Friday, April 17, 2020

السجن العربي الكبير

السجن العربي الكبير
طالما استنكرنا وأدّنا مؤسسات المجتمع الدولي التي تهتم بحقوق الانسان بشكل عام وحقوق الاسرى بشكل خاص، من بينها منظمة العفو الدولية أمنستي، هيومان رايتس ووتش، الصليب الاحمر وما شابهها من منظمات ولجان. وذلك بسبب النفاق والكيل بمعيارين فيما يتعلق بحقوق الانسان الفلسطيني بالاسرى في السجون الاسرائيلية. ولأنها غالبا ما تتعامل مع المحتل الصهيوني بقفازات حريرية تصل إلى درجة التواطؤ والمحاباة. المصيبة أن مؤسساتنا المدنية التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان ورعاية حقوق الاسرى الفلسطينيين تتبنى في تعاملها نفس المنطق ونفس الأسلوب الذي تستنكره وتدينه عند مؤسسات المجتمع الدولي.
بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني، قامت المؤسسات الفلسطينية الناشطة في مجال حقوق الإنسان، واذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: هيئة شؤون الاسرى والمحررين، نادي الاسير، مؤسسة الضمير، مركز الدفاع عن الحريات وغيرها، بنشر بيانات تدين الجرائم التي تقترفها السلطات الاسرائيلية  بحق الاسرى الفلسطينيين من تعذيب يصل أحيانا الى حد الموت، واهمال صحي خصوصا في ظروف انتشار فيروس الكورونا، بالاضافة إلى مصادرة العديد من حقوقهم الطبيعية. ولكنها في الوقت نفسه تصمت صمت أهل القبور على ما يجري في سجون العالم العربي من المحيط إلى الخليج الذي أصبح عبارة عن سجن واحد كبير.
الحرية لا تتجزأ وهي واحدة لكل من يطالب بها، وهي حق لكل أسير رأي وضمير في أي سجن كان. ليس من الاخلاقي بشيء أن تطالب الآخرين بالتضامن مع أسراك وفي الوقت نفسه تدعم الأنظمة التي تزج بآلاف الاسرى في سجونها وتمارس في حقهم جرائم يندى لها الجبين. في هذا اليوم بالذات لا يمكن الكلام  عما يجري في السجون الاسرائيلية وفي الوقت نفسه السكوت عما يجري في السجون السورية والمصرية (وباقي السجون بالطبع). تفيد بيانات المؤسسات المذكورة أن عدد الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية يبلغ حوالي 5000 أسير، هل تعرف هذه المؤسسات عدد الاسرى الفلسطينيين (ولا اقول السوريين) في السجون السورية؟ أما بالنسبة للأسرى السوريين فلا يعلم عددهم وظروفهم إلا الله وأجهزة المخابرات الاسدية. إذا كان جميع هؤلاء ارهابيين وعملاء ومندسين فهل تتجرأ هذه المؤسسات مطالبة النظام بتقصي الحقائق على الأقل؟ اليس من العار أن تصل المفارقة لأن يتمنى الاسير الفلسطيني ابن المخيم أن يكون أسيرا سجن اسرائيلي حتى يتخلص من أهوال السجون العربية؟
حسب الإحصائيات التي أوردها نادي الأسير: منذ احتلال الضفة الغربية وغزة (أي خلال أكثر من نصف قرن) تم استشهاد 222 أسير إما مباشرة تحت التعذيب وإما بسبب الاهمال الطبي أو أثناء الاعتقال. بينما استشهد في السجون السورية في أقل من عقد(الحالات الموثقة بالاسم والصورة فقط) 541 أسيرا هذا عدا المخطوفين والمفقودين. وحسب البيان ذاته، يوجد 41 أسيرة فلسطينية في السجون الاسرائيلية بينما بلغ عددهن في السجون السورية 613 اسيرة فلسطينية. ولم يذكر البيان استشهاد أي اسيرة فلسطينية بينما استشهدت 38 اسيرة فلسطينية في السجون السورية.  الأوضاع في السجون المصرية لا تختلف عن باقي السجون العربية: اعتقالات تعسفية، تعذيب، قتل، تهم ملفقة، رمس ابسط الحقوق الانسانية.
إلا أن المأساة الكبرى لا تكمن في هذه المؤسسات التي تدعي الحرص على حقوق الانسان وحقوق الاسرى بل تكمن بالاسرى والمعتقلين والمحررين أنفسهم الذين يواجهون بصدورهم العارية شراسة السجان الاسرائيلي وفي الوقت نفسه يدعمون ويحتضنون السجان العربي الاشد شراسة الذي ينكل بإخوانهم. هذا في الحقيقة ما أعجز عن فهمه.
الحرية لاسرى الحرية، في كل مكان وكل زمان وفي كل سجن. لقد آن الأوان تحطيم هذا السجن العربي الكبير الجاثم على صدور شعوبنا.  

Sunday, March 01, 2020

تكتيك المثقف واستراتيجية السلطة

تكتيك المثقف واستراتيجية السلطة
وجدت في الحوار الذي أجراه  الصحفي سليمان ابو رشيد مؤخرا ونشر على موقع عرب 48 مع د. نجمة علي، والتي تم التعريف بها على أنها ناشطة سياسية وأكاديمية متخصصة في العلوم السياسية، تحمل لقب دكتوراة من جامعة نيوزيلندية، كما هائلا من التناقضات ومن الأحكام المسبقة المستفزة. لا تربطني أية معرفة بالمتحاور معها لا من قريب او بعيد، ولكن بما أن موضوع الحوار وهو حول التصويت والمقاطعة لانتخابات الكنيست، يهمني شخصيا ويهم عدد كبير من أبناء وبنات شعبنا كان لا بد من التصدي لما جاء في هذا النقاش من تناقض وتجني على تيار المقاطعة: تقول الدكتورة: "لكي نستطيع نزع الشرعية عن مكان أو إطار معين يجب أن تكون فيه وجزءا بل جزءا كبيرا منه"، وتتابع قولها:"بدون فعل التصويت لا يوجد وزن للمقاطعة". قياسا على ذلك: لا تستطيع أن تكون مناهضا للصهيونية إلا اذا كنت جزءا من الحركة الصهيونية أولا، ولا تستطيع أن تحارب الفاشية إذا لم تكن عضوا في تنظيم فاشي أولا، ولا تستطيع أن تكون معاد للعنصرية إلا إذا كنت عنصريا. فإذا اردت مقاطعة الكنيست ونزع شرعيتها فما عليك إلا أن تصوت أولا وثانيا وثالثا ومن ثم ومن داخل الكنيست تستطيع أن تقاطع وتنزع الثقة…
تقول الدكتورة في بداية الحوار: " انتخابات الكنيست تكتيك يفترض استعماله حتى تنشأ الفرص لتبني استراتيجيات بعيدة المدى". هذا حسب علمي تعريف جديد للعلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك. فقد تعلمت أن التكيتك ينبغي أن يخضع ويخدم الاستراتيجية في مسيرة النضال الطويلة، ولكن أن يكون التكتيك مهيمنا في غياب الاستراتيجية تماما والانتظار حتى "تنشأ الفرص" فهذا لم اسمع به على مدى تاريخ الشعوب التي ناضلت من أجل حريتها واستقلالها. من المفترض تحديد الاستراتيجية أولا ومن ثم إيجاد التكتيكات الملائمة لتحقيقها، أليس كذلك؟
تضيف المتحاور معها: "الانتخابات وسيلة لصيانة الأحزاب العربية كأدوات تنظيم وعمل سياسي" وأن تضاؤل الأحزاب العربية سيعيد التشكيلة العائلية والطائفية لمجتمعنا. حقا؟ ولكن ما العمل إذا كانت الأحزاب العربية هي الداعم الأول للحفاظ على التشكيلة العائلية والطائفية لمجتمعنا؟ لا أدري كم من الوقت أمضت الدكتورة في نيوزيلندا، وإذا كانت تعلم بأن الأحزاب السياسية ومنذ زمن طويل تتصرف كعائلات وطوائف وأن العائلات والطوائف بدورها تتصرف كأحزاب سياسية حتى اختلط الحابل بالنابل واصبح من المستحيل التمييز فيما بينها؟
"المقاطعة تؤدي إلى تضاؤل الأحزاب وفراغ في القيادة..." أما الانتخابات فإنها تؤدي إلى تمدد "الاحزاب" وتمكين "القيادة"!! قد يكون ذلك صحيحا لو كانت هذه الاحزاب أحزابا وهذه القيادة قيادة.
يحتوي الحوار على بعض التلميحات والأفكار المختصرة حول المواطنة الاسرائيلية وكيف يمكن أن تتحول إلى استراتيجية مقاومة ودور الانتخابات في تنظيم الفلسطينيين داخليا والضغط من أجل حقوقهم المدنية والوطنية وغيرها من الآراء المجترة  والتى أثبتت تجربة سبعة عقود من التواجد في الكنيست على أنها عقيمة، وقد تناولتها في العديد من الكتابات السابقة ولا لزوم هنا للخوض بها مجددا.
وأخيرا تجزم المتحاور معها على أن" "الانخراط في النظام السياسي والتصويت للكنيست هي أولوية وأن المطالبة بتغيير الآلية السياسية في الوقت   الراهن  هو نوع من المجازفة".
وأنا بدوري أجزم أن عدم الانخراط في النظام السياسي الإسرائيلي ومقاطعة التصويت للكنيست هي التي ينبغي أن تكون اولوية لكافة جماهير شعبنا. 

Sunday, February 23, 2020

نحن بحاجة للغضب وليس للحزن

نحن بحاجة للغضب وليس للحزن
منذ فترة طويلة، توصلت إلى قناعة بأن النقاش في الأمور الدينية والعقائدية، خصوصا في الفضاء العام، لأن النقاش عديم الفائدة، عقيم ولا يجلب سوى الحقد والكراهية. خصوصا وإن كل ما يمكن أن يقال مع أو ضد هذه الامور قد قيل منذ زمن طويل. فالإيمان والكفر هي في نهاية المطاف مسالة قناعة ذاتية وبالتالي فأن تغييرها أو التمسك بها لا علاقة له بالوعظ أو النقاش. وعلى أساس هذه القناعة قررت عدم الخوض في مناقشة المسائل الدينية والعقائدية. ولكن في الجلسات الخاصة مع الاصدقاء أو الاقارب يكون من المستحيل أحيانا تجنب مثل هذا النقاش كليا. وحتى في مثل هذه الجلسات الخاصة كنت أحاول الاختصار من النقاشات وعدم الانجرار الى جدل "بيزنطي"  وعندما كان أحدهم يطيح بي تهمة العلمانية والاشتراكية وهي في منطقهم مرادفة للكفر والإلحاد كنت أجاوب ببساطة واختصار: العلمانية والاشتراكية ليست مدرسة لنشر الكفر والالحاد بل مدرسة لنشر الفكر الحر والعدالة الاجتماعية.

في احدى الجلسات العائلية فتح موضوع الدين والصحوة الاسلامية وكان من بينهم قريبا شابا متحمسا ينتمي إلى مجموعة شبابية تطلق على نفسها "شباب الدعوة". في البداية التزمت الصمت واستمعت الى ما يدور من نقاش ومواعظ، بالرغم من شعوري بأن جل مايدور من نقاش مواعظ تقصدني دون غيري. وعندما اصبح الكلام مباشرا وطلب الحاضرون ردي تنازلت عن صمتي وعبرت عن رايي الذي يعرفونه مسبقا، الامر الذي اثار لديهم المزيد من الاستنكار والامتعاض. في نهاية السهرة قام قريبي شاب الدعوة المتحمس وقال لي: يا خال، أنا أشفق عليك من عذاب النار لذلك سوف أهديك هذا الكتاب وأن تعدني بقراءته. تناولت الكتاب وشكرته.
عندما عدت للبيت تناولت الكتاب وكان اسمه: "لا تحزن" المؤلف هو الداعية السعودي الاسلامي عائض القرني والذي قرن اسمه بحرف الدال التي تشير إلى أنه يحمل شهادة الدكتوراة ولا أدري بماذا. وعلى الصفحة الاولى مكتوب: "الكتاب الذي بيع منه أكثر من مليوني نسخة".و"الكتاب الاول مبيعا في العالم العربي". بدأت بقراءة الكتاب كما وعدت قريبي وهو عبارة عن مواعظ واحاديث وقصص دينية وغير دينية أغلبها في غاية السذاجة هدفها كما يقول الكاتب نفسه هو جلب السعادة والهدوء والسكينة وانشراح الصدر وفتح باب الأمل والتفاؤل والفرج والمستقبل الزاهر. هنا لا بد أن اعترف بأنني لم أستطع أن أكمل قراءة هذا الكم الهائل من المواعظ الساذجة التي يحتويها الكتاب فوضعته على أحد الرفوف بين باقي الكتب. بعد فترة، قرأت بالصدفة في أحد المواقع أن عائض القرني هذا متهم بسرقة هذا الكتاب وكتاب آخر عن مؤلفين أجانب وأن محكمة سعودية أدانته بالسرقة وحكمت عليه بدفع غرامة. وقرأت مرة أخرى ومن باب الصدفة أيضا، فأنا لا أتابع مثل هذه الاخبار، بأن عائض القرني قد انقلب على تيار الصحوة الذي كان من أبرز رموزها وذلك خوفا أو إرضاء لولي العهد السعودي الذي زج بعدد من الدعاة المعروفين في السجن لمعارضتهم سياسته بالانفتاح التي يقودها. ومؤخرا تتناول وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وتصريحات لعائض القرني يشن بها هجوما شرسا على الرئيس التركي أردوغان بعد أن كان يعتبره القائد الاسلامي الحكيم الذي يحمي الأمة الاسلامية وفي الوقت نفسه يكيل المديح للعائلة السعودية المالكة ويطبل ويزمر بكل ما أوتي من قوة للملك ولولي عهده. 
مثل هذا الداعية المنافق تجده في كل بلد عربي. ولكن للإنصاف فإن المصيبة لا تقتصر على هؤلاء الدعاة المطبلين فهناك طبقة كاملة من الشعراء والأدباء والكتاب والعلماء والمثقفين الذين يحملون كرسي الاستبداد على اكتافهم ويستبسلون في الدفاع عن الحكام المستبدين الجهلة. وبدون هؤلاء لا تستطيع أنظمة الاستبداد الصمود يوما واحدا في وجه الغضب الشعبي.
 لن تنعم الشعوب العربية بالحرية ولن تحقق أمانيها بإسقاط الانظمة الفاسدة
 إلا بعد إسقاط طبقة التطبيل والتسحيج هذه.


