Thursday, September 03, 2015

كنا بنكبة صرنا بنكبتين، حلوة يا بلدي



كنا بنكبة صرنا بنكبتين، حلوة يا بلدي
على زبيدات – سخنين
من لا يعرف لماذا اطلنقنا على عام ١٩٤٨ اسم عام النكبة؟ أظن الجميع يعرف لماذا. وعندما اقول الجميع لا اقصد جميع الفلسطينيين او جميع العرب فحسب بل جميع العالم ايضا. قد يكون هناك من لا يريد أن يسمع أو أن يرى أو أن يعترف، لجميع هؤلاء لا ضير من التذكير: عام ١٩٤٨ هو عام نكبة فلسطين لان فيه تم اقتلاع وتشريد معظم الشعب الفلسطيني، حوالي ٨٠٠ ألف مواطن من مجموع مليون ونصف، ومن لم يقتلع ويشرد وقع تحت الاحتلال، هذا بالاضافة إلى سلب ونهب وطنه واقامة كبان كولونيالي عليه بعد أن دمر اكثر من ٥٠٠ قرية ومدينة فلسطينية.
ما حدث حتى الان في سوريا وما زال يحدث امام اعيننا وامام أعين العالم هو أيضا نكبة، وهذه النكبة أكبر بكل المقاييس من نكبة فلسطين: ١٢ مليون لاجئ حتى الان، نصفهم تقريبا خارج وطنهم والنصف الاخر لاجئين داخل الوطن، وعندما نقول ١٢ مليون لاجئ هذا بعني اكثر من نصف الشعب السوري. هذا بالاضافة إلى مقتل ٢٥٠ ألف مواطن وجرح مئات آلاف المواطنين وتدمير مئات القرى والمدن والمنشآت. أليست هذه نكبة؟ عالمنا العربي مليئ بالنكبات من ليبيا و الجزائر وتونس مرورا بمصر والسودان وحتى العراق واليمن وحتى الدول العربية الاخرى التي تنعم حتى الان بالامن والاستقرار، مثل السعودية ودول الخليج والاردن هي الاخرى منكوبة بانظمتها وحكامها. ولكنها ليست موضوعنا هنا.
فكما أن نكبة فلسطين مستمرة منذ ٦٧ سنة حيث ما زال اللاجئون مشتتين في شتى انحاء العالم ومنهم من جدد لجوءه عدة مرات وما زال الكيان الصهيوني يعمل بلا ملل أو كلل لترسيخ مشروعه الاستيطاني على حساب من تبقى من أهل فلسطين على ارضه، فإن نكبة سوريا هي الاخرى مستمرة، ومخطئ من يظن انها مستمرة منذ اربعة سنوات فقط. ما حدث حتى الان من دمار وتهجير كاف لاعادة سوريا على الاقل قرن من الزمن إلى الوراء. لا ارى أي نور في نهاية هذا النفق المظلم، لا يوجد بوادر لحل سلمي أو لحسم عسكري. الحرب الدائرة في سوريا لم تعد حربا بين نظام ديكتاتوري وشعب يتوق للحرية، فالشعب إما لاجئ واما مقتول أو ينتظر اللجوء أو القتل. وهي ليست حربا بين نظام بحارب للحفاظ على سلطته وبين معارضة ارهابية مسلحة تريد انتزاع هذه السلطة. الحرب الدائرة في سوريا هي حرب عالمية مصغرة بروح وتقاليد الحرب الباردة بين معسكرين امبرياليين وحلفائهما. يتكون الععسكر الاول من أمريكا (وعندما اقول امريكا أشمل إسرائيل بشكل اوتوماتيكي)، الاتحاد الاوربي، السعودية ودول الخليج، وكل طرف يلعب الدور المخصص له. ويتكون المعسكر الثاني من روسيا، ايران، الصين وجلفائها المحليين.ليس النظام السوري والمعارضة السورية المسلحة سوى ادوات تتحكم بها قيادة هذين المعسكرين لصالحها. في هذه الحرب القذرة كل الوسائل مشروعة. ولا اقصد هنا وسائل القتل من أجل القتل والتدمير من أجل التدمير فحسب، بل ايضا الحرب الاقتصادية، الطائفية، الدينية والاعلامية. يحارب كلا المعسكرين حسب دعايته من أجل انقاذ الشعب السوري والحفاظ على وطنه سالما موحدا، حيث انقاذ الشعب السوري يعني قتله أو تشريده والحفاظ على وطنه يعني تدميره.
كما أن قضية اللاجئين بكل ابعادها هي محور القضية الفلسطينية، كذلك فإن قضية اللاجئين السوريين اصبحت محور الحرب الدائرة في سوريا. وهذه القضية بحد ذاتها نكبة. من ينبش صفحات التاريخ لا بد أن يجد صورا للاجئين فلسطينيين وهم في طريقهم إلى مخيمات اللجوء ويرى بعض الشبه في طريق اللاجئين السوريين. وعندما اقول بعض الشبه أعني أن ما حدث عام ١٩٤٨ يعد لعب اطفال بالمقارنة لما يجري الان. وهذا ليس تقليلا من شأن واهمية ما جرى عام ١٩٤٨ بل التأكيد على فظاعة ما يجري في عام ٢٠١٥. هل أقول أن اللاجئين الفلسطينيين كانوا محظوظين في مخيمات غزة والضفة والاردن ولبنان وسوريا، اذا ما قارناها بمخيمات اللاجئين السوريين في تركبا والاردن ولبنان وفي طريقهم للمخيمات "الراقية" في اوروبا حيث اصبح الموت غرقا أمرا عاديا؟
لا بد هنا من التوقف عند دموع التماسيح التي تذرفها اوروبا وبغزارة على اللاجئين السوريين. من نافل القول التأكيد على دور الاتحاد الاوروبي في خلق النكبة السورية ومن ضمنها نكبة اللاجئين من خلال مصالحها وسياستها الامبريالية. عملت اوروبا كل ما تستطيعه لاغلاق حدودها في وجه اللاجئين حتى بعد غرق الالاف على شواطئها. يقوم اللاجئ الهارب مع عائلته من لهيب الحرب بمسيرة اصعب من المسيرة الصينية الكبرى ابان الحرب الاهلية: يصل أولا إلى تركيا ويستقل من هناك سفينة مهترئة تنقله إلى الجزر اليونانية، البعض يغرق في عرض البحر والبعض يصل إلى الشاطئ، ويتابع رحيله الى الشمال حيث يقطع الحدود المكدونية المغلقة ويصل إلى صربيا ومنها إلى المجر حيث يواجه جدارا من الاسلاك الشائكة واذا تخطاها يمنع من ركوب القطار المتجه إلى الشمال، سلوفاكيا تعلن انها لن تستقبل اللاجئين المسلمين، تزدهر تجارة وصناعة التهريب، شاحنات التبريد التي تقطع الحدود تصبح وسيلة تهريب يدفع ثمنها بالارواح. هولندا تصرح بانها سوف تقطع جميع خدماتها عن كل لاجئ لا يتم قبوله، دول أخرى تحذو حذوها. زعيمة اوروبا بدون منازع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل تذرف دموع التماسيح على مأساة اللاجئين ولكن تصريحاتها تنزع القناع عن وجهها ليتكشف على حقيقته، فتؤكد على ضرورة حماية ومراقبة الحدود الاوروبية وعلى ضرورة طرد غير المقبولين، وتوجه اسهمها إلى الدول العربية التي لا تستقبل اللاجئين بالرغم من كونها اقرب. وبذلك تتجاهل أن ثلاث دول فقيرة في المنطقة وهي لبنان والاردن وتركيا تستقبل ٤ ملايين لاجئ سوري، بينما دول اوروبا الغنية مجتمعة لا تتحمل استقبال ٨٠٠ ألف لاجئ وتتنازع فيما بينها لاقتسام هذا العبء الذي يعتبر أكبر خطر يواجهه الاتحاد الاوروبي.
كنا بنكبة فلسطين وها نحن مع نكبة سوريا، فكم نكبة تحتاج الشعوب العربية لكي تستفبق، تنفض الغبار المتراكم على جبينها وتلتحق بركب الحضارة؟

