Wednesday, June 19, 2013

الميكافيلية الجديدة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011014 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010998
الميكافيلية الجديدة
علي زبيدات – سخنين
لا أظن أن أحدا من سياسيينا المحليين قد قرأ كتاب "الامير" للفيلسوف الايطالي ميكافيلي والذي نشر في بداية القرن السادس عشر حتى اصبح منذ ذلك الوقت وخصوصا في عصرنا الراهن دليلا للحكام بكافة اسمائهم ومستوياتهم من الملوك والروساء والامراء الى رؤساء البلديات والمجالس المحلية وحتى مدراء ورؤساء الجمعيات الاهلية وما يسمى بتنظيمات المجتمع المدني. في الحقيقة لم يعد من الضروري قراءة هذا الكتاب ليس فقط من منطلق أن سياسيينا لا يقرأون الكتب بشكل عام بل ايضا لأن اسس ومبادىء هذا الكتاب قد اصبحت معيارا عاما ومتعارفا عليه دوليا حتى بدون قرائته . هذا "الدليل" يفيد الحكام في حالاتين: أولا: الوصول الى السطة. ثانيا: التمسك بالسلطة ، الحفاظ عليها وعدم فقدانها.
في هذه المقالة اريد أن اتطرق الى مبدئين مركزيين يلخصان ليس فقط فكرة الكتاب بل ايضا يلخصان مجمل تفكير وممارسة رؤساء السلطات المحلية والمرشحين لرئاستها والاشخاص والقوى السياسية المحيطة بهم.
المبدأ الاول: " الغاية تبرر الوسيلة": لعل هذه العبارة هي الاكثر شهرة وانتشارا في عالم السياسة. ومن اجل اتقانها والتفنن بها لم بعد هناك حاجة لمعرفة السيد ميكافيلي اصلا. غاية المرشح وحاشيته هو تحقيق الفوز في الانتخابات المحلية القادمة والتي قد بدأت سخونتها بالارتفاع. وغاية الرئيس الحالي الذي يطمح بولاية جديدة هي الحفاظ على كرسيه. من أجل تحقيق هذه الغاية تصبح كافة الوسائل مبررة ومشروعة. فإذا كنت من ذوي المصالح المادية فالمرشح سوف يبذل المستحيل من أجل تلبية اطماعك لكي يفوز بصوتك. واذا كنت من ذوي المبادىء فلا بأس أن يلبس المرشح عباءة الانبياء والقديسين. إن كنت من المتحمسين للعائلية السياسية فلا مانع أن يضع المرشح نفسه رأسا لحربة العائلية. وإن كنت من مناهضيها ينقلب ويصبح عدوا لدودا لها. وإن كنت ترى أن حدود طائفتك هي حدود تفكيرك السياسي فلا بأس أن يكون المرشح هو حامي حمى هذه الطائفة. الكذب ليس فقط ملح الرجال بل يصبح وسيلة ضرورية وفعالة من اجل كسب وجمع الاصوات. بذر الوعود ونشرها في جميع الاتجاهات، فلا حرج عليك لانك تستطيع ان تتملص منها عندما تشاء. يقول ميكافيلي في هذا الصدد: "الوعد الذي اعطي كان ضرورة من الماضي. والوعد المنتهك هو ضرورة في الوقت الحاضر". وهذا يفسر سخط الموعودين المخدوعين بعد نهاية الانتخابات مباشرة وفرز نتائج التصويت، ولسان حال المرشح المنتخب يقول: "نعم لقد وعدتكم ولكني لم أعدكم بالوفاء بوعدي". على سبيل المثال لا الحصر يوجد لدينا حزب "مبدئي" منتشر في معظم قرانا ومدننا العربية يغير مواقفه في كل فترة انتخابية ويتمسك بها في الوقت نفسه، فهو مع نزاهة الانتخابات ولكنه لا يجد حرجا في رشوة من يقبل الرشوة. وهو يغير حلفاءه واصدقاءه حسب مصالحه ومصالحهم طبعا. يصبحون "مبدئيين" مثله ما داموا سيدلون باصواتهم لصالحه فإذا انقلبوا يسحب من تحت اقدامهم بساط المبدئية.
المبدأ الثاني: السياسة لا علاقة لها بالاخلاق": هذا المبدأ يكمل المبدأ الاول. إذ كيف يمكن أن تبرر كافة الوسائل اذا ادخلت الاخلاق إلى الصورة؟ الاخلاق جيدة ما دامت تكسبك رضى الشعب وتجلب بعض الاصوات ولكن هذه عملة صعبة والتداول بها محدود جدا. لا بأس أن تظهر بمظهر الفضيلة ما دام ذلك مفيدا ولا بأس أن تتقنع بالدين لكسب الشعب. ولكن عليك أن تلقي بمظهر الفضيلة جانبا اذا اصبحت عقبة في طريقك للسلطة وان تخلع قناع الدين اذا وقف حاجزا بينك وبين تحقيقيق شهواتك السلطوية. السياسة تتطلب الدهاء (والتي تسمى هنا الذكاء) والحنكة (أي الخداع). حسب ميكافيلي واتباعه الصغار في السلطات المحلية الناس ناكرون للجميل، متقلبون، منافقون، وطماعون تحركهم المصلحة المادية ويجب التعامل معهم من هذا المنطلق.
على عكس ميكافيلي واتباعه أومن بأن الغايات السامية لا يمكن أن تحقق الا بوسائل سامية. وإن النصر الذي يتم تحقيقه بكافة الوسائل هو اسوأ من الهزيمة. وأن السياسة هي الاخلاق بحد ذاتها. في الحملة الانتخابية الوشيكة في مدننا وقرانا والتي أرفض أن اطلق عليها اسم "معركة انتخابية" علينا أن نخوض معركة حقيقية ضد كافة الوسائل الباطلة المرفوضة اخلاقيا.

Wednesday, June 12, 2013

حول مناهضة الخدمة المدنية مرة اخرى

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011389 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000011373
حول مناهضة الخدمة المدنية مرة اخرى
علي زبيدات – سخنين
خرجت من "المؤتمر الوطني لمناهضة الخدمة المدنية والعسكرية وكافة اشكال التجنيد" الذي عقد مؤخرا بدعوة من لجنة مناهضة الخدمة المدنية المنبثقة عن لجنة المتابعة وبالتعاون مع الحملة الاهلية لمناهضة الخدمة المدنية أكثر تشاؤما وأكثر قناعة بأن هذه الحملة بشكلها ومضمرنها الحاليين مصيرها الفشل. ولا ادري كيف تذكرت حال خروجي قصيدة نزار قباني: هوامش على دفتر النكسة وخصوصا المقطع الذي يقول فيه :
" إذا خسرنا الحرب لا غرابة
لاننا ندخلها
بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لاننا ندخلها
بمنطق الطبلة والربابة"
هذا ما كان بالضبط: خطابات تطبيل وتزمير
لقد استمعنا في هذه المؤتمر، وهو على فكرة ابعد ما يكون عن كونه موتمرا من حيث الحضور والتحضير والمشاركة، إلى خطابات من اربعة اعضاء كنيست كرر كل واحد منهم الكلام نفسه بعبارات مختلفة بلغة خطابية عقيمة، غير مقنعة وبكلمات جافة وجامدة بلا روح فيها أو رؤيا ينطبق عليها الوصف الذي اطلقه نزار قباني في القصيدة نفسها عن اللغة القديمة التي نعاها الشاعر ، ولكنها ما زالت حية هنا، عن كلامنا المثقوب كالاحذية القديم … والفكر الذي قاد إلى الهزيمة.
اتفق الخطباء على أن هدف الحكومة من فرض الخدمة المدنية على شبابنا هو تعميق الولاء للدولة، وكأن الخدمة في الكنيست الاسرائيلي وتأدية يمين الولاء لا علاقة لها بالولاء للدولة. أين المصداقية في مثل هذه الخطابات؟ من يقبض بضع شواقل قد تعينه في حياته خلال خدمته في احدى المؤسسات الرسمية الثانوية يعمق الولاء للدولة، أما من يقبض آلاف الشواقل من خلال خدمته في المؤسسة الاسرائيلية الاولى فإنه يعمق الانتماء الوطني الفلسطيني!! أي منطق غريب هذا؟ لماذا إذن كلما علا صراخنا أكثر وكلما اصبحت خطاباتنا نارية أكثر كلما ازداد عدد شبابنا المنضمين للخدمة المدنية؟ وعندما يطالب احد اعضاء الكنيست بفرض الحرمان على الفتيات اللاتي يقمن بالخدمة المدنية فلا خطوبة أو زواج منهن فهل كلف خاطره واستمع الى فتاة اضطرت للجوء للخدمة المدنية وحاول ان يجد لها بديلا آخرا؟
وعندما يقول عضو كنيست آخر: "اذا لم نستطع اسقاط قانون المساواة في تحمل العبء فسوف نطالب بأن تكون الخدمة المدنية تطوعية". الا يوحي ذلك بوجود صفقة في الافق للموافقة على هذا القانون؟ وعندها يستطيع أن يقول أن قضية التطوع هي مشكلة داخلية في مجتمعنا ويمكن معالجتها بوسائل اخرى.
مما لا شك فيه أن الخدمة المدنية المطروحة تشوهة الهوية الوطنية الفلسطينية لشبابنا ولمجتمعنا ككل وان هدفها هو بالطبع تعميق الولاء للدولة الصهيونية. وهذا الامر يفهمه ويستوعبه معظم شبابنا. ولكننا نحن هنا نواجه سياسة حكومية مبرمجة ومحكمة التخطيط، ولا يمكن اسقاطها عن طريق الخطابات والتخبط وردود الفعل العفوية وعدم وضوح الرؤيا وغياب البديل. وكفى سذاجة وكأن تنظيف مقبرة أو دوار في أية مدينة او قرية عربية أو الحنين الى معسكرات العمل الحزبية التي اندثرت منذ عقود كافية لأن تكون ردا مناسبا للسياسة الحكومية.
حسب رأيي كانت هناك في المؤتمر المذكور كلمتان صادقتين: الاولى: للناشط عمر سعد الرافض للخدمة العسكرية والذي عبر بأحاسيس صادقة عن الازمة الوجودية والصراع الداخلي التي تفرضه عليه هذه الخدمة بين ولائه لشعبه ولإنتمائه الوطني من جهة وبين ولائه لدولة اقتحمت عليه حياته عنوة. والكلمة الثانية للناشطة هند سلمان التي حاولت أن تشرح لماذا معظم المجندات من الفتيات ، وكيف وصلنا الى وضع أن ترى الفتاة العادية بالخدمة المدنية فرصتها الوحيدة لتخفيف القيود الاجتماعية المفروضة عليها وفرصتها الوحيدة لكي تشعر بنوع من الاستقلالية. حسب رأيي مرت هاتان الكلمتان مرور الكرام أمام آذان صانعي القرار وتم نسيانها حتى قبل انفضاض المؤتمر.
قلت في الماضي وأكرر ذلك مرة اخرى: يجب حل "لجنة مناهضة الخدمة المدنية" فورا واعادة رئيسها والناشطين بها الى منازلهم. والعمل على اقامة لجنة لتنظيم "الخدمة المدنية الفلسطينية" ولكن ليس بلغة الشعارات المحنطة التي ذكرها رجا اغبارية في المؤتمر. على هذه اللجنة أن تقوم على أساس ثوابت وطنية راسخة وتتبع استراتيجية واضحة وتمتلك ادوات ووسائل مادية ومعنوية تمكنها من طرح البديل الملائم. لجنة تستطيع أن تقدم للفتاة العربية دعما ماديا ومعنويا للخروج من حبسها الاجتماعي والحصول على درجة من الاستقلالية من غير أن تضطر للجوء للخدمة المدنية الاسرائيلية.
مما لا شك فيه أن هذا الموضوع بحاجة الى دراسات عميقة وبحوث شاملة ونقاش هذا الامر المعدوم في اللجنة الحالية. وانصح الشباب المناهضين للخدمة المدنية الا يضيعوا وقتهم وطاقاتهم في اللهث وراء اوهام لجنة المتابعة واللجان المنبثقة عنها ويتوجهوا نحو ابتكار وسائل خلاقة لتحقيق طموحاتهم.

