم إضراب على اعتبار أن كلا اليومين يوميين وطنيين ولا يتحملا النقاش المتكرر حول الإضراب أو عدمه فأنا أطالب منذ هذه السنة أن يكون يوم الأسير الفلسطيني من كل عام هو يوم إضراب عن الطعام.

Wednesday, April 04, 2012

صفقة أو لا صفقة

صفقة أو لا صفقة
علي زبيدات – سخنين

لا أقصد بهذا العنوان البرنامج الترفيهي الذي يحمل الاسم نفسه والذي اكتسح قنوات الترفيه المترفة قبل عدة سنوات كما لا اقصد الصفقات التجارية من بيع وشراء وتنفيذ مشاريع والتي تحصل يوميا بين الأفراد والشركات والدول. ولكني أقصد بالتحديد ما يسمى بصفقات الإدعاء بين النيابة الإسرائيلية في مختلف المحاكم وبين محامي الدفاع عن الأسرى في القضايا السياسية. لا أنكر أن هذا الموضوع حساس للغاية وقد ازدادت حساسيته إلى ابعد الحدود بعد صفقة الشيخ عدنان خضر والمناضلة هناء شلبي والتي لا نعرف إلا النزر القليل عن حيثياتها وخلفيتها وتفاصيلها التي تناولته وسائل الإعلام المختلفة.
ولكي لا يساء فهمي أقول مسبقا إن الإضراب الذي خاضه الشيخ عدنان لمدة 66 يوما والذي خاضته هناء لمدة 43 يوما بغض النظر عن نتائجه وعن تداعياته هو إضراب أسطوري يكاد لا يصدق. وهو بدون شك علامة فارقة وحاسمة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة. لقد عرفت الحركة الأسيرة الفلسطينية العديد من الإضرابات عن الطعام الفردية والجماعية بعضها استمر لمدة شهر وأكثر من شهر مثل إضراب سجن عسقلان في منتصف سنوات السبعين، وفي بعضها استشهد بعض المناضلين مثلا في إضراب سجن نفحة الصحراوي عام 1980حيث استشهد 3 مناضلين هم راسم حلاوة وعلي الجعفري واسحق مراغة، ويشرفني أني شاركت في هذا الإضراب من سجن الرملة تضامنا مع المضربين كما ويشرفني أني شاطرت الرفيق اسحق مراغة الزنزانة نفسها لمدة طويلة. غير أن للإضرابين الأخيرين يبقى طعم خاص وذلك لحداثتهما الزمنية من جهة ولدخولهما إلى كل بيت فلسطيني بل وتجاوزهما إلى العالمية بفضل تطور وسائل الإعلام والاتصال. وأريد أن يكون واضحا كل الوضوح، مهما كان رأيي ورأي الكثيرين بالصفقتين اللتين وضعتا حدا للإضراب فإنه من التجني بل ومن النذالة، خصوصا من قبلنا نحن الذين نجلس أمام الحاسوب ونكتب، توجيه اللوم للشيخ عدنان أو للأخت هناء بأي شكل من الأشكال.
ولكن يوجد هناك الكثير الكثير من اللوم بل ومن الامتعاض والإدانة لأطراف عديدة لعبت وما زالت تلعب دورا حاسما في مجمل القضايا التي تتعلق بالحركة الفلسطينية الأسيرة.
المسئول الأول والمتهم الأول تبقى الدولة الإسرائيلية بكافة أجهزتها الأمنية من جيش وشرطة ومخابرات مرورا بالمعتقلات والسجون وإلى المحاكم العسكرية والمدنية. مخطئ من يظن أن المحاكم الإسرائيلية محايدة ونزيهة مهمتها تطبيق القانون والحكم بالعدل وإنصاف الأسرى. للمحاكم الإسرائيلية دور أسوأ وأقذر من دور كافة الأجهزة الأمنية مجتمعة. هدفها تبيض صورة إسرائيل أمام العالم وتسويقها كدولة قانون تدافع عن نفسها أمام إرهابيين وخارجين عن القانون لا يعرفون الرحمة. وقد نجحت المحاكم الإسرائيلية في تحقيق هدفها هذا إلى درجة كبيرة وللأسف الشديد في كثير من الأحيان بمساهمتنا نحن عن طريق سياسة الصفقات التي أصبحت خيارا استراتيجيا وليس تكتيكا.
المسئول الثاني والمتهم الثاني هو القيادة الفلسطينية بمختلف مستوياتها وأجهزتها من السلطة في رام الله إلى ووزارة الأسرى ونادي الأسير وحتى لجنة المتابعة العليا عندنا وأعضاء الكنيست العرب. دعونا لا ننخدع بالتصريحات التي تطلقها هذه القيادات دعما للأسرى وتنديدا بالسياسة الإسرائيلية. دولة إسرائيل لا تتأثر بالتنديدات والإدانات اللفظية. في الحقيقة لا أدري كيف يمكن التوفيق بين التنسيق الأمني وبين الدفاع عن الأسرى. هل يعلم أحد كم عدد الأسرى الذين كانوا ضحايا هذا التنسيق؟ كيف يعقل أن تكون ضد أعمال المقاومة وتعتبرها انفلات أمني ومن ثم تدعي الوقوف إلى جانب من قاموا بهذه الأعمال والدفاع عنهم؟. هل قبل الشيخ عدنان والأخت هناء بالصفقة بمحض إرادتهما أم تم إقناعهما بقبولها؟ لا أريد أن أجزم أنه كان هناك تواطؤ بين السلطتين فالمخفي أعظم، ولكني أومن بكل تأكيد بأنه كان هناك تقاعس، وكان من الممكن أن تقوم هذه المؤسسات المذكورة بدعم أكبر للإضرابين ولمجمل نضال الأسرى وتحريك الشارع الفلسطيني وممارسة الضغط على سلطات الاحتلال من خلال وقف التنسيق الأمني وخطوات أخرى عديدة. لقد آن الأوان لإعادة النظر في دور نادي الأسير وعلاقته بوزارة الأسرى وبسلطة أوسلو، يجب إعادة النظر في كيفية تعيين محامي الدفاع وبالتنسيق بين لجان الأسرى المختلفة.
المسئول الثالث والمتهم الثالث في تردي أوضاع الحركة الأسيرة هو التحرك الشعبي الجماهيري، لقد كان أقل من المطلوب. نشاطات الحركات الشبابية الدعامة للأسرى تستحق التشجيع والتقدير ولكنها لا تكفي. النشاط الشعبي الجارف إلى جانب صمود الأسرى هو الضمان الوحيد لتحقيق مطالب الحركة الأسيرة بالكرامة والحرية.
في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أصبحت الصفقات آفة حقيقية. معظم الملفات السياسية (الأمنية) تنتهي بصفقة. حيث يقوم المدعي الإسرائيلي بتقديم لائحة اتهام مضخمة، وتصبح التهمة البسيطة كمشاركة في مظاهرة غير مرخصة عشرة تهم. ويبدأ التفاوض بين النيابة والدفاع. وفي كثير من الأحيان يكون هدف النيابة مجرد الحصول على إدانة مهما كانت بسيطة وتتظاهر بالتنازل عن بعض البنود أو عن معظم البنود ويقوم بحامي الدفاع بعملية الإقناع. حتى تبدو الصفقة وكأنها الحل ألأمثل لجميع الأطراف. إذ يتم توفير وقت المحكمة وهذا يعني حكما مخففا، وتوفير وقت محامي الدفاع مما يقلل المشاوير والنفقات وتحصل النيابة على غايتها في ابتزاز إدانة. يتم ذلك في معظم الأحيان على حساب المتهم وقضيته بعد أنيتم إقناعه هو الآخر بأن الصفقة لصالحه. وكأن الخيار هو بين الحكم القاسي وبين الحكم المخفف. في سياسة الصفقات هذه لا يوجد خيار يسمى براءة المتهم.
أنا، من حيث المبدأ، ضد الصفقات وضد إضفاء الشرعية على المحاكم الإسرائيلية.