Wednesday, August 26, 2015

تجربتنا الاولى مع الديمقراطية



تجربتنا الاولى مع الديمقراطية
علي زبدات – سخنين
وأخيرا سيتم انتخاب رئيس للجنة المتابعة العليا للمرة الاولى منذ تأسيسها عام ١٩٨٢. يعتبر هذا الحدث بحد ذاته، في عيون الكثيرين تجربتنا الديمقراطية الاولى على المستوى القطري. طبعا هذا اذا اسثنينا تجربة الاحزاب السياسية وخصوصا تلك التي تزين كلمة ديمقراطية اساميها والتي تدعي انتخاب مؤسساتها وقياداتها ومرشحيها ديمقراطيا منذ نشأتها. وبغض النظر عن موقفي الشخصي من لجنة المتابعة والذي طالما عبرت عنه بانها لجنة زلئدة، غير ضرورية وأن ضررها يفوق فائدتها، فانا هنا لست بصدد الخوض في موقفي الشخصي منها بل الهدف مجرد الوقوف على بعض جوانبها.
حسب "دستور" لجنة المتابعة، يتم انتخاب رئيس اللجنة من قبل مجلسها المركزي وتعداده ٥٤ عضوا (والبعض يقول ٥٦ عضوا). وبدون الخوض في مسألة من عين اعضاء هذا المجلس أو انتخبهم وكيف ومتى وأين ولماذا، فمن المنطقي على الاقل ان يكونوا معروفين لجمهور الهدف. وفي ظل الثورة المعلوماتيه التي نعيشها فمن المفروض ان تكون مهمة معرفة اعضاء هذا المجلس سهلة للغاية. فإذا اردنا مثل اأن نعرف ما هي اسماء اعضاء فرقة البيتلز أو الرولينغ ستونز فسوف نجد في الشبكة العنكبوتية الاف الصفحات التي تشير إلى اسمائهم. ولكن هذه الشبكة بطولها وعرضها عجزت أن تحدد من هم هؤلاء ال٥٤ المختارين. في نهاية البحث تبين لي أن هذه النتيجة ليست غريبة، حيث لا أحد يعرف من هم على وجه التحديد حتى لجنة الانتخابات نقسها، لذلك قررت في اجتماعها الاخير، اسبوع قبل الانتخابات، التوجه الى :"الاحزاب والحركات المركبة للمجلس المركزي أن تسلم اسماء اعضائها المعتمدين والذين سيشاركون في الانتخابات حتى يوم الاثنين ٨/٢٤ للجنة الانتخابات". انتظرت بوم الاثنين لعل لجنة الانتخابات تفصح عن اسماء الذين سيحملون عبء التجربة الديمقراطية الاولى على كواهلهم، ولكن انتظاري طال الى لحظة كتابة هذه السطور. هل يوجد هناك اعضاء معتمدين واعضاء غير معتمدين؟ لقد شاركت شخصيا في الماضي في عدة اجتماعات لهذا المجلس ولم يسألني احد اذا كنت عضوا معتمدا أو غير معتمد أو لم أكن، وقد يكون الحضور في بعض هذه الاجتماعات اقل من ٢٠ مشارك وفي بعضها اكثر من مائة، فمن هم ال ٥٤ عضوا المعتمدين يا ترى؟ حسب معلوماتي، كمراقب من الخارج، أن اعضاء الكنيست العرب ال١٣ هم بشكل اوتوماتيكي اعضاء في المجلس المركزي بالاضافة إلى رئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية وبذلك يصبحون ١٤ عضوا، واذا كان هناك ثماني احزاب وحركات سياسية ولكل واحد منها يوجد ممثل واحد معتمد فالمجموع يصبح ٢٢ عشرين عضوا فمن هم ال ٣٢ عضوا الباقين؟ هل لبعض الاحزاب والحركات اكثر من ممثل واحد؟ عدت إلى صديقي غوغل ليسعفني ويساعدني على حل هذه الاحجية. فوجدت امامي المزيد الاحاجي. تبين لي اننا نردد ونكرر استعمال كلمة "مركبات" لجنة المتابعة، ولكن بدون ذكر واضح لهذه المركبات. لا خلاف على الاحزاب والحركات السياسية الثمانية وهي: ١) الجبهة ٢) التجمع ٣) الاسلامية الشمالية ٤) الاسلامية الجنوبية ٥) العربية للتغيير ٦) ابناء البلد٧) الديمقراطي العربي ٨) القومي العربي. هناك من يضيف بعض ما يسمى بمؤسسات "الجتمع المدني" فمن هي هذه المؤسسات؟ عدالة؟ مساواة؟ اللجنة العربية لحقوق الانسان؟ مدى الكرمل؟ لجنة اولياء الامور القطرية؟جمعية الجليل؟ جمعية الثقافة العربية؟ لا احد يدري على وجه التحديد.والبعض يؤكد ان وجود جميع هذه المؤسسات لا يتعدى صفة المراقب وانها ناشطة في لجان لجنة المتابعة فقط ولكنها ليست من مركبات لجنة المتابعة.
يقول البعض: هذه تجربة أولى ومتواضعة في الديمقراطية فلماذا اثارة كل هذه التساؤلات الان؟ فالانظار تتطلع إلى هذه التجربة الفريدة من نوعها وعلينا أن نحميها من كيد وحسد العابثين. فهناك مرشح شطب ترشيحه يتوجه للمحكمة العليا مطالبا باعادة ترشيحه، وهناك جهة اخرى غير معروفة اهدافها ومن يقف خلفها تتقدم هي الاخرى للمحكمة الاسرائيلية مطالبة باصدار أمر احترازي بمنع انتخاب الرئيس، وهناك فئة ثالثة تسمي نفسها حركة "انطلاقة" وتتقدم ببرنامج اقل ما يقال عنه بانه غير متوازن. ولكن هل هذه المخاوف تمنع ان تكون هذه التجربة الديمقراطية الاولى، مهما كانت متواضعة، اكثر جدية؟؟
كل ما اردت قولة هنا والتأكيد عليه: ان القيادة الوطنية الحقيقية هي تلك التي تنمو وتترعرع من خلال النضال الطويل والمستمر وليس من خلال تجارب ارتجالية بمستوى مسرحية رديئة بالشكل الذي نراه امامنا.

