Wednesday, July 06, 2011

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا

حاصروا حصاركم ولنحاصر حصارنا
علي زبيدات – سخنين

مخطئ من يظن أن دولة إسرائيل لوحدها تفرض الحصار على قطاع غزة. العالم بأسره يشارك في هذا الحصار بشكل أو بآخر. ما يجري اليوم أمام أنظار وسمع العالم في ملاحقة أسطول الحرية الثاني نزع القناع عن وجوه الكثيرين وكشف عورات الجميع. لم يعد كافيا أن نكيل الشتائم لدولة الاحتلال حتى نتبرأ من هذا الحصار بعد أن نسل أنفسنا كالشعرة من العجين، ننفض عن كاهلنا تحمل المسؤولية ونردد لا حول لنا ولا قوة أو لا حول ولا قوة إلا بالله.
الأمر لم يعد يتحمل هذا التملق والكذب والتزوير والخوف من المواجهة، لم يعد يتحمل الشعارات الرنانة ولا المجاملات ولا حتى الأحاديث الدبلوماسية الدبقة.
من هنا، أنا أتهم، وأظن أن معظم سكان قطاع غزة البسطاء يتهمون معي هذا العالم الجبان، الصامت، المتواطئ، الغادر بالمشاركة في هذا الحصار المجرم الذي يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. لا أستثني أحدا.
أبدأ باتهام أنفسنا نحن في فلسطين المحتلة عام 1948، من مؤسسات رسمية وعلى رأسها لجنة المتابعة والأحزاب والحركات السياسية وهي معروفة، وأذكرها مرة أخرى بالاسم: الحركتان الإسلاميتان، الحزب الشيوعي وجبهته، التيار "الوطني" كما يحب أن يطلق على نفسه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وباقي أحزاب التهريج ذات الأسماء الرنانة "الديمقراطي العربي" و"القومي العربي" و"العربية للتغيير" وأبناء البلد بشقيها أو بثلاثة أو أربعة شقوقها، لا أدري، كذلك اتهم ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني من الجمعيات التي تعيش على فضلات الأموال المستجداة من الصناديق والدول المانحة الامبريالية. كذلك لا استثني الأفراد من الجماهير، مثلي ومثل غيري الذين يتابعون ما يجري على شاشات التلفزيون وعلى شبكة الانترنت ويضربون كفا بكف بعدما أصابهم مرض اليأس والإحباط والشعور بالعجز. نعم، جميعنا مشاركون في حصار غزة وجميعنا نتحمل مسؤولية هذه الجريمة.
ماذا فعلنا من أجل كسر الحصار عن غزة؟ لماذا يجب أن ننتظر أصلا بعض النشطاء القادمين من عشرين دولة أو أكثر وبعض السفن الصغيرة أكثر لكي نعبر عن مشاعرنا؟ قد يقول البعض: إننا لا نملك سفنا لكسر الحصار، لذلك نكتفي بإرسال عشرة مندوبين من النخبة للمساهمة في الأسطول. ولكن هل الحصار على غزة من البحر فقط؟ ألا يوجد هناك حصار بري أيضا؟ كم "أسطولا" بريا نظمنا لكسر الحصار؟ أسطول؟؟ آسف أقصد كم شاحنة؟ ها هو شهر رمضان على الأبواب ويكفي ما يتبقى على موائدنا لإطعام جميع المحاصرين، هذا ناهيك عن ولائم الإفطار الجماعية التي يشارك فيها رموز من يفرضون الحصار من رئيس الدولة شمعون بيرس وحتى أصغر وزير وموظف.
صرح رئيس لجنة المتابعة، السيد محمد زيدان لوسائل الإعلام: لن نشارك بأسطول الحرية الثاني لأننا نخشى المضايقات الإسرائيلية". من يخشى المضايقات الإسرائيلية من المفضل أن يبحث لنفسه عن منصب آخر. بالمناسبة، أنصح رئيس هذه اللجنة حفاظا على ماء الوجه أن يقدم استقالته فورا.
لماذا لا ننظم أسبوعيا، كل يوم جمعة، أسطولا بريا لكسر الحصار؟ قد يقول البعض: لا نستطيع. وأنا أجيب: هل حاولتم؟
الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967، من أحزاب وتنظيمات وفصائل بغض النظر عن موقعها، في السلطة كانت أو في المعارضة، هم أيضا متورطون في فرض هذا الحصار.أليس من العار أن يكون الرئيس الفلسطيني أول من يؤيد اقتراح اليونان التي رضخت للضغط الإسرائيلي بأن يتم نقل المعونات إلى ميناء اشدود ومن ثم تقوم السلطات الإسرائيلية بنقله إلى غزة كما تراه مناسبا؟ على كل حال، دور هذا "الرئيس" ودور رئيس حكومته في حصار غزة منذ سنوات معروف للقاصي والداني. كل فلسطيني يقبل بسلطة أوسلو هو موضوعيا شريك في حصار غزة شاء ذلك أم أبى.
الدول العربية بدون استثناء شريكة في هذا الحصار الغاشم. أكتفي هنا بالإشارة إلى موقف مصر "الثورة" المخزي من هذا الحصار. بالرغم من الضجيج الإعلامي ما زال معبر رفح على حاله، فتحه لبضعة أيام في الأسبوع أو لبضعة ساعات في اليوم وشروط عبوره لا تخجل حتى نظام حسني مبارك البائد. يا حيف، كيف يستطيع نظام أن يتكلم عن كرامته القومية وهو لا يملك السيطرة على معبر في أرضه؟ هذا الواقع ليس من شيم الثوار بل من صفات العملاء والمتعاونين.
إذا كنا نحن، الفلسطينيون والعرب نشارك في حصار قطاع غزة، بدون أن يرجف لنا جفن، فبأي وازع أخلاقي نستطيع أن نلوم تركيا على موقفها الغادر؟ ونلوم اليونان على رضوخها، ونلوم الأمم المتحدة على تواطؤها والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على تعاونهما مع إسرائيل؟
الشعب الذي يرضى بالإهانة ويرضى بأن تداس كرامته فهو يستحق أن يعامل كالعبيد.
العالم يحاصر قطاع غزة عسكريا وسياسيا واقتصاديا. ولكن في المقابل، قطاع غزة يحاصر العالم أخلاقيا. ولن يهزم الحصار إلا الحصار.

Wednesday, June 29, 2011

من نقد الأنظمة إلى نقد الثورات

من نقد الأنظمة إلى نقد الثورات
علي زبيدات – سخنين

منذ أن وعينا على هذه الدنيا ونحن ننتقد الأنظمة العربية ونحملها مسئولية تخلف الشعوب العربية عن ركب الحضارة ونحملها كل ما هو سلبي في مجتمعاتنا العربية في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة. أنا شخصيا توصلت منذ زمن طويل إلى نتيجة مفادها أن الأنظمة العربية ذات جوهر واحد بغض النظر عن تسميتها لنفسها: ملكية أم جمهورية، متطرفة أو معتدلة، دينية أو علمانية، رأسمالية أم اشتراكية، دولة رفض أو قبول، إلى ما هنالك من تصنيفات. جميعها تشكل حالة تخلف بنيوي وحضاري في المنطقة. وبالتالي فإن جميع هذه الأنظمة تستحق السقوط أو الإسقاط.
لا أستطيع أن أتصور نفسي في موقع المدافع عن هذا النظام أو ذاك مهما كانت الظروف ومهما كانت التبريرات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، بعد مرور أكثر من نصف سنة على هبوب رياح التغيير والثورة على العالم العربي من المحيط إلى الخليج، هو: هل هذه الثورات هي البديل التاريخي الأفضل لهذه الأنظمة؟
بالرغم من قصر الفترة الثورية في العالم العربي إلا أن المحللين والدارسين لها قد سارعوا إلى تصنيفها إلى صنفين رئيسيين: الأول، ثورات نجحت في إسقاط النظام وتحقيق معظم مطالبها أو البدء في تحقيقها على الأقل وهي تونس ومصر. والثاني ثورات تعثرت فيها الثورة بشكل أو آخر وما زال الصراع دائرا لم يحسم بعد كما في ليبيا، اليمن، البحرين وسوريا.
المقصود من هذه المقالة ليس الحكم على هذه الثورة أو تلك بالفشل أو النجاح، وحتى ليس تقييما لهذه الثورات من منطلق الانجازات التي حققتها أو الإخفاقات التي كانت من نصيبها، بل هي مجرد ملاحظات نقدية قد يتقبلها البعض وقد يرفضها آخرون. ولكن سلاح النقد يبقى ضروريا ولا بد منه من أجل دفع عجلة النضال الثوري إلى الأمام.
حسب رأيي، كانت انجازات الثورة في البلدان التي انتصرت فيها أي في تونس ومصر متواضعة جدا. وذلك لأسباب عديدة لا مجال لسردها وتفصيلها هنا ولكني سوف أتوقف عند عاملين على غاية الأهمية تم تجاهلهما من قبل جميع المحللين والدارسين عن قصد أو عن غير قصد.
الأول: غياب الثورة الثقافية الفكرية. في أوروبا مثلا، لو لم تسبق الثورة السياسية التي نقلت القارة من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة ثورة ثقافية فكرية حطمت القيود التي فرضتها الأفكار الكنسية المتحجرة البالية، لما استطاعت الثورة السياسية الانتصار وإن انتصرت لأخفقت في تحقيق تحولات جذرية عميقة في مجتمعاتها. في أوروبا سمي ذلك عصر التنوير ابتداء من عيمانوئيل كانت، مرورا بجان جاك روسو وفولتير وهيغل وحتى ماركس وباقي المفكرين العمالقة. الثورات العربية جرت، تحت وطأة الاستبداد السياسي والركود الاقتصادي والفساد الإداري فحسب، ولكن بمفاهيم وأفكار قديمة وفي أغلب الأحيان عقيمة. الأحزاب السياسية التي من المفروض أن تقود النضال الثوري كانت هامشية أو شكلت دعامة للنظام البائد. لذلك بعد سقوط النظام تسارعت الخطوات لتحويل الثورة إلى نظام. وكانت التحولات الجذرية متواضعة وسطحية برزت في أفضل الحالات في التخلص من رموز النظام السابق ومحاكمة بعضهم. لو كانت هناك تحولات ثورية في الثقافة والفكر لمهدت الطريق أمام الثورة السياسية ولدفعت التحولات السياسية والاجتماعية إلى المزيد من التحولات الجذرية. لا يستطيع جيل الثورة أن ينتصر على النظام القائم بواسطة استخدام أفكار النظام القائم.
العامل الثاني هو التخلف الصناعي والاقتصادي للبلدان العربية: مرة أخرى نلجأ إلى أوروبا كنموذج: بالإضافة للثورة الفكرية، سبقت الثورة السياسية ثورة صناعية دكت أسس النظام الإقطاعي المنهار مما جعل الثورة السياسية حتمية تاريخية. وقد جرت محاولات لتحقيق الثورة الصناعية بعد انتصار الثورة السياسية ولكنها فشلت، وأكبر مثال على ذلك فشل الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي السابق. حيث كان العامل الاقتصادي نقطة ضعف في هذه الثورة حتى زوالها بعد سبعين عاما من الثورة. العالم العربي بالرغم من الغنى الفاحش لبعض أجزائه بالنفط والأموال ومواد الخام، حافظ على تخلفه الاقتصادي وخصوصا الصناعي. كان النظام الإقطاعي سائدا حتى في البلدان التي لم تعرف الزراعة كدول الخليج التي أقامت ما أسميه بنظام الإقطاع المالي. في هذه الأيام، لا يمكن الحديث عن تقدم حضاري بدون الحديث عن ثورة صناعية. العالم العربي هو من حيث الأساس عالم مستهلك وليس عالما منتجا.
يجب العمل على إنقاذ الثورة في تونس ومصر من أن تتحولا بسرعة إلى نظام وبالتالي إلى ضرورة اللجوء إلى ثورة جديدة.
قلت في مناسبات عديدة أن الثورة تقاس بمقياسين، الأول: درجة التحولات الجذرية التي تحدثه في المجتمع في كافة المجالات. والثاني درجة عدائها للنظام الامبريالي العالمي. من هذا المنطلق لا نستطيع أن نصف المعارضة الليبية المتحالفة مع القوة الامبريالية بالثورة. ومن هذا المنطلق أيضا لا يمكن أن نعتبر السلطة الفلسطينية التي تلهث وراء الحلول الأمريكية سلطة ثورية أو وطنية. ومن هذا المنطلق نحذر من خطورة انزلاق المعارضة السورية للتحالف مع القوى الامبريالية. الشعب الذي لا يستطيع انتزاع حريته بالاعتماد على قواه الذاتية وعلى أبنائه فهو لا يستحق الحرية. بطش النظام لا يبرر اللجوء إلى قوى أجنبية دخيلة مهما كانت التسميات. من أجل إنقاذ الثورة في تونس وفي مصر ومن أجل انتصار الثورة في باقي البلدان العربية ينبغي المحافظة على نقاء الثورة وتنظيفها من الشوائب العالقة، الاستمرار بها وتعميقها وتوسيعها حتى تشمل كافة المجالات وأن تصعد العداء للنظام الامبريالي العالمي لأنه الداعم الأول للنظام المحلي الرجعي.

Wednesday, June 22, 2011

مافي مرمرة" ولكن يوجد مرارة"

مافي مرمرة" ولكن يوجد مرارة

علي زبيدات – سخنين

قد لا تكون هناك علاقة لغوية بين كلمة "مرمرة" التركية وبين كلمة مرارة العربية ولكن من غير شك يوجد هناك علاقة سياسية وأخلاقية قوية بينهما تصل إلى حد التطابق. كنت قد كتبت قبل سنة عندما كانت تهب على المنطقة تسونامي تركيا وصلت عند البعض إلى درجة الهلوسة، حيث تكلم هذا البعض عن عودة الخلافة الإسلامية وأن الطريق إلى القدس تمر في أنقرة، كتبت أنه يجب علينا أن نتريث قليلا، وألا نطفو على شبر من الماء. فتركيا ما زالت عضوا فعالا في حلف الناتو وسياستها الخارجية في نهاية المطاف تخدم المصالح الامبريالية الغربية وعلاقتها بأمريكا وإسرائيل أعمق من أن تؤثر عليها حادثة "مافي مرمرة". وكان كلامي هذا حينذاك نوع من أنواع الكفر خصوصا على ضوء انحطاط الموقف العربي.
هذا الأسبوع أعلنت مؤسسة الإغاثة والمساعدات الإنسانية التركية ( IHH) أنها لن تشارك بسفينة "مافي مرمرة" في أسطول الحرية الثاني وبذلك طعنت ظهرها وظهر باقي المنظمين من الخلف. وأوردت أعذار كانت جميعها أقبح من ذنوب فتارة تحججت في الأوضاع غير المستقرة على الحدود التركية – السورية وطورا آخرا تحججت بأسباب فنية. ونفت الحقيقة الواضحة الوحيدة التي يراها العالم أجمع وهي الخضوع لضغوط الحكومة التركية التي رضخت بدورها للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية.
لا أريد أن أفاخر بأن الموقف الذي عبرت عنه قبل عام اثبت صحته، وفي الوقت نفسه لا أريد أن اشمت بالذين ظنوا أن أردوغان هو صلاح الدين هذا العصر وأن النظام التركي قد أصبح نموذجا مثاليا على الأنظمة العربية أن تحتذي به. ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال طمس الحقيقة مهما بلغت مرارتها.
اعتبر الشعب الفلسطيني، بمعظم أطيافه السياسية، شهداء أسطول الحرية التسعة شهداء للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية قبل أن يكونوا شهداء لتركيا، وهذه حقيقة. إلا أن الحكومة التركية ومؤسسة الإغاثة التركية قد قدموا هذه الحقيقة قربانا على مذبح مصالحهم الضيقة مع أمريكا وإسرائيل. فكان القرار التركي أولا وقبل كل شيء غدرا بشهداء أسطول الحرية قبل أن يكون غدرا بقطاع غزة المحاصر. وفي الحقيقة لم أتوقع مثل هذا الموقف التركي المخزي خصوصا على ضوء تعنت الحكومة الإسرائيلية الذي رفضت حتى تقديم الاعتذار للحكومة التركية وأكثر من ذلك، في أعقاب تبني الأمم المتحدة نفسها للرواية الإسرائيلية وتبرئة الجيش الإسرائيلي من جرائمه بحجة الدفاع عن النفس وبأن سياسة حصار قطاع غزة لا تتعارض مع القانون الدولي. كنت أتوقع في ظل هذه العنجهية الإسرائيلية أن تكون المشاركة التركية المكثفة في أسطول الحرية الثاني هي الرد الحازم. ولكن يبدو أن وراء الأكمة يوجد ما وراءها. وإلا لماذا أعلنت تركيا عن موقفها فقط بعد الانتخابات التركية التي حقق فيها حزب أردوغان النصر؟ وما هي حقيقة وطبيعة المحادثات الإسرائيلية – التركية السرية والعلنية للمصالحة؟ وبماذا وعدت الإدارة الأمريكية الحكومة التركية؟
أنا شخصيا لا أتوقع خيرا كثيرا من السياسة التركية. العكس هو الصحيح: تركيا ما زالت أسيرة النظام العالمي الامبريالي – الصهيوني وما زالت أداة يستعملها هذا النظام لفرض هيمنته على العالم العربي، وإلا كيف نفسر وقوفها إلى جانب حلف الناتو في ضرب ليبيا؟ هل هي حقا لحماية المدنيين الليبيين من بطش القذافي؟ وما هو دورها الحقيقي بما يجري في سوريا الآن؟ هل هو دعم لمطالب الشعب السوري في الحرية أم هي رأس الحربة في التدخل الأجنبي؟
رأيي المتواضع يقول أن تركيا ما دامت عضوا ناشطا في حلف الناتو وتحتضن القواعد العسكرية الأمريكية التي تهدد أمن واستقلال المنطقة، وما دامت علاقتها حميمة مع إسرائيل بالرغم من التوترات الكلامية الأخيرة، وما دامت الأراضي التركية مشاعا أمام الموساد الإسرائيلي لغزو سوريا والعراق فإنها لا تستطيع أن تلعب دورا ايجابيا بناء في المنطقة.
تركيا، مثلها مثل باقي البلدان العربية، أحوج ما تكون إلى ثورة حقيقية. الديمقراطية التركية التي يتغنى فيها البعض ويعتبرها نموذجا لنظام إسلامي متنور ومعتدل، هي ديمقراطية مشوهة ومحدودة الضمان. لأنه لا يوجد هناك ديمقراطية حقيقية في ظل التبعية.
الحصار على قطاع غزة سوف يسقط عاجلا أم آجلا، بالرغم من تكالب ما يسمى بالمجتمع الدولي والعالم الحر والشرعية الدولية وتواطؤ الأنظمة العربية المخزي. وهو لن يسقط على يد أسطول الحرية هذا أم ذاك، بالرغم من كل التقدير والاحترام لكل من يشارك فيها معرضا نفسه للخطر، ولكنه سوف يسقط على يد الشعوب العربية بعد أن تنجز ثوراتها وتنال حريتها.
وأخيرا، في هذه المناسبة لا بد من التطرق إلى زعامات الأحزاب العربية المنطوية تحت كنف لجنة المتابعة العليا، الذين تركهم التراجع التركي كالأيتام وحرمهم من لعب دور البطولة وتوجيه السؤال التالي لهم: متى سوف تبدؤون بالتفكير في تنظيم أسطولا بريا لكسر الحصار عن قطاع غزة؟

