Thursday, November 26, 2015

قرار التقسيم ومحاولات محوه من الذاكرة



قرار التقسيم ومحاولات محوه من الذاكرة
علي زبيدات – سخنين
في مثل هذه الايام قبل ثمانية وستين عاما وبالتحديد في ٢٩ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٧ أصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة قرار رقم ١٨١ المعروف بقرار تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية. اجحاف هذا القرار في حق الفلسطينيين بفقأ العيون. حيث شكل الفلسطينيون في ذلك العام حوالي ثلثي السكان هذا بالرغم من الهجرة الصهيونية المكثقة خلال السنوات الماضية. ومع ذلك منح هذا القرار(على الورق) لسكان البلاد الاصليين ٤٢،٨٨٪ من مساحة فلسطين لاقامة دولتهم التي لم تقم ابدا. بينما نال ثلث السكان وغالبيتهم العظمى من المستوطنين الجدد ٥٥،٤٧٪ من البلاد لاقامة دولتهم التي بدأت بالتوسع حال الاعلان عنها حتى التهمت كامل الارض الفلسطينية.
رفضت الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني هذا القرار جملة وتفصيلا إذ لا يعقل أن يتخلى شعب عن اكثر من نصف وطنه لان البعض على بعد عشرات الالاف من الاميال قرر ذلك بدون أن يحمل نفسه عناء سؤال صاحب الشأن، بحجة ايجاد حل لمجموعة من الناس في ضائقة لم يكن السكان الاصليون طرفا في خلقها. لقد كان قرار التقسيم تتويجا لقرارات مجحفة سابقة بدأت بوعد بلفور ومرورا بصك الانتداب. وكان فاتحة لعملية تطهير عرقي بدأت فورا ووصلت اوجها في عام النكبة ١٩٤٨.
على كل حال، لست هنا بصدد سرد تاريخي لما حدث ذلك الوقت فالنتيجة معروفة للقاصي والداني ولو اختلفنا قليلا او كثيرا في تحليل اسبابها وظروفها. ما يهمني هنا أن قرار التقسيم حفر في الذاكرة الفلسطينية الجمعية كمناسبة مشؤومة جنبا إلي جنب مع تصريح بلفور والاعلان عن اقامة دولة اسرائيل. الاحزاب الهامشية التي وافقت على قرار التقسيم في حينه ما زالت هامشية حتى اليوم بالرغم من أن بعضها ما زال ناشطا على الساحة الفلسطينية والاسرائيلية، والتنظيمات الفلسطينية التي تبنت فيما بعد حلولا اسوأ من قرار التقسيم وبسطت سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة اوسلو لم تستطع بدورها أن تمحو هذه الذكرى من الذاكرة الفلسطينية.
في الحقيقة، محاولات محو هذه الذكرى بدأت فلسطينيا منذ سنوات طويلة وبالتحديد بعد تبني منظمة التحرير الفلسطينية لما يسمى بالبرنامج المرحلي في اعقاب قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة عام ١٩٧٤. اذ عقدت هذه الدورة في اجواء الحلول التصفوية التي قادها كيسنجر في مؤتمر جنيف وجذب البها معظم الزعامات العربية. وكانت الزعامة الفلسطينية تنتظر الدعوة التي لم تصل ابدا للانضمام إلى مؤتمر جنيف وذلك بسبب معارضة اسرائيل وامريكا من حيث الاساس. غير ان الاتجاه العام لسياسة منظمة التحرير الجديدة كان الابتعاد بقدر الامكان عن ارهاصات رفض قرار التقسيم لصالح ما سمي في البداية السلطة الوطنية والتي تطورت الى مفهوم الدولة الفلسطينية. المحطة التالية في هذا الاتجاه كان خطاب غصن الزيتون والبندقية الذي القاه عرفات في الامم المتحدة في نهاية السنة نفسها، وقد كان واضحا أن الرهان الاستراتيجي اصبح على غصن الزيتون وليس على البندقية.
المحاولة الجدية لمحو ذكرى قرار التقسيم جاءت في نهاية عام ١٩٧٧ عندما تبنت الجمعية العامة قرارا بجعل ٢٩ تشرين الثاني/نوفمبر "اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني". فاذا تخلى الشعب الفلسطيني عن رفضه المطلق لقرار التقسيم فلا ضير في ان تتم مكافأته بقرار اجوف لا يسمن ولا يغني من جوع.
ما زلت اذكر عندما أحيت الفصائل الفلسطينية في سجن الرملة المركزي ذكرى قرار التقسيم للمرة الاخيرة، حيث كانت الامم المتحدة على وشك اصدار قرارها حول يوم التضامن الدولي والذي اتخذ بالفعل بعد ذلك بأيام معدودة على ان يدخل حيز التنفيذ في عام ١٩٨٨. وبالفعل في ذلك العام رفضت حركة فتح في السجن احياء هذه الذكرى تحت اسم قرار التقسيم وبدل ذلك احتفلت به كيوم دولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني بصفته انجازا عظيما. بينما تم اخماد الاصوات القليلة المعارضة.
اذن، منذ عام ١٩٨٨ والمؤسسات الرسمية الفلسطينية لا تحيي ذكرى قرار التقسيم بل تحتفل بيوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني. ففي هذا اليوم تعقد الامم المتحدة جلسة خاصة في مكاتبها في نيويورك أو جنيف أو فينا تخصصها للقضية الفلسطنية مذكرة بالقرارات الصادرة عنها من قرار ٢٤٢ و٣٣٨ و١٣٩٧ و ١٥١٥ و ١٨٥٠ ولكنها تشطب قرار ١٨١ لكي لا تذكر الفلسطينيين به. بالطبع الاحتفال بهذا اليوم لا يقتصر على جلسة الامم المتحدة فهناك الاحتفالات والمهرجانات والمعارض وعرض الافلام وتوزيع المطبوعات وغيرها وغيرها.
غدا بعد أن تقرؤوا وتسمعوا وتشاهدوا الاحتفالات والخطابات والتصريحات لا تنسوا انه في هذا اليوم قبل ٦٨ عاما وافق هذا العالم المنافق الذي يدعوم للاحتفال، على سلبكم وطنكم.

Wednesday, November 18, 2015

اخراج الحركة الاسلامية الشمالية عن القانون خطوة في الاتجاه الصحيح



اخراج الحركة الاسلامية الشمالية عن القانون خطوة في الاتجاه الصحيح
علي زبيدات – سخنين