Wednesday, August 19, 2015

وقفة على مفترق طرق - النضال من غير قيادة



وقفة على مفترق طرق – النضال من غير قيادة
علي زبيدات – سخنين

في خضم موجة النضالات الشعبية الاخيرة، ردا على جريمة احراق عائلة الدوابشة واستشهاد الابن والاب وتضامنا مع الاسير المضرب عن الطعام محمد عليان، عاد إلى ذهني موضوع طالما تطرقت اليه في الماضي حول دور القيادة السياسية في النضال. لطالما انتقدت (وكلمة انتقاد في اغلب الاحيان كانت كلمة لطيفة) جميع القيادات والزعامات السياسية العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص من ملوك ورؤساء وحكام دول مرورا بزعامات حزبية وحركات سياسية وانتهاء برؤساء بلدياتنا ومجالسنا المحلية.
بالرغم من انتقاداتي اللاذعة والمتكررة لكافة القيادات والزعامات السياسية لم اشكك في يوم من الايام بضرورة وجود قيادة ثورية واعية وملتزمة تقود نضال الجماهير لتحقيق اهداف شعوبها بالحرية والاستقلال وتعمل على تجنيد وتعبئة الطاقات الشعبية وتقودها في الطريق النضالي الصحيح. تجارب الشعوب في العصر الحديث على الاقل تؤكد ان ضمان الانتصار كان مرهونا بوجود شعب الثائر الذي تقوده قيادة ثورية، وكل اختلال في هذه المعادلة المركبة كان يؤدي إلى الهزيمة والاندثار. هكذا كان الوضع في الثورات التي غيرت وجه التاريخ الحديث من الثورات الفرنسية المتعاقبة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مرورا بثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا والثورة الشعبية الصينية وحتى عشرات الثورات في فيتنام وكوبا ومصر والجزائر وغيرها، هذا بغض النظر عما آلت اليه هذه الثورات فيما بعد. لم انتقد في يوم من الايام قيادة كانت تقوم بدورها الريادي الطبيعي في ظل الظروف السائدة ولكني كنت شديد الانتقاد عندما تتخلى هذه القيادة عن دورها، تنحرف عنه أو تخونه، خاذلة بذلك شعوبها.
على الساحة الفلسطينية، اشعر في الحقيقة بنوع من الاعتذار لبعض القيادات السياسية التي كانت عرضة لاعنف عبارات النقد. وسوف اشرح ذلك.
هاجمت منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها عام ١٩٦٤ على يد جامعة الدول العربية لتكون أداة في يدها لترويض الشعب الفلسطيني ومنعه من تنظيم نقسه بشكل مستقل وخوض غمار حرب تحرير شعبية لاستعادة وطنه، واوكلت زعامة المنظمة حينذاك لاحمد الشقيري، وتابعت انتقادي بعد سيطرة فصائل المقاومة الفلسطينية عليها في اعقاب هزيمة حزيران عام ١٩٦٧ وزعامة ياسر عرفات الطويلة لها، خصوصا بعد زوال وهم الكفاح المسلح وتزايد الكلام عن "الحلول السلمية" منذ مؤتمر جنيف في اعقاب حرب تشرين عام ١٩٧٣ وتبني ما يسمى بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وحتى اتفاقيات اوسلو. بعد هذه المرحلة المكتظة بالتناقضات، بالمد والجزر، بالتقدم والتقهقر، جاء الانهيار الكبير، وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية إلى ظل نفسها، بل إلى كاريكاتور نفسها. حتى اصبح من التجني وضع احمد الشقيري وياسر عرفات في سلة واحدة مع محمود عباس وزمرته. وتذكرت قول الشاعر: دعوت على عمرو فمات فسرني – وعاشرت اقواما بكيت على عمرو.
الحالة ذاتها تنطبق على القصائل الفلسطينية. ما زلت اذكر المواجهة بيني وبين ياسر عرفات في مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف عام ١٩٨٨ حيث طلب منه ادانة كافة اشكال "الارهاب" والاعتراف بقرار ٢٤٢ كشرط لفتح قنوات مفاوضات مع الادارة الامريكية، فأجبته وسط دهشة الحضور: "النضال الفلسطيني ليس ارهابا والشعب الفلسطيني يرفض قرار ٢٤٢ جملة وتفصيلا". ولكن بنظرة خاطفة للخلف نرى شتان بين حركة فتح بقيادة عرفات، ابو اياد، ابو جهاد وغيرهم ممن قدموا ارواحهم فداء للوطن وبين حركة فتح بقيادة محمود عباس، جبريل رجوب، احمد قريع واسماء اخرى تأبى الذاكرة ان تحفظها لتفاهتها. ليس من العدل بشيء انتقاد الفريقين وكأنهما ينتميان إلى حركة واحدة. ولم اوفر نقدي عن اليسار الفلسطنين الاكثر جذرية وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اولا بسبب تخبطها بين الايدولوجية القومية والماركسية وثانيا بسبب قبولها زعامة البرجوازية الفلسطينية للحركة الوطنية، ولكن بعد رحيل جورج حبش واستشهاد ابي على مصطفى وأسر احمد سعدات ماذا تبقى من الجبهة الشعبية؟ أما عن الاحزاب "اليسارية" الاخرى فحدث ولا حرج. ليس هناك بعد مجال للتفصيل فجميع الحركات والاحزاب والهيئات القيادية في الهوى سوى، حتى لجنة المتابعة العليا التي يجري اليوم الكلام عن انتخاب رئيس جديد لها لا تشذ عن هذه القاعدة. هل يستطيع احد من رؤساء هذه اللجنة "المسيسين" و"الحزبيين" أن يزاود على المختار الاول للجنة المتابعة وهل يستطيع الرئيس المزمع انتخابه أن يغير شيء؟
لنعود إلى الخانة الاولى: نحن لا نعاني اليوم من تقصير القيادات السياسية، من عجزها، تخبطها، تخاذلها إلى غير ذلك الصفات والمترادفات، بل نعاني بكل بساطة من غيابها، انها غير موجودة، أو في احسن الحالات هي موجودة في واد والجماهير موجودة في واد. تقوم الحراكات الشبابية والشعبية بنضالاتها هنا وهناك في ظل غياب كامل للقيادات السياسية، حتى عندما تنتمي بعض هذه الحراكات لاحزاب سياسية فالقيادة تكون غائبة سياسيا وإن حضرت للحظات معدودة اسقاطا للواجب او كجزء من العلاقات العامة، فانها لا تضفي أية صبغة قيادية سياسية للنضال.
الخطأ التاريخي الذي ارتكبته معظم الاحزاب والحركات اليسارية، الاشراكية أو الشيوعية، الثورية أو الاصلاحية على الصعيد الفكري هو القول بأن الجماهير الشعبية قادرة على القيام بالنضالات العفوية ولكنها غير قادرة على خلق حالة من الوعي السياسي، وهذه المهمة اوكلت للطليعة المثقفة والتي غالبا ما تأتي من خارج الطبقات الكادحة. ومن هنا نمت وتطورت نظرية الفصل بين القيادة والجماهير ومحاولات التغلب عليها. خير ضمان لاستحالة هذا الفصل هو أن تخلق الجماهير الشعبية طليعتها من بين صفوفها وتستغني عن "طلائع" وافدة من الخارج.
اننا نقف في الوقت الراهن امام مفترق طرق: الطريق الصحيح، حسب رأيي، هو طريق الجماهير الواعية التي تقود نفسها بنفسها من خلال خلقها لقيادتها السياسية الثورية الواعية.

Thursday, August 06, 2015

هم يهدمون ونحن نستنكر



هم يهدمون ونحن نستنكر
على زبيدات – سخنين

منذ عقدين من الزمن على الاقل وموضوع هدم البيوت العربية في هذه البلاد يأبى أن يغادر العنوانين. لقد كتبت شخصيا في هذا الموضوع عمذ سنوات طويلة عدة مرات عندما كان بيتي مهددا بالهدم (وهو على فكرة ما زال مهددا بالهدم حتى اليوم). منذ ذلك الحين والحكومة تهدم وتهدم أو تهدد بالهدم أو تخطط له. ومنذ ذلك الحين ونحن نستنكر ونستنكر أو نهدد بالاستنكار أو نخطط له. والحياة مستمرة.
في الامس القريب هدمت الدولة (نعم الدولة، لا تقولوا لجان التنظيم، الشرطة أو المحاكم) ثلاثة بيوت في قرية دهمش وبيت في قرية سعوة غير المعترف بها في النقب وقبلها هدمت بيوت في العراقيب وام الحيران وام الفحم والطيبة وكفر قرع وكفر كنا والقدس، ولا اشمل هنا البيوت التي هدمت فوق رؤوس اهلها في غزة والبيوت التي هدمت في شتى ارةاء الضفة الغربية من اجل توسيع المستوطنات. هل يوجد هناك قرية او مدينة عربية سلمت من الهدم؟ هل يوجد هناك قرية أو مدينة عربية لم يهدم بها بيت أو اكثر أو يهدد بالهدم بيت او اكثر؟ الارقام تقول ولا ادري ما مدى صحتها من ٥٠ إلى ٨٠ ألف بيت عربي غير مرخص وبالتالي مهدد بالهدم. أعرف، الفرق شاسع بين الرقم الادنى وبين الرقم الاقصى وهذا ان دل على شيء فانه يدل على عدم جديتنا في توثيق كل الحالات وبلورة صورة صادقة لهذه المعضلة.
اكاد لا اجد كلاما جديدا لاكتبه في هذا الموضوع. فقد كتب كل شيئ عشرات المرات. يكفي ان تضع كلمتي "هدم البيوت" في احد مواقع البحث ليظهر امامك آلاف الاخبار والمقالات التي تتناول هذا الموضوع من كافة جوانبه: السياسة العنصرية، التمييز، الوعود بحل المشكلة، الاجتماعات، القرارات، المظاهرات، الاضرابات، خيم الاحتجاج، المطالبة بتوسيع مناطق النفوذ، ومسطحات البناء والخرائط الهيكلية...لم يعد هناك متسع لاي نقد جديد للجنة المتابعة العليا، للسلطات المحلية وللجنتها القطرية، للاحزاب السياسية ولكافة المؤسسات الاهلية.
اختلفت زعامتنا المحلية مؤخرا أين تجتمع، في سخنين حيث يفبع ممثل هذه الزعامة أم في قرية دهمش حبث مسرح عملية الهدم الاخيرة. وسوف يختلفون على طريقة الرد، فالجناح "الرديكالي" سوف يطالب بالتصعيد واعلان الاضراب ومظاهرة قطرية في قلب تل ابيب، فذاكرتنا الجماعية قد نسيت اننا جربنا هذا التصعيد قبل شهور قليلة. اما الجناح "المعتدل" فسوف يكتفي بالاستنكار والتنديد طالبا منح الحكومة فرصة اخرى لايجاد حل او منحه هو فرصة اخرى ليتوسط لدى الحكومة لايجاد حل.
اننا امام مأزق فعلي وحقيقي: الدولة لن تتوقف عن سياسة الهدم، ولن تستطيع حتى وإن ارادت ذلك، هدم البيوت العربية هو جزء من طبيعة هذه الدولة وإلا كيف يمكن أن يتحقق حلم الدولة اليهودية كاملا؟ ونحن بكل مؤسساتنا القيادية وغير القيادية نقف عاجزين امام هذه السياسة. أليس هذا مأزقا فعليا وحقيقيا؟
طبعا لا املك حلولا سحرية للخروج من هذا المأزق ولا احد يستطيع أن يدعي بانه يملك مثل هذه الحلول. ولكن آن الاوان أن نعترف بهاتين الحقيقتين:أولا، الدولة لن تتوقف عن سياسة الهدم والتمييز. وثانيا، نحن باساليبنا الراهنة عاجزين عن مواجهة هذه السياسة. حسب رأيي المتواضع الاعتراف بهاتين الحقيقتين هو المقدمة الاولى لاختراق هذا المأزق والانتصار عليه في النهاية، ومن شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه للتفكير خارح القوالب السائدة لايجاد وسائل نضال جديدة. فحتى ذلك الحين ما استطيع اقتراحه هنا هو بكل بساطة: الصمود في الوضع الراهن، لتستمر الحكومة في سياسة الهدم ولنستمر نحن في البناء "غير المرخص" و"غير الشرعي". ولتصعد الجكومة من سياسة الهدم وبالمقابل فلنصعد نحن من عملية البناء. من يصمد اكثر هو الرابح. لا خيار امام اهلنا في دهمش والعراقيب وام الحيران وغيرها سوى الصمود، واقضل طريقة لتخفيف بعض العبء عنها هو فتح جبهات جديدة، ولنكثف البناء في كل مكان نمنع من البناء فيه. سوف يتهموننا ويدينوننا بمخالفة القوانين وبالبناء غير الشرعي وسوف نتهمهم وندينهم بإن قوانينهم هي غير الشرعية.
لنغير العنوان من: هم يهدمون ونحن نستنكر إلى: هم يهدمون ونحن نبني.

