Wednesday, September 24, 2014

الدول العربية تدخل المعركة



الدول العربية تدخل المعركة
علي زبيدات – سخنين
عندما قال السادات قبل سنوات عديدة بإن حرب اكتوبر ١٩٧٣ هي الحرب الاخيرة فقد قصد انها الحرب الاخيرة للدول العربية ضد اسرائيل ولكنه بالطبع لم يقصد انها الحرب الاخيرة على الاطلاق. ها هي خمس دول عربية على الاقل تشن حربا لا هوادة بها ضد الارهاب في سوريا والعراق وهي ليست وحدها بل هي جزء من تحالف عالمي تقوده امريكا وإسرائيل يضم اكثر من ٥٠ دولة. الحرب الاخيرة التي شنها الاردن كانت عام ١٩٦٧ حيث سلم الملك حسين الضفة الغربية لاسرائيل بدون قتال يذكر، ومن قبله شن جده الملك عبدالله حربا لتحرير فلسطين بتسليمها لاسرائيل بدون قتال يذكر ايضا. اليوم تشارك الطائرات الاردنية بكل فخر واعتزاز في الحرب الدولية على الارهاب الاسلامي وتشن الغارات على شمال سوريا لكي تؤمن الحدود الجنوبية بينها وبين سوريا وتمنع الارهابيين من اجتياز الحدود. وها هي السعودية التي كدست الاسلحة على مدار عشرات السنين وانفقت في سبيل ذلك الالاف المؤلفة من المليارات ولم تستعمل حتى الان سوى النزر القليل للحفاظ على نظامها ودعم حلفائها في الجنوب والشمال، ترسل طائراتها من طراز تورنيدو وتايفون وتلقي بقذائقها على الارهابيين في سوريا والعراق. حتى الامارت والبحرين شاركتا في الغارات الجوية بشكل عملي وفعال. اما قطر التي تخوض منافسة شرسة مع السعودية فقذ اكتفت بتقديم المساعدات اللوجستية للمعركة وخصوصا استخدام القواعد العسكرية الامريكية على ارضها لشن الغارات الجوية.
لقد صرح اوباما، وهل هناك من يشكك في نواياه السلمية؟، أن هذه الحرب ليست حرب امريكا وحدها بل هي حرب جميع الدول الديمقراطية في العالم وجميع من يدافع عن حقوق الانسان، ومن هذا المنطلق سارعت السعودية والاردن والامارات والبحرين وقطر إلى دخول هذه المعركة. فقد صرح وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ان الارهاب في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان قد شوه صورة الاسلام والمسلمين، بينما يمثل هو وملكه المتخلف وباقي الملوك والامراء العرب الوجه الجميل، المشرق والحضاري للاسلام والمسلمين. صرح مسؤول امريكي رفيع المستوى بان الحرب على تنظيم الدولة الاسلامية سوف تستغرق سنوات. وما المشكلة في ذلك؟ فهذه الدول ليست مستعجلة، لديها كل الوقت المطلوب بالاضافة إلى انها ستستريح من الدعوات التي تطالبها بمواجهة اسرائيل خصوصا بعد أن اصبحت الحليفة الاستراتيجية في العديد من الجبهات.
مرة اخرى تختلط الاوراق، تحالفات قديمة تتلاشى وتحالفات جديدة تطفو على السطح. تغير المواقع والتنقلات فيما بينها تتسارع حتى اصبح من العسير بل من المستحيل متابعتها وادراكها. التناقضات البارزة والمخفية تخدع زبصارنا وتتلاعب في عقولنا. فبينما يؤكد اوباما بان الارهاب الاسلامي يهدد الامن الوطني الامريكي ، تصرح وزارة الامن القومي الامريكية بانه لا توجد مؤشرات على خطر هجمات محتملة للقاعدة او تنظيم الدولة الاسلامية في الولايات المتحدة. من جهة اخرى، ايران وهي احدى اركان التخالف المضاد تصرح بانها تؤيد شن الغارات الغربية في العراق ولكنها تعارضها في سوريا، واذا رغب الغرب بأن تغير موقفها فهذا ممكن إذا ما تم الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني. روسيا التي تدار من قبل المافيا وتواجه ازمة كبرى في اوكرانيا تكتفي بالتصريحات المنددة بالحرب من جهة والسكوت والقبول بها من جهة اخرى. النظام السوري يرحب بهذه الحرب التي يأمل ان تخرجه من ازمته ويكلف وزارة الخارجية وبالتحديد السفير في الامم المتحدة للتعبير عن هذا الترحاب بينما يقوم رأس النظام بتأمين خط رجعة لنفسه بالسكوت او بالتصريحات الخجلة حول ضرورة التنسيق مع الدولة السورية واحترام سيادتها. حزب الله وهو الحليف المركزي للنظام السوري وكما صرح امينه العام فهو يعارض مبدئيا التدخل الامريكي لانه يخدم المصلحة الامريكية فقط ولكنه لا يقوم بأية خطوة عملية ضد هذا التدخل. بالعكس، من خلال السكوت على الموقف الايراني الروسي المتذبذب وقبول النظام وتحالفه مع الجيش اللبناني المسلح امريكيا فانه اقرب إلى التورط في هذا التحالف. اما اسرائيل فانها تكتفي في المرحلة الراهنة بأن تكون مرجعية التحالف الاخلاقية بتصديرها المفاهيم التي طورتها من خلال حروبها ضد غزة: الغارات الجوية تستهدف الارهابيين الذين يختبئون بين المدنيين ويستعملونهم كدروع بشرية.
لنصدق امريكا للحظة، بأن هذه الحرب ليست حرب امريكا وحدها بل هي حرب الدول العربية ايضا وان هذه الحرب بالفعل ستستغرق سنوات طويلة. فماذا يعني كل هذا؟ هذا يعني أمرا واحدا: اتركوا اسرائيل وشأنها بسلام، دعوها تبني المستوطنات على راحتها وتستمر في حصار غزة كما يحلو لها ولا تتكلموا عن حق العودة او حتى عن دولة مستقلة مهما كانت ناقصة السيادة. اكتفوا بالمفاوضات التي لا تنتهي.

Wednesday, September 17, 2014

يوم الشهيد الفلسطيني



يوم الشهيد الفلسطيني

علي زبيدات – سخنين

بعد أقل من اسبوعين سوف تحل الذكرى الرابعة عشرة للاحداث التي اختلفنا حتى على تسميتها، فمنهم من اطلق عليها اسم "هبة القدس والاقصى" وهو الاسم الذي شاع اكثر من غيره، بينما اختصر آخرون الاسم إلى "يوم القدس والاقصى" واكتفى آخرون ب "احداث اكتوبر ٢٠٠٠". لم يأت تعدد الاسماء ، حسب رأيي، من باب الصدفة بل كان القصد منه فصله عن المصطلح الفلسطيني العام الذي فرض نفسه في ذلك الوقت "انتفاضة القدس والاقصى"، وذلك بحجة الوضع الخاص لفلسطيني المناطق المحتلة عام ١٩٤٨. هذا الفصل جر عمليا فصلا آخرا اشد خطورة وهو الفصل بين الشهداء الثلاثة عشرة الذين سقطوا في هذه المناطق وبين باقي الشهداء الذين سقطوا في الضفة الغربية وقطاع غزة. من هذا المنطلق توجهت "مؤسساتنا القيادية" بطلب اقامة لجنة تحقيق اسرائيلية رسمية للجواب عن سؤال رئيسي واحد: " كيف يمكن لدولة أن تطلق النار على مواطنيها"؟.
جرت العادة أن تجلس لجنة المتابعة بكافة مركباتها لكي تقرر كيفية احياء هذه المناسبة وكانت تقرر تنظيم مسيرة مركزية في احدى القرى التي سقط بها احد الشهداء وعلى المستوى المحلي زيارة اهالي الشهداء ووضع الاكاليل على الاضرحة. مع مرور السنوات أخذت هذه المناسبة بالتآكل والاضمحلال واصبح احياؤها نوعا من اسقاط واجب ثقيل من المفضل ان يتم باسرع واسهل شكل ممكن. وهذا ما سوف نشهده في القريب العاجل: ايام قليلة قبل المناسبة سوف تتخذ "قيادتنا" قرارها التقليدي ولكن هذه المرة بدون نفس.
لذلك اقترح الغاء هذه المناسبة بكافة أشكالها المسرحية التي آلت اليها. وهذا ضروري، على ما أظن، من اجل الحفاظ على كرامة الشهداء وعلى مكانتهم في القضية الوطنية. مما لا شك فيه أن الألم الشخصي للعائلات والاصدقاء لن يتوقف ولن يكون له بديلا، وهو اصلا ليس ولم يكن مرتبطا بشكل احياء هذه المناسبة على الصعيد الرسمي.
واقترح ايضا البدء بالتفكير باختيار يوم يسمى: يوم الشهيد الفلسطيني. على غرار يوم الاسير الفلسطيني. نتفق جميعا بغض النظر عن اتجاهاتنا الفكرية وانتماءاتنا الحزبية أن الشهيد هو في المقام الاول والاسير في المقام الثاني من حيث مككانته في القضية الوطنية. فالاول ضحى بحياته بينما الثاني ضحى بحريته. فلماذا اخترنا يوما أطلقنا عليه يوم الاسير الفلسطيني ولم نفكر في يوم نطلق عليه يوم الشهيد الفلسطيني؟ صحيح انه عند اختيار ١٧ أبريل/نيسان ليكون يوم الاسير الفلسطيني كان لدينا بقايا مجلس وطني فلسطيني يتخذ قرارات مثل هذا القرار واليوم أصبح هذا الجسم عبارة عن جثة هامدة، وصحيح ان يوم الاسير نفسه وخصوصا في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ أصابه التآكل والوهن كلما ازدادت اللجان المختصة بالاسرى. ولكن القرار كان سليما، فقد دخل هذا اليوم الى الوعي الجماعي لشعبنا واصبح من المستحيل محوه، لأن هذا اليوم يوحد الاسرى بغض النظر عن انتماءاتهم التنظيمية وعن مناطق سكناهم. انه عامل موحد ويشكل احد الاعمدة الاساسية للقضية الفلسطينية.
سيكون ليوم الشهيد الفلسطيني الدور الموحد ذاته إذ سيضم جميع الذين استشهدوا من اجل فلسطيني بغض النظر عن زمان ومكان استشهادهم. سيوحد هذا اليوم الذين استشهدوا عام النكبة وقبل عام النكبة، سيوحد شهداء صبرا وشاتيلا مع شهداء حي الشجاعية وشهداء اكتوبر ٢٠٠٠ الثلاثة عشر. سيوحد جميع الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجل فلسطين. تاريخ شعبنا يقدم العديد من الايام التي تصلح لاختيار احدها ليكون يوم الشهيد. لقد آن الاوان لكي نصحح خطأ تاريخيا. كم تبدو هذه الفكرة بديهة؟ حتى اكاد لا اصدق انه لا يوجد هناك حتى الان يوم يوحد قافلة الشهداء. حتى دولة اسرائيل اختارت يوما لتخليد ذكرى الذين فتلوا في حروبها.
سيكون مثل هذا اليوم يوم حداد وحزن ولكنه في الوقت نفسه سيكون ينبوعا لا ينضب من الالهام والمعنويات والفخر. لم يعد لدينا منظمة تحرير فلسطينية او مجلس وطني فلسطيني لاتخاذ مثل هذا القرار ولكن الجماهير الشعبية بتنظيماتها وافرادها قادرة على ذلك.


Wednesday, September 10, 2014

احلى ارهاب في العالم

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012018 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000012002
احلى ارهاب في العالم
علي زبيدات – سخنين
قبل ١٣ عاما، وفي اعقاب الاحداث التي شهدتها نيويورك من تدمير لبرجي مركز التجارة العالمي، اعلنت الادارة الامريكية برئاسة جورج دبليو بوش وباجماع الكونغرس الامريكي على حزبيه الديمقراطي والجمهوري الحرب على الارهاب العالمي. وقد وصفتها وسائل الاعلام الرئيسية في الولايات المتحدة بانها الحرب العالمية الرابعة على اعتبار أن الحرب الباردة هي الحرب العالمية الثالثة تضاف إلى الحربين العالميتين الاولى والثانية المتعارف عليهما. اذا وافقنا على هذا التعريف فإن ما يميز الحرب العالمية الرابعة، أي الحرب على الارهاب العالمي، انها على عكس الحروب العالمية السابقة التي دار رحاها بين معسكرين أو حلفين يضم كل منهما عددا من الدول، تدور بين مجموعة دول وتنظيمات تم تعريفها بانها تنظيمات ارهابية. وبما انه لا يوجد هناك تعريف واحد معتمد للتنظيم الارهابي وكل دولة تحتفظ لنفسها بمعايير خاصة بها عندما تعرف أي تنظيم معارض بإنه ارهابي، دخلت هذه الحرب الى بيوت الناس وشوارعهم واحيائهم.
قبل ١٣ عاما، كان تنظيم القاعدة الذي حمل مسؤولية تفجيرات نيويورك هو التنظيم الارهابي الرئيسي، على الاقل في أعين الولايات المتحدة الامريكية هذا بغض النظر عن الدور الامريكي في بناء، تدريب وتسليح هذا التنظيم واستخدامه في آخر معارك الحرب الباردة في الافغانستان. بادرت الادارة الامريكية بتشكيل حلف دولي كانت بدايته في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وانتقل الى حلف شمال الاطلسي الذي شن حربا لاحتلال افغانستان بحجة معاقبة القاعدة وحليفتها حركة طالبان الحاكمة في ذلك البلد. وقد ظن هذا التحالف بان الحرب ضد القاعدة والطالبان لن تستغرق سوى قترة قصيرة ولكنها بعد ١٣ سنة ما زالت على اشدها، بل حتى في بدايتها. قفد تحولت المعركة إلى حرب اهلية ضد الحكومة العميلة من جهة والى حرب تحرير شعبية ضد الاحتلال الاجنبي من جهة اخرى، وتخطت تبعاتها الحدود الجغرافية لافغانستان لتصل الى الدول المجاورة وخصوصا إلى باكستان. ولم يكتف هذا التحالف باحتلال افغانستان ولم يستوعب دروس تورطه فيها فقام بغزو العراق واحتلاله بناء على اكاذيب وافتراءات حول اسلحة الدمار الشامل، ولكنه لم يستطيع التستر على الاسباب الحقيقية وهي احكام القبضة على مصادر النفط من جهة والحفاظ على امن اسرائيل من جهة اخرى. هنا ايضا حاول هذا التحالف تطبيق سيناريو افغانستان على العراق، فبعد الاحتلال أقام حكومة من العملاء الفاسدين لتأمين مصالحه بعد مغادرة البلد، وبهذا فتح الطريق لحرب اهلية من جهة ولحرب تحرير وطني ضد الاحتلال الامريكي من جهة اخرى. الحرب التي كان مخطط لها ان تحسم في أقصر وقت نراها بعد احد عشر عاما ما زالت في اوجها لا بل في بداياتها، وهنا ايضا تخطت الحرب الحدود الجغرافية للعراق وتمتد باشكال مختلفة الى باقي دول المنطقة.
في الذكرى الثالثة عشر لاحداث نيويورك، يعود باراك اوباما الذي وعد المواطن الامريكي بانهاء ما يسمى بالحرب على الارهاب وخصوصا في افغانستان والعراق والتركيز على معالجة القضايا الداخلية، الى مجلس الامن الذي ما زال اداة في يد امريكا لاستصدار قرار يخوله ضرب "الارهاب" ومعاقبة كل من يموله ويزوده بالسلاح. بناء على هذا القرار كان من الاحرى ومن المنطقي أن يبدأ اوباما بضرب ومعاقبة نفسه لانه اكثر من مول الارهاب وزوده بالسلاح. من ثم توجه الى الحلف الاطلسي الذي ابدى عشرة من اعضائه الانضمام بشكل فعال لحلف جديد لمحاربة الارهاب بما فيه ارسال الجنود، واصبح هذا الحلف يضم ٤٠ دولة. وسينضم اليه المزيد من الدول وخصوصا من الدول العربية بعد لقاء الفمة المزمع عقده في هذه الاثناء في جدة والذي يضم الى جانب جون كيري قادة السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا. ومن المؤكد ان ينضم اليه المزيد من الدول بشكل سري. المهمة الطافية على السطح لهذا الحلف هو ضرب تنظيم داعش الارهابي الذي يهدد الاستقرار في المنطقة والسلام العالمي، ولكن مهمته الحقيقية لا تختلف عن مهام التحالفات السابقة: احكام القبضة الغربية على ثروات المنطقة النفطية وتوفير الامن للدولة العبرية.
قد يلافي حلف اوباما الجديد نجاحا ملحوظا في المنطقة خصوصا وان لكل نظام "داعشه" الخاص. فالسيسي يحارب ارهاب الاخوان المسلمين في مصر، اسرائيل تحارب ارهاب حماس والجهاد في غزة، العراق يحارب ارهاب الدولة الاسلامية والنظام السوري يحارب داعش والنصرة وغيرها من التنطيمات الارهابية. يبقى هناك بعض العقبات البسيطة التي يأمل املتحالفون التغلب عليها بسهولة وبسرعة مثل تحديد الادوار وتغيير اماكن بعض الفرقاء. فالنظام السوري الذي اتهم امريكا بتزعم حرب كونية ضده يستجدي الان من أجل قبوله عضوا في هذا الحلف. السعودية ودول الخليج التي دعمت بشكل او بآخر التنظيمات الارهابية تبحث عن وسيلة للتنصل منها مقابل تأمين نظام حكمها. ايجاد صيغة لقبول ايران داخل الحلف وفي الوقت نقسه ابقائها في الخارج. نوري المالكي قبل سقوطه بأيام (مع استمرار نظامه) يدعو الى شن حرب عالمية على الارهاب يقودها النظام العراقي.
الحرب سوف تستمر وتصبح اكثر شراسة إذا لم يطرأ تغيير جذري على تعريف الارهاب بحيث يبدأ بتعريف الدولة الارهابية قبل تعريف التنظيم الارهابي. امريكا في سياستها الخارجية أشد ارهابا من القاعدة ومن كافة التنظيمات التي صنفتها ارهابية. ارهاب حكم العسكر بقيادة السيسي في مصر يقوف بدرجات ارهاب الاخوان المسلمين. اسرائيل هي الارهاب بحذافيره مجسدا في دولة، وهكذا في باقي الدول.
الشعوب التي تناضل من اجل حريتها واستقلالها هي وحدها القادرة على تحويل الارهاب إلى ثورة.