Wednesday, March 28, 2012

يا حيف من بابا عمرو إلى مجدل شمس

يا حيف من بابا عمرو إلى مجدل شمس
علي زبيدات – سخنين

منذ زمن طويل، اتخذت موقفا مبدئيا وقررت ألا أحيد عنه مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب وهو ألا أدعم بأي شكل من الأشكال، لا قولا ولا فعلا أي نظام عربي بغض النظر كيف يعرف نفسه أو كيف يعرفه ويصنفه الآخرون. نعم، لقد وضعت جميع الأنظمة العربية في سلة واحدة لا فرق عندي بين نظام ملكي أو جمهوري، تقدمي أو رجعي، ديكتاتوري أو ديمقراطي. في نهاية المطاف هو نظام. والنظام، كل نظام هو في رأيي جهاز قمع واستغلال واضطهاد مكون من جيش وشرطة وأجهزة أمن أخرى وبيروقراطية تخدم الطبقة الحاكمة. النظام والمرض سيان. لا يوجد هناك مرض جيد كذلك لا يوجد هناك نظام جيد. صحيح، الأمراض تتفاوت من حيث خطورتها ومن حيث هولها وما تسببه من آلام ومعاناة. ولكن هل يوجد هناك أحد يحب المرض مهما كان خفيفا ولطيفا؟ وقد أعجبتني مقولة لجبران خليل جبران يقول فيها: "أكره المرض ولكني أحب المريض".
عندما رفعت الملايين من جماهير الشعوب العربية شعار:" الشعب يريد إسقاط النظام" شعرت بأن هذا المبدأ الذي تبنيته قد نزل أخيرا من برج النظرية إلى ساحة الممارسة العملية وكان من الطبيعي أن أضم صوتي المتواضع الذي بالكاد يسمع إلى الأصوات الهدارة التي تنادي بإسقاط النظام.
وكنت أتوقع أن النظام لن يرحل بمحض إرادته ولن يرحل بهدوء بل سيقاوم حتى النهاية من باب الدفاع عن النفس. ولكن مقاومة النظام هي الأخرى تتفاوت كالأمراض من نظام إلى آخر. وقد ازداد التفاؤل والأمل بعدما رحل نظام بن علي في تونس ومبارك في مصر بعد مقاومة ضعيفة نسبيا. ولكن الأمور تعقدت في ليبيا وفي سوريا. كان لإستشراس النظامين في هذين البلدين في صراعهما من أجل البقاء نتائج وخيمة. في ليبيا تدخلت قوات حلف الناتو متحالفة مع المعارضة الليبية ومدعومة من قبل الرجعية العربية ممثلة في جامعة الدول العربية. وكان المطلوب من كل واحد أن يختار إما الوقوف إلى جانب النظام البائد وإما الوقوف إلى جانب المعارضة المدعومة امبرياليا ورجعيا. ولكن هذا الموقف الذي يبدو للوهلة الأولى واقعيا ومنطقيا كان مرفوضا. وكان الموقف الشخصي الذي عبرت عنه في بعض المقالات لا يحسد عليه: فالنظام بعد أكثر من 40 عامل قد جاء أجله وكان لا بد أن يسقط. ولكن في الوقت نفسه كان الوقوف إلى جانب قوات أجنبية غازية مرفوض قطعيا ومن المحرمات ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. كنت أتمنى وأحلم أن تقوم قوة ثورية حقيقية تفجر الثورة ضد النظام البائد وفي الوقت نفسه تقف سدا منيعا في وجه كل تدخل خارجي. ولكن للأسف هذا الموقف بالرغم من قناعتي المطلقة بصحته كان موقفا مثاليا ونظريا بحتا. نظام القذافي في ليبيا قد سقط ولكن النظام الجديد الذي فرضته طائرات وصواريخ الناتو لن يكون أفضل منه. ولعل العزاء في أن الصراع لن ينتهي وبالتالي فإن شعار الشعب يريد إسقاط النظام سوف يسري مفعوله ليشمل هذا النظام أيضا.
النموذج الليبي يتكرر في سوريا ولكن بصورة أشرس: نظام دموي، ليس منذ السنة الأخيرة فحسب بل منذ قيامه، هذا من جهة ومن جهة أخرى معارضة مخترقة وتدخل عربي وأجنبي رجعي. مرة أخرى أجد نفسي أمام عملية اغتصاب سياسي لاتخاذ موقف: إما مع النظام وإما مع الدخلاء والمتآمرين. في هذه المعادلة لا وجود للشعب السوري إلا كمادة خام للتضحية مهما ادعى الطرفان الكلام باسمه. مرة أخرى وجدت نفسي أتشبث بالموقف الذي ينادي بإسقاط النظام وفي الوقت نفسه إسقاط المؤامرات الخارجية مهما نظريا ومثاليا محضا.
من استمع للهتافات والخطابات في المهرجان الذي نظمته اللجنة التي تسمي نفسها:"اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب السوري وقيادته الوطنية" في سخنين لا بد وأن يدخل في حالة من الإحباط والكآبة. الاحتفال بالنصر بعد السيطرة على حي بابا عمرو في حمص وكأنه تم تحرير الجولان أمر يثير الاشمئزاز إلى حد التقيؤ. منظر محمد حسن كنعان وهو يلقي خطابا ناريا يمجد هذا النصر ومنظر عبد عنبتاوي وهو يرقص على المنصة معجبا بذاته و بفلذكاته الكلامية ومنظر الشيخ الجولاني الذي يعرف أن النظام لم يحرك ساكنا من أجل تحرير الجولان منذ احتلالها كان منظرا سرياليا بامتياز حقا. وهذا على سبيل المثال لا الحصر. والأقبح من ذلك لم يكن قيام المشاركين بالهتاف: "شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد" فحسب بل محاولتهم تطبيق ذلك على أرض الواقع محاولين كتم الأصوات الناقدة بالتهديد حتى عندما تصدر عن فرد واحد هو أنا خلال نقاشه مع بعض المتواجدين.
هل يعقل اختزال وطن كامل، شعب بأكمله في شخص واحد يسمى رئيس؟ أو في حزب واحد أو في نظام؟ هل جميع الداعين إلى إسقاط النظام هم من المتآمرين والعملاء لأمريكا وإسرائيل وتركيا ودول الخليج؟ أنا مع إسقاط النظام البعثي الفاسد ولست متآمرا مع أحد ولست عميلا لأحد وكم كنت أتمنى أن تقوم حركة شعبية الآن وليس غدا لإسقاط جميع الأنظمة العربية ابتداء من السعودية مرورا بقطر وباقي دول الخليج وحتى المغرب. بل أكثر من ذلك: أتمنى أن يتواصل النضال لإسقاط الأنظمة الجديدة خطفت الثورة في تونس ومصر. لم يبق أمامي سوى أن أضم صوتي إلى صوت الرفيق الفنان الملتزم سميح شقير وأقول: يا حيف

Wednesday, March 21, 2012

هل على القدس أن تنتظر حتى يكتمل التهويد؟

هل على القدس أن تنتظر حتى يكتمل التهويد؟
علي زبيدات – سخنين

أقرت لجنة المتابعة العليا، كما هو معروف، إحياء ذكرى يوم الأرض بمسيرتين مركزيتين تختتم بمهرجانيين إحداهما في مثلث يوم الأرض والأخرى في النقب. على ضوء الأخبار حول "المسيرة العالمية لمناهضة تهويد القدس" والتي من المحتمل أن تدخل روحا جديدة لذكرى يوم الأرض كنت قد اقترحت في مقال سابق أن تكون الجماهير الفلسطينية في الداخل في قلب هذا الحدث وتقرر أن تكون المسيرة المركزية إلى القدس وأن يكون المهرجان المركزي في القدس. ولكن مع السف الشديد، الجماهير الفلسطينية ليست هي من يتخذ القرارات بل ينوب عنها لجنة تطلق على نفسها: "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في ...". وقد علمت، من وسائل الإعلام طبعا، أن الحضور في اجتماع اللجنة الذي اتخذ القرار كان هزيلا وشهد مقاطعة أو تغيب بعض مركباتها هذا بالإضافة إلى النقاش العقيم والمتكرر حول ضرورة الإضراب في هذا اليوم أو عدمه. وكان القرار هذا العام عدم الإضراب على عكس السنة الماضية.
على كل حال، بينما ستكون أنظار العالم في 30 آذار، يوم الأرض متجهة نحو القدس ستكون أنظارنا وأقدامنا متجهة نحو قرية دير حنا. فالسيناريو هنا معد مسبقا ومضمون: فالشباب المتحمس سوف يبدأ المسيرة من سخنين وسوف يقطع أكثر من عشرة كيلومترات حتى أرض المهرجان في دير حنا. والأقل حماسا سوف يبدؤون مسيرتهم في منتصف الطريق من قرية عرابة أما الآخرون ومن بينهم معظم القيادات سيكتفون بمسيرة متواضعة في دير حنا نفسها. وفي المهرجان نفسه سوف يستمعون إلى خطابين ليس أكثر: الأول من رئيس السلطة المحلية للبلد المضيف والثاني من رئيس لجنة المتابعة.
إذن، لماذا المخاطرة والتوجه إلى القدس وقد تكون النتائج لا يحمد عقباها من مواجهات وقنابل مسيلة للدموع؟ بل وقد تعيد إلى الاذهان ما حدث السنة الماضية في مجدل شمس في ذكرى النكسة.
منذ اليوم الأول لاحتلالها والقدس تتعرض للتهويد ولعملية منهجية من التطهير العرقي أمام سمع وبصر العالم. وكان رد العالم خجولا لا يتعدى الإدانات اللفظية. ولم يكن الرد العربي والفلسطيني أفضل من ذلك بكثير إن لم يكن أسوأ. فالقدس تستحق أكثر من يوم أرض واحد وها نحن نبخل عليها حتى بالمسيرة المركزية ليوم الأرض ونفضل أن نبقى متقوقعين في مثلثنا الآمن.
تهويد القدس جار على قدم وساق ولكنه لم يكتمل بعد. ويظن منظمو نشاطات يوم الأرض أن الإدانات شديدة اللهجة تكفي لوقف التهويد وأن كيل المدائح للمقدسيين على صمودهم كاف للجم قطعان المستوطنين. ويظنون أن القدس تستطيع أن تنتظر وعلى يوم الأرض أن يبقى داخل مثلث يوم الأرض وينتقل بالتناوب من قرية إلى أخرى.
أغلب الظن ألا تستطيع "المسيرة العالمية لمناهضة تهويد القدس" الوصول إلى القدس. فهناك أطراف عديدة سوف تعمل على أبقافها: اللوبي الصهيوني في شتى أنحاء العالم بدأ يستعمل نفوذه ويمارس ضغوطه لإيقافها. أذرع الأمن الإسرائيلية على مختلف أشكالها مستنفرة لمواجهتها. دول الطوق العربية بما فيها السلطة الفلسطينية سوف تعمل على صدها بالتنسيق مع الدولة العبرية وأمريكا.
الجماهير الفلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة سوف يتم إيقافها بالقوة إذا لزم الأمر على الحواجز. فلسطينيو الداخل، وهم الطرف الوحيد الذي يستطيع الوصول إلى القدس بسهولة نسبية، ليسوا في هذا الوارد لأن زعامتهم قد اختارت ألا تنام بين القبور وألا تحلم أحلام مرعبة. وتبنت قول جرير: "زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربع". خطابات المهرجان المركزي لن توقف مصادرة أراضي الجليل والنقب ولن تمنع هدم البيوت وتهويد القدس وإفراغها من سكانها الأصليين.
لقد أصبح يوم الأرض يوما وطنيا فلسطينيا يوحد الفلسطينيين أينما كانوا: في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات. ويوحد الأرض الفلسطينية المغتصبة في كافة أرجاء فلسطين فلماذا نصر على إبقائه حبيسا في زاوية ضيقة؟
القدس لا تستطيع أن تنتظر أكثر مما انتظرته. كل يوم بيت يهدم أو أرض تصادر أو مستوطن يعيث فسادا. فإلى متى هذا الخذلان؟ أدعو الشباب أن يأخذوا زمام الأمور في أيديهم، يضربوا بقرارات المتابعة بعرض الحائط ويقودوا المسيرة المركزية ليوم الأرض إلى القدس.