قد يستغرب البعض من هذا العنوان الاستفزازي، يرى ومن يواصل قراءة هذا المقال قد يرى فيه كالعادة مجرد مزاودة أو كلام غير مسؤول. وانا اعترف أن الاستفزاز في اختيار العنوان كان مقصودا، وكالعادة ايضا لا تهمني كثيرا اتهامات المزاودة من أي طرف كان. لقد امضيت اليومين اللذين اعقبا صدور هذا القرار من قبل الحكومة الاسرائيلية وحتى كتابة هذه السطور في قراءة كافة ردود الفعل، التعقيبات والتحليلات التي نشرتها المواقع الاخبارية العربية في هذه البلاد، وقد كتب الكثير كان معظمه تكرارا للفكرة نفسها بتغيير بعض الكلمات والاسلوب. قرأت تعليقات الاحزاب السياسية، الصديقة وغير الصديقة للحركة الاسلامية الشمالية، الموجودة داخل القائمة المشتركة والموجودة خارجها، وقرأت تعقيبات رئيس لجنة المتابعة العليا ورئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية وعدد لا بأس به من الشخصيات الاعتبارية والمثقفين. ويمكن تلخيص كل هذه المواقف في جملة واحدة لا غير: ادانة هذا القرار التعسفي والظالم وغير الديمقراطي.
وماذا توقعتم من هذه الحكومة ومن رئيسها؟ أن يكون القرار غير تعسفي؟ وأن يكون عادلا؟ وأن يكون نابعا من صلب الديمقراطية الاسرائيلية الفريدة من نوعها؟ ولقد شعرت بوجود نوع من الغيرة والحسد في تصريحات بعض زعماء الاحزاب التي تسرح وتمرح في اروقة الكنيست، إذ كيف تنفرد الحركة الاسلامية بهذا الشرف؟ فقال بعضهم: جميعنا مستهدفون، لن ندع المؤسسة الاسرائيلية تستفرد بالحركة الاسلامية وكلنا في هذه الايام حركة اسلامية. حسنا جدا، فلو كان كلامكم صادقا فاتركوا الكنيست ولو لاسبوع وانقلوا نضالكم إلى الشارع.
ليس الاجتماع السريع الذي عقدته لجنة المتابعة واتخاذ قرار الاضراب العام والمظاهرة القطرية الحاشدة بعد الاضراب بعشرة ايام سوى ذر الرماد في العيون أو في احسن الحالات سوى مخدر حتى مرور الازمة. بالتوازي مع التصريحات النارية للرد على هذا القرار تم الايعاز لبعض المثقفين المقربين بتسريب بعض الافكار المطمنة. فصرح احدهم بضرورة نقل القضية للعالم الخارجي، وكأن العالم لا يعرف ماذا يجري هنا، وكأنه ليس متواطئا مع الحكومة الاسرائيلية وطالب بترجمة مقال كتبه صحفي يهودي نشرته صحيفة هآرتس "اليسارية" للغة الانجليزية ونشره في وسائل الاعلام العالمية لانه يحتوى على كل العناصر التي تؤكد بأن قرار الحظر سياسي ولا يمت بصلة لدوافع امنية وغير ديمقراطي. وصرح آخر بضرورة اللجوء إلى المحكمة العليا الاسرائيلية التي سوف تعيد الحركة الاسلامية الشمالية إلى حضن القانون الاسرائيلي الدافىء لأن قرار الحظر لن يصمد أمام عدالة القضاء الاسرائيلي. وهكذا، بالنسبة لزعامتنا السياسية الدائرة قد اغلقت: اضراب ومظاهرة لارضاء الجمهور الغاضب، محاولة لتدويل القضية ومن ثم تملق "الديمقراطية" الاسرائيلية وخصوصا القضاء.
منذ عام ١٩٤٨ وحتى اليوم نقبع جميعنا كفلسطينيين اما تحت اقدام القانون الاسرائيلي أو خارحه حتى عندما نتوهم عكس ذلك. لقد تم تشريدنا من وطننا حسب القانون الاسرائيلي، صودرت اراضينا حسب القانون الاسرائيلي، وهدمت بيوتنا حسب القانون الاسرائيلي، نعاني من التمييز والعنصرية حسب القانون الاسرائيلي. وبالمقابل يتم رشوتنا وتسميننا أيضا حسب القانون الاسرائيلي.
لا اريد الخوض باكاذيب رئيس الحكومة الاسرائيلية بأن هذا القرار كان ضروريا لمواجهة التحريض التي تقوم به الحركة الاسلامية منذ سنين، فبالنسبة له كل من يعارض سياسته فهو محرض حتى ولو كان براك اوباما نقسه او وزيرة خارجية السويد. وان قراره هذا جاء فقط من اجل الحفاظ على امن الدولة وسلامة الجمهور والسلم الاجتماعي، حتى رئيس مخابراته الذي تحفظ على هذا القرار يعرف ذلك.
لست من اتباع الحركة الاسلامية مهما كانت جهتها،ا شمالية أم جنوبية، شرقية أو غربية. ولا أخفي انني أقف على طرف النقيض معها سياسيا وايديوجيا. ولكني هنا لست بصدد مناقشة ايديولوجيتها، خطها السياسي ،انتماءتها المحلية والاقليمية ومواقفها بالرغم من اهمية مناقشة كل هذه الامور. ما بهم هنا ان الحركة الاسلامية الشمالية تشكل جزءا ناشطا من الشعب الفلسطيني في مرحلة تحرره الوطني المتعثرة.
من هذا المنطلق، نعم، اخراج الحركة الاسلامية الشمالية على القانون الاسرائيلي هو خطوة في الاتجاه الصحيح وحبذا لو تتبعتها خطوات اخرى تخرج كافة الحركات الفلسطينية عن القانون الاسرائيلي، لقد آن الاوان لعملية فرز تاريحية، لاعادة توازن المعادلة. الوضع الطبيعي أن تكون العلاقة متبادلة. الخروج عن القانون الاسرائيلي ليس كارثة ما دمنا متمسكين بالقانون الوطني التقدمي والقانون الانساني. وانا احذر من مغبة قيام زعامة الحركة الاسلامية الشمالية، بتشجيع وضغط من الاحزاب والحركات الشقيقة، باستجداء القضاء الاسرائيلي للعودة إلى احضان الشرعية الاسرائيلية.

Thursday, November 12, 2015

هوامش على دفتر الانتفاضة



هوامش على دفتر الانتفاضة
علي زبيدات – سخنين

"انعي لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمه
والكتب القديمه
أنعي لكم.. كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمه.. ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمه
أنعي لكم.. أنعي لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمه

اذا خسرنا الحرب لا غرابه
لأننا ندخلها.. بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه
لأننا ندخلها.. بمنطق الطبلة والربابه

السر في مأساتنا
صراخنا أضخم من أصواتنا
وسيفنا أطول من قاماتنا"
(مقتطفات من هوامش على دفتر النكسة – نزار قباني)
النكسة من ورائنا زمنيا والانتفاضة من امامنا، فهل هذا يصنع فرقا؟
قبل شهر تكدست عشرات الاف في مدينة سخنين دفاعا عن الاقصى وعن القدس ولادانة وشجب جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين والاعدامات بدم بارد. واستمعنا إلى وجبة زائدة من الخطابات التي تفلق الصخر من شدتها وتصهر الفولاذ من غليانها. وعدنا إلى بيوتنا ونحن نهتف للوحدة الوطنية وللمسيرة النضالية بقيادتنا الحكيمة.
في القدس والخليل ونابلس وجنين وغيرها استمرت الاعدامات بدم بارد واشتدت عربدة المستوطنين وزادت شراسة وسعارا، وتصاعدت التحريضات الصادرة من رئيس الحكومة الذي كاد أن يبرئ هتلر والنازية من الهلوكوست ويعلقها على عنق الشعب الفلسطيني وحتى اصغر صحفي اسرائيلي.
في المقابل صمتت المدافع الصوتية التي دوت في مظاهرة الآلاف حتى الهمس اختفى. هل يعقل، شهر كامل، لا مظاهرة، ولا رفع شعارات، ولا حتى تصريح؟ فالخطابات عند خطبائن لها مواسمهاا. يتساءل الكثيرون: ماذا كان الهدف الرئيسي من الاضراب العام ومظاهرة الآلاف في سخنين؟وأظن لم اكن الوحيد الذي اجاب على هذه التساؤلات: الهدف الرذيسي هو امتصاص الغضب الجماهيري، ضبط النفس، تهدئة الاجواء ولاسقاط الواجب. ولم تكن هذه المرة الاولى. في كل مرة تخطت فيها دولة اسرائيل كافة الخطوط الحمراء واطلقت العنان لصواريخها وطائراتها كالفيل الهائج في دكان للفخار كما حدث في غزة مرارا، تسارع مؤسساتنا القيادية إلى تنطيم مظاهرة آلاف، تسحب الخطابات النارية من جواريرها وتطلقها في كل اتجاه ومن بعدها يسود الهدوء.
صحيح، في حضارتنا العربية ومنذ القدم كانت لخطابة فنا وقد ابدعنا بها أي ابداع قبل أن نسمع بارسطو اليونانب وشيشرون الروماني. ولكن على الاقل، في ذلك الوقت وخصوصا في العصر الجاهلي وهو العصر الذهبي اذا ما قارناه بحضيض عصرنا الراهن، كانت غاية الخطابة الاقناع، حث الهمم، والتأثير على العدو قبل الصديق ولم تكن غايتها الديماغوية وخداع الجماهير وامتصاص غضبها وتحويله إلى خنوع كما هي اليوم.
نصف قرن مر تقريبا على النكسة. والثقب في كلامنا يزداد اتساعا حتى تخلينا عن احذيتنا القديمة وها نحن نسير حفاة، ومفردات العهر تزداد عهرا وفكرنا لا يقودنا الى هزيمة جديدة فحسب بل يحول الهزيمة النكراء الى نصر باهر. ولم نعد نكتفي بمنطق الطبلة والربابة الذي تحترفه زعامتنا بل تحولنا إلى شعب يرقص حول هذا المنطق.
لم يستطع نزار قباني ولا غيره أن يغير فكر وعقلية الهزيمة قيد انملة وكان نعيه سابقا لاوانه. على العكس من ذلك، فاذا كانت النكسة التي نعاها نزار قباني قد اسفرت عن ضياع ما تبقى من فلسطين بالاضافة للجولان وسيناء فقد ضاعت اليوم العراق وسوريا هذا اذا اعتبرنا مجازا أن باقي البلدان العربية لم تكن ضائعة من قبل.
يعد هذا كله فهل من الغرابة أن تنتهي الانتفاضة الاولى باتفاقيات اوسلو المجحفة؟ وتنتهي الانتفاضة الثانية بالمفاوضات العبثية؟ فكيف سوف تنتهي يا ترى الانتفاضة الثالثة؟
عادت دولة اسرائيل إلى سياستها المعهودة، سياسة حرب الاستنزاف فهي تقتل واحد هنا وواحد هناك وتهدم بيت هنا وبيت هناك وتبني مستعمرة هنا ووحدات سكن استيطانية هناك، تعتقل من تريد وتحاصر من تريد. وعندما تفلت الامور من بين ايديها أو توشك على ذلك توعز لمن تمون عليهم بتنظيم مظاهرة جبارة وبنكشف سر مأساتنا عندما يصبح صراخنا اضخم من اصواتنا وسيوفنا المثلمة اطول من قاماتنا.
لا نريد مظاهراتكم الجبارة ولا نريد سماع خطاباتكم الملتهبة. كل ما نريده منكم أن تحموا طفلا يتم اعدامه بدم لكونه "مخربا"أو"مخربة" برصاص "محارب أو" محاربة"، نريد منكم أن تمنعوا هدم بيت في النقب أو تهجير عائلة في رمية في الجليل. فإن لم تستطيعوا ذلك فاصمتوا.