Wednesday, June 05, 2013

لا تكليف ولا تشريف


لا تكليف ولا تشريف
علي زبيدات – سخنين

الانتخابات المحلية على الابواب. الحملة لخوض هذه الانتخابات والتي يسميها البعض معركة قد بدأت. ما زالت على نار هادئة ولكنها بدأت.وهذه النار سوف ترتفع ويشتد وهجها مع اقتراب موعد الانتخابات حتى تصل في وسطنا العربي فعلا الى درجة المعركة بل المعارك خصوصا واننا لا نعرف اية معركة من نوع آخر. عندما ترتفع النار الانتخابية قد تندلع الحرائق في أكثر من مكان لتحرق ليس فقط اصابع المرشحين بل قد تمتد لكي تصل الى كل واحد منا. في هذه الفترة، ككل فترة تسبق الانتخابات، يسود الشعار، الذي يتردد على السنة كافة المرشحين إن كانوا لرئاسة السلطة المحلية او لمجرد عضويتها: هذا المنصب هو تكليف وليس تشريفا. وبالرغم من محاولاتي الجاهدة والمتكررة لفهم ما المقصود من وراء هذا القول الا انني اعترف بفشلي في سبر غوره واستيعابه. فمن الذي يا ترى يكلفهم بذلك وهم يرمون انفسهم عليه كالمحموم أو كمن مسه الجنون؟ وكيف يمكن أن يكون تكليفا والدافع الرئيسي من ورائه هو اللهث وراء المصالح الشخصية والمكانة الوهمية؟ اما الوسائل لتحقيق هذا الهدف فحدث ولا حرج. فكل الوسائل مشروعة بما فيها الرشوات وشراء الذمم والمحسوبيات وتأجيج النزعات العائلية والطائفية إن احوج ، وكل ذلك بالعقل طبعا.
في الوقت نفسه هذا المنصب (رئيس بلدية أو عضو مجلسها) حسب رأيي ليس تشريفا. فالحكم المحلي في هذه البلاد ليس سوى امتداد للحكم المركزي الصهيوني ولا يخرج عن كونه مجرد ذراع اداري تنفيذي لهذا الحكم. رئيس البلدية هو في نهاية المطاف موظف عند وزير الداخلية يستطيع أن يقيله متى يشاء حتى ولو حصل على ٩٠٪ من اصوات الناخبين. وقد أقال بالفعل حوالي ربع الرؤساء المنتخبين وكبل ايدي قسم آخر بتعيين محاسب مرافق يراقب كل شيكل يتصرف به رئيس البلدية.
اذكر انه قبل سنوات طويلة، عندما كنت عضوا رسميا وناشطا في حركة ابناء البلد وقررنا لاسباب مبدئية مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني لكي لا نمنحه الشرعية دار نقاش مواز حول مقاطعة أو عدم مقاطعة الانتخابات المحلية. الاغلبية كانت مع فصل الانتخابات المحلية عن انتخابات الكنيست وذلك لأن الانتخابات المحلية لا تتطرق لمسألة شرعية الكيان ولا تشتطرها وهي في نهاية المطاف ذات طبيعة خدماتية وليست سياسية. بالاضافة الى اعتبارات اخرى من أهمها أن الصلة مع عضو الكنيست المنتخب تكاد ان تنقطع مع انتهاء الانتخابات، اما العلاقة مع رئيس البلدية والمجلس البلدي المنتخبين تبقى مستمرة من اول يوم وحتى آخر يوم وهي علاقة مباشرة ويومية ولا تخلو من محاسبة ومن رقابة حتى وإن لم تكن ملزمة. لم أكن مقتنعا بهذه التبريرات بالرغم من اهميتها ومن وجاهتها وذلك بسبب الطبيعة الصهيونية الثابتة للنظام ككل والتي لا تبقي هامشا كافيا للعمل البلدي المستقل. واذكر انني دافعت في ذلك الوقت عن فكرة امكانية تشكيل بلدية ظل: أي اقامة جسم لا تربطه اي علاقة بالانتخابات وبالميزانيات الحكومية هدفه نقد وتقويم ومراقبة عمل البلدية المنتخبة وتطوير هذه الفكرة حتى الوصول الى نوع من الاستقلالية على غرار كومونة باريس. طبعا هذه التنظيرات لم تلق اذان صاغية خصوصا انها كانت صادرة عن سجين سياسي تحرر لتوه. والحقيقة اني تخليت عن هذه التنظيرات ليس لأني لم أعد أومن بها بل لأنها بالفعل بدت منقطعة تماما عن الواقع وعن الجماهير. ففي اول انتخابات محلية شاهدت ولمست تلك الحمى التي أصابت والهبت الجميع. وقلت في حينه اذا كان لا بد من خوض الانتخابات المحلية فعلى الاقل يجب ان نتفق على بعض الثوابت وكان أهمها ثلاث: ١) رفض العائلية والطائفية بكافة اشكالها. ٢)رفض المصالح الخاصة والمحسوبيات. ٣) مكافحة الفساد في كافة المجالات وعلى جميع الاصعدة. للاسف الشديد اقول اننا في حركة ابناء البلد قد فشلنا من اول امتحان. البعض لم يستطع الصمود امام الاغراءات وانجرف مع التيار، رجح مصالحه الخاصة ولم يصمد امام الانجراف العائلي المستشرس. هذا لا يعني انه لم تكون هناك محاولات للنقد وتصحيح المسار، على العكس هذه المحاولات لم تتوقف ابدا وفي كثير من الاحيان حققت نتائج ايجابية ملموسة. فاذا كان هذا الوضع يجرف حركات مبدئية ترفض الاعتراف بشرعية الدولة فكم بالاحرى الاحزاب والقوائم الاخرى؟ اليوم وبعد توسيع يمين الولاء للدولة لكي يشمل بالاضافة لاعضاء الكنيست رؤساء واعضاء البلدية ايضا، هذا بالرغم من انه قد قيل لي لا رقابة فعلية على قسم يمين الولاء، ومع اخضاع العمل البلدي تقريبا بشكل كامل لسياسة الدولة العنصرية . يجب مقاطعة الانتخابات المحلية ايضا والبحث عن طرق اخرى لخدمة جماهير شعبنا بما يصون ويحمي هويته الوطنية.