Thursday, January 30, 2020

نتنياهو ملك العالم وليس ملك إسرائيل وحدها

نتنياهو ملك العالم وليس ملك اسرائيل وحدها
 أصبح واضحا أمام الجميع أن العالم بقطبية الامريكي والروسي يريد أن يرى نتنياهو رئيسا للحكومة الاسرائيلية بعد أن يحقق الفوز في انتخابات الكنيست القادمة. أعترف مسبقا باني لا أملك أي تفسير مقنع لهذه الظاهرة المستهجنة فنحن نعيش في عصر عبثي، عصر سياسة اللامعقول. لقد آن الأوان لكي نلقي بكل الكتب التي تحتوي على النظريات السياسية التي تعلمناها وراء ظهورنا من كتب أفلاطون وأرسطو مرورا بمفكري عصر النهضة من أمثال فولتير وروسو ومنتسكيو وغيرهم وحتى هيغل وماركس ومكيافيلي وباقي المفكرين المعاصرين. ذلك لأن جميع هؤلاء المفكرين إتبعوا في أفكارهم وكتاباتهم اسسا منطقية بالرغم من الاختلافات فيما بينهم. بينما المنطق معدوم تماما في السياسة الحالية خصوصا فيما يتعلق بالثلاثي نتنياهو، ترامب وبوتين. 
لقد عمل كل من ترامب وبوتين كل ما كان في مقدرتهما لمساعدة نتنياهو للفوز بالانتخابات التي جوت مرتين في العام الماضي وكأنهما هما المرشحان. وها هما يحاولان مرة اخرى وبهمة اشد من المرات السابقة مساعدته للفوز في الانتخابات القادمة.
ها هي قائمة جزئية لما قدمه ترامب من مساعدات انتخابية لنتنياهو: نقل السفارة الأمريكية للقدس، الاعتراف بشرعية المستوطنات، الاعتراف بضم الجولان لاسرائيل، وأخيرا ما يسمى صفقة القرن التي تلبي كافة مطالب نتنياهو وسياسة حكومته اليمينية مثل الاعتراف بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل، ضم كافة المستوطنات وغور الأردن، التنكر لحق العودة، تقسيم ما تبقى من الضفة إلى محميات تسمى دولة فلسطين..
أما بوتين رئيس ثاني اكبر قوة عالمية، وفي الوقت نفسه زعيم ما يسمى بمحور المقاومة صاحب اليد الطولى في تدمير سوريا وسفك دماء شعبها، فقد تبين أنه ليس أكثر من طرطور عند نتنياهو، حيث قام بجره من بين أربعين زعيم عالمي  جاؤوا لحضور مهرجان الهولوكوست إلى غرفة جانبية لمقابلة والدة مهربة مخدرات تقبع في أحد سجون موسكو ليلتزم امامها باطلاق سراح بنتها. ولم يكن هذا هو العمل الوحيد الذي قدمه بوتين لنتنياهو لكي يفوز بالانتخابات فقد سبق ذلك إعادة الدبابة الاسرائيلية التي أخذتها القوات السورية في معركة السلطان يعقوب وإعادة رفات الجندي الاسرائيلي زخاريا باومل هذا بالإضافة لوقوفه وقفة المتفرج (وربما التنسيق سرا) إزاء الغارات الاسرائيلية المتكررة على الاراضي السورية حتى بعد أن تسببت احدى هذه الغارات بسقوط طائرة روسية ومقتل كافة أفراد طاقمها. لا يتصرف هؤلاء الثلاثة كرؤساء دول بل كرؤساء عصابة مافياوية واحدة.
طبعا لا بد أن نذكر هنا ولو بكلمات قليلة مساهمات الملوك والرؤساء العرب لبقاء نتنياهو في الحكم خصوصا دويلات الخليج والسعودية ومصر، فالقصة معروفة  ولا حاجة هنا للخوض بكافة تفاصيلها .
أمام هذا الحلف الدولي الدنس لا بد من حلف يضم ويوحد كافة الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.


Saturday, January 18, 2020

عرف الشعب طريقه

عرف الشعب طريقه
مع الاحترام للشاعر كامل الشناوي والملحن محمد عبد الوهاب)

في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي بشرتنا القيادة السوفيتية (للمرة الالف) أن الاتحاد السوفياتي، الدولة  العمالية الاشتراكية الأولى في العالم قد أنجزت المرحلة الاولى من الثورة (الاشتراكية) وها هي تدخل بخطوات راسخة لتحقيق المرحلة الثانية الارقى ألا وهي مرحلة الشيوعية. لمن يشعر ببعده عن هذه المصطلحات والنظريات أذكر بأن المرحلة الاشتراكية التي انبثقت من رحم الراسمالية  تكون متخمة بعناصر راسمالية عديدة من غير الممكن التخلص منها فورا، كالفوارق بين المدينة والقرية، بين العمل الفكري والعمل الجسدي، مثل الفوارق في الأجور وغيرها من الامور ذات البعد التاريخي. لذلك اتفقوا على أن شعار مرحلة الاشتراكية هو: "من كل واحد حسب مقدرته ولكل واحد حسب عمله".
أما في مرحلة الشيوعية حيث تختفي كافة الفوارق المادية والروحية بين المواطنين وتزول كافة مظاهر الاستغلال والقمع والاضطهاد وتسود الحرية والعدالة الاجتماعية والسلام، يتحول الشعار إلى: من كل واحد حسب مقدرته ولكل واحد حسب حاجته. إلا أن الواقع كان على العكس من ذلك تماما. فالبلاد كانت تمر بأزمة اقتصادية خانقة والاشتراكية المزعومة لم تكن أكثر من رأسمالية الدولة، أما دولة العمال فقد تحولت إلى دولة البيروقراطيين الحزبيين، وكانت الحرية بأبسط اشكالها تداس تحت أقدام الكي. جي. بي. وتقبع في  زنازين سيبيريا. 
كذبة إنجاز المرحلة الاشتراكية والارتقاء للمرحلة الشيوعية كانت أكبر من أن يتم إخفائها. وكان المعسكر الرأسمالي الآخر بزعامة أمريكا ومعها الدول الاوروبية المتطورة يعرف كافة التفاصيل. ولم يكتف بهذه التفاصيل بل زاد عليها وبالغ فيها بكل شيء. سميت هذه الفترة بالحرب الباردة: باردة بالنسبة للمعسكرين الرأسماليين ولكنها كانت ساخنة بالنسبة للدول الفقيرة والنامية. حيث عمت الحروب بالوكالة كافة أرجاء العالم لتصفية الحسابات بين المعسكرين المتناحرين على أراضي الغير كما يحدث اليوم تماما.
كانت أبواق النظام السوفياتي تدمغ كل ما يقال بدعايات وأكاذيب وافتراءات غربية مغرضة، وفي الوقت كانت الأبواق التي تدور في فلكه  تتهم كل من يوجه النقد للاتحاد السوفياتي بالعمالة للغرب والامبريالية، حتى التنظيمات والحركات التي كانت تناضل من أجل مجتمع اشتراكي حقيقي لم تنج من هذه الاتهامات.
وبعد أقل من عقد، وخلال شهور معدودة انهارت الامبراطورية انهيارا مدويا  صدم الاصدقاء قبل الاعداء. وتبين أن كل ما قيل لم يكن دعايات امبريالية، أو أن هذه الدعايات كانت صادقة بنسبة كبيرة.
لا تهدف هذه المقدمة الطويلة الخوض في التجربة السوفياتية واسباب فشلها، فهذا موضوع قائم بذاته وقد تناوله الكثيرون بالدراسات والتحليلات. ما يهمني هنا الوضع الراهن في منطقتنا والذي يشبه في الكثير من جوانبه ما حدث حينذاك. فكل تحرك شعبي تقوم به الشعوب العربية ضد أنظمتها الدموية والفاسدة يتم رفضه مباشرة على اعتبار أنه دعاية امبريالية مغرضة أو مؤامرة كونية ضد نظام عربي، وطني ومقاوم، ويدمغ كل من يشارك في هذه الحركات الاحتجاجية مهما كانت بسيطة بالعمالة لهذه القوى الامبريالية. هذا بالرغم من أن الانظمة التي تشتم الامبريالية الآن صباحا ومساء هي التي تخدم النظام الامبريالي العالمي وتعيده الى بلادها بعد أن غادرها.  الغاية الوحيدة لهذه الانظمة هي الحفاظ على حكمها ومن أجل ذلك فهي مستعدة لأن تلبس أي قناع (ديمقراطي، وطني، محارب للفساد، معاد الامبريالية) ومستعدة أن تنزعه كما لبسته بكل بساطة وسهولة. ومن الجهة الاخرى غاية الدول الامبريالية الحفاظ مصالحها ومن أجل ذلك هي الاخرى مستعدة لأن تلبس اي قناع (الحرص على الديمقراطية، الدفاع عن حقوق الإنسان، تقديم المساعدات "الإنسانية"). وعند الضرورة تخلع هذه الاقنعة الواحد تلو الآخر حتى يبين وجهها الحقيقي البشع وتمطر الشعوب بأسلحتها الفتاكة.
على الشعوب التي تناضل من أجل الحرية والاستقلال والحياة الكريمة  أن تسير على الدرب الذي يمليه عليها ضميرها  ولا تستمع لما يقوله هذا أو ذاك ولا تلتفت يمينا أو شمالا، فالشعب يعرف طريقه جيدا بالرغم من كل المتكالبين.  

Tuesday, January 14, 2020

إلى اليمين در

إلى اليمين در
قبل أن نتكلم عن اليمين الإسرائيلي دعونا نتكلم قليلا عن اليمين الفلسطيني. 
لعل الشعار الرئيسي لحركة فتح، أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التنظيم "الحاكم" (على الاقل حاليا في الضفة الغربية) والتي تعتبر نفسها مفجرة الثورة الفلسطينية الحديثة من خلال انطلاقتها في 1/1/196، كان وما زال: "لا يمين ولا يسار في الثورة الفلسطينية". هذا ما كان يتلقنه كوادر وأسرى في السجون الاسرائيلية (وانا هنا اتكلم عن تجربتي الخاصة). حسب هذا الشعار، لم تفرق إسرائيل في عام النكبة بين غني وفقير، بين عامل ورأسمالي، بين فلاح واقطاعي وبين تقدمي ومحافظ. كل هؤلاء كانوا سواسية في التشرد واللجوء وعلى حركة فتح أن تقودهم جميعا بعد أن توحدهم في تنظيم واحد. طبعا لا مفر من تعدد الآراء والافكار والنظريات والمواقف السياسية ولكن كل ذلك يجب أن يتم داخل إطار الحركة فقط. هكذا قام منظرو حركة فتح بالاعتراف بوجود تيارات يسارية ووسطية ويمينية داخلها وأنها مفتوحة أمام كافة الفلسطينيين من شتى الانتماءات. فهناك التيار اليساري الذي مثله لفترة ناجي علوش ومنير شفيق (ذو الميول الماوية الذي أصبح فيما بعد منظرا اسلامويا) وهناك تيار اليمين المحافظ المنبثق عن الإخوان المسلمين أو على الأقل ذو الخلفية الاخوانية ورموزه ياسر عرفات وخليل الوزير (أبو جهاد) وهناك التيار الوطني الليبرالي ومن رموزه ابو اياد وابو اللطف وغيرهما. ما وحد جميع هؤلاء في تنظيم واحد هو رفضهم فكرة الصراع الطبقي وفكرة ربط النضال الوطني بالنضال الاجتماعي. ولكن حركة فتح لم تستطع أن تصمد أمام المصطلحات التي كانت سائدة (عالميا) حينذاك وقد تم نعتها بيمينها ووسطها ويسارها باليمين الفلسطيني.
يعود مصدر هذه التسمية إلى ثلاثة تنظيمات أعلنت عن نفسها بأنها تمثل "قوى اليسار" وهي: 1- الحزب الشيوعي الفلسطيني (الذي أصبح بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حزب الشعب). 2- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (المنبثقة عن حركة القوميين العرب). 3.الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المنشقة عن الجبهة الشعبية.
بالنسبة للحزب الشيوعي الفلسطيني وبالرغم من هامشيته على أرض الواقع فهو يمثل "الشرعية اليسارية" إذا صح التعبير لكونه عضوا في الكومنترن وعلاقته المميزة التي تتسم بالخضوع التام للحزب الشيوعي السوفياتي. فقد هذا الحزب معظم شعبيته في أعقاب قبوله لقرار تقسيم فلسطين واعترافه لاحقا بدولة اسرائيل المنبثقة عن الحركة الصهيونية العالمية. مع تطور الأحداث التي تسببت في تراجع العلاقات بين الاتحاد السوفياتي واسرائيل تبنى الحزب الشيوعي الفلسطيني سياسة نقدية تجاه اسرائيل ولكن من غير أن يسحب اعترافه بشرعية قيامها وأخذ يتقرب من اليمين الفلسطيني خصوصا كلما اقترب هذا اكثر فأكثر لحل سياسي سلمي للقضية الفلسطينية. حافظ على رفضه للنضال المسلح كطريق للتحرر. وهكذا انضم الحزب الشيوعي الفلسطيني (الشعب) كليا لمعسكر اليمين مع احتفاظه ببعض المصطلحات والشعارات اليسارية.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي شكلت الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب، وجدت نفسها في مأزق نظري وعملي. فالحركات القومية أثبتت عجزها عن مواجهة إسرائيل بعد أن تلقت الهزيمة تلو الأخرى وفي المقابل كان اليسار الثوري على الصعيد العالمي (وليس المحلي او الاقليمي) في حالة مد ويحقق الانتصارات في فيتنام، كوبا وأماكن اخرى في العالم. هكذا قررت أن تترك فكرها القومي وتتبنى ما سمته بالاشتراكية العلمية (الماركسية) وأعلنت عن نفسها التنظيم اليساري الجذري على الساحة الفلسطينية. ولكنها لم تستطع على أرض الواقع أن تتخلى عن فكرها القومي ولم تنجح في تبني الماركسية ومن هنا نبع تخبطها على صعيد النظرية والممارسة. فقد تبنت النظرية الستالينية التي تدعو الى تقسيم الثورة الى مرحلتين: الاولى، مرحلة التحرر الوطني والثانية، مرحلة التحرر الاجتماعي (الاشتراكية). في المرحلة الاولى لا بد من تشكيل جبهة وطنية تشمل كافة التنظيمات والقبول بقيادة البرجوازية (التي أطلق عليها إسم البرجوازية الوطنية) لقيادة وإنجاز هذه المرحلة. وهكذا أخذت تتبنى المواقف اليمينية أكثر فأكثر وتبررها بشعارات يسارية موروثة من عصر آل إلى الزوال.
انشقت الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية على خلفية اتهامها للقيادة بالفشل من التحرر من الفكر القومي من جهة والفشل في تبني الاشتراكية العلمية من جهة أخرى. وأعلنت عن نفسها أنها هي التنظيم الاشتراكي الوحيد على الساحة الفلسطينية. ولكن سرعان ما وجدت نفسها تلعب دور يسار فتح خارج فتح. بدأ ذلك علنا في أعقاب تبني البرنامج المرحلي الذي ساهمت في صياغته في الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني الفلسطيني ومن ثم رفع شعار السلطة الوطنية الذي طرح لاحقا بأشكال مختلفة في مؤتمر جنيف ومن ثم كامب ديفيد واتفاقيات أوسلو. وتشكل اليوم طرف أساسي في اليمين الفلسطيني من خلال مشاركتها الفعالة  بسلطة أوسلو.
الخلاصة في كلمتين: لقد تحول شعار: "لا يمين ولا يسار في الثورة الفلسطينية"، إلى: جميع التنظيمات الفلسطينية هي يمين.


Saturday, January 11, 2020

الثورات هي التي تغير مجرى التاريخ

الثورات هي التي تغير مجرى التاريخ 
اغتيال قاسم سليماني في بغداد والرد الإيراني هيمنا على أخبار الأسبوع الأخير وقد طفحت وسائل التواصل الاجتماعي (بالاضافة لوسائل الاعلام العادية الاخرى) بالتحليلات والتعقيبات حتى وصل الاستقطاب الموجود أصلا إلى اقصى مداه. في هذا الأسبوع بالذات كانت صلتي بالانترنت محدودة نظرا لتواجدي خآرج البلاد في زيارة خاصة وانشغالي بأمور أخرى. ولكني بالطبع تابعت تطور الاحداث بقدر ما اتاحته لي الظروف. حتى ظن البعض ممن يعرفون مواقفي الثابتة حول ما يدور في منطقتنا بأني قد غيرت مواقفي جذريا بعد هذين الحدثين خصوصا الموقف من النظام الايراني ومن الصراع الامريكي - الايراني في المنطقة، حتى تساءل أن بعض الأشخاص الذين يطفون على شبر من الماء إذا ما كنت قد بلعت لساني وآثرت الصمت. اليوم وبعد أن عدت إلى ممارسة حياتي الطبيعية كان لا بد من تسجيل النقاط الاولية التالية:
1- كنت وما زلت أرفض التدخلات الاجنبية العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية في منطقتنا بكافة أشكالها ومضامينها. هذا على الصعيد النظري مع علمي أن الموقف المبدئي لا يكفي لمنع هذه التدخلات.
2- كنت أتمنى أن تقوم الشعوب من خلال نضالها التحرري بمحاكمة قياداتها التي اقترفت الجرائم بحقها ولا تدعها لمجرم آخر (الامريكي في حالتنا هذه) وقد عبرت عن هذا الموقف في عدة مناسبات مثل إغتيال اسامة بن لادن والبغدادي ومؤخرا قاسم سليماني. الشعوب هي صاحبة الحق بملاحقة ومحاكمة هؤلاء قضائيا أو/ وميدانيا. في ظل الاستقطاب المذكور كانت المواقف متفاوتة فمنهم من أيد ومنهم من عارض حسب مواقفه المعلنة من الصراع العام.
3- أغتيل قاسم سليماني في بغداد قادما من بيروت ومن دمشق  فهو يمثل اليد العسكرية لنظام الملالي . في هذه الاماكن يعيث التدخل الاجنبي (الايراني أحدها) فسادا بالتوافق مع باقي الأطراف أحيانا والصراع  فيما بينها أحيانا أخرى. قاسم سليماني ومن خلفه النظام الايراني لم يكن بمعزل عن هذه التحالفات والصراعات ومن ضمنها مع الجانب الأمريكي. يجب الا ننسى انه على بعد كيلومترات قليلة من إغتيال سليماني (مطار بغداد) يوجد قاعدة عسكرية امريكية متطورة أقيمت بدعوة وموافقة الحكومة العراقية وحلفائها في طهران وربما كانت هذه القاعدة اليد المباشرة في الاغتيال. أنصار محور ما يسمى المقاومة يهاجمون بحق دول المنطقة التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية مثل قطر، الامارات والسعودية ولكنهم يخرسون ويغضون الطرف عن قواعدها في العراق. بعض النشطاء السياسيين "القوميين والوطنيين" تخونهم ذاكرتهم وينسون أن حكام بغداد الحاليين قد وصلوا للسلطة على ظهور الدبابات الامريكية وبمباركة ايرانية. الاحتلال الأمريكي للعراق مستمر بدون انقطاع منذ عام 2003. وفي السنوات الاخيرة أصبح احتلالا مشتركا امريكيا- ايرانيا. أنا لست ممن يقولون بأن الصراع الأمريكي الايراني هو مسرحية، على العكس من ذلك بل هو صراع وحشي وشرس هدفه الاستفراد بالفريسة والتهامها (في حالتنا هذه العراق). ولكن يتخلل هذا الصراع الشرس اتفاقيات، تفاهمات وتحالفات باشكال مختلفة.
4- قد تكون اليد المباشرة التي طالت سليماني أمريكية ومدعومة اسرائيليا ولكن من السذاجة حصرها في هذا الإطار فقط. هل يمكن استبعاد الدور الروسي بعد أن خرجت الخلافات الروسية - الايرانية إلى العلن في سوريا؟ وهل يمكن استبعاد أجنحة داخل النظام الاسدي بين مؤيدة لإيران ومؤيدة لروسيا؟ بل هي يمكن استبعاد الصراع داخل اروقة النظام الايراني ذاته؟ راجعوا مواقفكم على ضوء من المستفيد من اغتيال سليماني وسوف تفاجئون انفسكم.
5- وأخيرا، الرد الايراني. من يعتنق شعار: "الموت لامريكا، الموت لاسرائيل" سوف يخجل من هذا الرد فما بالكم بالمعارضين؟ قامت أبواق المؤيدين لنظام الملالي بتزييف التاريخ لكيل المدائح على هذا الرد الهزيل حتى ادعت بعضها أن استهداف القاعدة الامريكية هو الأول من نوعه بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر والذي كان سببا مباشرا لدخول أمريكا الحرب العالمية الثانية،  متجاهلين الحرب في كوريا في بداية الخمسينات والتي كبدت الجيش الأمريكي خسائر فادحة متجاهلين الحرب الفيتنامية التي استمرت لأكثر من عقد وكبدت الجيش الامريكي عشرات آلاف القتلى، هذا بالاضافة للحرب في لاوس وكمبوديا وحتى افغانستان الفقيرة.
يبدو أن ترامب كان صادقا عندما قال: " لم تنتصر إيران في أية حرب شنتها ولكنها لم تخسر أية مفاوضات". أغلب الظن أن إغتيال سليماني سيكون ورقة في يد النظام الإيراني للمساومة في مفاوضات مستقبلية وليس لتصعيد الصراع العسكري معها. هنا في فلسطين نلمس هذه السياسة منذ زمن طويل، فبعد كل عدوان تشنه اسرائيل على غزة أو تقوم بإغتيال أحد قادة الفصائل تعلن عن رغبتها بعدم التصعيد العسكري واستعدادها للتوصل الى هدنة طويلة واتفاقيات سياسية. راجعوا التصريحات الاسرائيلية منذ اغتيال احمد ياسين والرنتيسي مرورا بسعيد صيام والجعبري وحتى بهاء ابو العطا. فكل هدنة طويلة كانت أم قصيرة، بواسطة المخابرات المصرية وأطراف أخرى، كانت تأتي بعد عدوان أو عملية إغتيال وكان الطرف المعتدى عليه يلبسها قناعا بالرد ببعض الصواريخ الكرتونية وذلك للاستهلاك المحلي. فهل تعلمت أيران في ردها على اغتيال سليماني من حركة حماس والجهاد؟ لا تستغربوا أن تكون خاتمة اغتيال سليماني بداية انفراج سياسي بين ايران وامريكا ومن خلفها إسرائيل وبمشاركة أطراف أخرى.
لقد أصبحت البلدان العربية مسرحا للحرب بالوكالة بين القوى العالمية أو الاقليمية ومرتعا لتصفية حسابات هذه القوى على حساب الشعوب العربية. بالرغم من موقفي الرافض للحروب الامبريالية الرجعية ولكن إذا اصرت الدول الامبريالية والرجعية على شن حروبها   فلتفعل ذلك على أراضيها. إذا أرادت إيران أن تلعب دور البطولة فالاسطول الخامس الامريكي أقرب إليها من بغداد.
وفي جميع الأحوال ينبغي على الشعوب المضطهدة أن تحول الحروب الامبريالية والرجعية إلى حروب تحررية.

Friday, November 29, 2019

كذبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني

كذبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني
قد يتساءل البعض: هل يوجد هناك رجل عاقل يرفض التضامن "العالمي" مع شعبه ومع قضيته العادلة خصوصا حينما يخوض هذا الشعب نضالا مريرا ضد قوى عاتية لا قدرة لديه على مواجهتها وحيدا؟ جوابي هو: نعم يوجد. أنا ضد هذا التضامن عندما يكون كذبة بل أكثر من ذلك عندما يكون قناعا لتصفية هذه القضية العادلة.
كنت في عام 1977 أسيرا سياسيا في سجن الرملة المركزي عندما أصدرت الأمم المتحدة قرار 32/40 بالاعلان عن يوم ال29 من نوفمبر/تشرين الثاني كيوم عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. كنا نستعد كعادتنا في سنوات سابقة لإحياء ذكرى قرار 181 المشؤوم الصادر عن المؤسسة ذاتها لتقسيم فلسطين. أذكر أنني فكرت كثيرا في هذا التحول المفاجئ: هل جاء اختيار هذا التاريخ بالذات من باب الصدفة؟  وإذا كانت النوايا حسنة فلماذا لم يتم إختيار تاريخ آخر. وقد ناقشت شكوكي هذه مع بعض أصدقاء السجن، ولكن كما يبدو كان الوقت متأخرا  فقد جاءت تعليمات قيادة فصائل منظمة التحرير للاحتفال بهذا اليوم على أنه يوم تضامن عالمي وليس كذكرى لقرار مجحف. وقد صور الأمر وكأنه انجاز بل انتصار فلسطيني تاريخي على الساحة الدولية. كان أكثر المتحمسين لهذا التحول الأسرى من حركة فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وبشكل أقل باقي التنظيمات والاسرى المستقلين. واذكر أن حديثا دار بيني وبين رفيق من الجبهة الشعبية حول هذا الموضوع وكان جوابه في النهاية: يا رفيقي ما المانع أن نحيي ذكرى التقسيم ونحتفل بيوم التضامن في آن واحد؟! كانت الجبهة الشعبية في ذلك الوقت تتزعم جبهة الرفض على الساحة الفلسطينية ومن ثم انضمت لبعض الانظمة العربية مشكلة جبهة الصمود والتصدي التي عارضت خطوات السادات التي افضت الى اتفاقيات كامب ديفيد. ولكن، حسب رأيي، لم تستطع الجبهة الشعبية الربط بين قرار الأمم المتحدة المشبوه حول يوم التضامن العالمي وبين تطورات الحلول التصفوية التي قادها السادات.
لنعود الى الساحة الفلسطينية: لم يأت هذا اليوم من فراغ ولم ينزل دفعة واحدة من السماء. تعود البداية (الرسمية) إلى قرارت المجلس الوطني في دورته الثانية عام 1974 والتي تعرف بالبرنامج المرحلي أو النقاط العشر وطرح شعار "السلطة الوطنية". جاء هذا التحول في أعقاب "الانتصار" في حرب أكتوبر 1973 والذي فتح الباب على مصراعيه للتوصل إلى تسوية سلمية مع إسرائيل حيث هرول "المنتصرون" إلى مؤتمر جنيف الذي صممه هنري كيسنجر.  وقد جلس ياسر عرفات ينتظر الدعوة للحاق بهذا المؤتمر تلك الدعوة التي لم تصل ابدا، وخرج النظام السوري من المؤتمر بلا حمص بعد تعنت الجانب الاسرائيلي ولم يبق في الميدان سوى أنور السادات الذي فضل الانتقال من جنيف إلى كامب ديفيد. 
نتائج التسوية على الساحة الفلسطينية فشلت مؤقتا ولكن نهج التسوية حافظ على استمراريته وتطوره حتى بلغ غايته بعد عقد من الزمن في اتفاقيات أوسلو. جاء قرار يوم التضامن العالمي أولا وقبل كل شيء دعما مباشرا لزيارة السادات إلى الكيان الصهيوني وخطابه في الكنيست وتقديم قطعة صغيرة من الحلوى صغيرة لزعامة منظمة التحرير كرشوة لتخفيف معارضتها لخطوات السادات. وقد حققت بذلك نجاحا كبيرا، فليس من باب الصدفة أن يكون ياسر عرفات متواجدا في البرلمان المصري عندما أعلن السادات عن نيته في زيارة القدس المحتلة. وحتى بعدما انضمت منظمة التحرير رسميا لجبهة الصمود والتصدي فقد كان انضمامها شكليا وعلى أي حال فقد انهارت هذه الجبهة بعد سنتين من قيامها.
الهدف الآخر من هذا القرار كان موجها للجماهير الفلسطينية وكانت الرسالة واضحة بأن انسوا قرار التقسيم وأنه لم يبق أمامكم سوى الانضمام لمن هللوا للتقسيم منذ صدوره والتهوا  واستمتعوا بيوم التضامن العالمي.
  بعد مرور 42 عاما على قرار الأمم المتحدة من حقنا أن نسأل: أين هو التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني؟ وماذا حقق أكثر من رفع العلم الفلسطيني على بناية الأمم المتحدة في نيويورك؟
هذا اليوم كان وسيبقى وصمة عار على جبين الأمم المتحدة ويوم ذكرى لأحد بشع القرارات في التاريخ الحديث، قرار تقسيم فلسطين الذي منح عمليا كلا القسمين للكيان الصهيوني.

