Wednesday, August 01, 2012

الانحطاط الكبير

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000008764 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000008748
الانحطاط الكبير
علي زبيدات – سخنين

على الرغم من وفرة التحليلات والنظريات التي تملأ الصحف والمواقع الاخبارية وتفيض بها الفضائيات، لم أستطع حتى اليوم أن أفهم أو أتفهم أو أهضم كيف يمكن لمرشح رئاسة أغني وأقوى دولة في العالم أن يصل الى هذا الحضيض الاخلاقي الذي وصله مرشح الحزب الجمهوري خلال زيارته لإسرائيل والتي بدأها في بريطانيا وأنهاها في بولندا حيث كان أينما حل يخلف وراءه كم هائل من السخافات والقاذورات. عنوان هذه الجولة كان واضحا وقد صرح به دون أدنى خجل: اللهث وراء أموال اللوبي الصهيوني وأصوات اليهود الامريكيين. ومن أجل الفوز بهذين الهدفين فكل شيء مسموح. الملياردير اليهودي شلدون ادلسون وعد بالتبرع ب١٠٠ مليون دولار لحملته الانتخابية، وادلسون هذا من اشد انصار رئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو وباقي اقطاب اليمين المتطرف وغلاة المستوطنين. وفي الحفلة الخاصة التي أقامها في القدس المحتلة لجمع التبرعات حضرها بالاضافة لاصحاب الملايين اليهود الين قدموا خصيصا لهذه المناسبة وتبرع كل واحد منهم ب٥٠ ألف دولار، رئيس بلدية القدس نير بركات وعدد من زعماء المستوطنين. وهكذا في وجبة عشاء واحدة جمع السيد رومني ما يزيد على مليون دولار. لذلك استحق الحضور مديحا خاصا عندما قال هذا المرشح الحقير والشحاذ: أن تفوق اسرائيل الاقتصادي يعود الى تفوق الثقافة اليهودية على الفلسطينيين. واخشى ان اتهم باللاسامية اذا قلت أن هذه الثقافة التي اعجبتك هي ثقافة الجشع واللهث وراء الربح من استغلال الآخرين كما يفعل صديقك ادلسون الذي جمع ثروته من القمار ومن مصادر قذرة اخرى.
الانحطاط الاخلاقي لا يقتصر على المرشح رومني بل يشمل أيضا الرئيس القابع في البيت الابيض الذي حاول قطع الطريق على رومني يوما قبل وصوله عندما وقع على اتفاقية لزيادة التعاون الامني مع اسرائيل. حتى بدأت اتساءل: من الذي ينتخب رئيس أكبر دولة "ديموقراطية في العالم: الشعب الامريكي أم اسرائيل واللوبي الصهيوني وامواله المشبوهة؟ الا يوجد هناك رئيس أو مرشح رئاسة واحد محترم لا يشترى؟ هل هذه هي قيم الحرية والديموقراطية التي تودون تصديرها للعالم؟
ولكن ما لا أستطيع أن افهمه أو اتفهمه ايضا هو ذلك الموقف العربي المخزي الذي ما زال يبحث عن الحجج الواهية لتسويق السياسة الامريكية في المنطقة. وهنا لا اتكلم عن دول الخليج والسعودية وباقي الانظمة العربية المهترئة التي بلغت من حيث الانحطاط ما يفوق المستوى الامريكي – الاسرائيلي، اتكلم هنا عن السلطة التي ليس فقط انها تدعي تمثيل الشعب الفلسطيني بل أيضا ثورته ونضاله من اجل تقرير مصيرة. في اليوم التالي من تصريحات رومني القذرة كان هذا الاخير على موعد مع رئيس الحكومة الفلسطينية وفي الفندق الذي اطلق منه تصريحاته العنصرية حيث خشي رومني اذا ما زار رام الله والتقى برئيسها هناك أن يخسر بعض الدولارات. وبما ان الجماهير الفلسطينية لم تستطع استقبال المرشح الجمهوري بالاحذية كان من الاحرى أن تستقبل رئيس حكومتها العائد من عنده بالأحذية. أما باقي اركان السلطة فقد اكتفوا بإدانة لفظية لتصريحات رومني وخصوصا بالنسبة لنقل السفارة الامريكية الى القدس والتغاضي عن باقي التصريحات وارجاعها الى قلة معلوماته عن الاوضاع في المنطقة. حتى أن أحد زعماء الفصائل اليسارية على ضوء تنافس المرشحين لكسب رضى اسرائيل واللوبي الصهيوني قد صرح: "أن أمريكا قد تفقد مصداقيتها كراعية للعملية السلمية"، وصرح آخر: "أن هذه المزايدات تتكرر كل أربع سنوات قبيل كل انتخابات رئاسية ولكن بعد الانتخابات تبقى السياسة الامريكية ثابتة". ويتابع تأكيدا على كلامه: أن بوش وكلنتون من قبل قد وعدا في حملتهما الانتخابية بنقل السفارة الامريكية الى القدس ولكن بعد انتخابهما لم يفعلا ذلك.
واضح أن الانحطاط الكبير يوحد الامبريالية الامريكية واسرائيل والرجعية العربية في نظام رأسمالي عالمي واحد وعلى الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية أن تبقى خارج هذا النظام.

Wednesday, July 25, 2012

لماذا نحن متخلفون

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010226 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010210
لماذا نحن متخلفون؟
علي زبيدات – سخنين

يظن البعض. وغالبيتهم ينتمون إلى الطبقة التي تعتبر نفسها مثقفة وواعية، أن الأنظمة العربية السياسية هي وحدها الفاسدة وهي وحدهاالتي تقف حجر عثرة في سبيل تطور وتقدم الشعوب العربية وتقف سدا منيعا أمام لحاقها بركب الحضارة. وبناء عليه يجب أن ترحل. حتى أصبح شعار المرحلة هو رحيل هذه الانظمة. ولكن على ضوء ما يجري في وطننا العربي بشكل عام وما يجري في القطر السوري بشكل خاص يؤكد أن الانظمة متخلفة ذلك لأن الشعوب العربية متخلفة. لم يعد هناك مجال لتملق الشعوب. الحقيقة المرة بكل بساطة، وقد آن الأوان لهذه الحقيقة أن تقال علي الملأ علانية: الشعوب العربية المتخلفة تنتج قيادة متخلفة. وبدورها القيادة المتخلفة تحافظ على شعوبها متخلفة. هناك علاقة جدلية لا تنفصم بين القيادة والجماهير، بين الانظمة والشعوب. لم يعد بالإمكان الهروب أو التهرب من هذه البديهية.
لطالما أوسعنا الانظمة العربية سبا وشتما، نعتناها بابشع الصفات ودمغناها باقبح السلبيات وبينا بالتفصيل الممل لماذا يجب عليها أن ترحل لكي تريحنا وتستريح. ولكننا ملأنا أفواهنا ماءا عندما وصلنا الى الشعوب، لأنه من الجريمة التي لا تغتفر أن توجه نقدك الى شعب بأكمله أو إلى شعوب بأكملها. ولكن حسب رأيي أصبح السكوت على هذا الوضع جريمة أبشع بما لا يقاس.
هل تعلمون أنه في القرن الواحد والعشرين ما زالت الأمية تضرب أطنابها في الوطن العربي من المحيط الى الخليج؟ وحسب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليسكو) تبلغ نسبة الامية من ٧٠ – ١٠٠ مليون عربي؟ وهذا حسب التعريف القديم للأمية أي عدم معرفة القراءة والكتابة ولكن هذه النسبة تتضاعف إذا اعتمدنا التعريف الحديث للأمية أي جهل لغة الحاسوب والتخنولوجيا. وهذه النسبة هي من اعلى النسب في العالم، أعلى حتى من البلدان الافريقية التي رزحت لقرون طويلة تحت نير الاستعمار الاجنبي. الأمية هي العدو رقم واحد للشعوب العربية. لا حرية مع الأمية. وكل نضال تحرري يتحول عاجلا أم آجلا الى أعمال قتل جماعي متبادل كما يحدث الان في سوريا.
المصيبة العظمى عندما يرافق الأمية تعطيل كامل للعقل، عندما تقمع أبسط أشكال حرية الفكر والنقد، عندما يتم اغتيال الابداع عند العالم والكاتب والفنان والمفكر كما يحدث في عالمنا العربي. لن يجدينا فتيلا الوقوف والبكاء على أطلال القرن التاسع عندما كانت أوربا تتلفع بظلمات القرون الوسطى ونرفل نحن بأنوار الحضارة. نحن الان في القرن الواحد والعشرين ونكاد لا نرى أصابعنا من شدة الظلمات التي تحيط بنا.
كيف خرجت أوروبا من ظلماتها؟ كان هناك عصر سموه عصر النهضة نادى بالتطور والتحديث وترك التقاليد القديمة وكسر القيود التي كبلت العقل واستعماله. كانت هناك حركة عنيدة تحدت سلطة الكنيسة ورجال الدين. ومن ثم جاء عصر التنوير الذي شهد ثورة علمية في الكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك، تلتها الاختراعات في كافة المجالات. كانت هناك ثورة ثقافية أبطالها عمانوئيل كانت وفولتير وروسو وجون لوك وغيرهم الكثيرون. كانت هناك ثورة صناعية سرعان ما القت بالنظام الاقطاعي الى مزبلة التاريخ. وفي النهاية جاءت الثورات السياسية مستلهمة كل ما سبقها من ثورات.
ولكن عالمنا العربي وصل الى الثورات السياسية من غير أن تسبقها ثورات فكرية، ثقافية، علمية أو صناعية. كان العالم العربي في حالة ركود لم يعرف التاريخ مثيلا لها استمرت أكثر من عشرة قرون. فهل من الغريب أن تكون النتيجة عمليات قتل همجية تسمى مجازا ثورات؟.
متى سوف نبدأ في استخدام العقل؟ استخدام العقل ليس بالضرورة نقيضا للإيمان وللإعتقاد الديني. ولكن من يستطيع أن يطمئن أحزاب الاسلام السياسي؟ لقد حاول بعض المفكرين المسلمين ذلك أمثال الطهطاوي ومحمد عبدو والافغاني ولطفي السيد وغيرهم كثيرون ومن ثم تلاهم جيل آخر أمثال نصر حامد ابو زيد والجابري ومحد اركون وغيرهم. ولكن جميع هؤلاء قد فشلوا في ايقاظ العقل العربي من سباته، ربما لأنه ليس في حالة سبات عادية بل في حالة شلل كامل أو موت سريري. وهو بحاجة الى علاج عن طريق الصدمة. وأظن أنه يجب في هذه المرحلة التاريخية التركيز على الشعوب العربية وليس على انظمتها. ولنبدأ بشن حرب لا هوادة فيها على الأمية بكافة مسمياتها وكافة أشكالها و مستوياتها وبجميع أماكن تواجدها.

Wednesday, July 18, 2012

أولا هدم ومن ثم بناء

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010337 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010321
أولا هدم ومن ثم إعادة بناء
علي زبيدات – سخنين

أذكر أنني في سنوات الثمانين والتسعين كنت مشاغبا سياسيا أكثر من اليوم. وكنت زبونا كثير التردد على أحد القضاة العرب الذين خرجوا إلى التقاعد في محكمة الصلح في عكا. وفي إحدى المرات قال القاضي موجها كلامه لي: لقد آن الأوان أن تبدأ بالبناء وتكف عن الهدم. فأجبت بدون أن يطلب مني أحد الكلام: في كثير من الحالات يجب أن تهدم أولا ومن ثم تبني. وقد كلفتني وقاحتي هذه عقابا مضاعفا.
طبعا لست أنا من اخترع نظرية ضرورة الهدم أولا حتى تصبح عملية البناء مجدية وناجحة. تصوروا أن يبني أحدهم عمارة ضخمة مؤلفة من عدة طوابق على بيت قديم تكاد أسسه لا تحمله. وقد يكون للبيت القديم قيمة معنوية كبيرة بالنسبة لصاحبه. ولكن إذا أراد أن يبني بيتا جديدا بمواصفات متطورة تسد حاجاته المتقدمة فلا مناص أمامه سوى التضحية بهذه القيمة المعنوية.
زفت لنا وسائل الاعلام المحلية مؤخرا خبر اقرار لجنة المتابعة بالاجماع وبعد مشورات طويلة ومضنية مشروع اعادة بنائها. ويشمل هذا المشروع اقامة سبع لجان منبثقة عن لجنة المتابعة وتستثنى لجنة متابعة التعليم العربي لأنها ما زالت مسألة خلافية بين الاحزاب المختلفة من جهة وبين لجنة المتابعة واللجنة القطرية للمجالس المحلية العربية من جهة أخرى. وأقرت عقد مؤتمرها الوطني ومن بعده تنتقل لجنة المتابعة من دور التنسيق بين والاحزاب والسلطات المحلية الى موقع القيادة الوطنية الموحدة للجماهير العربية والتمثيلية أمام موسسات الدولة والمؤسسات الدولية.
مما لا شك فيه أن جماهيرنا العربية التي هي جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني بحاجة ماسة إلى هيأة قيادية وطنية و تمثيلية. أي بحاجة إلى بناء قوي وصامد وحديث. والسؤال الذي يطرج نفسه هنا: كيف يمكن أن تبني بناء متينا كهذا من غير أن تهدم الجدران المهترئة والسطح الآيل الى السقوط المتواجدة في صلبه؟
سوف تقوم سبع لجان. سبع لجان بدون أسنان.أي حبر على ورق. هل تتدكرون المثل الذي يقول: اذا اردت أن تقبر أمرا فشكل له لجنة. رئيس اللجنة سيبقى بالتوافق هو هو. أعضاء اللجنة سيبقون كما خلقوا: ممثلي أحزاب وأعضاء كنيست ورؤساء سلطات محلية. حتى لو تقرر في المستقبل (حتى الان لا يوجد اتفاق) انتخاب رئيس اللجنة واعضائها فهل سيغير هذا من الصورة شيئا؟ لا اظن ذلك. فكلنا يعرف ان الانتخابات في هذه البلاد هي مدرسة للفساد والرشوات والمصالح الشخصية أصف الى ذلك في مجتمعنا هي وصفة اكيدة لتأجيج النزاعات العائلية والطائفية.
إعادة البناء: هي كلمة جميلة قد تخدع أوساطا واسعة. وقد جربها شعبنا في كافة اماكن تواجده ولسنوات طويلة حتى اصبحت كلمة سحرية يرددها اليساري واليميني والقومي والاسلامي والاشتراكي. أقصد بها "إعادة بناء" منظمة التحرير الفلسطينية.
المطلوب: هدم ثم هدم ثم هدم ثم بناء. كلمة "إعادة" تصبح مجازا. البناء الجديد هو جديد بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
أنا شخصيا أؤمن بأن اللجنة الوحيدة التي تستحق قيادة وتمثيل الجماهير هي اللجنة التي تنبثق من رحم نضال هذه الجماهير. من خلال العمل الثوري الذي يهدف إلى تحرير الجماهير. مثل هذه اللجنة ليست بحاجة الى شرعية توافقية ولا شرعية انتخابية فاسدة، تكفيها شرعيتها الثورية.

Wednesday, July 11, 2012

المؤسسات الوطنية أولا

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009781 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009765
المؤسسات الوطنية أولا
علي زبيدات – سخنين
تناقلت الصحف والمواقع الاخبارية العربية الاسبوع الماضي خبر وقوع شرخ بين لجنة المتابعة أو بالاحرى بعض مركباتها الاساسية وبين اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية على خلفية توصيات لجنة بلسنر بخصوص الخدمة المدنية للشباب العرب وعلى خلفية البيان الصادر عن اللجنة القطرية بهذا الخصوص والبيانات المضادة من قبل عدة أطراف تستظل تحت مظلة المتابعة. ومع اختلاط الحابل بالنابل في هذه المسألة نسي كافة الاطراف المثل الشعبي القائل: كلنا بالهوا سوا.
أولا يجب التأكيد على الحقيقة التالية: أن فشل السياسة الحكومية في فرض الخدمة المدنية بكافة أشكالها وتسمياتها يعود من حيث الاساس الى شعور الشباب العرب بالنفور والاشمئزاز الطبيعي والعفوي ليس فقط للخدمة المدنية بل أيضا وبالأساس للدولة التي تقف وراءها. من الناحية النفسية والعاطفية والاخلاقية لا يستطيع الشاب العربي الطبيعي أن يتماهى مع مثل هذه المشاريع الاسرائيلية التي تذكره في كل لحظة بالنكبة وعواقبها التي تلاحقة حتى اليوم.
اذن، ليست لجنة المتابعة ولا اللجنة القطرية ولا لجنة مناهضة الخدمة المدنية ولا الاحزاب السياسية أو ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني من الجمعيات الممولة اسرائيليا أو غربيا هي التي أفشلت مخططات الخدمة المدنية. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن الاجحاف بحق ودور الافراد والمؤسسات المناهضة لهذه الخدمة.
قلت في السابق وأكررها هنا أن الذي يعترف بدولة اسرائيل وينصهر بمؤسساتها حتى النخاع وفي الوقت نفسه يدعو الى مناهضة الخدمة المدنية لا بد انه يعيش في تناقض وصراع داخلي، هذا في أحسن الحالات ولكنه قد يكون محترفا للنفاق والرقص في عرسين واللعب على أوتار السلطة وأوتار الوطنية في وقت واحد.
مثلا، النائب مسعود غنايم يصرح وكأنه اكتشف أمريكا من جديد: “ليس الهدف من الخدمة المدنية المساواة انما ضمان الولاء للدولة". اليست الخدمة في الكنيست الاسرائيلي مشروطة بالولاء للدولة؟ ولماذا مسموح لك ولباقي اعضاء الكنيست العرب "الوطنيين" أن يقسموا يمين الولاء للدولة ويحرم ذلك على المواطن العادي؟ ألستم قدوة لهذا المواطن؟وأليست مصداقيتكم على المحك؟
بيان اللجنة القطرية يصر على رفض الخدمة المدنية أسوة بباقي المؤسسات، ولكن لماذا لا نسميها خدمة أهلية أو مجتمعية؟ ولماذا تكون تحت مظلة وزارة الأمن الداخلي ولا تنتقل الى وزارة الصحة أو وزارة الرفاه والخدمات الاجتماعية أو وزارة المعارف؟ ولماذا لا يتم تعميمها ومأسستها من خلال السلطات المحلية؟ وكأن الوزارات المذكورة ليست جزء من الحكومة أو وزراء هذه الوزارات أقل عنصرية من الوزراء الآخرين، وكأنه لا تربط السلطات المحلية العربية أيه صلة بالسلطة المركزية. حقا انها فوضى خلاقة.
وكعادته سارع الدكتور أسعد غانم للتنطير لهذه الفوضى الخلاقة في مقال نشرته صحيفة كل العرب بعنوان:”نعم للخدمة المجتمعية الالزامية ولا لتهريج المنصات والاذاعات". وبعد أن ينفي عن نفسه مسبقا أن يكون مؤيدا للخدمة المدنية بعد أن استبدلها بالخدمة المجتمعية طالب بجعلها مشروعا وطنيا ينفذ من خلال السلطات المحلية، ولضمان الإلزام فلا مانع من سن قانون عام. خلاصة التنظير هو تحويل الخدمة المدنية من مشروع حكومي هدفه طمس الهوية الفلسطينية الوطنية عند الشباب العرب إلى مشروع وطني لخدمة المجتمع العربي. قد يكون هذا كلاما جميلا لو كان لدينا مؤسسات وطنية حقيقية مستقلة تماما عن الدولة.
الخلاصة هي أن القضية ليست خدمة مدنية أو مجتمعية، ليست وزارة الامن الداخلي أو الرفاه الاجتماعي، ليست السلطة المركزية أو السلطة المحلية، بل القضية : هل هي مؤسسات وطنية مستقلة أم مؤسسات حكومية. ومن هنا تنبع وتتفرع كافة المسائل.
من أجل خدمة المجتمع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الاسرائيلي لا بديل عن بناء مؤسساتنا الوطنية المستقلة في كافة المجالات.

Saturday, July 07, 2012

هذا هو العرس الفلسطيني

 
هذا هو العرس الفلسطيني
علي زبيدات – سخنين

قصتان الأولى منهما من نسج الخيال ولكنها لو حدثت بالفعل لكانت شديدة الواقعية الى درجة اللامعقول والاخرى حقيقية ولكن من شدة واقعيتها تبدو أغرب وأبعد من الخيال. القصة الاولى: استير (اسم مستعار) فتاة يهودية فارسية تسكن مع عائلتها افتراضيا في مدينة طهران. استير، وهي فتاة جميلة ورقيقة، احبت شابا يهوديا من بلد آخر ولتفترض انه كان اسرائيليا او امريكيا أو من أي بلد آخر لا يهم. وقد اتفق الحبيبان على الزواح ومن اجل ذلك طلبت القتاة من السلطات الايرانية أن تسمح لحبيبها القدوم الى طهران لكي يتم عقد الزواج ويبدأ الحبيبان حياتهنما الزوجية بشكل طبيعي. الا ان السلطات التي تمثل محور الشر في العالم ويحكمها ملالي ظلاميين رفضت طلبها جملة وتفصيلا. ولم تعط السلطات أي سبب لرفضها هذا البيسط سوى كون الفتاة يهودية. وطلبت الفتاة ان يسمح لها علـــــى الاقل بالسفر الى حبيبها للعيش معه في بلده من غير أن تفقد حقها بوطنها. ولكن السلطات هددتها مرة اخرى بانها سوف تكون سفرة من غير رجعة ولن يسمح لها ابدا برؤية عائلتها. تسرب هذا الخبر وتناقلته وسائل الاعلام العالمية. في هذه الاثناء كان الرئيس الامريكي أوباما يلقي خطابا هاما في الكونغرس فقطع خطابه ليهاجم النظام الايراني الذي يفمع الحريات الشخصية وينتهك ابسط حقوق الانسان وهو حرية استبر وحقها في اختيار زوجها والعيش معه في بلدها. اما هيلاري كلنتون التي كانت تلقي خطابا في الامم المتحدة فقد قطعت هي الاخرى خطابها لكي تنعت النظام الايراني بابشع الصفات. اما المستشارة الالمانية ميركل فقد طالبت المجتمع الدولي بفرض المزيد من العقوبات على النظام الايراني وطالبت يعقد جلسة خاصة لمجلس الامن لاتخاذ قرار دولي لقرض العقوبات كما صرح كل من الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا ورئيس الوزراء البريطاني بدعم موقف ميركل وطالبا الاتحاد الاوروبي باتخاذ موقف حاسم لادانة النظام الايراني ونصرة الفتاة أما رئيس الوزراء الاسرائيلي فقد أكد على ضوء هذه الحادثة المذكورة ضرورة شن حرب ابادة ضد ايران. وهكذا اصبحت أستير بين ليلة وضحاها سوبر ستار ورمزا للحرية.
واليكم القصة الثانية الحقيقية التي اصبحت ابعد من كل خيال:
دينا(الاسم حقيقي وليس مستعارا) فتاة فلسطينية كتب عليها أن تحمل الجنسية الاسرائيلية مثلها مثل باقي ابناء شعبها الذين لم يرحلوا في عام النكبة تسكن في مدينة سخنين. أحبت شابا فلسطينيا يسكن في غزة. بعد فترة قررا الزواج وهنا فتح عليهما صندوق باندورا على مصراعيه. لا تستطيع دينا حتى أن تطلب من السلطات الاسرائيلية أن تتيح للشاب الذي احبته الدخول الى البلاد لعقد زواجها. فقانون الجنسية الاسراىئيلي الدي يسميه الفلسطينيون قانون لم الشمل والذي كان من الاحرى أن يسموه قانون تفريق الشمل. واذا ما حاولت السفر الى غزة لتحقيق حلمها هناك فعليها أن تنسى بلدها سخنين. وقد توجه والدها الى جمعية حقوق المواطن في اسرائيل وسأل: ماذا تستطيع الجمعية أن نعمل لمساعدة دينا؟ وكان الجواب قصيرا وجافا: لا شيء. كل ما يمكن عمله هو تسجيل حالتها لكي تنضم الى آلاف الحالات الاخري وتصبح رقما للاحصاء.
لم يتسرب خبر زواج دينا لوسائل الاعلام العالمية ولم يسمع بها أوباما ولا كلنتون أو ميركل. وبالتالي لم تصبح دينا سوبر ستار أو رمزا لأي شيء. ولكن دينا لم تستسلم. لم تقبل أن تحدد لها دولة اسرائيل من يكون شريك حياتها. قررت الزواج ممن اختاره قلبها مهما كانت الظروف. تحدت ولكنها دفعت الثمن. تزوجت شرعا وسوف تعيش بعض الوقت خارج بلدها. مساء الغد سوف تكون سهرة زفافها. وزعت الدعوات بنفسها على خلفية صورة لناجي العلي مكتوب عليها عائدون وأضافت عليها: ستبقى سخنين بلدي.
هذه قصة حقيقية لأن دينا هي ابنتي وما سردته هنا ليس سوى النزر القليل من التفاصيل. الحقيقة الكاملة تجعل منها قصة من الخيال.
غدا في السهرة سوف تمتزج الزعازيد ببالآهات. ودموع الفرح بدموع الحزن. سوف تخبئ أعاني الطرب بين طياتها الحانا حزينة وسوف تكون خبطة الاقدام في الدبكة خبطة تحدي وغضب. ولكنها ستكون سهرة مميزة.
هذا هر العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
هدا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب الى الحبيب
الا شهيدا او شريدا
كان بودي ان ادعوكم جميعا الى سهرة دينا ولكن عتدما تقرأون هذه السطور تكون السهرة قد انتهت.

Wednesday, June 27, 2012

بعبع تراث بن غوريون وبيغن


بعبع تراث بن غوريون وبيغن
علي زبيدات – سخنين

مرة أخرى أجد نفسي وكافة المؤسسات "الوطنية" سياسية كانت أم ثقافية على طرفي نقيض. من لجنة المتابعة العليا مرورا بنواب الكنيست العرب وحتى الاتحاد القطري للجان أولياء أمور الطلاب العرب ولجنة متابعة التعليم العربي  والمجلس التربوي العربي وجمعية الثقافة العربية والمركز العربي للحقوق والسياسات ومعهد مسار للأبحاث والتخطيط. جميع هذه المؤسسات وربما مؤسسات أخرى لم يتسنى لي الاطلاع على ردود فعلها هبت تطالب وزير التربية والتعليم الإسرائيلي العدول عن ارض تعليم تراث دافيد بن غوريون ومناحم بيغن على المدارس العربية في السنة الدراسية القادمة. أما موقفي فهو بكل بساطة وبكل صراحة : من الضروري بل من الواجب على المدارس العربية أن تدرس "تراث" بن غوريون وبيغن للطلاب العرب.
ها هو النائب جمال زحالقة يطالب الوزير بالعدول عن قراره لأنه يمس بمشاعر الطلاب العرب وبذاكرتهم التاريخية وبالهوية. أما مجمد حيادري رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي وعلى ذمة صحيفة الصنارة يقول:" إننا لا نعترض على شخصية بن غوريون وبيغن ومع الاحترام لكل القيادات اليهودية والإسرائيلية ولكن من المعروف أن كلا الاثنين قياديان صهيونيان وهذا موضوع  لا يفيد طلابنا" ويتابع بأن أهم ما في الأمر ألا يتم فرض الموضوع فرضا على المدارس العربية ويطالب الوزير بإشراكه بكل الأمور التي تتعلق باتخاذ القرارات المتعلقة بالمدارس العربية وطرح بديلا للمدارس العربية كإدوارد سعيد وعبد الرحيم محمود. أما مدير مركز دراسات وبعد أن يتهم الوزير بفرض الرواية الصهيونية على طلابنا والسطو على ذاكرتهم التاريخية والجماعية والاستخفاف بكرامة شعبنا  يقترح بديلا للمدارس العربية موروث توفيق طوبي وأميل توما وتوفيق زياد. أقول لرئيس لجنة متابعة التعليم العربي إن معرفة "تراث" بن غوريون وبيغن الدموي مفيد جدا لطلابنا.
ما هو تراث بن غوريون وبيغن الذي أفزع كل هذه المؤسسات بهذا الشكل؟ طبعا الرواية الصهيونية تجعل من بن غوريون بطلا قوميا ومن أهم المؤسسين للدولة والذي أعلن عن "استقلالها" ومن بيغن مناضلا عنيدا من أجل استقلال "الشعب اليهودي" في "بيته القومي". هل تظن مؤسساتنا السياسية والثقافية أن طلابنا من الغباء بحيث يصدقون الرواية الصهيونية؟ ألا يوجد لدينا نحن رواية أخرى أكثر صدقا وأكثر مصداقية من الرواية الصهيونية؟ ألا نستطيع مقابل الصفحتين أو الثلاثة التي سوف تعممها وزارة التعليم على المدارس العربية كتابة صفحتين أو ثلاثة تروي روايتنا وتقوض أسس الرواية الصهيونية الزائفة؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا كل هذه اللجان ومراكز الدراسات ومعاهد الأبحاث؟ وهل ينبغي على طلابنا أن يجهلوا تاريخ من صنع نكبتهم؟ ولماذا لا تقوم للجان أولياء أمور الطلاب استغلال صلاحياتها وإدخال الرواية الفلسطينية في الدراسة غير المنهجية في المدارس؟ من الذي سيعلم تراث بن غوريون وبيغن أليسوا معلمي التاريخ والمدنيات؟ وهل جميعهم من الجبن بحيث يعلمون ما يستلمون من الوزارة بدون التنويه ولو بالإشارة للرواية الفلسطينية الأقرب بما لا يقاس للحقيقة؟
أنا مع أن يعلم تراث بن غوريون وبيغن في المدارس العربية بحذافيره وكما تريده وزارة التعليم الإسرائيلية حرفيا ولكن في الوقت نفسه يجب سرد الرواية الفلسطينية القادرة على تعرية وفضح هذا التراث الزائف وتقوض قيمه المشوهة.
ليس لدى بن غوريون أي تراث إنساني تقدمي يمكن الافتخار به. تراثه ليس بأكثر من تاريخ طويل من نهب وسلب الأرض الفلسطينية وتشريد أهلها. فهو المسئول الأول عن النكبة، وعن تدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية، عن تهجير أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، تستحوذ عليه إيديولوجية فاشية عنصرية وعمالة للاستعمار القديم والحديث. يكفي هنا أن نذكر العدوان الثلاثي على مصر ومجزرة كفر قاسم. أما تراث بيغن فلا يقل من حيث انعدام الإنسانية والتقدمية فيه عن تراث زميله بل يزيد عليه. يكفي أن نذكر هنا بعض الجرائم التي اقترفها قبل وبعد قيام الدولة: قيادة المنظمة الإرهابية الفاشية "الاتصل" المسئولة عن مجزرة دير ياسين وعشرات المجازر الأخرى وعن تفجير فندق الملك داوود في القدس وقتل الكونت برنادوت وبعد ذلك بسنوات وبعدما أصبح رئيسا للحكومة عن حرب الإبادة التي شنها على لبنان وكانت ذروتها مجزرة صبرا وشاتيلا.
ليعلموا هذا "التراث" الفاسد والملوث أينما ومتى يشاءون. فالتراث الحقيقي هو ليس إلا نضال شعبنا المتواصل من أجل العودة والتحرير.