Wednesday, September 03, 2014

اليسار العربي المغترب

 
اليسار العربي المغترب
على زبيدات – سخنين
لدي على شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) صديقة من تونس تعرف نفسها بانها ناشطة يسارية. وبما ان تونس مقدمة على انتخابات تشريعية الشهر القادم وانتحابات رئاسية في الشهر الذي يليه، وبما انني من المهتمين بما يجري في العالم العربي وخصوصا فيما يتعلق بأخبار اليسار، سألت عن اوضاع اليسار في تونس وعن دوره في الانتخابات القادمة. لم اقتنع باجاباتها الصارمة بأن قوى اليسار الرئيسية التي تجمعت في قائمة واحدة باسم الجبهة الشعبية سوف تحقق فوزا يمكنها من تفيير الحكومة الحالية التي تسيطر عليها حركة النهضة. وعدم اقتناعي نابع بالاساس من المعلومات الواردة من وسائل الاعلام الرئيسية التي تؤكد ان حركة النهضة والاحزاب الليبرالية واليمينية المختلفة هي التي سوف تفوز بهذه الانتخابات. فقررت ان انفض عن كاهلي غبار الكسل والقي نظرة مباشرة على الانتخابات التونسية، فمن يدري؟ ربما بالفعل الوضع كذلك وربما تغيرت من قناعاتي ليس فقط تجاه اليسار التونسي بل تجاه اليسار العربي على طول وعرض الوطن العربي. اعترف مسبقا ان قناعاتي مبنية على مبدأ يقول: كل تنظيم يساري يحاول تغيير الواقع في البلدان العربية عن طريق الانتخابات التشريعية (او الرئاسية) يجب وضع علامة استفهام امام يساريته.
تضم الجبهة الشعبية التونسية اكثر من عشرة احزاب وتنظيمات يسارية هذا بالاضافة إلى العديد من التنظيمات القومية والشخصيات المستقلة. ووجدت تنظيمات اخرى عديدة لم تنضم للجبهة الشعبية وقضلت اقامة تحالفات اخرى او تبقى منفردة. فهناك التكتل الديمقراطي من اجل والحريات وهناك المسار الديمقراطي الاجتماعي. لم أستطع احصاء التنظيمات اليسارية من بين الثمانين قائمة التي تنوي المشاركة في الانتخابات. المركب الرئيسي في الجبهة الشعبية هو حزب العمال العريق، الذي كان يسمى رسميا قبل فترة وجيزة بالحزب العمال الشيوعي، ولكنه اتبع الموضة واستغنى أو ضحى بكلمة الشيوعي لعله يكسب بعض اصوات الليبراليين. (في الانتخابات السابقة حصل الحزب على ١.٧٥٪ من الاصوات). حسب رأيي وضع هذا اليسار (بكل اشكاله وتسمياته) هو نتيجة مباشرة لتاريخه السابق. فاذا قبلنا النظرية الرائجة في علم النفس بان سنوات الطفولة المبكرة هي التي تحدد من حيث الاساس الشخصية عند الكبر، فان هذه النظرية سارية المفعول بالنسبة لليسار في تونس وفي باقي الدول. تم تأسيس الحزب الشيوعي التونسي في بداية سنوات العشرين من القرن الماضي كامتداد للحزب الشيوعي الفرنسي. ورفع اسوة بهذا الحزب شعار الاتحاد الفرنسي الذي يعني عمليا رقض الاستقلال الوطني. وبالرغم من ان الاحزاب التونسية التي طالبت بالاستقلال رفضت النضال الثوري ضد الاستعمار وسعت للحصول على صفقة تمنحها استقلالا شكليا وتحافظ على التبعية ونجحت في ذلك، الا ان الحزب الشيوعي التونسي اصر على الاتحاد الفرنسي حتى اللحظة الاخيرة. بعد الاستقلال (الشكلي) قام الحزب بنقد ذاتي لمواقفه السابقة ولكن الوقت كان متأخرا ولم يجديه ذلك نفعا وكانت النتيجة عكسية حيث بدأت الانشقاقات التي لم تنته حتى اليوم. بحثت عن بيانات صادرة عن الجبهة الشعبية التونسية تشرح برنامجها الانتخابي للجماهير التونسية فوجدت أن معظم البيانات مكتوبة باللغة الفرنسية، هذا بعد حوالي ستين سنة من الاستقلال. باختصار شديد: اليسار التونسي فشل بالتخلص من نخبويته واغترابه فما الغرابة في ان تكتسح الحركات الاسلامية وحتى فلول النظام السابق الساحة؟
هذه الصفة النخبوية-الاغترابية تكاد ان تكون مشتركة بشكل او بآخر، بهذه الدرجة او تلك، مع الاخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة التاريخية والسياسية لجميع التنظيمات اليسارية وخصوصا ذات الجذور الشيوعية. في الجزائر تماما كما في تونس، كان الحزب الشيوعي الجزائري امتدادا للحزب الشيوعي الفرنسي، عارض التحرير الوطني الجزائري حتى بعدما اختار الشعب الجزائري، على خلاف الشعب التونسي، خوض الكفاح المسلح لطرد المستعمرين الفرنسيين. تمرد بعض الشيوعيين الجزائريين على قياداتهم الحزبية والانضمام للثوار لم يغير هذه الصورة كثيرا، وما زال اليسار الجزائري يرزح تحت ارثه الثقيل ويعاني من الاغتراب والنخبوية.
وضع اليسار في المشرق العربي لا يقل مأساوية بل هو في كثير من الحالات يفوقه مأساوية بدرجات. استطاع الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس عام ١٩٣٤ أن يبني له قاعدة شعبية واسعة وقوية في كافة ارجاء العراق وخصوصا تحت قيادة يوسف سلمان يوسف (فهد). الا ان السياسة التي فرضتها الكومنتيرن (الاممية الشيوعية) باخضاع الاحزاب الشيوعية لهيمنتها واجبارها الدخول في تحالفات مع قوى رجعية قد دمرت الحزب وكان الرفيق فهد اول ضحايا هذه السياسة فقد اعدمته حكومة نوري السعيد العميلة عام ١٩٤٩. لم يتعلم الحزب الدرس ففي ثورة عام ١٩٥٨ التي اطاحت بالملكية، دعم الحزب بدون تحفظ عبد الكريم قاسم الذي قام فور استلامه للحكم بقتل الشيوعيين الذين دعموه، وتكرر الخطأ عام ١٩٦٣ بدعم حزب البعث الذي صفى حالما استلم الحكم اكثر من ٥٠٠٠ شيوعي، وبعد أن فقد حزب البعث الحكم وعاد من جديد عام ١٩٦٨ دخل الحزب الشيوعي العراقي ما يسمى بالجبهة الوطنية ولكن عمليات التصفية لم تتوقف حتى تم حذر الحزب نهائيا عام ١٩٩٣. بعد ذلك رحب قسم من قيادة الحزب الشيوعي العراقي بالغزو الامريكي وانخرط بالعملية السياسية في ظل الاحتلال. وهكذا طويت اسطورة الحزب الشيوعي العراقي.
اسطورة اخرى سقطت اذكرها بعجالة لضيق المجال: الحزب الاشتراكي اليمني الذي قاد النضال لتحرير اليمن الجنوبي من الاستعمار. بعد الاستقلال تمت الاطاحة بالرئيس الاول قحطان الشعبي فقلنا سقط الجناح اليميني وتعمقت الثورة، وقتل الرئيس التالي سالم ربيع علي قفلنا سقط الجناح الانتهازي وجاء عبدالفتاح اسماعيل رجل الاتحاد السوفييتي ممثلا للارثوذكسية اليسارية، الذي سرعان ما اسقط وحل محله على ناصر الذي طرد بدوره ومن ثم جاء حيدر ابو بكر الغطاس الذي قدم البلد الاشتراكي العربي الوحيد هدية لقبائل الشمال.
النكتة التي تداولناها لفترة طويلة هنا: اذا امطرت في موسكو رفع الحزب الشيوعي الاسرائيلي المظلات في تل ابيب قيلت في الحقيقة عن الحزب الشيوعي السوري وزعيمه خالد بقداش وهي تنطبق على كافة الاحزاب العربية الرسمية ولم تتخلص منها بالرغم من كل تحولاتها وانشقاقاتها وبالرغم من توقف المطر السوفييتي في موسكو. الاغتراب والنخبوية لم تقفزا عن اليسار الفلسطيني ممثلا بالجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وغيرها من الاطر التي تصف نفسها باليسارية وعن شخصيات يسارية مستقلة، ولكن هذا موضوع آخر قائم بذاته.