Wednesday, March 07, 2012

أين الأرض في يوم الأرض؟

أين الأرض في يوم الأرض؟
علي زبيدات – سخنين

منذ سنوات طويلة ونحن نطلق عليه مجازا اسم "يوم الأرض" ونضيف عليه في كل خطاباتنا ونشراتنا كلمة خالد حتى أصبح يعرف للقاصي والداني باسم "يوم الأرض الخالد". ولكن مع مرور السنين فقدت الأرض علاقتها بهذا اليوم بعد أن اختلطت علينا الأمور ولم نعد ندري عن أية أرض نتكلم؟ هل نتكلم عن الأرض الفلسطينية التي أغتصبت عام 1948 وأقامت عليها الحركة الصهيونية دولة إسرائيل؟ أم نتكلم عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967؟ أم نقصد تلك المنطقة المحددة التي تسمى في القاموس العسكري الإسرائيلي منطقة رقم 9 والتي كانت محاولة مصادرتها منذ أكثر من ربع قرن السبب المباشر لانفجار يوم الأرض الأول؟
مهما كانت الأرض المقصودة فقد وصلت القطيعة بين الأرض وبين اليوم الذي يحمل أسمها إلى أوجها وأصبحت شبه كاملة. تقول الإحصائيات، ولا أدري إن كانت رسمية أو غير رسمية، الأمر الذي لا يغير في الواقع شيئا، أن الدولة العبرية قد استولت على 97 % منها، هذا في الأراضي التي احتلت عام 1948. أما في الأراضي التي احتلت بعد ذلك فقد تم حتى الآن ابتلاع حوالي نصفها بينما يعرف النصف الآخر بأنه أراض متنازع عليها.
وهكذا أصبح الكلام حول الدفاع عن الأرض كلاما سرياليا. إذ كيف يمكن الدفاع عن شيء تم فقدانه منذ زمن طويل؟ ولعل الكلام الواقعي الوحيد ينبغي أن يكون المطالبة باسترجاع الأرض المفقودة ، ولكن للأسف يبدو هذا الواقع أبعد من الخيال ولا يجرؤ على المجاهرة به أحد.
أظن، بعد هذه السنوات الطويلة، قد آن الأوان لكسر الروتين الذي جعل من يوم الأرض أشبه بجثة هامدة محنطة تحيط بها حالة من القدسية. أصبح إحياء ذكرى يوم الأرض يتم بحكم العادة وقانون القصور الذاتي ولأنه موجود على الرزنامة ولا يستطيع أحد يشطبه بجرة قلم. أقصد بالروتين الذي يجب كسره هنا تعامل لجنة المتابعة، بكافة مركباتها، وهي الجهة المكلفة باتخاذ القرار لإحياء يوم الأرض، بعد غياب لجنة الدفاع عن الأراضي. حيث تبقي النقاش حول هذا الموضوع مكبوتا حتى الأسبوع الأخير من الشهر ومن ثم تعقد جلسة طارئة ومستعجلة وتخرج من الدرج الوصفة المعروفة: مسيرة مركزية في إحدى قرى مثلث يوم الأرض بالإضافة إلى بعض النشاطات المحلية الأخرى وفي أحسن الظروف يتم النقاش ما إذا كان من الضروري بالإضافة للمسيرة المركزية الإعلان عن يوم إضراب أم لا. في النهاية، تتوصل إلى قرار توافقي بحيث لا يكون هناك فرق كبير بين الإضراب العام أو عدمه. وبعد المسيرة تعتلي الشخصيات القيادية نفسها المنصة، الاختلاف الوحيد هو تبدل بعض الخطباء حسب البلد المضيف. والتي تخرج من جيوبها خطاباتها القديمة، بتغيير بعض المفردات فقط لكي لا يكون التناقض صارخا مع المستجدات. وعادة ما تكون هذه الخطابات خطابات عصماء تنضح بالحماس والشعارات الرنانة وكأن الأرض بألف خير. وهكذا تنتهي الذكرى، وينتهي يوم الأرض ونبدأ بانتظار ذكرى العام القادم. بينما الهجمة الحكومية لنهب المزيد من النزر القليل المتبقي من الأرض الفلسطينية مستمرة وفي السنوات الأخيرة يتم التركيز على أرض النقب والقدس.
أظن أنه ليس فقط قد آن الأوان لكسر هذا الروتين بل أصبح ذلك ضرورة قصوى وفي الوقت نفسه أصبح ممكنا أيضا. هناك اليوم تحرك عالمي لتنظيم مسيرة مليونية تتوجه هذه السنة في يوم الأرض إلى القدس التي تتعرض لعملية تهويد شرسة وهي ليست أقل من عملية تطهير عرقي واسعة النطاق. في الثلاثين من آذار هذه السنة سوف يسير الآلاف من شتى بقاع العالم نحو القدس، فهل نقف وقفة المتفرج ونحن لا نبعد سوى كيلومترات معدودة عنها؟ هل تستطيع لجنة المتابعة العليا وكافة الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والأفراد أن يتخذوا موقفا تاريخيا جريئا ويقرروا التوجه في هذا اليوم نحو القدس؟ هل نستطيع أن نخرج من التقوقع الذي فرضناه على أنفسنا في مثلث يوم الأرض ونتجه إلى رحاب القدس ونلتحم مع الذين هدمت بيوتهم في الشيخ جراح وسلوان والمهددين بالترحيل من كافة أحياء القدس؟
هل يوجد هناك مكان في هذه الأيام أفضل من القدس لكي تحتضن يوم الأرض وتتم المصالحة بين اليوم والأرض؟
للقدس رايحين متظاهرين (ولا أقول شهداء) بالملايين.

Wednesday, February 29, 2012

مدينة بلا عنفوان 2

مدينة بلا عنفوان 2

علي زبيدات – سخنين

سؤال: لماذا أقامت الأحزاب السياسية، لجنة المتابعة، الجمعيات الأهلية ومعظم البلديات الدنيا ولم تقعدها في مناهضة الخدمية المدنية والشرطة الجماهيرية ولكنها صمتت صمت أهل القبور بكل ما يتعلق بمشروع "مدينة بلا عنف"؟ إذا كان هذا المشروع لا يصب في الخدمة المدنية كما لا يدعي البعض فلماذا لم نسمع ذلك بصراحة من قبل لجنة المتابعة أو من قبل لجنة مناهضة الخدمة المدنية المنبثقة عنها أو من قبل أية جمعية من الجمعيات العديدة التي كانت تدعي قيادة النشاط الجماهيري والشبابي ضد الخدمة المدنية كجمعية بلدنا أو المؤسسة العربية لحقوق الإنسان؟
حسب رأيي كلمة السر هنا هي: "الفلوس" أو بلغة سياسية: "الميزانيات" أو كما قالها لي أحد المقربين من هذا المشروع في البلدية: "في هذا المشروع يوجد مصة أصبع". وذلك على عكس مشروع الخدمة المدنية والسلطة الجماهيرية. في مشروع "مدينة بلا عنف" تتحول معظم الميزانيات، مهما كانت شحيحة، إلى البلدية وهي تقوم بصرفها. وكلنا نعرف كيف تقوم البلديات بصرف مثل هذه الميزانيات: المقربون وما أدراك ما المقربون والموعودون من أيام الانتخابات وغيرهم من المتسلقين. وبالفعل فقد بدأت الأيدي تتسابق وتتشابك للطش قطعة من الكعكة حتى قبل أن يتم إعدادها.
سكوت لجنة المتابعة وباقي الأطر التي تستظل بظلها في هذا الموضوع ليس من باب الصدفة. هذه اللجنة بدون عمود فقري أي أنها لا تستطيع أن تقف على قدميها بقواها الذاتية وكل قراراتها تؤخذ بالتوافق فكيف تستطيع أن تتخذ موقفا جذريا من هذا المشروع بينما معظم مركباتها مستفيدة منه؟
كنت أود أن أسمع رأي أيمن عودة، رئيس لجنة "مناهضة الخدمة المدنية" في هذا الموضوع. الذي استقال من منصبه قبل أكثر من شهر ولكنه لم يستقل. حيث قدم سببا غير مقنع لهذه الاستقالة وهو حرصه على تداول المنصب. كان ليبدو أكثر مصداقية وإقناعا لو وجهة نصيحة التداول هذه داخل حزبه للنائب محمد بركة الذي ضرب بعرض الحائط دستور الحزب لكي يستمر عضوا في الكنيست لحوالي 15 سنة أو لرئيس بلدية الناصرة السيد رامز جرايسي الذي أمضى عشرين عاما في منصبه.
على أي حال، كنت أود أن يشرح لي الرفيق أيمن عودة لماذا خدمة شاب أو صبية في أحدى المدارس في إطار الخدمة المدنية تشكل خطرا على الهوية والانتماء بينما الدوريات المشتركة مع الشرطة مشروعة؟
عندما يقول قائد شرطة الشمال في إحدى البلديات الجبهوية: " أعتبر مشروع مدينة بلا عنف مثال أعلى للتعاون بين الشرطة والسلطة المحلية وجهاز التعليم" ألا يشكل ذلك خطرا على الهوية والانتماء؟
مكافحة العنف في المجتمع العربي، كلمة حق أريد بها باطل. هل تستطيع الشرطة وباقي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مكافحة هذا العنف؟ وإن استطاعت ذلك هل تريده حقا؟
جاء في الموقع الرسمي ل"مشروع مدينة بلا عنف" تحت عنوان نموذج عمل ما يلي:
- عدم التسامح بالمرة عند وقوع حوادث عنف
- رد ناجع وقبضة حديدية
- شراكة واسعة بين جميع الجهات في المدينة
- إعادة الصلاحيات للبالغين بشكل عام وإعادة الانضباطية لأجهزة التربية والتعليم
- التعامل مع موضوع الرقابة الشاملة وتطبيق القانون بشكل صارم
- الوقاية من الملل والتسكع لدى أبناء الشبيبة
هذه بعض الدرر التي يحتويها هذا النموذج. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه هي المبادئ التربوية والقيم التي يجب أن نربي أبناءنا عليها حتى نحصل على جيل لا يمارس العنف؟ للوهلة الأولى ظننت أن هذا النموذج مأخوذ من سيناريو لأحد أفلام هوليوود حول صنع إنسان آلي مطيع وخنوع.
دولة إسرائيل بمشروعها هذا تريدنا مدينة بلا عنفوان وليس مدينة بلا عنف فهل نقبل بذلك؟