Wednesday, June 15, 2011

التطبيع الوطني

التطبيع الوطني
علي زبيدات – سخنين

للوهلة الأولى يبدو هذا العنوان غريبا، إذ كيف يمكن أن يكون التطبيع وطنيا؟ ونحن متفقون جميعا على وجود تناقض مباشر بين التطبيع والوطنية، بين الموقف التطبيعي مع الكيان الصهيوني وبين الموقف الوطني المقاوم. لا أنكر وجود غرابة صارخة في تزاوج هذين المصطلحين. ربما نقف أمام ضرورة إعادة النظر في مفهوم التطبيع ومفهوم الوطنية.
أذكر أنه في بداية سنوات الثمانين كان النقاش ما زال حاميا على الساحتين الفلسطينية والعربية إزاء الموقف من اتفاقيات كامب ديفيد ومن نظام السادات الذي وقع على هذه الاتفاقيات. وكان الموقف الوطني الذي لا غبار عليه في ذلك الوقت هو رفض هذه الاتفاقيات جملة وتفصيلا ومقاطعة النظام المصري الذي نعت بأبشع صفات العمالة والاستسلام والتفريط. على هذه الخلفية تشكلت جبهة الرفض العربية في حينه. وفي تلك الفترة بالذات، أي بعد مرور حوالي عامين على توقيع الاتفاقيات بدأت جبهة الرفض تكشف عن عجزها وتذبذبها وبدأت المياه تعود تدريجيا إلى مجاريها وتعود العلاقات مع نظام السادات إلى طبيعتها، وليس لأن هذا النظام تخلى أو ابتعد عن اتفاقيات كامب ديفيد بل لأن جبهة الرفض بدأت تقترب منها بخطوات حثيثة.
وأذكر أن كوادر قيادية من حركة ابنا البلد، وهي الحركة التي كانت الأكثر جذرية من الناحية الوطنية، قد اجتمعنا وخرجنا بقرار يؤكد على ضرورة التمسك بالموقف الوطني الذي كان يعني رفض كامب ديفيد ومواصلة مقاطعة النظام المصري. وهذا كان يعني عمليا حذر السفر إلى مصر لأن ذلك يعد تطبيعا. ولكن، بعد ذلك بفترة وجيزة فوجئنا بخبر زيارة شخصية قيادية من أبنا البلد لمصر مبررا ذلك فيما بعد بظروف خاصة تم تقبلها من معظم باقي الرفاق. في تلك الأثناء بدأ سيل المسافرين يتدفق إلى مصر وجرف معه كافة المعارضين وزال الحذر تماما. وكنا نحن، المعدودين على التيار الوطني الجذري، وربما من باب الخجل نبرر تصرفاتنا ومواقفنا الجديدة بأننا لا نسافر إلى مصر من أجل الترفيه والتطبيع بل من أجل مع الشعب المصري ومع قواه الوطنية وكنا نتخذ من زيارة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وعادل إمام (الذي كان يعد في ذلك الوقت نجم التقدم) وغيرهم قناعا.
في بداية التسعينات تكرر الموقف نفسه، هذه المرة مع الأردن. فقد دمغت كافة القوى الوطنية اتفاقيات وادي عربة بالعمالة والخيانة وتقرر رفضها وعدم التعامل معها على كافة المستويات ومن ضمنها زيارة الأردن لأنها تصب في بحر التطبيع القديم والجديد والذي لعب به النظام الأردني دورا مميزا. لكن مرة أخرى جرفت الجسور المفتوحة الجميع. ومرة أخرى وجدت القوى الوطنية الأكثر جذرية قناعا لها: زيارة الرفيق جورج حبش والمناضلة ليلي خالد وحضور حفلات مارسيل خليفة وسميح شقير بالإضافة إلى التواصل مع شعبنا في الأردن.
لا أريد أن أتطرق هنا بالتفصيل إلى اتفاقيات أوسلو وكيف يمكن أن نرفضها من أساسها ونتقبلها بحذافيرها في الوقت نفسه. وقد لجأ بعض منظرينا إلى قوانين الديالكتيك لتبريرها، إلى قانون وحدة وصراع الأضداد، والتناقض الرئيسي والتناقض الثانوي والتراكمات الكمية التي تتحول إلى كيفية.
هكذا وجدنا أنفسنا ضد أوسلو بامتياز وفي الوقت نفسه معها بحماس منقطع النظير. تشابك وتقاطع التطبيع مع الوطنية. اختلطا وامتزجا واندمجا معا. لم نعد نعرف متى تنتهي الوطنية ومتى يبدأ التطبيع. أصبحنا كما يقول مظفر النواب: " الواحد فينا يحمل في الداخل ضده".
ما حملني إلى الكتابة في هذا الموضوع ألان ليس التطبيع السياسي وليس الموقف الوطني السياسي، بالرغم من أهميتهما، بل " التطبيع الوطني" الثقافي وهو الأكثر أهمية وخطورة حسب رأيي.
من منا لم يعشق فرقة العاشقين الفلسطينية ويردد أغانيها في المناسبات الوطنية وفي الإعراس وفي كل مكان. هل يمكن الكلام عن ثورة فلسطينية بدون التطرق إلى هذه الفرقة العريقة؟ لطالما حلمت بمشاهدتها بمهرجان حي. حتى تناولت وسائل الإعلام خبر دخولها إلى الضفة الغربية بدعوة من السلطة وبمباركة قوات الاحتلال، وكان في استقبالها زعامات السلطة الذين وأدوا الثورة ابتداء من محمود عباس وحتى ياسر عبد ربه. وأعلن عن إحيائها لمهرجان ضخم في قصر "الثقافة" (أي قصر وأية ثقافة؟) في رام الله. وهرع الوطنيون لمشاهدة الفرقة "العائدة إلى الوطن". وقررت بحسرة ألا أشارك في هذا التطبيع الوطني. وكم كان المشهد سرياليا عندما شاهدت مقطع فيديو من هذا المهرجان والفرقة تغني: هبت النار والبارود غنى" أمام صورة هائلة لرئيس السلطة محمود عباس ( إلى جانب الرئيس السابق عرفات حيث كان المهرجان بمناسبة الذكرى السادسة لاستشهاده). بينما النار الوحيدة التي تهب في ربوع الضفة في هذه الأيام هي نار جيش الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين بعد أن أخمد زعماء السلطة المحتفلين النار الوطنية.
تكررت خيبة أملي مرة أخرى قبل عدة أسابيع وتحطم الحلم على صخرة الواقع عندما قرأت عن قدوم عماد آخر من أعمدة الثقافة الوطنية وبالطريقة نفسها، وهو مطرب الثورة بدون منازع أبو عرب. لطالما آمنت، وما زلت، أن حق العودة لا خوف عليه طالما يردد اللاجئون وغير اللاجئين من جماهير الشعب الفلسطيني أغانيه. هل يوجد هناك فلسطيني واحد لم تهزه أغنية: هدي يا بحر هدي حتى الأعماق؟. لا أخفي أنني تصارعت مع نفسي حتى صرعتها ولم اذهب لمشاهدته.
أكاد اليوم أن افقد توازني مرة أخرى وأنا أتابع أخبار "مهرجان فلسطين الدولي" برعاية وزارة التطبيع الثقافي في سلطة أوسلو. لطالما عشقت سعاد الماسي وصوت مكادي نحاس. قد تكون مشاهدتهما في حفل مباشر وحي في رام الله فرصة لا تتكرر. لماذا تتساقط النجوم بهذا الشكل المخزي؟ هل حقا تغيير الزمن إلى هذه الدرجة وأنا من لا يستطيع التخلص من هذه العقلية المتحجرة؟ وماذا إذا كانت السلطة مطبعة؟ وماذا إذا كان قدوم هؤلاء النجوم مرهون بضابط إسرائيلي يحمل ختمه لدمغ عقولنا بالختم الإسرائيلي المتفوق؟ وجاء تصريح لطيفة التونسية ليعيدني إلى رشدي. أكاد لا أعرفها، ونادرا ما استمعت إليها. وقد قرأت بعض التهجمات عليها بسبب موقفها من الثورة التونسية. ولكن تصريحها بعد أن رفضت دعوة المشاركة في مهرجان فلسطين الدولي كان رائعا: أرفض ختم جواز سفري بالخاتم الإسرائيلي، لن أتحمل الوقوف أمام ضابط إسرائيلي على حاجز لكي يسمح لي بالدخول إلى أرض عربية. لي الشرف أن أغني لفلسطين عندما تتحرر ".
إذا كان رفض "التطبيع الوطني" تحجرا فأمنيتي أن يكون هذا الحجر من صوان. شكرا لطيفة وعذرا على ضعف إيماني.

Wednesday, June 08, 2011

من نكسة إلى أخرى

من نكسة إلى أخرى
علي زبيدات – سخنين

يبدو انه لا يوجد هناك من يكبح جماح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. فهو محافظ على خطابه السياسي كان ذلك أمام الكنيست الإسرائيلي أو أمام الكونغرس الأمريكي. أنا شخصيا أحسده على هذه المثابرة وعلى هذا الانسجام وأتمنى أن يكون هناك زعيم عربي أو فلسطيني يجاريه في هذه الصفة ولا يغير أفكاره ومواقفه بعد زيارة أي موظف أجنبي مهما كانت منزلته لإرضاء الدولة التي قدم منها. وأكثر من ذلك، في بعض المواقف أرى نفسي قريبا من نتنياهو أكثر من جميع القادة العرب والفلسطينيين المنافقين الذين يختبئون وراء أقنعة متهرئة من الوطنية. خذوا مثلا خطابه الأخير أمام الكونغرس الأمريكي الذي ظهر بصورة هزلية على غرار مجلس الشعب السوري أثناء خطاب بشار الأسد من حيث التصفيق والهتافات، حيث قال للعالم أجمع، ولكل من يريد أن يسمع: أن القدس ستبقى موحدة ولن تقسم أبدا. على عكس المفاوض الفلسطيني الذي تخلى ليس فقط عن القدس الغربية بل أيضا عن معظم القدس الشرقية بما فيها الحي اليهودي (وهو حي عربي طردت قوات الاحتلال سكانه) واللاتيني والشيخ جراح وكافة المستوطنات التي ضمت للقدس والقائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ولا يخجل هذا المفاوض الفلسطيني أن يقول بأنه لن يتنازل عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. عن أي قدس يتكلم؟ عن أبو ديس موسعة؟ أم عن مدينة مبتورة الرأس والأطراف؟
نعم، أنا مع نتنياهو وضد المفاوض الفلسطيني: القدس بشرقها وغربها، بقديمها وحديثها، داخل الأسوار وخارجها هي مدينة واحدة ويجب أن تبقى واحدة. كل ما في الأمر أن نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي نسي أن يقول كلمتين لا غير: أن هذه المدينة عربية فلسطينية.
بغض النظر عن أسطورة الملك سليمان مع المرأتين والطفل المتنازع عليه، هذه المدينة غير متنازع عليها. كل ما في الأمر إنها اغتصبت بالقوة وكما قال مظفر النواب وقف الحكام العرب يسترقون السمع لصرخات بكارتها. وكأن ذلك لا يكفي فطلبوا منها أن تسكت صونا للعرض. ماذا فعل هؤلاء الحكام من أجل القدس؟ سلموا الجزء الأكبر منها عام 1948 بدون قتال، وسلموا الجزء الباقي منها بدون قتال يذكر أيضا في عام 1967. وعندما بدأت دولة إسرائيل تعري المدينة من تاريخها لكي تلبسها ثوبا يهوديا مزيفا، تداعى هؤلاء الحكام للتستر على هذه الجرائم بإقامة لجنة القدس وأسندوا رئاستها إلى ملك التطبيع، الحسن الثاني، ملك المغرب وبعد وفاته إلى ابنه محمد السادس.
لا يوجد هناك قدس شرقية وقدس غربية، قدس قديمة وقدس جديدة. يوجد هناك قدس واحدة تمتد في الاتجاهات الأربعة، قدس واحدة تعود إلى العصور الغابرة لتصل إلى اليوم وغدا. هذا يذكرني بتصريح معيب لأحد رجالات سلطة أوسلو، ناصر القدوة: " لا قيمة قانونية ودينية ومعنوية للقدس الغربية بالنسبة للشعب الفلسطيني".
القدس العربية الفلسطينية ليست فقط المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة. القدس العربية هي كل بيت وكل شارع وكل زقاق وكل شبر أينما كان موقعه. الكنيست الإسرائيلي هي جزء لا يتجزأ من القدس العربية لأنها بنيت على أرض عربية مغتصبة. وكذلك الأمر بالنسبة لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، والجامعة العبرية ومستشفى هداسا وبيت رئيس الدولة ومتحف ضحايا النازية "يد فاشيم" وعشرات بل مئات المؤسسات الإسرائيلية الأخرى. مقاومة التهويد في القدس لا يتم فقط في الشيخ جراح وسلوان وجبل المكبر وغيرها من المناطق التي احتلت عام 1967 بل أيضا وفي الأساس في المناطق التي احتلت عام 1948. القضية ليست قضية تقسيم أو إعادة تقسيم المدينة بل القضية تحرير المدينة برمتها.
لم يقتصر انفلات رئيس الحكومة الإسرائيلية من عقاله على موقفه من القدس بل طال باقي المواضيع السياسية المطروحة مثل الاعتراف بيهودية الدولة وعدم الانسحاب إلى حدود 1967 وبقاء الكتل الاستيطانية ورفض عودة اللاجئين. هذه الامور يعرفها القاصي والداني بما فيهم المفاوض الفلسطيني المتهافت والذي لا ييأس (وهذا لصالحه) من اللهث وراء أوهام المفاوضات.
ولكن المصيبة الحقيقية عندما وضع نتنياهو نفسه نصيرا للثورات الشبابية العربية وحيى "الشباب الشجعان الذين يناضلون من أجل حقوقهم الديمقراطية" وواصل بتعجرف: " فقط عرب إسرائيل من بين 300 مليون عربي يتمتعون بحقوق ديمقراطية حقيقية".
لقد قلت في الماضي وها أنا أكررها مرة أخرى: أن الثورة التي ترفع شعار إسقاط النظام فقط ولا تعادي الهيمنة الامبريالية الأمريكية والصهيونية هي ليست ثورة بل هي مجموعة من العصابات تتصارع على السلطة . هذا ما نجحوا بصنعه في ليبيا واليوم يحاولون أن يصنعوه في سوريا. هذا الذي حيي الشباب المحتجين في الكونغرس هو نفسه الذي أعطى الأوامر بقتل 24 محتجا شابا في الجولان كل ما أرادوه العودة إلى بيوتهم. كان أحرى بمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية اوكامبو الذي ينشط لإصدار مذكرات اعتقال بحق القذافي والأسد أن يصدر مذكرة باعتقال رئيس الحكومة الإسرائيلية. فالقتل المتعمد عن سابق إصرار وبطريقة القنص في حق المدنيين هو جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليه القانون الدولي. كان أحرى بالمحكمة الدولية التي تحاكم في هذه الأيام مجرم الحرب الصربي ميلادتيش أن تحاكم مجرمي الحرب الإسرائيليين.
مرة أخرى وقفت زعامتنا من لجنة متابعة وأحزاب سياسية وقفة المتفرج إزاء مجزرة الجولان في ذكرى النكسة واكتفت بالإدانة الكلامية. أليست هذه هي الأخرى نكسة؟ لقد آن الأوان لهذه الزعامة أن ترحل.