Thursday, November 05, 2015

ليالي البلور الفلسطينية



ليالي البلور الفلسطينية
علي زبيدات – سخنين

في ليلة التاسع من شهر تسرين الثاني/ نوفمبر قامت قطعان من النازيين في المانيا والنمسا بالاعتداء على مواطنين يهود في الشوارع والبيوت وعلى الكنس والمحلات التجارية فكسروا الزجاج واحرقوا البيوت والمحلات وقتلوا وضربوا واهانو الناس. كل ذلك بحجة أن شاب يهودي اغتال دبلوماسي الماني في باريس. اقترفت كافة هذه الجرائم تحت بصر وسمع الشرطة ومؤسسات الدولة الاخرى التي لم تحرك ساكنا لحماية المواطنين العزل بل كانت عمليا تحمي وتشجع وفي كثير من الاحيان تشارك مشاركة فعلية في الاعتداءات. أطلق على هذه الليلة اسم ليلة البلور أو ليلة الكريستال او ليلة الزجاج المكسور.
في هذه الايام يتم احياء ذكرى هذه الليلة في اماكن عديدة من العالم حسب غايات ومصالح المنظمين لهذا الاحياء. ففي اسرائيل يتم عادة استغلال هذه الذكرى كما يتم استغلال الهولوكوست بشكل عام من أجل ابتزاز العالم ومن اجل التغطية على الجرائم التي ترتكبها في حق الشعب الفلسطيني والظهور بمظهر الضحية المسكين والمظلوم والملاحق الذي يدافع عن نفسه. أما في المانيا فيتم احياء هذه الذكرى بدافع من تأنيب الضمير أو من تحمل المسؤولية عن جرائم النازية. وهناك ايضا اشكال بديلة اخرى لاحياء هذه الذكرى مثلا كجزء من مقاومة العنصرية والفاشية.
ما يحدث في فلسطين في هذه الايام، وعمليا ما حدث في السابق ومنذ عام النكبة، ليست سوى ليال متتالية من ليالي البلور. فهناك قطعان المستوطنين الفاشيين، بحماية الشرطة والجيش والاجهزة الامنية الاخرى وبكثير من الاحيان بتشجيعها ومشاركتها الفعلية، تعتدي على المواطنين العزل بالضرب والاهانة وفي حالات عديدة بالحرق والقتل والاعتداء على المساجد والكنائس والمدارس وعلى المحلات التجارية والمزارع والحيوانات واشجار الزيتون.
تسجل منظمة بتسيلم الاسرائيلية قائمة طويلة لمثل هذه الاعتداءات اليومية بالرغم من أن هذه القائمة ابعد ما تكون من أن تشمل الاعتداءات. ولكن ما ذكر يكفي لكي نطلق على هذه الليالي: ليالي البلور الفلسطينية.
الموجة الاخيرة من الاعتداءات والتي لم تنته بعد تشير إلى اكثر من الف وخمسمائة معتقل حوالي نصفهم من القدس وقراها والباقون من نابلس وقراها ومن الخليل وقراها ومن باقي ارجاء فلسطين وحوالي مائتين من فلسطينيي المناطق المحتلة عام ١٩٤٨. بينما وشارف عدد الذين سقطوا مائة شهيد والفين ومائتين جريح بالاضافة إلى تكثر من خمسمائة اعتداء شنه المستوطنون.
على عكس ليلة البلور النازية التي لعب بها قطعان النازية الدور الرئيسي بينما اكتفت الشرطة والاجهزة الاخرى بدور مساعد، كان الدور الرئيسي هنا للاجهزة الامنية (شرطة، جيش، مخابرات، مستعربين) بينما لعب المستوطنون دورا مساعدا. لقد ضربت الدولة من خلال اجهزنها الامنية بعرض الحائط القانون الدولي الذي يحتم على القوة المحتلة حماية المواطنين العزل. قامت هذه الاجهزة، بعد أن تلقت الاوامر والتعليمات من الحكومة وخصوصا من لجنة الوزراء لشؤون الامن القومي التي يرأسها رئيس الحكومة ووزير الحرب، باستعمال الذخيرة الحية لتفريق المظاهرات والتسهيل والاسراع في اطلاق النار بهدف القتل حتى في الحالات التي لا تشكل اي خطر عليها وبتوفير الحماية القانونية لها وحتى تكريم او ترقية افرادها، باعدامات عديدة وبدم بارد ليس فقط كما تؤكده الكاميرات التي التقت الصور بل باعتراف وشهادات جهات اسرائيلية مطلعة على ما يجري.
على غرار ليلة البلور الاصلية التي كان هدفها تحريض ومسح ادمغة وتسميم عقول اغلبية الشعب الالماني لملاحقة مجموعة مستضعفة، فليالي البلور في فلسطين تعمل هي الاخرى لتحقيق الاهداف ذاتها وتعمل بنجاعة وتحقق نجاحات في تحريض ومسح ادمغة وتسميم عقول غالبية الاسرائيليين حتى اصبح تنفيذ بوغروم في حق الفلسطيني او في حق من يشبه الفلسطيني امرا عاديا. ما حدث في بئر السبع هو مجرد مثل على ذلك. مثل آخر قصة نشرها احد المواقع الاخبارية الاسرائيلية عن اعتقال خمسة نساء فلسطينيات يعملن في تنظيف المدارس في منطقة المركز تبين انهن بعملن بدون تصاريح رسمية امام الطلاب وبشكل مهين. الملفت في هذه القصة ليس الاعتقال التعسفي في حد ذاته بل في ردود فعل اهالي الطلاب. فمنهم من وصف الحادثة بالفضيحة الامنية اذ كيف يعقل تشغيل نساء فلسطينيات حيث يوجد طلاب يهود يتم تعريضهم للخطر؟ ومن يضمن الا تقوم احدى النساء بعملية طعن انتحارية؟ وقد تناسى هولاء انه لولا النساء الفلسطينيات لتراكمت الاوساخ على هذه المدارس ولرجع اولادهم إلى بيوتهم يحكون رؤوسهم من القمل. وقال البعض ان ما حدث هو فشل امني من الدرجة الاولى، وعبر اخرون عن غضبهم لان مجرد تواجد الفلسطينيات في المدرسة قد ينتهي بمصيبة. هذه حادثة واحدة من عشرات وربما مئات الحوادث التي تحصل يوميا في العديد من اماكن العمل. هذا كله من غير ان نتطرق للعقوبات الجماعية وهدم البيوت وتقييد الحركة خصوصا في القدس والخليل والاهانات اليومية التي يتعرض لها كافة الفلسطينيين على الحواجز.
في ظل غياب الحماية حتى من الدولة المحتلة والحماية الدولية يصبح الدفاع عن النفس واجب اخلاقي لضحايا ليالي البلور، حدثت هذه في عام ١٩٣٨ أو في عام ٢٠١٥، في المانيا أو النمسا أو فلسطين أو اية بقعة على هذه الارض.