Wednesday, May 29, 2013

من ذكرى النكبة إلى ذكرى النكسة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009315 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009299
من ذكرى النكبة إلى ذكرى النكسة
علي زبيدات – سخنين
نقترب بخطوات حثيثة من الذكرى ال٤٦ للنكسة وهي الاخت الصغرى للنكبة التي أحيينا ذكراها قبل اقل من شهر. فاذا كانت الاخت الكبرى تعني فقدان ٨٠٪ من فلسطين فقد جاءت الاخت الصغرى لكي تكمل على الباقي. فالاختان نكبة ونكسة تجسدان وترمزان إلى فقدان فلسطين بالكامل. السنوات تمر بسرعة وتكبر الاختان. فها هي نكبة قد دخلت في سن الكهولة وتجاوزت أل٦٥ سنة، وهذه اختها نكسة تمسك بجلبابها وتلحق بها واصبح عمرها ٤٦ سنة. ولكن تبدو الاختان بصحة جيدة مما يشير الى عمر مديد لا احد يدري متى وكيف سوف ينتهي. اننا نحيي ذكرى النكبة والنكسة مرة في السنة ولكننا في الواقع نعيشهما على مدار السنة. فالنكبة مستمرة والنكسة مستمرة. عندما ولدت الاخت الكبرى كنا نصر على ضرورة ازالة مصدر العدوان، أي دولة اسرائيل التي خلفت النكبة. وبعد ولادة نكسة اصبحنا نطالب بازالة آثار العدوان وتنازلنا عن مطلب ازالة مصدر العدوان واليوم نطالب دولة اسرائيل أن ترأف بنا وتجعل من نكبة ونكسة اكثر لطفا حتى نستطيع أن نتحملهما ونتعايش معهما.
بعد النكسة طالب جمال عبد الناصر بمواجهة الحقيقة والاعتراف بها وتحمل المسئولية كاملة عنها ومن ثم العمل على تجاوزها. ولصالحه نقول انه اعترف بالحقيقة وتحمل مسؤوليتها ولكن السؤال هل تمت مواجهة هذه الحقيقة وهل تم تجاوزها؟ لا نستطيع ان نحمل عبدالناصر هذه المسؤولية ايضا فقد رحل عنا قبل الاوان. اما الذين ورثوه ليس فقط انهم لم يواجهوا الحقيقة ولم يتجاوزوها بل ايضا تراجعوا عن الاعتراف بها وتحمل مسؤوليتها. مصر انسحبت مثل الشعرة من العجين من كل مسؤولياتها القومية والتاريخية من خلال التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد بعد أن ضمنت اعادة مشروطة لشبه جزيرة سيناء لا تختلف كثيرا عن وضعها تحت الاحتلال المباشر، الاردن حذا حذو مصر في اتفاقيات وادي عربة واصبح حليفا حميما لدولة اسرائيل. اما الجولان المحتل فإنه يحرر كل يوم بالشعارات والخطابات ولكنه في الواقع يرزح تحت احتلال كولونيالي يعمل بدون كلل على تغيير طابعه العربي، والاحداث في سوريا تشير الى ان النكسة سوف تستمر لسنوات طويلة قادمة.
اما على الساحة الفلسطينية فالوضع اسوأ بما لا يقاس. اتفاقيات اوسلو وبعد عشرين عاما على توقيعها لم تجعل من النكسة واقعا حياتيا مقبولا فحسب بل جعلت منها اساسا مشروعا لكل حل مستقبلي للقضية الفلسطينية ايضا. اليوم اصبح واضحا ان السلطة الفلسطينية سوف تتنازل حتى عن حدود الخامس من حزيران التي طالما تغنت بها، من خلال القبول بما يسمى الكتل الاستيطانية وقبول مبدأ تبادل الاراضي والتنازل عن حق العودة والتنازل عن القدس كما نعرفها. أليس كل ذلك قبول بالنكسة؟ فبأي حق نحيي ذكراها اليوم؟
لا اريد هنا ان اناقش اذا كان اسم نكبة يتطابق مع ما حدث عام ١٩٤٨ واذا ما كان اسم نكسة يصف بصدق ما حدث عام ١٩٦٧ لقد فرض هذانالاسمان انفسهما على الشعب الفلسطيني وعلى الشعوب العربية الي درجة انه لا مجال للخلاص منهما. من المعروف ان المناطق المنكوبة في العالم وهي كثيرة هي تلك الامكان التي تتعرض لكوارث طبيعية كالهزات الارضية، الفيضانات، والاعاصير حيث الانسان ليس هو العامل الرئيسي في وقوعها وبالتالي ليس هو المسؤول عن اسبابها ونتائجها. على عكس النكبة والنكسة الفلسطينيتين. انهما هزيمة من صنع الانسان اولا وقبل كل شيء. هذه هي الحقيقة التي ينبغي ان نعترف بها كشرط مسبق لكل نضال من اجل ازالة آثار النكبة والنكسة. لا يكفي ان نقول بأن قضيتنا عادلة، فالعالم لا يكترث بعدالة قضيتنا والتاريخ لا يصنع ولا يتطور حسب قيم العدالة. قوة وحصانة المجتمعات الحديثة تقاس بقوتها المادية، بتطورها الصناعي والتخنولوجي، وتقدمها العلمي والفكري والثقافي. ونحن كفلسطينيين وكعرب في هذه المجالات ما زلنا متخلفين، هذه هي الحقيقة والتي لا بد من الاعتراف بها من اجل تغييرها. لا يمكن مواجهة آلة الحرب الاسرائيلية المتطورة بالشجاعة وروح التضحية فقط. ولا يمكن مواجهة سياستها بالغة التخطيط والاحكام بردود الفعل العفوية والافكار الغيبية.
لكي نقصر من سنوات ذكرى النكبة والنكسة علينا العمل الجاد والمتواصل من أجل اللحاق بركب الحضارة بكافة مجالاتها ومستوياتها.

Wednesday, May 22, 2013

الفن في خدمة التعايش

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009056 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009040
الفن في خدمة التعايش
علي زبيدات – سخنين
في الاسبوع الماضي، بينما كانت جماهير شعبنا تحيي ذكرى النكبة بكل ما تتضمنه هذه الذكرى من ماسي وآلام على الصعيدين الفردي والجماعي، وبينما كانت الشرطة الاسرائيلية تستعمل هراواتها لتفريق المتظاهرين في القدس والجيش الاسرائيلي يصوب رصاصه الى صدور المشاركين في إحياء النكبة من الخليل وحتى جنين، كانت فرقة الدبكة الشعبية التابعة للمركز الثقافي البلدي ترقص على انغام الالحان الشعبية أمام مجموعة من دعاة التطبيع توافدوا من عدة اماكن في العالم في افتتاح ما يسمى " بينالي البحر المتوسط في سخنين"، والذي صورته وسائل الاعلام المحلية والاسرائيلية بأنه أكبر معرض فني في البلاد يستقطب فنانين من كافة ارجاء العالم ومن ضمنها (الله يستر) افغانستان وايران والجزائر والمغرب. قال رئيس بلدية سخنين، الذي اتحفنا لمن يذكر قبل حوالي شهرين في ذكرى يوم الارض بخطاب وطني ساخن، خلال كلمته لاستقبال الوفود: " إننا بوركنا بمجتمع متعدد الثقافات وهذا المعرض ذو أهمية بالغة ليس فقط لسخنين بل لقضية التعايش والسلام في المنطقة". كان هذا الكلام الحميم موجها بالاساس الى مدير مفعال هبايس العنصري المعروف عوزي ديان والذي لم اسمع عنه أو أقرأ انه مع التعايش أو مع السلام، على العكس من ذلك، إذ أن جميع تصريحاته كانت اشد تطرفا من رئيس الحكومة المقرب اليه نتنياهو ومن وزير خارجيته السابق ليبرمان، يكفي هنا أن نشير الى بعضها: الاردن هي الوطن البديل للفلسطينيين، يجب شن الحرب على ايران بكل الاحوال، ضرورة تفكيك سوريا الى دويلات طائفية كمصلحة عليا لاسرائيل، وغيرها من التصريحات العنصرية التي يستطيع كل شخص الاطلاع عليها من خلال بحث بسيط في الشبكة العنكبوتية.
طبعا، سيقول البعض: لكل مقام مقال. ولا يعقل أن يكون خطاب يوم الارض كخطاب استقبال شخص مسؤول خصوصا عندما يكون تحت تصرفه ميزانية وتطمع في الحصول على بعضها. فإذا أصبح صحن الحمص رمزا للتعايش في هذه البلاد فلماذا لا تكون الدبكة الشعبية هي الاخرى رمزا لهذا التعايش؟ وكما قال مدير المركز الثقافي البلدي: "هذه النشاطات التي يساهم المركز في رعايتها تهدف الى التقارب بين الشعوب وقبول الآخر والتعاون".
تفيد المعلومات بخصوص هذا المعرض انه سوف يستمر لمدة ثلاثة أشهر وسوف يستضيف لوحاته الفنية ما لا يقل عن ١٥ مكانا عاما في سخنين. وبالاضافة الي قيمته الفنية ومردوده من المؤسسات الرسمية فإنه سوف يضع سخنين على الخريطة العالمية ويشجع السياحة اليها الامر الذي يعود بالفائدة على العديد من المصالح في البلد. لا ادري مدى صحة هذه المعلومات ولكن نظرة خاطفة على قائمة الجهات الراعية كانت كافية بالنسبة لي لمقاطعة هذا المعرض التطبيعي جملة وتفصيلا، يكفي هنا ذكر بعض هذه الجهات: وزارة الثقافة والرياضة، وزارة تطوير النقب والجليل، سلطة تطوير الجليل، سفارة الولايات المتحدة، السفارة الفرنسية وغيرها. ولكن الاخطر من ذلك كله هو نمو وترعرع مؤسسات محلية يحمل بعضها قناعا وطنيا ولكنها ليست سوى مؤسسات تطبيعية من حيث جوهرها. فهذا مركز اتحاد مدن جودة البيئة لا يعمل في حقيقة الامر على تلويث البيئة الطبيعية لأرض المل فحسب بل وعلى تلويث البيئة المجتمعية أيضا من خلال ادخال المشاريع التطبيعية ومن ضمنها الخدمة المدنية. وعلى هذه الطريق نفسها تسير باقي المؤسسات المشاركة مثل كلية سخنين لتأهيل المعلمين وهي مركز جاذب للتطبيع طارد للعلم على مستوى المنطقة، وجمعية الزهراء لرفع ، وفي الحقيقة للحط، من مكانة المرأة، ومتحف التراث الشعبي من أجل التعايش وطبعا يجب عدم نسيان المركز الثقافي البلدي الذي يحمل اسم "بايس" شكلا ومضمونا.
اننا في مدينة سخنين وفي كل مدينة وقرية عربية بحاجة الى فن من نوع آخر، بحاجة الى فن ملتزم يخدم نضال جماهيرنا من أجل الحرية والكرامة، وليس فنا مأجورا مشوها يخدم السياسة الحكومية العنصرية. اننا بحاجة الى فن نابع عن وعي اجتماعي وسياسي راق يترجم على ارض الواقع بشكل ابداعي وجمالي يواكب المسيرة النضالية ويضفي عليها جمالا ووقارا. يجب مقاطعة الفن التطبيعي الهابط وفضح مروجيه وبالمقابل تشجيع الفن التقدمي الملتزم الذي يخدم قضايا الجماهير.