Tuesday, May 31, 2011

أيها الشباب: أتركوا الأحزاب السياسية فورا

أيها الشباب أتركوا الأحزاب السياسية فورا
علي زبيدات – سخنين

في أحسن الحالات، لن تحب الأحزاب السياسية هذه السطور أما في أسوأ الحالات، سوف تشن هجوما كاسحا عليها وعلى كاتبها. ولكن بعد أن بلغ السيل الزبى لم يعد هناك مجالا للتردد أو للشك: لقد أصبحت هذه الأحزاب مقبرة للشباب بدل أن تكون دفيئة لهم يتربون ويترعرعون في أحضانها حتى يأخذوا دورهم في المجتمع.
لعل أهم سمة ميزت ورافقت الثورة العربية في البلدان التي انتصرت بها كما في البلدان التي تعرقلت وتعقدت بها الأمور هو الغياب شبه الكامل للاحزاب السياسية العريقة التي لعبت في أحسن الأحوال دورا هامشيا في التحولات الثورية. ذلك لأن هذه الأحزاب قد فقدت صلتها مع الجماهير وأصيبت بالترهل والتحجر الفكري والشلل في النشاط هذا بالإضافة إلى فساد القيادة والنزاعات الداخلية التي نخرت في أوصالها. أحزاب المعارضة لم تكن تختلف من حيث الجوهر عن الأحزاب الحاكمة. وقد لعب الشباب الدور الرئيسي في هذه الثورات بعد أن نفضوا عن كواهلهم غبار هذه الأحزاب المتراكم، كسروا قيودها، تحرروا من القمع الفكري وأخذوا يبدعون أشكالا جديدة لتنظيم أنفسهم بعيدا عن وصاية ورقابة هذه الأحزاب.
الوضع عندنا لا يختلف كثيرا عن الأوضاع في البلدان العربية الأخرى. الأحزاب السياسية عندنا، هذا إذا استطعنا أن نسميها أحزابا سياسية، فالكثير منها أشبه بعزبة خاصة للزعيم المؤسس وحاشيته من المقربين، قد وقف نموها وتحجر فكرها وتعيش في الوقت الضائع بحكم القوة الدافعة الأولى أو عن طريق التنفس الاصطناعي (التمويل الحكومي).
المصيبة هي أن هذه الأحزاب قد خلقت حركات شبيبة على صورتها، تحمل جيناتها الوراثية. فبينما مثلا تخرج هذه الأحزاب من ثيابها فرحا في حالة فوزها برئاسة بلدية أو مجلس محلي في انتخابات شكلية تقوم على تحالفات عائلية ومصالح شخصية وفساد ورشوات، وإذا حصلت على عضوين أو ثلاثة أعضاء في الكنيست الصهيوني فلا يسعها العالم من الفرحة بهذا الانجاز التاريخي في "العرس الديمقراطي"، نرى حركات الشبيبة التابعة لهذه الأحزاب تتصرف هي الأخرى على النحو نفسه. فيصبح الحصول على مقعد واحد من 40 مقعدا في انتخابات النقابة العامة للطلاب في إحدى الجامعات "نصرا للحركة الوطنية" التي استطاعت إسقاط التحالف المنافس. وتبدأ الاحتفالات بهذا النصر. قرف انتخابات لجان الطلاب العرب في الجامعات الاسرائيلية أو الانتخابات لنقابة الطلاب العامة لا يقل عن قرف الانتخابات المحلية والانتخابات البرلمانية. هل هذه هي النخبة المثقفة التي تبنى عليها الآمال من أجل الانتقال بمجتمعنا إلى غد أفضل؟
ليس من باب الصدفة أن يكون دور ونشاط حركات الشبيبة التابعة للأحزاب العربية مغيبا أو مهمشا. فقد حرصت هذه الأحزاب على قتل روح النقد وكبت الطموح عند الشباب، وقامت بحشوهم بأفكار جاهزة وبشاعرات عقيمة لكي تجعل منهم كوادر مطيعة، يصفقون للقيادة الحزبية وتربيهم على ثقافة التسلق لكي يأخذوا مكانهم في المستقبل. أين الروح التحررية الجامحة التي تضع كل شيء في موضع السؤال ولا تقبل الأشياء مسلمة؟ أين الطموح وروح النقد وأخذ زمام المبادرة والنشاط والحماس والمثالية؟ أقول بدون تلعثم أن الأحزاب السياسية قد اغتالت كل هذه الصفات.
السؤال الذي يجب أن يطرحه الشباب على أنفسهم هنا ويجيبون عليه بكل جرأة وصراحة هو: هل نريد شبابا يقرع الطبول في المسيرات ويصفق للخطباء في المهرجانات؟ هل نريد شبيبة تستنزف طاقاتها في تنظيم مخيمات صيفية لكي يأتي هذا المسئول الحزبي أو ذاك لإلقاء محاضرته المملة؟ أم نريد ما قاله الشاعر نزار قباني بعد النكسة التي تقترب ذكراها: " نريد جيلا غاضبا
نريد جيلا يفلح الآفاق
وينكش التاريخ من جذوره
نريد جيلا قادما مختلف الملامح
لا ينحني، لا يعرف النفاق
نريد جيلا رائدا عملاق."
ألا نريد شبابا يصنع ثورة مثل شباب تونس ومصر؟
ليس من باب الصدفة أيضا أن الشباب الأكثر نشاطا وحيوية في المناسبات الوطنية هم من الشباب الذين تحرروا من القيود التنظيمية التي وضعتها الأحزاب حول معاصمهم. حتى عندما يكونون منتمين لهذا الحزب أو ذاك فغالبا ما يكون نشاطهم بالرغم من الحزب وليس بفضله.
مسيرة العودة الثانية في 5 حزيران على الأبواب. لجنة المتابعة بكل مركباتها الحزبية والمجتمعية لم تحرك ساكنا. الدعوة للمشاركة في مظاهرة تل أبيب عشية ذكرى النكسة من أجل الإعلان عن استقلال دولة فلسطينية وهمية هي هروب إلى الوراء. من الأجدر بشبابنا أن يلتحموا مع شباب فلسطين في كافة أماكن تواجدهم لإنجاح مسيرات العودة حتى تحقيق أهدافها كاملة.
الخطوة الأولى في هذا الطريق الشاق والطويل هي أن يغادر الشباب الأحزاب السياسية فورا وأن يبدؤوا بإبداع أشكال جديدة وخلاقة لتنظيم أنفسهم.

Wednesday, May 25, 2011

أجراس العودة ما زالت تقرع

أجراس العودة ما زالت تقرع
علي زبيدات – سخنين

للأسبوع الثالث على التوالي أكتب عن موضوع العودة، لأنه حسب اعتقادي هو موضوع الساعة على الساحة الفلسطينية. لاحظوا أنني استعملت كلمة العودة فقط، ولم أذكر كلمة "حق" العودة. لم تسقط هذه الكلمة سهوا أو من باب الصدفة، بل كانت مقصودة تماما. بكل بساطة، بعد مسيرة العودة في 15 أيار 2011 يجب أن نتكلم عن العودة مباشرة وبدون مقدمات. عن حق العودة تكلمنا 63 عاما وكان ذلك كافيا بل وأكثر من اللازم. تكلمنا كثيرا، وكثيرا جدا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إنسانيا وسياسيا وقانونيا. تكلمنا مع أنفسنا ومع غيرنا، لمن يريد أن يسمع ولمن لا يريد أن يسمع. ولكننا لم نفعل شيئا، لم نحرك ساكنا اللهم إلا إذا اعتبرنا الخطابات والشعارات وزيارات قرانا المهجرة عملا. حتى جاء الخامس عشر من شهر أيار وشكل نقطة فارقة، نقطة تحول في مفهومنا للعودة. للمرة الأولى وقف اللاجئون وأنصارهم على أقدامهم وتوجهوا نحو الوطن. لم يزحفوا بالملايين كما كنا نحلم. أتوا بالآلاف وفي بعض الأماكن بالمئات، ولكنهم أتوا. ولكن كان ذلك كافيا لتحويل العودة من مجرد حق إلى عمل سياسي ملموس على أرض الواقع. الحق، كل حق، لا يتحقق من تلقاء نفسه، ولا يتحقق من مجرد الكلام عنه أو حتى من مجرد التمسك وعدم التفريط به. الحق، كل حق، يتحقق من خلال تحويله إلى ممارسة عملية. وهذا بالضبط ما حدث في الذكرى أل 63 للنكبة.
لقد كتبت في الأسبوع الماضي منتقدا موقف لجنة المتابعة والأحزاب السياسية وباقي مؤسسات وجمعيات ما يسمى المجتمع المدني الذين غابوا تماما عن المشهد: لا حضور، لا موقف وحتى لا تصريح. وفقط بعد انتهائه سارعوا بكيل المدائح له. أذكر إني بعدها رأيت الشيخ رائد صلاح في إحدى المناسبات وسألته: أين كانت جميع القيادات التي تزاحمت على الصف الأول في مهرجان الرويس في 10 أيار، لماذا اختفت في 15 أيار؟ أين الآلاف الذين جاؤوا لمهرجان "العودة والبقاء" في كفر كنا؟ فرد علي الشيخ مستعجلا: "خيرها بغيرها". حسنا جدا، أرجو أن يكون الوضع كذلك. ها هي ذكرى نكسة حزيران قريبة وقد أعلن أنها ستكون الجولة القادمة في معركة العودة. فهل سوف تعوضنا هذه القيادات والأحزاب والجمعيات عن غيابها السابق؟
على الجانب الآخر من الوطن الفلسطيني، وقفت الفصائل الفلسطينية التي طبعت على راياتها شعار العودة أيضا وقفة المتفرج، مما عرض الشباب الزاحف على حاجز قلنديا إلى بطش جنود الاحتلال الإسرائيلي والاستفراد بهم. لم نعد نسمع أحد من حركة فتح يقول: "أنا أبن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المقدام صانع عودتي". باقي الفصائل ليست بأفضل حالا. في الخامس من حزيران سيكون هناك امتحان آخر لهذه التنظيمات ولتلك الفصائل على طرفي خط الهدنة.
قلت في مقال سابق أن مسيرة العودة التي بدأت في 15 أيار يجب ألا تتوقف أبدا مهما كانت الأسباب ومهما كانت الظروف. وهنا أضيف أن أحد شروط انتصار المسيرة هو أن تأخذ زمام المبادرة وتتحرر من مناسبات الذكرى بالرغم من أهميتها في حشد وتعبئة الجماهير. أي انه ينبغي عدم الانتظار لذكرى نكبة أو نكسة أو مجزرة لمواصلة الزحف نحو الوطن. على حركة العودة أن تكتسب ديناميكية ذاتية تدفعها إلى الأمام وإلى الاستمرار. عدد العائدين سوف يزداد مع المثابرة والاستمرار، حتى ميدان التحرير لم يمتلئ بالملايين منذ اليوم الأول.
طبعا دولة الاحتلال لن تقف مكتوفة الأيدي مهما كانت المسيرات سلمية، فقد رأينا كيف قتلت بدم بارد 15 عائدا. وهي لن تتورع عن إطلاق النار على حشود العائدين وقتل المزيد منهم. ولكن هذا يجب ألا يردعنا من جهة ومن جهة أخرى يجب ملاحقة إسرائيل قضائيا وسياسيا في جميع المحافل المحلية والعالمية. وهنا الفت النظر إلى تقصير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية التي تتعامل مع دولة إسرائيل بكفوف مخملية. لماذا لا يتم التوجه إلى أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مثلا ومطالبته بإصدار مذكرة رسمية لاعتقال رئيس الحكومة الاسرائيلية بتهمة إعطاء الأوامر لقتل مدنيين. أم أن مثل هذه المذكرات صالحة للقيادات العربية فقط؟
السؤال الأخير الذي أطرحه هنا على الجميع ومن ضمنها منظمات حقوق الإنسان الناشطة بيننا: ماذا حصل للعائد الأول ابن مدينة يافا حسن حجازي؟ هل ما زال قيد الاعتقال أم هل تم تهجيره ثانية؟ لماذا لم تقم لجنة شعبية للدفاع عنه ومتابعة قضيته؟ لماذا تم تجاهله إعلاميا بعد ظهوره على القناة الإسرائيلية؟ في مسيرات العودة القادمة سوف يكون هناك المزيد من العائدين بشكل فردي أو جماعي وسيكون هؤلاء بحاجة إلى احتضان حماية، فهل نحن على استعداد لذلك؟
يجب ألا ننتظر حتى اللحظة الأخيرة. فإذا عاد اللاجئون إلى مارون الراس فيجب تنظيم مسيرة لاستقبالهم حتى ولو وضعوا الحواجز وأعلنوا عن المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة. وإذا اختاروا نقطة أخرى للعبور فيجب أن نكون جاهزين لاستقبالهم. وإذا حاول العائدون اختراق حاجز قلنديا من الشمال فلماذا لا نلاقيهم من الجنوب.
أجراس العودة التي قرعت في أل 15 من أيار يجب ألا تصمت حتى تحقيق العودة كاملة.