Wednesday, June 20, 2012

نحن نعرف متى ونعرف كيف


نحن نعرف متى ونعرف كيف
علي زبيدات – سخنين

مع كل الاحترام للمؤرخ الإسرائيلي  التقدمي شلومو زاند على كتابيه القيمين الأول: "متى وكيف أخترع الشعب اليهودي" والثاني: متى وكيف "اخترعت أرض إسرائيل"، نحن أبناء الشعب الفلسطيني من خلال تجربتنا التاريخية ومن خلال تجاربنا اليومية وليس بالضرورة من خلال البحث والدراسة، نعرف بالضبط  متى أخترع الشعب اليهودي وقلنا أن الحركة الصهيونية هي التي اخترعته في نهاية القرن التاسع عشر وأعلن عن ولادته رسميا في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وليس كما تروي الأسطورة الصهيونية بأنه شعب قديم ولد منذ آلاف السنين ولم يطرأ عليه أي تغيير. وقلنا أن اليهودية دين وأن اليهود ينتمون إلى شعوب عديدة اعتنقوا هذه الديانة على مر التاريخ. أما كيف اخترعت الصهيونية هذا الشعب فمن خلال الترويج لهذه الأساطير وتزييف التاريخ. وقلنا أيضا أن من يخترع شعبا بناء على أساطير لن تكون لديه مشكلة في أن يخترع وطنا وهميا لهذا الشعب. ف"أرض إسرائيل" كوطن قومي لليهود أخترعت في الوقت نفسه ليس من خلال تحقيق وعد رباني بل من خلال تنظيم حركة كولونيالية حديثة كانت جزءا من النظام الاستعماري القائم. ولكن العالم لم يستمع إلينا ولم يصدقنا. وكلي أمل أن يساهم هذان الكتابين في فتح أعين العالم على الحقيقة.
لم أقرأ الكتابين المذكورين بعد، مع إنهما ضمن برنامجي للقراءة. وأنا أنصح كل من تتاح له الفرصة قراءتهما. ولكني قرأت الكثير من النقاش الذي أثاراه خصوصا في مواقع الانترنت الإسرائيلية. لذلك فإن هذه المقالة ليست ولا يمكن أن تكون بأي شكل من الأشكال عرضا أو تحليلا للكتابين. مثل هذه المهمة تقع على عاتق المؤرخين وفي المكان المناسب. كل ما تتضمنه هذه السطور هو بعض الخواطر من وحي النقاش العام الذي أثير مؤخرا مع صدور الكتاب الثاني.
بالطبع، لم تخترع الحركة الصهيونية "الشعب اليهودي" و"أرض إسرائيل" كوطن قومي له من فراغ. فقد كانت جميع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مواتية لمثل هذا الاختراع: نشوء الحركات القومية في أوروبا، الثورات البرجوازية وتنامي المشاعر الشوفينية والأيديولوجيات العنصرية. حيث وجد يهود أوروبا أنفسهم في خضم هذه الصراعات أمام خيارين: إما الاندماج في شعوبهم وإما التقوقع والانفصال. وهنا تلاقت مصالح الأوساط الأكثر رجعية من الطرفين: اللاساميين على أنواعهم من جهة والحركة الصهيونية من جهة أخرى. فقد اتفق الطرفان على المبدأ الأساسي: أن اليهود لا يستطيعون تحقيق طموحاتهم القومية في أوروبا وعليهم إيجاد وطن قومي آخر. وكانت فلسطين هي الضحية.
تأسيس المشروع الصهيوني برمته على الأساطير لم يقلل من إمكانيات نجاحه على الأقل لفترة من الزمن قد تطول وقد تقصر. وعلينا أن نعترف أن الصهيونية قد حققت نجاحا ملحوظا في انجاز مشروعها. فالتاريخ في نهاية المطاف لا يصنع ولا يتطور حسب معايير الحرية والعدالة وباقي القيم الإنسانية.
إن اعتبار يهود العالم شعبا واحدا، بالإضافة إلى كونه يتناقض مع الواقع والحقيقة هو جريمة في حق اليهود أنفسهم. لأن ذلك يسلخهم عن شعوبهم التي ينتمون إليها ويقتلعهم من أوطانهم الأصلية ويقمع حضارتهم وتراثهم. وهكذا لم تقتصر جرائم الصهيونية على اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه وتشريده في شتى أنحاء الأرض بل أيضا في اقتلاع الملايين من اليهود والزج بهم في صراع لا ينتهي. لا تستطيع كافة الأكاذيب الصهيونية أن تخفي هذه الحقيقة. هجرة اليهود إلى فلسطين (علياه) لم تكن إلا تهجير، و"إنقاذ الأرض" هو نهب وسلب الأرض، وحرب "الاستقلال" هي حرب استعمارية عدوانية، وهكذا جميع المصطلحات الصهيونية.
لا أؤمن بوجود جنس أو شعب نقي. كل الشعوب اختلطت يبعضها البعض خلال آلاف السنين. سكان فلسطين اليوم هم ليسوا الكنعانيين القدماء وليسوا الاموريين أو اليبوسيين أو العبريين أو البلشت القادمين من جزيرة كريت أو باقي الشعوب التي مرت أو أقامت واندمجت على أرض فلسطين. العنصريون فقط يبحثون عن نقاء العرق ولا يجدونه إلا في مخيلاتهم المريضة.
بما أن فلسطين المحتلة ليست "أرض إسرائيل"، وطن الشعب اليهودي الذي اخترعته الصهيونية، فمعظم الذين قدموا إليها هم في الحقيقة لاجئون. وكما يحق للاجئين الفلسطينيين العودة إلى وطنهم بدون قيد أو شرط يحق لليهود الذين هجروا إلى فلسطين العودة إلى أوطانهم بدون قيد أو شرط. يحق لليهودي العراقي أن يعود إلى العراق واليهودي اليمني أن يعود إلى اليمن والمغربي إلى المغرب. على الدول العربية ليس فقط أن تفتح أبوابها لعودة مواطنيها اليهود بل يجب أن تعمل كل ما تستطيعه من أجل عودتهم أيضا. يشعر الكثيرون من اليهود في فلسطين باللجوء بالرغم من عملية مسح الدماغ الطويلة التي تعرضوا لها من قبل الصهيونية وبالرغم من معاناتهم من الأنظمة القمعية في أوطانهم الأصلية.
 على الجماهير اليهودية الموجودة في فلسطين أن تستبدل قانون العودة الصهيونية الذي اقتلعها من أوطانها بحق العودة الذي يضمن عودتهم إليها. حينئذ فقط سوف يلتقي نضالها مع الجماهير الفلسطينية ويصبح نضالا واحدا من أجل العودة والحرية.