Wednesday, October 28, 2015

الخيط الرفيع بين وعد بلفور وبين وعود اقامة الدولة الفلسطينية



الخيط الرفيع بين وعد بلفور وبين وعود اقامة الدولة الفلسطينية
علي زبيدات – سخنين

نص تصريح بلفور:
"وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني سنة ١٩١٧
عزيزي الامير فيصل
يسرني جدا أن ابلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني العرب والفلسطينيين، وقد عرض على الوزارة واقرته:
ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب الفلسطيني في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا انه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير العربية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به العرب في البلدان الاخرى
وسأكون ممتنا إذا ما احطم القيادة العربية علما بهذا التصريح
المخلص
ارثر جيمس بلفور"
طبعا، لا شك انكم لاحظتم،ك من تحفظون تصريج بلفور عن ظهر قلب، أن هذا النص لا يمت بصلة للنص الاصلي الحقيقي. انه مجرد نص خيالي وهمي، ولكن لا ضير، بصفتنا شعب قد اكتسب اعترافا دوليا بالخيال الشرقي الجامح وباللهث وراء الاوهام في كل واد وصحراء. لنطلق عنان خيالنا للحظة واحدة ونتصور ان هذا النص هو النص الاصلي ونحاول ان نجيب: هل كانت ستقوم دولة فلسطينية في فلسطين التاريخية؟
لا ادري اصلا لماذا يستعمل جميع المؤرخين والسياسيين والكتاب العرب كلمة وعد كترجمة للكلمة الانجليزية declaration ، أي تصريح المستعملة في كافة اللغات الاخرى، هل هي صدفة أم هناك غاية ما لا نعرفها؟ حسب رأيي المتواضع، كلمة تصريح افضل بكثير من كلمة وعد لأن كلمة وعد تحمل مشحونا عاطفيا وتوحي بموقف شخصي يحتمل الايفاء به ويحتمل نكثه. اما التصريح فيعبر عن موقف سياسي مدروس بغض النظر عن الشخص الذي صرح به مهما كان منصبه الرسمي. كلمة وعد تتيح لمستعمليها اضافة الصفات التي يريدونها ككلمة مشؤؤم التي اصبحت صفة ملازمة لوعد بلفور، وكأن باقي القرارات ليست مشؤومة، ولكنها لا تبرز مسؤولية الحكومة البريطانيية كما لو استعملنا كلمة تصريح. لذلك سوف اخرج عن السرب واستعمل كلمة تصريح.
صدر تصريح بلفور، وزير الخارجية البريطاني حينذاك، في الثاني من نوفمبر سنة ١٩١٧ أي قبل ما يقارب القرن، ولكن الاعداد له بدأ قبل ذلك بسنوات. وجاء الاعلان عنه كخلاصة للسياسة الاستعمارية البريطانية في المنطقة، سبقته الاتصالات مع الشريف الحسين واحتواء الموقف العربي الرسمي، ومعاهدة سايكس – بيكو حول تقسيم الورثة العثمانية. لم يكن الدور الحاسم في اصدار هذا التصريح للحركة الصهيونية، كما يزعم يروج له العديد من المؤرخين، من خلال ممارستها للضغط على الحكومة البريطانية، فقد كانت هذه الحركة في ذلك الوقت أضعف من أن تمارس اي ضغط. ولم يكن السبب رغبة بريطانيا في كسب رضا يهود اوروبا في الحرب ضد المانيا او استغلال النفوذ اليهودي في امريكا للضغط عليها لدخول الحرب أو مكافأة لوايزمن على اختراعاته التي استعملتها بريطانيا في الحرب، أو تعاطفا مع يهود اوروبا لما لاقوه من اضطهاد وملاحقة. خصوصا وان بلفور نفسه ورئيس حكومته لويد جورج لم يكونا معروفيين بحبهما لليهود بشكل عام وليهود بريطانيا بشكل خاص. حسب رأيي كان هناك سببان اساسيان للاعلان عن هذا التصريح: الاول، منع تدفق هجرة يهود روسيا واوروبا الشرقية إلى بريطانيا قبل، اثناء، وبعد الحرب وتحويلهم إلى اي مكان آخر. الثاني، ملأ الفراغ الذي خلفته تركيا في المنطقة بكيان كولونيالي يحمل كافة صفات الاستعمار البريطاني. من هنا عملت بريطانيا بسرعة وبجد لجعل مضمون هذا التصريح سياسيتها الرسمية في فلسطين عن طريق كسب موافقة فرنسا وايطاليا وامريكا، ومن ثم في مؤتمر سان ريمو واخيرا بواسطة عصبة الامم المتحدة باتخاذ قرار الانتداب عام ١٩٢٢.
منذ صدور قرار الانتداب عام ١٩٢٢ وحتى الاعلان عن اقامة دولة اسرائيل عام ١٩٤٨، عملت بريطانيا كل ما تستطيعه لتحقيق سياسيتها التي تضمنها تصريج بلفور. المأساة أن الزعامة العربية والزعامة الفلسطينية المحلية قد صدقت كذبة بريطانيا بأن الانتداب ليس احتلالا بل هو عبارة عن وصاية حتى يصبح شعب البلاد قادرا على الاستقلال، واكثر من ذك، فقد حاولت هذه الزعامة ان تقنع بريطانيا بانها سوف تخدم مصالحها افضل من الحركة الصهيونية. ولكن بريطانيا التي كانت تعلم مدى تخلف وضعف هذه الزعامة لم تقتنع، وتمسكت اكثر واكثر بالحركة الصهيونية، بقيت هذه النظرة هي السائدة حتى ظهرت حركة الشيخ عزالدين القسام والتي قلبت المعادلة بأن قالت بكل بساطة: لا يمكن محاربة الصهيونية من غير محاربة الاحتلال البريطاني. لقد كان من الممكن اسقاط السياسة البريطانية لو تم التعامل معهامنذ البداية كقوة احتلال. واكبر دليل على ذلك اضطرارها لبعض التراجع كلما ازداد منسوب المقاومة الشعبية منذ السنة الاولى للانتداب اضطر تشرشل وزير المستعمرات حين ذاك إلى اصدار ما يسمى الكتاب الابيض الاول لطمأنة المواطنين، وفي نهاية العشرينات وبداية العشرينات اضطرت بريطانيا للتراجع بعض الشيء عن سياستها لامتصاص نقمة الجماهير قبيل وبعد ثورة البراق. كما فرضت ثورة ١٩٣٦-١٩٣٩ مرة اخرى على بريطانيا التراجع. ولكن غياب القيادة الوطنية الثورية وخيانة الانظمة العربية الرجعية أو تواطؤها فتحت الابواب امامها على مصراعيها لتواصل سياستها وتحقيق غاياتها الاستعمارية.
الطريق كان واضحا امام كل من يريد أن يرى: كلما تصاعدت المقاومة كلما تقهقر الاحتلال. والعكس صحيح، كلما تراجعت المقاومة كلما استشرس الاحتلال.
كان هذا الطريق صحيحا في ظل الاحتلال البريطاني وما زال صحيحا في ظل الاحتلال الاسرائيلي. لن يكون هناك وعد بلفور فلسطيني من أي طرف كان في العالم، ليس من قبل الامم المتحدة ولا من قبل امريكا والاتحاد الاوروبي ولا من قبل الاحتلال الاسرائيلي. ولكن يوجد هناك طريق المقاومة الفلسطينية.

Friday, October 23, 2015

الانتفاضة التي طال انتظارها ويخافها الجميع



الانتفاضة التي طال انتظارها ويخافها الجميع
علي زبيدات – سخنين

منذ فترة ليست بالقصيرة والعديد من المراقبين والناشطين يتوقعون انفجار انتفاضة جديدة تكون الانتفاضة الثالثة من حيث الترتيب. فكلما تفاقم القمع الاسرائيلي ورافقه أو جاء في اعقابه رد فلسطيني مهما كان متواضعا، سارع الكثيرون بالاعلان عن انتفاضة جديدة قد انطلقت، ولكن سرعان ما يتبين بان الرد كان محدودا وعابرا. الاحداث الاخيرة التي تفجرت في الاقصى وفي القدس وامتدت الى مناطق عديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة والاراضي المحتلة عام ١٩٤٨ جعلت معظم الناشطين والمراقبين يجمعون على أن الانتفاضة الثالثة قد بدأت بالفعل وانها استمرار لانتفاضة القدس ولاقصى لعام ٢٠٠٠ من حيث شموليتها وتدفقها وتمددها بالرغم من الاختلافات في ظروف واشكال النضال المتبعة.
توقعات انطلاق الانتقاضة ومن ثم انطلاقها بالفعل لا تعني ان الاطراف الرسمية(وغير الرسمية) من كلا الطرفين قد احتضنتها أو رحبت بها. رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس كان قد صرح مرات عديدة، بمناسبة وغير مناسبة، وتقريبا في كل ظهور اعلامي له منذ تبوئه لرئاسة السلطة بانه لن تكون هناك انتفاضة جديدة طالما بقي رئيسا، والحق يقال انه حتى الان قد بر بوعده. فقد زج باجهزته الامنية لمنعها اما مباشرة واما من خلال التنسيق الامني مع الاحتلال الاسرائيلي. حتى عندما كان هذا الاحتلال يتجاوز كافة الخطوط الحمراء من تصعيد اعمال القمع والقتل بواسطة الجيش والمستوطنين مجتمعين او كل على حدة، وتضطر السلطة لادانة هذا التصعيد كوسيلة لامتصاص نقمة الجماهير، كانت الغاية واضحة: منع انطلاق انتفاضة جديدة بكل ثمن.
إلى جانب هذا الموقف الواضح من قبل اقطاب السلطة رأينا هناك موقفا اكثر خطورة عبر عنه العديد من المفكرين المأجورين والمنظرين الذين يدورون في نهاية المطاف في فلك السلطة. هذا الموقف يقيم عاليا صمود ومقاومة الجماهير الفلسطينية كلاميا ولكنه يؤكد من جهة اخرى على خطورة الانتفاضة في هذا الوقتبالذات وعلى هذا الشكل، فمنهم من يدعي أن الانتفاضة تخدم سياسة نتنياهو، بل أن اللجوء الى الانتفاضة هو فخ نصبه نتنياهر للفلسطينيين للخروج من مأزقه على الصعيد الداخلي ومن عزلته على الصعيد الدولي. ومنهم من يحذر من العواقب الوخيمة لهذه الانتفاضة " العفوية التي تفتقر إلى اجندة او برنامج سياسي وتفتقد إلى قيادة حكيمة ومسؤولة”. ومنهم من يجزم ان هذه الانتفاضة نابعة عن يأس ونقمة وغضب وتخلو من الامل والافق. ومنهم من تصل وقاحته لوصف هذه الانتفاضة بالاعمال الصبيانية المتهورة وغير المسؤولة والمزاودة والتي تضرب وحدة الصف الوطنية. والبعض الاخر يذرف دموع التماسيح على الضحايا الذين يسقطون في هذه المعركة غير المتكافئة. احد الكتاب المحسوبين على التيار "الوطني التقدمي" يقول في احدى تحليلاته: ما نراه هو قرارات فردية بدون توجيه او تنسيق، لاشخاص يحملون سكينا لقتل أول يهودي يلاقونه قبل قتلهم. وكاتب آخر معروف بمواقفة التخاذلية وعلاقاته الحميمة بدوائر الفساد في السلطة يأنف من تسمية ما يجرى حولنا بالانتفاضة، ويخترع مصطلحا جديدا جديرا بأن يسجل براءة اختراع على اسمه هو: الاندلاعة.
قيادتنا المحلية تسير وراء خطوات السلطة الفلسطينية والمنظرين الذين يخدمونها. لم يعد سرا ذلك التنسيق بين الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية و هذه القيادة المحلية تحت رعاية البيت الابيض وما يسمى بالمجتمع الدولي لتهدئة الخواطر وضبط النفس. وما كان الهدف الحقيقي من مظاهرة سخنين الجبارة سوى محاولة للتهدئة وامتصاص الغضب الشعبي من جهة ومحاصرة المظاهرات الشبابية الداعمة للانتفاضة والتي تهدد بالخروج عن السيطرة من جهة اخرى.
على عكس تحليلات مفكرينا العباقرة الذين يدعون بأن انتفاضة جديدة تخدم نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة أظن ان الواقع يشير إلى عكس ذلك تماما. تصرفات نتنياهو وباعتراف اوساط مقربة له وغير محسوبة على المعارضة الاسرائيلية تنم عن هستيريا لا مثيل لها في السابق. فهو يتهم الجميع في اندلاع الانتفاضة: محمود عباس والسلطة الفلسطينية، حماس، الحركة الاسلامية اعضاء الكنيست العرب. وهذه الهستيريا لا تقتصر على اتهام المذكورين بل يترجمها عمليا إلى قوانين عنصرية وقرارات تعسفية مثل توسيع تعليمات الفتح بالنار، رفع العقوبات على رماة الحجارة بدون اي تناسب حتى تصل إلى عشرين سنة سجن، لان الحجر هو سلاح قاتل، بينما السلاح الناري في يد الجندي او المستوطن سلاح لطيف ينال صاحبه وسام شرف عندما تكون الضحية فلسطيني. ومؤخرا وصلت هستيريته اوجها مما اقلق اكثر المقربين اليه عندما صرح بان هتلر لم يرد ايادة اليهود واراد فقط تهجيرهم وأن الذي اقنعه بالمحرقة هو أمين الحسيني، وبذلك يهز اسس الرواية الاسرائيلية حول المحرقة التي طالما استعملت لابتزاز المانيا والعالم. هذه الهستيريا طالت إلى هذه الدرجة وتلك معظم اوساط المجتمع الاسرائيلي.
واخيرا استغرب من الاطلاق على هذه الانتفاضة، عن حسن أو سوء نية، تسمية انتفاضة السكاكين. السكين كالحجر والزجاجة الحارقة وعمليات الدهس، جميعها اسلحة الشعب الاعزل وجميعها مستعملة في هذا الصراع الشرس الذي لا يعرف الرحمة. من الغريب جدا التركيز على السكاكين وتجاهل آلة الحرب الاسرائيلية الفتاكة التي تستخدم اعتى الاسلحة واكثرهاتطورا. هل يوجد لدى دعاة النضال المدني السلمي سلاحا سحريا لمواجه آلة القتل الاسرائيلية المكونة من الدبابة والطائرة الحربية والصواريخ والقنابل الفسفورية وغيرها من الاسلحة الجهنمية؟
قد لا يكون مصير هذه الانتفاضة الجديدة افضل من مصير الانتفاضات التي سبقتها ولكنها جاءت لتؤكد المبدأ الخالد الذي يقول: الوجود مقاومة.