Wednesday, May 18, 2011

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت

وأخيرا أجراس العودة قد قرعت
علي زبيدات – سخنين

خلال 63 عاما كنا نحلم بالعودة، ننتظرها بفارغ الصبر، نتكلم مع أنفسنا ومع غيرنا عن حقنا التاريخي والإنساني والسياسي والحقوقي في العودة. كنا نحيي ذكرى النكبة كل عام، حولنا يوم استقلالهم إلى يوم نكبتنا. وكنا نختم هذه الذكرى على أطلال هذه القرية المهجرة أو تلك بالخطابات النارية والشعارات الرنانة حول هذا الحق الذي لا يسقط بالتقادم. وكنا نشعر ونحن نرى الجماهير الغفيرة المشاركة وكأن العودة أصبحت وشيكة وكل ما بقي علينا أن نفعله هو أن نفتح الأبواب لاستقبال جموع العائدين. ومن ثم نعود إلى بيوتنا متفائلين إلى أبعد حدود التفاؤل، راضين عن أنفسنا. ونعود إلى روتين حياتنا اليومية حتى نستيقظ بعد عام لمعركة وهمية أخرى بين نكبتنا واستقلالهم. هكذا كبر فينا الوهم حتى أصبحنا كالمرأة التي تعاني من الحمل الكاذب وأعراضه.
سئمنا من الانتظار، سئمنا اجترار كلماتنا السقيمة وخطاباتنا العقيمة، سئمنا إحياء ذكرى النكبة في الطرق الخلفية بعيدا عن أنظار العالم وكأننا نمارس العادة السرية. هكذا كان حالنا حتى جاء 15 أيار من هذا العام. في هذا اليوم اكتشفنا أمريكا من جديد، اكتشفنا القانون الساذج، البدائي الذي يقول: إذا أردت أن تعرف طعم التفاحة امسك بواحدة منها بيدك ضعها بفمك واقضمها، وإذا أردت أن تعرف طعم العودة أنفض الغبار المتراكم عليك قف، وتحرك وعد. هكذا بكل بساطة.
في هذا العام وقفنا أمام خيارين: إما مواصلة الانتظار بشتى أشكاله وإما البدء بالعودة الفعلية: النزول إلى الشوارع، التوجه نحو الحدود من كل حدب وصوب، تحدي قوات الشرطة والجيش وفتح صدورنا أمام رصاصهم. لا يوجد هناك خيار آخر. الخطوة الأولى كلفتنا 15 شهيدا ومئات الجرحى. الولادة كانت عسيرة ولكن المولود بخير. دولة إسرائيل لن تتورع عن إطلاق النار على المتظاهرين وعلى العائدين مهما كانت مسيراتهم سلمية. هذا الغول "الديمقراطي" سوف يكشف عن أنيابه ويحاول افتراس كل ما يواجهه مهما كان مسالما. ولكن علينا أن نكون كالأساطير الإغريقية، لا بد من مواجهة هذا الغول والانتصار عليه هذا إذا أردنا أن نحظى بحياة حرة كريمة.
مسيرة العودة في 15 أيار 2011، أي بعد 63 سنة من النكبة، هي مسيرة العودة الأولى. أشطبوا من دفاتر يومياتكم كل ما سبق. كانت هذه هي المسيرة الأولى والتي يجب أن يتبعها مسيرات عديدة من نفس النوع ولكن بزخم أكبر. سوف يكون من الخطأ القاتل انتظار 15 أيار القادم للقيام بمسيرة العودة الثانية. التوقف يعني الانتحار، يجب الاستمرار بهذا التحرك أسبوعيا، وإن كان ذلك بالإمكان أكثر من مرة في الأسبوع.. المهم عدم التوقف مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب والعقبات. إننا نقف اليوم أمام صورة كلاسيكية من التحدي: قوة الحق أمام حق القوة.
لن تكون قضية عودة اللاجئين سهلة، ولكن متى كانت القضايا المصيرية في حياة الشعوب قضية سهلة؟ لن تكون مسيرة العودة نزهة في أحضان الطبيعة. وقد أعطت دولة إسرائيل المؤشر والبرهان على ذلك عندما أطلقت النار وقتلت بدم بارد 15 شهيدا. ولن يكون هناك من يردعها سوى صدور العائدين. الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت موقفها المؤيد لدولة إسرائيل وحقها في "الدفاع" عن نفسها وعن حدودها. هذا الموقف ليس بالمفاجأة. الدول الأوروبية حافظت على تواطئها وفي أحسن الأحوال على صمتها وهذا الموقف أيضا ليس بالمفاجأة، ولا حاجة لمناقشته بعد الآن.
في هذا السياق أود فقط أن أتوقف قليلا عند الموقف العربي والفلسطيني الرسميين. ما قامت به قوات الأمن الأردنية من مهاجمة همجية للعائدين في الكرامة ومنعهم من الوصول للحدود كان متوقعا فالنظام الأردني يقوم بدوره الذي أنشأ أصلا من أجله منذ البداية والذي يتلخص بحماية دولة إسرائيل من الشرق. لكن ما لا يمكن تقبله أو السكوت عليه هو الموقف المصري: لمصلحة من كان إغلاق شبه جزيرة سيناء العربية والإعلان عنها منطقة عسكرية مغلقة؟ لمصلحة من كان إيقاف العائدين والمتضامنين معهم في الإسماعيلية ومنعهم من عبور قناة السويس؟ لمصلحة من كان منع الاقتراب من معبر رفح؟ هل هذا الموقف نابع من روح الثورة المصرية أم من بقايا النظام البائد التي ما زالت تعشش في الكثير من زوايا السلطة؟ كيف يمكن للنظام المصري أن يبرر الوقوف إلى جانب حق العودة وفي الوقت نفسه معارضة تحقيقه.
الموقف الفلسطيني الرسمي لم يكن أفضل من ذلك بكثير، خصوصا على ضوء تصريحات بعض أقطاب السلطة الفلسطينية بمناسبات عديدة على أن حق العودة قابل للتفاوض وأنه يمكن التخلي عنه جزئيا أو كليا، أو تتمسك به كلاميا وتفرط به فعليا. كيف يمكن تحقيق حق العودة في ظل التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال؟ كيف يمكن اجتياح الحواجز وإزالة المستوطنات وقوات الأمن الفلسطينية تساهم في حمايتها؟. لن تنجح مسيرات العودة الحقيقية إذا لم تنطلق أولا من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة كما انطلقت الانتفاضات.
المصيبة الحقيقية تكمن في موقف ما يسمى زعامات فلسطينيي الداخل. قبل اقل من أسبوع كانوا يتزاحمون على الكراسي الأمامية في مهرجان الرويس ويتصيدون الفضائيات لالتقاط صورهم أو لإجراء مقابلات معهم، وكان مندوبيهم يلقون الخطابات الحماسية من على المنصة. في 15 أيار اختفوا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتهم. لا أحد من هذه الزعامات كانت متواجدا في المسيرة التي كانت متوجه إلى مارون الراس والتي تم إيقافها بالقرب من برعم. لا أدري أين كان رئيس لجنة المتابعة في ذلك الوقت، ولكن أين كان أعضاء الكنيست العرب؟ وزعماء الأحزاب والجمعيات الكبرى؟ والطامة الكبرى أين كانت لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين التي تحتكر النكبة في الداخل كما تحتكر الحركة الصهيونية الكارثة اليهودية؟. هل يعقل أن تكون في 10 أيار من أشد أنصار العودة وفي 15 أيار تختفي وكأنك غير موجود على الإطلاق؟ لقد حدثت أخطاء عديدة في المسيرة المذكورة منها محاولة البعض السيطرة على مجرياتها بحجة المبادرة في تنظيمها، ومحاولة البعض إلقاء مسئولية المواجهات على بعض الشباب وليس على قوات الشرطة. ولكن ضعفها الأساسي كان يكمن بعدم التعبئة الكافية والتنظيم السليم لها مما أسفر عن مشاركة هزيلة سهلت للشرطة ولقوات الجيش حجزها في مكان ضيق بعيدا عن هدفها. مهما كانت أخطاء هذه المسيرة فإن الاتجاه العام كان صحيحا، وهذا المسيرة كانت المحاولة الأولى للعودة الفعلية مهما كانت متواضعة.
رياح التغيير التي تهب على عالمنا العربي لن تقفز عن بلادنا. على العكس فأن هذه الرياح سوف تتحول هنا إلى أعاصير وعواصف.

Wednesday, May 11, 2011

المسيرة ... المسيرة ... ولكن أين العودة؟

المسيرة ... المسيرة ... ولكن أين العودة؟

علي زبيدات –سخنين

يلومني بعض القراء بأن مقالاتي تقتصر على النقد وفي كثير من الأحيان النقد اللاذع وحسب رأيهم من غير حق خصوصا عندما أتكلم عن المؤسسات الرسمية مثل الأحزاب العربية، أعضاء الكنيست العرب، لجنة المتابعة وبعض الجمعيات وباقي القيادات. وأنا إذ أعترف جزئيا بهذه التهمة لأني أومن بأن النقد وليس المديح هو الذي يشحن الهمم ويكشف العيوب التي تؤدي إلى تصحيح الأخطاء والمسار، إلا أن هذه التهمة ليست صحيحة دائما ففي بعض الحالات لا يسع المرء إلا أن يحني قامته إكراما وإجلالا أمام بعض الأحداث. وها أنا أبدأ مقالاتي هذه بكيل المديح والثناء لآلاف الشباب والصبايا الذين شاركوا بمسيرة العودة الرابعة عشرة في الدامون والرويس. هذه الحشود الشبابية تطمئن القلوب وتدخل السكينة في النفوس. فهي الرد الحاسم والمناسب ليس فقط على قانون "النكبة" العنصري الذي سنته دولة إسرائيل مؤخرا بل أيضا على جميع التصريحات القديمة والحديثة المحلية والعالمية بشأن ضرورة التوصل إلى حل للنزاع العربي الإسرائيلي على أساس التخلي عن حق العودة.
ولكن، وهنا أعود إلى سلاح النقد، ليكن واضحا وصريحا أن نجاح المسيرات في ذكرى النكبة هذه السنة وفي السنوات السابقة لم يأت بفضل المنظمين والمؤسسات الراعية من لجنة المتابعة إلى لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين بل بالرغم عنها وعن تخبطها. أبدى عدد كبير من المشاركين الشباب على مسامعي استياءهم الشديد من التنظيم الذي تتكرر أخطاؤه كل سنة بل وتتفاقم أيضا. ففي المسيرة الأخيرة تم إنهاك المشاركين من خلال حشر السيارات في عنق زجاجة حيث استغرق قطع كيلومترات قليلة أكثر من ساعة وكان ذلك على حساب زيارة قرية الدامون المهجرة فمعظم المشاركين لم يتسنى لهم حتى التوقف لبضع دقائق على أطلال هذه القرية وكأن الهدف الأساسي كان جلبهم للمهرجان لسماع الخطابات فحسب، وهو الأمر الأقل أهمية في كل الموضوع. مرة أخرى تم زج الحشود في طريق خلفية نائية وضيقة وكأننا نقوم بعملية سرقة جماعية أو بعمل مشين وتم تحاشي الطريق الرئيسية التي تربط بين القريتين المهجرتين الدامون والرويس. أظن أنه تم اختيار هذا المسار بالتوافق بين المنظمين وشرطة إسرائيل التي لا تريد أن ترى مثل هذه المسيرة في الفضاء المفتوح بجانب الشارع الرئيسي.لا أدري إذا انتبه أحد بأن المهرجان الذي تضمن بعض الخطابات الساخنة قد جرى تحت ظل الأشجار الباسقة التي غرسها الصندوق القومي اليهودي (الكيرن كيمت) لطمس أطلال القرية وإخفاء الجريمة.
كانت المسيرة ناجحة، وناجحة جدا ولكن المسافة ما بين المسيرة وما بين العودة ما زالت شاسعة. هذه المسافة سوف تتقلص عندما نهدم حاجز الخوف ونسير في الطرق الرئيسية وليس في أي طريق جانبي بعيد عن الأنظار. هذه الطرق والمسارات الخلفية جاءت نتيجة لصفقة عقدت بين لجنة المتابعة وحكومة إسرائيل في أعقاب أكتوبر عام 2000، ومفادها باختصار: إلزموا قراكم وتظاهروا في أماكن مستورة وبالمقابل لن تقترب الشرطة كثيرا إلى المتظاهرين لمنع الاحتكاكات أو المواجهات. أي يجب علينا كما يقول المثل: أن نرقص بالعتمة ونكتفي بوسائل الإعلام المحلية وبقناة الجزيرة.
بهذه المناسبة أود أن أتطرق للموقف الإسرائيلي كما عبر عنه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. قال الثعلب بيرس الذي يضع على وجهه قناع السلام ويتلفع بجائزة نوبل للسلام في خطابه بمناسبة ما يسمى يوم الذكرى للذين سقطوا في حروب إسرائيل بعد أن يعيد كتابة التاريخ: " لم نبحث عن الحروب، لقد فرضت علينا. ولكن بعد أن هوجمنا لم نسمح بأن نهزم، وبعد أن ننتصر نعود إلى السلام. لن نتخلى عن إمكانية السلام الشامل والحقيقي، ضحايانا سقطوا من أجل السلام.."
المصيبة أن عددا كبيرا في العالم، ومن ضمنهم في عالمنا العربي، يصدقون هذه الأكاذيب ويناشدون بيرس بإلقاء ثقله لدفع عربة السلام إلى الأمام.
نتنياهو يكرر الاسطوانة المشروخة التي تقول: "أن إسرائيل هي جزيرة وحيدة من الحرية والديمقراطية في منطقة واسعة ومظلمة". لذلك في هذه الجزيرة المليئة بالحرية عندما يحتفلون بعيد "الاستقلال" أو أي عيد آخر أول ما يفعلونه هو تشديد الحصار والخناق على المدن والقرى الفلسطينية وإغلاق كافة منافذها، لكي لا يزعجهم أحد في احتفالاتهم ولا نمد أيدينا إلى مشاويهم.
ويتابع نتنياهو قوله أن أهم إنجازات دولة إسرائيل بعد 63 عاما على قيامها كان إعادة "قوة الدفاع للشعب اليهودي". هل قانون النكبة هو جزء من قوة الدفاع هذه أم هو نتيجة البرانويا التي تلاحقهم منذ اليوم الأول؟
الرواية الصهيونية كما عبرت عنها زعامتها تحتكر الألم والتحمل وكأن باقي البشرية عديمة المشاعر والأحاسيس، ومن هذا المنطلق يحيون ذكرى جميع الذين سقطوا في حروب إسرائيل الذين بلغ عددهم: 22867. ولا يكترثون بسقوط عشرات أضعاف هذا العدد في الجانب الآخر.
ربما آن الأوان، أن نتعلم ، بهذا الخصوص، شيئا من دولة إسرائيل ونبدأ بإحصاء كل الشهداء الفلسطينيين والعرب وأبناء الشعوب الأخرى المتضامنة مع شعبنا والذين سقطوا دفاعا عن فلسطين في الحروب المستمرة التي شنتها وما زالت تشنها الدولة ونحيي ذكراهم بالتزامن مع ذكرى النكبة. لقد حرثت الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا بحثا عن إحصائيات شاملة وموثقة بهذا الخصوص فلم أجد سوى شظايا معلومات. حتى شهداء الانتفاضة نبدأ بعدهم في الأيام الأولى أو في الأشهر الأولى ومن ثم نتوقف عن إحصائهم.
مسيرة العودة حتى ولو كانت لألف ميل ستبدأ بخطوة واحدة، ولكن على هذه الخطوة أن تكون خطوة عملية وليست مجازية.