Wednesday, August 27, 2014

انتصار جديد هزيمة مستمرة



انتصار جديد هزيمة مستمرة
على زبيدات – سخنين
بحثت كثيرا عن تعريف موضوعي، متفق عليه إلى حد ما لكلمة انتصار. لم أجد تعريفا كهذا، وربما لا يوجد اصلا تعريف كهذا. ولكني بالمقابل وجدت تعريفات كثيرة جلها ذاتية. وعندما اقول ذاتية لا اقصد انها فردية بل قد تكون صادرة عن مجموعة دينية، حركة سياسية، حكومة، دولة أو اية جهة اخرى. ووجدت أيضا أن تصنيف كلمة انتصار يتم حسب معايير مختلفة: فهناك الانتصار الحقيقي مقابل الانتصار المزيف، وهناك الانتصار الساحق أو العظيم وهناك الانتصار المتواضع أو النسبي وهناك الانتصار على النفس وهو عند البعض الانتصار الحقيقي والعظيم وهناك الانتصار على العدو وهناك الانتصار السياسي والعسكري وغيره من الانتصارات. النتيجة هي أن كل تعريف يعبر في نهاية المطاف عن مشاعر وتطلعات مصدره، تشترك كافة التعريفات ببعض السمات فجميعها تحتوي على بعض الحقيقة التي تصبح كل الحقيقة بالنسبة لصاحب الانتصار، وجميع التعريفات تبرز جوانب معينة تجعلها رئيسية مع انها قد تكون ثانوية والعكس صحيح فهناك جوانب رئيسية يتم تهميشها.
كان لا بد من هذه المقدمة المملة من أجل التقييم الاولي لاتفاق وقف النار الاخير، ومن اجل الاجابة على السؤال: هل ما حدث هو انتصار للمقاومة في غزة وهزيمة لاسرائيل؟ الجواب يتعلق بمن تسأل: المقاومة الفلسطينية بكافة تنظيماتها وعلى رأسهم حركة حماس تؤكد انه انتصار عظيم مبني على الحقائق التالية: صمود اسطوري لاكثر من خمسين يوما، منع العدو الصهيوني من تحقيق أي هدف من اهدافه المعلنة: نزع سلاح المقاومة، القضاء على الصواريخ والانفاق، اعادة الهدوء والامن لمستوطنات الجنوب. من يعتبر هذه الامور هي الاهم فمن حقه أن يعلن الانتصار ويحتفل به. هذه النظرة تلاقت مع نظرة الطرف الاسرائيلي الذي يقف على يمين نتنياهو والذي يقول: ان فشل اسرائيل في تحقيق اهدافها هو هزيمة لها وانتصار لحماس. ولكن من يعتبر أن منع اسرائيل من تحفيف اهدافها هو امر مهم ولكن يوجد هناك امور لا تقل اهمية وربما تفوقها مثل الثمن الذي تم دفعه من شهداء وجرحى ومهجرين وتدمير للبنى التحتية، وغياب الافق التحرري على المدى البعيد سوف يرى الانتصار بعيون اخرى وبحجم آخر.
في هذه الايام، الفلسطيني الذي يشكك في عظمة هذا الانتصار سوف يعرض نفسه الى حملة شرسة تبدأ باتهامه بالمزاودة على المقاومة أو بالعمل على تقويض الروح المعنوية للشعب وتنتقل الى تهمة ادمان الانهزامية وقد تنتهي بتهمة خدمة العدو والتعامل معه وقد تشمل كل هذه التهم مجتمعة. قلائل هم الذين يتطوعون لمواجهة مثل هذه الحملة، وأنا سوف اكون منهم.
لا استطيع أن ادعي الانتصار واحتفل به وقد قدمت أكثر من ٢٠٠٠ شهيدا أكثر من ربعهم من الاطفال مقابل قتل بعض الجنود واخافة العدو في الطرف الاخر. بالنسبة لي لا يشكل الخوف ثمنا كافيا لحياة أي شهيد. ولا اعتبر تهجير المستوطنين من مستوطناتهم الى منتزهات وفنادق انتصارا اذا دفعت ثمن ذلك تهجير ٤٠٠ ألف فلسطيني بعضهم يهجر للمرة الرابعة او الخامسة. اي انتصار هذا عندما اطلق ٥٠٠٠ صاروخ لاصيب هدفا هنا وهدفا هناك باضرار طفيفة بينما يطلق العدو صاروخا واحدا يزيل برجا كاملا من على وجه الارض؟ يمكن الكلام عن انتصار عندما يصبح هناك نوع من التكافؤ والتناسب، عندما يعلم العدو ان القتل والدمار والتهجير ليس احادي الجانب. عندما يعلم ويذوت انه يملك في تل ابيب لوحدها اكثر من ١٥٠ برجا اكبر من برج الظافر وبرج الباشا في غزة وان هذه الابراج مهددة بالزوال.
قلت في الماضي مرارا وأكررها هنا مرة اخرى: اسرائيل لم تحقق اى انتصار منذ اكثر من اربعين سنة، منذ حرب لبنان الاولى. لان طبيعة الحرب قد تغيرت جذريا، فهي لا تحارب ضد جيوش نظامية بل ضد جماهير مدنية بعضها مسلح باسلحة خفيفة. ولكن اسرائيل ما زالت اسيرة لغرورها وعنجهيتها بعد انتصارها عام ١٩٦٧. الحذار من الوقوع في مثل هذه العقدة الاسرائيلية. تهويل الانتصار والمبالغةفي بالاحتفال به لن يرفع معنويات الجماهير بقدر ما قد يصيبها بالغرور.
لنتكلم عن الصمود الاسطوري، عن التضحيات باهضة الثمن، عن البطولات في مواجهة القنابل والصواريخ بالاجساد العارية، عن الايمان المطلق بعدالة القضية، عن عشق الحياة والحرية. الانتصار قادم لا محالة ولا حاجة لاستباقه.
واخيرا، الفت انتباه المحتفلين بالانتصار الى اربعة نقاط تعيدهم الى ارض الواقع وتتيح لهم رؤية الهزيمة المستمرة القابعة وراء أوهام الانتصار:
١) السكوت او حتى القبول بالموقف العربي المخزي وخصوصا المصري الذي تراوح بين الوساطة غير النزيهة وبين التعاون مع الكيان الصهيوني. لا تنسوا، السيسي هو عراب هذا الاتفاق.
٢) منح الثقة مرة اخرى لسلطة اوسلو. محمود عباس هو الذي اعلن عن الهدنة وكأنها انجاز تاريخي له شخصيا. وبعد شهر سوف تترأس سلطته المفاوضات حول المطالب الرئيسية. لا شم أن لعاب كبير المفاوضين وطاقمه آخذة بالسيلان.
٣) لم ترتق الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية الى مستوى الاحداث ولم تمارس مسؤولياتها في تقاسم حمل العبء مع جماهير غزة. عشرون سنة من سلطة اوسلو افسدت قطاعات واسعة من شعبنا في الضفة.
٤)الفلسطينيون في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ أثبتوا انهم عمليا جزء يتجزأ من الشعب الفلسطيني على عكس الشعارات التي نرددها. المؤسسة الاسرائيلية وعكاكيزها المحلية (ومنها من يحتفل بالانتصار اليوم) هي المسؤولة عن هذا التجزيء.
لن يكون هناك نصر حقيقي على الكيان الصهيوني بدون الانتصار على هذه الافات التي ما زالت مستشرية.