Thursday, July 30, 2015

تأملات حول الخيانة



تأملات حول الخيانة
على زبيدات – سخنين

كتب الصحفي الانجليزي المعروف روبرت فيسك ناقدا للاتفاق الامريكي - التركي الاخير بخصوص اقامة منظقة منزوعة في شمال سوريا والذي اطلق يدي تركيا لمهاجمة الاكراد مقابل استخدام التحالف الامريكي للقواعد التركية في ضرب تنظيم داعش، قائلا: "لقد خلق الاكراد لكي تتم خيانتهم حيث قامت جميع القوى الاقليمية بخيانة الاكراد". ويفصل الكاتب الخيانات التي تعرض لها الاكراد منذ نهاية الحرب العالمية الاولى حيث وعدوا باقامة دولة خاصة فيهم بموافقة الامبراطورية العثمانية المهزومة، ولكن بعد وصول القوميين الاتراك بزعامة اتاتورك للسلطة تم التنصل من هذا الاتفاق واعاد احتلال مناطقهم المحررة بتواطؤ وسكوت الحلفاء. وعادت امريكا وحليفها في ذلك الوقت شاه ايران إلى خيانة الاكراد مرة اخرى بعد أن توصل هنري كيسنجر الى اتفاق بين الشاه وصدام حسين كان الاكراد ضحيته. وخلال حرب الخليج الاولى حرضت امريكا اكراد العراق بالتمرد ولكنها سرعان ما تخلت عنهم فيما بعد. وها هي امريكا مرة اخرى تضحي بالاكراد مقايل حفاظها على علاقاتها الاستراتيجية مع تركيا.
ما كتبه فيسك صحيح من حيث الاساس. بالمقابل، يوجد هناك شعب آخر تعرض للخيانة من جميع القوى الاقليمية وهو الشعب الفلسطيني. في هذا الموضوع وعلى مدار سنوات طويلة قضاها في بيروت وبعد العديد من الكتب والمقالات اكتفى روبرت فيسك، المختص بشؤون الشرق الاوسط، بتوجيه نقد معتدل لامريكا والدول الاوروبية لخياناتهم المتكررة للشعب الفلسطنين ودعمهم غير المشروط لدولة اسرائيل. في الحقيقة كنت وما زلت من انصار حق الشعب الكردي في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة حتى عندما كان احد طرفي الصراع عربي (العراق، سوريا) وليس فقط عندما كان طرف الصراع الآخر تركيا او ايران. فالقضية الكردية عادلة تماما مثل القضية الفلسطينية والشعب الكردي عانى من الاضطهاد واحتلال اراضيه كما عانى الشعب الفلسطيني. وكان من الطبيعي ان يتحد النضال الكردي والفلسطيني على ارضية مقاومة الاستعمار والاضطهاد القومي. ما زلت اذكر عندما كانت المقاومة الفلسطينية مناهضة للامبريالية والصهيونية كان العديد من المناضلين الاكراد يتدربون في المخيمات الفلسطينية ومنهم دخل السجون الاسرائيلية وكان مناضلو حزب العمال الكردستاني من اشد المؤيدين للقضية الفلسطينية.
غير أن الخيانة التي تكلم عنها روبرت فيسك ليست هي الخيانة التي اريد ان اتكلم عنها هنا. الخيانة الحقيقية التي تعرض لها الاكراد منذ البادية وحتى اليوم هي خيانة الاكراد لانفسهم، خيانتهم لقضيتهم ولنضالهم التحرري. امريكا ودول الحلفاء لم بخونوا الاكراد لانهم لم يكونوا في يوم من الايام مخلصين لهم. لقد كانوا وما زالوا مخلصين لمصالحهم. الخيانة الحقيقية عندما تسخر قضيتك الوطنية لخدمة مصالح الامبريالية والرجعية. لم يخن شاه ايران الاكراد لانه لم يكن في يوم من الايام صديقا حقيقيا لهم. تخلى عنهم عندما قبض الثمن الذي عرض عليه. ولكنهم خانوا انفسهم وقضيتهم عندما جعلوا من الشاه حليفا وصديقا. لم يتعلم الاكراد الدرس، فها هم يتهافتون على دولة اسرائيل وجعلوا من اراضيهم مرتعا لاوباش الموساد الاسرائيلي يعيثون بها فسادا ومنها إلى المناطق المجاورة. هذه هي الخيانة الحقيقية التي يتجاهلها فيسك وكل من يذرف دموع التماسيح على المأساة الكردية.
الامر نفسه حدث وما زال يحدث في فلسطين. لم تقم بريطانيا بخيانة الشعب الفلسطيني ليس عندما اصدرت وعد بلفور ولا عندما وقعت اتفاقية سايكس -بيكو أو عندما احتلت البلاد تحت قناع الانتداب ولا عندما جهزت الحركة الصهيونية لكي تصبح قادرة على تحقيق وعد بلفور واقامة دولتها. ربما في مرحلة معينة خانت حليفها الشريف حسين واولاده بعدما اخلفت وعدها لهم. بريطانيا لم تكن قي يوم من الايام مخلصة للشعب الفلسطيني حتى نتهمها بالخيانة. هنا ايضا الخيانة الحقيقية هي خيانة الفلسطينين لانفسهم ولقضيتهم عندما ظنوا ان بريطانيا هي الصديق المخلص. هذا ما كان الوضع عليه حتى مجيء الشيخ عزالدين القسام وقال ان بريطانيا هي العدو تماما كالحركة الصهيونية واحدث انقلابا جذريا في العقلية الفلسطينية السائدة حينذاك والتي حاولت اقناع بريطانيا بانها ستكون افضل من الحركة الصهيونية في خدمتها. واليوم الخيانة الحقيقية هو ان تستقبل طوني بلير بصفته وسيطا للسلام. لا يعقل ان تقف وتصرخ: العالم كله يخوننا، امريكا تخوننا، الاتحاد الاوروبي يخوننا، المجنمع الدولي يخوننا، وانت في الحقيقة من تخون قضيتك وتضعها على طبق من ذهب وتقديمها لكل هؤلاء المعتدين.
طبعا، عندما اتكلم عن الخيانة الكردية للقضية الكردية وعن الخيانة الفلسطينية للقضية الفلسطينية لا اقصد بذلك أن الاخلاص والتفاني قد زالا من الوجود. العكس هو الصحيح، واكبر دليل على ذلك أن القضية ما زالت حية في قلوب وضمائر معظم الشعب الفلسطيني والشعب الكردي، وان الخيانات مهما تمادت وعلا شأنها ستبقى كالاسماك النافقة التي تطفو على سطح البحر.