Tuesday, September 03, 2019

الكبار يلعبون والصغار يصفقون

الكبار يلعبون والصغار يصفقون

لعل والغوغائية التي رافقت وتلت المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل وما انبثق عنها من لغط وهرج ومرج كانت أهم من المواجهة نفسها. خرج أنصار حزب الله ومعسكر "المقاومة" من جلودهم فرحا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. فهذه العملية قلبت موازين القوى راسا على عقب وشطبت كافة الخطوط الحمراء وكأنها الخطوة الأولى في مسيرة أل200كم (المسافة بين حدود لبنان والقدس). أما معارضو هذا المعسكر، الذين نطق بإسمهم وزير الخارجية البحريني، فقد أدانوا العملية "خوفا" على الشعب اللبناني والدولة اللبنانية ولكن في الحقيقة دعموا حليفهم الإسرائيلي. وكالعادة حاول "الممانعون" زج كافة المواقف في إحدى الزاويتين: إذا لم تكن مع "المقاومة" فأنت حتما مع إسرائيل والرجعيين العرب. وقد سارع أحد المتفذلكين على الفيسبوك الذي يعرف موقفي جيدا من حزب الله وحلفائه ومن إسرائيل وحلفائها مستفزا بسؤاله: هل أنت مع المقاومة أم مع خالد بن أحمد آل خليفة؟ وبما أني كنت مشغولا في حينه في أمر خاص (فحوصات في المستشفى) أجبته محاولا التخلص منه، بأن كل هذه الهيزعة ليست سوى مسرحية. الأمر الذي إستشاطه غضبا وتهجما. وبعدما إزداد الحاحا وعدته بالرد المفصل عندما أجد الوقت لذلك. بالرغم من معرفتي لهذا الشخص بأنه غير قادر على قراءة المقالات المفصلة لطولها ويكتفي بالتعليقات المستفزة على المنشورات القصيرة. لذلك أرى بجوابي هذا غير موجه لشخص بعينه بل لكل من يقرأ المقالات الهادفة ويناقشها بشكل موضوعي.
قال شكسبير قبل اربعة قرون:" الدنيا مسرح كبير وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح". وقد تقبل هذه المقولة العديد من المثقفين بغض النظر عن تياراتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية المتناقضة. المسرحية بحد ذاتها ليست مصطلحا ايجابيا أو سلبيا. أنا، وربما كان هناك غيري الكثيرون، لم أتقبل هذه المقولة المبهمة من غير نقد وتمحيص. شكسبير لم يتطرق الى الدور الذي يلعبه الممثلون (كل الرجال وكل النساء). هل هو دور إرتجالي أم يوجد هناك سيناريو، نص مسبق؟ وإن وجد فمن الكاتب يا ترى؟ ومن هو المخرج والمنتج لهذه المسرحية الكونية؟ وطبعا بعد مرور أربعة قرون غزت التكنولوجيا من بين ما غزته المسرح، فهناك المسؤول عن المؤثرات الصوتية والضوئية والملابس والمكياج والتي من شأنها أن تقلب المسرحية رأسا على عقب. وكيف يتعامل هذا المسرح الكوني مع أدوار البطولة والكومبارس.
لنقل أن مقولة شكسبير هذه في أحسن حالاتها مقولة إشكالية. على كل حال، لنعود هنا إلى المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل: تعريف المسرحية هنا اقتصر على بعد واحد فقط. حسب هذا التعريف المسرحية هي حكاية ملفقة، كاذبة هدفها خداع الناس. والممثل القدير هو الذي يقوم بدوره بشكل جيد ومقنع. من هنا أشد ما يغيظ "معسكر المقاومة" أن تصف هذه المواجهة وكأنها مسرحية. بينما تستطيع بل يجب أن تصف وبكل حرية محاولة إسرائيل نفي تكبدها خسائر بشرية بالمسرحية الفاشلة.
للتذكير فقط: موقفي من حزب الله مبني على ثلاث نقاط أساسية قلتها في الماضي بشكل علني وها أنا أعيد ذكرها الآن غير عابئ بما قد تثيره من خلاف عند أقرب الأصدقاء.
 أولا: تدخلة الدموي لقمع تطلعات الشعب السوري للحرية والكرامة بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية ودعم النظام السوري "الممانع".
ثانيا: ايديولوجية وتركيبة الحزب الطائفية. لا يمكن لحزب طائفي مهما كان أن يمتلك رؤيا تقدمية أو أفق ثوري.
ثالثا: تجيير القضية الفلسطينية لمصالح إقليمية وطائفية .ومواجهة العدو الصهيوني من هذا المنطلق.
تحليلي الشخصي لما حدث إنها بالفعل مسرحية، مسرحية على صعيد دولي يلعب بها الكبار أدوار البطولة ويقوم الصغار (الكومبارس) بالتصفيق. من الواضح للجميع أن الهدف الوحيد لرئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو في الانتخابات السابقة والحالية على حد سواء هو البقاء على قيد الحياة ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد الشخصي أيضا  لكي لا يدخل السجن لسنوات طويلة. فهو من أجل ذلك مستعد أن يعمل كل يستطيعه وكل ما يتفتق به تفكيره. في الانتخابات السابقة تلقى دعما غير محدود من قبل دونالد ترامب بنقل السفارة الامريكية إلى القدس، الاعتراف بضم الجولان وحق إسرائيل بضم مستوطنات الضفة. ومن جهته قدم بوتين هدايا ثمينة لصديقه نتنياهو بإعادة جثمان الجندي المفقود زخاريا باومل بعد 39سنة وقبلها إعادة الدبابة الاسرائيلية التي فقدت في نفس المعركة، وساعة ايلي كوهن، وإطلاق أيدي الطيران الاسرائيلي لكي يقصف سوريا من غير أن يحرك ساكنا، حتى بعد أن سببت إحدى هذه الغارات اسقاط طائرة روسية ومقتل طاقمها. ولم تقصر السعودية ودول الخليج بتقديم شتى المساعدات لاعادة انتخاب نتنياهو. ولكن كل هذه المساعدات لم تكن كافية لكي يحقق نتنياهو انتصارا في ساحة الانتخابات.
 اليوم تتجند كل هذه الاطراف مجتمعة وكل على حدة للقيام بمحاولات جديدة ومبتكرة تضمن بقاء نتنياهو . فمن المتوقع أن يقوم ترامب بخطوة جديدة غير مسبوقة مثل الإعلان عن معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. أما روسيا (حليف المقاومة) فانها تلعب دورا أشد قذارة من الموقف الأمريكي.
هكذا ينتج لنا مسرح اللامعقول السائد حاليا مسرحية سريالية بالغة التعقيد إلى درجة عدم تصديقها. لا أحد يدرك تفاصيل مشاهدها لأنها تحاك في الظلمات، ولكن التفكير العميق والتحليل المنطقي قد يلقي الضوء على بعض خيوطها. يعلم نتنياهو أن تصعيد الصراع مع إيران يعود عليه بمزيد من الاصوات الصهيونية، ولكنه يعلم أيضا أنه لا يستطيع التصعيد اللامحدود والوقوع في ورطة حرب ليس مستعدا لها ولا يعرف عواقبها. فهو يصعد من جهة و يفرمل قبل الوصول إلى مرحلة الانفجار من جهة أخرى. هكذا ضرب في العراق وسوريا ولبنان خلال اسبوع واحد، في الوقت نفسه أعلن ترامب عن استعداده لمقابلة روحاني لمناقشة ملفها النووي. بينما كانت مهمة الصديق الآخر بوتين أن يطمئن ايران وحزب الله بأن اسرائيل غير معنية بحرب واسعة، و كبادرة حسن نية ألغى الجيش الإسرائيلي مناورات واسعة كان سيقوم بها على الجبهة الشمالية.
 في ظل هذه الأجواء حصلت المواجهة الاخيرة بين حزب الله وإسرائيل. مما أتاح للأول أن يتباهى بالنصر الإلهي وأتاح للثاني أن يتبجح بمواجهة الخطر على الأمن القومي من غير وقوع خسائر بشرية في صفوف الجنود الإسرائيليين. مسرحية سريالية مع نهاية سعيدة (happy end).
وأخيرا، في ظل هذا الزمن التعيس وبغض النظر عن المسرح والمسرحيات والممثلين والأدوار والرسائل والغايات غيرها وغيرها.. يحق للشعوب العربية (بتنظيماتها وأفرادها مهما بلغت من انتهازية ) أن تدافع عن نفسها ضد كل إستعمار وضد كل استبداد. 

Saturday, August 10, 2019

قصة واقعية من الخيال

قصة واقعية من الخيال
بما أنني رجل شرقي ذو خيال جامح وواسع ساقص عليكم ماذا سيجري في يوم الانتخابات واليوم الذي يليه. نعم، سوف نهرول إلى صناديق الاقتراع بإلوفنا المؤلفة وسوف تنقلنا الحافلات الممولة من قبل المنظمات اليسارية (اليهودية) ليس نكاية في نتنياهو فحسب بل تحقيقا لحلم القائمة المشتركة أيضا. سوف تصل نسبة مشاركتنا إلى 99.9% وهذه النسبة ليست مستحيلة وليست غريبة علينا فقد حققناها في انتخابات العديد من الدول العربية وحتى في بعض مجالسنا المحلية. سوف تخرج القائمة المشتركة من ثيابها فرحا، لهول هذه المفاجأة إذ كان طموحها يقف عند رفع النسبة إلى 70%. وبما أن عدد الناخبين العرب (مع الجولان والقدس الشرقية الذين سوف يقفون وقفة رجل واحد لنصرة أخوانهم على الطرف الآخر) يصل إلى حوالي 900.000 ناخب سوف يدلون باصواتهم عن بكرة أبيهم وستكون كل هذه الأصوات صحيحة، سيصل عدد النواب العرب في الكنيست إلى 24 عضوا. لا تنسوا أن طموحات القائمة المشتركة حتى في أحلام يقظتها لا تتجاوز 15-17 نائبا. لن يخرج صوت عربي واحد خارج المشتركة حتى الذين رشحوا انفسهم ضمن أحزاب صهيونية سيضعون في اللحظة الاخيرة ورقة القائمة المشتركة. وهكذا كانت النتائج جنونية لا تصدق حيث تساوت القائمة المشتركة مع القائمتين المركزيتين في الوسط اليهودي.
في اليوم التالي سمع صوت نتنياهو يصرخ ويولول في شوارع تل أبيب:
 أيها الخون لقد أسقطوني بأصوات العرب، اخجلوا من انفسكم.
وفي الوقت نفسه سمع غانتس ولبيد على يمينه ويعلون على يساره يقول:
 لن ندخل في ائتلاف حكومي مع النواب العرب مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن.
ومن خلفهم وقف براك وحوله فلول اليسار الصهيوني قائلا:
 لسنا بحاجة لأي نائب عربي.
وما هي إلا لحظات حتى تعانق الجميع وهم يهتفون: حكومة وحدة وطنية، حكومة وحدة وطنية. 
خرجت باقي الاحزاب الصهيونية الصغيرة وانضمت إلى باقي الاحزاب تقف خلف قادتها والجميع يرقصون وينشدون: "هني ما طوف وما نعيم لشفت أحيم جم ياحد" (كم جيد وكم لطيف أن نجلس إخوانا ومع بعض)
خيال؟! صحيح. ولكن الحقيقة أبعد من الخيال. وكما يقول العندليب الاسمر: لا شفتها عين ولا خطرت ببال.

Tuesday, July 30, 2019

من أنتم؟ ومن نحن؟

 من أنتم؟ ومن نحن؟
من غير اتهامات بالمزاودة، التطرف، العدمية وعشرات التهم الجاهزة من هذا القبيل، لندع الحقائق تتكلم:
لندع قانون الأحزاب الإسرائيلي لعام 1992 يتكلم:
" סייגים לרישום מפלגה (תיקון מס" 12)
5. לא תירשם מפלגה אם יש במורה ממטרותיה או במעשיה, במפורש או במשתמע, אחת מאלה:
שלילת קיומה של מדינת ישראל כמדינה יהודית ודמוקרטית.
הסתה לגזענות.
     (2א) תמיכה במאבק מזוין, של מדינת אויב או של ארגון טרור, נגד מדינת ישראל.
     (3) יסוד סביר למסקנה כי המפלגה תשמש מסווה לפעולות בלתי חוקיות".
ولمن يحتاج إلى ترجمة للعربية:
"قيود على تسجيل حزب (تصحيح رقم 12)
المادة 5. لا يسجل حزب إذا كان هدف من أهدافه أو أعماله،صراحة أو ضمنا، واحدا مما يلي:
نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.
التحريض على العنصرية
     (2أ)  دعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو تنظيم إرهابي ضد دولة إسرائيل.
     (3) أساس معقول للاستنتاج بأن الحزب سوف يستخدم للتستر على أعمال غير قانونية"
أظن القانون واضح وصريح ولا مجال لأي تأويل. حسب هذا القانون، مركبات القائمة المشتركة الاربعة وبالإسم: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة الاسلامية، الحركة العربية للتغيير، التجمع الوطني الديمقراطي هي أحزاب إسرائيلية تقر بأن دولة إسرائيل هي دولة "يهودية ديمقراطية". وكل ما تسمعوه غير ذلك ليس سوى ديماغوجية وكذب وخداع.
 انسوا: لا يوجد هناك أحزاب تريد اشتراكية أو علمانية أو خلافة اسلامية أو وحدة قومية.
 الاحزاب العربية هي أحزاب إسرائيلية، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، ولكن الكارثة أن جماهيرها، وهي الاخرى حقيقة لا تقبل الجدل، فلسطينية حتى النخاع.
إنتخابات الكنيست عملية أسرلة. نقطة.