Wednesday, February 22, 2012

مدينة بلا عنفوان

مدينة بلا عنفوان

علي زبيدات – سخنين

كتبت في الأسبوع الماضي، في أعقاب الجلسة الخاصة التي عقدتها الكنيست لمناقشة ظاهرة العنف في الوسط العربي، أن دولة إسرائيل بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية وبكافة أجهزتها الأمنية وخصوصا الشرطة هي آخر من يحق له التباكي على العنف في المجتمع العربي لأنها تشكل مجتمعة وكل على حدة مصدرا رئيسيا لا ينضب للعنف. وقد قررت العودة إلى هذا الموضوع بناء على الجلسة المشتركة لبلدية سخنين واللجنة الشعبية قبل أيام لتسويق المشروع الحكومي "مدينة بلا عنف" والإعلان عن افتتاحه رسميا في المدينة. على الرغم من أن الكلام يتعلق بمدينة سخنين بشكل مباشر إلا أنه ينطبق على العديد من المدن والقرى العربية التي تبنت هذا المشروع بعضها مؤخرا والبعض الآخر منذ فترة من الزمن. وبعض هذه المدن تعد من مدننا الرئيسية مثل الناصرة، أم الفحم، شفاعمرو، طمرة، عرابة، دير حنا وغيرها.
في الجلسة المذكورة، كانت البلدية قد طلبت من لجنة مصغرة تابعة للجنة الشعبية أن تعد تقريرا عن مشروع "مدينة بلا عنف" وتبرز حسناته وفوائده وتوصي بقبوله مما يتيح للبلدية مستقبلا أن تتنصل من المسؤولية في حالة فشل هذا المشروع. وبالفعل كان تقرير هذه اللجنة المصغرة ايجابيا إلى أقصى درجات الايجابية حيث نص بدون تردد على أن "المشروع لا يصب في موضوع الخدمة المدنية أو تجنيد الشباب لهذه الخدمة". هذا بالإضافة إلى الإسهاب بإمكانياته المهنية والمادية التي يمكن استغلالها لمكافحة العنف في المدينة.
عندما شعرت أن معلوماتي ضئيلة في هذا الموضوع وأن ما سمعته سلبا كان أم إيجابا لم يكن من مصدر أول قررت أخذ زمام المبادرة والقيام بعملية بحث صغيرة وما أسهلها في هذه الأيام إذ تقتصر على دخول الموقع الرسمي للمشروع والاطلاع عليه من مصدره الأول. وقد تبين لي أن ما تضمنه تقرير اللجنة المصغرة وما قرأته في الموقع كانا على طرفي نقيض. وإنها تراهن على جهل أو كسل أو لامبالاة المواطن. سرعان ما اقتنعت أن هذا المشروع ليس فقط أنه يصب في الخدمة المدنية بل هو أشد خطورة من الخدمة المدنية ومن الشرطة الجماهيرية مجتمعتين. وأشد ما أغاظني أن بعض من ساهموا في أعداد تقرير اللجنة المصغرة أو سكتوا عنه وقت النقاش ينتمون إلى أحزاب عارضت قبول المشروع نفسه في أم الفحم. وتبين أيضا أن الأحزاب هي الأحزاب ونفاقها يفقأ العيون. فإذا كان هذا المشروع مشبوها في أم الفحم فكيف يمكن أن يكون مشروعا في الناصرة أو في سخنين؟
والآن إلى صلب الموضوع: تفوح من هذا المشروع رائحة العنصرية من الكلمة الأولى فهو يطلق على السلطات العربية المنضوية تحت هذا المشروع اسم: الوسط غير اليهودي في منطقة الشمال والوسط غير اليهودي في الجنوب. فالعالم حسب الدولة اليهودية التي تريد أن تكافح العنف ينقسم إلى وسطين لا ثالث لهما: الوسط اليهودي والوسط غير اليهودي.
من المعروف أن تعريف العنف وتعريف الأمن في الوسط اليهودي يختلف جذريا عن تعريفه في الوسط غير اليهودي. حسب الموقع، بدأ تطبيق هذا المشروع في مدينة ايلات بالتعاون بين البلدية برئاسة مائير يتسحاق هليفي والدكتورة أورلي إينس من وزارة الأمن الداخلي والتي تبين فيما بعد إنها حصلت على وظيفتها هذه بواسطة مغامراتها التي انتهت إلى فضيحة شملت العديد من المسئولين في هذا المشروع. وكان العمال العرب الضحية الأولى لهذا المشروع لأن مجرد وجودهم في ايلات يهدد أمن المواطنين اليهود ويسبب تنامي أشكال العنف. والآن فقط فهمت لماذا يتذمر الشباب العرب من فظاظة شرطة ايلات. ومن ثم بدأ هذا المشروع ينتقل إلى مدن يهودية أخرى وكانت دائما تكمن من خلفه الفكرة بأن العمال العرب والأجانب بشكل عام هم مصدر العنف وهم الذين يهددون الأمن لذلك يجب تشديد الرقابة عليهم بشتى الطرق والوسائل.
شكليا، يمنح هذا المشروع رئيس السلطة المحلية دورا قياديا في تنفيذ المشروع في بلدته ولكن بشرط أن يلتزم بالعمل "حسب سياسة لجنة الوزراء وإرشادات لجنة التوجيه". ولكن عمليا تبقى الشرطة هي اللاعب الرئيسي في هذه اللعبة. ففي الأماكن التي تعذر إدخال ما يسمى الشرطة الجماهيرية نرى أن المشروع ينص على ضرورة القيام دوريات مشتركة تضم رجال شرطة ومواطنين، وللتمويه يمكن أن تكون الدوريات في سيارات خاصة وكأن من يجعل الشرطي شرطي هي السيارة التي يقودها وليست المهمة التي ينفذها. المصيبة أن تقرير اللجنة المصغرة يوصي بضرورة مشاركة اللجنة الشعبية في لجنة التوجيه وفي هذه الدوريات. وذلك من أجل المراقبة والمتابعة. كذلك ينص المشروع على ضرورة انتهاك خصوصية المواطن من خلال تركيب الكاميرات في الأماكن العامة ومراقبتها على مدار الساعة، وعلى ضرورة وجود مراقبين في المدارس الإعدادية والثانوية لمراقبة سلوكيات الطلاب في الساحة والتسكع في الشارع.
أما بالنسبة للميزانيات فبالإضافة إلى شحها لا أعتقد إنها سوف توظف في المكان المناسب ولكنها في المقابل سوف تفاقم من الفساد في السلطات المحلية حيث بدأ في بعض الأماكن الصراع على الوظائف. وغني عن القول أن في مثل هذا الصراع يكون بعيدا عن المبادئ.
وأخيرا أستغرب صمت لجنة المتابعة العليا حيال هذا الموضوع وهي التي تصرح بمناسبة ومن غير مناسبة عن رفضها للخدمة المدنية. بينما لا تحرك ساكنا أمام مشروع قد تكون له عواقب وخيمة في طمس الهوية الوطنية الفلسطينية لشبابنا.

Wednesday, February 15, 2012

وماذا عن عنف السلطة يا حضرة النواب؟

وماذا عن عنف السلطة يا حضرة النواب؟
علي زبيدات – سخنين

هل العنف طبيعة متجدرة في الإنسان كما يرى بعض االبعض الآخر؟ء الاجتماع؟ أم هو سلوك مكتسب تحدده البيئة والظروف كما يرى البعض الآخر؟ أم هو مزيج من كلتا النظرتين كما يرى آخرون؟ كل شيء جائز ولكن من المؤكد أن العنف بأنواعه المتعددة وأشكاله المختلفة قد رافق الإنسان منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا حتى أصبح من المستحيل فهم تاريخ البشرية بمعزل من العنف.
من يتابع وسائل الإعلام العربية المحلية يظن وكأن هناك حربا أهلية طاحنة يدور رحاها في مجتمعنا العربي حيث ينتمي المجرم والضحية إلى نفس المجتمع. هكذا بتنا نسمع يوميا تقريبا عن إقامة لجان "شعبية" لمكافحة العنف وتنظيم ندوات ومؤتمرات لدراسة ومناقشة ظاهرة العنف أكثر مما نسمع عن العنف نفسه. وقد وصلت هذه الحملة الإعلامية أوجها قبل أيام في الجلسة الخاصة التي عقدتها الكنيست الإسرائيلية لدراسة موضوع العنف في الوسط العربي بمبادرة من النائب أحمد الطيبي "رئيس لجنة دمج المواطنين العرب في القطاع العام" ومشاركة رئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي والمفتش العام للشرطة والعديد من النواب العرب وغير العرب. ها هو النائب الطيبي يقرر"أن العنف والجريمة في المجتمع العربي هي أكثر القضايا التي تقلق المواطن العربي". أما رئيس الحكومة فقد شبه وضع المجتمع العربي "بالغرب المتوحش" بل وأضاف أيضا بالشمال المتوحش والجنوب المتوحش إشارة منه إلى أماكن سكنى العرب في هذه البلاد بلهجة تنم على أنه يمثل الغرب المتمدن. وقد سبق هذه الجلسة تحركات عديدة في هذا الموضوع، رسمية وغير رسمية أذكر منها الترويج لمشروع "مدينة بلا عنف" و"الشرطة الجماهيرية" والخدمة المدنية والدعوة لتشكيل لجان محلية وشعبية لمكافحة العنف والجريمة في الوسط العربي. الحاضر الغائب في كل هذه التحركات هي دولة إسرائيل بكافة أجهزتها الأمنية وغير الأمنية. حيث كانت المحصلة النهائية لهذه الحملة تبرئة السلطة من كونها المصدر الرئيسي للعنف في الوسط العربي. جل الانتقادات التي وجهت للسلطة، ومعظمها كان أقرب إلى العتاب منه إلى الانتقاد، وجهت خصوصا لجهاز الشرطة، بسبب تقاعسه وتقصيره في مكافحة العنف مثل القبض على المجرمين والجناة وعدم جمع الأسلحة غير المرخصة أو عدم رصد الميزانيات الكافية لمواجهة العنف في التعليم والتشغيل وتطبيق القانون. ولكن لم يجرؤ أحد من النواب العرب ومن الباحثين الأكاديميين والمثقفين الذين واكبوا هذه الحملة أن يشير بإصبع الاتهام إلى هذه السلطة بكافة أجهزتها على إنها تشكل المصدر الرئيسي للعنف.
طبعا هذا لا ينفي مسؤولية مجتمعنا العربي عن تفاقم ظاهرة العنف والجريمة ولا يقلل في الوقت نفسه من خطورة هذه الظاهرة. ولكن لنبدأ أولا بعنف الدولة التي يذرف قادتها دموع التماسيح على الوسط العربي وعلى العنف الذي ينخر فيه:
من المعروف أن الدولة الحديثة، كل دولة، تصادر العنف من المواطنين لكي تحتكره لنفسها. فعنفها مشروع ويحميه القانون مهما كان شنيعا ولا يعرف بأنه عنف أصلا. فهو إما دفاعا عن النفس أو حفظا للأمن والاستقرار والعديد من التبريرات الزائفة الأخرى. حسب رأيي الدولة هي أكبر مصدر للعنف فهي التي احتلت البلاد وشردت الشعب ودمرت القرى والمدن. في العرف الإسرائيلي لا يعتبر فرض الحصار الغاشم على غزة لسنين طويلة ومنع الغذاء والدواء عنفا. وإقامة الجدار العنصري العازل وزرع الأرض الفلسطينية بالحواجز والمستوطنات هو أيضا ليس عنفا. وسرعة إطلاق النار من قبل رجال الشرطة على المواطنين العرب هو الآخر ليس عنفا. وإن ننسى فإننا لا ننسى العنف الذي تمارسه الكنيست نفسها من خلال سنها للقوانين العنصرية. فتقطيع أوصال العائلة الفلسطينية حسب قانون المواطنة العنصري ليس عنفا وهدم البيوت وخنق القرى والمدن العربية والتمييز بكافة أشكاله ليس عرفا. بعد ذلك أليس من العار أن تعقد هذه الكنيست جلسة خاصة وتتباكى على ضحايا العنف في المجتمع العربي؟
كيف تستطيع شرطة إسرائيل أن تكافح العنف في الوسط العربي وكل تعاملها مع هذا الوسط ينضح بالعنف ؟ من قمع الاحتجاجات إلى تفريق المظاهرات وحتى إلى فرض مخالفات السير؟ هذا فضلا عن إنها تتعاون مع حثالات الوسط العربي الذين تستخدمهم كمخبرين. مثل من يدعو هذه الدولة لحمايته من العنف كمثل من يدعو القط لحراسة اللبن.
مجتمعنا العربي هو الآخر ينبوع لا ينضب للعنف. ولنبدأ بأعضاء الكنيست العرب ورؤساء المجالس المحلية والبلديات الذين شاركوا في جلسة الكنيست والذين لم يشاركوا: كيف انتخبوا؟ أليس من خلال تأجيج العنف وتأليب المواطنين على أنفسهم ومن خلال تنمية واستغلال النعرات العائلية والطائفية؟ أم هذا لا يسمى عنفا؟ ألا يوجد لكل حزب سياسي ولكل "زعيم" بلطجيته وشبيحته؟. هذا بالإضافة إلى بعض العادات والتقاليد البالية التي تشكل أرضا خصبا للعنف مثل القتل على خلفية ما يسمى شرف العائلة وعقلية الانتقام. العنف يبدأ في البيت وسرعان ما ينتقل إلى المدرسة والشارع. في البيت يقوم الأب بضرب زوجته أو إساءة معاملتها على الاقل فترد الأم غالبا بقمع الأبناء وعادة ما يقوم الأخ الأكبر بتعنيف أخوته الصغار. وفي المدرسة وبالرغم من حذر العنف الجسدي قانونيا إلا أن أشكال العنف الرمزي والكلامي ما زالت رائجة. أما في الشارع فحدث عن شتى أشكال العنف ولا حرج. وأخيرا لا بد من التنويه أنه من الخطأ وضع كافة أشكال العنف في سلة واحدة. فالعنف الذي يمارسه المظلومون من أجل رفع الظلم الواقع عليهم هو عنف مشروع ما دام خاضعا للقيم والمعايير الإنسانية.
مكافحة العنف في المجتمع العربي ممكنة ولكن فقط من خلال التربية الصحيحة على أساس القيم الإنسانية الأخلاقية السامية.