Wednesday, May 15, 2013

العودة من خبيزة إلى القدس

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009502 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009486
النكبة من خبيزة الى القدس
علي زبيدات – سخنين
بعد قليل سوف ننطلق الى القدس لاحياء الذكرى ال٦٥ للنكبة وذلك للمرة الثانية خلال شهر. المرة الاولى كانت مسيرة العودة الى قرية خبيزة المهجرة من تنظيم لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين وتحت رعاية لجنة المتابعة العليا وبمشاركة معظم الاحزاب السياسية العربية. غير ان غالبية الجمهور كان من جيل الشباب المؤطر وغير المؤطر الذي نقش على رايته شعار: لن ننسى.
من ضمن ما قلته في حينه، من وجهة نظر نقدية، عن مسيرة العودة انها اصبحت مسيرة روتينية ذات افق محدود تحمل البرنامج نفسه بكل تفاصيله سنة بعد سنة. والشيء الوحيد المتغير هو المكان: كل سنة قرية مهجرة جديدة، والشيء الاخر الذي قلته انه لا جدوى على المدى البعيد من حصر ذكرى النكبة في اطار رد الفعل، أي الرد على الاسرائيليين تحت شعار: "يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا". ولكن الشيء الذي يشفع لمسيرة العودة هو الالتفاف الجماهيري وخصوصا الشبابي حولها وانجاحها في جميع الاحوال وابقاء الذاكرة الجماعية حية. واقترحت من جملة ما اقترحته أن يكون النشاط المركزي لذكرى النكبة في الخامس عشر من شهر أيار/مايو وهو التاريخ الدولي الرسمي لنكبة فلسطين ولقيام الكيان الصهيوني على ارضها، ليس كبديل عن مسيرة العودة بل بالاضافة اليها. واقترحت أيضا أن تكون الفترة ما بين التاريخ العبري والتاريخ الميلادي المتعارف عليه بكاملها فترة احياء للنكبة بأشكال مختلفة وعلى كافة الاصعدة.
من هذا المنطلق جاءت الدعوة التى اخذ زمام مبادرتها مجموعة من الشباب للتوجة في يوم النكبة الى القدس خطوة ايجابية جبارة في الاتجاه الصحيح. فمع كل الاحترام لقرية خبيزة ولباقي قرانا المهجرة: هل يوجد مكان آخر أكثر من القدس يستحق أن يكون محور ومركز نشاطات احياء ذكرى النكبة؟ ما تتعرض له الفدس من تطهير عرقي وتهويد وتغيير تاريخها وطبيعتها جعل منها أكثر مكان يسستحق أن يحتضن العمل المركزي لذكرى النكبة ليس فقط في هذه السنة بل وفي كل سنة حتى يتم تحريرها. الرد الوحيد على السياسة الاسرائيلية لتهويد القدس وخصوصا من خلال احتفالاتها ب"تحرير القدس" و"توحيد القدس" و" يوم القدس" هو أن نجعل يوم الخامس عشر من أيار من كل سنة يوم القدس الفلسطيني والعربي والعالمي. وعلى كل فلسطيني يستطيع الى ذلك سبيلا أن يتوجه في هذا اليوم صوب القدس للوقوف الى جانب اهلها في محنتهم وللدفاع عن معالمها واماكنها المقدسة.
كل بداية قد تكون في غاية الصعوبة خصوصا في ظل غياب جهة رسمية منظمة. ولكن هذه الحالة بالذات قد تكون في بعض الاحيان نقطة قوة وحالة صحية في واقع ترهل لجنة المتابعة كجسم قيادي وعجز الاحزاب السياسية. سوف يثبت هذا اليوم أنه يمكن تنظيم يوم نضالي مميز من غير مبادرة هذه المؤسسات. نقطة اخرى يجب الحذر منها هي تلك المناكفات المعروفة بين الاحزاب العربية الاسرائيلية. وقد بدأت هذه المناكفات بالفعل منذ اللحظة التى اعلن فيها عن هذا الحراك. نعم، يجب توجيه النقد لموقف الحزب الشيوعي الاسرائيلي وجبهته الديمقراطية للسلام والمساواة المقاطع ولكن في الوقت نفسه يجب الحذر من الاحزاب الاخرى المشاركة والتي كان بعضها مقاطعا في مناسبات اخرى لا تقل اهمية، والتي تحاول منذ البداية تجيير هذه المناسبة لمصالحها الحزبية الضيقة. هذه الاحزاب هي الاخرى تحمل معها رؤيتها المحدودة والمتزمتة الى حيث تذهب. ومما يثير الدهشة في البيان المشترك الذي اصدرته هذه الاحزاب دعوة الجماهير الفلسطينية "لزيارة" القدس وكأنه يوم كيف واستجمام وليس يوما نضاليا للمسيرات والتظاهرات الاحتجاجية. في بعض الاحيان قد يكون افضل برنامج هو عدم وجود أي برنامج محدد مسبقا ومعروفة كافة تفاصيله. الاشكال العفوية للنضال مطلوبة وضرورية وتحمل في طياتها روحا ابداعية منعشة وحيوية خصوصا عندما تكون الاشكال المنظمة غارقة في الركود وتهيمن عليها روح المحافظة والروتين.
للننطلق اليوم الى القدس من كل حدب وصوب. لأن محو اثار النكبة الفلسطينية يبدأ في القدس وينتهي في القدس.