Wednesday, May 04, 2011

النكبة بين الذكرى والقانون

النكبة بين الذكرى والقانون

علي زبيدات – سخنين

من يظن أن قانون النكبة الذي سنه البرلمان الإسرائيلي مؤخرا ووصفناه بحق بالعنصرية هو الأسوأ في موضوع النكبة فهو مخطئ. حسب رأيي طريقة إحيائنا "لذكرى" النكبة هي الأسوأ. وضعت كلمة ذكرى بين هلالين عن قصد وذلك لأنها أصبحت فعلا مجرد ذكرى تضاف إلى أخواتها التي ينضح بها التاريخ الفلسطيني مثل ذكرى يوم الأرض المتخاصم مع الأرض، وذكرى هبة أكتوبر المغتربة عن كل هبة. إذن، لم يبق من النكبة سوى ذكرى نحييها كل سنة بقوة الروتين وحكم العادة. لكي لا ننسى يقول البعض. ولكي لا نحقق الحلم الصهيوني الذي يقول: "الكبار يموتون والصغار ينسون". ونربت على أكتاف بعضنا البعض بفخر واعتزاز ونحن نرى الأعداد المتزايدة من الشباب الفلسطيني يشاركون في "مسيرة العودة" كل سنة.
هل هذه هي مهمة الشباب الفلسطيني؟ أن يتذكروا؟؟ ألا ينسوا أنه قبل 63 عاما تعرض الشعب الفلسطيني للنكبة؟ وماذا بعد؟ لم ولن ننسى أن يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا، وماذا بعد ذلك؟ متى سوف نبدأ بإزالة آثار هذه النكبة؟ لقد قلنا كل ما يمكن أن يقال عن حقنا القانوني والسياسي والإنساني والأخلاقي في العودة، وكررنا ما قلناه عشرات المرات، في كل ذكرى، في كل مسيرة "عودة" لإحدى قرانا المهجرة، ولكن متى سوف نخطو خطوة واحدة في طريق العودة الحقيقية؟؟
لقد أقرت جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين" ولا أدري من هي هذه الجمعية بالضبط ومن منحها حق احتكار هذه المناسبة، أن تكون المسيرة الرابعة عشرة هذه السنة إلى القريتين المهجرتين الرويس والدامون. وعممت بيانا على وسائل الإعلام بهذه المناسبة. من المخجل أنه بعد العواصف التي هبت في العالم العربي من ثورات أسقطت أنظمة عاتية أن نرى برنامج المهرجان المركزي لم يتزحزح قيد أنملة. التغيير الوحيد، إذا صح أن نسميه تغييرا، هو أن هذه الجمعية حملت هذا البرنامج الجاهز منذ سنوات على ظهرها وتنقلت به بين مسكة والكفرين وصفورية واللجون وغيرها من قرانا المهجرة. هل ينبغي أن ننتظر 500 سنة أخرى لكي نعطي كافة قرانا المهجرة حقها؟
جاء في بيان الجمعية أن المسيرة سوف تنتهي بمهرجان خطابي يتضمن كلمة للجنة المتابعة وكلمة لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين وكلمة لمهجري القريتين وكلمة للجمعيات اليهودية التي تدعم حق العودة. ألم نحضر هذا الفلم عدة مرات؟ من يملك تسجيل لخطاب رئيس لجنة المتابعة من السنة الماضية في مسكة ليقارنه بالخطاب الذي سوف يلقيه بعد أيام في الدامون، ومن يجد فرقا واحدا، على غرار المسابقات التافه في بعض القنوات الفضائية العربية لإيجاد فارق واحد بين صورتين متشابهتين، فله جائزة. وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الخطابات.
بما أن قضية اللاجئين والمهجرين وبالتالي حق العودة ليست ملكا لأحد حتى ليس للاجئين والمهجرين أنفسهم، فهي قضية وطنية من الدرجة الأولى فانا أطالب بكسر احتكار أية جمعية أو مؤسسة لهذه القضية وفتح المجال أمام كل فلسطيني يريد ويستطيع أن يساهم في خدمة هذه القضية. أنا لا أطالب بعزل أو اعتزال الناشطين الحاليين في هذا المجال فقد قاموا بجهود جبارة تستحق الثناء، الله يعطيهم العافية، كل ما أطلبه هو عدم الاحتكار، ألا تكون القرارات في اجتماعات مغلقة لا يعلم بها إلا بعض الأفراد، الكف عن أسلوب الإقصاء وإلغاء الآخرين.
منذ بداية مسيرات العودة في سنوات التسعين وحتى اليوم اقترحت أنا شخصيا في مناسبات مختلفة بعض الاقتراحات التي من شأنها أن تخدم قضية العودة وتدفعها إلى الأمام. ولكن لم يكن هناك حتى من يستمع إليها ويناقشها وذلك لأني لا انتمي لأية جمعية أو حزب سياسي. وأنا على يقين أن الكثيرين من المهتمين الآخرين في هذا الموضوع قد قدموا العديد من المقترحات التي لم يتم الاستماع إليها أو مناقشتها للأسباب مشابهة. وها أنا أعود وأذكر بعض هذه المقترحات:
لماذا تم حتى الآن استثناء المدن الفلسطينية التي تعرضت هي الأخرى للتصفية عرقية في عام النكبة من مسيرات العودة؟ لماذا تم تجاهل عكا، حيفا، يافا، اللد، الرملة، طبريا، صفد؟ أليست هذه المدن أهم، مع كل الاحترام لجميع قرانا المهجرة، من قرية الكفرين النائية مثلا التي ضل الطريق إليها عدد كبير من المشاركين هذا بالرغم من الجهود لتعليم الطريق؟ هل هي مجرد صدفة أم سياسة الجمعية التي تتلاءم مع سياسة السلطات الإسرائيلية لمنح التصريح للمسيرة؟
منذ سنوات والقدس تتعرض لعملية غاشمة من التهويد وتهجير أهلها وآخرها المخططات الاستيطانية في الشيخ جراح وسلوان، هل لسياسة إسرائيل الراهنة في القدس علاقة بالنكبة أم لا؟ إذا كان الجواب نعم، وهو كذلك فلماذا لا نفكر حتى بأن تكون مسيرة العودة في شوارع القدس؟ بل لماذا لم نجرؤ لأن تكون المسيرة في احدى قرى القدس المهجرة مثل دير ياسين، لفتا، عين كارم، المالحة، الخ.
نحن نعيش في عصر الفضائيات والإعلام السريع العابر للقارات فلماذا لا نقوم بالعودة الفعلية إلى قرية معينة تحت تغطية إعلامية مكثفة والاعتصام في هذه القرية لفترة طويلة حتى تأتي قوات الأمن الإسرائيلية لإخلائنا بالقوة؟
اليوم يوجد تحرك شبابي فلسطيني – عربي – عالمي للزحف الملاييني نحو فلسطين في الخامس عشر من أيار، ما هو موقف لجنة المتابعة ولجنة الدفاع عن حقوق المهجرين من هذا التحرك؟ لماذا هذا الصمت؟ هل هو نابع عن استهتار بهذه الفكرة ودمغها بالخيالية؟ أم أن اسم "انتفاضة فلسطينية ثالثة" يخيفهم؟
هذه الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع هي أكثر واقعية من كل الخطابات التي سوف نستمع إليها في المهرجان الخطابي. لماذا لا نفكر بتنظيم مسيرة سلمية لاستقبال اللاجئين الذين سوف يتوجهون إلى فلسطين في هذا اليوم؟ إلى قرية عرب العرامشة مثلا أو إلى بوابة فاطمة أو إلى أحد الجسور مع الأردن. لن تقدم العودة على طبق من ذهب أو فضة لأحد. لقد انتظرنا 63 عاما أكثر من اللازم للعودة وقد آن الأوان ليقوم كل لاجئ على رجليه يحمل عصاه ويسلك الطريق التي سوف تعيده إلى دياره.

Wednesday, April 27, 2011

الثورة العربية وعيد العمال العالمي

الثورة العربية وعيد العمال العالمي
علي زبيدات – سخنين

عندما ولد يوم الأول من أيار كيوم عالمي للطبقة العاملة قبل حوالي قرن وربع قرن من الزمن كان العامل يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها. فكان من الطبيعي أن يكون مطلبه الأساسي في ذلك الوقت تحديد يوم العمل بثماني ساعات حتى يبقى لديه بعض الوقت للراحة وتجديد طاقته والاستمتاع ولو قليلا بالحياة. بعد ذلك تطور النضال العمالي ليشمل الأجور المتدنية حين ذاك، وتمت المطالبة بحد أدنى للأجور والحق في التنظيم وإقامة النقابات العمالية والمطالبة في الضمانات الاجتماعية. في أماكن كثيرة من العالم اقترن النضال العمالي بالنضال الوطني من أجل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار بأشكاله المختلفة القديمة منها والحديثة، من أجل حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة ومن أجل حقوق الإنسان بشكل عام.
كاد هذا اليوم، خلال هذه الفترة الطويلة، أن يقفز عن عالمنا العربي. فما زال العامل العربي بشكل عام حتى يومنا هذا يعمل من شروق الشمس إلى مغيبها، هذا إذا توفر العمل أصلا ولم يكن ملقى في أحضان البطالة ومن ثم في أحضان الحاجة والفقر المدقع، في عالمنا العربي من الخيال أن نتكلم عن ضمانات اجتماعية أو شيء يسمى حد أدنى من الأجور أو ضمان للدخل وغيرها من الأمور التي حققها العمال في معظم أرجاء العالم منذ وقت طويل. وقد حاولت الطبقات الحاكمة وما زالت إقناع العمال العرب عدم الاهتمام بيوم العمال العالمي تارة لكونه ولد في أمريكا فهو إذن يوم مستورد من العالم الامبريالي، وقد عزف على هذا الوتر الأنظمة التي تضع على وجهها قناعا قوميا أو وطنيا، وطورا لكونه مستوردا من الاتحاد السوفيتي السابق والأحزاب الشيوعية والعمالية وقد ضرب على هذا الوتر العديد من الحركات الدينية.
صحيح تاريخيا أن يوم الأول من أيار ولد في أمريكا ولكنه ولد من خلال الصراع الدامي ضد النظام الرأسمالي الأمريكي الذي يتغنى بالدمقراطية. ولو ولد في أحضان النظام الرأسمالي لتلقفته الطبقات الحاكمة عندنا بالترحاب وبدون أية مشكلة كما فعلت بعيد العشاق "الفلانتاين" على سبيل المثال. وصحيح أيضا أن الأممية الثانية عندما كانت ثورية بزعامة فريدريك انجلز وآخرين قد تبنت هذا اليوم وجعلت منه يوما يرمز لوحدة الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم من أجل تحقيق المبدأ الذي أعلن قبل ذلك بحوالي نصف قرن في البيان الشيوعي: "يا عمال العالم اتحدوا"، ومن ثم تم تبني هذا اليوم من قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا والأحزاب الشيوعية الثورية في ذلك الوقت. هذه الحقائق لا تجعل أبدا من هذا اليوم يوما أمريكيا أو روسيا أو أجنبيا دخيلا يجب مقاطعته. بل على العكس من ذلك فإن الطبقة العاملة العربية اليوم أحوج ما تكون إلى عيد العمال العالمي أولا من أجل توحيد صفوفها في مواجهة الأنظمة المستشرسة وثانيا لمد الجسور بينها وبين عمال العالم الذين يناضلون من أجل قضية واحدة ألا وهي التحرر من نير الاضطهاد والاستغلال الرأسمالي.
بالرغم من أن الثورة العربية الراهنة المتفجرة في أكثر من قطر لا يمكن تصورها بدون الدور الحاسم للطبقة العاملة ولباقي الطبقات الكادحة والمثقفين الثوريين إلا انه تجري محاولات حثيثة لإقصاء العمال عن قيادة هذه الثورات والاكتفاء بتحقيق بعض الإصلاحات ومنع تطور هذه الثورات لتصبح ثورات عمالية. ومما يساعد على نجاح هذه المهمة هو هيمنة شريحة ارستقراطية من الطبقة العاملة تتكلم باسم الطبقة العاملة ولكنها تنفذ في نهاية المطاف سياسة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
النضال العمالي بدون وعي طبقي يؤدي في أحسن الحالات إلى بعض الإصلاحات ولكنه يبقي النظام الاجتماعي والسياسي كما هو. وعندما تشعر الطبقات الحاكمة بالقوة ثانية سوف تنقض على هذه الإصلاحات وتعيد الوضع السابق إلى نصابه. الثورة السياسية يجب أن ترافقها ثورة اجتماعية وثقافية. الضمان الوحيد لاستمرارية ونجاح الثورة هو تحويلها من ثورة وطنية ديمقراطية إلى ثورة عمالية بقيادة طبقة عاملة تتبنى أيديولوجية عمالية ثورية.
وعندما نقول ثورة عمالية نعني إلغاء كافة أشكال الاستغلال الرأسمالي: إلغاء نظام الأجور والنقد والربح. نعني إلغاء كافة أشكال العنصرية والتمييز على أساس عرقي، ديني أو جنسي. الثورة العمالية بطبيعتها تعني تخطي وهدم كافة الحدود الجغرافية والاجتماعية التي تفرق بين الشعوب.
العامل الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة العربية والعالمية وتقع على عاتقه ليس فقط النضال من أجل تأمين لقمة العيش بل أيضا وفي الأساس النضال من أجل الحرية والاستقلال من الاحتلال الصهيوني وحلفائه من متعاونين فلسطينيين وعرب. ينبغي على العامل الفلسطيني حتى يستطيع أن يقوم بدوره التاريخي جنبا إلى جنب مع عمال العالم أن ينفض عن نفسه غبار الخنوع الذي تنميه وتفرضه الأحزاب والحركات الانتهازية والتحريفية التي تسمي نفسها عمالية زورا وبهتانا ولكنها في الحقيقة تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة.
ليكن يوم الأول من أيار هذا العام يوما مشهودا لانطلاق الثورة العمالية العربية.

Wednesday, April 20, 2011

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

هل يستطيع العطار إصلاح ما يفسده الدهر؟

علي زبيدات – سخنين

أتذكر هذا المثل العربي الذي يؤكد أن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر كلما قرأت خبرا أو مقالا عن ضرورة إعادة بناء، ترميم أو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية أو "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" واختصارا لطول الاسم الذي يثقل على الكاتب وعلى القارئ أكتفي بتسميتها: لجنة المتابعة.
هل يذكر أحد متى بدأ الكلام عن ضرورة إعادة بناء هاتين المؤسستين؟ منذ سنوات طويلة، صحيح؟ وأكاد أجزم منذ اليوم الأول لإقامتهما. أي قبل أن يعبث الدهر بأصابعه لإفسادهما. وذلك لسبب بسيط: لكونهما ولدتا أصلا مشوهتين. ولكن كما يبدو استطاع الجمال والشباب لفترة من الزمن ستر تشويهات الولادة هذه. غير أن هذه التشويهات بدأت تطفو على السطح وتطغى حتى أصبح من المستحيل تجاهلها. من هنا كثرت المطالبات بإصلاحها. بعض هذه المطالبات بريء وساذج وصادر عن حسن نية ولكن غالبيتها خبيث جاء ليحقق مآرب أخرى.
لا أريد أن أتطرق هنا إلى المطالب بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بالرغم من أهمية هذا الموضوع الجدير بتناوله بشكل مستقل خصوصا وأنه مطروح بقوة من قبل كافة الفصائل الفلسطينية الموجودة في سلطة أوسلو والمعارضة لها. سأكتفي هنا بالكلام عن لجنة المتابعة.
يبدو من الإخبار القليلة التي تناولتها وسائل الإعلام المحلية مؤخرا أن الأجواء داخل لجنة المتابعة متعكرة وربما أكثر من متعكرة ولكني أكتفي هنا بهذا الوصف: الجميع عاتب على الجميع والزعلان أكثر من الراضي وازدادت حالات اللمز والغمز واللسع. ومع ذلك تحمل هذه اللجنة عكازها وتتابع سيرها الأعرج. وبشكل موسمي تعالت الأصوات المطالبة بالإصلاح.
التجمع الوطني الديمقراطي هو من الأحزاب الفاعلة داخل هذه اللجنة ولعله أكثر الأحزاب تحمسا لإصلاح أو إعادة بناء هذه اللجنة. وقد لفت نظري مقال بقلم السكرتير العام لهذا الحزب: عوض عبد الفتاح نشر مؤخرا بعنوان: الشعب يريد انتخاب "المتابعة". لنتغاضى للحظة عن تقزيم شعار الشعب يريد.... وعن اختزال الشعب بشخص السكرتير العام أو الحزب الذي ينتمي إليه، فهو لم يقل: أنا أريد أو حزبي يريد بل مرة واحدة على طريقة لويس الرابع عشر وليس على طريقة شباب ميدان التحرير: الشعب يريد...
حسنا، انتخاب المتابعة، هذا هو الأرنب السحري الذي يخرجه صاحب المشروع القومي الديمقراطي من قبعته لإصلاح لجنة المتابعة.
لقد جربنا الانتخابات في مواقع أخرى فهل تحسنت أوضاعنا يا ترى؟ ألم ننتخب رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية؟ وماذا كانت النتيجة؟ لقد أعادتناهذه الانتخابات إلى العائلية والطائفية ونشرت الفساد في كل مكان داخل هذه المؤسسة المنتخبة ففي كل صباح نسمع عن قضية فساد ورشوات متورط بها رئيس بلدية أو نائبه أو موظف كبير. هل يستطيع أحدنا أن يقف ويذكر إيجابية واحدة جلبته لنا هذه الانتخابات؟
وقد جربنا الانتخابات داخل الأحزاب العربية تقليدا للأحزاب الصهيونية: البرايمرز. وأحمد الله أنني ابعد ما يكون عنها. ولكن طريقة انتخاب المرشحين للكنيست في هذه الأحزاب وطريقة انتخاب القياديين في كل حزب معروفة للجميع. هل جعلت الانتخابات الحزبية من أحزابنا أفضل؟ أترك الإجابة عن هذا التساؤل مفتوحا أمام القراء الحزبيين منهم وغير الحزبيين.
والآن يريدون استخدام هذه الوصفة السحرية لإعادة بناء لجنة المتابعة: انتخاب اللجنة!!
هل ستكون طبيعة هذه الانتخابات مختلفة عن طبيعة الانتخابات المحلية والحزبية من حيث المعايير السياسية والاخلاقية؟ هل نصبح ديمقراطيين بمجرد مناداتنا بالانتخابات؟
ولكي لا أفهم خطأ أنا لست ضد الانتخابات من حيث المبدأ. ولكني ضد الانتخابات عندما تصبح مسخرة، عندما تكون لعبة تحكمها قوانين المصالح الشخصية والفئوية والعائلية والطائفية. قبل الانتخابات يجب أن نتمتع بمستوى كاف من الوعي لما نريد، يجب أن تكون لدينا رؤيا واضحة لمشروع سياسي وطني. قبل أن نطالب بالانتخابات يجب أن نناقش بعمق هل نحن بحاجة إلى لجنة متابعة أصلا؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هي مهمات هذه اللجنة؟ ما هي الشؤون التي تتابعها وأمام من؟ وما هي علاقة هذه اللجنة بالجماهير العربية؟ الشعب يريد أن يعرف طريقه أولا.
رأيي الشخصي يقول: أن لجنة المتابعة لا تعرف طريقها وهي بالتالي عاجزة عن معرفة طريق الشعب وأعجز من أن تقود هذا الشعب لأي طريق. على العطارين أن يصغوا لما يقوله الدهر، لقد آن الأوان لكي نبحث عن بدائل لهذه اللجنة.