Wednesday, October 07, 2015

الحروب الصليبية في العصر الحديث



الحروب الصليبية في العصر الحديث
علي زبيدات – سخنين

هذه المقالة القصيرة المتواضعة ليست عودة للخوض بالحروب المعروفة بهذا الاسم والتي شنتها بعض الدول الاوروبية على بلدان المشرق العربي منذ نهاية القرن الحادي عشر وحتى نهاية القرن الثالث عشر. وهي ليست بالضرورة بصدد مقارنة بين تلك الحروب وبين الحروب الدائرة اليوم من قبل تلك البلدان وعلى بقعة الارض ذاتها كما قد يوحي العنوان. لقد كتب عن الحروب الصليبية عشرات وربما مئات الكتب التي تناولتها بالوصف والتحليل من كافة جوانبها، تعبر عن توجهات عديدة مختلفة وفي كثير من الاحيان متناقضة ونشرت في معظم لغات العالم. من هنا فإن مقالة صحفية كهذه لن تقدم أو تأخر شيئا في فهم هذه الحروب ولا أظن انها ستأتي بأي جديد في هذا الشأن.
كنت وما زلت أؤمن بأن جميع الحروب القديمة والحديثة التي اتخذت اشكالا دينية، عقائدية أو ايديولوجية جوهرها واحد وهو مادي اقتصادي. وما زلت أؤمن بأن العلاقة بين الشكل والجوهر هي علاقة جدلية لا يمكن فصمها تقوم على الوحدة والصراع بين قطبيه.ا فلا الشكل يوجد من غير جوهر ولا الجوهر يوجد من غير الشكل. كل ما هنالك قد يطغى أو يهيمن احد الفطبين على الاخر حسب الملموسة والحالة التاريخية وحسب الادراك الذاتي للفرد. وهذه النظرة حسب رأيي تنطبق على كافة الحروب. ربما كان الشكل الديني في الحروب الاسلامية الاولى، والتي سميت فتوحات، هو الغالب ولكن سرعان ما برز الجوهر المادي الاقتصادي وغير مسار التاريخ. على سبيل المثال لا الحصر، باعتراف العديد من المؤرخين المسلمين، النزاع على الغنائم في معركة بواتييه- بلاط الشهداء الذي كان احد اسباب الهزيمة. الثراء الفاحش نتيجة لهذه الحروبات كان سببا في نهوض وتطور الحضارة الاسلامية وفي الوقت نفسه كان سببا في انحطاطها. اليوم يتفق معظم المؤرخين على ان الحروب الصليبية القديمة التي شنت تحت شعارات دينية تتعلق بتأمين طريق الحج للاراضي المقدسة وحماية المؤمنين والاماكن المقدسة كانت شكلا شفافا لم يستطع حجب الجوهر الذي اساسه النهب والسلب واحتكار الثروات.
اكثر من سبعة قرون تفصلنا عن الحروب الصليبية تلك، ولكن يأبى امراء الحرب الجدد إلا أن يذكروننا بها في كل حروباتهم. فها هو الجنرال الانجليزي اللنبي يقول بعد احتلال القدس في اعقاب الحرب العالمية الاولى:”الان انتهت الحروب الصليبية". اما الجنرال الفرنسي جورو الذي دخل دمشق بعد الحرب ذاتها فقد قال:” ها قد عدنا يا صلاح الدين". وقبل هذين التصريحين كانت الدول الاوروبية الاستعمارية تنهش بشراسة في جسد الرجل المريض (تركيا) مستخدمة مصطلحات دينية لكي تغطي على مصالحها الدنيوية. فقد اخترعت بدعة حماية الاقليات الدينية لكي تزيد من نفوذها وهيمنتها، فنرى القيصر الروسي بطالب ويحصل على حماية الارثوذكس في الشرق، وفرنسا تسوق نفسها كحامية للكاثوليك (الموارنة) ووصلت السخرية بأن تطالب بريطانيا بحماية دروز لبنان، ولا ادري أو احد يدري ماهي نوع القرابة بينها وبين الدروز، هذا بالاضافة الى حماية اليهود ومنحهم من خلال وعد بلفور الحق في اقامة دولة لهم.
وما كاد هذا الفصل ينتهي حتى جاء الرئيس الامريكي بوش (الاب والابن) لاحياء هذا المصطلح واستعماله خصوصا في اعقاب اعلان الحرب على "الارهاب الدولي". وتحت راية الصليبية الحديثة شن حربا الامبريالية على افغانستان والعراق. مع ان جوهر هذه الحروب كان واضحا لكل من يريد أن يرى وهو فرض الهيمنة على مصادر النفط والغاز. واليوم يقف الجيش الروسي على خط الحرب الصليبية في تدخله العسكري المباشر في سوريا حيث باركت الكنيسة الروسية الجيش المدجج باحدث الاسلحة الفتاكة الذي سوف يقدم الحماية للنصارى الارثوذكس في سوريا.
من هنا تصبح الطريق قصيرة للاعتقاد بأن الحرب الصليبية يجب أن تواجه بحرب جهادية. واذا اضفنا إلى هذه الصورة ما تقوم به دولة اسرائيل في القدس والاقصى وما يقوم به قطعان المستوطنين المتدينين تصبح الصورة على شكل حرب دينية عالمية. والحالة هذه من يعد يهتم بجوهر الحرب أو بطبيعتها؟ من يستطيع ان يخترق ببصره هذا الضباب ويرى الحقيقة؟ ومن الذي يستطيع ان ينفض هذا الغبار الغيبي الذي يغطيه من رأسه إلى اخمص قدمية ويلامس شغاف قلبه؟.
الحروب التىي تشنها الدول الرأسمالية العظمى، من غير استثناء، هي حروب امبريالية هدفها الهيمنة ونهب خيرات الشعوب وهي من أجل ذلك مستعدة لاستخدام كافة انواع القتل والعنف والجرائم وتستعمل اعتى الاسلحة الحديثة من غير أي وازع اخلاقي. والحروب التي تشنها الانظمة والقوى الرجعية هي حروب رجعية هدفها الحفاظ على سلطتها وامتيازاتها ولو كانثمن ذلك التحالف مع القوى الامبريالية ولو ادى الى قتل الشعب وابادته. الحروب الوحيدة العادلة هي الحروب التي تشنها الطبقات الكادحة والشعوب المضطهدة من اجل حريتها واستقلالها. وهي الجهات الوحيدة القادرة على اخضاع شكل الحرب لجوهرها. فعندما يكون الجوهر هو الحرية والاستقلال فإن الشكل لا بد الا أن يكون تقدميا وانسانيا بل سيكون رومنسيا ثوريا.

Wednesday, September 30, 2015

اوبرا الثلاثة قروش تعرض في الامم المتحدة



اوبرا الثلاثة قروش تعرض في الامم المتحدة
على زبيدات – سخنين

استعرت اسم مسرحية برتولت بريخيت (The three penny opera) لوصف المهرجان المسرحي التراجوكوميدي الدولى الذي نشهده منذ اسبوعين على منصة الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها السبعين. لست هنا بصدد الخوض في مدى راهنية المسرحية التي كتبها واخرجها الكاتب الالماني بريخت في عام ١٩٢٨ ومقارنتها بالمسرحية التي يكتبها ويخرجها اليوم زعماء كرتنا الارضية. للتذكير فقط، تدور كلتا المسرحيتين حول فقدان القيم والاخلاق خصوصا في السياسة في عالم يسيطر عليه الفساد، حيث كبار رجال السياسة والثروة يعيشون على هواهم، لا يحاسبهم أو يلاحقهم احد، بينما يتعرض الصغار الذين يتصارعون من اجل البقاء لملاحقة مستمرة. كل ما ابتغبته من استعارة العنوان هو التأكيد على ان المسرحية الراهنة رخيصة بكل المقاييس حتى أن قيمتها بالكاد تصل الى ثلاثة قروش (ربما كان للقرش بعض القيمة في عام ١٩٢٨).
اكتب هذه المقالة قبل الاستماع إلى خطابي محمود عباس وبنيامين نتنياهو اللذين بالكاد يلعبان دور كومبارس في هذه المسرحية. فلن تخيف قنبلة عباس احدا كما لن تقنع فلذكة نتنياهو احدا.
لنبدأ من النهاية، عندما اقول أن عباس ونتنياهو يقومان بدور الكومبارس في هذه المسرحية الدولية فهو ليس استخفافا بهذا الدور ابدا، خصوصا بالنسبة لنا نحن الذين نسكن في هذه البقعة من الارض. فكل ممثل مهما كان كبيرا في اعيننا يشعر بقيمة هائلة اذا ما شارك احد النجوم العالميين مهما كان دوره تافها.
عندما يصرح محمود عباس مرارا وتكرار بأن التنسيق الامني مع اسرائيل هو مقدس ويتعهد ألا تكون هناك انتفاضة جديدة طالما بقى في منصبه فأي قنيلة يمكن أن يلقيها؟ في احسن الحالات ستكون قنبلة صوتية حول التحرر من بعض قيود أوسلو التي تحررت منها اسرائيل منذ زمن طويل أو حول تقليص التنسيق الامني في بعض المواضيع الهامشية. قد يطالب الامم المتحدة مجددا بالاعتراف بدولة فلسطين وقد ويطالب بايقاف الاستيطان ووضع جدول زمني للانسحاب الاسرائيلي ويهدد باللجوء الى محكمة العدل الدولية لمقاضاة السرائيل وربما سيطلب التصويت على هذه المطالب لكي ينتقل الملف الى مجلس الامن ليحظى بالفيتو الامريكي. وبماذا سيرد نتنياهو على هذه المطالب أو على هذه الافتراءات من وجهة نظره؟ سيقول بانه يمد يده للسلام ويطالب بالعودة الى طاولة المفاوضات ويتهم الطرف الاخر بعرقلة المساعي السلمية والتحريض والكراهية. هذه المقاطع المملة الى درجة الغثيان من المسرحية لن تحظى اعجاب أحد.
من اعظم انجازات محمود عباس منذ ترؤسه للسلطة الفلسطينية انه جعل من القضية الفلسطينية برمتها قضية هامشية ليس على الصعيد الدولي فحسب بل اقليميا ومحليا ايضا. وهذا ينعكس على المناقشات الجارية في الجمعية العامة. احتلت مسألة سوريا أو على الاصح مسألة النزاع الدولي على سوريا بين عملاقي الهيمنة الامبريالية الاولوية دوليا ومحليا في هذه المرحلة. كنا في الماضي نقول: القضية الفلسطينية هي القضية العربية الاولى وكانت اكثر الانظمة عمالة لا تجرؤ على ان تقول عكس ذلك. هل ما زال احد يذكر كيف طرد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة من فلسطين بعد أن القى خطابا في اريحا عام ١٩٦٥ يدعو فيه إلى قبول قرار التقسيم والتوصل إلى اتفاق سلمي مع اسرائيل؟ وكيف في الوقت نفسه عمت المظاهرات الغاضبة معظم العواصم العربية؟ اليوم ، تقيم معظم الدول العربية علاقات حميمة ومتينة سرا ام علنا مع اسرائيل، ليس هذا فحسب بل اصبحت كل قضية محلية هي القضية الاولى لكل دولة عربية على حدة او لمجموعة من الدول. مثلا بالنسبة لدول التعاون الخليجي الذي ترأسه السعودية الصراع في اليمن استوجب التدخل العسكري الامر الذي لم تفكر به اطلاقا في فلسطين، وكذلك التدخل بالصراع في سوريا والعراق. الصراع على السلطة في مصر جعل من اسرائيل حليفا استراتيجبا ومن فلسطين عدوا. النزاع المغربي الجزائري او المغربي الصحراوي هو الاهم بالنسبة للمغرب العربي. وهكذا في باقي الدول العربية الاخرى. قد يقول البعض: ولكن الشعوب العربية ما زالت تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الاولى. ربما، ولكن ما دامت هذه الشعوب ترزح تحت انظمة استبدادية تقمع ابسط الحريات لن يتغير على هذا الواقع شيئا. شعب فاقد الحرية لا يستطيع ان يساعد شعبا آخرا للحصول على حريته مهما كانت العلاقات التاريخية القومية والدينية والثقافية التي تربطهما ببعضهما البعض. من هذا المنطلق سيكون خطاب عباس اليوم هامشيا مهما بلغت اوهامه بأهميته. ولا اظن اني ساضطر إلى تغيير كلامي هذا بعد الاستماع للخطاب.
لقد استمعنا إلى خطابات الكبار: أوباما وبوتين، نجما المسرحية التي لا تساوي حتى قرشا واحدا. وهنا تبرز نبوءة بريخت حيث توكل لاكبر مثيري الحروب في عصرنا الراهن مهمة الحفاظ على السلم العالمي. في الصراع الشرس للهيمنة على العالم، سيكون الطرفان مستعدين للقتال حتى المواطن السوري الاخير بحجة انقاذ الشعب السوري، وسوف يتنقلان بصراعهما هذا على طول الكرة الارضية وعرضها.
الطريق الوحيد امام الشعوب المضطهدة لنيل حريتها واستقلالها هو طريق رفض الهيمنة ورفض التبعية وتوحيد النضال ضد هذا النظام الامبريالي العالمي المتوحش.



Thursday, September 17, 2015

ضد الداعشية العلمانية



ضد الداعشية العلمانية
علي زبيدات سخنين
تنويه مسبق: هذه السطور ليست ردا على مقال كتبه أحدهم أو على خطاب القاه آخر وبالتالي هي ليست دفاعا عن احد أو هجوما على احد. كل ما اتوخاه منها لا يتعدى التعبير عن وجهة نظري الشخصية من خلال المشاركة في النقاش حول موضوع طرح بقوة في الفترة الاخيرة ويهدد بجرفنا إلى متاهات لا احد يعرف أين وكيف سوف ترسي ينا. وقد اخترت من بين كل المصطلحات المتداولة في هذا النقاش (وهو في الحقيقة يسمى مجازا نقاش) مصطلح أو شعار "الاسلام هو الحل" مقابل شعار "العلمانية هي الحل".
في الاونة الاخيرة برزت الداعشية (نسبة إلى تنظيم داعش) كآخر صرعة في تطبيق شعار "الاسلام هو الحل" من خلال الاعلان عن اقامة دولة الخلافة. فإذا كان جوهر هذه الداعشية هو التكفير، الاقصاء، واحتكار الحقيقة وبالتالي تحليل محاربة وقتل كل معارض. فإن مثل هذه الظاهرة موجودة عند بعض العلمانيين وهذا ما ادعوه بالداعشية العلمانية. قد يحتج بعض العلمانيين قائلين: الداعشية ظاهرة تلتصق بحركات الاسلام السياسي التي تدعو إلى إعادة الخلافة وتعمل على تحقيقها بواسطة القتل والذبح بينما تشكل العلمانية نقيض ذلك تماما حيث يلبي النظام العلماني مهما كان رديئا فهو معظم شروط الحرية الفردية ويضمن الحقوق الجمعية للاقليات. للاسف الشديد لا رصيد لمثل هذا الكلام. لا ارى هناك فرقا بين اسلامي داعشي ينعت كل من يخالفه في المعتقد أو في الرأي بالكفر وبين علماني داعشي ينعت كل من يخالفه في التفكير أو الموقف بالظلامية. وبالتالي لا ارى هناك فرقا بين متدين داعشي يدعو الى محاربة الكفار وبين علماني داعشي يدعو إلى محاربة الظلاميين. التعصب الاعمى يجعل من المتدين والعلماني إخوة في الداعشية.
قرأت لبعض العلمانيين من يقول موجها كلامه للعلمانيين الاخرين بأن يتخلوا عن الخجل والخوف واللامبالة والجبن والرقابة الذاتية الهدامة ويحضهم على التصدي للمد الاسلامي السياسي حتى تصبح حربا ضارية. هذه هي الداعشية العلمانية. ولو قبلتها بعد قراءتي لمثل هذه الاقوال، بصفتي علماني كان من المفروض أن أخرج إلى الشارع شاهرا سكيني طاعنا عن جنب وطرف كل من أظنه داعشي لعين.
لا اظن أن الاسلام السياسي بشتى اشكاله يشكل نقيضا للعلمانية السياسية، بل يشكلان في الحقيقة وهجهين لعملة واحدة. واذا كان هناك ثمة تناقض بينهما فهو شكلي وقد يتحول احدهما بسرعة إلى الآخر. فكما انتج الاسلام السياسي منذ ظهوره انظمة قمعية فاشية كذلك انتجت العلمانية انظمة ديكتاتورية فاشية. وكما انتج الاسلام انظمة تدافع عن العدالة الاجتماعية كذلك انتجت العلمانية مثل هذه الانظمة، هذا بقدر ما تسمح به طبيعة الانظمة من منظور تاريخي، فكل الانظمة في نهاية المطاف اجهزة قمع تخدم الطبقات الحاكمة.
ليس الارهاب حكرا على تنظيمات الاسلام السياسي على طراز داعش بل هناك عدد لا يحصى من التنظيمات والانظمة الارهابية العلمانية. عندما نقول أن امريكا ام الارهاب أو إسرائيل إم الارهاب يجب ألا ننسى أن هاتين الدولتين تصنف نقسها بأنها دول علمانية.
ينبغي على كل واحد مننا قبل أن يشن حربا ضارية على داعشية غيره أن يواجه اولا الداعشي الذي يعشش في داخله. من حق كل واحد أن يتبنى المعتقدات التي يختارها ومن حقه الا يقبل الامور مسلما بها، من حقه أن يطرح الاسئلة حول كل شيء وأن يصل إلى اجوبة مختلفة فلا احد يملك أجوبة نهائية حيال أية مسألة. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نتعلم كيف نعيش سوية في ظل كل هذا الاختلاف.
العلمانية لا تعني أكثر فصل الدين عن الدولة، وهي بهذا المفهوم تعني تحرير الدين من بطش الدولة وتحرير الدولة من استبداد الدين. العلمانية لا تعني بأي حال من الاحوال محاربة الدين كما ان الدين لا يعني محاربة العلمانية. الصراع بين الدين والعلمانية هو صراع وهمي. الصراع الحقيقي هو الصراع الطبقي بين الطبقات المسحوقة والطبقات الحاكمة، بين الدول الامبريالية وبين الشعوب التي تناضل من اجل الحرية والاستقلال.
الفكر الثوري هو ذلك الفكر الذي يوحد الطبقات المسحوقة والشعوب المضطهدة ويضيئ الطريق أمامها حتى تنال حريتها. وهذا هو الفكر الذي نحن بأمس الحاجة اليه.

Thursday, September 10, 2015

السعودية ودول الخليج - استقرار سياسي أم هدوء يسبق العاصفة؟



السعودية ودول الخليج - استقرار سياسي أم هدوء يسبق العاصفة؟
علي زبيدات – سخنين

عندما بدأت رياح التغيير تعصف بالدول العربية قبل خمس سنوات كنت من بين المتفاجئين من ان هذه الرياح قد بدأت بالدول الاكثر حداثة والتي كنا نطلق عليها دولا تقدمية استطاعت في مراحل سابقة أن تثور على انظمتها الملكية وتشكل جمهوريات، وتقفز عن الدول ذات الانظمة الملكية كنا ننعتها بالرجعية والتبعية للامبريالية. ولكن بعد مراجعة قصيرة لافكارنا المسبقة بان السبب فبطل العجب. لقد تناولت هذا الموضوع في الماضي من عدة جوانب وكانت الخلاصة بشكل عام أن الفرق بين الانظمة الملكية والانظمة الجمهورية هو نسبي جدا خصوصا على ضوء محاولات بعض هذه الجمهوريات جعل انظمتها وراثية على غرار الانظمة الملكية، وبقيت الظروف الخاصة الداخلية والخارجية لتلعب الدور الحاسم وتصنع الفرق.
اليوم وفي ظل ما يحدث في سوريا والعراق واليمن يحول هذه القضية إلى سؤال ملح: هل حقا تتمتع السعودية ودول الخليج الاخرى بالاستقرار السياسي؟ أم ان ما نراه امام اعيننا ليس سوى سراب وان هذا الهدوء الظاهري يبشر بعواصف عاتية لن تبقي ولن تذر؟
لا اخفي ان امنيتي على الصعيد الشخصي كانت أن تهب رياح التغيير على السعودية أولا وليس على تونس أو مصر أو اية دولة عربية اخرى. فلو سقط النظام السعودي قبل خمس سنوات لتغير وجهة المنطقة من المحيط الى الخليح تغيرا جذريا. حسب رأيي يوجد هناك أربعة أسباب رئيسية أبقت امنيتي هذه في نطاق الامنيات، وهي:
١- الدخل الخيالي من النفط: الاستقرار الاقتصادي يجلب في اعقابه استقرارا سياسيا ولو إلى حين. فقد اتاح للطبقة الحاكمة ان تكسب ولاء قطاعات واسعة من الشعب كما استطاعت أن ترشي قطاعات اخرى. هذا الدخل الخيالي من النفط يتبخر الآن بسبب تدخلات النظام المباشرة في سوريا واليمن والتي تكلفه غاليا، بالاضافة إلى صقفات التسلح الجنونية. حيث بلغ العجز في ميزانية الدولة مؤخراا رقما خياليا يقدر ب١٣٠ مليارد دولار.
٢- تخصص السعودية ميزانية خياليه للحفاظ على امنها، تنفق الفسم الاكبر منه على التسلح حيث تعتبر رابع اكبر دولة في مجال التسلح اذ وصل إلى ٥٧ مليار دولار، مما اتاح لها بناء اجهزة امنية قادرة على اجكام سيطرتها على الشعب وعلى البلاد. ولكن في المدة الاخيرة وخصوصا بعد تدخلها العسكري المباشر في اليمن بدأت هذه الالة بالتصدع ليس بسبب تكلفة هذه الحرب المادية التي بلغت اكثر من ٣٠ مليار دولار فحسب بل بسبب خسائرها البشرية ايضا.
٣- نجاحها في نقل الصراعات السياسية إلى خارج بلادها وحرصها على بقائها هناك. السبب الحقيقي وراء دعمها التنظيمات الاسلامية المسلحة في سوريا ليس تقديم المساعدة للشعب السوري بحصل على حريته وحقوقه وبالتأكيد ليس محاربة نظام الاسد لكونه ديكتاتوريا، بل السبب الحقيقي ابقاء هذه التنظيمات بعيدة عن تهديد نظامه. وهذا السبب هو نفسه وراء التدخل المباشر في اليمن. ولكن كما يقول المثل الغربي: ستعود الطيور لتأوي في بيوتها (chicken come home to roost).
٤- الحماية الامبريالية: ليس سرا أن القواعد العسكرية الامريكية المليئة بالجنود المدججين بالسلاح تنتشر في السعودية وفي باقي دول الخليج. صحيح أن مهمتها الاولى الحفاظ على المصالح الامبريالية الامريكية ولكن مما لا شك فيه ان الحفاظ على هذه الانظمة هو جزء من هذه المصالح. ولن يتقاعس الجيش الاسرائيلي ايضا عن تقديم الحماية لهذه الانظمة.
هذه الاسباب الاربعة تنطبق مع بعض الاختلافات في التفاصيل على دول الخليج الاخرى وخصوصا الامارات، قطر والكويت. للوهلة الاولى وعلى ضوء الاسباب المذكورة تبدو عملية التغيير وكأنها مستحيلة، ولكن في الوقت نفسه وللاسباب نقسها تبدو عملية التغيير حتمية. هذه الحالة بالضبط يمكن وصفها بالهدوء الذي يسبق العاصفة.
النفط الذي يتحول الان الى دولارات هو نفسه الذي سوف يشعل الحرائق في السعودية ودول الخليج الاخرى. الجيوش المدججة بالسلاح والاجهزة الامنية لن تصمد امام الجماهير الثائرة التى سوف تخترع طرقا جديدة للمواجهة والنضال. وقد تعود لاستعمال الطرق الكلاسيكبةاالتي عرفتها شعوب العالم التي ناضلت من اجل حريتها واستقلالها مثل العودة إلى حرب العصابات وحرب المدن والانتفاضات الشعبية المسلحة وغير المسلحة، والحرب طويلة الامد وغيرها. لن تبقى السعودية ودول الخليج تلك الجزيرة الآمنة وسط هذا البحر الهائج لفترة طويلة، فالنفط ينضب والاموال تنفذ والحماية الامبريالية تزول. وحينذاك ستكون الحرب الاهلية الدائرة قي سوريا والعراق واليمن وبالرغم من كل كوارثها وفظائعها، بمثابة نزهة استجمامية اذا ما قورنت بالحرب في شوارع الرياض وجدة والدوحة وابو ضبي.
بقي أن نتمنى أن يسود الاستقرار الحقيقي والرخاء بعد ركود هذه العاصفة.

Thursday, September 03, 2015

كنا بنكبة صرنا بنكبتين، حلوة يا بلدي



كنا بنكبة صرنا بنكبتين، حلوة يا بلدي
على زبيدات – سخنين
من لا يعرف لماذا اطلنقنا على عام ١٩٤٨ اسم عام النكبة؟ أظن الجميع يعرف لماذا. وعندما اقول الجميع لا اقصد جميع الفلسطينيين او جميع العرب فحسب بل جميع العالم ايضا. قد يكون هناك من لا يريد أن يسمع أو أن يرى أو أن يعترف، لجميع هؤلاء لا ضير من التذكير: عام ١٩٤٨ هو عام نكبة فلسطين لان فيه تم اقتلاع وتشريد معظم الشعب الفلسطيني، حوالي ٨٠٠ ألف مواطن من مجموع مليون ونصف، ومن لم يقتلع ويشرد وقع تحت الاحتلال، هذا بالاضافة إلى سلب ونهب وطنه واقامة كبان كولونيالي عليه بعد أن دمر اكثر من ٥٠٠ قرية ومدينة فلسطينية.
ما حدث حتى الان في سوريا وما زال يحدث امام اعيننا وامام أعين العالم هو أيضا نكبة، وهذه النكبة أكبر بكل المقاييس من نكبة فلسطين: ١٢ مليون لاجئ حتى الان، نصفهم تقريبا خارج وطنهم والنصف الاخر لاجئين داخل الوطن، وعندما نقول ١٢ مليون لاجئ هذا بعني اكثر من نصف الشعب السوري. هذا بالاضافة إلى مقتل ٢٥٠ ألف مواطن وجرح مئات آلاف المواطنين وتدمير مئات القرى والمدن والمنشآت. أليست هذه نكبة؟ عالمنا العربي مليئ بالنكبات من ليبيا و الجزائر وتونس مرورا بمصر والسودان وحتى العراق واليمن وحتى الدول العربية الاخرى التي تنعم حتى الان بالامن والاستقرار، مثل السعودية ودول الخليج والاردن هي الاخرى منكوبة بانظمتها وحكامها. ولكنها ليست موضوعنا هنا.
فكما أن نكبة فلسطين مستمرة منذ ٦٧ سنة حيث ما زال اللاجئون مشتتين في شتى انحاء العالم ومنهم من جدد لجوءه عدة مرات وما زال الكيان الصهيوني يعمل بلا ملل أو كلل لترسيخ مشروعه الاستيطاني على حساب من تبقى من أهل فلسطين على ارضه، فإن نكبة سوريا هي الاخرى مستمرة، ومخطئ من يظن انها مستمرة منذ اربعة سنوات فقط. ما حدث حتى الان من دمار وتهجير كاف لاعادة سوريا على الاقل قرن من الزمن إلى الوراء. لا ارى أي نور في نهاية هذا النفق المظلم، لا يوجد بوادر لحل سلمي أو لحسم عسكري. الحرب الدائرة في سوريا لم تعد حربا بين نظام ديكتاتوري وشعب يتوق للحرية، فالشعب إما لاجئ واما مقتول أو ينتظر اللجوء أو القتل. وهي ليست حربا بين نظام بحارب للحفاظ على سلطته وبين معارضة ارهابية مسلحة تريد انتزاع هذه السلطة. الحرب الدائرة في سوريا هي حرب عالمية مصغرة بروح وتقاليد الحرب الباردة بين معسكرين امبرياليين وحلفائهما. يتكون الععسكر الاول من أمريكا (وعندما اقول امريكا أشمل إسرائيل بشكل اوتوماتيكي)، الاتحاد الاوربي، السعودية ودول الخليج، وكل طرف يلعب الدور المخصص له. ويتكون المعسكر الثاني من روسيا، ايران، الصين وجلفائها المحليين.ليس النظام السوري والمعارضة السورية المسلحة سوى ادوات تتحكم بها قيادة هذين المعسكرين لصالحها. في هذه الحرب القذرة كل الوسائل مشروعة. ولا اقصد هنا وسائل القتل من أجل القتل والتدمير من أجل التدمير فحسب، بل ايضا الحرب الاقتصادية، الطائفية، الدينية والاعلامية. يحارب كلا المعسكرين حسب دعايته من أجل انقاذ الشعب السوري والحفاظ على وطنه سالما موحدا، حيث انقاذ الشعب السوري يعني قتله أو تشريده والحفاظ على وطنه يعني تدميره.
كما أن قضية اللاجئين بكل ابعادها هي محور القضية الفلسطينية، كذلك فإن قضية اللاجئين السوريين اصبحت محور الحرب الدائرة في سوريا. وهذه القضية بحد ذاتها نكبة. من ينبش صفحات التاريخ لا بد أن يجد صورا للاجئين فلسطينيين وهم في طريقهم إلى مخيمات اللجوء ويرى بعض الشبه في طريق اللاجئين السوريين. وعندما اقول بعض الشبه أعني أن ما حدث عام ١٩٤٨ يعد لعب اطفال بالمقارنة لما يجري الان. وهذا ليس تقليلا من شأن واهمية ما جرى عام ١٩٤٨ بل التأكيد على فظاعة ما يجري في عام ٢٠١٥. هل أقول أن اللاجئين الفلسطينيين كانوا محظوظين في مخيمات غزة والضفة والاردن ولبنان وسوريا، اذا ما قارناها بمخيمات اللاجئين السوريين في تركبا والاردن ولبنان وفي طريقهم للمخيمات "الراقية" في اوروبا حيث اصبح الموت غرقا أمرا عاديا؟
لا بد هنا من التوقف عند دموع التماسيح التي تذرفها اوروبا وبغزارة على اللاجئين السوريين. من نافل القول التأكيد على دور الاتحاد الاوروبي في خلق النكبة السورية ومن ضمنها نكبة اللاجئين من خلال مصالحها وسياستها الامبريالية. عملت اوروبا كل ما تستطيعه لاغلاق حدودها في وجه اللاجئين حتى بعد غرق الالاف على شواطئها. يقوم اللاجئ الهارب مع عائلته من لهيب الحرب بمسيرة اصعب من المسيرة الصينية الكبرى ابان الحرب الاهلية: يصل أولا إلى تركيا ويستقل من هناك سفينة مهترئة تنقله إلى الجزر اليونانية، البعض يغرق في عرض البحر والبعض يصل إلى الشاطئ، ويتابع رحيله الى الشمال حيث يقطع الحدود المكدونية المغلقة ويصل إلى صربيا ومنها إلى المجر حيث يواجه جدارا من الاسلاك الشائكة واذا تخطاها يمنع من ركوب القطار المتجه إلى الشمال، سلوفاكيا تعلن انها لن تستقبل اللاجئين المسلمين، تزدهر تجارة وصناعة التهريب، شاحنات التبريد التي تقطع الحدود تصبح وسيلة تهريب يدفع ثمنها بالارواح. هولندا تصرح بانها سوف تقطع جميع خدماتها عن كل لاجئ لا يتم قبوله، دول أخرى تحذو حذوها. زعيمة اوروبا بدون منازع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل تذرف دموع التماسيح على مأساة اللاجئين ولكن تصريحاتها تنزع القناع عن وجهها ليتكشف على حقيقته، فتؤكد على ضرورة حماية ومراقبة الحدود الاوروبية وعلى ضرورة طرد غير المقبولين، وتوجه اسهمها إلى الدول العربية التي لا تستقبل اللاجئين بالرغم من كونها اقرب. وبذلك تتجاهل أن ثلاث دول فقيرة في المنطقة وهي لبنان والاردن وتركيا تستقبل ٤ ملايين لاجئ سوري، بينما دول اوروبا الغنية مجتمعة لا تتحمل استقبال ٨٠٠ ألف لاجئ وتتنازع فيما بينها لاقتسام هذا العبء الذي يعتبر أكبر خطر يواجهه الاتحاد الاوروبي.
كنا بنكبة فلسطين وها نحن مع نكبة سوريا، فكم نكبة تحتاج الشعوب العربية لكي تستفبق، تنفض الغبار المتراكم على جبينها وتلتحق بركب الحضارة؟