Sunday, July 21, 2019

حزب جديد بحلة قديمة

حزب جديد بحلة قديمة
وربما الاصح: حزب مجدد بحلة مجددة، وذلك لكي اكون اكثر تفاؤلا.
هذا هو حال حزب الوحدة الشعبية كما أعلن عنه بالامس من خلال مؤتمره الأول في شفاعمرو. بعد أن أسدلت لجنة الوفاق الستار على مسرحية القائمة المشتركة، جاء هذا الحزب لكي يملأ الفراغ وفي الوقت ذاته لكي يطرح نفسه بديلا وشريكا ومنافسا لاحزاب القائمة المفككة. دعونا نتجاوز للحظة الشعارات البراقة المشتركة لكافة الاحزاب والتي ترددها بكلمات وصيغ مختلفة حول الاهتمام بجيل الشباب، رفع مكانة المرأة، ومكافحة العنف، إسقاط اليمين وتحقيق المساواة المدنية و لندخل في صلب الموضوع.
في الحقيقة نادرا ما قرأت هذا الكم الهائل من المغالطات والتناقضات في خطاب البروفيسور بالعلوم السياسية خصوصا وأن هذا الخطاب جاء في مؤتمر للإعلان عن ولادة حزب جديد.
افتتح اسعد غانم خطابه على الطريقة العرفاتية: باسم شعب الجبارين الذي لم يهزم أبدا..
عفوا، قليلا من التواضع لن يضر أحدا، من الذي فوضك بأن تتكلم باسم الشعب وما زلت في الخطوة الاولى في طريقك الحزبي أليس من الاوجب أن تنتظر حتى يمنحك الشعب شرف هذا التفويض؟ ومن قال لك أصلا اننا شعب الجبارين؟ نحن لسنا سوى شعب كباقي الشعوب يضم في طياته الجبارين والمتخاذلين، والجميع يعلم أن معظم الجبارين من شعبنا أما أن يكونوا شهداء تحت الارض واما اسرى فوقها واكثر الاحتمالات أن يكون مصير الباقين من جباري هذا الشعب مشروع شهادة أو أسر. لا أحسبني اتجنى على احد اذا قلت أن الاحزاب عندما تتكلم عن الشعب تقصد المتخاذلين منه وليس الجبارين. 
الذي لم يهزم أبدا؟؟!! وهل تسمي ما جرى لنا منذ عام النكبة وحتى اليوم انتصارات؟ هل أكفر عندما اقول: نحن شعب لم ينتصر ابدا؟؟!!وأننا في انتظار أول انتصار على أحر من الجمر؟ لقد قرأت كثيرا عن شعار:" إزالة آثار النكبة" ولكني لأول مرة اسمع شعار "ترميم آثار النكبة" لا أدري ما تقصده بالضبط وانتظر أن تشرح لنا كيفية ترميم آثار النكبة، ربما تستحق حق الملكية الفكرية على ابداع مثل هذا المصطلح الفريد من نوعه.  
لقد كشف مؤسس وزعيم الحزب الجديد عن وجهه الفتحاوي (جناح ياسر عرفات!) في نقطتين أساسيتين وردتا في خطابه. الاولى عندما قال: "في حزبنا لا يوجد يمين أو يسار، علماني أو متدين بل نحن حزب الوحدة الشعبية" هذا ما كان يردده ياسر عرفات عن حركة فتح قبل وبعد استيلائها على منظمة التحرير بقوله: لا يمين ولا يسار في حركة التحرر الوطني الفلسطيني فالجميع ضحايا الحركة الصهيونية. ولكن الحقيقة الساطعة ولم يكن بالإمكان طمسها بمثل هذا الكلام شكل تبريرا مكشوفا لسيطرة اليمين على الحركة الوطنية الفلسطينية.
النقطة الثانية "العرفاتية" التي ذكرها اسعد غانم في خطابه هي كذبة استقلالية القرار الفلسطيني. هذا الشعار الذي طالما استخدمه عرفات لتبرير هيمنته واحتكاره لزعامة حركة التحرر الوطني الفلسطيني والتي وقعت في فخها باقي التنظيمات الفلسطينية اليسارية واليمينية. هذه الاستقلالية المزعومة كان يضرب بها عرض الحائط عندما كانت تلتقي او تتقاطع مع مصالح هذه الفئة المتنفذة، مثل التماهي مع الحلول التصفوية التي كانت تطرح من حين لأخر، مؤتمر جنيف في أعقاب حرب تشرين 1973، لاعتراف بقرار 242 تمهيدا لفتح الحوار المباشر مع أمريكا واسرائيل، مؤتمر مدريد ومن ثم اتفاقيات أوسلو حتى تم التنازل عنها نهائيا بعد إقامة سلطة رام الله. أما استقلالية الحزب الجديد فإنها تعني رفض تدخل دول الخليج والسلطة الفلسطينية في سياسة الحزب ولكنها كما صرح رئيس الحزب صراحة لا تعني الائتلاف مع أحزاب دينية صهيونية تريد فرض شريعتها على تل أبيب مقابل الاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب. اين الاستقلالية بربط الاعتراف بهذه القرى بمثل هذا الائتلاف المعيب مع الأحزاب الصهيونية الدينية. أين الاستقلالية بأن تلعب دور الجسم المانع؟ عندما يكون المقصود بيع هذا الجسم مقابل ثمن بخس. الأمر الوحيد الذي يشوش هذا الظهور "العرفاتي" هو تواجد ضيف الشرف ساري نسيبة الذي تخلى علنا عن حق العودة ووصفه بالوهم.
لعل أخطر تناقض تضمنه خطاب اسعد غانم هو التلويح بالمقارنة بين منظمة التحرير الفلسطينية والكنيست الصهيوني. لا أدري ماذا قصد اسعد غانم بالضبط عندما قال يجب أن نشارك في انتخابات منظمة التحرير الفلسطينية وهو يعرف تمام المعرفة أن هذه المنظمة حتى في عصرها الذهبي لم تعرف أي شكل من أشكال الانتخابات. وهو يعلم تماما ما هي حالة منظمة التحرير الحالية والتي تشبه حالة الموت السريري. لا اذكر انني قرأت شيئا كتبه اسعد غانم، وأنا أعتبر نفسي متابعا لما ينشره، يتناول ما آلت إليه منظمة التحرير الفلسطينية وضرورة وكيفية إعادة بنائها.
لنعود إلى نقطة البداية، يدعي مؤسس حزب الوحدة الشعبية أن أهم ما يميز هذا الحزب عن الاحزاب الاخرى المنهارة هو امتلاكه لبرنامج عمل سيتم نشره قريبا جدا لان هذا البرنامج مكتوب ولا يحتاج سوى لجمعه، طباعته وتوزيعه. وهذا البرنامج ليس وليد اللحظة بل تراكم من ايام التصور المستقبلي الذي أعلن عنه قبل 12 سنة تحت رعاية اللجنة القطرية للمجالس المحلية العربية ولجنة المتابعة حيث لعب اسعد غانم دورا مركزيا في صياغته خلال عام من النقاش والبحث وحتى يومنا هذا. هذا التصور الذي أكل الدهر عليه وشرب، متاح للجميع ويمكن العودة لمراجعته وقد كتبت في حينة عدة مقالات نقدية عنه، لذلك لا مجال للخوض به مجددا يكفي أن أذكر هنا انه تصور ذو أفق ضيق ينطلق من كوننا اقلية نستجدي بعض المطالب المدنية من دولة الأكثرية باستخدام بعض المصطلحات الديكورية التجميلية مثل: أقلية اصلا نية، إدارة دينية وثقافية ذاتية، الخ..
أما باقي المطالب فقد سمعناها منذ زمن طويل من أحزاب ومؤسسات وأفراد آخرين مثل انتخاب لجنة المتابعة، إقامة صندوق وطني، التأثير على متخذي القرارات، والمشاركة الفعلية في السياسة الإسرائيلية.
 أهذه هي "المواطنة الثورية الجذرية" التي يقبلها البروفيسور ويدعو إليها؟        

Wednesday, April 03, 2019

مقاطعة انتخابات الكنيست - الجولة الاخيرة

مقاطعة إنتخابات الكنيست - الجولة الاخيرة
علي زبيدات - سخنين
دعونا نضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالانتخابات للكنيست الصهيوني، بعيدا عن الدعايات الانتخابية خصوصا وأن معظمنا يعرف ما تحتويه هذه الدعاية من فقدان للمصداقية والافتقار للثقة إلى جانب كم هائل من الكذب المكشوف وتشويه الحقائق وبكل جرأة وصراحة. السؤال الذي يطرح نفسه مرارا وتكرارا وفي كل حملة انتخابية بزخم متجدد هو: ما هو الموقف الوطني الصحيح: المشاركة في انتخابات الكنيست أم مقاطعتها؟
دعونا نتفق هنا أولا على أن الصراع بين معسكر المشاركة وبين المعسكر الذي يدعو للمقاطعة ليس وهميا وليس من باب الترف السياسي أو الفكري بل نابع من صلب الصراع المستمر على الارض منذ أكثر من قرن، أي أن خلفياته تتعدى وتتجاوز الموقف من الكنيست وتقع في جوهر القضية الفلسطينية نفسها. الأمر الذي يرفع هذا الصراع الى درجات عالية من التوتر تصل في بعض الاحيان الى درجة التصادم ناهيك عن سيل الاتهامات والشتائم التشكيك، هو أن كلا المعسكرين يعملان على وبين جمهور الهدف نفسه.
أنا، كواحد من المقاطعين، أتفهم جيدا مخاوف الأحزاب المشاركة وغضبها وحقدها على المقاطعين. حيث يشكل كل مواطن لا يصل الى صندوق الانتخابات بسبب المقاطعة خسارة لهذه الأحزاب. المعادلة واضحة في هذا الشأن واضحة لكلا الطرفين ولا يوجد مجال للتحايل عليها: كلما إزداد معسكر المقاطعين عددا وقوة كلما تراجعت الأحزاب المشاركة من حيث العدد وازدادت ضعفا. لسوء حظ هذه الأحزاب، هذا هو الواقع ولا يمكن تغييره. هدفي كمقاطع هو أن اقنع المواطنين حتى الذين ينتمون للأحزاب المشاركة بتغيير مواقفهم والانضمام إلى حركة المقاطعة، بل اكثر من ذلك، هدفي اقناع الاحزاب نفسها تبني موقف المقاطعة والخروج من الكنيست.
واتفهم أيضا أن ضعف الأحزاب العربية في الكنيست يؤثر سلبيا في تعاملها مع الاحزاب الاخرى ومن ضمنها الأحزاب اليمينية. ولكن الترويج للفرية وكأن المقاطعة تخدم الاحزاب اليمينية بعيدة كل البعد عن الحقيقة وتصل الى جريمة القذف والتشهير. أنا لا أعرف مقاطعا واحدا قد صوت للأحزاب الصهيونية (اليمينية وغير اليمينية) أو يدعو للتصويت لها.  ولكني أعرف الكثيرين الذين يتنقلون ذهابا وايابا فيما بينهما. وبالعكس، الحقيقة تقول أن المقاطعين هم دائما رأس الحربة في التصدي لسياسة اليمين على ارض الواقع ويتعرضون للملاحقات واحيانا يدفعون ثمنا باهضا.  المصدر الأول والأخير لقوة أو ضعف الاحزاب الصهيونية اليمينية وغير اليمينية هم المصوتون الصهاينة (والمتصهينين) وكيفية توزيعهم على الأحزاب الصهيونية.
بالرغم من أننا نعمل على نفس جمهور الهدف الذي هو جمهورنا إلا أن حملتنا ليست موجهة لا من بعيد ولا من قريب للأحزاب العربية المشاركة. بل هي موجهة حصريا ضد الكنيست الصهيوني وفقط ضد الكنيست  كأهم وارفع مؤسسة في هذا الكيان.
تستطيع الأحزاب العربية المشاركة أن تستمر في دعايتها الانتخابية التي أشرفت على الإفلاس التام حتى في أعين مؤيديها، حول تعظيم وتبجيل الكنيست وكأنه افضل مكان لخدمة الجماهير والدفاع عن حقوقهم. وحول ضرورة عدم ترك الكنيست للأحزاب الصهيونية وضرورة مواجهتها في عقر دارها وفضح سياستها امام العالم وعدم الانسحاب من السياسة الى غير ذلك من الدعايات الانتخابية.
دعونا نلقي نظرة سريعة على هذه الدعاية التي تؤسس السياسة البرغماتية كما تمارسها الأحزاب العربية في الكنيست:
خدمة جماهيرنا العربية في الداخل:
 ما هي الخدمات التي يقدمها الكنيست لمجتمعنا؟ مصادرة أراضيه، هدم بيوته، التمييز ضده في كافة المجالات، ضرب الحصار على مدننا وقرانا، ملاحقة مناضليه والزج بهم في السجون هذا من غير التطرق للجرائم المقترفة بحق شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. هل استطاعت الأحزاب العربية بعد سبعين عاما من "النضال" في الكنيست تغيير هذا الواقع ولو بقيد انملة؟. نحن نقول أن هذا الواقع لن يتغير حاشا وكلا بسبب كسل أو عدم اخلاص النواب العرب بل بسبب طبيعة الكنيست. 
   المطالبة والدفاع عن حقوقنا المشروعة:
نحن نطالب بحق شعبنا بالعودة الى وطنه، نطالب بعودة المهجرين في الداخل الى بيوتهم وقراهم. فما هو موقف الكنيست بكل أحزابها من هذا الحق؟ هل ما زلنا نعيش في عصر المعجزات وننتظر حتى تحصل معجزة وتغير الكنيست موقفها؟ من حقنا أن نسكن في بيت آمن غير مهدد بالهدم، ومن حقنا أن نتعلم لغتنا وتاريخنا وأدبنا بدون تدخل أصابع غريبة. هل تعترف الكنيست وتضمن لنا هذا الحق؟
فضح سياسة الحكومة العنصرية في المحافل الدولية:
حقا؟ هل من خلال الكنيست، نحن نفضح هذه السياسة العنصرية أم نتستر عليها ونجملها في أعين العالم؟
عدم ترك اليمين يسرح ويمرح في الكنيست لوحده. وهل من الوطنية بشيء أن تسرح وتمرح معه؟
انكم تدعون للانسحاب من السياسة!! كلا يا سادة اننا ندعو للانسحاب من الكنيست ومن سياسة الكنيست فقط. هناك سياسة بديلة من حولكم ولا ينقصكم سوى أن تفتحوا أعينكم لكي تتكحلوا بجمالها و افتحوا آذانكم لكي تصغوا الى انغامها ومن ثم الطريق مفتوحة لكي تنضموا إلى قوافلها.
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف وطني بامتياز. يحافظ على الهوية الوطنية وعلى وحدة الشعب الفلسطيني بالرغم من كل الظروف التي تجمعت لتقطيع اوصاله.
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف اخلاقي لأنه مع الحق والعدالة
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف إنساني، لأنه يدافع عن حرية وكرامة الإنسان. 