Wednesday, April 13, 2011

في ذكرى يوم الاسير الفلسطيني

في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

دعيت في نهاية العام الماضي إلى أحد المؤتمرات في جنوب أفريقيا وكانت المناسبة احتفال إحدى الحركات بإنهاء نظام الابرتهايد في ذلك البلد. وقد دار الحديث والحوار والنقاش في شتى المواضيع وكان من ضمنها المقاومة والسجون. وكان حضور نيلسون مانديلا، ليس الجسدي، في هذا المؤتمر طاغيا ليس بصفته أول رئيس اسود لجنوب إفريقيا فحسب بل أيضا بصفته رمزا للسجين السياسي الذي قضى 28 عاما في غياهب السجون. بالرغم من كون جمهور المشاركين من متكلمين وحضور من المهتمين بالسياسة العالمية إضافة إلى السياسة الداخلية، إلا أنهم تفاجؤا عندما قلت لهم: يوجد بين يدي قائمة لعشرة اسري سياسيين فلسطينيين يقبعون في السجون الإسرائيلية أمضوا في السجن فترة أطول من تلك التي أمضاها نيلسون مانديلا. وأن عميد الأسرى الفلسطيني نائل البرغوثي قد أكمل عامه ال33 وراء القضبان.
يوجد لدى إسرائيل أسير واحد، وهو بالمناسبة ليس أسيرا سياسيا. لم يسجن بسبب آرائه أو نشاطاته السياسية بل تم خطفه من دبابته التي كانت تقصف مدن ومخيمات قطاع غزة. اسم هذا الأسير جلعاد شاليط. وأظن لو ذهبنا إلى ولاية ألاسكا وتكلمنا مع إحدى عائلات الاسكيمو في أحد بيوت الايجلو أو لو ذهبنا إلى غابات الأمازون وتكلمنا مع قبيلة من السكان الأصليين التي تم اكتشافها مؤخرا وسألناهم: من هو جلعاد شاليط لعرفوا جيدا عمن نتكلم.
أسرد هاتين القصتين لأبين مدى عجز وقصور الإعلام الفلسطيني والعربي في قضية الأسرى. ولا يشفع لنا أننا نحيي يوم الأسير الفلسطيني كل عام في مثل هذه الفترة بالخطابات الرنانة والبيانات التي لا تحصى ولكن تكاد لا تقرأ. هذا بالرغم من وجود وزارتين للأسرى واحدة في رام الله وأخرى في غزة بالإضافة إلى عشرات اللجان والجمعيات التي من المفروض أن تكرس جل نشاطها واهتمامها لقضايا الأسرى على كافة الأصعدة.
السؤال الذي أريد أن أوجهه في هذه المناسبة لوزارتي الأسرى هو: هل يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان هو للأسير الفلسطيني في السجون الإسرائيلية فقط أم أيضا يشمل الأسير الفلسطيني في سجون السلطة المشطورة؟ وسؤال آخر لو سمحتم: كيف يمكن أن نثق وكيف يمكن أن نصدق أن تقوم وزارة بالدفاع عن حقوق الأسرى بينما يصف رئيس السلطة عمليات هؤلاء الأسرى بالعمليات بالحقيرة؟
منذ سنوات ونحن نسمع عن ضرورة تدويل قضية الأسرى والتوجه إلى محكمة العدل الدولية لاتخاذ قرار بخصوص مكانة الأسير الفلسطيني والاعتراف به كأسير حرب أو سجين سياسي وليس كإرهابي مجرم ولكي يعامل حسب ما ينص عليه القانون الدولي ومعاهدة جينيف الثالثة والرابعة، والتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والى كافة منظمات حقوق الإنسان. ولكن إذا كنا لا نستطيع تذويت قضية الأسرى محليا فكيف نستطيع تدويلها؟ وهل وزارة في سلطة تقف ضد كل ما يجسده الأسرى من مقاومة ونضال مخولة أصلا سياسيا وأخلاقيا بتمثيل الأسرى وتنبني قضيتهم؟
هل المؤتمرات التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى في الجزائر والمغرب أو أي مكان آخر حيث يتهافت عليها السياسيون من قياديي فصائل وأعضاء كنيست مصطحبين بعض الأسرى المحررين هدفها حقا الدفاع عن حقوق الأسرى؟ ولماذا كلما ذكرت هذه الجهات قضية الأسرى في المحافل الدولية والرسمية تركز على الناحية "الإنسانية" و"القانونية" و" الأخلاقية" ولكنها تشطب من قاموسها الناحية السياسية التي هي لب القضية؟
هناك صناعة رائجة في فلسطين هي صناعة الأسرى.
طبعا، لا يمكن بأي حال من الأحوال التعميم. هناك أشخاص وبعض اللجان التي تعمل بكل صدق وإخلاص وتفان لخدمة قضية الأسرى كل حسب إمكانياته وقدراته. قد تخطئ في بعض التصرفات وقد تكون عرضة لتأثيرات سلبية صادرة عن الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات الرسمية. هؤلاء الأشخاص وهذه اللجان لا يمكن وضعها في سلة واحدة مع الوزارات والمؤسسات الرسمية. الرجل الذي يشكل نموذجا فريدا من نوعه في هذا المجال هو المرحوم أحمد حبيب الله – أبو هشام الذي رحل عنا منذ فترة طويلة ولكننا اليوم نفتقده أكثر من أي يوم مضى.
الشرذمة السياسية التي يعاني منها مجتمعنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 تلقي بظلالها الثقيلة على لجان الأسرى. زيادة عدد هذه اللجان لا يعني بالضرورة الارتقاء بالعمل دفاعا عن الأسرى. ها نحن نقف أياما معدودات قبيل يوم الأسير الفلسطيني وقد حرثت الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا بحثا عن النشاطات التي تحضرها لنا هذه اللجان لإحياء هذه المناسبة ولم أجد شيئا يذكر. قد نسمع عن بعضها في الصحف بعد حدوثها. وقد نسمع عن بعضها الآخر قبيل حدوثها إذا كنا مقربين من إحدى هذه اللجان. أسمع في اللحظة الأخيرة إن إحدى هذه اللجان تنظم تظاهرة رفع شعارات على أحد المفارق، وأخرى تنظم اعتصاما أمام أحد السجون. وعندما أشارك في إحدى هذه النشاطات أرى الوجوه نفسها. هناك انقطاع شبه كامل مع الجماهير. يكاد التنسيق فيما بين هذه اللجان أن يكون معدوما. أصابها ما أصاب الأحزاب السياسية: كل ينظم نشاطه الخاص الذي يحضره الأعضاء والمقربون فقط. مع أننا جميعا نقسم بأغلظ الإيمان أن قضية الأسرى هي قضية وطنية تتخطى جميع الأطر والحواجز.
"الحرية لأسرى الحرية" يجب أن يصبح خطة عمل وليس مجرد شعار يرفع في المناسبات.


Wednesday, April 06, 2011

عودة إلى مجزرة دير ياسين

عودة الى مجزرة دير ياسين علي زبيدات – سخنين في خضم المجازر التي يتعرض لها المواطن العربي في أماكن متعددة من العالم العربي المترامي الأطراف من المحيط إلى الخليج، كدنا أن ننسى المجازر التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني على يد السلطات الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا. حتى بتنا نظن أن الهدف من المجازر العربية هو أن تنسينا مجازر إسرائيل وتقول لنا: احمدوا ربكم ألف مرة في اليوم لأنكم ترزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي الإنساني المتنور وتتعرضون ل"مجازر" علي يد الجيش الإسرائيلي الأكثر تمسكا بالقيم الأخلاقية في العالم وليس من نظام ثوري أو قومي أو وطني كما هو الوضع في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها. لقد آن الأوان كي نعيد الأمور إلى نصابها. في مثل هذه الأيام من عام 1948 وبالتحديد في 9 نيسان/ أبريل دخلت العصابات الصهيونية إلى قرية دير ياسين غربي القدس وقتلت بدم بارد أكثر من 250 مواطن أعزل معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال. لم تخف العصابات الصهيونية هدفها من وراء هذه الجريمة البشعة وهو إرهاب المواطنين الآمنين العزل ودفعهم للرحيل ومن ثم الاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم. لم تكن مجزرة دير ياسين المجزرة الوحيدة في عام 1948 بل رافقتها عشرات المجازر امتدت من شمال فلسطين إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها. ولكن تبقى مجزرة دير ياسين الأكثر شهرة وأهمية والتي حفرت في الذاكرة الفلسطينية الجماعية وفي ذاكرة كل فلسطيني حتى أصبحت رمزا للنكبة الفلسطينية التي وقعت فعلا في أعقاب هذه المجزرة وغيرها من المجازر حيث تم هدم أكثر من 500 قرية وترحيل ما يقارب نصف الشعب الفلسطيني. من ظن أن المجازر الإسرائيلية قد توقفت بعد قيام "الدولة الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط سرعان ما تبين أنه مخطئ: فالمجازر توالت واستمرت بأشكال مختلفة وتسميات أخرى. يكفي هنا أن نذكر بعضها: من كفر قاسم مرورا بصبرا وشاتيلا وقانا إلى جنين ونابلس والخليل وحتى غزة التي ما زالت تتعرض إلى أطول مجزرة عرفها التاريخ المعاصر. المجازر التي تنفذها بعض الأنظمة العربية في حق شعوبها مهما بلغت من بشاعة لن تستطيع محو المجازر الإسرائيلية من الذاكرة الفلسطينية والعربية بل على العكس من ذلك فإنها وبشكل عكسي تنميها وتقويها. إذ لا تخفي هذه الأنظمة أنها تعلمت البطش والتنكيل والأرض المحروقة والدمار العظيم من العصابات الصهيونية، وان المجازر التي اقترفتها إسرائيل قد أصبحت نموذجا يحتذى. ولم تبخل إسرائيل في تزويد هذه الأنظمة بالمعلومات والإرشاد والخبرات وفي كثير من الأحيان بالسلاح أيضا. "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ترتبط عضويا بالأنظمة اللاديمقراطية المحيطة بها. للوهلة الأولى يظن بعض الساذجين أن كلا الطرفين: دولة إسرائيل من جهة والأنظمة العربية من جهة أخرى يقفان على طرفي نقيض ويشكلان لعقود طويلة ما يسمى في السياسة الدولية: طرفي الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن خلف هذا الصراع الوهمي تكمن حالة من الانسجام والتناغم والتعاون وفي كثير من الأحيان تقسيم الأدوار. فإذا بادرت إسرائيل باقتراف جريمة أو مجزرة جديدة نرى الأنظمة العربية تغض الطرف وتتقاعس عن الرد وتكتفي بإدانة شفوية خجولة حتى يمر الغضب الشعبي وتعود المياه إلى مجاريها. وإذا بادر أحد الأنظمة العربية بإقتراف مجزرة ضد شعبه تقوم إسرائيل برد الجميل بطريقة أو بأخرى. وهكذا تستمر المسرحية حسب قوانين اللعبة التي وضعها واتفق عليها الطرفان. ولكن، وبالرغم من كل شيء، يوجد هناك فرق جوهري بين المجازر التي تقترفها دولة إسرائيل وبين المجازر التي ترتكبها الأنظمة العربية. وهذا الفرق هو أن الشعوب العربية بدأت تحاكم وتعاقب أنظمتها ووضعت نصب أعينها إسقاط هذه الأنظمة وقد استطاعت بالفعل أن تحقق ذلك في تونس وفي مصر ولن تكون باقي الأنظمة بعد اليوم في مأمن عن هذا المصير. أما دولة إسرائيل فمع الأسف الشديد لا يوجد هناك حتى الآن من يحاسبها أو يعاقبها، بل العكس هو الصحيح فكلما تمادت في جرائمها كلما حازت على مزيد من الدعم والتأييد. فبعد مجزرة دير ياسين حصلت على شرعيتها الدولية، وبعد مجزرة كفر قاسم لم تجد من يحاكمها فحاكمت نفسها وعاقبت المسئول عن المجزرة بدفع غرامة باهظة تبلغ قرشا واحدا ليس ثمنا للدماء الفلسطينية المسفوكة بل لخرقه بعض صلاحياته، أما من مجزرة صبرا وشاتيلا فقد سحبت نفسها مثل الشعرة من العجين. وها هي ما زالت مستمرة في حرب الإبادة ضد غزة أمام نظر وسمع العالم. لن ننسى مجزرة دير ياسين ولن ننسى باقي المجازر السابقة والراهنة ولن نغفر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى سوف تزف ساعة الحساب والعقاب؟؟

Wednesday, March 30, 2011

سوريا أكبر من حزب البعث وأكبر من حركة الإخوان المسلمين

سوريا أكبر من حزب البعث وأكبر من حركة الإخوان المسلمين علي زبيدات – سخنين وصل قطار الثورة مؤخرا إلى سوريا. هذا القطار الذي إذا ركبته الشعوب يختزل مسافات التغيير الاجتماعي والسياسي في فترة قصيرة نسبيا من الزمن. عندما يبطئ التغيير التدريجي، الذي يسمى في القاموس السياسي بالإصلاحات، أو يدخل في مرحلة من الركود أو التقهقر، عندما لا تستطيع الطبقة الحاكمة أن تواصل حكمها بالطرق والأساليب التي اتبعتها وعندما لا تستطيع الطبقات المحكومة أن تحمل هذه الطرق والأساليب أكثر تهب أعاصير الثورة الهوجاء التي يعرف الجميع متى تهب ولكن لا يعرف أحد متى وكيف تركد. نقف أمام نموذجين من الثورة العربية: النموذج التونسي – المصري، حيث نجحت الجماهير الشعبية الغفيرة التي خرجت إلى الشارع في لجم شراسة الأنظمة البائدة واستطاعت بأقل ما يمكن من الخسائر والتضحيات إسقاط هذه الأنظمة. هناك طبعا أسباب تاريخية لظهور هذا النموذج في هذين البلدين بالذات لعبت دورا حاسما في نجاح الثورة ولكن ليس هنا المجال لتحليلها ودراستها. وهناك النموذج الليبي – اليمني: حيث لم تستطع الجماهير الشعبية شل حركة النظام وإحباط قدراته على قمع الجماهير. في ليبيا، على وجه التحديد، أخذ هذا النموذج طابعا عنيفا أعتبره مأساويا، فقد استطاع النظام إيقاع الجماهير المنتفضة في فخ التخلي عن التحرك الشعبي لصالح الرد العسكري المشكوك فيه خصوصا وأن من قاد هذا الرد هم شخصيات نمت وترعرعت في أحضان نظام القذافي وانشقت عنه لأسباب خاصة ولمصالح فئوية ضيقة. هذا الأمر فتح الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي المباشر بمباركة الرجعية العربية والقيادة الدخيلة على الجماهير الليبية. اليوم ما يجري في ليبيا لا يمت بأية صلة بالثورة لا من قريب ولا من بعيد. ما يحدث ليس بأكثر من صراع شرس على السلطة والثورة من كافة الأطراف المتورطة. لا يمكن أن نتحدث عن ثورة حقيقية في ظل التدخل العسكري الغاشم للحلف الأطلسي. وجميعنا يعرف لماذا تأسس هذا الحلف وما هي مهماته وما هو تاريخه. كما إننا لا نستطيع التحدث عن ثورة حقيقية في ظل غياب أي خطاب سياسي تحرري. قد يتغير النظام في ليبيا في نهاية الأمر نتيجة هذا الصراع ويأتي نظام آخر. ولكنه لن يكون مختلفا في طبيعته عن النظام المدحور من حيث قبوله بالهيمنة الامبريالية وحفاظه على التركيبة العشائرية للمجتمع بكل ما تحمله من فساد وامتيازات. في سوريا، يبدو أننا أمام نسخة جديدة من النموذج الليبي – اليمني. حوالي نصف قرن من سيطرة حزب البعث أوصلت البلاد إلى شفا هاوية رهيبة. هذا الحزب الذي نقش على رايته الشعارات الثلاثة: وحدة، حرية، اشتراكية وجد نفسه بعد نصف قرن من الحكم يطبق العكس تماما. فالوحدة: أصبحت انشقاقا وشرذمة فعندما استولى الحزب على السلطة في سوريا والعراق انشق الحزب على نفسه وأصبح كلا الشقين من ألد الأعداء. حتى داخل الحزب الواحد لم تكن هناك وحدة بل صراع دائم غالبا ما كان صراعا داميا. الحرية: ماذا تعني الحرية في ظل قوانين الطوارئ التي فرضت منذ اليوم الأول وحتى اليوم الأخير، إذا لم تكن تعني حرية أجهزة الأمن والمخابرات في كتم وكبت كل صوت معارض مهما كان خافتا؟ حتى الأحزاب التي شكلت الجبهة الوطنية التقدمية تحت كنف حزب البعث تتوق إلى حرية التنظيم والاجتماع في ابسط صوره. الاشتراكية: هي أيضا كان لها مفهوم فريد من نوعه، وهذا المفهوم أبعد ما يكون عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاقتصادية بين مجموعات الشعب في مدن والأرياف ومن الطوائف والقوميات المختلفة. الاشتراكية كانت تعني الفساد والمزيد من الفساد، وإفقار الجماهير الشعبية إلى حد المجاعة. حاول نظام البعث جاهدا أن يخفي هذا الواقع المرير وراء قناع معاداة أمريكا وحشد كافة طاقات البلد للمواجهة القومية المصيرية من أجل تحرير الجولان من نير الاحتلال الإسرائيلي. ونصب نفسه قائدا لما سماه محور الممانعة. هذا القناع بدأ يهترئ ويتساقط رويدا رويدا. من لا يعرف مواقف النظام السوري المتقلبة والانتهازية في لبنان؟ وشارك في الحرب التي شنتها أمريكا وحلف الناتو على العراق. أما الموقف من إسرائيل فهي عجيب غريب. ليس سرا أن الجبهة السورية أكثر هدوءا وأمنا لإسرائيل من كافة الجبهات. قد أتفهم أن النظام لا يستطيع تحرير الجولان عسكريا في الظروف الراهنة لذلك هو بحاجة لفترة طويلة من الاستعدادات، ولكن كيف يتفق ذلك مع التصريح بأن خيار السلام مع إسرائيل هو خيار استراتيجي؟ يحاول النظام السوري على الأقل منذ مؤتمر مدريد وحتى اليوم التفاوض مع إسرائيل للوصول إلى تسوية إما مباشرة وإما بمساعدة وسطاء. غير أن التعنت الإسرائيلي ورفضها التنازل عن الجولان هو ما أبقى على هذا القناع لفترة طويلة من الزمن. إذن، عن أية مقاومة وممانعة يتحدثون؟ تذكرني السياسة السورية ببيت أبو الطيب المتنبي: جود الرجال من الأيدي وجودهم من اللسان فلا كانوا ولا الجود. مع إبدال كلمة جود بكلمة مقاومة. ولكن، وهنا يوجد لكن كبيرة، وكبيرة جدا. قسم لا يستهان به من المعارضة السورية أسوأ بما لا يقاس من النظام الراهن خصوصا تلك الشخصيات المتواجدة في الدول الغربية وتترعرع في أحضان مخابراتها. يكفي أن نذكر هنا شخصيتين من هذا النوع: عبد الحليم خدام وعم الرئيس: رفعت الأسد. هذه الشخصيات تقف بالمرصاد وتتحين الفرص كالضباع المسعورة لكي تعود إلى دمشق على دبابات حلف الناتو. يوجد هناك أحزاب معارضة أخرى عديدة قد لا تخدم أجندة أجنبية بشكل مباشر ولكنها ليست بأفضل من حزب البعث. قسم منها انشق عن هذا الحزب أو كان متحالفا معه لفترة طويلة. مثل هذه الأحزاب ليست جديرة بالثقة. ينبغي على الثورة، وتحت كافة الظروف، أن تتشبث بالطابع والعمق الجماهيري فهما صمام الأمان لكل ثورة. وأن تتبنى بشكل واضح وصريح لا يقبل التأويل برنامجا مناهضا للهيمنة الامبريالية والصهيونية من جهة، وبرنامجا وطنيا تقدميا على الصعيد السياسي من جهة أخرى. سوريا هي قلب الأمة العربية النابض وانتصار الثورة فيها قد يمحو من الخارطة مرة واحدة والى الأبد اتفاقية سايكس – بيكو التي مزقت الوطن العربي. انتصار الثورة في سوريا يعني انتصارها في الأردن وفلسطين ولبنان، يعني وحدة بلاد الشام كخطوة أولى على طريق توحيد العالم العربي بأسره.

Wednesday, March 23, 2011

فجر أوديسا والعشاق الفاسقون

فجر أوديسا والعشاق الفاسقون

علي زبيدات – سخنين

يوجد في البيت الأبيض الأمريكي على ما يبدو شخص أو أشخاص مختصين بالبحث عن أسماء براقة وجذابة يطلقونها على العمليات العسكرية التي تشنها القوات الأمريكية على بعد آلاف الأميال من بلادها. فبعد أن أتحفونا قبل عقدين من الزمن باسم "عاصفة الصحراء" والتي كان هدفها الظاهر "تحرير الكويت" من الاحتلال العراقي بينما كان هدفها الباطن والحقيقي تدمير العراق الذي تم لاحقا وإحكام الهيمنة الغربية على النفط العربي. واليوم يتحفوننا باسم أكثر جاذبية وأكثر رومانسية بعد أن غاصوا في عمق التاريخ حتى وصلوا إلى القرن الثامن قبل الميلاد وعادوا باسم "فجر أوديسا" وأطلقوها على العملية التي تهدف إلى " تحرير ليبيا" هذه المرة من طغيان العقيد القذافي.

ملحمة أوديسة التي تروي مغامرات أحد أبطال الإغريق: أوديسيوس بعد نهاية حرب طروادة في طريق عودته إلى أرض وطنه وتعرضه للعديد من المخاطر والويلات بسبب غضب بعض الآلهة عليه، هذه الرحلة التي طالت لعشر سنوات، ولكن مع كل فجر جديدة وبفضل آلهة الفجر كان يخرج من التيه في البحار والجزر ويقترب من أرض الوطن. وربما هذا ما ألهم هذا المختص أو المختصين بالأسماء باختيار "فجر أوديسا" اسما لهذه العملية العسكرية، فهل سيجلب هذا العدوان الغربي غدا مشرقا عزيزا إلى ليبيا يا ترى؟

لكن ملحمة الأوديسة تروي أيضا قصة بنلوب زوجة أوديسيوس المخلصة التي قررت أن تنتظر عودة زوجها التي تأخرت فتكالب عليها العشاق الفاسقون من النبلاء من كل حدب وصوب، حاولوا إقناعها بأن زوجها المحبوب لن يعود بعد أن ابتلعته أمواج البحر العاصفة وطالبوها بأن تختار لها زوجا من بينهم. هؤلاء النبلاء العشاق الفاسقون والمزيفون ضربوا بعرض الحائط جميع القيم الأخلاقية والاجتماعية وكانت أطماعهم هي التي تسيرهم. لم يتورعوا من استعمال كافة الطرق للاستئثار بقلب بنلوب وإساءة معاملة ابنها تلماك ومن ثم الإساءة إلى أوديسيوس نفسه الذي وصل متخفيا حتى استطاع جمع هؤلاء النبلاء الفاسقين وقتلهم عن بكرة أبيهم بقوسه الذي لا يقدر على استعماله سواه.

تحالف الغرب الذي يدك ليبيا في هذه الأيام بحجة الدفاع عن الشعب الليبي ومساعدته للتخلص من الطاغية لا يمت بصلة إلى أوديسيوس الحكيم والشجاع الباحث عن العادلة ولكنه يشبه إلى حد التطابق تحالف العشاق الفاسقين للنيل من قلب بنلوب ومن ثم النيل من المملكة بأسرها. فكان من الأحرى أن يطلق على هذه العملية: غروب العشاق الفاسقين.

انه لمن سخرية الأقدار أن يتزعم الرئيس الفرنسي ساركوزي تحالفا يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحوله عصابة من قطاع الطرق أتوا من أمريكا وكندا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها، يطلقون على أنفسهم "المجتمع الدولي" أو " الشرعية الدولية" ويستعملون حلف الناتو سوطا مسلطا على ظهور الدول الفقيرة. وانه لمن سخرية الأقدار أيضا وفي ظل التحرك العربي الثوري أن يأبى الأقزام العرب إلا أن يسقطوا ورقة التوت التي تغطي عوراتهم لكي يبرروا هذا التحالف النجس لشن هذا الهجوم العدواني السافر.

لا يوجد ثورة في ليبيا ولا يوجد ثوار. بل يوجد هناك قبائل أو بالأحرى زعماء قبائل متناحرين فيما بينهم على السلطة وعلى الثروة. معمر القذافي ليس سوى أحد هؤلاء الزعماء القبليين الذي استأثر بالسلطة والثروة لفترة أربعة عقود ويحاول أن يؤمن استمرار حكمه. معظم المعارضون الذين يسمون أنفسهم مجازا ثوار قد تربوا وترعرعوا في أحضان القذافي ومنهم رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل وعبد الفتاح يونس وعمر الحريري ومحمود جبريل وغيرهم من أعضاء المجلس وخارج أعضاء المجلس. قسم آخر من المعارضين نشأ وترعرع في الدول الغربية وعلى غرار المعرضة العراقية في وقته يحلم هؤلاء بالعودة إلى ليبيا على ظهور الطائرات وربما الدبابات الغربية لاستلام السلطة. هل تشاهدون قوى شبابية قيادية في حركة 17 فبراير؟ أنا لا أشاهد. بالعكس أرى بعض الشباب يهتفون باسم القذافي. أية ثورة هذه التي ترمي بنفسها في أحضان أعتى القوى المعادية للثورة؟

سوف يسقط القذافي عاجلا أم آجلا لأنه يستحق السقوط ولكن من سيحل مكانه؟ العملاء الذين وصلوا إلى السلطة بواسطة السلاح الغربي؟ وهل سيكون هؤلاء أفضل من القذافي؟

كما يبدو، ليس فقط لا يوجد هناك ثورة ليبية بل لا يوجد هناك شعب ليبي أصلا. ما يوجد في ليبيا مجموعة من القبائل تتحالف تارة وتتصارع فيما بينها تارة أخرى حسب مصالحها القبلية الخاصة. هذه القبائل ما زالت بحاجة إلى ثورة لكي تصبح شعبا بالمعنى الحقيقي للكلمة.

يتهمون القذافي بتجنيد المرتزقة الأفارقة لقتل أبناء شعبه، وماذا يفعل المجلس الوطني الانتقالي؟ أليست الجيوش الغربية أسوأ أنواع المرتزقة؟ ألا تقتل هذه القوات المدنيين أيضا؟

طبعا لا يمكن أن نلقي التهمة كاملة على التحالف الغربي، ففي نهاية المطاف هذا التحالف يخدم مصالحه الإستراتيجية أولا وأخيرا. المتهم الأساسي في هذه القضية هي جامعة الدول العربية التي أثبت للمرة المليون منذ تأسيسها على يد البريطانيين وحتى اليوم أنها توحد زبالة العالم العربي. ويجب توسيع شعار الثورة العربية: الشعب يريد إسقاط النظام إلى: الشعب يريد إسقاط جامعة الدول العربية.

لا يعقل أن تقوم مثل هذه المنظمة البائسة بدعوة قوات أجنبية لغزو بلد عربي مهما كانت الأسباب والتبريرات. وفي الوقت نفسه لا تحرك سكانا أمام تحرك القوات السعودية والخليجية لقمع المعارضة في البحرين. ولا تعمل شيئا لوقف المأساة في اليمن ووضع حد لمهزلة علي عبد الله الصالح.

تصوروا أن شعب شبه الجزيرة العربية ثار على العائلة السعودية وبدأت هذه العائلة باستعمال آلتها العسكرية للبطش بالجماهير فهل تتخذ الجامعة العربية قرارا للجم هذه العائلة؟ وهل تتوجه إلى مجلس الأمن لإصدار قرار لحماية الشعب؟ وإذا تحركت الجيوش الغربية فهل تتحرك لحماية الجماهير أم لحماية العائلة المالكة؟

أقولها بصراحة بل بوقاحة، لقد خيبت الثورة التونسية والثورة المصرية آمالي وآمال الكثيرين على امتداد الوطن العربي . أين هذه الثورتان مما يجري في ليبيا وفي اليمن وفي البحرين وفي سوريا وفي الجزائر والمغرب؟ لماذا لا تعود مصر وتأخذ دورها القيادي في دعم الثورات العربية؟ قد يقول البعض يكفي هاتان الثورتان مشاكلهما الداخلية ومن غير المعقول مطالبتهما بالتورط في الثورات العربية الأخرى. أنا أقول عكس ذلك: سيكون حل المشاكل الداخلية أسهل كلما "تورطت" أكثر بالثورات الأخرى لأن انتصار هذه الثورات هو الضمان الوحيد لاستمرارية التحولات الثورية في مصر وتونس. التقوقع داخل الحدود الضيقة وصفة أكيدة لتراجع وتقهقر أية ثورة. أخشى أن يكون السبب هو أن هذه الثورات ما زالت ملوثة بعناصر كثيرة من النظام البائد. هذه العناصر إذا لم يبادر للتخلص منها وبشكل جذري قد تؤدي إلى إجهاض الثورتين نهائيا.

من العار أيضا أن يقوم "المفكر العربي" عزمي بشارة من على قناة الجزيرة بالتنظير لتبرير التدخل العسكري الغربي في ليبيا بشكل يرضي أصدقاءه أو مشغليه في قطر: اتهام القذافي بأنه هو السبب في تدخل الغرب عسكريا هو اتهام زائف. لماذا لم يدع هذا "المفكر العربي" إلى تدخل عسكري عربي في ليبيا؟ ولماذا يبلع لسانه ولا ينبس ببنت شفة عن التدخل السعودي – الإماراتي – القطري في البحرين؟

إننا نريدها ثورة عربية صافية وطاهرة من المحيط إلى الخليج، بدون تدخل أجنبي مهما كان شكله ومهما كانت تبريراته. إننا نريدها ثورة عربية صافية وطاهرة ضد جميع الأنظمة الرجعية الفاسدة. ونريدها أن تكون ثورة واحدة تلتحم الواحدة بالأخرى لكي تشكل سيمفونية رائعة على طريق الحرية والتقدم.

Wednesday, March 16, 2011

طرابلس قبل مدريد - من أجل إقامة ألوية عربية أممية

طرابلس قبل مدريد – من أجل إقامة ألوية عربية أممية

علي زبيدات – سخنين


في عام ١٩٣٦ اندلعت الحرب الاهلية الاسبانية في أعقاب انقلاب فاشي قامت به مجموعة من الجنرالات الفاشيين بقيادة الجنرال الفاشي فرانسيسكو فرانكو على الجمهورية الاسبانية الثانية بعد انتخاب حكومة يسارية. في ذلك الوقت كانت أوروبا مسرحا للصراع الدامي بين الفاشية التي انتصرت في المانيا وايطاليا وانتشرت كالوبأ في معظم الدول الاوروبية الاخرى وبين القوى الديمقراطية. هذا الصراع الذي بلغ ذروته في اندلاع الحرب العالمية الثانية. قامت المانيا هتلر وايطاليا موسوليني بتقديم الدعم الهائل المكون من الطائرات والاسلحة الثقيلة والقوات الخاصة لمساعدة قوات فرانكو. بينما وقفت بريطانيا وفرنسا المعدودتان على المعسكر "الديمقراطي" المناهض للفاشية وقفة المتفرج. وهكذا بدأ فرانكو يزحف نحو مدريد مخلفا وراءه أرضا محروقة وآلاف الضحايا. كان الاتحاد السوفياتي البلد الوحيد الذي قدم بعض الدعم للجمهورية المحاصرة، الا أن هذا الدعم لم يكن كافيا. فقامت الأممية الشيوعية (الكومنترن) باطلاق مبادرة تشكيل ألوية أممية لنصرة الجمهورية الاسبانية من الاحزاب الشيوعية والاشتراكية والفوضوية ومن التنظيمات والافراد المناهضين للفاشية. خلال فترة فصيرة بلغ أفراد هذه الاولية أكثر من خمسين ألف متطوع جاؤوا من خمسين دولة من شتى أرجاء العالم. شاركت هذه الألوية في الدفاع عن الجمهورية الاسبانية وعن عاصمتها مدريد. وقدمت أكثر من عشرة آلاف شهيد. ولكن النتيجة كانت للأسف، ولأسباب لسنا بصدد شرحها هنا، سقوط مدريد وسقوط الجمهورية وانتصار الفاشية التي حكمت البلاد حتى توفي فرانكو في عام ١٩٧٥.

إلا أن الألوية الاممية قدمت نموذجا ناريخيا على أن الدفاع عن الثورة يجب أن يكون عابرا للقارات وللقوميات وللإختلافات الايديولوجية. الثورة العربية التي انطلقت من تونس ومن ثم انتقلت الى مصر وحققت انتصارات باهرة وما زالت متفجرة في ليبيا واليمن والبحرين بحاجة الى ألوية عربية أممية لنصرنتها والدفاع عنها. الانظمة العربية بدون استثناء، بغض النظر اذا كانت تسمي تفسها ملكية أم جمهورية، ديمقراطية أم استبدادية، يجب أن تسقط. ويجب أن تسقط ثوريا. وهذا يعني في واقعنا الراهن أمرين أساسيين: أن تكون الثورة معادية للهيمنة الامبريالية والصهيونية، وأن تطرح برنامجا سياسيا واجتماعيا تقدميا. والا أصبح الصراع مجرد صراع على السلطة ولا يستحق أن يسمى ثورة.