Wednesday, May 08, 2013

متى يبدأ زمن الحساب؟

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009061 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009045
متى يبدأ زمن الحساب؟
علي زبيدات – سخنين
سئل فرعون ذات يوم: من الذي فرعنك يا فرعون؟ فأجاب: لم أجد هناك من يحاسبني. ولو وجهنا هذا السؤال اليوم الى دولة اسرائيل: من الذي فرعنك؟ بأي حق تشنين الغارات على البلدان المجاورة أينما ومتى تشائين؟ وتهجرين الآخرين وتحتلين اوطانهم وتفرضين الحصار على من تبقى منهم؟ لأجابت بكل بساطة: ومن الذي يحاسبني؟
لقد قبلنا منذ زمن طويل الواقع الذي فرضه علينا ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي لا ولن يحاسب هذه الدولة المارقة لأنه اصلا شريك في خلقها وتربيتها وتحمل صفاته الاستعمارية وبالتالي لا نتوقع منه أن يحاسب نفسه أو يحاسب كيانا خرج من رحمه. وقبلنا منذ زمن طويل أيضا واقع الانظمة العربية بكافة اشكالها الملكية والجمهورية والتي بين بين، وبكافة تصنيفاتها القومية والوطنية والاسلامية والاشتراكية والرجعية والتقدمية التي هي الاخرى لا ولن تحاسب هذه الدولة العربيدة. وذلك اما من باب التواطؤ للحفاظ على نفسها واما من باب الجبن والعجز. ولكن المصيبة الكبرى عندما تتخلى الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني عن دورها الطبيعي في محاسبة هذا الكيان الذي صنع نكبتها ويقف حجر عثرة في طريق تحررها واستقلالها ولحاقها بركب الحضارة.
قد يقول البعض: هذه نظرة تشاؤمية هدامة، إذ هل يعقل أن يتخلى الشعب الفلسطيني الذي عانى ما عاناه والشعوب العربية المستهدفة بشكل مباشر عن محاسبة هذا الكيان الذي تسبب منذ قيامه بالقسط الاوفر من المصائب التي حلت بنا؟ طبعا لا يعقل. ولكن المأساة العظمى تقع عندما يصبح اللامعقول معقولا، ويصبح المستحيل أمرا عاديا روتينيا. قد تكون هذه نظرة تشاؤمية في مظهرها ولكن جوهرها مفعم بالتفاؤل والامل اذا ما بادرنا كل من موقعه وحسب قدراته وكفاءاته بمحاسبة هذا الكيان المصطنع بشكل جذري.
قد تكون المحاسبة النهائية بعيدة بعض الشيء ولكن في حياة الشعوب لا يوجد هناك بعد مطلق. فالتاريخ الذي يقاس بالساعات والايام في أوقات الثورة قد يقاس بالسنوات والقرون في عصر الركود. ولكن مما لا شك فيه انه قبل المقدرة على محاسبة العدو علينا ان نكون قادرين على محاسبة انفسنا. نحن كشعب فلسطيني، وانا هنا لا اقصد المؤسسات من منظمة التحرير الفلسطينية مرورا بالمجلس الوطني والتشريعي وحتى سلطة أوسلو، ومن كافة الفصائل مرورا بالاحزاب العربية وحتى جمعيات ما يسمى بالمجتمع المدني، بل اقصد الجماهير الشعبية قد فقدنا البوصلة، وبوصلتنا كانت وما زالت ويجب أن تبقي فلسطين. الشعوب العربية، ولا اقصد الحكام والانظمة، هي الاخرى قد فقدت البوصلة وبوصلتها هي الاخرى كانت وما زالت ويجب ان تبقى فلسطين. لأن فلسطين هي جزء عضوي من جسدها ولا حياة لها من غير هذا العضو.
كيف يمكن أن نكون شعبا فلسطينيا واحدا وقد تخلينا عن ٨٠٪ من فلسطين؟ وقبلنا بحالة التمزق للشعب المهجر والوطن السليب؟ وكيف يمكن أن نكون امة عربية واحدة ونحن نتعامل مع انفسنا كطوائف وعشائر؟
نعم، لقد خلقت دولة اسرائيل من أجل تجزئة واخضاع الامة العربية، ولكن هل سألنا انفسنا يوما لماذا وكيف نجحت في ذلك؟ ألم يكن ضعفنا وتخلفنا وتقاعسنا وجبننا عاملا حاسما في نجاح المشروع الصهيوني؟ طبعا هذا لا يعني التغاضي عن دور الاستعمار الغربي ولكن الى متى نحمل وعد بلفور والانتداب البريطاني كامل المسؤولية ونسقطها تماما عن أنفسنا؟ لماذا كلما ازدادت اسرائيل شراسة قدمنا لها المزيد من التنازلات بدل ان نقدم المزيد من المقاومة؟ لماذا كلما ازداد الضغط الامبريالي الغربي علينا كلما ا كتمل انبطاحنا وتخاذلنا؟ لقد آن الاوان لتغيير هذه المعادلة جذريا.
بغض النظر عما يجري في سوريا، أو بالرغم من كل ما يجري في سوريا، ينبغي عدم ترك الاعتداء الاسرائيلي على هذا البلد العربي من غير حساب. لا يمكن الاكتفاء بالادانات اللفظية. لم يعد يكفي توجيه اللوم للنظام السوري الذي لا يجد المكان والزمان المناسبين للرد على العدوان ولا يجدي استنكار قيام اطياف من المعارضة السورية العميلة والمريضة بالترحيب بهذا العدوان. ساعة الحساب سوف تبدأ عندما تنفض الشعوب العربية غبار التخلف والخنوع المتراكم على كاهلها منذ عهود وتنتفض كالمارد من اجل خلق عالم جديد.

Wednesday, May 01, 2013

يحيا الملك يسقط الرئيس

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011815 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000011799
يحيا الملك يسقط الرئيس
على زبيدات – سخنين
لماذا اجتاحت ثورات ما يسمى بالربيع العربي الانظمة الجمهورية وقفزت عن الانظمة الملكية؟. هذا السؤال يحيريني منذ فترة وهو حسب رأيي بحاجة الى دراسة شاملة وعميقة وليس الى مقالة صحفية عابرة. وحسب رأيي ايضا لم يلق هذا السؤال الاهتمام الذي يستحقه من قبل المحللين والمثقفين العرب ومن ضمنهم من يتم تسويقه كمنظر لثورات "الربيع" العربي، كالنائب السابق في الكنيست الاسرائيلي، المفكر العربي ( كلتا الصفتين صحيحة) الدكتور عزمي بشارة. وأنا لا ادعي هنا بأي حالة من الاحوال تقديم جوابا شافيا على هذا السؤال وساكتفي بعرض بعض الخواطر التي من شأنها ان تلقي الضوء على الموضوع ككل.
في نهاية سنوات الستين وبالتحديد بعد نكسة الانظمة العربية التي خاضت حربا مع اسرائيل ومنيت بهزيمة نكراء، وبعد صعود المقاومة الفلسطينية والتي سميناها مجازا بالثورة الفلسطينية إذ سرعان ما عادت الى التلم العربي الرسمي المرتبط بالنظام الامبريالي العالمي، تعودنا أن نقسم الدول العربية المنضوية تحت كنف جامعة الدول العربية الى قسمين: دول ملكية تمثل المعسكر الرجعي العميل أو المتواطىء مع الاستعمار. ودول جمهورية، تقدمية ووطنية تقود وإن بدرجات متفاوتة النضال من أجل انجاز الاستقلال والتحرير الوطني. ولكن مع مرور الوقت بدأت الفوارق بين هذين المعسكرين التي كانت منذ البداية نسبية ومشروطة تتلاشى وتزول. وفي كثير من الاحيان الامر الوحيد الذي بقي يميز بين النظامين هو الاسم الذي يطلق على رأس السلطة: جلالة الملك أو فخامة الرئيس. فإذا كان رئيس اقوى دولة في العالم (الرئيس الامريكى) لا يستطيع أن يحكم آكثر من فترتين، أي ٨ سنوات، كان الروؤساء العرب ينافسون الملوك: فالقذافي، عميد الرؤساء العرب تشبث بكرسي السلطة ٤٢ عاما. وبن على:٣٣ عاما، وحسني مبارك:٣٠ عاما، وعلي عبداللة الصالح: ٣٤ عاما، أما الاسد (الاب والابن): ٤٤ عاما. أما بالنسبة لقضية التوريث ربما تشغل الجمهوريات أكثر مما تشغل الممالك.
فإذا كانت الفوارق الجوهرية بين الجمهوريات والممالك قد تلاشت شكلا ومضمونا فلماذا تبدو الممالك العربية أكثر استقرارا؟ونراها تصمد بل وتحتوي كافة الحركات الاحتجاجية؟
يعود ذلك حسب رأيي إلى ٤ اسباب رئيسية:
١- مستوى الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي للشعوب في الدول الجمهورية، تاريخيا، أعلى بما لا يقاس من الدول الملكية (بما فيها الاماراتية والمشيخات). اذ لا يمكن المقارنة بين بلد كاد أن يتخلص من الامية وبلد ما زال معظم ابنائه أميين، بين بلد يعيش نوع من الحياة الثقافية الحديثة وبلد ما زالت تهيمن عليه عادات وتقاليد وعقلية القرون الوسطى. فمن الطبيعي ان تكون الشعوب التي تتمتع بمستوى ثقافي متقدم سباقة للتغيير الاجتماعي والسياسي أيضا.
٢- لقد منت الطبيعة على الانظمة الملكية العربية بالنفط والثروات الطبيعية الاخرى الامر الذى جلب الغنى الفاحش للعائلات الحاكمة والاستقرار الاقتصادي لشرائح واسعة من الشعب، ومنح العائلات الحاكمة القدرة على رشوة قطاعات واسعة أو تشديد الرقابة والسيطرة عليها. الوضع الاقتصادي المتردي لعب دورا حاسما في اسقاط النظام في تونس ومصر مثلا.
٣- التركيبة العشائرية للمجتمع في البلدان الملكية ما زالت هي التركيبة الحاسمة. لم يتبلور هناك شعب بالمفهوم الحديث للكلمة وبالتالي لم ترتق الولاءات العشائرية الى مستوى الولاء للوطن. الامر الذي سهل على العائلات الحاكمة بسط سيطرتها عليها
٤- الدعم الامبريالي للبلدان الملكية، خصوصا وان معظم الجمهوريات العربية قد خاضت صراعا طويلا ومريرا مع الاستعمار بشكله القديم والحديث. لذلك نرى الدول الامبريالية تضع ثفقتها اكثر بالدول الملكية التي تتمتع ببعض الاستقرار بصفتها الافضل في خدمة مشاريعها في المنطقة.
من هنا نشاهد ونلمس التدخلات الامبريالية التي سرعان ما تعمل على احتواء الحركات الاحتجاجية، وتحرفها عن مسارها الطبيعي التقدمي.
حسب رأيي المهمة الاساسية التي تقع على عاتق الثوريين العرب هي مهمة مزدوجة: رفض محاولات الهيمنة الامبريالية على حركات الاحتجاج العربية مهما كانت التبريرات والعمل على تطويرها الى ثورات شاملة، هذا من جهة وتصعيد التغيرات الثورية في المملكات والمشيخات العربية من جهة اخرى. بالطبع هذه المهمة في غاية الصعوبة والتعقيد ولا يمكن انجازها في فترة محدودة من الزمن. ولكن لا بد من المباشرة في خوضها ولربما الخطوة الاولى يجب ان تكون باتجاه تقويض اسس جامعة الدول العربية التي انشأها الاستعمار وما زال يمتطيها لتصفية القضايا العربية وعلى رأسها القضية العربية الاولى: القضية الفلسطينية، وخصوصا في تحركها الاخير لبيع اجزاء من فلسطين في المزاد العلني تحت مسمى تبادل الاراضي ارضاء للكيان الصهيوني. وفي النهاية لا بد من اسقاط الملك والرئيس سوية.