Wednesday, July 22, 2015

مسلسل باب المتابعة - الموسم الجديد



مسلسل باب المتابعة- الموسم الجديد
علي زبيدات – سخنين

لست من عشاق المسلسلات. ولا اذكر انني شاهدت حلقات مسلسل كاملة ولا حتى مسلسل باب الحارة في موسمه الاول عندما فرض نوعا من حذر التجول الطوعي على معظم قرانا ومدننا. عندي قناعة وقد اكون مخطئا، بأن المسلسلات التي تمتد إلى ثلاثين حلقة على الاقل (ناهيك عن المسلسلات التي تصل إلى مئات الحلقات) تستطيع من الحلقة الاولى ان تعرف ماذا يجري في باقي الحلقات مهما كانت براعة المخرج وكاتب السيناريو. في ساحتنا المحلية، التي تفتقر إلى مخرجين وكتاب سيناريو بارعين وتكتظ بممثلين يتهافتون على لعب الادوار الرديئة، يوجد هناك مسلسل اطلقت عليه اسم: مسلسل باب المتابعة. يعالج هذا المسلسل موضوع اعادة بناء لجنة المتابعة وانتخاب رئيسا لها. لست مشاركا في هذا المسلسل لا من قريب ولا من بعيد، ولا ادري ما يدور وراء الكواليس من نقاشات داخلية بين مركبات هذه اللجنة، كل معلوماتي عن هذا الموضوع مستمدة مما ينشر في الصحف والمواقع الاخبارية وهذه بدورها المصداقية آخر صفاتها. ولكن هذا المسلسل، على عكس مسلسل باب الحارة، يؤثر بشكل مباشر ويومي على مكانتنا وحياتنا ومستقبلنا في هذه البلاد لذلك لا يمكن بأي حال من الاحوال تجاهله.
لست هنا بصدد الخوض في موضوع ضرورة وجود مؤسسة قيادية تمثل الجماهير لفلسطينية في شتى الميادين وما هي مهامها ودورها وعلاقاتها بالدولة ومؤسساتها من جهة وبجماهيرها من جهة اخرى وبالقضية الفلسطينية من جهة ثالثة، كل هذه المواضيع بالغة الاهمية بحد ذاتها ليست موضوع هذه المقالة.
اظن ان الموسم الجديد من اعادة بناء وانتخاب رئيس للجنة المتابعة بدأ قبل حوالي سنتين، قبيل الانتخابات البلدية الاخيرة، إلا أن وطيس الحملات الانتخابية قد اقنع مركبات اللجنة بارجاء هذا الموضوع إلى ما بعد هذه الانتخابات "المصيرية" من وجهة نظر انصارها. وهكذا بعد اجتماع او اجتماعين للمجلس المركزي تم الاتفاق على التأجيل. الحلقة التالية بدأت بعد الانتخابات البلدية مباشرة وتعثرها في الناصرة. وما حدث في الناصرة معروف للجميع حيث قررت اللجنة في نهاية المطاف مرة اخرى تأجيل البت في الموضوع حتى تحل مشكلة الناصرة. بعد اعادة الانتخابات البلدية في الناصرة وما تمخضت عنه من نتائج مأساوية لبعض الاطراف، بدا وكأنه لم يعد هناك عائق لانتخاب رئيس للجنة المتابعة لعل وعسى ان تخرج من مأزقها وتباشر القيام بمهامها، ولكن مماطلة المركبات الاساسية لم تنته مما حدا بالرئيس التوافقي الاعلان عن استقالته النهائية (وكأنه كان نافذ الكلمة قبل ذلك). امام هذا الوضع اجبر ما تبقى من لجنة المتابعة ان يعلن عن حلقة جديدة لحل مسألة انتخاب الرئيس وتفعيل اللجان المنبثقة عنها وغيرها من الامور. وقد بدت الامور للوهلة الاولى بأن هذه المرة كافة الاطراف معنية بايجاد مخرج، وتم الاتفاق على معظم النقاط، هذا ما نشر في وسائل الاعلام على الاقل. وهنا ومن غير موعد جاءت انتخابات الكنيست الاسرائيلي، وبالنسبة للاحزاب العربية معركة الكنيست لها الافضلية خصوصا بعد التطورات على الساحة الحزبية وتشكيل القائمة المشتركة. مرة اخرى تنتهي هذه الحلقة بالتأجيل المعهود.
في الفترة الاخيرة، اجتمع المجلس المركزي للجنة المتابعة معلنا افتتاح الموسم الجديد من مسلسل باب المتابعة واعدا بمفاجآت غير مسبوقة منها تحديد تاريخ لانتخاب رئيس اللجنة وهو ٢٩/٨/٢٠١٥ ، بالاضافة الى فتح باب الترشيح على مصراعيه، وبما أن الدستور والنظام الداخلى لم يتطرقا لمرشحين من خارج المجلس المركزي، فعلى مثل هذا المرشح أن يحصل على تزكية من مركبين على الاقل من المجلس، وعلى جميع الطلبات ان ترسل الى رئيس لجنة الانتخابات النائب مسعود غنايم أو إلى العنصر الثابت في لجنة المتابعة، مدير مكتب اللجنة القطرية عبد عنبتاوي. وكم سعدت عند سماعي بوجود دستور ونظام داخلي للجنة المتابعة فأوقفت الكتابة للحظة لابحث عن هذا الدستور وعن هذا النظام الداخلي ولكن يبدو ان السيد غوغل لم تصله المعلومات بعد، حيث وجدت الاف الداستير والانظمة الداخلية ولكني لم اجد دستور لجنة المتابعةونظامها الداخلي. ومما زاد عجبي: كيف يمكن لدستور أو لنظام داخلي ان يتجاهلا قضية اساسية بكل جوانبها وتفاصيلها كمسألة انتخاب الرئيس. بالاضافة الى هذه النقطة المثيرة في المسلسل يوجد هناك نقاط عديدة لا تقل اثارة، مثلا: على المرشحين ان يقدموا ترشيحهم خلال ٢٠ يوم ويبقى اسبوع واحد حتى انتخاب الرئيس المحظوظ. ومن المرشحين الذين تداولت اسمائهم وسائل الاعلام، لا ادري اذا كان على حركة ابناء البلد ان تفرح ام تحزن فثلاثة من المرشحين انتموا اليها في مرحلة معينة من حياتهم السياسية ولكنهم تركوها وهم: عوض عبدالفتاح عن التجمع وعبدالحكيم مفيد عن الحركة الاسلامية الشمالية ومحمد ابو ريا كمستقل. وهذا ليس كل شيء: حيث يوجد هناك مصطلحات جديدة قد تدرس مستقبلا في ارقى الجامعات في كليات السياسة وعلم الاجتماع. مثلا: انتخاب رئيس بالتوافق، اظن أن مثل هذه النظرية لم تخطر حتى على بال مكيافيلي. او انتخاب الرئيس بصورة ديمقراطية من قبل المجلس المركزي الذي يتكون من ٥٤ عضوا وبثلثي اعضائه. او التناوب الديمقراطي للاحزاب السياسية الاربعة على الرئاسة. هل شاهدتم مسلسلا اكثر رداءة من هذا المسلسل؟ نصيحتي؟ اغلقوا التلفزيونات.