Wednesday, August 20, 2014

حول تحالف التناقضات وتناقض التحالفات



حول تحالف التناقضات وتناقض التحالفات
علي زبيدات – سخنين
بعد الانتهاء من المرحلة الاولى للحرب الاخيرة على غزة ودخول المرحلة الثانية وهي محاولة التوصل الى هدنة طويلة الامد على ضوء نتائج المرحلة الاولى شعرت بانني في حالة من الضياع التام حتى انني لم أعد قادرا على التمييز بين رأسي وقدمي وكأنني أعيش وسط ادغال شائكة في ليل دامس: من يفاوض من؟ كيف يعقل أن يترأس من اتهمناه بالتواطؤ هذه المرحلة؟ وكيف يعقل أن يكون الوسيط من من المفروض ان يكون السند الرئيسي؟ وكيف يدعم مطالبنا من نتهمة بالعمالة لامريكا واسرائيل، بينما ينأى من يتزعم الممانعة والمقاومة بنفسه عن التورط في هذه القضية؟ كيف تحالف الاعداء وتناقض الاصدقاء بهذه الطريقة السريالية؟ قلت، لكي اتلمس طريقي في هذا النفق المعتم لا بد من العودة لمراجعة كل ما قرأته، مما كتبه كبار المفكرين الثوريين من ماركس وانجلس وحتى لينين وماو تسي تونغ، عن التناقضات وعن قانون وحدة وصراع الاضداد والذي يعتبر القانون الاساسي في الديالكتيك المادي، القانون الذي يحدد مسار تطور المجتمعات. راجعت ما كتب عن عمومية التناقض الموجودة في عملية تطور كاقة الاشياء من بدايتها وحتى نهايتها، عن خصوصية التناقض وعن الوحدة النسبية والصراع المطلق بينهما، عن ضرورة التخلص من النطرة الذاتية والسطحية والنظرية الاحادية الجانب والاستعاضة عنها بالنطرة الموضوعية العلمية وضرورة التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي وبين الجانب الرئيسي والجانب الثانوى داخل كل تناقض، وكيف ان التناقضات المختلفة تحل بطرق محتلفة وكيف أن للصراع اشكال كثيرة ويجب عدم الخلط فيما بينها. فالصراع الايديولوجي يستعمل لحل نوع معين من التناقضات بينما الصرااع السياسي (العسكري) يستعمل لحل التناقضات التناحرية ذات الطابع الطبقي أو الوطني. بالاضافة الى العديد من المسائل الاخرى. ولكن كل هذه المراجعات، المهمة في حد ذاتها، لم تساعدني كثيرا في ازاحة الغموض والبلبلة التي تكتنف التناقضات التي خيمت على المنطقة في اعقاب الحرب على غزة. وذلك لان كل نظرية كتبت في اماكن مختلفة وفي اوقات مختلفة وتحت ظروف مختلفة ستكون عرضة للتخحر الفكري وبالتالي ستكون عاجزة عن استيعاب وتحليل تناقضات نشأت وترعرعت في اماكن اخرى وازمنة اخرى وتحت ظروف اخرى. ولكن هذا لا يمنع ان تكون هذه النظريات مرشدا للعمل ولو نسبيا عند معالجة تناقضات مستحدثة كالتي تعصف في منطقتنا.
لتبسيط الامور وجدت انه يمكن تصنيف التناقضات في الشرق الاوسط وفلسطين في مركزها في ثلاثة تحالفات تتقاطع فيما بينها، تتحالف تارة وتتصارع طورا وتنتقل بعض اطرافها من مكان لاخر، تحافظ على استمرارية وثبات بعض جوانبها وبينما تتغير جوانب اخرى بين ليلة وضحاها:
١) على الصعيد الدولي: الحلف الذي تتزعمه امريكا ويضم إسرائيل، الاتحاد الاوروبي والدول الرأسمالية المتطورة مثل كندا، اليابان، استراليا. الحلف الروسي -الصيني .
٢) على الصعيد الاقليمي: ويمكن التمييز بين ثلاثة تحالفات: أ) ايران – سوريا- حزب الله والذي يطلق على نفسه معسكر الممانعة او المقاومة، البعض يلحق به النظام العراقي أو الجهاد الاسلامي. ب) الحلف السعودي-الاماراتي-المصري -الاسرائيلي.ويمكن الحاق السلطة الفلسطينية بهذا الحلف ج) الحلف التركي – القطري – الاخوان المسلمين (وحماس).
٣) على الصعيد المحلي: هناك تحالفات واشباه تحالفات في كل قطر وقطر. مثلا على الساحة الفلسطينية: فتح – حماس وباقي التنظيمات الفلسطينية. في سوريا: تحالفات وتجمعات المعارضة السورية المتعددة، وكذلك الامر في لبنان والعراق والاردن ومصر وغيرها.
وهناك داعش التي تشكل في الاونة الاخيرة "تحالفا" قائما بذاته فريدا من نوعه يطلق الرصاص على كل من يقف امامه على طريقة افلام رعاة البقر.
هذا التصنيف الاولي لا يوضح الامور بل يزيدها تعقيدا حتى يكاد أن ينسف التصنيف ذاته من اساسه. فلو اخذنا داعش على سبيل المثال، التي نجحت في فترة قصيرة نسبيا في احتلال نصف العراق وثلث سوريا وتهدد بالتمدد حتى تصل الى الاردن وسوريا، فمنهم من يصر على انها وليدة الحلف الامريكي مهمتها تنفيذ السياسة الامريكية في تفكيك المنطقة لتهليد الهيمنة الامريكية، ومنهم من يصر على انها من صنع النظام السوري الذي كان بحاجة اليها لكي يقنع العالم بانه يحارب ارهابيين منذ بداية الانتفاضة السورية. وقد يكون الطرفان صادقين، أي ان امريكا والنظام السوري يشكلان سويا الاب المشترك لتنظيم داعش خصوصا وإن الام (القاعدة) لم تتورع من مضاجعة الطرفين لفترات طويلة. والسعودية التي منحت داعش هويتها السلفية بالاضافة للدعم المادي، فهي تدعم داعش في سوريا والعراق وتحاربها في بلادها. اما ايران وهي عمليا زعيمة معسكر الممانعة فلا ترى مانعا في الاتفاق مع امريكا والتعاون معها في العراق وفي تخفيف العقوبات عليها واجراء مفاوضات استراتيجية لحل الازمة النووية. اما قطر فيبدو انه لا مشكلة لديها في أن تكون الصديقة الحميمة لحماس وفي الوقت نفسه لاسرائيل التي تشن حرب ابادة ضدها. سلطة اوسلو تريد ان تكون في حلف واحد مع حماس، من اجل ذلك شكلت حكومة الوحدة لكي تبسط سيطرتها على غزة، وفي الوقت نفسه في الحلف الاسرائيلي لكي تستمر بالمفاوضات لعلها تتوصل الى اتفاق يعزز سلطتها، وفي الحلف القطري-التركي لكي تنال بعض الاموال والحلف المصري- السعودي لكي تؤمن لها دورا في المفاوضات المتعددة، وعلى الصعيد الدولي لا يمكنها الاسغناء عن الحليف الامريكي. اما حزب الله فقد اعاد تعريف المقاومة بعد أن اعترف بان التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو مع داعش وليس مع دولة الكيان. وبما ان داعش لا تريد محاربة اسرائيل حاليا بل النظام السوري فإن المقاومة تملي عليه الدفاع عن النظام السوري.
لا ادري اذا ما كانت الصورة اوضح الان، كل ما اردت قوله بعد هذا السرد عن تحالف التناقضات وتنافض التحالفات يمكن تلخيصه في كلمتين: إسرائيل هي التناقض الرئيسي ولا تحالف معها.

Wednesday, August 13, 2014

وراء العدو في كل مكان



وراء العدو في كل مكان
على زبيدات – سخنين

هل ما زال أحد يذكر هذا الشعار الذي رفعه وديع حداد قبل أكثر من أربعة عقود؟ربما ما زال بعضنا يحتفظ به في ذاكرته الخلفية ولكنه فد يستغرب نبشه في هذه الايام خصوصا وإن هذا الشعار لافى معارضة شديدة حتى في تلك الايام فكم بالاحرى الآن وقد طوت معظم التنظيمات الفلسطينية تلك الصفحة وتبنت استراتيجية "السلام" كطريق وحيد أو رئيسي لتحقيق اهداقها. لم يكن بالنسبة لوديع حداد ورفاقه شعار "وراء العدو في كل مكان" مجرد شعار للتلويح به بل كان أولا وقبل كل شيء ممارسة عملية. فقد لاحق العدو الاسرائيلي في بلدان العالم ومطاراتها، ولم يلاحقه وحده بل لاحق ايضا شركاءه واعوانه من غربيين وشرقيين. وفي ممارسته هذه لم يكن وحده بل عمل على بناء شبكة اممية امتدت من اليابان شرقا وحتى فنزويلا غربا مرورا بأوروبا. كانت تجربة تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها.
ولكي لا افهم خطأ، فأنا هنا لا ادعو الى احياء هذا الشعار بالشكل الذي كان عليه قبل اربعة عقود. فقد جرت مياه كثيرة في نهري الفرات والنيل منذ ذلك الحين، تغير العالم إلى درجة لم يعد يعرف. ولكني ادعو الى احياء هذا الشعار وممارسته بطريقة أخرى: ملاحقة اسرائيل دوليا، على الصعيد القانوني، السياسي والاعلامي.
لقد كتبت مرارا في السابق حول ضرورة محاكمة ومحاسبة اسرائيل في جميع المؤسسات الدولية: في الامم المتحدة وفي محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وفي كل محكمة تتيح قوانين بلادها تقديم مجرمي حرب ومجرمين ضد الانسانية للمحاكمة. وعلى الجميع ان يساهم في هذه الحملة: حكومات، مؤسسات حقوق انسان، مجموعات تضع نصب اعينها العدالة ونصرة المظلوم، افراد تعرضوا بشكل مباشر لمثل هذه الجرائم. حتى اليوم، قامت السلطة الفلسطينية والتي من المفروض ان تبادر وتقود مثل هذه الحملة بجريمتين في هذا المجال، الاولى: التخلي عن تقرير غولدستون وعدم طرحه على الامم المتحدة. الثانية: الامتناع عن توقيع اتفاقية روما والانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية مما يتيح مقاضاة اسرائيل على جرائمها. لقد صرح آحد العاملين في الامم المتحدة مؤخرا انه لو تم متابعة تقرير غولدستون (بالرغم من مساوئه) حتى النهاية لما تجرأت اسرائيل بعد خمس سنوات بارتكاب الجرائم ذاتها وزادت عليها حتى تفوقت على نفسها.
اغلب الظن، أن المحاكم الدولية والمحاكم الاخرى في بلدان العالم لن تدين اسرائيل وإن ادانتها فلن تدينها بدرجة تتلاءم مع فظاعة جرائمها وفي كل الحالات من المشكوك به أن تؤدي إلى اية عقوبات فعلية. فقد رأينا كيف تراجعت بعض الدول الاوروبية عن النظر في محاكمها في دعاوي ضد مجرمي حرب اسرائيليين حتى وصلت الامور في بعض هذه الدول الى تغيير قوانينها لوقف المحاكمات كما حدث في بلجيكا وبريطانيا واسبانيا ودول أخرى. ولكن هذا لا يعني النكوص وعدم المحاولة من جديد. ملاحقة اسرائيل في كل مكان لا يقتصر على الملاحقة القضائية فحسب بل وربما الاهم من ذلك هي الملاحقة الاعلامية. لفد شهدت معظم الدول الاوروبية مظاهرات جماهيرية متضامنة مع غزة ومع الشعب الفلسطيني مخترقة الاحتكار الاعلامي الرسمي الذي يروج للاكاذيب الاسرائيلية. حتى وزير الخارجية السعودي لم تعد تقنعه كذبة حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها هذه الكذبة التي ما زال يرددها براك اوباما والمرشحة القادمة لرئاسة الولايات المتحدة هيلاري كلينتون بالاضافة إلى كاميرون، هولاند وميركل.
كان شعار " وراء العدو في كل مكان" كما مارسه وديع حداد ورفاقه كان يحتم السرية التامة اما ممارسة الشكل االحالي للشعار فانه يحتم العلنية التامة. فقط بهذه الطريقة يمكن للرواية الفلسطينية ان تصل الى كل مكان في العالم والى كل وسائل الاعلام. في النهاية الاكاذيب تتبخر والحقيقة هي التي تفرض نفسها. جانب آخر من تجربة وديع حداد ما زلنا نستطيع ان نتعلم منه دروسا قيمة وهو بناء شبكة دولية مشاركة ومساندة. فالاعلام العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص ما زال يعاني من ضيق الافق والتقوقع ويخدم مصالح اصحاب الاموال. بينما توجد هناك امكانيات غير محدودة لتحدي الاعلام الامبريالي المهيمن عن طريق انشاء جبهة اعلامية ثقافية موحدة على صعيد اممي تشارك بها كافة قوى التحرر في العالم.
ملاحقة العدو في كل مكان لا يعني عدم مواجته في عقر داره، العكس هو الصحيح، وهذه المهمة ملقاة في الاساس على عاتق جماهير الشعب الفلسطيني في شتى اماكن تواجده، وخصوصا في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ بسبب تجاربها المباشرة النابعة من حياتها اليومية. للأسف الشديد وسائل اعلامنا تعيش في حالة من التعاسة والبؤس المزري، ولكن هذا موضوع آخر قائم بذاته.

Wednesday, August 06, 2014

الى اللقاء في الحرب القادمة



الى اللقاء في الحرب القادمة
على زبيدات – سخنين
تم الاعلان عن هدنة "انسانية" لمدة ٧٢ ساعة. وقد يتم تمديدها بهدنة "انسانية" اخرى ل٤٨ ساعةاضافية، ومن ثم قد يتم التوصل لهدنة "انسانية" طويلة الامد قد تستمر عشرة سنوات. لا ادري من أين جاء هذا المصطلح الغريب ومن المبادر اليه، هل هي اسرائيل ام الامم المتحدة ام احدى الدول العربية او ربما احدى التنظيمات الفلسطينية؟ تصفحت العديد من المواقع على الشبكة العنكبوتية التي تناولت الحربين السابقتين على غزة باحثا عن هذا امصطلح فلم اجد ذكرا له. كل ما وجدته هو الكلام عن هدنة مؤقتة أو دائمة، هدنة بهذه الشروط او تلك، قبول او رفض، التزام أو خرق، اما هدنة "انسانية"؟ فهذا امر جديد، قد يصبح كثير الاستعمال مستقبلا نظرا لكثرة الحروبات ولكثرة المنظرين، ويبدو ان استعماله قد بدأ بالفعل فقد قرأت في مكان ما عن هدنة "انسانية" في عرسال بين الجيش اللبناني والمسلحين السوريين. على كل حال ما فهمته من هذا المصطلح هو التوصل الى هدنة مؤقتة لاخراج الجثث من تحت الانقاض، لنقل الجرحى الى المستشفيات، لتفقد ابناء العائلة هل هم بين الاموات او الجرحى او المشردين، للوقوف على مدى الدمار. اي بإختصار لاضفاء طابع انساني على اعمال لا انسانية.
لست هنا بصدد الكلام عن انتصارات وهزائم، عن انجزات وخسائر، حتى انني لست بصدد الكلام عن مقاومة وصمود وتضحيات وبطولات فسوف تفيض وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والالكترونية بالكلام عن كل هذه النواحي. ما اريد الاشارة اليه هنا هو ان هذه الهدنة التي وضعت حدا لهذه الجولة من الحرب، بغض النظر عن تسميتها، هي بداية التحضير للحرب القادمة.
لقد شن سادس اقوى جيش في العالم واكثر جيوش العالم اخلاقيا خلال شهر وحسب تصريحاته هو حوالي 60000 هجمة منها 7178 صاروخا، 15585 قذيفة بحرية،36442 قذيقة مدفعية، مئات الاطنان من المواد المتفجرة، مستعملا طائرات حربية، طائرات بدون طيار، طائرات هلوكوبتر، صواريخ حديثة تستعمل للمرة الاولى وقنابل ذكية تستعمل هي الاخرى للمرة الاولى لتجربتها. وكل ذلك ضد من؟ ضد سكان مدنيين لا يملكون اية وسيلة دفاعية: لا ملاجئ، لا صافرات انذار، لا اسلحة دفاعية من اي نوع كان. كل ذلك بحجة " الدفاع عن النفس من تنظيمات ارهابية تختبئ بين المدنيين وتستعملهم كدرع واق". هذه الاكاذيب احرجت حتى اشد اصدقاء اسرائيل حماسة واخلاصا، بعد ان شاهدوا النتائج: 1875 شهيدا أكثر من80% منهم مدنيين، منهم 435 طفلا255 إمرأة 79 مسنا، حوالي عشرة الاف جريح، أكثر من خمسة آلاف بيتا مدمرا تدميرا تاما وحوالي 30 ألف بيت مدمر جزئيا، هذا بالاضافة الى هدم مساجد، مستشفيات، مدارس ومؤسسات مدنية اخرى.
قد تستطيع اموال الخليج والدول المانحة أن تعيد بناء ما تدمر من مباني، ولكن الحرب القادمة كفيلة باعادة تدميرها تماما كما تم في هذه الحرب ما اعيد بناؤه في اعقاب الحرب السابقة. حروب اسرائيل القادمة لن تتغير وقد تبنتها وطورتها من استراتيجية الجيش الالماني في الحرب العالمية الثانية ومن الحروب الامريكية في كوريا وقيتنام وافغانستان والعراق وهي الاعتماد الكلي على قوة النيران وعلى كمية الصواريخ والقنابل الملقاة (الارض المحروقة). ولكن على عكس الاستراتيجية الالمانية والامريكية التي كانت تعتمد على عنصرين مفقودين في الاستراتيجية الاسرائيلية، الاول، الحرب السريعة. والثاني، نقل المعركة بعيدا عن اراضيها. انتهت تلك الايام التي كانت اسرائيل تحسم بها المعركة في ستة ايام من غير رجعة، وانتهت الايام التي كانت تنقل بها المعركة بعيدا عن ارضها وعن سكانها.
الحروب الاسرائيلية الاخيرة ضد المدنيين (حربان في لبنان، حربان في الضفة وثلاثة حروب في غزة) تطول اكثر واكثر وتقترب اكثر واكثر. سيناريو الحرب القادمة سوف يشمل مشاركة فعالة للفلسطينيين في الضفة الغربية وربما ايضا في الاراضي الفلسطينية عام ١٩٤٨ ناهيك عن المقاومة الشعبية عبر حدود فلسطين. لن تتورع اسرائيل بقصف جنين ونابلس والخليل بالطائرات الحربية والصواريخ المتطورة والقنابل الذكية فقد عملتها في الماضي ولا يوجد لديها اي مانع من استعمالها في المستقبل، فحجج الدفاع عن النفس جاهزة. ولكنها قد تقصف الناصرة وسخنين وام الفحم بالسلاح نفسه ايضا. اما في غزة فقد تستخدم اسلحة دمار شامل، قنبلة ذرية تكتيكية على سبيل المثال، وكان هناك من قال في احدى مظاهرات اليميين: لماذا لدينا ديمونة ومتى سوف نستعمله؟ في الحرب القادمة لن يكون عند الفلسطينيين اسلحة دمار شامل. ولن يكون لديهم طائرات حربية وصواريخ وقنابل ذكية. وهم اصلا ليسوا بحاجة الى مثل هذه الاسلحة. ستبقى الملاجئ والانفاق السلاح الدفاعي الاساسي ويجب البدء في تعميمه في مدن الضفة الغربية ومدن الداخل. أما اسلحة اسرائيل للدمار الشامل فيمكن تحييدها أو تعطيلها ويمكن ان تتحول ضدها. يبقى الانسان وليس السلاح هو العنصر الحاسم في الحرب.