Wednesday, June 13, 2012

أنا والحرديم


أنا والحرديم
علي زبيدات – سخنين

نقلت وسائل الإعلام العبرية مؤخرا خبر كتابة شعارات معادية للدولة وللصهيونية على جدران مؤسسة "يد فشم" لذكرى الكارثة، وأطلقت على كاتبي هذه الشعارات اسم: "حرديم متطرفين". الترجمة التي تعتمدها وسائل الإعلام العربية هي: يهود متزمتين أو أوصوليين، على غرار الحركات الأصولية والسلفية الإسلامية. وهناك مسميات أخرى لا تعنينا في هذا السياق. كما فهمت الاسم مأخوذ من جملة وردت في أحد أسفار التوراة تصف الذين "يخافون من الله ويطيعون كلامه".
لا أدري إذا كان الحرديم يخافون الله أم لا، كما لا أدري إذا كان الأصوليون والسلفيون عندنا يخافون الله أم لا. هكذا يقولون وهكذا يعتقدون. وما دام ما يقولونه وما يعتقدونه في إطار حرية التعبير عن الرأي وحرية المعتقدات ولا يحاولون فرضه بشكل من الأشكال على الآخرين فهذا حقهم.
على كل حال، لست من المعجبين بأي شكل من الأشكال بالأصولية الدينية مهما كان طابعها ومهما كانت تسميتها وفي الوقت نفسه أتحاشى الدخول في أي نقاش حول هذه الأمور لأنه سوف يكون نقاشا عبثيا وعقيما. أنا أؤمن بحرية كل شخص لاعتناق ما يراه مناسبا من معتقدات وأفكار.
الحرديم بكافة تياراتهم ومنظماتهم هم مجوعة غريبة عني كشخص وعنا كمجتمع، ومن خلال بحثي المتواضع وجدت أنهم مجموعة غريبة أيضا بالنسبة لمعظم سكان الدولة من اليهود. ولست متأكدا أن المسلسل الوثائقي الذي شاهدته مؤخرا من إخراج أمنون ليفي والذي جاء للتعريف بهذه المجموعة بعيدا عن الآراء والأحكام المسبقة، قد استطاع تغيير نظرة الشارع اليهودي إلى الحرديم. وأنا أعترف انه بعد مشاهدة حلقتين من هذا المسلسل "الحرديم" (المكون من 3 حلقات) قد عرفت أمورا كثيرة كنت أجهلها عن الحرديم ولكنها لم تكن كافية لتغيير وجهة نظري الأساسية بخصوص رفض التزمت الديني مهما كان مصدره.
غير أن الشعارات التي كتبت على جدران "يد فشم" بغض النظر عن التيار داخل الحرديم مسئول عن كتابتها (حتى كتابة هذه السطور ما زالت الشرطة تبحث عن الفاعلين)، تستحق التمعن وتستحق التقييم من قبلنا كشعب عانى الكثير من الصهيونية ومن الدولة التي ولدتها.
احد هذه الشعارات يقول:" دولة إسرائيل هي الأوشفيتس الروحي للطوائف الشرقية". ولمن لا يعرف أوشفيتس هو معسكر تركيز أقامته النازية لإبادة يهود أوروبا. من المعروف أن الصهيونية ومن ثم دولة إسرائيل قد شنت حرب إبادة روحية وحضارية ضد اليهود الشرقيين كان الهدف منها تجريدهم من تراثهم الحضاري الشرقي الذي يتعارض مع قيم الصهيونية الغربي. فلماذا لا نستطيع نحن، الفلسطينيين الذين شنت عليهم الصهيونية حرب إبادة مادية بالإضافة إلى الروحية وجردتهم ليس فقط من حضارتهم وتراثهم بل من أرضهم وبيوتهم أيضا، لماذا لا نستطيع أن نقول " دولة إسرائيل هي أوشفيتس الشعب الفلسطيني". شعار آخر يقول: "لو لم يكن هتلر موجودا لأوجده الصهاينة". للوهلة الأولى تبدو العلاقة بين النازية والصهيونية علاقة تعارض بل تناحر. ولكن الحقيقة على العكس من ذلك تماما. كانت الحركة الصهيونية حتى ظهور النازية حركة هامشية بين يهود أوروبا. وفي الوقت نفسه نمت الحركة النازية وترعرعت جنبا إلى جنب الحركة الصهيونية. كلتا الحركتين رضعتا العنصرية والشوفينية من ثدي واحد. العلاقة الوثيقة بين النازية والصهيونية كانت موضوعا لأبحاث ودراسات عديدة. وهناك العديد من الكتاب اليهود ومنهم من كان من ضحايا النازية كتبوا عن صناعة الكارثة وعن الأرباح التي جنتها الطبقة الحاكمة منها. إذن لماذا نخشى نحن الفلسطينيون الذين تعرضوا لممارسات نازية من قبل الصهيونية قبل وبعد الدولة أن نشير إلى هذه العلاقة التي يعرفها الكثيرون ومن ضمنهم كتاب ومؤرخين يهود. شعار آخر يقول:" أفيقوا أيها اليهود، النظام الصهيوني الشرير يعرضكم للخطر". الدولة الصهيونية ليست خطرا على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وعلى السلام العالمي فحسب بل أيضا على اليهود أنفسهم. لم يعد هناك أحد يصدق الكذبة الصهيونية التي تقول: أن دولة إسرائيل هي المكان الوحيد الآمن لليهود". أكاد أجزم عكس ذلك تماما:  دولة إسرائيل هي أكثر مكان في العالم غير آمن لليهود. صرح وزير التربية الصهيوني جدعون ساعر أنه مصدوم من فحوى هذه الشعارات.وأضاف مدير مؤسسة "يد فشم": "أنا مصدوم من هذا العمل النابي للكراهية المتقدة تجاه الدولة والصهيونية". الشعب الفلسطيني عانى من الصهيونية والدولة أضعاف مضاعفة مما عاناه الحرديم، فهل هما مصدومان أيضا من مدى كراهية هذا الشعب للصهيونية ولدولة إسرائيل؟

Wednesday, June 06, 2012

إعلام ورابطة الصحفيين


إعلام ورابطة الصحفيين
علي زبيدات – سخنين

ليس كل من بعث بخبر إلى جريدة أو إلى موقع إخباري أصبح مراسلا أو صحفيا. وليس كل من كتب مقالا أو خاطرة أو موضوع إنشاء أصبح كاتبا. وليس كل من تكلم في السياسة أصبح سياسيا. أبدأ بنفسي: لقد اقترفت هذه الأعمال المذكورة جميعها مرة وربما ومرات عديدة لا تحصى ولكني لا أستطيع ولا أقبل بأن أعرف نفسي كصحفي أو كاتب أو سياسي. ليس من باب التواضع بل من باب عدم قناعتي بل ونفوري من وضع نفسي في إطار تعريف مغلق ومحدد. لعل من أصعب الأسئلة التي تطرح علي سؤال: عرف نفسك، ما هي مهنتك؟ وعادة ما أتهرب من الجواب بالقول: أن سقراط قال اعرف نفسك وليس عرف نفسك.  ولكن، من ناحية أخرى يحق لكل شخص أن يعرف نفسه كما يشاء. هذا يعرف نفسه كمراسل وذاك يعرف نفسه كصحفي (وهي مرتبة أرقى من المراسل) وآخر يعرف نفسه كإعلامي ( وهي مرتبة أعلى من المراسل والصحفي). لا مشكلة لدي بتاتا كيف يعرف كل شخص نفسه، ولكن تصبح لدي مشكلة عندما يقوم هذا المراسل أو الصحفي أو الإعلامي بإطلاق الأحكام على الآخرين وتصنيفهم على هواه.
في الأسبوع الماضي، نظم مركز إعلام اجتماعا للصحفيين العاملين في منطقة الجليل. وكان مكان الاجتماع على بعد أمتار من البيت. اتصل بي احد الأصدقاء وقال لي: تعال يوجد اجتماع للصحفيين بالقرب منك. جئت بدون المزيد من الاستفسارات. وليتني لم أجئ. كان الاجتماع قد بدأ والنقاش قد اشتد حول ضرورة تأسيس رابطة تضم الصحفيين العرب. جلست ساكنا على غير عادتي. وبعد دقائق نادتني إحدى "الإعلاميات" من منظمات الاجتماع إلى جنب وسألتني: هل أنت صحفي؟ فقلت لا. هل استلمت دعوة لحضور الاجتماع؟ فأجبت بلا. إذن مع الأسف لا تستطيع حضور الاجتماع. ويبدو أن أحد الأصدقاء سمع أطراف الحديث فاقترب ليدافع عن حقي في الحضور وجرى نقاش ليس المجال هنا للخوض في تفاصيله.
لا أدري لماذا كلما سمعت كلمة رابطة تذكرت روابط القرى. هل ما زال أحد يذكر تلك الروابط التي أقامتها دولة إسرائيل في سنوات الثمانين لكي تشكل بديلا للقيادة الوطنية ولكي تنفذ سياسة الاحتلال بأيدي فلسطينية من خلال هذه الروابط؟ روابط القرى تلك فشلت في مهمتها وأصبحت في ذمة التاريخ ولكن بعد عقد من الزمن نجحت القيادة "الوطنية" في المهمة نفسها عن طريق اتفاقيات أوسلو وسلطة أوسلو. وأنا في الحقيقة لا أدري من أين جاءت كلمة "رابطة" وما هو مصدرها اللغوي: هل من ربط بمعنى قيد الشيء وشد وثاقه أم بمعنى الصلة والعلاقة التي تربط بين أشخاص مختلفين لكي يتعاونوا ويتضافروا؟ أنا أميل إلى المعنى الأول: الرابطة تعني الربط واللجم وكتم الأصوات وفرض القيود بحجة الدفاع عن الحقوق وبحجة التضامن والتعاضد، وهذا أخطر ما في الحكاية.
لا أنكر موقفي السلبي، أو بشكل ألطف، موقفي النقدي من مركز إعلام. وليس بسبب أن مديره الدكتور أمل جمال قد خدم في الجيش الإسرائيلي فقد تم تجاوز هذه الإشكالية منذ زمن طويل. بالنسبة لي لا أجد فرقا جوهريا بين من خدم في الجيش الإسرائيلي أو في سلك الشرطة الإسرائيلي أو في الكنيست الإسرائيلي. لاحظوا تكرار كلمة إسرائيلي. وبصراحة أكاد أصل إلى درجة الجنون من إصرار جميع مؤسساتنا "الوطنية" على عدم التخلي عن كلمة إسرائيل. أحكموا بأنفسكم: "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل"، "اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل"، "مركز مساواة لحقوق العرب في إسرائيل"، "عدالة- المركز القانوني لحقوق الأقلية القومية العربية في إسرائيل"، "إعلام- مركز إعلامي للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل". ولو، العمى!!
أنا لا أؤمن بأن مهمة الإعلام الفلسطيني "بناء علاقات بناءة مع الإعلام الإسرائيلي" أو مطالبته "بعدم الانحياز وتوخي العدل والمساواة في تغطيته للمجتمع الفلسطيني". القضية الفلسطينية بكل جوانبها هي قضية عادلة حسب جميع المعايير والقيم الإنسانية، ومهمة الإعلام الفلسطيني هي رفع راية هذه القضية عاليا. ولا أخجل أن نتعلم من الإعلام الإسرائيلي الذي يتجند عن بكرة أبيه لخدمة المشروع الصهيوني، فلماذا هذا التلعثم وهذه التأتأة في حشد الإعلام الفلسطيني لخدمة القضية الفلسطينية؟ هل السبب إرضاء صندوق فورد وصندوق أبراهام والاتحاد الأوروبي وغيرها من الصناديق الداعمة؟
وأخيرا همسة في أذن أنصار"الرابطات" على أشكالها: حرية الرأي لا تعني حقي أنا في أن أعبر عن رأيي بحرية بل تعني أولا وقبل كل شيء حقك أنت في أن تعبر عن رأيك بحرية، ليس كشعار على صعيد النظرية فحسب بل وفي الأساس في الممارسة العملية. لنتدرب على التعايش رغم الاختلاف في الرأي.