Wednesday, July 15, 2015

عندما اصبح العرب "كيس ملاكمة"



عندما اصبح العرب "كيس ملاكمة"

علي زبيدات – سخنين

في الديمقراطية لاسرائيلية هناك معادلة واضحة جدا: اذا اردت كسب اصوات اليهود فما عليك الا تصعيد العداء للفلسطينيين والعرب. هذه المعادلة لم يخترعها بنيامين نتنياهو بل وجدت قبله وستبقى بعده. ولكن مساهمة نتنياهو في الانتخابات الاخيرة انه خطا بها خطوة كبيرة للامام بتصريحه الشهير حول تهافت الفلسطينيين على صناديق الانتخابات. لا يوجد هناك حتى سياسي اسرائيلي واحد لم يدل بدلوه في هذا الموضوع في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة كل واحد على طريقته وباسلوبه الخاص. اصبحت دعوات ليبرمان للترانسفير وتبادل الاراضي واشتراط المواطنة بالولاء للدولة اليهودية امرا طبيعيا ومقبولا على التيار الصهيوني المركزي بل تعتبر الان دعوة طبيعية ومعتدلة. المعسكر الصهيوني "المعتدل" وال"يساري" والذي يطلق عليه البعض "معسكر السلام" يهاجم نتنياهو من اليمين ويتهمه بان سياسته التي فشلت بالوصول الى اتفاقية مع الفلسطينيين سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى دولة ثنائية القومية وهذا يعني نهاية الحلم الصهيوني بوجود دولة يهودية ذات أغلبية سكانية يهودية مطلقة. هذا المعسكر" اليساري" يلعب اليوم دور المنظر الرئيسي للدفاع عن نظام الابرتهايد الاسرائيلي.
طبعا لا يكتفي السياسيون الاسرائيليون من اجل كسب الاصوات اليهودية بتسديد لكماتهم للفلسطينيين بل للعرب اجمع. فهؤلاء الساسة متفقون على ضرورة تمزيق العالم العربي وتحريض طرف على الطرف الاخر واثارة الحروبات والفتن وتقديم شتى انواع الدعم للاطراف المتنازعة لكي تستمر في صراعاتها بعيدا عن السساحة الاسرائيلية.
هكذا اصبح الفلسطينيون بشكل خاص والعرب بشكل عام مجرد" كيس ملاكمة" لتدريب الاسرائيليين. ومن صفات هذا الكيس انه يستوعب ويمتص الضربات ليس إلا. فهو لا يستطيع الرد او الرفض او حتى الاحتجاج. وهو يستحق المديح فقط في حالة قدرته ونجاعته في امتصاص الضربات مهما كانت قوية ومؤلمة. فالسلطة الفلسطينية تبقى مقبولة طالما تنسق امنيا مع الاحتلال، وتعود للمفاوضات من اول وجديد حالما فشل الجولة السابقة عليهاا، وطالما رفضها للاستيطان يبقى لفظيا ومقاومتها للاحتلال تبقى على صعيد الشعار لا غير.
ليست اسرائيل، الدولة "الديمقراطية" هي الوحيدة التي تستعمل الفلسطينيين والعرب ككيس ملاكمة، هناك ديمقراطية اخرى اكثر رقيا وعراقة تعلمت منها وهي الولايات المتحدة الامريكية. مرشحو الرئاسة الامريكية، ديمقراطيين كانوا ام جمهوريين، معروفين ام مغمورين، جديين ام هزليين، اذا ارادوا كسب الاصوات اليهودية الامريكية فما عليهم الا ان يكثقوا من تسديد اللكمات لكيس الملاكمة الفلسطيني- العربي. هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية الاكثر حظا تتفوق في ذلك، فمنذ ان اعلنت ترشيحها رسميا وهي تتحفنا بمثل هذه اللكمات. فوعدت بشن حرب لا هوادة فيها على كل من تسول له نفسه بمقاطعة اسرائيل او الدعوة الى مقاطعتها أ، اتهامها بالتمييز العنصري حتى ولو كلن من حلفائها. وتعد بان تكون ادارتها افضل من الادارة الحالية بكل ما من شأنه خدمة دولة اسرائيل. وكان تصريحها الاخير بأنها سوف تدعم الحرب القادمة على غزة حتى ولو سقط ٢٠٠٠٠٠ شهيد.
بنيامين نتنياهو وهيلاري كلينتون وجهان لعملة واحدة، يسعيان ليس فقط لكسب الاصوات بل ايضا لكسب الاموال من خلال اتقان مهنة الدعارة السياسية وهي على فكرة اقدم مهنة في التاريخ وقد سبقت الدعارة الجنسية بقرون طويلة. ليس سرا وليس من باب الصدقة ان معظم تصريحات كلينتون المذكورة قد صدرت في حضرة المانحين من اصحاب الملايين. في اسرائيل كما في الولايات المتحدة، من يبذر اموالا اكثر على حملته الانتخابية يكون صاحب الحظ الاوفر للفوز باللعبة "الديمقراطية. حتى هذه اللحظة، يقوم كيس" الملاكمة العربي" بوظيفته الامتصاصية على افضل وجه بالرغم من انه محشي بالدولارات. ولكنه لا يستعمل هذه الحشوة للتخفيف من وقع الضربات النازلة عليه من كل حدب وصوب. الكل يعرف ان العاهرة السياسية من امثال هيلاري كلنتون سوف تذهب مع كل من يزيد بالسعر. على سبيل المثال: لو دفع لها الوليد بن طلال اكثر بقليل مما دفعه الصهيوني حاييم صبان لربما كانت قد لطفت من تصريحاتها بعض الشيء.
هذا الواقع سوف يتغير جذريا عندما فقط عندما يعتزل الفلسطينيون والعرب مهنة "كيس الملاكمة" ويحترفون مهنة فن الملاكمة.