Wednesday, July 30, 2014

مطلوبون للعدالة - التهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية



مطلوبون للعدالة – التهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية
على زبيدات – سخنين
قامت دولة إسرائيل منذ تأسيسها قامت باقتراف العديد من المجازر، جرائم تطهير عرقي، جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب. لا ادعي بأن هذه الدولة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقترف كل هذا الكم وهذا الكيف من الجرائم، فالحقيقة المرة في عالمنا الراهن أن معظم الدول اقترفت وما زالت تقترف، بشكل ما، في زمن ما وإلى درجة معينة هذا النوع من الجرائم. ولكن تبقى الحالة الاسرائيلية فريدة من نوعها، فهي الدولة الوحيدة التي لم تعاقب ابدا عما اقترفته يداها، بل هي الدولة الوحيدة التي لم يتم حتى محاسبتها. بالعكس كانت دائما تكافأ على جرائمها بالدعم المادي والمعنوي والمادي من كافة الجهات الدولية والتي من المفروض، من بعضها على الاقل، محاسبتها ومعاقبتها.
اذكر على الاقل ثلاث حالات كانت دولة اسرائيل متورطة بجرائم حرب حتى في أعين قسم كبير من مواطنيها ناهيك عن الرأي العام العالمي، ولكنها استطاعت أن تخرج مثل الشعرة من العجين بعد قلب الحقائق وتحقيق المكاسب من هذه الجرائم. الحالة الاولى، بعد حرب لبنان الاولى ووقوع مجزرة صبرا وشاتيلا حيث الدور الاسرائيلي كان فاضحا امام اعين العالم اجمع مما اضطر الحكومة الى تعيين لجنة رسمية عرفت بلجنة كاهن على اسم رئيسها الذي كان رئيسا للمحكمة العليا، وبدلا من تحديد المسؤوليات قامت بتبرئة كافة اللاعبين الاساسيين: رئيس الحكومة مناحم بيغن، وزير الحرب اريال شارون، قائد اركان الجيش رقائيل ايتان ووزير الخارجية يتسحاق شمير. اقتصرت مسؤولية هؤلاء حسب التقرير النهائي: "بانهم لم يقوموا بما يكفي للحيلولة دون وقوع المجزرة أو ايقاففها". وكل المحاولات الفردية وغيرها لتقديم أي من المتورطين للعدالة في بلاد أخرى قد باءت بالفشل.
الحالة الثانية: تشكيل لجنة أور بعد استشهاد ١٣ فلسطيني ممن يحملون الهوية الاسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية في عام ٢٠٠٠ للتحقيق في الجريمة التي اطلقوا عليها الاسم الحيادي: "احداث اكتوبر". بالمناسبة، حسب العرف الاسرائيلي قتل مئات الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة في الفترة نفسها لا يستحق أية لجنة وأي تحقيق. مرة اخرى هذه اللجنة الرسمية لم تجد متهما بالقتل لمعاقبته من رئيس الجكومة ايهود براك وحتى الشرطي الذي اطلق النار والذي كان معروفا للجميع بمن فيهم لاعضاء اللجنة. اكتفت اللجنة ببعض التوصيات التي اعتبرتها بعض الاوساط العربية مكسبا والتي بدورها طواها النسيان بدون أن يطبق منها شيء.
الحالة الثالثة من الماضي القريب هي تقرير غولدستون في اعقاب العدوان على غزة عام ٢٠٠٩. بالرغم من تغاضي صاحب هذا التقرير عن العديد من الجرائم المقترفة ومن ثم التراجع عن بعضها فيما بعد، الا ان التقرير لم يستطع تجاهل الكثير من الجرائم التي تعتبر حسب كافة المعايير جرائم حرب مثل قتل المدنيين وقصف المدارس والمستشفيات. ولكن دولة اسرائيل بمساعدة اصدقائها الغربيين وعلى رأسهم امريكا وتواطؤ السلطة الفلسطينية استطاعوا قبر هذا التقرير في اروقة الامم المتحدة. ومرة أخرى لم يحاسب أحد ولم يعاقب.
هذا التاريخ الطويل من التغاضي والتسامح الدولي قد شجع دولة اسرائيل في حربها الاخيرة في غزة، التي لم تنته بعد، للاستشراس في جرائمها بصورة غير مسبوقة مطمئنة إلى انه لا يوجد هناك ثمة من يلاحقها ويقاضيها. لست مختصا بالقانون الدولي وذلك ليس ضروريا للتأكيد على أن ما يحدث في غزة هي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية لا بد من معاقية مقترفيها.
في عام ٢٠٠٢ تأسست المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة الافراد المتهمين ب:
  • جرائم الابادة الجماعية، وكما يعرفها ميثاق روما، القتل او التسبب بأذى شديد بغرض اهلاك جماعة قومية او اثنية او دينية اهلاكا كليا او جزئيا.
  • جرائم ضد الانسانية: وكما يعرفها ميثاق روما هي الجرائم التي تقترف بشكل منظم وممنهج ضد مجموعة من السكان المدنيين مثل القتل المتعمد والابادة والابعاد والتهجير والاغتصاب والتفرقة العنصرية وااستعباد.
  • جرائم حرب: وهي الجرائم التي تخرق اتفاقيات جنيف من عام ١٩٤٩ في النزاعات الخارجية والداخلية.
حتى اليوم لم تثبت هذه المحكمة نجاعتها وفعاليتها خصوصا وان اكبر مجرمين في عصرنا الراهن وهما امريكا واسرائيل قد رفضا الانضمام الى هذه المحكمة وتوقيع ميثاقها. وتقاعس الدول والمؤسسات المعنية وفي حالتنا هذه السلطة الفلسطينية وباقي المنظمات القانونية. واكتفت بمحاكمة بعض المجرمين من الصف الثاني من صربيا وبعض الدول الافريقية. ما زالت السلطة الفلسطينية تتردد بالانضمام للمحكمة الجنائية الدولية والاقدام على مقاضاة اسرائيل وهذا اقل ما يطلب منها. وهي اليوم، تحت الضغط الشعبي، تلمح بنواياها للانضمام ولكن تلميحاتها بعيدة عن المصداقية. لذلك يجب تكثيف الضغط الشعبي عليها. المؤسسات القانونية مثل مركز عدالة، حسب متابعتي، اكتفت ببعث رسالة إلى وزير الحرب الاسرائيلي والمستشار القضائي للحكومة تطالبهما بالتحقيق في قتل المدنيين وقصف المدارس والمستشفيات وكأن المجرم يستطسع ان يحقق بجرائمه تحقيقا نزيها.
يجب ملاحقة اسرائيل قضائيا في كل مكان وليس فقط امام المحكمة الجنائية الدولية والقبض على كافة المجرمين الهاربين من العدالة. من أجل ذلك يجب التعامل مع هذا الموضوع بجدية فائقة وحشد عدد كاف من المختصين بالقانون الدولي من الفلسطينيين ومن الاصدقاء المناصرين في كافة أرجاء العالم حتى يتم معاقبة كافة المجرمين.