Wednesday, May 30, 2012

عودة إلى نقطة البداية


عودة إلى نقطة البداية
علي زبيدات – سخنين

عبر الكثيرون من المهتمين بالتغيرات السياسية التي تعصف بالعالم العربي عن صدمتهم من نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية. كيف يعقل بعد كل هذه التحركات الشعبية المليونية في ميدان التحرير وفي شتى نواحي البلد أن تتمخض الثورة عن خيار تعيس بين مرشح فلول النظام من جهة ومرشح حركة إصلاحية محافظة اقل ما يقال عنها إنها شاركت بالثورة بشكل انتقائي وانتهازي ولم تكن يوما في مقدمة التحرك نحو التغيير من جهة أخرى؟ أين الملايين؟ أين شباب الثورة؟. يقول "المفكر العربي" عزمي بشارة: "الثورة لم تختطف، و23% لمؤيدي النظام السابق ليس بكثير. الثورة بمصر قامت من أجل الديمقراطية وليس من أجل أن ينتصر هذا المرشح أو ذاك، ولذلك حققت أول انجازاتها. فمصر بخير". أنا لست شريكا في هذا التفاؤل الفج الذي يعبر عن فكر إصلاحي وموقف توفيقي. مصر ليست بخير. الثورة المصرية ليست بخير وبالتالي حتى الديمقراطية التي يتكلم عنها المفكر هي أيضا ليست بخير. وكان بشارة قد عبر عن موقف مشابه في حضرة الثنائي التونسي المرزوقي – الغنوشي اللذين قطفا ثمار الثورة التونسية في محاضرة حول العلمانية وكأن ما آلت إليه الثورة التونسية والثورة المصرية هو أكثر ما يمكن أن نحلم به. مع إني أتفق مع بعض تحليلات الدكتور بشارة بأن الذي حقق أفضل النتائج في الانتخابات هما مرشحا أقوى قوتين منظمتين: أجهزة الدولة القديمة من جهة وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى. ولكن هذا ليس السبب الوحيد في رأيي.
قلت في السابق وما زلت أقول إن استمرارية الثورة وتعميقها هو الضمان الوحيد لانتصارها وتحقيق أهدافها. الثورة في تونس وفي مصر لم تحافظ على استمراريتها وأحجمت عن تعميق مطالبها  لذلك كانت انجازاتها متواضعة. طبعا يوجد هناك ظروف موضوعية وأخرى ذاتية لهذه النهاية.
تراجعت الثورة المصرية منذ اللحظة الأولى لقبول المجلس العسكري وعدم تسديد ضربة قاضية لفلول النظام البائد. هذا التراجع استمر حتى التوقف التام. وما نشهده الآن هو بداية الهجوم المضاد لقوى الثورة المضادة. هذه النهاية المخيبة للآمال لا تقلل من أهمية التحولات التي حصلت، ولا تقلل من أهمية التحرك الجماهيري الذي لم يعرفه العالم العربي منذ قرون. ما حدث حسب رأيي لا يعدو كونه سوى جولة أولى في مسيرة طويلة وشاقة. لا يوجد ثورة في العالم حققت كافة أهدافها من الجولة الأولى: الثورة الفرنسية العظمى في عام 1979 وبعد مرور عشر سنوات على اندلاعها تراجعت وتحولت إلى إمبراطورية محافظة ومن ثم إلى عودة الملكية فكان لا بد من جولة أخرى تمثلت في ثورة 1830 وعادت الملكية مرة أخرى وجاءت ثورة 1848 لتكنسها وما لبثت حتى عادت الملكية من جديد إلى أن جاءت كومونة باريس عام 1871 لتكنسها مرة أخرى. الثورات الروسية والصينية والفيتنامية هي الأخرى مرت بمراحل مشابهة. ما تحتاجه مصر الآن على خلاف ما ينظر له عزمي بشارة من أن "المعارك الديمقراطية القادمة كثيرة تبدأ بالدفاع عن حقوق المواطن الاجتماعية والسياسية وتنتهي في التنظيم السياسي للانتخابات القادمة" بل تحتاج إلى تنظيم سياسي ثوري من أجل خوض الجولة القادمة، من أجل الثورة القادمة.
من يستغرب نتائج الانتخابات المصرية من أبناء الشعب الفلسطيني ألفت نظره لكي يتمعن بما حصل في فلسطين. حيث تسود الفكرة (الخاطئة!!) أن الشعب الفلسطيني الواعي سياسيا بعد المواجهة الطويلة والصراع المستمر مع الكيان الصهيوني تمخضت انتخابات رئاسة السلطة عن قيادة كل علاقة لها بالنضال الثوري هو من باب الصدفة. فقبل أن نستغرب نجاح أحمد شفيق وهو من رموز النظام البائد في مصر علينا أن نستغرب قبول الشعب الفلسطيني بمحمود عباس رئيسا لسلطة أوسلو كل هذه الفترة التي تقارب 8 سنوات نصفها تقريبا غير دستورية حتى حسب قوانين سلطة أوسلو نفسها (بعد أن انتهت ولايته عام 2009).
أظن هنا لا بد من العودة إلى النظرية اللينينة التي تقول أن الشعوب ليست ثورية بطبيعتها ولكنها تمتلك قوة ثورية كامنة. ويمكن تفجير هذه القوة الثورية من خلال إدخال الوعي الثوري إليها من خارج صفوفها وبالتحديد من قبل الطليعة الثورة الواعية. لذلك لا مفر من تربية الجماهير على النظريات الثورية وتنظيمها وتعبئتها حتى خوض النضال في ظل قيادة ثورية مخلصة. طبعا يوجد هناك دائما خطر انحراف القيادة الثورية ولكن لا يوجد هناك بديل آخر لها. ما زالت مقولة لينين في هذا الصدد سارية المفعول: " لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية". أين النظريات الثورية في العالم العربي؟ وأضيف هنا مسبقا أن النظرية الثورية ستكون عاجزة تماما إذا لم ترافقها ممارسة ثورية. هل يحق لنا أن نحلم بقيادة من طراز جديد تستوعب العلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة الثوريتين؟
في مصر كما في تونس وكما في فلسطين وفي كافة البلدان العربية تضافر النظرية الثورية والممارسة الثورية هي الضمان الوحيد للسير بالثورة العربية حتى النهاية.  