Wednesday, April 24, 2013

ضد الثقافة والمثقفين

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011026 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000011010
ضد الثقافة والمثقفين
علي زبيدات – سخنين

كثر الكلام في الآونة الاخيرة عن الثقافة وعن ضرورة تطويرها وتفعيلها لكي تأخذ دورها الطبيعي في التغيير المجتمعي ولكي تخلصنا من حالة الركود السياسي والاجتماعي الجاثم على صدورنا منذ عقود طويلة. كما كثر الكلام عن دور المثقفين أو على الاصح عن غياب دور المثقفين في عملية التغيير التي تجتاح المنطقة وخصوصا غياب دورهم القيادي أو حتى الارشادي في بلدان ثورات الربيع العربي. وكلما قرأت أكثر في هذا الموضوع كلما ازدادت قناعتي بأن الثقافة المقترحة أسوأ من انعدام الثقافة وغياب دور المثقف أمر محمود ومن المفضل أن يبقى ينظر في برجه العاجي.
لست هنا بصدد تعريف الثقافة أو بصدد الكلام عن اهميتها ودورها بالنسبة لشعب يناضل من أجل عودته وحريته، فقد أسهب بعض الكتاب"المثقفين" مشكورين في ذلك من خلال سرد مقتبسات من ادوارد سعيد ونوعام تشومسكي وانطونيو غرامشي وفوكو وغيرهم. لا ادري على وجه التحديد لماذا شعرت انه كلما كثرت الاقتباسات عن الثقافة كلما تقلصت الثقافة وتلاشت من أمامي. وتذكرت على التو قول لينين:"المثقفون أقدر الناس على ارتكاب الخيانة لانهم اقدر الناس على تبريرها". طبعا السياق هنا ليس ارتكاب الخيانة من أي نوع كانت ولكن السياق هو قدرتهم على التلاعب بالمصطلحات وتزييف المصطلحات.
مثلا يقول احد المثقف المعتبرين: من أخطر المصطلحات في الحركات الثورية هي "الثوابت" و"الاجماع" اذ كيف يمكن ذلك في عالم متحرك وغير ثابت وفي عالم يشجع التعددية الفكرية؟ تبرير منطقي ومفحم اليس كذلك؟ ماذا افعل أنا الذي كنت دائما وما زلت انتقد الحركات الثورية وخصوصا الفلسطينية منها لأنها لا تتمسك ب"الثوابت" هذا اذا كان لديها ثوابت اصلا، واذا تمسكت بثوابت فبشكل لفظي وخارجي، هل اصبح متهما بالجمود العقائدي؟ التفكير الميكانيكي بعكس التفكير الجدلي يضع "الثوابت" في تناقض تام مع التغيير، مع انها في الحقيقة تجسد محصلة التغيرات في مرحلة معينة. فاذا كانت العودة من ثوابت الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة ذلك لانها جاءت بسبب التحولات التي طرأت عليه في عام النكبة وما تلاه. وهي لن تبقى من "الثوابت" بعد التحرير. وصحيح انه لا يوجد هناك "اجماع" مطلق ولكن هذا لا يعني الا تطمح الحركات الوطنية بتحقيق اجماع نسبي يتلاءم مع متطلبات المرحلة. وهذا الاجماع النسبي بدوره قابل للتغيير على الدوام.
دور المثقف الملتزم وطنيا، وكما يسميه غرامشي بالمثقف العضوي ليس التحرر من قيود"الثوابت" والتمرد على "الاجماع" بل المساهمة في صنع ثوابت متينة على اسس وطنية تقدمية و انسانية واخلاقية تنسجم مع ضرورات المرحلة التي يمر بها الشعب والطموح الى اجماع نسبي يضمن السير قدما بنضال الشعب حتى تحقيق اهدافه.
نعم، يجب على المثقف الثوري الملتزم الا يقبل بوجود بقرات مقدسة حتى وان كانت تسمى ثوابت، ولكن هذا لا يعني أن يقبل بوجود بقرات هزيلة وسقيمة. المثقف الثوري الملتزم بقضايا شعبه لا يقبل الاشياء مسلمة وعليه ان يضع كل شيء امام المحك العملي ولكن في الوقت نفسه عليه أن يعلم بأنه لا يملك اجوبة نهائية في أية مسألة وعليه أن يتعلم التعايش مع الاخرين رغم الاختلاف في الرأي.
مع كل الاحترام لجميع المفكرين المثقفين الذين تم ذكرهم آنفا من غرامشي وحتى ادوارد سعيد وتشومسكي ولكن يجب وضع وفهم مساهماتهم حول الثقافة والمثقفين في سياقها التاريخي والجغرافي والسياسي. طبعا على المثقف الحقيقي أن ينتقد وأن يتحدى السلطة والقوة المسيطرة في مجتمعه وفي بلده وفي العالم وعلى كافة الاصعدة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يوجد في عالمنا العربي مثقفون حقيقيون؟ ينتقدون ويتحدون خارج صوامعهم؟
المأساة أن ثقافتنا المهيمنة هي ثقافة الهزائم والنكسات المتكررة والتخلف الاجتماعي المتراكم ومعظم مثقفينا إما ممن ساهموا في صنع هذه الثقافة المهزومة وإما أبناء واحفاد مخلصين لها. في الحقيقة، لا اري بارقة أمل في التحركات "الثقافية" الاخيرة والدعوة الى ضرورة اقامة منتدى فكري خصوصا وان المبادرين الى ذلك هم من بين الذين اتحفونا قبل سنوات بالتصورات المستقبلية والوثائق التطبيعية والذين يريدون تحديد علاقتنا بالدولة من خلال اقناعنا بأن "ليس كل ما هو اسرائيلي رديئا وكل ما هو ضد اسرائيل جيدا". وهذه هي الخطوة الاولى على طريق قبول الهيمنة الاسرائيلية على ثقافتنا كوسيلة لإبقائنا رعايا في ظل الدولة الصهيونية. نعم لثقافة وطنية تقدمية ثورية انسانية ولتسقط باقي الثقافات.