اليوم تواجه الثورة العربية تحديات عديدة. فمن جهة، تقترف الانظمة البائدة الجرائم الشنيعة في حق الشعوب في محاولاتها لإنقاذ نفسها، وخير مثال على ذلك ما يقوم به نظام القذافي من حرب إبادة. ومن جهة آخرى تتكالب القوى الرجعية العربية لمد يد المساعدة للانظمة الرجعية على شاكلتها الآيلة للسقوط وخير مثال على ذلك التدخل السعودي والخليجي السافر لقمع ثورة شعب العربي في البحرين. كما أن الامبريالية الغربية تتربص لإحتواء النضالات الثورية لتفريغها من محتواها التقدمي والمعادي للامبريالية ومن ثم بسط هيمنتها مما يؤمن لها الاستمرار في نهب خيرات الشعوب وعلى رأسها النفط العربي.

إقامة الالوية العربية الاممية تساعد الشعوب الثائرة على الصمود أمام هذه التحديات. لا يوجد اليوم كومنترن لكي يبادر في اقامة مثل هده الألوية. ومعظم الاحزاب اليسارية قد فسدت. لذلك فإن المسؤولية لاقامة مثل هذه الالوية يقع من حيث الاساس على عاتق الشعوب التي أسقطت أنظمتها، أي على عاتق الشعبين المصري والتونسي. على الثورة التونسية والمصرية وليس فقط من باب التضامن مع الشعوب الشقيقة بل أيضا من باب الدفاع عن نفسها من فلول الانظمة البائدة ومن مواجهة الهيمنة الامبريالية المتربصة أن تبادر الى فتح باب التطوع أمام الشباب العربي لتشكيل ألوية تأخذ دورها في الدفاع عن الثورة. يجب العمل الفوري وبدون أي تردد أو ابطاء لفتح مكاتب لتسجيل المتطوعين في القاهرة وفي تونس وتأمين وصولهم الى ساحات النضال.

الألوية العربية الاممية التي تناضل الى جانب الشعب الليبي هي الضمان الوحيد لإنقاذ طرابلس ليس فقط من نظام الفاسد الجاثم على صدور هذا الشعب منذ أكثو من أربعين عاما بل أيضا من كل تدخل أجنبي. إذا كان الشعب الليبي يريد إن يتحرر فعلا وليس مجرد أن يستبدل نظاما بنظام آخر عليه إن يرفض كل أشكال التدخل أجنبي مهما كانت تسميتها أو مبرراتها. بما في ذلك ما يسمى بالحظر الجوي وتدخل المجتمع الدولي والشرعية الدولية ومجلس الأمن وحلف الناتو.

في عام ١٩٣٦ شارك العديد من الشباب العرب التقدميين الى جانب اخوانهم من البلدان الاخرى في الدفاع عن مدريد وفي الوقت نقسه رافق فرانكو العديد من الجنود المغاربة الذين قاتلوا معه. على الشباب العرب أن يختار في أية جهة يقف. أليست طرابلس أحق من أن يدافع عنها الشباب العربي ويحررها؟

إننا نرى أمام أعيننا قيام جبهة رجعية تقودها الانظمة العربية الرجعية وعلى رأسها النظام السعودي مدعومة من قبل الامبريالية الامريكية واسرائيل لإجهاض الثورة العربية في كل بلد. الرد الوحيد على هذه الجبهة هو إقامة جبهة تقدمية تباشر في تشكيل ألوية تدافع عن وتشارك في الثورة العربية الواحدة من المحيط الى الخليج.

Wednesday, March 09, 2011

الشعب يريد استرجاع الارض

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010275 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010259

الشعب يريد استرجاع الارض

علي زبيدات – سخنين


تفيد الاحصائيات التي تتناولها كافة المؤسسات الاهلية أن ٩٧٪ من الأراضي الفلسطينية قد تمت مصادرتها. اذا كان الأمر كذلك فأي معنى يبقى لشعار الدفاع عن الارض الذي نتشدق به في مثل هذا الوقت من كل سنة؟ له معنى واحد من إثنين: إما أنه كلام فارغ لأحد الشعارات الرنانة وإما أنه كذبة نكذبها على أنفسنا ونصدقها. وفي كلتا الحالتين هذا يعني٫ أولا: إننا فشلنا فشلا ذريعا في الدفاع عن الارض٫ فمن يستطيع أن يدعي أن فقدان ٩٧٪ من الارض ليس فشلا؟

ثانيا: المطلوب اليوم النضال من أجل إستعادة الارض.

مشكلتنا إننا لا نعترف بالواقع ونتمسك بحبال غليظة ولكنها جميعها حبال وهمية. فبعد أن وأدنا يوم الأرض الاول وأفرغناه من محتواه النضالي جعلنا منه أيقونة مقدسة نحتقل بها في كل عام في الثلاثين من شهر آذار. وقد تعودنا على سماع الاسطوانة المشروخة نفسها: الخطباء من على منصة يوم الأرض يزيلون الغبار عن خطاباتهم القديمة ويتحفوننا بنضالاتهم وانتصاراتهم الوهمية. ويبدو أنهم تنبهوا في السنوات الاخيرة لذلك وأخذوا يختصرون من الخطابات محاولين اقتصارها على رئيس لجنة المتابعة ورئيس بلدية البلد المضيف.

نعم٫ لقد فشلنا في الدفاع عن الأرض فشلا ذريعا وإذا لم نعترف بهذه الحقيقة مهما كانت مرة فلا يمكننا أبدا أن نحلم باسترجاع حتى شبر واحد منها. ولهذا الفشل أسباب كثيرة أستطيع أن أجملها في سبب واحد وهو أننا جعلنا يوم الارض الاول عام ١٩٧٦ يوما استثنائيا وليس قاعدة. إذ لا يعقل أن تدافع عن الارض يوما واحدا في العمر فقط وتستغرب في الوقت نفسه أن تخسر ٩٧٪ منها وتدعي انك حققت انتصارا باهرا. نحن لا نواجه هنا عصابات من قطاع الطرق على طريقة أفلام رعاة البقر الامريكية٫ بل نواجه دولة حديثة لا ترحم وضعت نصب أعينها أن تستولي على كافة أراضي السكان الاصليين ومن ثم ترحيلهم أيضا.

الارض لن تستعاد بالخطابات ولا بالإستجداءات بل بجعل كافة أيام السنة يوم أرض من نوع يوم الارض الاول. أي يوم نضالي جماهيري. ولكن زعامتنا للأسف تخاف النضال الجماهيري أكثر مما تخاف من بطش السلطة وشراستها. لنأخذ مثلا ما يجري في النقب وفي العراقيب على وجه الخصوص: لماذا لا يتم تعبئة الجماهير وزجها في النضال للدفاع عن أهلنا في العراقيب وعن أراضيهم؟ لماذا يتم الاكتفاء بإرسال بعض النجوم، بالرغم من كل نواياهم الحسنة وصدقهم وإخلاصهم، من أمثال أيمن عودة والشيخ رائد صلاح ويتم إهمال واستثناء الجماهير العريضة التي من الممكن أن تغير جذربا مجريات الامور. لماذا تستطيع الحركة الاسلامية تجنيد آلاف بل عشرات الآلاف من المشاركين في مهرجانات "الاقصى في خطر" ولا تجند أكثر من عشرة للدفاع عن العراقيب؟ هل لأنها لا تستطيع أم لأنها لا تريد؟ ولماذا تستطيع الجبهة الديموقراطية زج الجماهير الغفيرة في قاعة لمناسبة احتفالية في سخنين وتكتفي ببعض الافراد الذين يمكن عدهم على أصابع يد واحدة للدفاع عن العراقيب؟ الامر نفسه ساري المفعول بالنسبة لكافة الاحزاب والحركات السياسية بلا اسثناء وفي الاساس على لجنة المتابعة التي تشملهم جميعا.

سكرتير التجمع الوطني الديموقراطي٫ عوض عبدالفتاح يتساءل: “ماذا نفعل بدروس الثورات العربية عشية يوم الارض؟" بعد كيل المديح على حزبه الذي " كسر الجمود الفكري والسياسي عام ١٩٩٥ وأحدث ثورة في الفكر السياسي عند عرب الداخل على مدار ال ١٥ عاما" يدعو الى نفض الرتابة عن حزبه وعن جميع الاحزاب والحركات ومؤسسات المجتمع المدني ويطالب أن يبدأ كل بنفسه. لو كانت المسألة تقتصر على الخروج من الرتابة لكانت في غاية السهولة والبساطة ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير وأكثر تعقيدا٫ انها مسألة كسر التحجر وليست مجرد خروح من رتابة.

لم يعد لدينا أرض ندافع عنها، ولكن لدينا أرض سلبت ونهبت في وضح النهار، بشكل ديموفراطي وحسب القوانين، وعلينا أن نناضل من أجل استرجاعها. لكي يستطيع أهلنا في النقب العيش على ارضهم بكرامة، لكي يستطيع أهلنا في اللد الحفاظ على بيوتهم لكي يستطيع شبابنا في سخنين والناصرة وأم الفحم وكافة مدننا وقرانا بناء بيوتهم عليها.

النضال من أجل استرجاع الارض لن يكون نزهة ولن يكون بأي حال من الاحوال أسهل من النضال للدفاع عنها. لذلك اذا تمسكنا بعاداتنا القديمة في النضال سوف نفشل في قضية استرجاع الارض كما فشلنا في قضية الدفاع عنها. الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا دلتنا على الطريق: طريق الجماهير الشعبية.

Wednesday, March 02, 2011

احذروا من "الثورة" الأمريكية

احذروا من "الثورة" الأمريكية

علي زبيدات – سخنين

في الماضي، وفي الحاضر والمستقبل أيضا، كنا وما زلنا نحذر من السلام الأمريكي (باكس أمريكانا). هذا السلام الذي تحاول الإدارة الأمريكية فرضه على شعبنا الفلسطيني وعلى الشعوب العربية الأخرى. يقوم هذا السلام على ثلاثة مبادئ أساسية لا تغيير فيها ولا زحزحة عنها وهي:
أولا: تأمين ضخ النفط إلى أمريكا والاتحاد الأوروبي ومن ثم إلى باقي الدول الصناعية بسلاسة وبأخفض الأسعار الممكنة.
ثانيا: الحفاظ على أمن وسلامة ورفاهية دولة إسرائيل ككيان كولونيا لي عنصري غاصب.
ثالثا: إبقاء شعوب ودول المنطقة تحت التبعية والهيمنة الأمريكية.
هذا كان جوهر اتفاقيات كامب ديفيد، اتفاقيات أوسلو، اتفاقيات وادي عربة وكل اتفاقية يمكن أن توقع مستقبلا بين أية دولة عربية وإسرائيل برعاية أمريكية. ومن يعترض على هذه المبادئ فمصيره ما حدث في العراق. أما من يتبنى هذه المبادئ ويعمل على تحقيقها فسوف ينعم بالرضا والاستقرار بغض النظر إذا كانت جمهوريا أم ملكيا، ديمقراطيا أم ديكتاتوريا، وطنيا أم عميلا، يحترم حقوق الإنسان أم يدوس عليها.
اليوم أريد أن أحذر من "الثورة" الأمريكية. وأنا أستعمل كلمة ثورة مجازا لأن الولايات المتحدة الأمريكية ( والدول الامبريالية الأخرى) لا تصدر ثورات بل تصدر ثورات مضادة وحروب. وهذه الثورات المضادة والحروب هي في الواقع استمرار للسلام الأمريكي لكن بوسائل أخرى.
قامت الولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة وحتى اليوم الأخير برعاية ودعم نظام زين العابدين بن علي البوليسي القمعي في تونس لأنه كان من أفضل من خدموا إستراتيجيتها في المنطقة. ولم تكن مصلحة الشعب التونسي وحقوقه الإنسانية واردة في قاموس السياسة الأمريكية. ولكنها عندما رأت أن ما شيدته خلال ربع قرن ينهار أمام أعينها وأمام أعين العالم في شهر، تذكرت أن النظام البائد كان يدوس على أبسط حقوق المواطن التونسي محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام البائد وذلك بنشر الأكاذيب حول دعمها للثورة التونسية حيث تبرأت من بن علي وكأنها لا تعرفه أصلا. إلا أن ا هذه الخدعة المكشوفة لم تنطل على أحد فالشعب التونسي يعرف جيدا من هم أصدقاؤه ومن هم أصدقاء النظام البائد.
اللعبة نفسها حاولت أمريكا أن تلعبها في مصر. فنظام حسني مبارك كان يشكل ركنا أساسيا في سياسة أمريكا في المنطقة. فقد سهر كثيرا على أمن وسلامة إسرائيل وكان من أشد الأنظمة تبعية لأمريكا في المنطقة حيث وقف إلى جانبها في غزو العراق وفي إقامة تحالفا رجعيا لمواجهة المقاومة الوطنية في العراق ولبنان وفلسطين. في هذه الأثناء لم تهتم أمريكا بسحق الحقوق الإنسانية الأساسية للمواطن المصري ولم تهتم بالفساد الذي دفع معظم الشعب إلى حافة المجاعة. ولكنها عندما رأت الأرض تهتز تحت أقدام حسني مبارك ونظامه، بدأت تتذكر حقوق الإنسان في مصر وبعد فترة من التذبذب وعدم الوضوح في الموقف أخذت تغير موقفها شكليا، وكانت على استعداد لأن تضحي بحسني مبارك وبعض من حوله من أجل إنقاذ النظام ككل. وهنا أيضا كان شباب مصر أوعى من أن يقعوا بالفخ الأمريكي، وما زالوا يطالبون بإسقاط النظام كلية وليس بعض رموزه فقط.
هذا السيناريو يعيد نفسه مرة أخرى. ولكن هذه المرة بمزيد من الحدة والشراسة في ليبيا. لقد صدق القذافي عندما قال: ليبيا ليست تونس وليست مصر وهو ليس زين العابدين ولا مبارك. بالرغم من أن القذافي، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة من حكمه، خدم السياسة الأمريكية بحماسة منقطعة النظير تفوق ما قدمه النظامان التونسي والمصري، فإن النظام الليبي لم يحظ بثقة أمريكا وأوروبا. فقد قام القذافي بتسليم برامجه النووية وأسلحة الدمار الشامل إلى أمريكا ووشى بكل من ساعدوه في برامجه هذه. وقدم التعويضات السخية لكل من طالبه فيها. واتخذ أسوأ شخصيتين سياسيتين على المستوى العالمي كأعز أصدقائه ومستشاريه وهما برلسكوني وطوني بلير. وتم السكوت عليه ما دام يزودهم بالبضاعة. ولكنهم يبدو أنهم لم ينسوا ماضيه عندما كان يتكلم باسم القومية العربية ويقود جبهة مناهضة للامبريالية الغربية. وعندما وصل السيل الزبى وبدأ البركان الليبي يقذف حممه ويزعزع أركان النظام، تذكرت أمريكا والدول الغربية أن القذافي يقمع شعبه بوحشية ولا يحترم حقوق الإنسان. وحاولت أن تتعلم من دروس تونس ومصر فتتالت التصريحات التي تدين القذافي من الرئيس الأمريكي أوباما إلى وزيرة خارجيته كلينتون إلى باقي المسئولين في البيت الأبيض وتسارعت الاتصالات وعقد المؤتمرات واتخاذ القرارات في مجلس الأمن. حتى أصبح المراقب للوهلة الأولى يظن أن الثورة قد انطلقت من معقل الديمقراطية في البيت الأبيض. ويبدو أن القذافي نفسه قد تسرع في إلقاء التهمة على حبوب الهلوسة ومن ثم على تنظيم القاعدة، وفي لقائه الأخير مع بعض الصحفيين الغربيين اعترف بأن أصدقاءه الأمريكان والأوروبيين قد خانوه.
أمريكا هي أمريكا لم تتغير. هدفها في ليبيا كما في مصر كما في تونس كما في فلسطين والعراق ولبنان وباقي البلدان العربية واحد يتلخص في 3 كلمات: النفط، إسرائيل والتبعية. الشعب الليبي، في حسه الوطني الطبيعي يشعر ويعرف النوايا الأمريكية لذلك فهو يرفض التدخل الأمريكي مهما قدمت من أسباب وتبريرات ومهما كانت الطريق حتى تحقيق الانتصار شائكة وصعبة.
الثورة عربية قلبا وقالبا وعليها تبقى كذلك حتى تكنيس الأنظمة الرجعية إلى مزبلة التاريخ وتحرير البلدان العربية من الهيمنة الامبريالية.