Wednesday, July 08, 2015

سينا يا سينا بسم الله بسم الله



سينا يا سينا بسم الله بسم الله

علي زبيدات – سخنين

هل ما زال هناك احد يذكر هذه الاغنية الوطنية وهي تصدح وتلهب حماس الملايين في الايام الاولى من حرب تشرين ١٩٧٣ ونحن نتابع انباء عبور الجيش المصري لقناة السويس متجها لتحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلي؟ لحن هذه الاغنية وكلماتها البسيطة ما زالت ترن في اذني كلما قرأت عن الحرب على "الارهاب" التي يدور رحاها هذه الايام في ارجاء سيناء. شتان ما بين تلك الايام وما يدور حاليا من احداث. ومن اجل تنشيط ذاكرتنا الجمعية فقط: هل ما زال أحد يذكر اسم: منظمة سيناء العربية التي حملت لواء المقاومة للاحتلال الاسرائيلي بعد نكسة حزيران ١٩٦٧؟ نعم، بعد تلك الهزيمة النكراء، بينما كان العالم العربي مذهولا ومصدوما من هول الهزيمة، كانت العشائر العربية في سيناء متحدة في رفض ومواجهة الاحتلال الاسرائيلي من خلال تنفيذ عمليات مقاومة نوعية ضد الجيش الغازي، وتناغمت هذه المقاومة فيما بعد مع حرب الاستنزاف التي شنها الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر رافضين القبول بنتائج النكسة، وبقيت هذا المقاومة حية حتى لحظة عبور الجيش المصري إلى سيناء. ولكن وعلى عكس منطق التاريخ، انتصرت السياسة الرجعية التي تبناها الرئيس المصري اور السادات وزمرته مرة اخرى على المقاومة وتحولت سيناء من شبه جزيرة مقاومة، توحد كافة عشائرها وتحلم بمستقبل مشرق كجزء لا يتجزأ من الارض المصرية والشعب المصري إلى شبه جزيرة مهملة يسودها الفقر، حتى اصبحت مرتعا لتجار ومهربي المخدرات ومنتجعا لاثرياء النفط. وفي النهاية تحولت صرخات "الله اكبر بسم الله بسم الله" من هتافات في وجه العدو إلى هتافات تستقبل قطع اعناق المواطنين.
لا اظن ان جورج بوش وبعد رحيله عن المسرح السياسي كان يتوقع بأن تحقق "الحرب العالمية على الارهاب" التي شنها ستحقق كل هذه النجاحات. في السنوات الاولى قلنا انه قد ورط بلاده في حرب مدمرة في افغانستان والعراق، مدمرة ليس فقط بحق هاتين الدولتين بل في الاساس للولايات المتحدة الامريكية نفسها التي دخلت في ازمة اقتصادية خانقة لم تخرج منها حتى الان. ولكن يبدو ان الادارة الحالية فد تعلمت الدرس، فبدلا من أن تستمر في خوض هذه الحرب مباشرة فامت بتصديرها للعالم العربي الذي يديرها الان ويخوضها بالنيابة عنها. اى نظام عربي لم يدمغ معارضيه بالارهاب؟ وأي معارضة عربية لم تتهم ليس انظمتها فحسب بل المعارضات الاخرى ايضا بالارهاب؟ وهكذا اصبحنا جميعا، شعوبا وانظمة، ارهابيين. ومع الارهابيين لا يوجد طبعا حل وسط ولا يوجد مزح بل هناك نحر حتى العنق الاخير.
عندما اعلنت امريكا وحلفاؤها عن تشكيل جبهة مشتركة لمحاربة تنظيم داعش الارهابي بشرتنا بان هذه الحرب سوف تستمر لسنوات طويلة. اذ لا يكفي تدمير العراق وسوريا لمرة واحدة بل يجب ضمان ان تبقى مدمرة لسنوات طويلة قادمة. وها هي الدعاية الاسرائيلية تبشرنا بأن الحرب بين الجيش المصري والتنظيمات الارهابية في سيناء سوف تستمر هي الاخرى لسنوات طويلة وتقوم كعادتها بالتحريض واثارة النزاعات والحروب. فها هو المنسق الامني في الجيش الاسرائيلي الجنرال بولي مردخاي ومن على منبر قناة الجزيرة يتهم حماس بدعم وتقديم المساعدة لتنظيم داعش في سيناء بمحاولة مفضوحة لتحريض الجيش المصري بالتدخل عسكريا في غزة. كنا نتمنى ان تكون السيادة المصرية في سيناء كاملة الامر الذي حرمت منه بموجب اتفاقيات كامب ديفيد. وها هي الطائرات المقاتلة المصرية وطائرات الاباتشي والدبابات تعود إلى سيناء ولكن ليس لممارسة السيادة الوطنية عليها بل لقصف السكان المدنيين بحجة ملاحقة الجماعات الارهابية. التعتيم الاعلامي الذي تفرضه السلطات المصرية سوف يزول عاجلا ام آجلا وسوف يتبين من كان الضحايا الحقيقيين لهذه الحرب القذرة: الجماعات الارهابية ام المدنيين من ابناء سيناء المصريين؟.
تصادف المعارك الدائرة في سيناء مرور سنة على الحرب الاسرائيلية الاخيرة على غزة. وربما كان احد اهداف الحرب في سيناء تحويل انظار العالم عما يجري في غزة. فتقرير الامم المتحدة حول جرائم الحرب التي اقترفتها اسرائيل مر مرور الكرام، الحصار يزداد حصارا بعد ضم الجهود المصرية لاحكامه، الدمار الذي خلفته الحرب اصبح امرا عاديا. هل ما زال احد يذكر او يصدق الاحتفالات بالنصر؟
كنا نردد دائما وما زلنا نردد: اشتدي ازمة تنفرجي. يبدو أن أزمة الشعوب العربية لم تشتد بعد إلى درجة الانفراج. فلتحارب الانظمة معارضيها حتى الرمق الاخير ولتتناحر قوى المعارضة كما يطيب لها. فإن سقوطها قد اصبح وشيكا وعندها سوف ينطلق طائر الفينيق العربي من الرماد محلقا في السماء.

Wednesday, July 01, 2015

انواع من السفر واللجوء



اانواع من السفر واللجوء
علي زبيدات – سخنين
السفر جيد وجميل ولكن العودة إلى ارض الوطن افضل واجمل. يكون السفر جيدا وجميلا عندما يكون نابعا عن اختيار حر وجاء لتحقيق رغبة او غاية مثل: زيارة اقارب، اصدقاء او للترفيه والاستجمام او للاعمال. ولكنه يصبح اقل جمالا عندما يأتي تحت وطأة الحاجة والضرورة ويصبح قبيحا عندما يكون مفروضا من قبل قوة عاتية تشعر بالعجز امام طغيانها. في هذه الحالة لا يعد ذلك سفرا اصلا بل يصبح تهجير وتشريد. والعودة إلى ارض الوطن تكون جميلة عندما تصدر عن عواطف جياشة من الحنين والاشتياق بغض النظر عن فترة البعد والفراق. ولكن هذه العواطف تصبح اداة للتعذيب الجسدي والنفسي في حالة تعذر العودة.
رحلتي الاخيرة إلى هولندا كانت بين بين. فالرغبة بالسفر كانت متناقضة: من جهة كانت لتحقيق غاية ضرورية ومن جهة اخرى كانت ترضخ لاعتبارات تعسفية هذا بالاضافة إلى بعض التنغيصات التي اصبحت عادية مثل الاسئلة الغبية في المطار: هل الاغراض في الحقيبة لك؟ هل انت الذي قمت بترتيبها؟ هل طلب احد ان تنقل له شيئا؟ هل لديك سلاح؟ وزاد عليها هذه المرة أن الحقيبة لم تصل معي بل تأخرت اسبوعا كاملا لانها حسب رأيي كانت تحتوي على قناني زيت زيتون، دخان عربي، معسل وحتى بعض الملوخية والبامية ويبدو ان هذه الاشياء مشبوهة وتحتاج الى فحوصات مكثفة. العودة إلى ارض الوطن كانت هي الاخرى بين بين وذلك لاسباب ارجو أن تتوضح لاحقا.
يقول المثل، وهو على فكرة مثل أناني وسخيف، " عندما ترى مصائب غيرك تهون عليك مصائبك". المصائب التي رأيتها في سفري الاخير كان لها مفعولا عكسيا. رأيت بعض الفلسطينيين الهاربين من جحيم اليرموك والذين عانى بعضهم من التشرد عدة مرات حتى وصولهم إلى اليرموك وعانوا من التشرد عدة مرات بعد النزوح الاخير من اليرموك. سمعت حكايا لا تصدق، حتى انني لم استطع سماعها إلى الاخر: موت، جوع، حصار، تمزق العائلة الواحدة، جهل مصير الاخرين. البعض غرق في عرض البحر، البعض الاخر في مخيمات النازحين في الاردن، لبنان وتركيا، البعض ربما لم يعد على قيد الحياة. قال لي احدهم بحزن عميق: كنت عضوا في فرقة العاشقين الفلسطينية، هل تعرفها؟ فأجبت: طبعا اعرفها وانا واحد من عشاقها مثلي مثل كل الفلسطينيين في الداخل، فانا اتحدى ان يكون هناك فلسطيني واحد لم يستمع إلى: اشهد يا عالم علينا وعا بيروت أو إلى: من سجن عكا. ولكني لم اخف غضبي على الفرقة التي حلت ضيفة على سلطة رام اللة برحلة اعتبرتها تطبيعية وكم نازعتني نفسي لكي اشاهدها بعرض حي ولكني قررت في اللحظة الاخيرة المقاطعة. فقال لي: انا ايضا كنت مع الفرقة في رام الله، ولكن أين هم اليوم؟ جميعهم في المنافي بعضهم علمت بوصولهم الى احدى الدول الاوروبية وبعضهم لا ادري اين، هولندا مشكورة منحتني اللجوء السياسي وها ان انتظر وصول عائلتي واتمنى من الله ان يتم ذلك قريبا.
انضم هؤلاء المشردين الجدد إلى مشردين قدامى وصلوا إلى هولندا في سنوات سابقة. بعض هذه العائللات تشردت اربع أو خمس مرات: من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام ١٩٤٨ إلى الضفة الغربية، ومنها إلى الاردن، ومن ثم بعد ايلول الاسود عام ١٩٧٠ إلى لبنان، وبعد الاجتياح الاسرائيلي في عام ١٩٨٢ إلى تونس واليمن واوروبا. قابلت عائلة فلسطينية اخرى حياتتها تختصر التغريبة الفلسطينية برمتها: الجد واخوتة وبعض اولاده يتشردون من عكا عام ١٩٤٨ ويصلون الى مخيمات اللجوء في لبنان، الجيل الاول والثاني يموتون، من لم يمت موتا طبيعيا مات بالحرب. بعد الاجتياح الاسرائيلي ومن ثم حرب المخيمات يتفرق ابناء الجيل الثالث بين اوروبا ودول اخرى والبعض بقي في لبنان. اليوم الجيل الرابع: شاب في الثامنة عشرة من عمره والدته هولندية ولا يجيد اللغة العربية يقول: انا فلسطيني من عكا ساكن في هولندا.
نقلت بعض ما شاهدته عيناي وسمعته اذناي من الفلسطينيين في هولندا، ولكن الوضع نفسه تقريبا يعيشه الفلسطينيون في السويد، النرويج، الدنمارك، المانيا ودول اوروبية وغير اوروبية اخرى. اليوم تحاول الدول الاوربية مجتمعة محاربة "الهجرة غير الشرعية" كما تسميها بالقوة حيث اتخذت قرارات تصل الى اغراق سفن المهاجرين قبل ان تقلع من موانئ ليبيا ومحاصرتها في عرض البحر وارغامها على الرجوع في حالة اقلاعها. الامر الذي يعني عمليا آلالف الغارقين في البحر.
بالرغم من قسوة الاجراءات الاوربية الاخيرة تبقى افضل بما لا يقاس من السياسة التي تتبعها الدول العربية، حيث يمنع بعضها دخول الفلسطينيين منعا باتا ودول اخرى تسلبهم ابسط حقوقهم الانسانية. اليوم ينضم الى قوافل اللاجئين الفلسطينيين اخوانهم من اللاجئين السوريين. كنا بمأساة فأصبحنا بمأساتين، كنا بنكبة فاصبحنا بنكبتين. فأهلا بكم يا إخوة اللجوء في الوطن العربي الكبير وفي شتى انحاء العالم.
سوف نعود.