Wednesday, May 23, 2012

من أخطر من من؟

من أخطر من من؟
علي زبيدات – سخنين

في استطلاع للرأي أجرته مؤخرا أل بي بي سي شمل 22 دولة احتلت إسرائيل المرتبة الثالثة كأسوأ دولة في العالم وصاحبة التأثير السلبي على العالم. وقبل عدة سنوات جرى استطلاع آخر للرأي في أوروبا تبين من خلاله أن دولة إسرائيل تشكل أكبر خطر على أمن العالم. وفي هذه الأيام بينما يشهد العالم جوا من الانفراج في الملف النووي الإيراني في أعقاب التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة النووية وإمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران والدول النووية العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، جن جنون حكام إسرائيل الذين لا يقبلون عن الحرب بديلا. وكأن الحرب بالنسبة لهم لعبة أطفال تتم بأسلحة بلاستكية ولا تتمخض عن قتل ودمار.
دولة إسرائيل وباعتراف العالم هي أكبر محرض ومثير للحروب في العالم. فقد كانت القوة الدافعة وراء الحروب في العراق ولبنان وغزة والدول العربية الأخرى بل أن يديها الطويلتين قد وصلتا أيضا إلى إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية إما مباشرة وإما بشكل غير مباشر عن طريق تصدير الأسلحة الفتاكة والخبراء والمرتزقة. لم يشهد العالم خلال تاريخه الطويل أبدا دولة صغيرة كهذه تثير كل هذه الحروب. ولم يشهد التاريخ البشري دولة عسكرية بل دولة أصبحت ترسانة من أسلحة الدمار الشامل مثل دولة إسرائيل. حتى أن إسبارطة القديمة أصبحت نموذجا لطيفا بالمقارنة بها.
أنا شخصيا ضد السلاح النووي مهما كان مصدره ومهما كان حامله. لا يوجد هناك قنبلة نووية إسلامية أو عربية أو غربية. السلاح النووي أعمى ومجرم لا دينا له ولا قومية يدمر كل ما حوله بشكل عشوائي. صنعه، امتلاكه واستعماله هو جريمة في حق البشرية. لا يوجد شيء في الدنيا يمكن أن يبرره. يعتقد البعض أن السلم العالمي يكون مضمونا أكثر إذا ما انكسر احتكار الدول العظمى للسلاح النووي وامتلكته دولا أخرى لأن ذلك من شأنه أن يشكل ميزانا من الرعب يردع كل دولة من استعمال أسلحتها. هذه نظرية فاسدة وخطيرة. أولا، أي حياة هذه يمكن أن تتمتع بها شعوب الأرض تعيش دوما في ظل رهيب من الرعب؟ وثانيا، بدل إنفاق المليارات على تطوير وتصنيع الأسلحة النووية يمكن إنفاقها على مكافحة المجاعات والأمراض في العالم.
عدالة القضية هي التي تحدد عدالة السلاح الذي يستعمل للدفاع عنها. ولكن لا يوجد هناك أية قضية في العالم تستطيع أن تحدد عدالة السلاح النووي. ليس سرا أن كرتنا الأرضية تقف على كف عفريت. وأن الترسانة النووية الموجودة الآن كافية لأن تدمرها عدة مرات. البرنامج النووي الإيراني مهما بلغت خطورته ومهما صدقنا الدعاية الغربية والإسرائيلية بشأنه فإنه أقل خطورة بما لا يقاس من الترسانة النووية التي تمتلكها إسرائيل. والعالم المنافق الذي يعرف هذه الحقيقة جيدا يصمت صمت أهل القبور. الأسلحة النووية لم ولن تجلب الأمن لأية دولة ولكنها جلبت الرعب والقلق والرعب للجميع وإذا استمر العالم في تطويرها وصنعها فإنها سوف تجلب نهايته أيضا. يجب البدء بنزع وتدمير هذه الأسلحة فورا ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأخرى التي تمتلكها بما فيها دولة إسرائيل.
يقود دولة إسرائيل  الآن مجموعة من المهووسين وعلى رأسهم رئيس الحكومة الذي لا يهدأ له بال إلا إذا أثار المزيد من الحروب والمزيد من الأزمات في العالم، ووزير خارجية يهدد بتفجير السد العالي لإغراق 80 مليون مصري،  ويصرح بأن مصر تشكل خطر على إسرائيل أكثر من نووي إيران ويدعو إلى إعادة احتلال سيناء. فهل من الغرابة أن يعتبر الرأي العام العالمي هذه الدولة الأخطر على أمنه؟
دولة إسرائيل مهددة بالزوال، وهذا أمر طبيعي مثلها مثل دول عديدة قامت وزالت في العالم. ولكني أستطيع أن أطمئن حكام هذه الدولة إنها لن تزول عن طريق النووي الإيراني أو نووي عربي أو غيره. لأن الأسلحة النووية تدمر البلاد ولا تحررها، ونحن نريد فلسطين محررة وليست مدمرة. وهذا هو الفرق الأساسي بين الحرب والثورة. زوال الدولة لا يعني زوال الشعب. قد يكون العكس صحيحا: قد يكون زوال الدولة شرطا أساسيا لبقاء الشعب. الأمن الوجودي لدولة إسرائيل شيء والأمن الوجودي لسكان هذه الدولة هو شيء آخر.
كلما تفاقمت الدعوة للحرب كلما تصاعدت الأصوات المعارضة لها حتى من الأوساط الحاكمة نفسها. فها هو وزير الحرب الإسرائيلي يشكك في خطورة إيران وفي حتمية الحل العسكري، وقد لحق به شخصيات أمنية أخرى مثل رئيس الموساد السابق وغيره. ولكن طبعا مثل هذه الأصوات ليست بديلا عن تحرك شعبي محلي وإقليمي وعالمي ضد الحرب بشكل عام وضد الأسلحة النووية والحرب النووية بشكل خاص.

Wednesday, May 16, 2012

انتخابات الهستدروت - عين على عيني وعين على كابل


انتخابات الهستدروت – عين على عيني وعين على كابل

علي زبيدات – سخنين

تدعو "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" العمال العرب (وغير العرب، بصفتها حزب يهودي عربي) والأحزاب العربية التي لا تشارك كأحزاب في انتخابات الهستدروت إلى دعمها في هذه الانتخابات من أجل تغيير قيادة الهستدروت الحالية برئاسة عوفر عيني وذلك بسبب "تواطؤها مع الحكومة ليمينية وتآمرها على مصالح العمال وخدمة أصحاب رؤوس المال". ولتحقيق هذا الهدف دخلت الجبهة في تحالف واسع برئاسة إيتان كابل تحت المسمى الجذاب "البيت الاجتماعي" كبديل للقيادة الحالية.
على فكرة، كل ما تقوله الجبهة في دعايتها الانتخابية عن عوقر عيني هو صحيح مئة في المائة ولكنها نسيت أن تقول للعمال على اعتبار أن ذاكرتهم ضعيفة وقصيرة أنها قبل خمس سنوات كان عوفر عيني ذاته هو المرشح الذي دعمته وانتخبته. فهل كانت الجبهة يا ترى هي أيضا متآمرة على مصالح العمال وتخدم أصحاب رؤوس المال؟ للتذكير فقط: الجبهة صوتت لعيني في الانتخابات السابقة بالرغم من انه رفضها مسبقا ورفض إدخالها إلى ائتلافه. واليوم تدعو العمال إلى انتخاب ايتان كابل وهو الآخر أحد زعماء حزب العمل مثله مثل عوفر وقد صرح بافتخار أن قائمته تضم أشخاصا من حزب الليكود وكاديما وحزب العمل إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي. فهل يوجد هناك أي ضمان بألا يقوم  إيتان كابل هذا بالتواطؤ مع الحكومة ولا يتآمر على مصالح العمال ولا يخدم الرأسمال؟
حسب الاتفاق الذي أبرمته الجبهة مع كابل في إطار " البيت الاجتماعي" سوف تحصل على 5.5% من مقاعد مؤتمر الهستدروت وهذا ما تعتبره انجازا كبيرا (ربما، بالمقارنة مع نتائج الانتخابات السابقة عندما خاضت الانتخابات بقائمة مستقلة وحصلت على 4.6%) وعلى 8.8% من مجلس نعمات.
واضح أن نسبة هزيلة كهذه سوف يكون وزنها كجناح ذبابة في مجمل سياسة الهستدروت. هذا إذا اقتنعنا مسبقا أن إيتان كابل، الذي يختبئ خلفه عمير بيرتس المشهور، سوف يكون أفضل من عوفر عيني.
للمعلومات فقط: يبلغ أصحاب حق الاقتراع لانتخابات الهستدروت نصف مليون ناخب. في الانتخابات الأخيرة بلغت نسبة المشاركين 27% فقط. تقوم الجبهة في هذه الأيام، أسبوعا قبل الانتخابات بحملة دعائية بين العمال العرب لإقناعهم برفع نسبة التصويت وذلك من خلال تجميل صورة الهستدروت بشكل عام والتركيز على أهميته في الدفاع عن حقوق العمال وخصوصا من خلال قائمة الجبهة التي تخوض هذه الانتخابات تحت 3 شعارات أساسية وهي: 1) تقوية النقابات والطبقة العاملة. 2) دحر النهج المتواطئ في الهستدروت. 3) تقوية الخط اليهودي - العربي الطبقي. العامل العربي، من خلال تجربته الطويلة والمريرة مع الهستدروت، يعرف أن هذه النقابة، إذا صح تسميتها نقابة أصلا، هي التي أضعفت وأفقرت وميزت ضد العامل العربي لسنوات طويلة. وأن نهج الجبهة لا يقل تواطؤا عن باقي القوائم، بالأمس كان التواطؤ سافرا مع رامون ومن ثم بيريتس وعوفر عيني واليوم مع كابل وغدا مع شخص آخر. أما الخط اليهودي العربي الذي يكثر الحديث عنه في مجالات عديدة فهو لا يمت للطبقة العاملة بصلة. إذ كيف يعقل وضع الضحية والجلاد في سلة واحدة؟
 نحن هنا لسنا بصدد سرد تاريخ الهستدروت ودوره في صنع نكبة شعبنا مع أهميته القصوى. فكتب التاريخ تزخر بهذا الدور في تحقيق المشروع الصهيوني. لم يكن الهدف الأساسي للهستدروت منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا أبدا الدفاع عن الطبقة العاملة بل وعلى لسان مؤسسيها: السيطرة على فلسطين وخدمة الكولونياليين الجدد وتوطينهم  على الأرض الفلسطينية بعد تهجير أهلها. بعد أكثر من 40 سنة بعد تأسيسها كانت الهستدروت مغلقة تماما أمام العمال الفلسطينيين وكانت تعمل تحت اسم: "نقابة العمال العبريين في أرض إسرائيل" وعندما غيرت اسمها لتصبح "النقابة العامة للعمال" لم يتغير جوهرها وبقيت معادية لطموحات ومصالح العامل الفلسطيني، وعندما أصبحت تسمى "النقابة العامة الجديدة" لم تجلب أي شيء جديد لهذا العامل. لا يوجد أي نقابة أخرى في العالم مهما بلغت رجعيتها وتواطؤها مع الرأسمال هي في الوقت نفسه أكبر مشغل في البلد.
إذا كنا ننادي بمقاطعة انتخابات الكنيست لعدم إضفاء الشرعية على هذه المؤسسة العنصرية فكم بالأحرى أن ننادي بمقاطعة انتخابات الهستدروت. على العمال الفلسطينيين أن يصوتوا للهستدروت  بأرجلهم وأن يرحلوا بعيدا عنها اليوم قبل الغد وأن يقوموا بتنظيم أنفسهم في نقابات عربية مستقلة. 