Wednesday, April 17, 2013

ماذا جرى ليوم الاسير الفلسطيني؟

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000007735 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000007719
ماذا جرى ليوم الاسير الفلسطيني؟
علي زبيدات – سخنين

كتبت هذه السطور صباح يوم الاربعاء ١٧ نيسان وهو، كما أعلم وكما يعلمه مثلي الكثيرون ، يوافق يوم الاسير الفلسطيني الذي طالما أحييناه بالمهرجانات والنشاطات الهادفة الاخرى وأقل ما يمكن اصدار بيان في هذه المناسبة يحيي ويتضامن مع الحركة الاسيرة في السجون الاسرائيلية. قبل أن امسك بالقلم واشرع بالكتابة ابحرت في الشبكة العنكبوتية طولا وعرضا، توقفت عند معظم المواقع الاخبارية المحلية ووضعت في خانة البحث كافة اللجان التي تعني بشوون الاسرى لعلي اجد خبرا عن مسيرة او اعتصام او مهرجان او حتى بيان في هذه المناسبة فلم أجد شيئا. النشاطات الوحيدة التي قرأت عنها عبارة عن بعض الاعتصامات والمسيرات في بعض الاماكن في الضفة الغربية معظمها تحت رعاية وزارة الاسرى وهي حسب رأيي اقل بكثير من المطلوب في هذه المناسبة وفي هذه السنة بالذات. في ظل الاضرابات الاسطورية التي خضاها الاسرى في السنة الاخيرة والتي ما زال بعضها مستمرا حتى اليوم وعلى رأسها الاضراب الذي يخوضة سامر العيساوي منذ تسعة اشهر، وفي ظل استشهاد عرفات جرادات وميسرة ابو حمدية مؤخرا بسبب التعذيب والاهمال الطبي وفي ظل تدهور اوضاع الاسرى في كافة المجالات وعلى جميع الاصعدة وفي ظل العنجهية الاسرائيلية وضربها كافة القيم الانسانية بعرض الحائط كنت اتوقع أن تكون هذه السنة سنة الاسير الفلسطيني بامتياز والتي تتوج في هذا اليوم بالذات، يوم الاسير الفلسطيني بهبة جماهيرية ورسمية تخترق التعنت الاسرائيلي والتواطؤ العالمي والصمت العربي. ولكن وللأسف الشديد شيئ من هذا لم يحدث وفي أغلب الظن لن يحدث في المستقبل المنظور.
الاسرى بعد الشهداء هم الذين يحملون شعلة القضية الفلسطينية ويبقونها حية. تصوروا انه لا يوجد هناك اسرى فلسطينيون بالآلاف من شيوخ وشباب واطفال ونساء يملؤون السجون الاسرائيلية فمن كان يدري انه ثمة هناك قضية شعب مشرد يناضل من اجل حريته واستقلاله؟ هل المفاوضات العبثية في شكلها الاخير المستمرة مع بعض التفطع منذ عشرين سنة؟ ام قرارت جامعة الدول العربية التطبيعية في جوهرها ومع ذلك تبقى حبرا على ورق؟ ام القرارات الدولية من الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وحتى كافة اللجان التي تتغنى بحقوق الانسان ولكنها تصمت صمت اهل القبور عندما تصطدم بدولة اسرائيل وتبدأ بالتأتأة عندما تتكلم عن حقوق الاسير الفلسطيني؟
يضحي الاسرى بأغلى سنوات حياتهم خلف القضبان. يتعرضون يوميا للاهمال الطبي والتفتيش المذل والعزل الانفرادي والاعتقال الاداري ومنع زيارات الاهل ومنع التعليم الجامعي واشكال اخرى لا تعد ولا تحصي من المضايقات. وبالمقابل تقوم مؤسساتنا الرسمية من أعلى سلطة الى اصغرها في احسن الحالات بالاستنكار والادانة والتضامن الكلامي الذي لا يجدي فتيلا ولكنها في معظم الاحيان تلوذ بالصمت واللامبالاة. اين وصلت الادعاءات بجعل قضية الاسرى قضية عالمية وايصالها الى كافة المؤسسات الدولية ومن ضمنها المحكمة الجنائية الدولية؟ بل اين وصلت الادعاءات بجعل قضية الاسرى قضية مركزية على الصعيد المحلي والعربي؟ لا يضيركم بشيء أن تتعلموا من دولة اسرائيل كيف جعلت لسنوات من قضية جندي واحد أسير هو جلعاد شاليط ليس فقط قضية اسرائيلية من الدرجة الاولى بل وقضية عالمية مركزية ايضا. في الاونة الاخيرة كثرت الفتاوي الصادرة عن بعض من يسمون انفسهم بعلماء المسلمين والتي تتيح وتشرع قتل مسلمين آخرين الا يوجد في جعبتكم مكان لفتوى واحدة تنصر الاسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الاسرائيلية؟
لقد جاء يوم الاسير الفلسطيني الاول في اعقاب تحرير الاسير الفلسطيني الاول عام ١٩٧٤ في أول عملية تبادل للأسرى. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم كانت عمليات تبادل الاسرى هي الطريق الوحيدة للحرية. وسوف تبقى كذلك مستقبلا وما دام الصراع مستمرا.

Wednesday, April 10, 2013

من يوم الارض إلى يوم النكبة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012120 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000012104
من يوم الارض الى يوم النكبة
علي زبيدات – سخنين

بعد اسبوعين من احياء ذكرى يوم الارض تقف جماهير شعبنا على اعتاب احياء ذكرى اخرى لا تقل من حيث اهميتها، إن لم تكن تزيد، عن ذكرى يوم الارض ألا وهي ذكرى النكبة. فاذا كان يوم الارض قد اصبح رمزا يرمزا لتشبثنا بما تبقى لنا من ارض ولرفضنا سياسة المصادرة والتهويد الصهيونية ويعبر عن حقنا في النضال من اجب استعادة ما سلب من ارض، فان يوم النكبة يرمز الى رفضنا ضياع الوطن ككل وتشريد الشعب ويعبر عن حقنا بالعودة الى قرانا ومدننا المهجرة وتحرير وطننا من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني. كتبت في حينه بصدد يوم الارض إن اشد ما يثير القلق هو تحول هذا اليوم من يوم نضالي دفاعا عن الارض الى يوم احتفالي روتيني يقتصر على النضال الكلامي الذي لا يضمن استعادة أو منع مصادرة شبرا واحدا من الارض، وهذ الشيء نفسه اشد ما يثير القلق بالنسبة لذكرى النكبة ايضا.
وكما انه لا يكفي أن نصرخ باعلى صوتنا يوما واحدا في السنة مطالبين باستعادة ما تمت مصادرته من ارض أو توسيع مناطق نفوذ قرانا لكي يتم تحقيق ذلك بالفعل، كذلك لا يكفي أن نصرخ باعلى صوتنا عن تمسكنا بحق العودة المقدس ورفضنا التنازل عنه مهما كان الثمن واستنكارنا لكل من يفرط بهذا الحق لكي نجسد حق العودة على ارض الواقع. وكما اصبح برنامج يوم الارض معروفا مسبقا: مسيرة، خطابات، طوشات. هكذا اصبح برنامج ذكرى النكبة أيضا معروفا مسبقا: مسيرة (نسميها مجازا مسيرة العودة)، خطابات وطوشات. الشيء الوحيد الجديد في هذا البرنامج هو نقله كل سنة من مكان إلى آخر، من قرية مهجرة إلى اخرى. والسؤال العبثي الذي يتبادر للذهن هو: هل نحن بحاجة الى ٥٣٠ سنة للعودة على عدد القرى المهجرة؟
يوم الارض، كما يوم النكبة، ما زال يجذب الآلاف من أبناء شعبنا وخصوصا من جيل الشباب مما يبقي شعلة الامل ملتهبة. إن دل ذلك على شيء فإنه يدل على ان شعبنا يملك قوة كامنة قادرة لو تفجرت بالشكل الصحيح ليس للدفاع عن الارض فحسب بل ولصنع العودة ايضا. نلمس هذا الامر كل سنة وبشكل متزايد فمن خلال المشاركة الشبابية في مسيرة يوم الارض ومسيرة العودة. حسب رأيي المشكلة تكمن في موقع آخر وعلى وجه التحديد في القيادة وصانعي القرار. وفي حالتنا هذه الاحزاب السياسية ولجنة المتابعة. ليس سرا أن لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين التي تنظم مسيرة العودة تفكر بعقلية لجنة المتابعة وتخضع لكافة معاييرها. ولكي لا افهم خطأ أنا لست ضد مسيرة مركزية في هذه المناسبة ومشاركة أكبر عدد ممكن من جماهيرنا، ولست ضد زيارة القرى المهجزة في هذا اليوم ، فهذه القرى يجب أن تزار ويتم التواصل بها طوال ايام السنة، أنا فقط ضد قولبة الذكرى وجعلها مناسبة روتينية مملة تقتل الروح الحماسية والابداعية خصوصا عند جيل الشباب. في الماضي كنت قد تقدمت، وعلى ما أظن لم أكن الوحيد، باقتراحات جديدة مثل تنظيم عودة فعلية الى قرية مهجرة يتم حشد كافة الطاقات الشعبية لانجاحها تستمر لأكثر من يوم، والان يوجد لدينا تجربة قرية باب الشمس. طبعا ستكون جرافات الدولة جاهزة لهدم الخيم والكرفانات، ومن يظن أن الدولة ستقول لنا: انتم على حق وقد عانيتم كثيرا فتفضلوا بالعودة فهو واهم. لكن آن الاوان لكي نخطو خطوة اخرى الى الامام، من الكلام عن حق العودة الى العمل من أجل العودة نفسها.
قد يكون "شعار يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا" صحيحا تاريخيا وعاطفيا ولكنه يبقي نضالنا في حدود رد الفعل وهذا بحد ذاته لا يساهم في صنع العودة الفعلية. انا شخصيا كنت افضل أن يكون العمل المركزي في الخامس عشر من أيار، وهوالتاريخ المتعارف عليه دوليا لاقامة الكيان الصهيوني، وذلك لاتاحة الفرصة امام جميع ابناء شعبنا الفلسطيني في كافة اماكن تواجده ولجميع القوى العالمية المتضامنة مع شعبنا المشاركة في هذا النشاط في وقت متزامن. نستطيع مثلا ان نعلن في يوم استقلالهم العبري يوم حداد وطني ويوم الخامس عشر من أيار يوم هبة وطنية.
بالمناسبة، تحتفل دولة اسرائيل بيوم استقلالها بالتزامن مع ما تسميه "ذكرى الكارثة والبطولة" الامر الذي يتحاشى الكتاب العرب والفلسطينيون عادة الخوض فيه. اولا، وقبل كل شيء، من العار عن يقبل العالم ان تنصب دولة اسرائيل نفسها الوريث الشرعي لضحايا النازية من يهود أوروبا مع انه من المعروف ان موقف الحركة الصهيونية كان يتراوح بين اللامبالاة والتعاون مع النازية. دموع التماسيح التي ذرفها قادة اسرائيل، وخصوصا من قبل رئيس الحكومة ورئيس الدولة ، لا تستطيع طمس هذه الحقيقة. فقبل شن الهجوم على منكري الكارثة اليهودية لينظروا إلى انفسهم كيف ينكرون الكارثة الفلسطينية، أم ان تهجير اكثر من نصف الشعب الفلسطيني وسلب وطنه لا تعد كارثة؟ هذا بالاضافة للمتاجرة الفاضحة بالكارثة اليهودية نفسها التي جعلت من الطبقة الحاكمة فاحشة الغنى بينما يتضور الناجون الفعليون من المحرقة النازية من الجوع. حسب الاحصائيات الرسمية يعيش ثلث هؤلاء الناجين تحت خط الفقر. أين ذهبت كل أموال التعويضات؟. تصل وقاحة رئيس الحكومة الى حد اتهام العالم بأن كراهية العالم لليهود لم تختف ولكنها تحولت الى كراهية لدولة اسرائيل، وكأنه لا يوجد هناك ما يبرر الكراهية لهذه الدولة العنصرية والعدوانية. ويصل به الغرور الى حد التصريح بأنه يلتزم بعدم حدوث كارثة ثانية لليهود بينما تشكل سياسته اكبر خطر لكارثة تهدد ليس فقط اليهود بل كافة شعوب العالم.
ان نضال الشعب الفلسطيني من اجل العودة والتحرير ليس فقط لا يشكل كارثة لليهود بل هو الضمان الوحيد لانقاذهم من الكارثة التي تقودهم اليها هذه الدولة التي تدعي انها دولتهم.

