Wednesday, July 23, 2014

مرحبا ستالينغراد، صباح الخير هانوي، سلاما بيروت، هنا غزة



مرحبا ستالينغراد، صباح الخير هانوي، سلاما بيروت، هنا غزة
على زبيدات
نعم ايتها الشقيقات افتحن اذرعكن ملأ السماء واضممن الى احضانكن الرحبة الدافئة شقيقتكن الصغيرة غزة. نعم انها شقيقة صغيرة ولكنها سوف تعجبكم إلى درجة تستحق أن تضعنها درة في التاج الذي وضعته البشرية على رؤوسكن. جاءت وقد احضرت معها مفردة قديمة – جديدة تسمى صمود لتدخل الى قاموس النضال العالمي. مفردة قديمة، لانها موجودة في قاموس اللغة منذ عهد بعيد وقد اصبحتن رمزا لها، ولكن تم نسيانها. جديدة لأن غزة عادت لها الحياة بعد أن دفعت ثمنها غاليا من دماء رجالها واطغالها ونسائها وشيوخها. لا عليكن ايتها الشقيقات الكبيرات، تستطعن المفاخرة بهذه الشقيقة القادمة من المجهول دامية الوجه، حافية القدمين، ممزقة الثياب. لا تخجلن بها لانها يتيمة فهي تستطيع أن "تزواد" عليكن لو ارادت وتقول: عذرا ستالينغراد، يا رمز الصمود بدون منازع والفداء، لم يكن لدى غزة جيشا احمرا جرارا مزودا بالعقيدة والسلاح. بل اكتفت بعدد قليل من المقاومين الذين لم يستطيعوا الحصول الا على بعض السلاح المتواضع، ولكن عقيدتهم في الدفاع عن الوطن تضاهي عقيدة الجيش الاحمر. لم تتمتع غزة مثلك يا ستالينغراد بذلك الامتداد المترامي الاطراف من حولك ومن خلفك جغرافيا وبشريا، بل اكتفت ببضع كيلومترات طولا وعرضا. عذرا هانوي: لا تحيط بغزة ادغال تشكل درعا طبيعيا، ولا يوجد لديها عمقا استراتيجيا مساندا كما كانت لك الصين، عمق غزة مغلق بل ومشارك بالحصار، ولا يقف إلى جانب غزة دولة عظمى تزودها بالاسلحة مثل الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك رجال المقاومة في غزة كانوا اشقاء لرجال الفيتكونغ لأنهم تخرجوا من مدرسة واحدة. كم طن من المتفجرات القت عليك الولايات المتحدة الامريكية؟ تلميذة امريكا التي تفوقت على معلمها وتعلمت حرب الارض المحروقة، القت خلال اسبوعين اطنانا من المتغجرات تزيد عما القته عليك امريكا خلال سنة. وعذرا بيروت، فانت لم تصمدي وحدك فقد آزرك ودافع عنك بالاضافة للمقاومة الفلسطينية الجبهة الوطنية اللبنانية وبعض العرب. غزة صمدت لوحدها، لا جبهة وطنية ولا يحزنون، لا اشقاء عرب ولا اصدقاء ولا حتى معارف.
لم تنته المعركة في غزة بعد. ها هي تدخل باقدام ثابتة اسبوعها الثالث. قد تتوصل الجهود الدبلوماسية الدولية – الاسرائيلية – العربية الى اتفاق وقف اطلاق النار وربما الى اتفاق هدنة جديدة وقد تتوقف المعركة مؤقتا ولكنها لن تنتهي. وانا اتكلم هنا عن معركة وليس عن حرب، وأظن الفرق بين المصطلحين واضح للجميع. الحرب ستكون طويلة الامد ولا احد يدري كيف ستستمر ومتى ستنتهي. ما نشهده منذ سنوات هي معارك وان سميناها مجازا حروبا.
أظن، الصورة قد اصبحت واضحة من كل جوانبها: ما يسمى بالمجتمع الدولي، الامم المتحدة، امريكا، الاتحاد الاوروبي، منحاز إلى اسرائيل. هذه حقيقة مرة، ولكنها حقيقة، اعترفنا بها أم لم نعترف، حاولنا البحث عن الفوارق بين مركباته ام لم نحاول. الانظمة العربية من غير استثناء اما متورطة بالعدوان واما تلتزم الصمت وفي احسن الاحوال تدين كلاميا، وقد يكون بعضها مستعد لدفع بعض الاموال "لاعادة اعمار غزة" لكي يخفف من تأنيب ضميره ولتمرير مآرب اخرى. الشعوب العربية محيدة، مقموعة او مخدرة، والنتيجة واحدة: لا يمكنها في هذه المرحلة ان تلعب دورا حاسما. عواطف الجماهير الشعبية في جميع انحاء العالم تثلج الصدور وتشكل مصدرا لا ينضب لرفع المعنويات ولكنها في المنظور القريب لن تتحول الى قوة مؤثرة.
إذن، لم يبق في الملعب سوى اللاعب الفلسطيني، آسف سوى اللاعب الغزاوي. اللاعبون الفلسطينيون الاخرون ما زالوا يهتفون ويشجعون ولكن من خارج الملعب. اللاعب الغزاوي منهك، ينزف دما، يتضور جوعا ولكنه ما زال يقاوم، ما زال صامدا. ولكنه بحاجة قصوى الى لاعبين من فريقه يرفعوا عنه بعض العبء. يوجد هناك لاعبان باستطاعتهما قلب النتيجة وحسم المعركة: جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وجماهير الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام ١٩٤٨. حتى الان كان اداؤهما متواضعا وفي معظم الحالات مخيبا للآمال. طبعا يوجد هناك اسباب موضوعية وذاتية عديدة لمثل هذا الاداء السيء، اسباب جدية من غير شك ولا يمكن الاستخفاف بثقلها. ولكني وعلى عكس العادة سأكون متفائلا واجزم: يمكن التغلب على هذه الاسباب والمساهمة بما يجري في غزة الى حد الالتحام التام. عيون وقلوب اهل غزة متجهة في هذه اللحظات الى القدس وبيت لحم والخليل ورام الله ونابلس وجنين ولكل مدينة وقرية في الضفة الغربية. تستطيعون أن تقعلوا أكثر مما فعلتموه حتى الان، لانكم اثبتم ذلك في الانتفاضة الاولى والانتفاضة الثانية. وإلى الجماهير الفلسطينية في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨. هذه الجماهير تستطيع هي الاخرى ان تعمل اضعاف ما عملته حتى الان. المظاهرات الشعبية يجب ألا تتوقف ولو للحظة واحدة. لنوفر طاقاتنا ولنكف قليلا عن المماحكات الحزبية وعن الانتقادات للقيادات المختلفة ، لننزل جميعا إلى الشارع ولنجعل هذا الشارع هو الحكم. يوجد هناك اشكال كثيرة للنضال وكل جهة وكل فرد منا يستطيع أن يجد الشكل الملائم له.
في هذه الايام نقف على مشارف نهاية شهر رمضان وعلى اعتاب عيد الفطر، والكل يتفق على ان احتفلات العيد هذه السنة لن تكون كالمعتاد، فلماذا لا ننظم مسيرة تاريخية، مسيرة المائة ألف تسير من يافا الى غزة، لتستغرق يومين أو ثلاثة، تجرف في طريقها المعبر ولا تتوقف الا في شوارع غزة وامام بيوتها المدمرة.

No comments: