Wednesday, October 29, 2014

بناؤون آخر زمن

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000007840 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000007824
بناؤون آخر زمن
علي زبيدات – سخنين
اذكر عندما كنت طفلا صغيرا قد ساعدت وبعض اخوتي جدي على بناء جدار من الحجارة (سنسلة) على حدود ارضنا. وبعد ساعات من العمل الشاق وبعد أن أخذ العرق يتصبب من جبهاتنا وانتهينا من العمل جاء جدي ولكز الحجارة بعكازه فانهارت جميعها، واخذ يوبخنا قائلا: هل تسمون هذه سنسلة؟ أم " كعكور" من الحجارة؟ كل شغلكم " تكعكر بتكعكر”. وقد اعجبتني هذه الكلمة. وعندما كبر اخوتي واصبح بعضهم معلمين عمار كنت اسمع جدي بين الحين والآخر عندما يغضب يصيح بهم٬ هذا شغل تكعكر وليس شغل عمار. مرت سنوات كثيرة منذ ذلك الوقت ولكن كما يبدو ظلت هذه الكلمة محفورة في ذاكرتي وانفجرت مرة واحدة عندما قرأت مقالة زميلي في الكتابة في هذه الجريدة عودة بشارات بعنوان: "الحجر الذي اهمله البناؤون اصبح رأس الزاوية". حاولت ان ابحث في الفواميس المتوفرة لدي عن معنى كلمة "كعكر" ومشتقاتها ولكني لم اجد المعنى الذي قصده جدي والذي عشش في ذاكرتي كل هذه السنين. وبما ان المسألة ليست شخصية فإني اسمح لنفسي أن اقول للزميل بشارات أن حجرك هذا ليس سوى تكعكر بتكعكر وهو سوف ينهار من اول ضربة عكاز للاجىء فلسطيني عائد ولن يصلح ابدا لأن يكون رأس الزاوية ولن يصبح كذلك حتى ولو نشرت مقالك هذا في جريدة هآرتس والغارديان وليس فقط في صحيفة حديث الناس ومهما تملق هذا المقال اليساريين الصهاينة من مجموعة مبادرة جنيف وروج لحسنات تبادل الاراضي من مدرسة ليبرمان وخطة كلنتون لتفسيم الفدس لكي تصبح عاصمة للدولتين.
المقصود طبعا بحجر الزاوية هو حل الدولتين لشعبين على اساس الاعتراف بقرار التقسيم والفرارت الاخرى التي تلته مثل قرار ٢٤٢ و٣٣٨ التي تهضم الحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني وتمنح الكيان الصهيوني الكولونيالي الشرعية. لا يجوز في كل مرة أن نعود ونكتب التاريخ من جديد ونفصل الحقيقة على مقاسنا. لم يعترف الحزب الشيوعي الاسرائيلي (الفلسطيني في ذلك الوقت) بقرار التقسيم لانه كان الحزب الوحيد الواعي للموامرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني واراد بكل ما يملك من قوة انقاذ ما يمكن انقاذه كما يدعي الان ، بل بكل بساطة لانه تلقى اوامر من موسكو في اعقاب الخطاب الصهيوني للمندوب السوفياتي في الام المتحدة أندريه غروميكو بضرورة الاعتراف بالدولة العبرية الوليدة. ما قاله الكاتب من أن الشيوعيين قد دفعوا ثمنا باهضا بسبب تأييدهم لقرار التقسيم صحيح تماما. وكان الثمن هو نبذهم من شعبهم وفي الوقت نفسه تسديد ضربة قاصمة لكافة الاحزاب الشيوعية العربية. ويتوهم الكاتب ان شأنهم قد ارتفع مرة اخرى في اعقاب قبول العالم بحل الدولتين بما فيه الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولكن كل الحقائق تؤكد على ان شأن كل من قبل بحل الدولتين هو الذي انخفض وخصوصا بعد انتقال العالم العربي من معسكر اللاءات الثلاثة إلى معسكر ال ٩٩٪ من اوراق االحل في يد امريكا وانتقال منظمة التحرير الفلسطينية من معسكر الكقاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين إلى معسكر الحياة مفاوضات.
حجر الاعتراف بقرار التفسيم الذي بني عليه الاعتراف بدولة اسرائيل ومن ثم حقها بالحدود الآمنة وحقها في هضم حقوق الشعب الفلسطيني كما جاءت في القرارات اللاحقة واتفاقيات اوسلو المختلفة كيف يمكن لمثل هذا الحجر أن يكون رأس الزاوية؟
الحجر الذي اهمله البناؤون هو حجر الثورة الشعبية طويلة الامد وهو الذي سوف يصبح رأس الزاوية.

Wednesday, October 22, 2014

الثورة والثورة المضادة في ظل العولمة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009427 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009411
الثورة والثورة المضادة في ظل العولمة
علي زبيدات – سخنين

لنفترض ان العالم فعلا قد اصبح قرية صغيرة، كما يدعي العديد من المفكرين والكتاب الغربيين وغير الغربييين، في ظل ثورة الاتصالات في كافة المجالات التي قربت القطب الشمالي من القطب الجنوبي والغت المسافات بين الشرق والغرب، فما الذي تغيير في هذه القرية العالمية الصغيرة؟ ما زال معظم سكانها يسكنون في أحياء الفقر المدقع كما كانوا يعيشون من قبل، يعانون من الامراض والمجاعات والامية والتخلف. في هذه القرية ما زالت أقلية صغيرة جدا تسكن في أحياء راقية تستحوذ على السلطة وعلى الثروات. ومن تسول له نفسه من سكان الاحياء الفقيرة للانتقال الى الاحياء الراقية سوف يواجه بالجدران العالية والقوانين الصارمة وربما القتل والموت غرقا. اما اذا حاولوا الاحتجاج على اوضاعهم المزرية وغياب العادلة الاجتماعية وتحسين مستوى حياتهم، سيقوم سكان الاحياء الراقية، بسهولة آكثر بسبب قربهم، بقصفهم بالصواريخ والقنابل الذكية وغيرها من مختلف الاسلحة المتطورة.
في هذه القرية الصغيرة، مسموح للاحياء الراقية ان تقيم الاحلاف العسكرية لكي تحمي ثرواتها وسلطتها وتشكل جيوشا يتم ارسالها لاخماد كل تمرد معاد لها. وفي الوقت نفسه تستكثر وتستنكر ان تتعاون بعض العصابات في الاحياء الفقيرة فيما بينها وتصفها بالارهاب وذلك يعني الحق في القضاء عليها. يعني مسموح للولايات المتحدة الامريكية ان تشكل جيشا دوليا مدججا باحدث الاسلحة وترسله لمحاربة تنيظيم داعش في العراق وسوريا وتستنكر انضمام بعض الافراد من اماكن اخرى الى هذا التنظيم.
مما لا شك فيه، وليس في ذلك اية غرابة، ان تحتوي الاحياء الراقية في هذه القرية العالمية الصغيرة على كل شيء جميل من ابنية ومؤسسات ومسارح ودور سينما واماكن ترفيه واستجمام ومجمعات تجارية ومطاعم فاخرة. بينما تنغل شوارع الاحياء الفقيرة بالاجرام والمخدرات والجوع. ثورة الاتصالات والمعلومات الالكترونية والفضائيات اختصرت المسافات وكشفت الاسرار ولكنها لم تغير كثيرا في طبيعة هذا العالم الاقتصادية والسياسية. المأساة الحقيقية أن سكان الاحياء الفقيرة ما زالو،ا بالرغم من وضوح الصورة، يحتجون على هذا الوضع بتدمير وقتل بعضهم البعض، واذا صدف ان تصادموا مع سكان الاحياء الراقية فانهم غالبا ما يلجؤون الى طرق خاطئة تعود عليهم بالضرر.
ليس لدي مشكلة في اعتبار العالم قد اصبح حقا قرية صغيرة. فهذا لا ينفي ضرورة الثورات وامكانيتها بل يؤكدها، وفي الوقت نفسه لا ينفي مخاطر الثورات المضادة. كل ما هنالك انه يجب اعادة صياغة الثورات وهذا موضوع قائم بذاته وليس هنا المكان المناسب للخوض في تفاصيله. كما يجب اعادة صياغة وفهم طرق واساليب مواجهة الثورات المضادة. من الواضح ان النظام الرأسمالي العالمي المهيمن على هذه "القرية" قد استطاع ان يشكل تحالفا واسعا لحماية نفسه من السقوط، مما يستدعي القوى الثورية ان تعمل على تشكيل تحالف دولي مضاد لمواجهة هذا الحلف الذي يجسد قوى الثورة المضادة. وهذا يتطلب مسبقا تحديد قوى الثورة واهدافها. العديد من التنظيمات التي تلبس قناع الثورة هي في الحقيقة جزء من الثورة المضادة تمت صناعتها في معامل الطبقة المهيمنة واستغلالها لخدمة مصالحها. تنظيم داعش مثلا وغيره من التنطيمات الطائفية والسلفية لا يمكن اعتباره من قوى الثورة بل من قوى الثورة المضادة، صراعها مع قوى اخرى مضادة للثورة هو نسبي بينما صراعها مع قوى الثورة هو مطلق.
حتى قبل ثورة الاتصالات والمعلومات، كانت هناك محاولات جادة لبناء تحالف ثوري في مواجهة التحالف الرجعي المضاد. من اهم هذه المحاولات الدفاع عن الثورة في اسبانيا بين اعوام ١٩٣٦-١٩٣٩ من قبل ثوار أمميين. انخراط العديد من الثوار الامميين في الثورة الفلسطينية في السبعينيات هو ايضا من ضمن هذه المحاولات. كذلك لا يمكن تجاهل محاولات القائد الثوري الخالد تشي جيفارا في بناء حركة ثورية عالمية في كل من امريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا. المشكلة في تنظيمات مثل داعش لا تكمن قي ضمها لمقاتلين من عدة بلدان بل في طبيعتها الرجعية التي تلقي بها خارج المعسكر الثوري. لم يعد هناك قضايا محلية ومن الوهم حلها على صعيد محلي فقط. اذا كان العالم اصبح قرية صغيرة فعلينا العم على تنظيف قريتنا من القاذورات.

Wednesday, October 15, 2014

عقولنا في خطر

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009381 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009365
عقولنا في خطر
علي زبيدات – سخنين
واخيرا تحركت لجنة المتابعة ودعت الناس إلى "يوم النفير" للقدس والاقصى. ولا يخطئن احد بان يوم النفير هذا يعني ما يوحي اليه اسمه: التعبئة العامة وحث الناس على القيام لمحاربة العدو حتى تحرير القدس والاقصى. بل هو مجرد دعوة متواضعة لمسيرة استنكار على تصاعد الانتهاكات الاسرائيلية تنتهي باعتصام ومؤتمر صحفي تستطيع به زعامات لجنة المتابعة ان تحافظ على القليل مما تبفى من ماء الوجه بعد الانتفادات الشديدة التي تلقتها في اعقاب فشل نشاطها الاخير بمناسبة هبة القدس والاقصى، خصوصا وان معظم هذه الزعامات كما يقول المثل: لا في العير ولا في النفير. بالاضافة للاستنكارات شديدة اللهحة، طالبت هذه الزعامات الاردن (النظام الملكي الذي ينسق كل سياسته مع اسرائيل) بإن يتحمل مسؤوليته ويمارس سيادته الادارية في الاقصى بشكل فعلي كما ناشدت السلطة الفلسطينية (ربما من خلال التنسيق الامني) بالوقوف امام مسؤوليتها التاريخية والدفاع عن الاقصى رسميا وشعبيا.
لا يمكن فهم هذا لتحرك الاخير بمعزل عن مهرجانات الحركة الاسلامية المتعاقبة سنويا في ام الفحم أو كفر كنا او غيرها من مدن الداخل الفلسطيني تحت شعار "الافصى في خطر". حيث يتم حشد عشرات الآلاف من المؤمنين، والذين يريدون حقا رؤية مقدساتهم حرة، واغراقهم بالخطابات الملتهبة والشعارات الرنانة. منطقيا، اذا كان الاقصى في خطر أو اذا كانت القدس في خطر أو اذا كان أي شيء بالعالم في خطر فهذا يعني انه ما زال على ما يرام وفي حالة جيدة وان هناك خطر أو اخطار تتهدده ويجب الاسراع لدرء هذا الخطر أو هذه الاخطار عنه قبل فوات الاوان. الاقصى محتل منذ نصف قرن والقدس محتلة منذ نصف قرن. الاقصى تعرض للحرق في الماضي وانتهكت حرمته مرات لا تعد ولا تحصى اما القدس فقد تم تهويدها منذ زمن طويل، قبل الاستيلاء على بعض البيوت في الشيخ جراح او في سلوان. القدس فقدت طبيعتها وهويتها الفلسطينية بعد تدمير واخلاء احياء كاملة وتهجير الالاف من اهلها وبناء المستوطنات على اراضيها ومن حولها. ما تبقى من القدس العربية ليس اكثر من احياء حزينة وتعيسة تكاد أن تكون ميتة ليلا. وما زلتم تقولون الاقصى في خطر؟ والقدس في خطر؟ كلا، عقولكم في خطر، عقولنا في خطر.
كل مهرجاناتكم، ومسيراتكم ومؤتمراتكم الصحفية لن تجدي فتيلا اذا لم تكن جزأً لا يتجزأ من مسيرة النضال الوطني من أجل العودة والتحرير. حتى الان الامر ليس كذلك. دغدغة عواطف المؤمنين الدينية لا تكفي لتحرير الاقصى او القدس او اي شبر من فلسطين. وتقولون الافصى ليس ملكا للشعب الفلسطيني فحسب أو للأمة الاعربية فحسب، بل للأمة الاسلامية التي تعد أكثر من مليارد ونصف انسان وتنطوي تحت كنف منظمة المؤتمر الاسلامي التي تضم ٥٧ دولة.حسناً، جميع هذه الدول بدرجات متفاوتة ولكن بدون استثناء تحافظ على علاقات وطيدة مع إسرائيل وتقدم لها الدعم المباشر وغير المباشر لتكريس احتلالها. لجنة القدس المنبثقة عن هذا المؤتمر ويرأسها الملك المغربي تقيم علاقات حميمة مع محتلي القدس. حركات الاسلام السياسي بكل انتماءاتها الطائفية والمذهبية تحارب في كل ارجاء العالم ضد بعضها البعض وضد غيرها ولكنها لا تجرؤ حتى على التفكير بالاقتراب من القدس. الدول العربية المتحالفة مع امريكا واسرائيل ترسل طائراتها لقصف مواقع عربية بينما تقع القدس على مرمى حجر منها ولا تحرك ساكنا لنصرتها. علماء المسلمين يفتون ليس فقط بقتل بعض الحكام المسلمين بل ايضا بقتل مواطنين مسلمين وينشطون لكي يروا فتواهم تتحقق ويصمتون صمت اهل القبور عندما يتعلق ذلك باسرائيل. لم يعد هناك حاجة الى مستشرقين وصليبيين وصهاينة وماسونيين ومحافظين جدد لتشويه صورة الاسلام، فالاسلاميون الجدد قاموا بهذه المهمة على افضل وجه.
لست متدينا، واذا كان هذا الصراع صراع ديني صرف فلا يوجد افضل من الجلوس على الجدار والتفرج، لأن عقلي يرفض لا يستوعب: لماذا يوجد هناك أصلا اماكن اسلامية مقدسة وأماكن مسيحية مقدسة أخرى يهودية مقدسة وجميعهم يعبدون الرب ذاته؟. حرية الاقصى وحرية القدس هي جزء لا يتجزأ من حرية فلسطين كل فلسطين.

Wednesday, October 08, 2014

كلكم تكفيريون



كلكم تكفيريون
علي زبيدات – سخنين

من يظن أن التكفيرية هي حكر على الجماعات الاسلامية الاصولية فهو مخطىء. ومن يظن أصلا أن التكقيرية تقتصر على السياق الديني فحسب فهو ايضا مخطىء. التكفيرية متجذرة وضاربة اطنابها في كل الجماعات الاصولية: العلمانية، اليهودية، المسيحية، البوذية، في الجماعات القومية، الوطنية، الليبرالية والاشتراكية. لم يعد هناك شبر واحد على هذه الارض لم يلوث بهذه الدرجة او تلك بالتكفيرية. وقد تكون التكفيرية العقائدية (الدينية) ليست اسوأ انواعها، فالفكر التكفيري موجود في كل مكان وفي كل زمان وفي كل مجال. الفكر التفكيري يولد سياسة تكفيرية وممارسة تكفيرية. يقول البعض أن الجماعات الاسلامية الاصولية اصبحت اكبر منتج ومصدر للارهاب في العالم، حقاً؟ وماذا عن الارهاب الذي تنتجه الولايات المتحدة الامريكية وتصدره الى كافة ارجاء العالم؟ أليس ما يجري في افغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن والصومال واماكن لا تحصى ولا تعد في مشارق الارض ومغاربها يشكل اضعاف مضاعفة مما تنتجه الجماعات الاسلامية الاصولية مجتمعة؟ وماذا بالنسبة للإرهاب الذي تنتجه وتصدره اسرائيل منذ فيامها وحتى اليوم؟ هذا الارهاب لا يقتصر على قطاع غزة والضفة الغربية ودول الجوار، بل هو موجود في كل مكان إما على شكل اسلحة صناعة اسرائيلية واما على شكل خبراء ومدربين ومرتزقة. اما عن الارهاب الذي تنتجه الانظمة العربية معظمه للاستهلاك المحلي وبعضه للتصدير فحدث بلا حرج.
يقولون أن الحركات التكفيرية الاسلامية قد شوهت الوجة الحقيقي السمح للاسلام، وهذا صحيح من حيث الاسساس، ولكن التكفيريين "الديمقراطيين" من امثال امريكا وحلف الناتو واسرائيل الذين يشعلون الحروب العدوانية باسم الديمقراطية ومن أجل نشرها وللدفاع عن حقوق الانسان ألا يشوهون صورة الديمقراطية؟ في هذا العالم الرأسمالي البشع الكل يشوه الصورة التي يزعم انها صورته والتي هي في الحقيقة ليست اكثر من قناع. فالديمقراطي هو اول من يشوه الديمقراطية، والقومي هو اكثر من يشوه القومية والوطني هو اشد من يشوه الوطنية والاشتراكي هو افضل من يشوه الاشتراكية.
تريد الجماعات الاسلامية الاصولية أن تجر الناس للعودة الى ايام السلف الصالح التي ولت من غير رجعة منذ قرون عديدة حتى ولو كان ذلك بحد السيف. بينما تريد الجماعات الاصولية الغربية أن تجر الناس الى "ديمقراطيتها" حتى ولو كان ذلك بالصواريخ والقنابل الذكية واسلحة الدمار الشامل. من يتهم الآخرين بالتكفيرية عليه الا ينسى التكفيرية الخاصة به وإلا أن يصمت. إذ ليس من اللائق الكلام عن التسامح بينما كل ممارساتك تنضح بالتعصب، والكلام عن التعددية وكل تصرفاتك تهدف إلى احتواء الآخرين، والكلام عن حرية الفكر وفي الوقت نفسه تقمع كل فكر يعارض فكرك.
بعيدا عن الشعارات التي لا رصيدا لها، أروني عقيدة أو ايدولوجية لا تكفر غيرها من العقائد والايدولوجيات؟ أروني حزبا سياسيا أو تنظيما لا يكفر غيره؟ في السنوات الاخيرة اتخمنا بالكلام عن الجماعات الاسلامية التكفيرية من داعش وجبهة النصرة وانصار الشريعة وبيت المقدس وعشرات الجماعات المشابهة إلى الاخوان المسلمين والسلفيين على الوانهم وانواعهم. هذا الكلام لا يعدو كونه ذر الرماد في العيون لكي نعمى عن رؤية الصورة كاملة ومن كافة جوانبها وتحويل الانظار عن رؤية الحقيقة كما هي، الحقيقة التي تقول: كلكم تكفيريون.
ما يهمني في هذا الصدد بعض الملاحظات حول تكفيريينا المحليين. ما زلنا نرضخ تحت وطأة التعريف السائد للتكفيرية على اساس ديني ونشير باصبع الاتهام لفكر الاخوان المسلمين والحركات الاسلامية التي تتبنى هذا الفكر كمرجع. ولكني كما اوضحت آنفا: لا يقتصر التكفير على الانتماء الديني. فلدينا احزاب قومية تحتكر الفكر القومي، أو تحاول ذلك على الاقل ، وتكفر غيرها. وهنالك احزاب تجهد نفسها في احتكار الوطنية وتكفر ما عداها، وهناك احزاب تحتكر التقدمية والاشتراكية وغيرها ليس سوى رأسمالي رجعي. والحالة هذه فما الغريب في حالة التشرذم التي نشهدها؟ وما الغريب في أن نفشل بتنظيم مسيرة ذكرى، قكم بالاحرى في مواجهة سياسة تمييز عنصرى فائقة التنظيم والمهنية؟.
يوجد داخل كل فرد فينا تكفيري يجب التخلص منه ومن الافضل قبل أن يكبر ويستفحل ومن ثم الانطلاق نحو الحرية.

Wednesday, October 01, 2014

من طائرة ليلى إلى طائرة مريم



من طائرة ليلى إلى طائرة مريم
علي زبيدات – سخنين
في ٢٨ آب ١٩٦٩ قامت المناضلة الفلسطينية المعروفة ليلى خالد بخطف طائرة امريكية من روما كانت متجهة الى اثينا واجبرتها على التوجه الى فلسطين المحتلة والتحليق فوق مدينة حيفا مسقط رأسها والتي حرمت من رؤيتها منذ أن هجرتها مع عائلتها في عام النكبة ومن ثم التوجه الى دمشق حيث تم اخلاء الطائرة من ركابها وتفجيرها على ارض المطار.
بعد ٤٥ سنة قامت الاماراتية مريم المنصوري بقيادة طائرة حربية امريكية الصنع من طراز أف ١٦ وقصف مواقع تابعة لتنظيم الدولة الاسلامية في سوريا كجزء من التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة ما يسمى بالارهاب الاسلامي.
العملية التي قادتها ليلى خالد دمغت بالارهاب اما هي فقد فازت على لقب "خاطفة الطائرات" من قبل كافة وسائل الاعلام الاجنبية وحتى العربية ، بالرغم من انها لم تخطف سوى طائرة واحدة بينما باءت محاولتها الثانية لخطف طائرة اسرائيلية بعد سنة من العملية الاولى بالفشل، وبعدها توقفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تنتمي اليها ليلى خالد عن استعمال هذا الاسلوب من النضال.
اما عمليات القصف التي قامت بها مريم المنصوري لمواقع عربية خدمة للسياسة الامريكية فقد وصفت بالبطولية والاسوأ من ذلك: يريدونها ان تصبح رمزا ومقياسا لتقدم المرأة الاماراتية بل المرأة العربية بشكل عام. لا ادري ما البطولة بقيادة طائرة حربية، حتى وإن قادتها امرأة ، اذا لم تكن دفاعا عن وطنها او تحرير اراض محتلة من وطنها بل لتنفيذ سياسة امبريالية هدفها الاول والاخير تمزيق البلدان العربية واحكام الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية عليها.
هذه المفارقة بين الحالتين، بين الطائرتين وبين المرأتين تلخص المسيرة الحثيثة نحو الحضيض التي قطعناها في نصف القرن الاخير، حيث انقلبت الفيم والمبادئ الى نقيضها: حيث اصبحت محاربة الامبريالية تطرفا وارهابا بينما اصبحت خدمتها مقياسا للديمقراطية والتقدم والتحرر.
لم تخترع ليلى خالد ورفاقها عمليات خطف الطائرات فمثل هذه العمليات بدأت منذ زمن بعيد وهي ما زالت مستمرة الى يومنا هذا. ربما ما اخترعته ليلى خالد أو على الاقل حاولت اختراعه هو أن تجبر الطائرات الامريكية والاسرائيلية على حمل مأساة الشعب الفلسطيني المشرد وليس فقط على حمل الاسلحة الفتاكة التي تقصف بها مدنه وقراه وتقتل ابناءه. لقد كانت ليلى خالد ورفاقها بشهادة الاعداء قبل الاصدقاء من احرص الناس على سلامة الركاب المدنيين حتى ولو كان ثمن ذلك تعريض سلامتهم للخطر. لقد ارادت ان تقول للعالم بكل بساطة: حسنا، اذا لم استطع رؤية وطني الا اذا خطفت طائرة وحلقت بها في سمائه فلماذا احرم من ذلك؟ واذا كان العالم يغمض عينيه ولا يريد رؤية ملايين اللاجئين بينما خطف طائرة أو عشرة طائرات تجبره على فتحها فما السيئ في خطفها؟ واذا كان خطف الطاـئرات مثل خطف الجنود هو الطريق الوحيد الذي يضمن اطلاق سراح الاسرى الذين ضحوا بحريتهم من أجل قضيتهم العادلة فما المانع من خطف الطائرات؟.
بدأ النقاش حول جدوى خطف الطائرات منذ اليوم الاول، ليس داخل صفوف الجبهة الشعبية فحسب بل امتد ليشمل التنظيمات الاخرى والعديد من المناضلين المستقلين وقد كان الرأي الغالب حتى ممن ايدوه في مرحلة سابقة بانه يلحق الضرر بالنضال الفلسطيني العام ويجب ايقافه، بينما آمنت فئة صغيرة بإن خطف طائرات العدو واعوانه شكل من اشكال النضال لا يمكن الاستغناء عنه في ظل الظروف الراهنة. واستمرت هذه الفئة بامكانياتها المحددودة ممارسته لفترة قصيرة من الزمن. على كل حال، لست هنا بصدد العودة الى هذا النقاش أو إلى فتحه على مصراعيه من جديد. ولكني في هذا النقاش وخلال سنوات طويلة لم انف انحيازي الكامل لاشكال النضال المتعددة ومن ضمنها خطف الطائرات. هذه الاشكال التي صقلت الصورة المثالية للفدائي وفي الوقت نفسه لا انفي اشمئزازي من بعض الاشكال "النضالية" التي تمخضت عن خلق الصورة المثالية حالة للمرتزقة التي ارادوها بديلا للفدائي. بالرغم من مرور حوالي نصف قرن واعتزالها لخطف الطائرات ما زالت ليلي خالد رمزا للفدائي بينما مريم المنصوري لن تكون اكثر من صورة مهتزة للمرتزقة.



Wednesday, September 24, 2014

الدول العربية تدخل المعركة



الدول العربية تدخل المعركة
علي زبيدات – سخنين
عندما قال السادات قبل سنوات عديدة بإن حرب اكتوبر ١٩٧٣ هي الحرب الاخيرة فقد قصد انها الحرب الاخيرة للدول العربية ضد اسرائيل ولكنه بالطبع لم يقصد انها الحرب الاخيرة على الاطلاق. ها هي خمس دول عربية على الاقل تشن حربا لا هوادة بها ضد الارهاب في سوريا والعراق وهي ليست وحدها بل هي جزء من تحالف عالمي تقوده امريكا وإسرائيل يضم اكثر من ٥٠ دولة. الحرب الاخيرة التي شنها الاردن كانت عام ١٩٦٧ حيث سلم الملك حسين الضفة الغربية لاسرائيل بدون قتال يذكر، ومن قبله شن جده الملك عبدالله حربا لتحرير فلسطين بتسليمها لاسرائيل بدون قتال يذكر ايضا. اليوم تشارك الطائرات الاردنية بكل فخر واعتزاز في الحرب الدولية على الارهاب الاسلامي وتشن الغارات على شمال سوريا لكي تؤمن الحدود الجنوبية بينها وبين سوريا وتمنع الارهابيين من اجتياز الحدود. وها هي السعودية التي كدست الاسلحة على مدار عشرات السنين وانفقت في سبيل ذلك الالاف المؤلفة من المليارات ولم تستعمل حتى الان سوى النزر القليل للحفاظ على نظامها ودعم حلفائها في الجنوب والشمال، ترسل طائراتها من طراز تورنيدو وتايفون وتلقي بقذائقها على الارهابيين في سوريا والعراق. حتى الامارت والبحرين شاركتا في الغارات الجوية بشكل عملي وفعال. اما قطر التي تخوض منافسة شرسة مع السعودية فقذ اكتفت بتقديم المساعدات اللوجستية للمعركة وخصوصا استخدام القواعد العسكرية الامريكية على ارضها لشن الغارات الجوية.
لقد صرح اوباما، وهل هناك من يشكك في نواياه السلمية؟، أن هذه الحرب ليست حرب امريكا وحدها بل هي حرب جميع الدول الديمقراطية في العالم وجميع من يدافع عن حقوق الانسان، ومن هذا المنطلق سارعت السعودية والاردن والامارات والبحرين وقطر إلى دخول هذه المعركة. فقد صرح وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ان الارهاب في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان قد شوه صورة الاسلام والمسلمين، بينما يمثل هو وملكه المتخلف وباقي الملوك والامراء العرب الوجه الجميل، المشرق والحضاري للاسلام والمسلمين. صرح مسؤول امريكي رفيع المستوى بان الحرب على تنظيم الدولة الاسلامية سوف تستغرق سنوات. وما المشكلة في ذلك؟ فهذه الدول ليست مستعجلة، لديها كل الوقت المطلوب بالاضافة إلى انها ستستريح من الدعوات التي تطالبها بمواجهة اسرائيل خصوصا بعد أن اصبحت الحليفة الاستراتيجية في العديد من الجبهات.
مرة اخرى تختلط الاوراق، تحالفات قديمة تتلاشى وتحالفات جديدة تطفو على السطح. تغير المواقع والتنقلات فيما بينها تتسارع حتى اصبح من العسير بل من المستحيل متابعتها وادراكها. التناقضات البارزة والمخفية تخدع زبصارنا وتتلاعب في عقولنا. فبينما يؤكد اوباما بان الارهاب الاسلامي يهدد الامن الوطني الامريكي ، تصرح وزارة الامن القومي الامريكية بانه لا توجد مؤشرات على خطر هجمات محتملة للقاعدة او تنظيم الدولة الاسلامية في الولايات المتحدة. من جهة اخرى، ايران وهي احدى اركان التخالف المضاد تصرح بانها تؤيد شن الغارات الغربية في العراق ولكنها تعارضها في سوريا، واذا رغب الغرب بأن تغير موقفها فهذا ممكن إذا ما تم الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني. روسيا التي تدار من قبل المافيا وتواجه ازمة كبرى في اوكرانيا تكتفي بالتصريحات المنددة بالحرب من جهة والسكوت والقبول بها من جهة اخرى. النظام السوري يرحب بهذه الحرب التي يأمل ان تخرجه من ازمته ويكلف وزارة الخارجية وبالتحديد السفير في الامم المتحدة للتعبير عن هذا الترحاب بينما يقوم رأس النظام بتأمين خط رجعة لنفسه بالسكوت او بالتصريحات الخجلة حول ضرورة التنسيق مع الدولة السورية واحترام سيادتها. حزب الله وهو الحليف المركزي للنظام السوري وكما صرح امينه العام فهو يعارض مبدئيا التدخل الامريكي لانه يخدم المصلحة الامريكية فقط ولكنه لا يقوم بأية خطوة عملية ضد هذا التدخل. بالعكس، من خلال السكوت على الموقف الايراني الروسي المتذبذب وقبول النظام وتحالفه مع الجيش اللبناني المسلح امريكيا فانه اقرب إلى التورط في هذا التحالف. اما اسرائيل فانها تكتفي في المرحلة الراهنة بأن تكون مرجعية التحالف الاخلاقية بتصديرها المفاهيم التي طورتها من خلال حروبها ضد غزة: الغارات الجوية تستهدف الارهابيين الذين يختبئون بين المدنيين ويستعملونهم كدروع بشرية.
لنصدق امريكا للحظة، بأن هذه الحرب ليست حرب امريكا وحدها بل هي حرب الدول العربية ايضا وان هذه الحرب بالفعل ستستغرق سنوات طويلة. فماذا يعني كل هذا؟ هذا يعني أمرا واحدا: اتركوا اسرائيل وشأنها بسلام، دعوها تبني المستوطنات على راحتها وتستمر في حصار غزة كما يحلو لها ولا تتكلموا عن حق العودة او حتى عن دولة مستقلة مهما كانت ناقصة السيادة. اكتفوا بالمفاوضات التي لا تنتهي.

Wednesday, September 17, 2014

يوم الشهيد الفلسطيني



يوم الشهيد الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

بعد أقل من اسبوعين سوف تحل الذكرى الرابعة عشرة للاحداث التي اختلفنا حتى على تسميتها، فمنهم من اطلق عليها اسم "هبة القدس والاقصى" وهو الاسم الذي شاع اكثر من غيره، بينما اختصر آخرون الاسم إلى "يوم القدس والاقصى" واكتفى آخرون ب "احداث اكتوبر ٢٠٠٠". لم يأت تعدد الاسماء ، حسب رأيي، من باب الصدفة بل كان القصد منه فصله عن المصطلح الفلسطيني العام الذي فرض نفسه في ذلك الوقت "انتفاضة القدس والاقصى"، وذلك بحجة الوضع الخاص لفلسطيني المناطق المحتلة عام ١٩٤٨. هذا الفصل جر عمليا فصلا آخرا اشد خطورة وهو الفصل بين الشهداء الثلاثة عشرة الذين سقطوا في هذه المناطق وبين باقي الشهداء الذين سقطوا في الضفة الغربية وقطاع غزة. من هذا المنطلق توجهت "مؤسساتنا القيادية" بطلب اقامة لجنة تحقيق اسرائيلية رسمية للجواب عن سؤال رئيسي واحد: " كيف يمكن لدولة أن تطلق النار على مواطنيها"؟.
جرت العادة أن تجلس لجنة المتابعة بكافة مركباتها لكي تقرر كيفية احياء هذه المناسبة وكانت تقرر تنظيم مسيرة مركزية في احدى القرى التي سقط بها احد الشهداء وعلى المستوى المحلي زيارة اهالي الشهداء ووضع الاكاليل على الاضرحة. مع مرور السنوات أخذت هذه المناسبة بالتآكل والاضمحلال واصبح احياؤها نوعا من اسقاط واجب ثقيل من المفضل ان يتم باسرع واسهل شكل ممكن. وهذا ما سوف نشهده في القريب العاجل: ايام قليلة قبل المناسبة سوف تتخذ "قيادتنا" قرارها التقليدي ولكن هذه المرة بدون نفس.
لذلك اقترح الغاء هذه المناسبة بكافة أشكالها المسرحية التي آلت اليها. وهذا ضروري، على ما أظن، من اجل الحفاظ على كرامة الشهداء وعلى مكانتهم في القضية الوطنية. مما لا شك فيه أن الألم الشخصي للعائلات والاصدقاء لن يتوقف ولن يكون له بديلا، وهو اصلا ليس ولم يكن مرتبطا بشكل احياء هذه المناسبة على الصعيد الرسمي.
واقترح ايضا البدء بالتفكير باختيار يوم يسمى: يوم الشهيد الفلسطيني. على غرار يوم الاسير الفلسطيني. نتفق جميعا بغض النظر عن اتجاهاتنا الفكرية وانتماءاتنا الحزبية أن الشهيد هو في المقام الاول والاسير في المقام الثاني من حيث مككانته في القضية الوطنية. فالاول ضحى بحياته بينما الثاني ضحى بحريته. فلماذا اخترنا يوما أطلقنا عليه يوم الاسير الفلسطيني ولم نفكر في يوم نطلق عليه يوم الشهيد الفلسطيني؟ صحيح انه عند اختيار ١٧ أبريل/نيسان ليكون يوم الاسير الفلسطيني كان لدينا بقايا مجلس وطني فلسطيني يتخذ قرارات مثل هذا القرار واليوم أصبح هذا الجسم عبارة عن جثة هامدة، وصحيح ان يوم الاسير نفسه وخصوصا في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ أصابه التآكل والوهن كلما ازدادت اللجان المختصة بالاسرى. ولكن القرار كان سليما، فقد دخل هذا اليوم الى الوعي الجماعي لشعبنا واصبح من المستحيل محوه، لأن هذا اليوم يوحد الاسرى بغض النظر عن انتماءاتهم التنظيمية وعن مناطق سكناهم. انه عامل موحد ويشكل احد الاعمدة الاساسية للقضية الفلسطينية.
سيكون ليوم الشهيد الفلسطيني الدور الموحد ذاته إذ سيضم جميع الذين استشهدوا من اجل فلسطيني بغض النظر عن زمان ومكان استشهادهم. سيوحد هذا اليوم الذين استشهدوا عام النكبة وقبل عام النكبة، سيوحد شهداء صبرا وشاتيلا مع شهداء حي الشجاعية وشهداء اكتوبر ٢٠٠٠ الثلاثة عشر. سيوحد جميع الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجل فلسطين. تاريخ شعبنا يقدم العديد من الايام التي تصلح لاختيار احدها ليكون يوم الشهيد. لقد آن الاوان لكي نصحح خطأ تاريخيا. كم تبدو هذه الفكرة بديهة؟ حتى اكاد لا اصدق انه لا يوجد هناك حتى الان يوم يوحد قافلة الشهداء. حتى دولة اسرائيل اختارت يوما لتخليد ذكرى الذين فتلوا في حروبها.
سيكون مثل هذا اليوم يوم حداد وحزن ولكنه في الوقت نفسه سيكون ينبوعا لا ينضب من الالهام والمعنويات والفخر. لم يعد لدينا منظمة تحرير فلسطينية او مجلس وطني فلسطيني لاتخاذ مثل هذا القرار ولكن الجماهير الشعبية بتنظيماتها وافرادها قادرة على ذلك.


Wednesday, September 10, 2014

احلى ارهاب في العالم

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012018 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000012002
احلى ارهاب في العالم
علي زبيدات – سخنين
قبل ١٣ عاما، وفي اعقاب الاحداث التي شهدتها نيويورك من تدمير لبرجي مركز التجارة العالمي، اعلنت الادارة الامريكية برئاسة جورج دبليو بوش وباجماع الكونغرس الامريكي على حزبيه الديمقراطي والجمهوري الحرب على الارهاب العالمي. وقد وصفتها وسائل الاعلام الرئيسية في الولايات المتحدة بانها الحرب العالمية الرابعة على اعتبار أن الحرب الباردة هي الحرب العالمية الثالثة تضاف إلى الحربين العالميتين الاولى والثانية المتعارف عليهما. اذا وافقنا على هذا التعريف فإن ما يميز الحرب العالمية الرابعة، أي الحرب على الارهاب العالمي، انها على عكس الحروب العالمية السابقة التي دار رحاها بين معسكرين أو حلفين يضم كل منهما عددا من الدول، تدور بين مجموعة دول وتنظيمات تم تعريفها بانها تنظيمات ارهابية. وبما انه لا يوجد هناك تعريف واحد معتمد للتنظيم الارهابي وكل دولة تحتفظ لنفسها بمعايير خاصة بها عندما تعرف أي تنظيم معارض بإنه ارهابي، دخلت هذه الحرب الى بيوت الناس وشوارعهم واحيائهم.
قبل ١٣ عاما، كان تنظيم القاعدة الذي حمل مسؤولية تفجيرات نيويورك هو التنظيم الارهابي الرئيسي، على الاقل في أعين الولايات المتحدة الامريكية هذا بغض النظر عن الدور الامريكي في بناء، تدريب وتسليح هذا التنظيم واستخدامه في آخر معارك الحرب الباردة في الافغانستان. بادرت الادارة الامريكية بتشكيل حلف دولي كانت بدايته في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وانتقل الى حلف شمال الاطلسي الذي شن حربا لاحتلال افغانستان بحجة معاقبة القاعدة وحليفتها حركة طالبان الحاكمة في ذلك البلد. وقد ظن هذا التحالف بان الحرب ضد القاعدة والطالبان لن تستغرق سوى قترة قصيرة ولكنها بعد ١٣ سنة ما زالت على اشدها، بل حتى في بدايتها. قفد تحولت المعركة إلى حرب اهلية ضد الحكومة العميلة من جهة والى حرب تحرير شعبية ضد الاحتلال الاجنبي من جهة اخرى، وتخطت تبعاتها الحدود الجغرافية لافغانستان لتصل الى الدول المجاورة وخصوصا إلى باكستان. ولم يكتف هذا التحالف باحتلال افغانستان ولم يستوعب دروس تورطه فيها فقام بغزو العراق واحتلاله بناء على اكاذيب وافتراءات حول اسلحة الدمار الشامل، ولكنه لم يستطيع التستر على الاسباب الحقيقية وهي احكام القبضة على مصادر النفط من جهة والحفاظ على امن اسرائيل من جهة اخرى. هنا ايضا حاول هذا التحالف تطبيق سيناريو افغانستان على العراق، فبعد الاحتلال أقام حكومة من العملاء الفاسدين لتأمين مصالحه بعد مغادرة البلد، وبهذا فتح الطريق لحرب اهلية من جهة ولحرب تحرير وطني ضد الاحتلال الامريكي من جهة اخرى. الحرب التي كان مخطط لها ان تحسم في أقصر وقت نراها بعد احد عشر عاما ما زالت في اوجها لا بل في بداياتها، وهنا ايضا تخطت الحرب الحدود الجغرافية للعراق وتمتد باشكال مختلفة الى باقي دول المنطقة.
في الذكرى الثالثة عشر لاحداث نيويورك، يعود باراك اوباما الذي وعد المواطن الامريكي بانهاء ما يسمى بالحرب على الارهاب وخصوصا في افغانستان والعراق والتركيز على معالجة القضايا الداخلية، الى مجلس الامن الذي ما زال اداة في يد امريكا لاستصدار قرار يخوله ضرب "الارهاب" ومعاقبة كل من يموله ويزوده بالسلاح. بناء على هذا القرار كان من الاحرى ومن المنطقي أن يبدأ اوباما بضرب ومعاقبة نفسه لانه اكثر من مول الارهاب وزوده بالسلاح. من ثم توجه الى الحلف الاطلسي الذي ابدى عشرة من اعضائه الانضمام بشكل فعال لحلف جديد لمحاربة الارهاب بما فيه ارسال الجنود، واصبح هذا الحلف يضم ٤٠ دولة. وسينضم اليه المزيد من الدول وخصوصا من الدول العربية بعد لقاء الفمة المزمع عقده في هذه الاثناء في جدة والذي يضم الى جانب جون كيري قادة السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا. ومن المؤكد ان ينضم اليه المزيد من الدول بشكل سري. المهمة الطافية على السطح لهذا الحلف هو ضرب تنظيم داعش الارهابي الذي يهدد الاستقرار في المنطقة والسلام العالمي، ولكن مهمته الحقيقية لا تختلف عن مهام التحالفات السابقة: احكام القبضة الغربية على ثروات المنطقة النفطية وتوفير الامن للدولة العبرية.
قد يلافي حلف اوباما الجديد نجاحا ملحوظا في المنطقة خصوصا وان لكل نظام "داعشه" الخاص. فالسيسي يحارب ارهاب الاخوان المسلمين في مصر، اسرائيل تحارب ارهاب حماس والجهاد في غزة، العراق يحارب ارهاب الدولة الاسلامية والنظام السوري يحارب داعش والنصرة وغيرها من التنطيمات الارهابية. يبقى هناك بعض العقبات البسيطة التي يأمل املتحالفون التغلب عليها بسهولة وبسرعة مثل تحديد الادوار وتغيير اماكن بعض الفرقاء. فالنظام السوري الذي اتهم امريكا بتزعم حرب كونية ضده يستجدي الان من أجل قبوله عضوا في هذا الحلف. السعودية ودول الخليج التي دعمت بشكل او بآخر التنظيمات الارهابية تبحث عن وسيلة للتنصل منها مقابل تأمين نظام حكمها. ايجاد صيغة لقبول ايران داخل الحلف وفي الوقت نقسه ابقائها في الخارج. نوري المالكي قبل سقوطه بأيام (مع استمرار نظامه) يدعو الى شن حرب عالمية على الارهاب يقودها النظام العراقي.
الحرب سوف تستمر وتصبح اكثر شراسة إذا لم يطرأ تغيير جذري على تعريف الارهاب بحيث يبدأ بتعريف الدولة الارهابية قبل تعريف التنظيم الارهابي. امريكا في سياستها الخارجية أشد ارهابا من القاعدة ومن كافة التنظيمات التي صنفتها ارهابية. ارهاب حكم العسكر بقيادة السيسي في مصر يقوف بدرجات ارهاب الاخوان المسلمين. اسرائيل هي الارهاب بحذافيره مجسدا في دولة، وهكذا في باقي الدول.
الشعوب التي تناضل من اجل حريتها واستقلالها هي وحدها القادرة على تحويل الارهاب إلى ثورة.

Wednesday, September 03, 2014

اليسار العربي المغترب

 
اليسار العربي المغترب
على زبيدات – سخنين
لدي على شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) صديقة من تونس تعرف نفسها بانها ناشطة يسارية. وبما ان تونس مقدمة على انتخابات تشريعية الشهر القادم وانتحابات رئاسية في الشهر الذي يليه، وبما انني من المهتمين بما يجري في العالم العربي وخصوصا فيما يتعلق بأخبار اليسار، سألت عن اوضاع اليسار في تونس وعن دوره في الانتخابات القادمة. لم اقتنع باجاباتها الصارمة بأن قوى اليسار الرئيسية التي تجمعت في قائمة واحدة باسم الجبهة الشعبية سوف تحقق فوزا يمكنها من تفيير الحكومة الحالية التي تسيطر عليها حركة النهضة. وعدم اقتناعي نابع بالاساس من المعلومات الواردة من وسائل الاعلام الرئيسية التي تؤكد ان حركة النهضة والاحزاب الليبرالية واليمينية المختلفة هي التي سوف تفوز بهذه الانتخابات. فقررت ان انفض عن كاهلي غبار الكسل والقي نظرة مباشرة على الانتخابات التونسية، فمن يدري؟ ربما بالفعل الوضع كذلك وربما تغيرت من قناعاتي ليس فقط تجاه اليسار التونسي بل تجاه اليسار العربي على طول وعرض الوطن العربي. اعترف مسبقا ان قناعاتي مبنية على مبدأ يقول: كل تنظيم يساري يحاول تغيير الواقع في البلدان العربية عن طريق الانتخابات التشريعية (او الرئاسية) يجب وضع علامة استفهام امام يساريته.
تضم الجبهة الشعبية التونسية اكثر من عشرة احزاب وتنظيمات يسارية هذا بالاضافة إلى العديد من التنظيمات القومية والشخصيات المستقلة. ووجدت تنظيمات اخرى عديدة لم تنضم للجبهة الشعبية وقضلت اقامة تحالفات اخرى او تبقى منفردة. فهناك التكتل الديمقراطي من اجل والحريات وهناك المسار الديمقراطي الاجتماعي. لم أستطع احصاء التنظيمات اليسارية من بين الثمانين قائمة التي تنوي المشاركة في الانتخابات. المركب الرئيسي في الجبهة الشعبية هو حزب العمال العريق، الذي كان يسمى رسميا قبل فترة وجيزة بالحزب العمال الشيوعي، ولكنه اتبع الموضة واستغنى أو ضحى بكلمة الشيوعي لعله يكسب بعض اصوات الليبراليين. (في الانتخابات السابقة حصل الحزب على ١.٧٥٪ من الاصوات). حسب رأيي وضع هذا اليسار (بكل اشكاله وتسمياته) هو نتيجة مباشرة لتاريخه السابق. فاذا قبلنا النظرية الرائجة في علم النفس بان سنوات الطفولة المبكرة هي التي تحدد من حيث الاساس الشخصية عند الكبر، فان هذه النظرية سارية المفعول بالنسبة لليسار في تونس وفي باقي الدول. تم تأسيس الحزب الشيوعي التونسي في بداية سنوات العشرين من القرن الماضي كامتداد للحزب الشيوعي الفرنسي. ورفع اسوة بهذا الحزب شعار الاتحاد الفرنسي الذي يعني عمليا رقض الاستقلال الوطني. وبالرغم من ان الاحزاب التونسية التي طالبت بالاستقلال رفضت النضال الثوري ضد الاستعمار وسعت للحصول على صفقة تمنحها استقلالا شكليا وتحافظ على التبعية ونجحت في ذلك، الا ان الحزب الشيوعي التونسي اصر على الاتحاد الفرنسي حتى اللحظة الاخيرة. بعد الاستقلال (الشكلي) قام الحزب بنقد ذاتي لمواقفه السابقة ولكن الوقت كان متأخرا ولم يجديه ذلك نفعا وكانت النتيجة عكسية حيث بدأت الانشقاقات التي لم تنته حتى اليوم. بحثت عن بيانات صادرة عن الجبهة الشعبية التونسية تشرح برنامجها الانتخابي للجماهير التونسية فوجدت أن معظم البيانات مكتوبة باللغة الفرنسية، هذا بعد حوالي ستين سنة من الاستقلال. باختصار شديد: اليسار التونسي فشل بالتخلص من نخبويته واغترابه فما الغرابة في ان تكتسح الحركات الاسلامية وحتى فلول النظام السابق الساحة؟
هذه الصفة النخبوية-الاغترابية تكاد ان تكون مشتركة بشكل او بآخر، بهذه الدرجة او تلك، مع الاخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة التاريخية والسياسية لجميع التنظيمات اليسارية وخصوصا ذات الجذور الشيوعية. في الجزائر تماما كما في تونس، كان الحزب الشيوعي الجزائري امتدادا للحزب الشيوعي الفرنسي، عارض التحرير الوطني الجزائري حتى بعدما اختار الشعب الجزائري، على خلاف الشعب التونسي، خوض الكفاح المسلح لطرد المستعمرين الفرنسيين. تمرد بعض الشيوعيين الجزائريين على قياداتهم الحزبية والانضمام للثوار لم يغير هذه الصورة كثيرا، وما زال اليسار الجزائري يرزح تحت ارثه الثقيل ويعاني من الاغتراب والنخبوية.
وضع اليسار في المشرق العربي لا يقل مأساوية بل هو في كثير من الحالات يفوقه مأساوية بدرجات. استطاع الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس عام ١٩٣٤ أن يبني له قاعدة شعبية واسعة وقوية في كافة ارجاء العراق وخصوصا تحت قيادة يوسف سلمان يوسف (فهد). الا ان السياسة التي فرضتها الكومنتيرن (الاممية الشيوعية) باخضاع الاحزاب الشيوعية لهيمنتها واجبارها الدخول في تحالفات مع قوى رجعية قد دمرت الحزب وكان الرفيق فهد اول ضحايا هذه السياسة فقد اعدمته حكومة نوري السعيد العميلة عام ١٩٤٩. لم يتعلم الحزب الدرس ففي ثورة عام ١٩٥٨ التي اطاحت بالملكية، دعم الحزب بدون تحفظ عبد الكريم قاسم الذي قام فور استلامه للحكم بقتل الشيوعيين الذين دعموه، وتكرر الخطأ عام ١٩٦٣ بدعم حزب البعث الذي صفى حالما استلم الحكم اكثر من ٥٠٠٠ شيوعي، وبعد أن فقد حزب البعث الحكم وعاد من جديد عام ١٩٦٨ دخل الحزب الشيوعي العراقي ما يسمى بالجبهة الوطنية ولكن عمليات التصفية لم تتوقف حتى تم حذر الحزب نهائيا عام ١٩٩٣. بعد ذلك رحب قسم من قيادة الحزب الشيوعي العراقي بالغزو الامريكي وانخرط بالعملية السياسية في ظل الاحتلال. وهكذا طويت اسطورة الحزب الشيوعي العراقي.
اسطورة اخرى سقطت اذكرها بعجالة لضيق المجال: الحزب الاشتراكي اليمني الذي قاد النضال لتحرير اليمن الجنوبي من الاستعمار. بعد الاستقلال تمت الاطاحة بالرئيس الاول قحطان الشعبي فقلنا سقط الجناح اليميني وتعمقت الثورة، وقتل الرئيس التالي سالم ربيع علي قفلنا سقط الجناح الانتهازي وجاء عبدالفتاح اسماعيل رجل الاتحاد السوفييتي ممثلا للارثوذكسية اليسارية، الذي سرعان ما اسقط وحل محله على ناصر الذي طرد بدوره ومن ثم جاء حيدر ابو بكر الغطاس الذي قدم البلد الاشتراكي العربي الوحيد هدية لقبائل الشمال.
النكتة التي تداولناها لفترة طويلة هنا: اذا امطرت في موسكو رفع الحزب الشيوعي الاسرائيلي المظلات في تل ابيب قيلت في الحقيقة عن الحزب الشيوعي السوري وزعيمه خالد بقداش وهي تنطبق على كافة الاحزاب العربية الرسمية ولم تتخلص منها بالرغم من كل تحولاتها وانشقاقاتها وبالرغم من توقف المطر السوفييتي في موسكو. الاغتراب والنخبوية لم تقفزا عن اليسار الفلسطيني ممثلا بالجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وغيرها من الاطر التي تصف نفسها باليسارية وعن شخصيات يسارية مستقلة، ولكن هذا موضوع آخر قائم بذاته.

Wednesday, August 27, 2014

انتصار جديد هزيمة مستمرة



انتصار جديد هزيمة مستمرة
على زبيدات – سخنين
بحثت كثيرا عن تعريف موضوعي، متفق عليه إلى حد ما لكلمة انتصار. لم أجد تعريفا كهذا، وربما لا يوجد اصلا تعريف كهذا. ولكني بالمقابل وجدت تعريفات كثيرة جلها ذاتية. وعندما اقول ذاتية لا اقصد انها فردية بل قد تكون صادرة عن مجموعة دينية، حركة سياسية، حكومة، دولة أو اية جهة اخرى. ووجدت أيضا أن تصنيف كلمة انتصار يتم حسب معايير مختلفة: فهناك الانتصار الحقيقي مقابل الانتصار المزيف، وهناك الانتصار الساحق أو العظيم وهناك الانتصار المتواضع أو النسبي وهناك الانتصار على النفس وهو عند البعض الانتصار الحقيقي والعظيم وهناك الانتصار على العدو وهناك الانتصار السياسي والعسكري وغيره من الانتصارات. النتيجة هي أن كل تعريف يعبر في نهاية المطاف عن مشاعر وتطلعات مصدره، تشترك كافة التعريفات ببعض السمات فجميعها تحتوي على بعض الحقيقة التي تصبح كل الحقيقة بالنسبة لصاحب الانتصار، وجميع التعريفات تبرز جوانب معينة تجعلها رئيسية مع انها قد تكون ثانوية والعكس صحيح فهناك جوانب رئيسية يتم تهميشها.
كان لا بد من هذه المقدمة المملة من أجل التقييم الاولي لاتفاق وقف النار الاخير، ومن اجل الاجابة على السؤال: هل ما حدث هو انتصار للمقاومة في غزة وهزيمة لاسرائيل؟ الجواب يتعلق بمن تسأل: المقاومة الفلسطينية بكافة تنظيماتها وعلى رأسهم حركة حماس تؤكد انه انتصار عظيم مبني على الحقائق التالية: صمود اسطوري لاكثر من خمسين يوما، منع العدو الصهيوني من تحقيق أي هدف من اهدافه المعلنة: نزع سلاح المقاومة، القضاء على الصواريخ والانفاق، اعادة الهدوء والامن لمستوطنات الجنوب. من يعتبر هذه الامور هي الاهم فمن حقه أن يعلن الانتصار ويحتفل به. هذه النظرة تلاقت مع نظرة الطرف الاسرائيلي الذي يقف على يمين نتنياهو والذي يقول: ان فشل اسرائيل في تحقيق اهدافها هو هزيمة لها وانتصار لحماس. ولكن من يعتبر أن منع اسرائيل من تحفيف اهدافها هو امر مهم ولكن يوجد هناك امور لا تقل اهمية وربما تفوقها مثل الثمن الذي تم دفعه من شهداء وجرحى ومهجرين وتدمير للبنى التحتية، وغياب الافق التحرري على المدى البعيد سوف يرى الانتصار بعيون اخرى وبحجم آخر.
في هذه الايام، الفلسطيني الذي يشكك في عظمة هذا الانتصار سوف يعرض نفسه الى حملة شرسة تبدأ باتهامه بالمزاودة على المقاومة أو بالعمل على تقويض الروح المعنوية للشعب وتنتقل الى تهمة ادمان الانهزامية وقد تنتهي بتهمة خدمة العدو والتعامل معه وقد تشمل كل هذه التهم مجتمعة. قلائل هم الذين يتطوعون لمواجهة مثل هذه الحملة، وأنا سوف اكون منهم.
لا استطيع أن ادعي الانتصار واحتفل به وقد قدمت أكثر من ٢٠٠٠ شهيدا أكثر من ربعهم من الاطفال مقابل قتل بعض الجنود واخافة العدو في الطرف الاخر. بالنسبة لي لا يشكل الخوف ثمنا كافيا لحياة أي شهيد. ولا اعتبر تهجير المستوطنين من مستوطناتهم الى منتزهات وفنادق انتصارا اذا دفعت ثمن ذلك تهجير ٤٠٠ ألف فلسطيني بعضهم يهجر للمرة الرابعة او الخامسة. اي انتصار هذا عندما اطلق ٥٠٠٠ صاروخ لاصيب هدفا هنا وهدفا هناك باضرار طفيفة بينما يطلق العدو صاروخا واحدا يزيل برجا كاملا من على وجه الارض؟ يمكن الكلام عن انتصار عندما يصبح هناك نوع من التكافؤ والتناسب، عندما يعلم العدو ان القتل والدمار والتهجير ليس احادي الجانب. عندما يعلم ويذوت انه يملك في تل ابيب لوحدها اكثر من ١٥٠ برجا اكبر من برج الظافر وبرج الباشا في غزة وان هذه الابراج مهددة بالزوال.
قلت في الماضي مرارا وأكررها هنا مرة اخرى: اسرائيل لم تحقق اى انتصار منذ اكثر من اربعين سنة، منذ حرب لبنان الاولى. لان طبيعة الحرب قد تغيرت جذريا، فهي لا تحارب ضد جيوش نظامية بل ضد جماهير مدنية بعضها مسلح باسلحة خفيفة. ولكن اسرائيل ما زالت اسيرة لغرورها وعنجهيتها بعد انتصارها عام ١٩٦٧. الحذار من الوقوع في مثل هذه العقدة الاسرائيلية. تهويل الانتصار والمبالغةفي بالاحتفال به لن يرفع معنويات الجماهير بقدر ما قد يصيبها بالغرور.
لنتكلم عن الصمود الاسطوري، عن التضحيات باهضة الثمن، عن البطولات في مواجهة القنابل والصواريخ بالاجساد العارية، عن الايمان المطلق بعدالة القضية، عن عشق الحياة والحرية. الانتصار قادم لا محالة ولا حاجة لاستباقه.
واخيرا، الفت انتباه المحتفلين بالانتصار الى اربعة نقاط تعيدهم الى ارض الواقع وتتيح لهم رؤية الهزيمة المستمرة القابعة وراء أوهام الانتصار:
١) السكوت او حتى القبول بالموقف العربي المخزي وخصوصا المصري الذي تراوح بين الوساطة غير النزيهة وبين التعاون مع الكيان الصهيوني. لا تنسوا، السيسي هو عراب هذا الاتفاق.
٢) منح الثقة مرة اخرى لسلطة اوسلو. محمود عباس هو الذي اعلن عن الهدنة وكأنها انجاز تاريخي له شخصيا. وبعد شهر سوف تترأس سلطته المفاوضات حول المطالب الرئيسية. لا شم أن لعاب كبير المفاوضين وطاقمه آخذة بالسيلان.
٣) لم ترتق الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية الى مستوى الاحداث ولم تمارس مسؤولياتها في تقاسم حمل العبء مع جماهير غزة. عشرون سنة من سلطة اوسلو افسدت قطاعات واسعة من شعبنا في الضفة.
٤)الفلسطينيون في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ أثبتوا انهم عمليا جزء يتجزأ من الشعب الفلسطيني على عكس الشعارات التي نرددها. المؤسسة الاسرائيلية وعكاكيزها المحلية (ومنها من يحتفل بالانتصار اليوم) هي المسؤولة عن هذا التجزيء.
لن يكون هناك نصر حقيقي على الكيان الصهيوني بدون الانتصار على هذه الافات التي ما زالت مستشرية.

Wednesday, August 20, 2014

حول تحالف التناقضات وتناقض التحالفات



حول تحالف التناقضات وتناقض التحالفات
علي زبيدات – سخنين
بعد الانتهاء من المرحلة الاولى للحرب الاخيرة على غزة ودخول المرحلة الثانية وهي محاولة التوصل الى هدنة طويلة الامد على ضوء نتائج المرحلة الاولى شعرت بانني في حالة من الضياع التام حتى انني لم أعد قادرا على التمييز بين رأسي وقدمي وكأنني أعيش وسط ادغال شائكة في ليل دامس: من يفاوض من؟ كيف يعقل أن يترأس من اتهمناه بالتواطؤ هذه المرحلة؟ وكيف يعقل أن يكون الوسيط من من المفروض ان يكون السند الرئيسي؟ وكيف يدعم مطالبنا من نتهمة بالعمالة لامريكا واسرائيل، بينما ينأى من يتزعم الممانعة والمقاومة بنفسه عن التورط في هذه القضية؟ كيف تحالف الاعداء وتناقض الاصدقاء بهذه الطريقة السريالية؟ قلت، لكي اتلمس طريقي في هذا النفق المعتم لا بد من العودة لمراجعة كل ما قرأته، مما كتبه كبار المفكرين الثوريين من ماركس وانجلس وحتى لينين وماو تسي تونغ، عن التناقضات وعن قانون وحدة وصراع الاضداد والذي يعتبر القانون الاساسي في الديالكتيك المادي، القانون الذي يحدد مسار تطور المجتمعات. راجعت ما كتب عن عمومية التناقض الموجودة في عملية تطور كاقة الاشياء من بدايتها وحتى نهايتها، عن خصوصية التناقض وعن الوحدة النسبية والصراع المطلق بينهما، عن ضرورة التخلص من النطرة الذاتية والسطحية والنظرية الاحادية الجانب والاستعاضة عنها بالنطرة الموضوعية العلمية وضرورة التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي وبين الجانب الرئيسي والجانب الثانوى داخل كل تناقض، وكيف ان التناقضات المختلفة تحل بطرق محتلفة وكيف أن للصراع اشكال كثيرة ويجب عدم الخلط فيما بينها. فالصراع الايديولوجي يستعمل لحل نوع معين من التناقضات بينما الصرااع السياسي (العسكري) يستعمل لحل التناقضات التناحرية ذات الطابع الطبقي أو الوطني. بالاضافة الى العديد من المسائل الاخرى. ولكن كل هذه المراجعات، المهمة في حد ذاتها، لم تساعدني كثيرا في ازاحة الغموض والبلبلة التي تكتنف التناقضات التي خيمت على المنطقة في اعقاب الحرب على غزة. وذلك لان كل نظرية كتبت في اماكن مختلفة وفي اوقات مختلفة وتحت ظروف مختلفة ستكون عرضة للتخحر الفكري وبالتالي ستكون عاجزة عن استيعاب وتحليل تناقضات نشأت وترعرعت في اماكن اخرى وازمنة اخرى وتحت ظروف اخرى. ولكن هذا لا يمنع ان تكون هذه النظريات مرشدا للعمل ولو نسبيا عند معالجة تناقضات مستحدثة كالتي تعصف في منطقتنا.
لتبسيط الامور وجدت انه يمكن تصنيف التناقضات في الشرق الاوسط وفلسطين في مركزها في ثلاثة تحالفات تتقاطع فيما بينها، تتحالف تارة وتتصارع طورا وتنتقل بعض اطرافها من مكان لاخر، تحافظ على استمرارية وثبات بعض جوانبها وبينما تتغير جوانب اخرى بين ليلة وضحاها:
١) على الصعيد الدولي: الحلف الذي تتزعمه امريكا ويضم إسرائيل، الاتحاد الاوروبي والدول الرأسمالية المتطورة مثل كندا، اليابان، استراليا. الحلف الروسي -الصيني .
٢) على الصعيد الاقليمي: ويمكن التمييز بين ثلاثة تحالفات: أ) ايران – سوريا- حزب الله والذي يطلق على نفسه معسكر الممانعة او المقاومة، البعض يلحق به النظام العراقي أو الجهاد الاسلامي. ب) الحلف السعودي-الاماراتي-المصري -الاسرائيلي.ويمكن الحاق السلطة الفلسطينية بهذا الحلف ج) الحلف التركي – القطري – الاخوان المسلمين (وحماس).
٣) على الصعيد المحلي: هناك تحالفات واشباه تحالفات في كل قطر وقطر. مثلا على الساحة الفلسطينية: فتح – حماس وباقي التنظيمات الفلسطينية. في سوريا: تحالفات وتجمعات المعارضة السورية المتعددة، وكذلك الامر في لبنان والعراق والاردن ومصر وغيرها.
وهناك داعش التي تشكل في الاونة الاخيرة "تحالفا" قائما بذاته فريدا من نوعه يطلق الرصاص على كل من يقف امامه على طريقة افلام رعاة البقر.
هذا التصنيف الاولي لا يوضح الامور بل يزيدها تعقيدا حتى يكاد أن ينسف التصنيف ذاته من اساسه. فلو اخذنا داعش على سبيل المثال، التي نجحت في فترة قصيرة نسبيا في احتلال نصف العراق وثلث سوريا وتهدد بالتمدد حتى تصل الى الاردن وسوريا، فمنهم من يصر على انها وليدة الحلف الامريكي مهمتها تنفيذ السياسة الامريكية في تفكيك المنطقة لتهليد الهيمنة الامريكية، ومنهم من يصر على انها من صنع النظام السوري الذي كان بحاجة اليها لكي يقنع العالم بانه يحارب ارهابيين منذ بداية الانتفاضة السورية. وقد يكون الطرفان صادقين، أي ان امريكا والنظام السوري يشكلان سويا الاب المشترك لتنظيم داعش خصوصا وإن الام (القاعدة) لم تتورع من مضاجعة الطرفين لفترات طويلة. والسعودية التي منحت داعش هويتها السلفية بالاضافة للدعم المادي، فهي تدعم داعش في سوريا والعراق وتحاربها في بلادها. اما ايران وهي عمليا زعيمة معسكر الممانعة فلا ترى مانعا في الاتفاق مع امريكا والتعاون معها في العراق وفي تخفيف العقوبات عليها واجراء مفاوضات استراتيجية لحل الازمة النووية. اما قطر فيبدو انه لا مشكلة لديها في أن تكون الصديقة الحميمة لحماس وفي الوقت نفسه لاسرائيل التي تشن حرب ابادة ضدها. سلطة اوسلو تريد ان تكون في حلف واحد مع حماس، من اجل ذلك شكلت حكومة الوحدة لكي تبسط سيطرتها على غزة، وفي الوقت نفسه في الحلف الاسرائيلي لكي تستمر بالمفاوضات لعلها تتوصل الى اتفاق يعزز سلطتها، وفي الحلف القطري-التركي لكي تنال بعض الاموال والحلف المصري- السعودي لكي تؤمن لها دورا في المفاوضات المتعددة، وعلى الصعيد الدولي لا يمكنها الاسغناء عن الحليف الامريكي. اما حزب الله فقد اعاد تعريف المقاومة بعد أن اعترف بان التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو مع داعش وليس مع دولة الكيان. وبما ان داعش لا تريد محاربة اسرائيل حاليا بل النظام السوري فإن المقاومة تملي عليه الدفاع عن النظام السوري.
لا ادري اذا ما كانت الصورة اوضح الان، كل ما اردت قوله بعد هذا السرد عن تحالف التناقضات وتنافض التحالفات يمكن تلخيصه في كلمتين: إسرائيل هي التناقض الرئيسي ولا تحالف معها.