Wednesday, February 08, 2012

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق

عندما يصبح الفكر مهنة وتصبح الأفكار سلعة تباع في الأسواق
علي زبيدات – سخنين

بكل صراحة، أعترف بأنه يصيبني نوع من الغثيان وأشعر بالإحباط كلما شاهدت قناة الجزيرة حتى الأخيرة انقطعت عن مشاهدتها تماما منذ فترة. ولم أتفاجأ عندما علمت أن الشعور نفسه ينتاب العديدين ممن يتابعون الإحداث التي تعصف في العالم العربي منذ أن أشعل محمد بو عزيزي النار في نفسه . وقد بدأ عندي هذا الشعور بالاشمئزاز إلى درجة الغثيان من هذه القناة مع تطور الصراع في ليبيا. حيث أصبح واضحا للجميع أن الجزيرة ليست مجرد قناة إخبارية تنقل الخبر كما يحدث على أرض الواقع وتستضيف الخبراء من كافة الأطياف لتحليل الإحداث لكي يتفهمها المشاهد، بل هي قناة متورطة في صنع الحدث نفسه بطرق مختلفة وملتوية وتوجيهه لخدمة أجندة أجنبية. واعترف أيضا أن ما زاد من إحباطي من هذه القناة منذ تلك الأيام هو ظهور شخصيتان من "الخبراء" بشكل دائم: الأول كان يعرف بأنه خبير الشؤون العسكرية والإستراتيجية واسمه صفوت الزيات صاحب نظرية "ربما"، والذي انتهى دوره مع سقوط نظام القذافي تحت ضربات حلف الناتو ولا أدري إذا كان ينتظر هجوم هذا الحلف على سوريا حتى يعود أو يعاد إلى الشاشة. والثاني كان ولا يزال يعرف بالمفكر العربي: عزمي بشارة.
ولكني تفاجأت عندما قرأت مقالا للصديق د. عمر سعيد بعنوان:" ملاحظات على موقف د. عزمي بشارة من الأزمة السورية". للوهلة الأولى ظننت إنها ملاحظات انتقاديه ولكن سرعان ما خاب أملي حيث تبين أن المقال ليس فقط دفاعا عن مواقف عزمي بشارة بل هو عبارة عن قصيدة مدح طويلة، وفي الوقت نفسه هجوما على منتقديه الذين يصفهم بالكسالى والمشبوهين الذين يعبرون عن عقمهم الفكري أو الواقعين تحت تأثيرات الغرائز البدائية والحسد أو المزايدات البائسة والرعناء. بينما بالمقابل يضع عزمي بشارة في مصاف المفكرين الأفذاذ الذين رحل منهم ثلاثة مؤخرا وهم: محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون. بل هو يتقدم عليهم بمسافات، كيف لا وقد توفوا مغمورين في المنفى أو تحت وطأة العوز ولم تكتشفهم قناة الجزيرة وتجعل منهم نجوما. حسب رأي الكاتب، عزمي بشارة هو أبرز المنظرين في المواطنة والمجتمع المدني وإصلاح وتطوير الفكر القومي وعلاقته بالديمقراطية وقيم العدالة لأن تحليلاته ليست مجرد تحليلات سياسية للأحداث بل هي تحليلات فكرية تقوم على أساس معايير وأدوات تحليلية علمية. وأكثر من ذلك فهو يستحق لقب "منظر الثورات" بعد أن تعدى دور التنظير إلى مواقع التوجيه السياسي وأصبح مصدر إلهام للثوار. وأخيرا يؤكد د. عمر: "أن الجماهير تتابع بتشوق مداخلات بشارة المتلفزة" أنا آسف يا صديقي: لقد آن الأوان أن تعرف أن هناك من قرف الجزيرة بسبب هذه المداخلات.
لا يوجد هناك ثورة نقية إلا بين صفحات الكتب. جرائم الثوار قد لا تكون أقل فظاعة من جرائم النظام وخصوصا من ثوار آخر زمن الذين يتساقطون مع تطور النضال. يوجد هناك صراع دام لا يعرف الرحمة. والثورة أول ما تأكل فإنها تأكل أبناءها. وكما كتب كارل ماركس في البيان الشيوعي:" تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا ليس سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والإقطاعي والقن ومعلم الحرفة والصانع وباختصار الظالمون والمظلومون ، المتعارضون دوما، خاضوا صراعا لا ينتهي، صريحا تارة ومستترا تارة أخرى، صراعا كان ينتهي دائما إما بتغيير المجتمع كله تغييرا ثوريا وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين".
يبدو أن الصراع في سوريا قد حسم ولن يتمخض عن تغيير ثوري للمجتمع. بل سينتهي بدمار طرفي الصراع. لم يعد هناك مبرر للخوف من نشوب حرب أهلية، وكأن ما يجري الآن ليست حربا أهلية. لقد فقدت البوصلة اتجاهها بين نظام دموي لن ينسحب إلا بعد أن يخلف وراءه أرضا محروقة وبين معارضة مخترقة حتى النخاع من قبل أمريكا وأوروبا وإسرائيل والرجعية العربية. أما الشعب السوري فهو الذي يدفع الثمن بدماء أبنائه. أما المصيبة الحقيقية فهي أن كلا الطرفين المتناحرين يتكلم باسم هذا الشعب المسكين ويدعي الدفاع عنه بواسطة نحره.
لم أكن في يوم من الأيام من أنصار نظام البعث في سوريا. وخصوصا بعد ما يسمى "الثورة التصحيحية" واغتصاب حافظ الأسد للسلطة. لقد كان ذلك انقلابا يمينيا وكانت تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن إحدى نتائجه المباشرة. وإن ننسى فإننا لا ننسى تل الزعتر وحرب المخيمات ووقوف النظام إلى جانب أمريكا في حرب الخليج الأولى. وعندما كانت معظم قوى اليسار ترتمي في أحضان النظام السوري بصفته نظاما ممانعا كان رأيي أن هذا النظام لا يختلف من حيث الجوهر عن باقي الأنظمة العربية الرجعية.
ولكن أن يزايد على هذا النظام مشيخة قطر والنظام السعودي والهاشمي وغيرهما من حثالة جامعة الدول العربية وتطالبه بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فإن ذلك لعمري من سخرية الأقدار.
أين يقف المفكر العربي عزمي بشارة من هذا المشهد؟ إلى جانب الشعب السوري ومطالبه بالحرية والكرامة؟ أم إلى جانب حكام قطر وباقي الدول العربية الذين يقومون بدورهم على أحسن وجه في خدمة الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية؟ هل يعرف عزمي بشارة أن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية تقع على بعد أمتار من المكان الذي يجلس فيه للتنظير للثورة؟ أم انه لا يعرف ذلك تماما مثل زميله يوسف القرضاوي؟ والذي اتخذ من الدين حرفة وجعل الفتاوى سلعة كما جعل بشارة من الفكر حرفة ومن الأفكار سلعة وكل شيء قابل للبيع.
الملاحظة الوحيدة التي يذكرها الدكتور عمر سعيد على إنها نقد ولكنها هي في الحقيقة أقرب إلى للعتاب هي مطالبته بنقد واضح للتيار الإسلامي وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية. أليس من الأجدر أن يطالبه بنقد واضح لحكام الدوحة والرياض وعمان وموقفهم من أمريكا والقضية الفلسطينية؟
وأخيرا أتساءل ولا انتظر جوابا: هل المشروع القومي العربي الديمقراطي الذي تعثر تحقيقه من خلال الكنيست الإسرائيلي يمكن تحقيقه من خلال حلف الناتو؟