Thursday, January 31, 2019

الثورة العربية الدائمة

الثورة العربية الدائمة
علي زبيدات - سخنين

أولا وقبل كل شيء ينبغي أن أنوه بأنه لا علاقة لعنوان هذه المقالة بما كتبه ليون تروتسكي حول الثورة الدائمة. وفي الوقت نفسه لا علاقة له بالصراع الدامي الذي نشب بين تروتسكي وستالين والذي ظهرت بذوره الايديولوجية والسياسية في أعقاب فشل الثورة الروسية الاولى عام 1905 وتفاقمت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 حتى وصلت ذروتها بعد وفاة لينين حيث انتهت بطرد تروتسكي من الحزب ومن ثم من البلاد واغتياله في عام 1940 في المكسيك. لم يكن تروتسكي أول من تكلم عن الثورة الدائمة فقد سبقة في ذلك كل من ماركس وانجلز ولينين وكل حسب رؤيته. لذلك اسمح لنفسي استعمال هذا المصطلح حسب رؤيتي الخاصة وكما تمليه علي تطور العمل الثوري. فلا أحد يمتلك حق احتكار اي مصطلح سياسي خصوصا وأن ظروف الثورات العربية الحديثة التي أطلق عليها ثورات الربيع العربي والتي نقف أمام الذكرى الثامن لانطلاقها تختلف كليا عن ظروف الثورتين الروسيتين. هذا بالإضافة إلى أن معظم  التيارات الستالينية والتروتسكية  الراهنة قد تخلت منذ زمن طويل عن الثورة الاشتراكية الدائمة وغير الدائمة.
اليوم يقف معظم اليساريين من شيوعيين، اشتراكيين، راديكاليين، تقدميين وممانعين  في صف واحد مع الرجعيين التقليدين يصرخون بمناسبة وغير مناسبة حتى وصل صراخهم السماء بأن ما حدث في العالم العربي في السنوات الثماني الاخيرة وما زال يحدث لا صلة له بالثورات لا من بعيد ولا من قريب. واصطف كل فريق يدافع عن النظام الذي يفرد جناحي حمايته ونعمه عليهم واصفين ما يحدث بالمؤامرة الكونية هدفها تخريب لا بل تدمير الجنة التي شيدتها أنظمة الاستبداد وتعيش في ربوعها الشعوب العربية السعيدة. هذه المؤامرة التي تقوم الماسونية والصهيونية والامبريالية والعملاء المحليين بتنفيذها. حيث بدأت المؤامرة في تونس، ولا أدري لماذا قام قادة المؤامرة الكونية باختيار تونس لكي تكون نقطة الانطلاق خصوصا وأن نظامها كان من اشد الانظمة اخلاصا وطاعة لهؤلاء المتآمرين!. ومن ثم تمددت هذه المؤامرة الكونية الى مصر وليبيا واليمن والبحرين حتى وصلت الى سوريا، حيث سقطت كافة اقنعتها وبانت جميع ابعادها. وبدت حالة الانظمة كمن تلقى ضربة عنيفة على رأسه أدخلته في حالة من الدوخان، فاختصروا  المؤامرة الكونية تارة بفيلسوف فرنسي من الدرجة الثالثة يدعى برنارد هنري ليفي والذي كان بجرة قلم قادرا على إخراج ملايين المصريين الى ميدان التحرير وبكلمة واحدة كان يشتت دبابات معمر القذافي هذا، وتارة أخرى بعزمي بشارة حيث توجوه قائدا لثورات الربيع العربي، ومرة ثالثة يلصقون التهمة بامارة قطر، التي تكاد لا تحمي نفسها بدون القاعدة العسكرية الأمريكية، بزعزعة استقرار الأنظمة خدمة لاسيادها الاجانب. وتنتقل التهمة  بالسرعة نفسها الى دولة الامارات التي وضعت بترودولاراتها تحت تصرف الثوار. وأخيرا رست التهمة على مجموعة من الاشباح تلبس قبعات الاختفاء تقمع هنا لتظهر هناك وأطلقوا عليها اسم داعش. وقد راقت هذه الفكرة لجميع الاطراف وهكذا تشكلت تحالفات اقليمية ودولية لم تعرفها الحرب العالمية الأولى ولا الثانية هدفها الوحيد محاربة هؤلاء الأشباح.
منذ البداية، وصفت ثورات الربيع العربي بأنها ثورات متواضعة وجاءت متأخرة بعد حوالي خمسة قرون من الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولهذه الاسباب بالذات كان المفروض دعمها على علاتها على أمل أن تتعمق وتتطور وتختصر الزمن من منطلق أن الثورات حسب التعريف التقليدي هي قاطرة التاريخ. ولكن إنصافا للتاريخ أيضا اعتبرت هذه الثورات هي موجة ثورية ثانية إذ كانت بشكل أو آخر امتدادا للموجة الثورية التي اجتاحت العالم العربي في سنوات الخمسين والستين في خضم النضال ضد الاستعمار القديم ومن أجل الاستقلال الوطني. وأخص هنا بالذكر الثورة الجزائرية التي قدمت مليون شهيد لكي تنتهي إلى نظام فاسد يقوده رجل مقعد، والثورة اليمنية التي قطعت خطوات واسعة ليس على طريق التحول السياسي فحسب بل التغيير الاقتصادي والاجتماعي أيضا ولكنها انتهت بحرب أهلية دمرت كل شيء. والثورة العراقية التي أسقطت الملكية ولكنها انتجت نظاما استبداديا لم يعرف التاريخ الحديث مثله إلا قليلا من أيام عبدالكريم قاسم ومرورا بحكم البعث وصدام حسين تحت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية إلى ما بعد صدام حسين وقيام نظام طائفي برعاية الاحتلال الامريكي المباشر والهيمنة الايرانية. والثورة المصرية التي بدأت بإسقاط النظام الملكي ومواجهة مباشرة للاستعمار وانتهت الى  نظام فاسد موالي للاستعمار الأجنبي. وأخيرا وليس آخرا الثورة الفلسطينية والتي اعتبرت طليعة الثورات العربية وأطولها حيث انطلقت في عام 1965 تحت شعار التحرير وانتهت  باتفاقيات أوسلو التصفوية في أوائل سنوات التسعين من القرن الماضي.
عبرت ثورات الربيع العربي عن تواضعها ونسبيتها بطرح الشعار الجذاب ولكن الساذج في الوقت نفسه: "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي انتشر كالنار بالهشيم، حتى عندما بدأ في سوريا تحت شعار:" الشعب يريد إصلاح النظام". محدودية هذا الشعار بأن لشعوب فهمته وذوتته على أنه يعني اسقاط راس النظام، أي هروب بن علي، سقوط حسني مبارك، استقالة علي عبدالله الصالح، وهكذا. نادرا ما كانت تعني أن إسقاط النظام لا يقتصر على إسقاط النخبة الحاكمة بل يشمل تغيير جذري لكل نواحي الحياة.
حتى هذه الثورات المتواضعة استكثروها علينا. حيث تكالب الاعداء من قريب ومن بعيد لقمعها. ليس هنا المكان الملائم لسرد تفاصيل اسباب هذا الفشل، اكتفي بذكر ثلاثة أسباب رئيسية: أولا، استماتة الطبقات الحاكمة في الدفاع عن حكمها مستعملة جهاز الدولة القمعي المكون من جيش وشرطة ومخابرات وسجون.
 ثانيا، تكالب القوى الاقليمية والدولية لاخمادها.
 ثالثا، وهو الاهم الضعف الذاتي لقوى الثورة وخصوصا غياب قيادة ثورية وايديولوجية ثورية بالاضافة إلى سهولة اختراقها من قبل عناصر الثورة المضادة.
نعم، فشلت الثورات العربية. ولكنه فشل مؤقت، فهي سوف تعود بعنفوان أشد وبعمق أكبر. ما دام الاستبداد موجودا فلن تنتهي المقاومة. من هنا أقول أن الثورات العربية دائمة، تخمد هنا لتنطلق هناك. تتقهقر هنا لكي تتقدم هناك. تاريخ الشعوب لا يحصى بعدة سنوات. بهذا المعنى هي ثورة دائمة وعلى أنظمة الاستبداد الا تستعجل الاحتفال بانتصارها. فالنصر الأخير لثورات الشعوب.
l  

Thursday, January 24, 2019

المقاطعة الفاشلة

المقاطعة الفاشلة
علي زبيدات - سخنين
طالما كتبت أنا شخصيا وكتب رفاق آخرون عن ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست. ذكرنا كل ما يخطر ببال من أسباب سياسية واجتماعية وأخلاقية لشرح وتعميم موقف المقاطعة. ولا أخفي عليكم أنني قبل كتابة هذه السطور راجعت ما كتبته في هذا المجال في السنوات الماضية وما كتبه غيري  فلم أجد شيئا جديدا يمكن إضافته. ولو اخترت كتابة مقالا جديدا حول ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست لوجدت نفسي أغوص في تكرار ممل لا بل في اجترار أفكار وآراء كتبت مرارا وتكرارا. 
كتبت، وكتب غيري، عن خطر انتخابات الكنيست على هويتنا الوطنية الفلسطينية. إذ لا يعقل أن نهرول لانتخابات يحرم منها 80% من ابناء شعبنا بينما نهتف ليل نهار بأننا جزء لا يتجرأ من هذا الشعب المنكوب وقضيته هي قضيتنا ومصيره هو مصيرنا، وبالتالي نهرول إلى صناديق الاقتراع بحجة وضعنا الخاص الذي يختلف عن وضع باقي أبناء شعبنا ودورنا الخاص. 
كتبت عن عبثية التواجد في الكنيست وهي أرفع وأهم مؤسسة صهيونية في الدولة وعن عقم "النضال" الكلامي
كتبت عن المشكل الاخلاقي إذ كيف يعقل أن نكون جزءا من مؤسسة هدفها الأول والأخير العمل على استمرارية نكبة شعبك؟ بل كيف يعقل أن تكون شريكا في سن قوانين عنصرية تعاني منها حتى وإن كانت مشاركتك سلبية؟
وكتبت عن أمور أخرى كثيرة لن أدخل في تفاصيلها هنا حيث باتت معروفة لكل من يهمه الامر.
وجدت أنه يوجد هناك مقاطعة جماهيرية نقية، عفوية ووجدانية لانتخابات الكنيست ولكني لم أجد، مع الأسف الشديد، حركة مقاطعة منظمة، هادفة وأمينة. وعن هذا الموضوع بالذات قررت أن أكتب هذه المرة. العمل العفوي جيد خصوصا إذا كان نابعا من القلب وصادرا عن قاعدة واسعة من الناس، ولكنه سرعان ما يهدر إذا لم تكن هناك حركة طلائعية تنظم هذا العمل، تبث فيه روح الوعي الوطني الصادق وتقوده حتى يصبح سلاحا فعالا لتغيير الواقع نحو الأفضل. حتى الآن كانت مقاطعتنا لانتخابات الكنيست فاشلة، كما يقول عنوان هذا المقال، وعلينا أن نعترف بذلك. شخصيا، لا أملك أجوبة نهائية وحاسمة عن أسباب هذا الفشل، ولا أملك وصفات سحرية تحول هذا الفشل الذريع إلى نجاح باهر بجرة قلم. هذه المسؤولية ملقاة على عاتق جميع المقاطعين وأخص بالذكر منهم الناشطين والمثقفين الملتزمين (المثقفين العضويين على حد تعريف انطونيو غرامشي، أو المثقفين المشتبكين على حد تعبير الشهيد باسل الأعرج).
بالطبع هذا لا يعفيني من ذكر، حسب وجهة نظري، أسباب هذا الفشل وكيف يمكن تحويله الى نقيضه أي الى نجاح. وأكتفي هنا بذكر بعض النقاط الاساسية في هذا المضمار على أمل أن تتظافر الجهود لجعل موضوع مقاطعة انتخابات الكنيست في صلب كل برنامج وطني تحرري.
1- يعاني النشطاء، كافراد أو كمجموعات سياسية صغيرة، من حالة ركود أو سبات عميق تستمر اربع سنوات (تقريبا) وتستيقظ شهر أو شهرين قبل الانتخابات. مع أن المطلوب هو حالة من النشاط والعمل المستمر.
2- توجد هناك مشاكل تواصل تصل في كثير من الاحيان الى قطيعة كاملة بين النشطاء وبين القاعدة الجماهيرية بما في ذلك القطاعات المقاطعة ذاتها مما يترك الجماهير فريسة سائغة للأحزاب الكنيستية عربية كانت أم يهودية.
3- السماح لبعض الانتهازيين والمتسلقين ممن يتلفعون بشهادات أكاديمية تبوء مراكز قيادية في حركة المقاطعة لخدمة مصالحهم الخاصة.
4- التهاون مع المواقف الوسطية والمتذبذبة التي تتخذها بعض الأحزاب والحركات السياسية ذات القاعدة الجماهيرية وهدفها من وراء ذلك الربح من الطرفين.
5- تجاهل أو استخفاف بالجانب الإعلامي على أهميته، وعدم الاهتمام بتأسيس جهاز إعلامي مقاطع ومستقل.
6- بما أن المقاطعين ينتمون إلى تيارات سياسية، فكرية واجتماعية شتى ينبغي العمل الجاد على إيجاد معادلة تتيح التعايش بين المقاطعين رغم الاختلافات في الآراء والأفكار.
7- وأخيرا وليس آخرا،وهذا موضوع قائم بذاته، يجب التركيز على أن البديل لمقاطعة انتخابات الكنيست هو بناء وتنظيم مؤسساتنا الوطنية على أسس علمية وتحريرية تحت شعار: لا تنتخب بل تنظم. Don't vote-organize
  



Thursday, December 06, 2018

ماذا بعد السقوط الكبير للإيديولوجيات؟

ماذا بعد السقوط الكبير للايديولوجيات؟
علي زبيدات - سخنين

لا أدري مدى صحة تنظيرات فوكوياما حول نهاية عصر الأيديولوجيات وعدم حاجة العالم لها بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة واعلانه انتصار النظام الرأسمالي النهائي على الصعيد الاقتصادي: العولمة واقتصاد السوق المفتوح وعلى الصعيد السياسي بقيام انظمة "الديمقراطية الليبرالية" الغربية.
ولا أدري ما هو موقف فوكوياما الآن بعد قيام جدران أعلى وأعتى من جدار برلين،  وعودة الحرب الباردة بشراسة تفوق الحرب الاولى وترافقها حروب ساخنة لا تعد ولا تحصى في شتى أصقاع العالم. أما على الصعيد الاقتصادي فحدث ولا حرج عن الأزمات المزمنة لهذا النظام "المنتصر" والمجاعات والأمراض والحروب والاستعمار بأشكاله الحديثة.
ولكن بغض النظر عن تنظيرات فوكوياما المتناقضة والتي شكلت أساسا نظريا لقيام أشد الأنظمة رجعية ابتداء من رئاسة رونالد ريغن مرورا ببوش الاب والابن وحتى دونالد ترامب والمحافظين الجدد، علينا أن نعترف بسقوط الايدولوجيات الكبيرة التي طرحت نفسها كبديل للراسمالية العالمية. ولا يفيد الإنكار أحدا هنا والاكتفاء بالقول العيب ليس في الايديولوجية بل في معتنقيها وفي تطبيقاتها. وكأنه من الممكن الفصل بين  النظرية والتطبيق وتبرئة المعتنقين خصوصا بعدما شاركوا في وضع هذه الايدولوجيات.
وبما اننا بصدد مقالة صحفية وليس دراسة أو بحث أكاديمي (يوجد هناك كم لا يحصى ولا يعد من الدراسات والكتب حول هذا الموضوع) فإنني سأقتصر الكلام وباختصار شديد حول تبعات سقوط الأيديولوجيات في عالمنا العربي. حيث تنافست ثلاثة ايدولوجيات رئيسية فيما بينها لتغيير الواقع وكل واحدة ادعت بانها الافضل بل هي الوحيدة التي لا بديل لها وهي:
1- الأيديولوجية الشيوعية وتضم النموذج السوفياتي ممثلا بالاحزاب الشيوعية التقليدية، النموذج الصيني، الكوبي، الفيتنامي، الشيوعية الاوروبية والحركات الاشتراكية بمختلف اشكالها.
2- الايديولوجية القومية التي نمت وترعرعت في خضم النضال ضد الاستعمار ووصلت ذروتها مع جمال عبد الناصر وقيام الوحدة المصرية-السورية ومن ثم قيام حركات ناصرية في ارجاء العالم العربي وكذلك قيام حزب البعث واحزاب قومية اخرى عديدة تأرجحت بين الشيوعية يسارا وبين الفاشية يمينا. 
3- الايديولوجية الدينية. خصوصا بعدما تحول الدين من معتقدات وعبادة وطقوس الى ايديولوجية اتفق على تسميتها بالاسلام السياسي على يد حركة الاخوان المسلمين ومن ثم كافة مشتقاتها من سلفيين وجهاديين على شاكلة القاعدة وداعش وغيرها.
هذه الايدلوجيات الثلاثة قد سقطت في منطقتنا سقوطا مدويا. وكما قلت لن يفيدنا الانكار شيئا ولم يعد التبرير بأن العيب ليس في الايديولوجية نفسها بل بمعتنقيها وبتطبيقها كافيا وقد نسي هؤلاء أن الانسان هو الذي صنع الايديولوجية قبل أن تصنعه.
الشيوعية انهارت في الاتحاد السوفياتي والمعسكر التابع له ليس فقط بسبب الأفراد الذين قادوها من لينين وستالين مرورا بخورتشوف وبرجينف وحتى غورباتشوف، وليس فقط بسبب تطبيقات خاطئة من سياسة النيب مرورا بسياسة التصنيع السريع والاحتكار القصري للدولة وحتى سياسة السوق والانفتاح، بل أيضا وبالاساس بسبب فشل الايديولوجية الشيوعية في التطور ومواكبة التطورات الحديثة. بالرغم من أن جميع أتباعها كانوا يرددون: الماركسية ليست نظرية جامدة بل هي مرشد للعمل. ولكنهم في الواقع كانوا يفسرون كل ظاهرة جديدة بمفاهيم القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد باءت جميع المحاولات الجادة والرصينة لتطوير الشيوعية لكي تلائم متطلبات العصر بالفشل أولا وقبل كل شيء بسبب معاداة الشيوعيون  الذين وضعوا أنفسهم حراسا على "نقائها".
الايديولوجية القومية، منذ بدايتها لم تعرف كيف تتعامل مع الأقليات القومية التي تشاركها في الجغرافيا والتاريخ ولم تعرف كيف تتعامل مع نفسها. بالرغم من توفر ظروف موضوعية قابلة لنجاح المشروع القومي على الأقل على طريقة بيسمارك وغاريبالدي (توحيد ألمانيا وإيطاليا) إلا أنها فشلت في ذلك لأن قيادتها لم تكن مهيئة تاريخيا للقيام بهذا الدور. "الثورة العربية الكبرى" التي قادتها بدلت الاحتلال التركي بالاحتلال البريطاني والفرنسي ومن ثم بالهيمنة الامريكية والمساهمة في تمهيد الطريق لقيام الكيان الصهيوني. ومن ثم أصبح شعار الوحدة العربية قناعا للدفاع عن دول سايكس-بيكو واللهث وراء السلطة من قبل عائلات كومبرادورية في كل الدول العربية. أكبر برهان على فشل المشروع القومي العربي هو قيام ما يسمى بجامعة الدول العربية ومن ثم مجلس التعاون الخليجي. برهان آخر على فشل المشروع القومي العربي والذي لا يقل من حيث أهميته عن سابقه هو الحروب الحالية التي تمزق العالم العربي في العراق وسوريا واليمن وليبيا والتي تخوضها انظمة ومليشيات محسوبة على هذا التيار. وبرهان أخير، هو موقف الأنظمة العربية من دولة اسرائيل والذي تجاوز التطبيع ووصل الى مرحلة التحالف.
 الايديولوجية الدينية التي حلمت بملأ الفراغ بعد تقهقر الاستعمار القديم وفشل الشيوعية والقومية في إنجاز مشروعيهما. سرعان ما كان مصيرها مشابها من حيث الفشل والسقوط. كل ما فعلته هو اذكاء النعرات الطائفية التي وصلت في بعض الحالات الى حروب طائفية. هذا ناهيك عن تحالفها مع الاستعمار القديم لمواجهة منافسيها الآخرين. لقد أثبت التاريخ أن تحويل الدين الى ايديولوجية لا يختلف عن تحويل الايديولوجية الى دين وبالتالي لا غرابة أن تكون النتيجة واحدة. لقد حققت الأيديولوجية الدينية بعض النجاحات في أماكن معينة ولفترات زمنية معينة، تماما كما فعلت الأيديولوجيات الاخرى. فبينما كانت النجاحات نسبية ومشروطة كان الفشل مطلقا وشاملا.
سقوط هذه الأيديولوجيات المدوي لا يعني نهاية الصراع في المنطقة، على العكس فالصراع يتصاعد والمطلوب أولا وقبل كل شيء صراع ايديولوجي يخرجنا في نهاية المطاف من هذا المأزق.  

Thursday, November 29, 2018

ضد الإقطاع السياسي

ضد الإقطاع السياسي
علي زبيدات - سخنين

الإقطاع هو نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عرفته معظم بلدان العالم في مرحلة ما من تاريخها. ومثله مثل أي نظام عالمي كان تجسيده على أرض الواقع يختلف من بلد لآخر من حيث الشكل والتفاصيل والسمات الخاصة. غير أن جوهره يبقى واحدا ويقوم على اسس ثلاثة:
 1- الإقطاعي: الذي يملك المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية وينتمي عادة للطبقة الحاكمة التي عرفت في أوروبا، حيث بلغ النظام الإقطاعي ذروة تطوره وأخذ شكله الكلاسيكي، بطبقة النبلاء.
2- التابع: وهو الفلاح الذي يعمل في أرض الإقطاعي. وكان تابعا للأرض بمعنى انه كان يباع ويشترى مع الأرض إذا ما باعها الإقطاعي. فكان يملك حياته ولكنه لا يملك حريته وبذلك كان وضعه الاقتصادي والاجتماعي لا يختلف كثيرا عن وضع العبيد عندما كانت العبودية هي النظام السائد. وينتمي إلى طبقة الاقنان أو الفلاحين الفقراء.
3- الارض: وهي الأساس لكل نظام يقوم على الزراعة وكما سبق أن ذكرت، كان يمتلكها الإقطاعيون ويفلحها التابعون والفلاحون الفقراء.
ساد النظام الاقطاعي أوروبا في القرون الوسطى وأخذ يتقهقر تدريجيا وينهار مع تطور الصناعة وظهور النظام الرأسمالي. وكانت الثورة الفرنسية الكبرى أول ضربة قوية كادت أن تقوض هذا النظام تماما. وقد انهار نهائيا مع توالي الثورات في القرن التاسع عشر. في باقي بلدان العالم ومن ضمنها العالم العربي، استمر النظام الإقطاعي لفترة أطول لأسباب عديدة أهمها الاستعمار وغياب التطور الصناعي. في البلدان العربية، ساد النظام الاقطاعي اربعة قرون هي سنوات الحكم العثماني. وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى ومغادرتها لهذه البلدان بدأ هذا النظام هو الآخر بالتلاشي تدريجيا وخصوصا على الصعيد الاقتصادي. تغيرات جذرية عديدة لعبت دورا هاما في هذا التلاشي منها تقسيم المنطقة حسب اتفاقية سايكس بيكو ووقوع بلدان اخرى تحت الاستعمار المباشر أو الوصاية الاستعمارية، وفيما بعد اكتشاف البترول في شبه الجزيرة العربية، مما سبب إهمال الزراعة. هكذا تحول النظام العام الى مزيج من الاقطاعية والراسمالية التابعة وغير المتطورة. في مصر، قام جمال عبد الناصر بعد الثورة  ومن خلال الإصلاح الزراعي بالقضاء العملي على الإقطاع. في فلسطين ساد النظام الإقطاعي حتى عام النكبة 1948  حيث قام الكيان الصهيوني باحتلال 80% من أراضي فلسطين التاريخية وبعد أقل من عقدين احتل كامل التراب الفلسطيني. وكانت بعض العائلات الاقطاعية اللبنانية والسورية قد باعت أراضيها للحركة الصهيونية قبل عام النكبة.
انهار النظام الإقطاعي على الصعيد الاقتصادي نهائيا ولكنه ما زال موجودا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. كما هو معروف قد تتحول البنى التحتية (وسائل الإنتاج) بسرعة ولكن البنى الفوقية ومن ضمنها النظم والمؤسسات السياسية فإنها تتغير ببطء شديد وفي بعض الأحيان تدخل في مرحلة من الركود بحكم ارتباطها الشديد بالتقاليد والمعتقدات والموروث الاجتماعي والثقافي. يشكل النظام السياسي في لبنان نموذجا كلاسيكيا للإقطاع السياسي بالرغم من زوال الاقطاع الاقتصادي. تظهر اهم صفات الاقطاع السياسي باقامة الأحزاب العائلية والطائفية ومبدأ التوريث. لا يوجد في لبنان تقريبا عائلة اقطاعية الا وحافظت على هذا الشكل أو ذاك من الاقطاعية السياسية (عائلة الجميل، جنبلاط، كرامة ـ فرنجية، ارسلان  الخ.)  ولا تغرنك الأسماء التي اطلقوها على أحزابهم من الاشتراكية وحتى الفاشية).
في فلسطين، انهارت الاقطاعية على الصعيد الاقتصادي مع فقدان الأرض. وتلقت ضربة قاسية على الصعيد السياسي بسبب الهزائم التي مثلتها عائلتي الحسيني والنشاشيبي. إلا أن العقلية الاقطاعية السياسية لم تختفي نهائيا. خصوصا وأن مصالح الدول العربية المهزومة من جهة والكيان الصهيوني من جهة اخرى التقت في الحفاظ على هذه العقلية لا بل تقويتها أيضا. لفترة معينة ولدرجة معينة لعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا متمردا على هذا النظام الاقطاعي السياسي ولكنها فشلت في تمردها هذا كما فشلت في امور اخرى عديدة. ومع الوقت، خصوصا بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية واندثار دور منظمة التحرير الفلسطينية الريادي تماما أصبحت من أركان نظام الإقطاع السياسي في فلسطين.
لم تكن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 بمعزل عن هذا التطور، بعد أن تمت مصادرة أكثر من 90% منها لصالح الدولة و مستوطنيها اليهود. غير أن عقلية الاقطاع السياسي ما زالت مهيمنة على صعيد المدن والقرى وتظهر هذه العقلية بأبشع صورها في الانتخابات المحلية وانتخابات الكنيست. وأظن لا حاجة هنا لذكر أسماء العائلات والأفراد ذوي العقلية الاقطاعية في السياسة. هذه الظاهرة ليست بحاجة للدراسات والابحاث للبرهنة على وجودها، فمن منا لا يشعر بارهاصاتها على جسده؟
لم يكن النظام الاقطاعي بكافة اشكاله عائقا في الماضي أمام تطور بلداننا فحسب بل هو العائق الرئيسي لأي تطور مستقبلي. من أجل الحرية والعودة والاستقلال لا بد من التخلص من أدران ومفاسد هذه العقلية الاقطاعية السياسية المتخلفة مرة واحدة والى الابد.

Thursday, November 08, 2018

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي
علي زبيدات - سخنين

الانتخابات المحلية من وراء ظهورنا غير أن تبعاتها ونتائجها سوف تلاحقنا لفترة طويلة من الزمن. ولا أبالغ إذا قلت اننا لن نتخلص منها ابدا لأنها تتجدد كل خمس سنوات بالشكل نفسه والمضمون نفسه. وإذا طرأت عليها بعض التغيرات ستكون هامشية وجانبية ولن تمس جوهرها.
بعض الدول تسن القوانين لاجبار مواطنيها على المشاركة في الانتخابات برلمانية كانت أو المحلية وذلك من منطلقات سياسية أو ايديولوجية لا مجال للخوض بتفاصيلها هنا، وإلا تعرض المواطنون للعقوبات من دفع غرامات مرورا بأشغال لخدمة الجمهور وحتى السجن في بعض الحالات. تصل نسبة المصوتين في هذه الدول إلى 90% وأكثر.
 تصل مشاركة العرب في هذه البلاد في الانتخابات المحلية هذه النسبة وقد تتجاوزها بدون أن يكون هناك قانون الانتخابات اجبارية. فهم يذهبون الى صناديق الاقتراع بمحض ارادتهم وبحماس يحسدون عليه. يقف جميع المحللين والمراقبين عند شكل هذه الانتخابات ويتفقون على أن هذا الشكل يقوم على أساس عائلي يتلاءم وينسجم مع تركيبة المجتمع. وربما وجدوا هنا وهناك بعض الدلائل لمؤشرات حزبية أو شبه حزبية أو طائفية أو نوع من الخليط العائلي - الحزبي - الطائفي. فالحزب السياسي مهما كانت عراقته ضاربة الجذور ومهما تزين بالايديولوجيات والنظريات والشعارات البراقة فأنه يعترف في نهاية المطاف أن كل هذه الامور لا تملأ الصناديق بالاصوات وأنه من أجل ذلك لا غنى عن الانتماءات العائلية.  فيبحث عن عائلة أو عائلات تشد من عضده وفي كثير من الاحيان يبحث عن عائلة كبيرة تتبناه كحزب. وتشعر العائلة أيضا بتغير الازمنة فتبدأ بتقليد الاحزاب بطريقة اختيار مرشحها وبكيفية إدارة حملته الانتخابية. الطوائف المختلفة لا تبتعد كثيرا عن هذا النموذج  فمنها من أقامت احزابا طائفية بشكل علني ومفضوح ومنها، خصوصا الطوائف الصغيرة، فقد شكلت لنفسها قوائم طائفية خجولة بعض الشيء.
أهتمام المحللين والمراقبين بالشكل فقط أفقدهم الاهتمام بالجوهر، مع أنه هو الجانب الرئيسي والأكثر أهمية في هذه المعادلة. حسب رأيي، والذي أؤكد عليه كل التأييد، أن جوهر هذه الانتخابات ( وعلى فكرة كل انتخابات) هو طبقي وربما الاصح أن نسميه: صراع طبقي. بذلك فأنا هنا لا أعيد اختراع العجلة أو اكتشاف امريكا. فالأمر واضح كل الوضوح ولا ادري لماذا يتجاهله الجميع ويخافون من سبر غوره.
المرشحون أصحاب الحظوظ الاوفر بالنجاح لا ينتمون لعائلة كبيرة فحسب بل يعتبرون من أغنياء هذه العائلات.  وغالبا ما يكونون رجال أعمال أو أصحاب ممتلكات أو ذوي مهنة رفيعة ومكانة مرموقة وربما جمعوها كلها أو معظمها في آن واحد. وهكذا يكونون قادرين على شراء الاصوات بشكل مباشر أو بواسطة مقاولي أصوات. هذا بالاضافة الى كرمهم الزائد في توزيع الوعود. بالمقابل هناك جمهور المصوتين الذين لا يكادون يملكون شيئا، وتحت وطأة الحاجة والفقر ومقابل النزر القليل المدفوع مسبقا والوعود المستقبلية نراهم يهرعون لصناديق الاقتراع. ومن الطبيعي أن تذهب اصواتهم للقريبين اليهم عائليا أو سياسيا ضاربين بمصالحهم الحقيقية عرض الحائط. وكما تزعم الزعامات على المستوى الوطني أن الوطن للجميع ولكنهم يخفون ما في سرائرهم بأن لهم في هذا الوطن حصة الأسد، كذلك تردد الزعامات المحلية القول ذاته بأن البلد للجميع وفي الوقت نفسه ينسون أو يتناسون القول بأن لهم حصة الاسد في هذا البلد. 
قلت أن جوهر الانتخابات المحلية طبقي بل صراع طبقي. وقد يعترض البعض قائلا: ولكن اين هو الصراع؟  ما نشاهده ليس صراعا بل هو أقرب إلى  التعاون والانسجام. نعم، هذا صحيح، وهذا ما يبدو للوهلة الاولى. فقد يبدو الصراع الطبقي في مرحلة معينة تعاونا وذلك لاسباب كثيرة وتحت ظروف شتى أهمها انعدام الوعي الطبقي عند الجماهير، تقهقر النضال الوطني التحرري وتقاعس وفي بعض الأحيان خيانة القيادات التي مهمتها قيادة الصراع الطبقي وتطويرة بشكل يحقق أماني هذه الجماهير ويخدم مصالحها . 
قلت في الماضي وها أنا أعود وأكرر ما قلت: إن الهدف من الانتخابات المحلية في ظل هذا الكيان الاستيطاني العنصري هو خدمة الدولة وسياستها وليس خدمة الجماهير. مع تزايد الوعي الطبقي عند الجماهير وبزوغ قيادة جديدة ثورية تقدمية مخلصة سوف يعود الصراع الطبقي الى مساره السليم، وسوف تقترب الزعامات المحلية المنتفعة أكثر فأكثر للطبقة الحاكمة في الدولة لتشكل جبهة واحدة. وفي المقابل سوف يلتحم النضال الطبقي المحلي بالنضال الوطني العام. عندها سوف تبزغ شمس الحرية وسوف تكنس هذه الديمقراطية المزيفة الى مزبلة التاريخ.