Wednesday, April 03, 2013

يوم الارض من سخنين إلى الشام

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011994 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000011978
يوم الارض من سخنين إلى الشام
علي زبيدات – سخنين
انتهت مسيرة يوم الارض المركزية في سخنين هذا العام، كما كان متوقعا، بطوشة عمومية. لكن هذه المرة ليست بين الاحزاب المتنافسة والمكبوتة مسبقا بقرار لجنة المتابعة بحذر الاعلام الحزبية والاكتفاء برفع العلم الفلسطيني الذي من المفروض أن يوحد كافة الاحزاب. بل بين مجموعة تطلق على نفسها "اللجنة الشعبية للدفاع عن سوريا" قام افراد منها بالاعتداء على مراسل الجزيرة الصحفي الياس كرام والطاقم المرافق له. الطوشة العمومية في تراثنا الشعبي تبدأ عادة بمجموعة صغيرة من الاشخاص لسبب تافة ولكن سرعان ما تجذب اليها العديد من الناس الذين لا يعرفون عادة ماذا جرى بالضبط ويكونوا متفرجين أكثر من كونهم مشاركين. وتنتهي الطوشة كما بدأت يرافقها فيض من الاستنكارات والادانات والتبريرات. هذا بالتقريب ما حدث في نهاية مسيرة يوم الارض. هذه النهاية كانت متوقعة لمن راقب وواكب هذه المسيرة منذ البداية. التزمت الاحزاب السياسية بقرار لجنة المتابعة بعدم رفع الاعلام الحزبية وهو حسب رأيي قرار خاطىء فالاعلام المتنوعة تعطي زخما ورونقا للمسيرة وتفتح مجالا للتنافس بين الاحزاب وبقليل من الوعي ليس من الضرورة أن تضر هذه الاعلام بوحدة المسيرة بل بالعكس قدتكون عاملا موحدا. ولكن قد يكون قرار لجنة المتابعة قرارا صائبا نظرا لضيق أفق الاحزاب وتعصبها وغياب الوعي السياسي كما تؤكده تجارب الماضي. الفئة الوحيدة التي لم تلتزم بقرار لجنة المتابعة هذا كانت المجموعة المسماة "اللجنة الشعبية للدفاع عن سوريا" التي جاءت رافعة العلم السوري بدلا من الفلسطيني. في هذه الحالة لم يكن رفع العلم السوري من قبل هذه المحموعة يختلف عن رفع اى حزب لعلمه الخاص. ومع ذلك لم يطلب احد من المنظمين من هذه المجموعة الالتزام بالقرار إما من باب التواطؤ وإما من باب الخوف واللامبالاة. وخلال المسيرة كانت هتافات هذه المجموعة لا تمت بصلة ليوم الارض وكأن المسيرة قد نظمت منذ البداية للدفاع عن النظام السوري. وهكذا كان الاعتداء على الصحفي الياس كرام وكأنه هو الذي يقود المؤامرة الكونية على سوريا. ومما زاد الطين بلة أن الزعامة التي تواجدت حينذاك على المنصة كانت مشغولة في سماع خطاباتها، بعد ان انفض المتواجدون من حولها وتحولوا لمشاهدة تطورات الطوشة، ولم تحرك ساكنا لفض النزاع وهو في أوله.
تكاثرت الاستنكارات المنددة باللاعتداء على الياس كرام والتي كانت حسب رأيي في معظمها من باب رفع العتب. وانا هنا لست بصدد اضافة استنكار آخر لهذا الاعتداء. موقفي من قناة الجزيرة كبوق لسياسة مشيخة قطر ومن خلفها السياسة الامريكية – الصهيونية كنت قد عبرت عنه منذ زمن بعيد، وانا اقاطع هذه القناة منذ اكثر من سنة تماما كما اقاطع القنوات الاسرائيلية. ولا اشعر بأني في حاجة لمشاهدة الجزيرة والقنوات التي على شاكلتها من أجل التواصل مع الاحداث. ما حدث في مسيرة يوم الارض فتح جرحا قديما بعض الشيء دفعني للتراجع عن قرار كنت قد اتخدته بعدم الكتابة عن الوضع في سوريا. ليس لان ما يحدث هناك لا يهمني بل على العكس لانه يهمني فوق ما اتصور وفوق ما ستطيع تحمله الى درجة يفوق اهتمامي بما يجري في فلسطين نفسها.
ما يحدث في سوريا لا يمكن حصره في مصطلح واحد: فهو مأساة وكارثة ومصيبة وجريمة في آن واحد. قلت في السابق ها أنا اكرر: كل سلاح في سوريا، بغض النظر عن حامله ، ولا يكون موجها الى الجولان المحتل وفلسطين المحتلة فهو سلاح آثم. للاسف الشديد السلاح في سوريا موجه فقط الى صدور السوريين. من لا يموت برصاص الجماعات التكفيرية باسم الدين يموت تحت قذائف النظام السوري باسم القومية والممانعة. يجرى الصراع في سوريا على السلطة السياسية. وفي هذا الصراع الدموي كل الوسائل مشروعة. النظام السوري كباقي الانظمة العربية اقام قوة عسكرية لا يستهان بها ليس من أجل تحرير الجولان المحتل او فلسطين المحتلة أو حتى للدفاع عن سوريا من اعدائها الخارجيين بل من أجل غاية واحدة وحيدة الا وهي الدفاع عن نفسه. من اجل ذلك تم اختزال الشعب بالنظام، والنظام بالحزب، والحزب بشخص الرئيس. سوف يدافع النظام عن نفسه حتى الرمق الاخير حتى لو تم تدمير سوريا عن بكرة ابيها. بالمقابل الحركات التي تسمي نفسها جهادية والمدعومة من الخارج وخاصة من قبل السعودية ودول الخليج مستعدة ان تحرق سوريا برمتها في طريقها الى السلطة. المصيبة ان كل ذلك يجري باسم الشعب السوري وتحت شعار "الدفاع عن سوريا". كل طرف يلبس قناعه: الجهاد، الحرية، الديمقراطية، الممانعة، القومية. ولكن عندما تسقط الاقنعة تظهر بشاعة الوجوه على حقيقتها.
يبدو الامر كئيبا ومحبطا. وهو كذلك. ولكن من صلب هذه الكآبة الحالكة ومن احشاء هذا الاحباط الرهيب لا بد وأن تتفجر ينابيع الامل. فالشعب السوري لن يبقى رهينة بين عصابات النظام والمعارضة الى الابد. واشتداد الازمة إلى حد لا يطاق لا يعني الا قرب الخلاص. سوريا لن تموت ولن تدمر كما ان فلسطين لن تموت ولن تدمر، مهما تكالبت قوى الظلام لقتلها وتدميرها. فلسطين هي جنوب بلاد الشام وبلاد الشام هي شمال فلسطين. وستبقى ارض فلسطين تعانق ارض سوريا وتسطران قصة عشق ابدية.