Wednesday, July 23, 2014

مرحبا ستالينغراد، صباح الخير هانوي، سلاما بيروت، هنا غزة



مرحبا ستالينغراد، صباح الخير هانوي، سلاما بيروت، هنا غزة
على زبيدات
نعم ايتها الشقيقات افتحن اذرعكن ملأ السماء واضممن الى احضانكن الرحبة الدافئة شقيقتكن الصغيرة غزة. نعم انها شقيقة صغيرة ولكنها سوف تعجبكم إلى درجة تستحق أن تضعنها درة في التاج الذي وضعته البشرية على رؤوسكن. جاءت وقد احضرت معها مفردة قديمة – جديدة تسمى صمود لتدخل الى قاموس النضال العالمي. مفردة قديمة، لانها موجودة في قاموس اللغة منذ عهد بعيد وقد اصبحتن رمزا لها، ولكن تم نسيانها. جديدة لأن غزة عادت لها الحياة بعد أن دفعت ثمنها غاليا من دماء رجالها واطغالها ونسائها وشيوخها. لا عليكن ايتها الشقيقات الكبيرات، تستطعن المفاخرة بهذه الشقيقة القادمة من المجهول دامية الوجه، حافية القدمين، ممزقة الثياب. لا تخجلن بها لانها يتيمة فهي تستطيع أن "تزواد" عليكن لو ارادت وتقول: عذرا ستالينغراد، يا رمز الصمود بدون منازع والفداء، لم يكن لدى غزة جيشا احمرا جرارا مزودا بالعقيدة والسلاح. بل اكتفت بعدد قليل من المقاومين الذين لم يستطيعوا الحصول الا على بعض السلاح المتواضع، ولكن عقيدتهم في الدفاع عن الوطن تضاهي عقيدة الجيش الاحمر. لم تتمتع غزة مثلك يا ستالينغراد بذلك الامتداد المترامي الاطراف من حولك ومن خلفك جغرافيا وبشريا، بل اكتفت ببضع كيلومترات طولا وعرضا. عذرا هانوي: لا تحيط بغزة ادغال تشكل درعا طبيعيا، ولا يوجد لديها عمقا استراتيجيا مساندا كما كانت لك الصين، عمق غزة مغلق بل ومشارك بالحصار، ولا يقف إلى جانب غزة دولة عظمى تزودها بالاسلحة مثل الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك رجال المقاومة في غزة كانوا اشقاء لرجال الفيتكونغ لأنهم تخرجوا من مدرسة واحدة. كم طن من المتفجرات القت عليك الولايات المتحدة الامريكية؟ تلميذة امريكا التي تفوقت على معلمها وتعلمت حرب الارض المحروقة، القت خلال اسبوعين اطنانا من المتغجرات تزيد عما القته عليك امريكا خلال سنة. وعذرا بيروت، فانت لم تصمدي وحدك فقد آزرك ودافع عنك بالاضافة للمقاومة الفلسطينية الجبهة الوطنية اللبنانية وبعض العرب. غزة صمدت لوحدها، لا جبهة وطنية ولا يحزنون، لا اشقاء عرب ولا اصدقاء ولا حتى معارف.
لم تنته المعركة في غزة بعد. ها هي تدخل باقدام ثابتة اسبوعها الثالث. قد تتوصل الجهود الدبلوماسية الدولية – الاسرائيلية – العربية الى اتفاق وقف اطلاق النار وربما الى اتفاق هدنة جديدة وقد تتوقف المعركة مؤقتا ولكنها لن تنتهي. وانا اتكلم هنا عن معركة وليس عن حرب، وأظن الفرق بين المصطلحين واضح للجميع. الحرب ستكون طويلة الامد ولا احد يدري كيف ستستمر ومتى ستنتهي. ما نشهده منذ سنوات هي معارك وان سميناها مجازا حروبا.
أظن، الصورة قد اصبحت واضحة من كل جوانبها: ما يسمى بالمجتمع الدولي، الامم المتحدة، امريكا، الاتحاد الاوروبي، منحاز إلى اسرائيل. هذه حقيقة مرة، ولكنها حقيقة، اعترفنا بها أم لم نعترف، حاولنا البحث عن الفوارق بين مركباته ام لم نحاول. الانظمة العربية من غير استثناء اما متورطة بالعدوان واما تلتزم الصمت وفي احسن الاحوال تدين كلاميا، وقد يكون بعضها مستعد لدفع بعض الاموال "لاعادة اعمار غزة" لكي يخفف من تأنيب ضميره ولتمرير مآرب اخرى. الشعوب العربية محيدة، مقموعة او مخدرة، والنتيجة واحدة: لا يمكنها في هذه المرحلة ان تلعب دورا حاسما. عواطف الجماهير الشعبية في جميع انحاء العالم تثلج الصدور وتشكل مصدرا لا ينضب لرفع المعنويات ولكنها في المنظور القريب لن تتحول الى قوة مؤثرة.
إذن، لم يبق في الملعب سوى اللاعب الفلسطيني، آسف سوى اللاعب الغزاوي. اللاعبون الفلسطينيون الاخرون ما زالوا يهتفون ويشجعون ولكن من خارج الملعب. اللاعب الغزاوي منهك، ينزف دما، يتضور جوعا ولكنه ما زال يقاوم، ما زال صامدا. ولكنه بحاجة قصوى الى لاعبين من فريقه يرفعوا عنه بعض العبء. يوجد هناك لاعبان باستطاعتهما قلب النتيجة وحسم المعركة: جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وجماهير الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام ١٩٤٨. حتى الان كان اداؤهما متواضعا وفي معظم الحالات مخيبا للآمال. طبعا يوجد هناك اسباب موضوعية وذاتية عديدة لمثل هذا الاداء السيء، اسباب جدية من غير شك ولا يمكن الاستخفاف بثقلها. ولكني وعلى عكس العادة سأكون متفائلا واجزم: يمكن التغلب على هذه الاسباب والمساهمة بما يجري في غزة الى حد الالتحام التام. عيون وقلوب اهل غزة متجهة في هذه اللحظات الى القدس وبيت لحم والخليل ورام الله ونابلس وجنين ولكل مدينة وقرية في الضفة الغربية. تستطيعون أن تقعلوا أكثر مما فعلتموه حتى الان، لانكم اثبتم ذلك في الانتفاضة الاولى والانتفاضة الثانية. وإلى الجماهير الفلسطينية في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨. هذه الجماهير تستطيع هي الاخرى ان تعمل اضعاف ما عملته حتى الان. المظاهرات الشعبية يجب ألا تتوقف ولو للحظة واحدة. لنوفر طاقاتنا ولنكف قليلا عن المماحكات الحزبية وعن الانتقادات للقيادات المختلفة ، لننزل جميعا إلى الشارع ولنجعل هذا الشارع هو الحكم. يوجد هناك اشكال كثيرة للنضال وكل جهة وكل فرد منا يستطيع أن يجد الشكل الملائم له.
في هذه الايام نقف على مشارف نهاية شهر رمضان وعلى اعتاب عيد الفطر، والكل يتفق على ان احتفلات العيد هذه السنة لن تكون كالمعتاد، فلماذا لا ننظم مسيرة تاريخية، مسيرة المائة ألف تسير من يافا الى غزة، لتستغرق يومين أو ثلاثة، تجرف في طريقها المعبر ولا تتوقف الا في شوارع غزة وامام بيوتها المدمرة.