Wednesday, February 01, 2012

تكريم أم إهانة؟

تكريم أم إهانة
علي زبيدات – سخنين

مما لا شك فيه أن تكريم المبدعين من كتاب وشعراء ومثقفين وعمال وطلاب متفوقين وكل من قدم خدمة جليلة لبلده ولشعبه هو أمر إيجابي بل وضروري لكل مجتمع فكم بالأحرى لمجتمعنا الفلسطيني الممزق والمحاصر والرازح تحت نير الاحتلال. غني عن القول أن التكريم إيجابي وضروري للأحياء كما للأموات. ولكن، حسب رأيي يوجد هناك بعض المعايير التي يجب ألا تغيب عن نظر منظم التكريم وصاحب التكريم على حد سواء وإلا تحول إلى نقيضه، إلى إهانة، وأصبح نوعا من النفاق الاجتماعي و"الوطني". وحسب رأيي فإن مجتمعنا لا يولي التكريم أهمية كافية من جهة، فكم من مبدع طواه النسيان في حياته ومماته، ولكنه من جهة أخرى هو مجتمع يعشق المظاهر والمبالغة إلى حد الإدمان وإلى درجة تصل إلى حافة النفاق الاجتماعي والرياء والسياسي.
من المعروف أن شعبنا يحب الرموز ويبالغ في تكريمها. الغالبية عن حسن نية ولكن البعض لغاية سياسية كانت أم شخصية. أنا شخصيا أؤمن أن الشعوب ليست بحاجة إلى أية "رموز" لأن "الرموز" عادة تصبح فوق النقد، فتحجب الحقيقة وتشجع الإتكالية واللامبالاة. ولها مساوئ عديدة أخرى ليس هنا المجال لشرحها بالتفصيل. على كل حال، هذه "الرموز" المكرمة ليست بحاجة إلى شهادة مني أو من غيري ولا أقصد هنا أصلا إعطاء أية شهادة من أي نوع كان. كل ما هنالك هي قناعة شخصية، ربما تكون خاطئة، بأننا نقف أمام ظاهرة سلبية يجب مواجهتها، ويحق لشخص واحد على الأقل عنده جرأة كافية (أو وقاحة كافية) لكي يتكلم عنها ويحذر منها.
في الأسابيع الأخيرة فاضت وسائل الإعلام المحلية بتغطية حفلات تكريم عديدة بصورة مستفزة، لذلك لا أري ضيرا أن أواجه هذه التغطيات بشكل قد يستفز البعض.
لنأخذ مثلا الشاعر سميح القاسم الذي أحبه كشاعر وأكن له الاحترام كإنسان ولكني أختلف معه في الكثير من المواقف والآراء وهذا من حقي وحق كل واحد. في الآونة الأخيرة جرى تكريمه في عدة حفلات وفي عدة بلدان. لا أدري ما سر هذه الطفرة وفي هذا الوقت بالذات. في سخنين امتلأت القاعة بمحبي الشاعر الحقيقيين والذين لم ينبسوا ببنت شفة. ولكني لست متأكدا من أن كل من اعتلى المنصة وكال المدائح للشاعر بكل ما جادت به قريحته هو من محبيه. ولا أدري ما سر تعاون سلطة رام الله وبلدية سخنين ومؤسسة الأسوار في هذا الاحتفال. ماذا يعني وجود رئيس ديوان محمود عباس؟ ومن يقول أن له أو لرئيسه الحق في أن يمنح "وسام نجمة القدس" لأحد؟ ماذا فعلت هذه السلطة من أجل القدس أصلا؟ وما علاقة محافظ جنين الذي يفتخر بأنه قد حول مدينة جنين من "مدينة إرهاب إلى المدينة الأكثر أمنا للإسرائيليين"؟ وهو الذي وقع على اتفاقية توأمة بين مدينة جنين ومستوطنات مرج بن عامر، وطير بالونات وحمام أبيض على حاجز الجلمة تعبيرا عن السلام المفقود التعايش خلال استقباله لوفد إسرائيلي. وما هي علاقة رئيس بلدية أريحا وغيره من أعضاء الوفد المرافق؟ بل ما هي علاقة رئيس بلدية سخنين بالشعر والشعراء؟ وهل هو المخول لمنح "مواطنة شرف" لأحد؟ وأخيرا أعضاء الكنيست العرب الذين وقفوا بالدور حيث ألقى كل واحد منهم خطابا بليغا لكن بلا روح وكأنه يقف على منصة الكنيست. آسف جدا، هذا ليس تكريما وطنيا بل هو نفاق وطني. وأعدها إهانة للشاعر المحتفى به نفسه وليس تكريما له حتى ولو لم يراها هو كذلك وهي أيضا إهانة للجمهور. وفي عرابة قبل أيام جرى تكريم آخر للشاعر ومرة أخرى بلغت المجاملات ذروتها. حيث شبه رئيس البلدية الشاعر بالقديس وهذا يعني أن كل نقد هو من باب الكفر والإلحاد، ناهيك عن الباقي من سياسيين وغيرهم. الخطابات كاملة موجودة بين صفحات الجرائد المحلية والمواقع في الشبكة العنكبوتية لمن يهمه الأمر.
بالتزامن مع هذه التكريمات، جرت مراسيم الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر سليم جبران في البقيعة. ومرة أخرى تحركت جوقة المداحين التي أهملت الشاعر في حياته وها هي تذكره بعد مماته. ولو أتيح للشاعر عن يعود للحياة لحظة ويستمع للخطابات لصاح مذهولا: هل هو أنا المقصود بكل هذا الكلام؟
طبعا، للموت حرمته، وليس من الشهامة بشيء التعرض لمن لا يستطيع أن يرد. ولكن أيضا ليس من الشهامة بشيء المجاملة إلى درجة النفاق. لم تجمعني بسالم جبران صداقة ولكن جمعتني معه نقاشات عديدة بعضها قديم جدا يعود إلى سنوات السبعين عندما كنا سويا تحت سقف جامعة حيفا وبعضها أحدث عهدا عندما عمل محررا في جريدة الأهالي في سخنين. وكنت أتعمد خلال نقاشنا إغاظته من باب العشم أولا ولاختلاف المواقف والآراء ثانيا وأقول له: لا افهم كيف يعدونك من شعراء المقاومة وأنت تدعو إلى التعايش السلمي مع دولة إسرائيل ومن خلال عملك وتصريحاتك في جفعات حبيبة. وأذكر أنه في إحدى مقالاته الأسبوعية كتب ما معناه: أن الوهم بتجاهل وجود دولة إسرائيل يقود إلى الكوارث وأن الوهم بأن يقوم حزب الله باقتلاع الكيان الصهيوني سوف يكلف شعوبنا دما ودمارا. وأذكر أيضا أني كتبت مقالا ردا على تصريحاته هذه وسلمته إياه طالبا أن ينشره في جريدة الأهالي حيث كنت اكتب من فترة لأخرى لكنه لم ينشر المقال بحجة إني انزع الشرعية عن دولة إسرائيل وإني لا اختلف عن الإسرائيليين الذين ينكرون شرعية فلسطين. ولكني أعترف بأنه كان إنسانا دمثا واسع الصدر يستمع لكافة الآراء.
حتى لا يصبح التكريم إهانة للمكرم نفسه وللجمهور ومن أجل بلوغ الغاية المرجوة من التكريم ينبغي نبذ المبالغة والنفاق والتقيد بضوابط الحقيقة والاحترام.

Wednesday, January 25, 2012

أين اختفى اليسار العربي؟

أين اختفى اليسار العربي؟
علي زبيدات – سخنين

في خضم العواصف التي عصفت بالعالم العربي في السنة الأخيرة على الأقل، هناك أمر لم أستطع أن أستوعبه أو أهضمه: أين اليسار العربي؟ لماذا لم نسمع صوته؟ لماذا لم نرى جحافله تملأ الشوارع والميادين؟ لماذا لم نقرأ ولم نطلع على برامجه؟ وعندما أتكلم عن اليسار العربي أقصد كل من سولت له نفسه وسماها يسارا بغض النظر إن كان قوميا أو اشتراكيا أو شيوعيا أو لبراليا. وبغض النظر إن كان ثوريا أو إصلاحيا، جذريا أو انتهازيا. أين ذهبت الشعارات الرنانة ولكن الخاوية، والتي نعرف منذ زمن بعيد إنها خاوية، ولكننا تربينا عليها وترعرعنا معها منذ كنا أطفالا؟ لماذا اختفت؟ لماذا ملأ هذا اليسار فمه ماء فسكت؟ وثقلت قدماه فربض وشلت يداه فهمد؟
وبالمقابل لماذا يعوج العالم العربي ويموج بمن دمغناهم بالرجعية والتخلف؟ من جماعات الأخوان المسلمين على مختلف أشكالهم إلى الأحزاب السلفية وشيوخ وأمراء وملوك النفط؟ هل معقول أن يكون هذا اليسار هو الرجعي وهو المتخلف ولكنه لا يعلم ذلك؟. لقد آن الأوان أن ينظر اليسار العربي إلى نفسه بالمرآة ويرى صورته على حقيقتها كما هي بدون ماكياج وبدون تجميل وليس كما يحب أن يراها. لقد آن الأوان أن يكف عن إطلاق سهام نقده على الآخرين ويبدأ باستعمال سلاح النقد الذاتي على جسده الحي، هذا إذا بقي لديه ثمة جسد حي.
لست هنا بصدد تحليل الانتصارات التي حققتها أحزاب الإسلام السياسي في تونس ومصر وفي غيرها من البلدان بالرغم من أنها كانت أكثر الأطراف قابلية للمساومة والتهادن مع الأنظمة البائدة وبالرغم من إنها لم تخض أية معركة بناء على برنامج سياسي واضح. كل ما أريد قوله بهذا الصدد أن أحزاب الإسلام السياسي قد حققت نجاحا باهرا تحويل الدين إلى أيديولوجية سياسية وتسويقها على أفضل وجه. بينما نجحت الأحزاب والحركات التي تعتبر نفسها يسارية من تحويل الايديولوجية السياسية إلى دين ولكن إلى دين جامد لا روح فيه.
لقد نال اليساريون على مختلف مشاربهم من قوميين واشتراكيين وليبراليين فرصتهم الذهبية طوال القرن الماضي، القرن العشرين أو معظمه، وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. لكنهم أخفقوا أيما إخفاق، حيث قادوا شعوبهم من هزيمة إلى أخرى ومن تخلف إلى مزيد من التخلف ومن فساد إلى مزيد من الفساد حتى انتهوا إلى أنظمة فاشية أو شبه فاشية. ما زرعوه خلال القرن المنصرم. ما يلاقونه اليوم من نبذ وازدراء ليس سوى جزء من عقاب الجماهير لهم. وكما قال كارل ماركس الذي يعتبره اليساريون الأكثر جذرية مرجعا لهم: "نحن لا نحكم على الأشخاص أو على الأحزاب السياسية من خلال ما يقولونه عن أنفسهم بل من خلال أفكارهم وممارساتهم العملية".
ماذا تعني مثلا أن تكون ليبيا جماهيرية اشتراكية عظمى وتدار كمزرعة خاصة لعائلة واحدة؟ ماذا تعني أن تكون سوريا لنصف قرن دولة اشتراكية ويتم احتكارها من قبل نخبة فاسدة وكأنها حانوت خاص؟. ماذا تعني الوحدة عندما يقوم القيمون عليها بتقطيع أوصالها؟ ماذا تعني الحرية عندما يصبح العالم العربي بأسره سجن كبير؟ هل نحن بحاجة إلى اشتراكية أخرى على طريقة شاوشيسكو؟ وعندما نراها تنهار أمام أعيننا نصرخ: مؤامرة مؤامرة؟
دعونا نأخذ اليسار الفلسطيني نموذجا. ألم يكن منذ البداية ذنبا لليمين الفلسطيني؟ ألم يشكل منذ البداية احتياطا لهذا اليمين بل وفي كثير من الأحيان شاهد زور له؟ هل كان من الممكن تمرير اتفاقيات أوسلو المجحفة لولا دعم هذا اليسار؟ هل كان من الممكن أن تصمد سلطة أوسلو عشرين يوما، وليس عشرين عاما، لولا المساهمة التي قدمها هذا اليسار على كافة الأصعدة وفي جميع المجالات؟ لقد أخذت بعض الفصائل "اليسارية" جدا جدا على عاتقها مهمة التنظير لإتفاقيات وسلطة أوسلو. إذن، أين المفاجأة إذا ما نهض هذا اليسار ذات صباح ووجد نفسه وحيدا عاريا ورأى الجماهير تلتف إما حول حركة فتح حيث السلطة والمال وإما حول حماس حيث المقاومة أو على الأقل الحلم بالمقاومة.
ولنأخذ اليسار الفلسطيني في الداخل كنموذج آخر: بصراحة، لا أدري أي تعريف لليسار ينطبق عليه. فإذا كان اليسار يعني أولا وقبل كل شيء القدرة على التغيير الفكري والاجتماعي والسياسي وقيادة هذا التغيير نحو واقع أفضل فإن يسارنا مصاب بجمود عقائدي وتخلف اجتماعي وشلل سياسي، وإلا كيف نفسر العائلية والطائفية والفساد التي تطفو على السطح أيام الانتخابات ولكنها في الحقيقة موجودة طوال الوقت؟
الحقيقة المرة هي أن اليسار العربي يمثل ذلك النظام الذي تنادي الجماهير بإسقاطه، النظام الذي يجب أن يرحل. فالقطيعة بين هذا اليسار وبين الجماهير تكاد أن تكون مطلقة.
لن تكون، حسب رأيي، أحزاب الإسلام السياسي بديلا أفضل للأنظمة المنهارة أو للأحزاب العلمانية. ولكن هذه هي فرصتها وقد أبدعت حتى الآن في استغلالها. لم تخيب أمل الجماهير المتلهفة للتغيير بعد. ولكن حسب رأيي سوف تقوم بذلك سريعا. فإذا أخذنا السودان كمثل استولت فيه أحزاب الإسلام السياسي على السلطة لرئينا كيف قامت هذه الأحزاب خلال فترة وجيزة بتقسيم البلد والزج به في حروب أهلية متواصلة هذا بالإضافة إلى الفقر والمجاعات، ولاستطعنا أن نتخيل مصير باقي البلدان.
إذا أراد اليسار العربي المنهك أن يسترد عافيته ودوره التاريخي فعليه أن يحترق كالعنقاء ويصبح رمادا لعل من هذا الرماد يخرج طائر عنقاء جديد.