Thursday, June 25, 2015

من أمستردام إلى تل أبيب مرورا برام الله



من امستردام إلى تل ابيب مرورا برام الله

على زبيدات – سخنين

مدينة امستردام غنية عن التعريف. فهي ليست عاصة هولندا واكبر مدينة فيها فحسب بل هي من اكثر المدن شعبية في العالم من الناحية السياحيةايضا. وقد توجتها الاطراف المختصة بالسياحة عالميا لعدة سنوات في المكان الاول في السياحة أوروبيا وعالميا. ولعل اكثر ما يجذب السواح اليها (وخصوصا من منطقة الشرق الاوسط) هو لبراليتها وانفتاحها على السياحة الجنسية وعلى المخدرات الخفيفة المتاحة. ولكن بالطبع تقدم استردام للسائح اكثر من ذلك بكثير فهي المدينة التي تحتوى على اكبر عدد من المتاحف من بين المدن الاوروبية،بعض هذه المتاحف يحتوي على كنوز فنية لا تقدر بثمن كلوحات فان غوخ وريمبراندت وغيرهما هذا بالاضافة الى القنوات والمنتزهات والنوادي التي تضفي عليها جوا مثاليا لكل من يفكر في قضاء عطلة ممتعة.
بالمقابل مدينة تل ابيب هي الاخرى مدينة غنية عن التعريف خصوصا بالنسبة لنا نحن ابناء الشعب الفلسطيني. فهي تحاول جاهدة تقليد امستردام في العديد من النواحي السياحية ولعل ابرزها المهرجان الدولي السنوي للمثليين جنسيا حتى اصبحت تل ابيب تعتبر،بحق أو من غير حق، عاصمة المثليين العالمية. هنا حسب رأيي ينتهي التقليد والتشابه بين المدينتين. فلا اظن ان تل ابيب تستطيع أن تضاهي أو ان تقلد امستردام في المتاحف والمعارض والمهرجانات والنوادي الراقية.
ولكن هذه المقارنة العرضية كانت كافية لكي تطلب تل ابيب من امستردام التوقيع على اتفاقية توأمة بين المدينتين وان تجد اصواتا كافية في امستردام لقبول مثل هذا الطلب خصوصا في هذه المرحلة حيث تمت اعادة انتخاب نتنياهو كرئيس لاكثر حكومة يمينية وتعثر المفاوضات السياسية مهما كانت فاشلة مسبقا وللخروج من العزلة الدولة السياسية وتزايد اصوات المقاطعة والعقوبات عليها.
في هولندا لا يتم انتخاب رئيس البلدية بانتخابات عامة مباشرة كما يجري في البلاد. رئيس البلدية في هولندا هو موظف دولة يتم اختياره بواسطة مناقصة حسب مؤهلاته بغض النظر عن انتماءاته الحزبية والسياسية. ولكن يتم انتخاب اعضاء المجلس البلدي الذين يتمتعون بصلاحيات واسعة على عكس اعضاء البلديات عندنا الذين يشكلون جوقة خاصة تردد اللحن الذي يعزفه الرئيس. فاتفاقية التوأمة ليست من صلاحيات رئيس البلدية ولا يستطيع فرضها بينما لا يشكل المجلس البلدي اكثر من ختم لقرار الرئيس كما يجري عادة عندنا. فالاتفاقية يجب ان تنال موافقة المجلس بعد مناقشتها في جلسة علنية مفتوحة تتاح الفرصة للمواطنين المشاركة في ارائهم (ولكن طبعا من غير الدخول في النقاش والتصويت). وعندما عرضت اتفاقية التوأمة للنقاش في جلسة البلدية عرضت آراء الجمهور في البداية حيث تكلم ما لا يقل عن ثمانية من ممثلين عن لجان تضامن من بينها لجنة يهودية مناهضة للصهيونية تسمى:”صوت يهودي آخر" ولجنة تمثل الجالية الفلسطينية ومواطن يمثل نفسه ولكنه مهتم بحقوق الانسان. جميع هؤلاء عبروا عن رفضهم وعن امتعاضهم لاتفاقية التوأمة المعروضة. فجميعهم اكدوا بانه لا يمكن تقديم حبل النجاة لاسرائيل في هذه المرحلة بالذات حيث تتوغل في هضم حقوق الفلسطينيين وتستمر في بناء الجدار العازل واحكام الحصار على غزة والتمادي في بناء المستوطنات متحدية بذلك كافة القرارات الدولية وترفض اية تسوية سلمية. فقد حاول رذيس البلدية فان دير لان أن يفصل عملية التوأمة بين البلديتين عن سياسة الدولة ولكن جميع المتحدثين انه في اسرائيل لا يمكن الفصل بين سياسة الحكومة والسياسة المحلية فالبلديات هي وسيلة لتنفيذ السياسة الحكومية حتى وان كان رئيس البلدية من حزب معارض كما هو الحال في تل ابيب، هذا بالاضافة إلى ان تل ابيب نفسها فامت وتوسعت على انقاض مدينة يافا الفلسطينية التاريخية على انقاض قرى فلسطينية مهجرة اخرى.
تدخلات ممثلي لجان التضامن والمواطنين خلطت الاوراق الى درجة أدت إلى تغيير آراء العديدين من اعضاء المجلس البلدي وانتقالهم من المعسكر المؤيد الى المعسكر المعارض، حتى ان عدد من ممثلي الحزب الذي نينتمي اليه رئيس البلدية (حزب العمل الهولندي) وهو بالمناسبة الحزب الشقيق للحزب الذي بنتمي اليه رون خولدائي، قد غيروا رأيهم واعلنوا انهم سوف يصوتون ضد الافتراح. سيتم التصويت النهائي في بداية الشهر القادم حيث يتوقع اسقاط اتفاقية التوأمة.
ما هو دور رام الله اذن في الموضوع؟ في نهاية جلسة ولاقناع المجلس البدي بقبول الاقتراح سحب رئيس البلدية من قبعته ارنب رام الله حيث اعلن انه بالموازاة مع توقيع اتفاقية التوأمة مع تل ابيب سوف توقع بلدية امستردام اتفاقية تعاون مع بلدية رام الله مما سوف يساهم في اعادة الثقة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني وربما لتجديد العملية التفاوضية بينهما، وبأن رام الله قد رحبت بهذا الاقتراح على لسان ممثلها في هولندا. وكاد البعض أن يقع بالفخ: فإذا كان الفلسطينيون موافقين الا يكون من الوقاحة أن يعارض الاخرون؟. لقد تعودنا على رخص سلطة رام الله ولم تعد تفاجئنا. يبدو انها سعيدة بوقوفها على الهامش واكتفائها بالفتات. هذا ما حدث مؤخرا بسحب افتراح طرد اسرائيل من الفيفا، وبالترحيب بمقترحات لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي التي رفضتها اسرائيل وغيرها من المواقف المخزية السابقة واللاحقة.
سلطة أوسلو وصمة عار على جبين القضية الفلسطينية.