Wednesday, May 09, 2012

الأسرى بين الأحزاب والجمعيات

الأسرى بين الأحزاب والجمعيات
علي زبيدات – سخنين

تعاني الأحزاب السياسية والجمعيات، مثلها مثل الأشخاص، من الأمراض. منها ما طارئ وخفيف ومنها ما يكون مزمنا وخطيرا وبعضها ما يكون فتاكا. أود أن أذكر هنا مرضين أعتبرهما الأكثر انتشارا والتي تعاني منها معظم إن لم يكن جميع أحزابنا وجمعياتنا، بتفاوت ما طبعا، وبالتالي تعاني منها جماهيرنا بكافة فئاتها.
المرض الأول: الجمود العقائدي وضيق الأفق السياسي. وجد الحزب ذات مرة ووجدت معه مجموعة من المعتقدات السياسية التي جلبها عادة القائد المؤسس وهذا هو. لا تغيير، لا تطوير، لا إبداع. وتصبح استمرارية الحزب وقياداته المهيمنة هي كل شيء. من عوارض هذا المرض مجموعة السلوكيات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: التخبط، عدم وضوح الرؤيا، التقاعس، والصراعات والمؤامرات الداخلية.
المرض الثاني: هو العجرفة والتكبر. فهو الحزب الوحيد الذي يمتلك الحقيقة والخط الصحيح وهو الوحيد الذي يحق له التكلم باسم الشعب والوطن. ومن عوارض هذا المرض الفئوية والتعصب الأعمى وإقصاء الآخرين.
هذه الأحزاب والجمعيات، مثلها مثل الكثير من البشر، لا تعترف بأنها تعاني من المرض أصلا. ولعل هذا الإنكار هو أخطر شيء بالقصة كلها.
تتفق جميع الأحزاب العربية وجميع الجمعيات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الأسرى والمعتقلين على أن قضية الأسرى هي قضية وطنية من الدرجة الأولى وهي اليوم تكاد أن تكون القضية الملتهبة الوحيدة على ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. وجميعها من غير استثناء تنادي بضرورة الوقوف إلى جانب الأسرى في معركتهم غير المتكافئة من أجل الحصول على أبسط حقوقهم الطبيعية ودعم صمودهم إلى أبعد الحدود. ولكن على أرض الواقع الأمور تختلف كليا. عجز هذه الأحزاب والجمعيات عن نصرة الأسرى المضربين عن الطعام أصبح فضيحة.
الأمراض التي تكلمت عنها أعلاه هي، حسب رأيي، السبب الرئيسي لهذا العجز. بعد ثلاثة أسابيع من الإضراب المفتوح عن الطعام لأكثر من 2000 أسير وبعد مرور شهرين وأكثر على إضراب ثمانية من الأسرى الآخرين، وأظن أن بلال وثائر قد دخلا موسوعة غينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابها بعد أن تخطيا اليوم السبعين، بعد هذا كله لم تستطيع أحزابنا السياسية وجمعياتنا الحقوقية أن تجلس مع بعض وتخرج بقرار واحد من أجل عمل جريء ينقذ هؤلاء الأسرى من حملة الإبادة البطيئة التي يتعرضون لها. كل ما شاهدناه هو أن كل حزب أوعز لبعض كوادره وبعض أصدقائه أن يقفوا احتجاجا على هذا الدوار أو على ذاك المفرق قبل أو بعد أن يقف كوادر وأصدقاء الحزب الآخر. لنأخذ سخنين على سبيل المثال لا الحصر: في يوم الإضراب الأول وهو يوم الأسير الفلسطيني، 17 نيسان لم يتحرك أحد. وقد وقفت وحدي في دوار الشهداء احتجاجا على هذا الوضع المأساوي، بعد عدة أيام قام بعض شبيبة أبناء البلد من عدة قرى بالوقوف في نفس المكان رافعين شعاراتهم، وبعدهم بيوم أو يومين وقفت مجموعة من شبيبة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وفي اليوم التالي وقفت مجموعة من الشبيبة الشيوعية. مشهد تراجيكوميدي من الدرجة الأولى. الأوضاع في باقي المدن والقرى لا تختلف من حيث الجوهر عن هنا، والوضع القطري لا يختلف عن الوضع المحلي. أشك في أن مثل هذه النشاطات قد تفيد الأسرى وقضيتهم. ولكني متأكد بأنها تضر المجتمع مما تسببه من شرذمة وتعكير الأجواء بين الأطراف المختلفة. لقد قرر أحد الأطراف (بعد 22 يوم من الإضراب) إقامة خيمة اعتصام في ساحة عامة، وعندما سألت: لماذا لم تشاوروا أحزابا أخرى قد تكون معنية أو تطرحوا الموضوع على للجنة الشعبية لكي تكون المشاركة عامة وواسعة؟ وقد كان الجواب: أن الخيمة مفتوحة للجميع ومن يريد المشاركة فأهلا وسهلا. وكأن القضية مسألة تسجيل سبق. فهل من الغرابة بعد هذا أن تقاطع معظم الأحزاب الأخرى هذه الخيمة؟
لا أظن أنني أظلم أحدا إذا قلت أن كل ما قامت به هذه الأحزاب حتى اليوم لم يكن من أجل الأسرى بقدر ما كان من أجل نفسها، من أجل كوادرها وأصدقائها ومقربيها. ومما أضفى بعض الحماس عليها هو الجو العام الذي ساد في الأسبوعين الأخيرين بأن الانتخابات البرلمانية قريبة وقضية الأسرى تشكل مادة دسمة للدعاية الانتخابية. وربما في هذا الصدد يستحق نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية الشكر لأنه أفرغ الهواء من عجلات هذه الأحزاب بتراجعه عن الانتخابات المبكرة.
وأخيرا، لي همسة في آذان الشباب الذين حاولوا القيام بدور مميز لنصرة الأسرى:  يبدو أن لكل شبيبة " ختيارها". وما زلتم تستمعون كثيرا "لختايركم" الذين أورثوكم الكثير من الشوائب وعلى رأسها التعصب وعدم الانفتاح على الآخرين. الشباب في الأصل هو روح قبل أن يكون جيلا.


Wednesday, May 02, 2012

النداء الأخير لإنقاذ أسرى الحرية
علي زبيدات – سخنين

لم يعد هناك مجال للتأتاة أو للتلعثم. لم يعد هناك مجال للمجاملة أو للنفاق. لقد أصبح الصمت عارا والسكوت جريمة. الصورة واضحة بدون أية رتوش: تعامل كافة المستويات القيادية الفلسطينية مع قضية الأسرى السياسيين المضربين عن الطعام أصبحت فضيحة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. وبناء على ذلك لم يعد أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحمل المسؤولية كاملة وتقوم بواجبها كما ينبغي وإما أن ترحل مرة واحدة وإلى الأبد.
الساعة الرملية على وشك النفاد. في كل لحظة أسير مضرب عن الطعام معرض للإستشهاد. الأسير ثائر حلاحلة بعد 64 يوما من الإضراب في غيبوبة، الأسير بلال ذياب هو الآخر يواجه خطر الموت، صحة الأسير أحمد سعدات في تدهور خطير، وهكذا عشرات الأسرى. مئات الأسرى الآخرين يدخلون الأسبوع الثالث من الإضراب. السلطات الإسرائيلية مصرة على موقفها المتعنت ومما يشجعها على تعنتها هذا هو الموقف المخزي لكافة المستويات القيادية الفلسطينية والعربية.
ماذا تنتظرون حتى تتحركوا؟ استشهاد واحد؟ اثنين؟ عشرة؟ يصرح رئيس السلطة الفلسطينية بأن السلطة سوف تعمل على تحويل قضية الأسرى إلى الأمم المتحدة وسوف تعمل على تدويل القضية برمتها؟ ماذا تنتظر؟ لماذا لم تحول القضية إلى الأمم المتحدة (العقيمة أصلا) حتى الآن؟ خصوصا وأن قضية الأسرى ملتهبة منذ فترة طويلة. على الأقل لكي نقول إنك فعلت ما تستطيعه. ولكن لكي نصدقك ولو قليلا يا سيادة الرئيس توقف حالا عن كافة أشكال التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، توقف عن بعث الرسائل لرئيس الحكومة الإسرائيلية والتي تلقى في سلة المهملات من غير أن تفتح، توقف عن التصريحات المشينة بأن نتنياهو شريكك للسلام الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
إسماعيل هنية، رئيس حكومة غزة يدعو إلى انتفاضة في الدول العربية والإسلامية لنصرة الأسرى. من الأحرى بك أن تدعو إلى انتفاضة في فلسطين أولا، بل من الأحرى أن تضرب التهدئة بعرض الحائط أولا.  عن أية تهدئة تتكلم يا رجل؟ أقوى الحبوب المهدئة في العالم لم تعد تنفع لتهدئة الشارع الفلسطيني.
وعندنا في فلسطين المحتلة عام 1948: لجنة المتابعة العليا بلعت لسانها، لا بيان، لا تصريح ، لا اجتماع. وكيف تجتمع أصلا ورئيسها في زيارة إلى مولدوفا لتفقد طلاب طب الأسنان، ورئيس اللجنة لقطرية للسلطات المحلية العربية في أمريكا لجمع الأموال؟ وحدث بلا حرج عن أعضاء الكنيست العرب الذين يملؤون قاعة وأروقة الكنيست بالصراخ حول كل موضوع مهما بلغت تفاهته ولكنهم يصمتون صمت أهل القبور فيما يتعلق بقضية الأسرى.
تعيش الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها حالة من التأهب والغليان. وهي، مثلها مثل الحركة الأسيرة نفسها، على أتم الاستعداد للصمود وتصعيد النضال. إذن لا يوجد هناك أي تبرير أمام المؤسسات القيادية لكي تدعي كعادتها بأن الجماهير غير جاهزة لخوض النضال.
مع كل احترامي وتقديري لعشرات الشباب والناشطين الذين ينزلون إلى الشوارع والمفارق والساحات في مدن وقرى عربية عديدة والذين يشاركون في خيم الاعتصام والمظاهرات أمام بعض السجون. غير أنه في هذه القضية بالذات لا بد من قرار سياسي  على مستوى قطري لحشد وتنظيم وتعبئة كافة طبقات المجتمع. للأسف الشديد، قرار كهذا ما زال حكرا على المستويات القيادية التي تكلمت عنها. على الشباب والناشطين المنتمين لأحزاب سياسية وغير المنتمين أن يعملوا على زيادة الضغط على المؤسسات القيادية بدءا من قياداتهم الحزبية الخاصة ووضعهم أمام مسؤولياتهم الوطنية: إما القيام بالواجب كما تمليه القضية وإما الرحيل.
الأسرى بعد الشهداء هم الشعلة التي تبقي قضيتنا الوطنية حية. لولاهم لماتت القضية منذ زمن بعيد في أروقة مدريد وأسلو وواشنطن وتحت أقدام جنودا الاحتلال. لذلك من حقهم علينا أن نعمل كل ما نستطيعه حتى تبقى هذه الشعلة ملتهبة.