Wednesday, January 18, 2012

ديمقراطية سيربيروس - الكلب ذو الرؤوس الثلاثة

ديمقراطية سيربيروس - الكلب ذو الرؤوس الثلاثة
علي زبيدات – سخنين

يحكى كما جاء في الميثولوجيا الإغريقية أنه كان هناك كلب مشوه شرس يسيطر عليه الحقد يسمى سيربيروس. وكان لهذا الكلب ثلاثة رؤوس في غاية القبح والمسخ وجسد واحد. وكان هذا الكلب حارس المدخل الوحيد لعالم الموت وخادم بوابة العالم السفلي وكانت مهمته منع خروج الأرواح التي دخلت العالم السفلي وفي الوقت نفسه منع أي شخص من عالم الأحياء الدخول إليه. وكل من كانت تسول له نفسه الدخول كان سيربيروس يمزقه إربا إربا ويفترسه.
في بلادنا، سيربيروس هو جهاز "الدولة اليهودية الديمقراطية" ذو الرؤوس الثلاثة والجسد الواحد.
الرأس الأول: السلطة التشريعية أي الكنيست حيث يتكاتف رجال عصابات يسمون أنفسهم ممثلي الجمهور، يشكلون أغلبية ويسنون القوانين التي تعبر عن أحقادهم الدفينة.
الرأس الثاني: السلطة التنفيذية، أي الحكومة التي تنفذ القوانين على أرض الواقع بالعنف تارة وبالإكراه تارة أخرى. والرأس الثالث: السلطة القضائية أي المحاكم على أنواعها ودرجاتها والتي مهمتها أن تضفي الشرعية على القوانين الصادرة عن الرأس الأول وتؤمن الحماية القانونية للرأس الثاني عندما يبطش بالشعب الأعزل. ويقولون أن هذه السلطات مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض حسب النظريات الكلاسيكية في الفكر السياسي الديمقراطي من جون لوك وجان جاك روسو إلى مونتسكيه والبعض يعود بهذا الفصل إلى منبع الفلسفة الإغريقية نفسها إلى أفلاطون وأرسطو.
ثلاثة رؤوس وجسد واحد هذا ما أكدته مرة أخرى المحكمة العليا عندما صادقت على قانون المواطنة: الكنيست تشرع، الحكومة تنفذ والمحكمة تصادق. عاشت ديمقراطية سيربيروس المجيدة.
نحن لا نتكلم هنا عن وعران احتضنهم حزب "يسرائيل بيتينو" العنصري جاؤوا من بارات وشوارع روسيا سعيا وراء حياة أفضل بل نتكلم عن زبدة المجتمع الإسرائيلي، عن النخبة، عن جهابذة القضاء، عن ضمائر الدولة العبرية. فهذا القاضي أشر غرونيس الذي سوف يصبح قريبا رئيس المحكمة العليا يقول" حقوق الإنسان ليست وصفة للانتحار القومي" ويضيف: " لا يوجد في العالم دولة تسمح بدخول مواطنين أعداء إليها في ساعة حرب. ولا يوجد محكمة في العالم تسمح بدخول مواطنين أعداء إلى دولتها". لقد نسي "سعادة" القاضي أن هؤلاء الأعداء هم سكان البلد الأصليين. وآخر يقول: رفض القانون يعني التفريط بأمن الدولة. ويضيف آخر: رفض القانون يعني الاعتراف بحق عودة اللاجئين. أما الصحفي العنصري في جريدة معاريف بن درور يميني فيقول: " لقد أنقذت المحكمة نفسها من نفسها، فلو سقط القانون لحصلت هزة أرضية وكانت خطوة صغيرة في طريق طويل لإلغاء دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي".
قد يقول البعض: ولكن خمسة قضاة ومن ضمنهم رئيسة المحكمة نفسها صوتوا ضد القانون. أولا، هذا جزء من اللعبة التي تفترض تقسيم الأدوار. لكي تنجح اللعبة لا بد من وجود معارضة. وفي هذه الحالة دور المعارضين لا بقل من حيث الأهمية عن دور الموافقين. ثانيا، الخلافات بين القضاة المعارضين والقضاة المؤيدين للقانون لم تكن مبدئية أو كيفية أصلا، بل كانت حول التفاصيل وشمولية القانون.
تصوروا أن مثل هذا القانون كان قد سن وصادقت عليه المحاكم العليا في الولايات المتحدة الأمريكية أو في إحدى الدول الأوروبية وكان موجها بشكل خاص ضد اليهود فماذا ستكون النتيجة؟ أظن لا حاجة هنا للإسهاب فالجواب معروف. المأساة هي أن بعض مؤسساتنا القيادية من أحزاب سياسية ومنظمات أهلية مهتمة بحقوق الإنسان كانت (وما زالت) تظن أن المحاكم الإسرائيلية من حيث المبدأ هي محاكم نزيهة وعادلة خصوصا إذا ما قورنت بالكنيست أو الحكومة.وكانوا إذا ما حصل لهم أي غبن من الكنيست أو الحكومة يهرولون إلى المحكمة طلبا للعدالة. وأن ما يحصل حاليا في أروقة المحاكم من أحكام جائرة وعنصرية هو من التأثير الخارجي السلبي. ونرى هذه المؤسسات تدين بكل ما لديها من عبارات وصراخ القوانين العنصرية الصادرة عن الكنيست والسياسة الحكومية التي تنفذ هذه القوانين ولكن إدانتها تصبح قريبة من العتاب عندما يتعلق الأمر بالسلطة القضائية.
نعود إلى قصة سيربيروس في المتولوجيا الإغريقية: فقط البطل هرقل استطاع أن يصارع هذا الكلب المشوه وينتصر عليه، فهل ما زال هناك أبطال من هذا النوع؟

Wednesday, January 11, 2012

عملية "كوب الماء المسكوب"

عملية "كوب الماء المسكوب"
علي زبيدات – سخنين

الموضوع بحد ذاته لا يستحق التعقيب أو التعليق: زميلان في بيت دافئ واحد وفي لجنة موقرة واحدة اختلفا فرفع أحدهما صوته بما لا يعجب الأخرى مما أثار عصبيتها فسكبت عليه كوبا من الماء. البعض يقول لكي تبرد من عصبيتها والبعض الآخر يقول لكي يبرد هو حماسه قليلا ومن ثم يهدأ. عادي، مثل هذه الأمور تحدث في أحسن العائلات وفي حالتنا هذه في أحسن البرلمانات. هذه السطور ليست دفاعا عن أحد وليست تشفيا بأحد. وعلى كل حال فقد عادت المياه إلى مجاريها بسرعة حيث قامت لجنة التأديب التابعة للكنيست بمعاقبة هذه الفاشية الصغيرة بإبعادها لشهر عن اجتماعات الكنيست الأمر الذي وصف بالعقوبة القاسية، وقامت هي بتقديم بعض عبارات الاعتذار للعضو المعتدى عليه الذي أسرع بالتعبير عن سروره بالعقاب الذي نالته المعتدية.
السؤال الذي يعود ويطرح نفسه بعناد: هل تشكل الكنيست ولجانها ونقاشاتها حقا حلبة جيدة وضرورية للنضال من أجل الدفاع وتحصيل حقوق الجماهير الفلسطينية في هذه البلاد؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب قاطعا: نعم، طبعا. لو لم يكن كذلك فلماذا يتعرض النواب العرب بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية والإيديولوجية إلى كل هذه الاهانات والمضايقات؟ النائب غالب مجادلة الذي ينتمي إلى حزب صهيوني عريق لم يكن الأول ولن يكون الأخير الذي يتعرض لمثل هذه المعاملة. فقد سبقه نواب ينتمون إلى أحزاب "قومية" و"تقدمية" وفي بعض الحالات من قبل النائبة الفاشية الصغيرة نفسها التي جاءتنا قبل سنوات معدودة من روسيا واليوم تريد أن تتحكم بمصائرنا.
ولكن هل تصرفات نواب اليمين المتطرف وغير المتطرف تجاه النواب العرب سبب كاف ومقنع لوجود نواب عرب بحجة النضال من أجل حقوقنا المشروعة من على منبر الكنيست؟ سمعت أحد الشباب الظرفاء يقول لأحد النواب العرب في إحدى المظاهرات التي انتهت بمواجهات طفيفة مع قوات الشرطة: في البلدان الأخرى يقوم نواب البرلمان عادة بحماية الجماهير من هراوات الشرطة ما عدا هنا حيث تقوم الجماهير بحماية نواب الكنيست العرب.
لسنا هنا بصدد تاريخ الكنيست الحافل بالجرائم ضد الشعب الفلسطيني ولسنا بصدد مكانتها ودورها في الدولة الصهيونية. فكل هذه الأمور أصبحت معروفة لكافة قطاعات الشعب. واليوم لسنا في أجواء انتخابات لكي ندعو للمقاطعة. يكفي أن نتذكر القوانين التي سنتها الكنيست في الفترة الأخيرة فقط: من قانون المواطنة والنكبة ولجان القبول مرورا بقانون المقاطعة والجمعيات وحتى قانون الولاء والدولة القومية اليهودية والحبل عالجرار.
طبعا سيقول البعض أن النواب العرب يعارضون هذه القوانين ويناضلون ضدها من أروقة الكنيست نفسها وبكل ما يملكونه من صراخ. وهذا صحيح بكل تأكيد: من أجل سن هذه القوانين العنصرية الأغلبية مضمونة ولكن الضرورة الأهم هو تأمين وجود معارضة صاخبة ولكن عقيمة لكي تتم اللعبة "الديمقراطية" وذلك من أجل ترويج الطابع الديمقراطي للدولة العبرية حتى يتم التصفيق لها في أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى. هذه هي متعة اللعبة البرلمانية: حيث يخرج الجميع بعد يوم عمل شاق مبسوطين. الائتلاف الحاكم يسن القوانين العنصرية متى يشاء وكيفما يشاء، والمعارضين من النواب وخصوصا العرب منهم يملئون الدنيا ضجيجا ولكن تبقى طواحينهم فارغة.
يبدو أن بعض الناس قد أدمنوا هذه اللعبة البرلمانية ولا يستطيعون تركها ويحاولون إقناع أنفسهم وإقناع الآخرين بضرورة وجودهم وبقائهم في الكنيست هذا بالرغم من كونهم أول من يعرف أضرار هذه اللعبة.
يقول المثل العربي: "من يريد مداعبة القطط عليه أن يتحمل خراميشها". عندما تعرضت النائبة حنين الزعبي إلى هجمة شرسة بسبب مشاركتها في أسطول الحرية هب الجميع يدافعون عنها حتى الذين لا ينتمون لحزبها بصلة. ولكن عندما تعرضت لبعض المضايقات من قبل زملائها في الكنيست ومن بينها الاعتداء عليها من قبل النائبة ميخائيلي نفسها فإن القصة تختلف. وقس على ذلك باقي النواب.
عملية كأس " الماء المسكوب" وعملية"الرصاص المصبوب" هما وجهان لعملة واحدة صكت في الكنيست الصهيوني.

Wednesday, January 04, 2012

حكاية "المقاومة الشعبية السلمية"

حكاية "المقاومة الشعبية السلمية"
علي زبيدات – سخنين

في الآونة الأخيرة كثرت التصريحات الصادرة عن أقطاب السلطة الفلسطينية وخصوصا عن رئيسها محمود عباس والتي تدعو للجوء إلى المقاومة الشعبية السلمية في مقاومة الاستيطان والجدار والاحتلال بشكل عام. وقد تزامنت دعوته الأولى أثناء ذهابه إلى الأمم المتحدة لحصاد ما سمي في حينه باستحقاق أيلول للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي حينه نظمت بعض المسيرات الهزيلة تتناسب مع هذه الخطوة الهزيلة والهزلية في آن واحد وكلنا يعرف ماذا كان مصير هذه الخطوة "التاريخية" وكل ما رافقها من "مقاومة شعبية"، حيث أسدل الستار عليها نهائيا وأصبحت نسيا منسيا.
اليوم، يعود إلينا السيد محمود عباس مرة أخرى لكي يبشرنا أن المصالحة بين فتح وحماس تمت على أساس الاتفاق على نبذ المقاومة "المسلحة" واللجوء فقط إلى "المقاومة الشعبية السلمية" ولتجميلها أضاف:على طريقة الربيع العربي. كما تضمنت اتفاقية المصالحة على ضرورة أن تستمر الهدنة ليس في قطاع غزة وحسب بل يجب أن تشمل الضفة الغربية أيضا. لنتجاوز التناقض الصارخ بين استمرارية "الهدنة" واتساع رقعتها من جهة وبين مفهوم المقاومة من جهة أخرى، ولنتجاوز تصريحات قيادة حماس المتناقضة أيضا بين صحة أو عدم صحة هذه التصريحات ولنتساءل بل نسأل السيد عباس وأركان سلطته: ما الذي منعهم حتى الآن من اللجوء إلى "المقاومة الشعبية السلمية"؟ وكيف يمكن أن نصدق مثل هذه الدعوة وهو يصرح في كل مكان وزمان وفي كل مناسبة ومن غير مناسبة أن الخيار الوحيد هو المفاوضات والمزيد من المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات؟ كيف نصدق مثل هذه الدعوة وهو يقول لكل من يريد أن يسمع أنه ما دام رئيسا لهذه السلطة لن تكون هناك انتفاضة ثالثة أو أية انتفاضة من أي نوع كانت؟ وأخيرا كيف نصدق مثل هذه الدعوة وأجهزة أمن السلطة التي دربها دايتون بتمويل أمريكي – أوروبي – عربي تمنع أي تظاهرة ضد الاحتلال بالقرب من المستوطنات أو الحواجز الرئيسية؟
في الحقيقة، ثورات الشعوب والمقاومة بشكل عام ليست من باب الترف أو من باب المتعة. فهي مليئة بالألم والتضحيات والدمار والمصائب. كنا نتمنى ألا يكون هناك حاجة أصلا لأي شكل من أشكال المقاومة أو الثورات أو الحروب التحررية. أي كنا نتمنى ألا يكون أصلا أي احتلال أو اضطهاد أو ظلم وهي الأمور التي تولد المقاومة على أشكالها. ولكن هذا الحلم لا وجود له على أرض الواقع. فلو لم يقدم الشعب الجزائري مليون شهيد لكانت الجزائر حتى اليوم ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي ولولا الحرب طويلة الأمد وبالغة الدمار التي خاضها الشعب الفيتنامي لما نال حريته واستقلاله ولولا ثورة عبد الناصر لما تأممت قناة السويس بالرغم من الثمن الذي تم دفعه خلال العدوان الثلاثي على مصر.
فلسطين لا تشذ عن هذه القاعدة. لو لم تكن هناك نكبة واقتلاع شعب بأكمله من أرضه، ولو لم يكن هناك احتلال دائم وإذلال دائم وحصار دائم لما كانت هناك ضرورة لأية مقاومة شعبية أو غير شعبية.
يبرر رجالات "المقاومة الشعبية السلمية" طراز آخر زمن دعوتهم هذه أولا: لإحراج دولة إسرائيل أمام العالم: ولكن ما العمل وإسرائيل لا تشعر بأي إحراج؟ فهي ماضية في سياستها تعمل ما تشاء في أي وقت تشاء وكيف تشاء؟. وثانيا: من أجل كسب تعاطف وتأييد الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. إلا أن هذا التعاطف حتى الآن لا يساوي قشرة بصل. وأخيرا يبررون هذه الدعوة باختلال موازين القوى لصالح إسرائيل وكأن موازين القوى عندما قررت التنظيمات الفلسطينية خوض تجربة الكفاح المسلح لم تكن مختلة لصالح إسرائيل.
لعل أكثر ما يغيظ في دعاة المقاومة الشعبية السلمية الجدد هو ذلك التناقض الوهمي والتعسفي الذي أدخلوه بين شتى أشكال المقاومة. وكأنه يوجد من يعارض المقاومة الشعبية السلمية، وكأن أشكال المقاومة الأخرى تتناقض مع المقاومة الشعبية السلمية بدل أن تكملها. وهذا ليس فقط تشويها للواقع وللحقيقة بل هو افتراء على مسيرة المقاومة الشعبية نفسها خصوصا على الانتفاضة لأولى والثانية. فالحجر الذي يقاوم دبابة أصبح مقاومة غير سلمية ويجب أدانته ونبذه. وصواريخ القسام البدائية التي تحاول الرد على غارات الطائرات الحربية الإسرائيلية المدججة بالقنابل والصواريخ أصبحت صواريخا عبثية. وربما كانت بالفعل صواريخا عبثية ولكن بما أن الوضع بمجمله عبثي إلى أقصى حدود العبثية فقد أصبحت ألأكثر منطقيا.
إن شعبا مسحوقا، مضطهدا لا يسعى إلى تسليح نفسه وإعداد نفسه لخوض مسيرة طويلة ومؤلمة من التضحيات والنضال إن شعبا كهذا يستحق أن يعامل معاملة العبيد.
لقد منحت جميع الشرائع السماوية والإنسانية الشعب المضطهد الحق في أن يستعمل جميع أشكال النضال من أجل الحصول على حريته. عدالة السلاح تنبع من عدالة القضية التي يستعمل من أجل تحقيقها. من هذا المنطلق نميز بين الحروب الرجعية الاستعمارية المرفوضة مطلقا وبين الحروب الثورية التقدمية. لا يمكن وضع العنف الرجعي الذي تمارسه الأنظمة ضد شعوبها وشعوب غيرها والعنف الثوري التحرري الذي تمارسه هذه الشعوب من أجل الحرية في سلة واحدة.