Thursday, October 25, 2018

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية!

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية
علي زبيدات - سخنين

من يظن أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة فهو مخطئ. يوجد هناك دولة أخرى تنافسها بالديمقراطية وهي دولة فلسطين. نعم يوجد هناك من يصر على تسميتها دولة بينما يكتفي البعض بتسميتها سلطة وطنية أو سلطة فلسطينية، إما تواضعا وإما تشكيكا. عن "الديمقراطية" الاسرائيلية نحن نعرف كل شيء أو تقريبا كل شيء: فهي دولة قانون ودولة مؤسسات. لها برلمان يسمى الكنيست منتخب بشكل ديمقراطي كل اربع سنوات أو كلما دعت الحاجة لذلك. وهو مفتوح أمام الجميع بمن فيهم نواب يمثلون من يطلقون على أنفسهم الاقلية الاصلانية الفلسطينية مواطني الدولة. وهناك سلطة تنفيذية تسمى الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي يستطيع أن يحجب عنها الثقة ويسقطها. وهناك جهاز قضائي "مستقل" يستطيع أن يضع البرلمان والحكومة عند حدهما إذا تجاوزا القوانين الأساسية. وهذه الدولة تملك جيشا يعتبر من أقوى جيوش العالم، ولكن هذه الصفة ليست أهم صفاته. ما يميزه عن باقي جيوش العالم هو كونه الأكثر أخلاقية حتى أصبحت ابشع الجرائم التي يقترفها تخرج من تحت يديه نعمة على المقتولين بسبب "طهارة" سلاحه. ويمارس احتلالا متنورا لا مثيل له في العالم إلى درجة أن الذين يعيشون تحت هذا الاحتلال لا يموتون من أجل دحره والتخلص منه بل على العكس يموتون حرصا عليه وعلى بقائه ويعشقون الحواجز والجدران العازلة والاغتيالات. أصلا لا يوجد هناك احتلال وبالتالي لا يوجد جيش احتلال إذ هل يعقل أن يحتل جيش أرضه؟ هذا غيض من فيض من سمات "الديمقراطية" الاسرائيلية. ومن يريد أن يتنور أكثر في هذا المجال سوف يجد الجواب عند معتوهي الأرض وأشدهم عنصرية ليزودوه بما يريد من معلومات.
ولكن ما هي حكاية الديمقراطية الفلسطينية؟ في هذا الصدد لدي تجربة شخصية مع هذه الديمقراطية تعود إلى ما قبل قيام السلطة، عفوا الدولة، واسمحوا لي أن أقصها عليكم بإختصار: في نهاية عام 1988 قدم ياسر عرفات على رأس وفد فلسطيني رفيع المستوى من أجل إلقاء خطاب في مقر الأمم المتحدة في جنيف. وكان ذلك بناء على إملاءات أمريكية في إطار المساعي للتوصل إلى اتفاقية سلام مع اسرائيل. وقد وصلت هذه المساعي إلى ذروتها شهرا قبل موعد الخطاب المذكور في جنيف، وبالتحديد في الدورة ال19 للمجلس التشريعي في الجزائر حيث تم الإعلان عن " استقلال" فلسطين والاعتراف الضمني بدولة إسرائيل. ولكن التنازلات التي قدمها المجلس الوطني في الجزائر لم تكن كافية بالنسبة للادارة الامريكية حتى تقبل بمنظمة التحرير شريكا رسميا وتبدأ بمفاوضات مباشرة معها. وطالبت ياسر عرفات بالقدوم الى جنيف لكي يلقي خطابا ينص بشكل صريح على الاعتراف بقرار 242 الذي كانت المنظمة بكافة فصائلها ترفضه وإدانة كافة انواع الارهاب والذي يعني نبذ الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الكيان الصهيوني. 
كانت الجلسة مفتوحة، وقد غصت القاعة بالوفود القادمة من كافة أرجاء العالم. وكان هناك وفد كبير من عرب اسرائيل ( في ذلك الوقت لم تكن هذه التسمية حساسة كما هي عليه اليوم). كنت هناك، جئت بمفردي قادما من دولة أوروبية. بعد عاصفة من التصفيق استمرت لبضع بدأ ياسر عرفات بإلقاء خطابه.دقائق وفي مرحلة ما من الخطاب قال:" إن الشعب الفلسطيني يعترف بقرار مجلس الأمن 242 ويستنكر ويدين كافة أشكال الإرهاب". فلم أجد نفسي الا وأنا واقفا في احد الصفوف الخلفية في القاعة صارخا في وجه عرفات: " هذا الكلام كذب. فالشعب الفلسطيني يرفض قرار 242 المجحف في حقه وقد قدم آلاف الشهداء لاسقاطه، كما أن الكفاح الفلسطيني ليس إرهابا بل ما تقوم به إسرائيل وامريكا هو الارهابي". فما كان من عرفات الا أن صمت للحظة وقد بدت على وجهه الصدمة، اذ كيف يقوم شخص نكرة بمقاطعة الرئيس بهذه الوقاحة.  ومن ثم قال: "هذه هي الديمقراطية الفلسطينية"  وتابع خطابه بعد أن تفجرت عاصفة التصفيق.
وقعت هذه الحادثة قبل 30 سنة. ولكن ما هي مناسبة سرد هذه القصة الآن؟ المناسبة هي أن منظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت تقريرا يدين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية (وسلطة حماس في غزة) باعتقال وتعذيب منهجي للمنتقدين والمعارضين السلميين. وأنها شكلت كيانات بوليسية تمارس انتهاك حقوق الانسان. وطالبت الدول المانحة بتعليق مساعداتها للوحدات والاجهزة الامنية الضالعة بمثل هذه الممارسات. وقد كان رد السلطة على هذه الاتهامات عنيفا ملخصه: أن دولة فلسطين هي دولة ديمقراطية، دولة قانون ومؤسسات (لاحظوا، العبارات نفسها التي تستعملها إسرائيل)، تلتزم بتعهداتها وواجباتها، تحترم حقوق الإنسان وتدافع عنها، وتعتمد في ذلك ليس على المعاهدات الدولية بهذا الخصوص فحسب بل على وثيقة الاستقلال الفلسطينية من حيث الاساس، وأن تقرير هيومن رايتس ووتش حول التعذيب الممنهج والاعتقال هو تقرير سياسي يتوافق مع الموقف الأمريكي.
لست هنا بصدد الدفاع عن هذه المنظمة أو مهاجمتها. ولكن اظن اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا التقرير لمعرفة ما يدور في دهاليز الأجهزة الامنية  الفلسطينية (في الضفة وفي قطاع غزة على حد سواء) من تعذيب واعتقالات تعسفية. قامت الادارة الامريكية مؤخرا بتقليص مساعداتها للصحة والتعليم في فلسطين وإيقاف مساعداتها لمنظمة الأونروا، الاجهزة الامنية كانت الوحيدة التي استثنيت من هذه التقليصات. على غرار الديمقراطية الاسرائيلية، اعترفت الديمقراطية الفلسطينية بحصول بعض التجاوزات الفردية التي تقوم الاجهزة الامنية بواجبها بالتحقيق في حيثياتها، ولكن النتيجة كانت دائما، كما في الجارة اسرائيل، عندما يقوم جهاز أمني بالتحقيق مع نفسه، انه لم تتم محاسبة او ادانة أي عنصر ارتكب مثل هذه التجاوزات.
خذوا ديمقراطيتكم وانصرفوا. ليست هذه هي الديمقراطية التي يطمح بها ويناضل من أجلها الشعب الفلسطيني. 


Thursday, October 11, 2018

ما وراء البرامج الانتخابية

ما وراء البرامج الانتخابية
علي زبيدات - سخنين

للوهلة الاولى، قد يظن القارئ أن هذه المقالة تدور حول الانتخابات المحلية الوشيكة. ولكنها بكل تأكيد ليست كذلك حتى ولو تم ذكر اسمها مرات عديدة. فالقصد منها أبعد ما يكون عن الانتخابات المحلية. موقفي كان ولا يزال مقاطعة هذه الانتخابات أسوة بمقاطعة شقيقتها الكبرى، انتخابات الكنيست. وقد سبق وشرحت الاسباب التي دفعتني لاتخاذ مثل هذا الموقف ولا رغبة لدي لتكرار ما قلته في هذا المجال. أعتقد أننا ظلمنا المرشحين لرئاسة البلديات والمجالس المحلية والمرشحين  لعضوية مجالس هذه البلديات. وأعترف بأنني كنت ممن ظلموا هؤلاء المرشحين في بعض الأمور من أهمها أنه لا يوجد هناك اي مرشح قد طرح برنامجا انتخابيا. ولكني غيرت رأيي تماما في هذه النقطة بالذات بعد أن استمعت إلى خطاباتهم في المهرجانات الداعمة وشاهدت عشرات الفيديوهات ومئات البوستات على شبكات التواصل الاجتماعي وتبين لي أن لجميعهم برامج انتخابية رهيبة تعجز عن تحقيقها الدول طوال عشرات السنوات فكم بالاحرى بلديات محدودة الصلاحيات والميزانيات في خمس سنوات؟ هل صادفتم مرشحا لرئاسة بلدية أو حتى لمجلس محلي متواضع ولم يضع على رأس سلم أولوياته واهتماماته البنود التالية:
التربية والتعليم، بناء المدارس والروضات والمراكز الثقافية، رفع نسبة النجاح في البجروت، وتخصيص المنح للطلاب الجامعيين.
حل مشاكل الازواج الشابة وأزمة السكن من خلال توفير القسائم وبناء الدور والشقق لجميع المحتاجين وباسعار شعبية.
توسيع مناطق النفوذ والمسطحات في كل مدينة وقرية.
محاربة العنف في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع.
محاربة الفساد في البلدية وفي كافة المؤسسات التابعة لها.
تمكين المرأة ودمجها بالعمل البلدي هذا بالاضافة الى محاربة العنف والتحرش والتمييز الذي تتعرض له ومحاربة القتل على خلفية ما يسمى ب"شرف العائلة".
بناء المرافق الثقافية والاقتصادية والترفيهية.
ألا تشكل كل هذه البنود برنامجا انتخابيا تعجز عن تحقيقه دولة تتحكم بميزانيات تفوق ميزانيات البلديات مجتمعة وكل على حدة بمئات وربما بآلاف المرات؟ وهذا ليس كل شيء، إذا ما أضفنا "الانجازات" التي يروجها رؤساء البلديات الحاليين والذين يطمحون بالعودة لفترة أخرى والتي لا تقل عن "برامجهم" المستقبلية.
هذا يذكرني ببرامج وانجازات أحزابنا و تنظيماتنا على الصعيد الوطني التي لا تتوقف عن أحصاء انتصاراتها على الكيان الصهيوني الغاصب. فمن يستمع لخطاب رئيس اصغر حزب وحتى خطاب أكبر تنظيم فلسطيني في اي مهرجان أو ذكرى أو مناسبة يخرج بشعور لا يقاوم بأن الاحتلال يلفظ أنفاسه الاخيرة وأن الاعداء من تل أبيب إلى واشنطن على وشك رفع الراية البيضاء والاستسلام من غير قيد أو شرط. برامج براقة شكلا فارغة مضمونا كالطبل الأجوف كلما اتسع حجما ضخم صوته وبقي خاويا.
هذا الكلام الذي أقوله هنا يحاكم صاحبه في كافة الدول العربية بتهمة تخريب معنويات الأمة والمس بالامن القومي وتحطيم مناعة الدولة وقد تصل التهم الى الخيانة ومساعدة العدو.
أظن أنه بعد سبعين عاما من العيش بالاوهام ومن غرس وتربية الأوهام والمتاجرة بها آن الأوان لكي نستفيق ونبحث لنا عن بديل آخر. أن نضع على الاقل رجلا واحدة على الأرض ولتبق الرجل الاخرى مرفوعة في الفضاء. أن نتوقف للحظة واحدة عن عد الانتصارات والانجازات ونتذكر الهزائم والنكبات المستمرة. لنبدأ بتواضع وعلى مهلنا: نعترف أولا بضعفنا وعجزنا، وهذا ليس عيبا، لأنه من غير هذا الاعتراف لن نستطيع قلب الضعف إلى قوة والعجز إلى مقدرة. لنبدأ بتنظيف عقولنا وأفكارنا من الغبار المتراكم طوال قرون عديدة من الركود والتخلف. لتكن بداية جديدة على أسس متينة جديدة نستطيع من خلالها أن نكمل المسيرة. دعونا نبدأ من مدننا وقرانا، نتخلص من تفكيرنا العائلي الضيق العقيم، نتوقف عن اللهث وراء مصالحنا الشخصية وننفض عن وجوهنا وكواهلنا غبار الماضي السحيق. ولا تقلقوا سوف يأتي دور البرامج الطموحة التي سوف تصبح قابلة للتطبيق وليس مرتعا للاوهام كما  هي عليه اليوم.
يقول بعض سياسيينا الذين اتحفونا على مدى عقود بمعاركهم الدونكيشوتية وبعنترياتهم داخل أروقة الكنيست وخارجه، أن قانون القومية الاسرائيلي قد أعاد الصراع إلى المربع الأول. حسنا ما السيء في ذلك؟ هذا يعني أن الطريق الذي سلكتموه قد وصل الى نهايته المسدودة بل أعادنا الى نقطة الانطلاق الأولى. فلماذا لا تكملون معروفكم وتتنحون جانبا وتفسحون المجال لغيركم من الأجيال الشابة أن تجرب حظها وتقود المسيرة بفكر جديد ومعنويات جديدة وأساليب عمل جديدة؟.