Wednesday, October 31, 2012

أسطورة التغيير من الداخل

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010132 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010116 -->
أسطورة التغيير من الداخل
علي زبيدات - سخنين
كتبت في مقال سابق أن الكنيست الصهيونية أخطر بما لا يقاس من الحكومة مهما بلغت شراستها وعنصريتها مثل الحكومة الراهنة بزعامة الثنائي نتنياهو – ليبرمان. اعود واكرر هذه الحقيقة اليوم ايضا. الحكومة ليست سوى واجهة، ليست سوى مقاول ثانوي تنفذ سياسة وقرارات وتعليمات صاحب العمل الحقيقي، ألا وهي الكنيست . الاعتداءات الاخيرة على غزة هي جزء من هذه السياسة ومن يظن انه لا علاقة بين هذه الاعتداءات والانتخابات القادمة فهو يعاني من مشكلة فهم المقروء. ولو رجعنا قليلا الى الوراء لوجدنا أن كافة الحروب التي شنتها الحكومات المختلفة جاءت اولا وقبل كل شيء كدعاية انتخابية. هل ما زال احد يذكر رجل السلام شمعون بيرس ومجزرة قانا عام ١٩٩٦؟ وبالرغم من ذلك نودي من على مآذن بعض المساجد للتصويت له ودماء اطفال قانا لم تجف بعد. وفي عام ٢٠٠١ إجتاحت جيوش براك الضفة الغربية وواصل شارون الاجتياج مرتكبا مجزرة جنين وغيرها الم تكن هذه أيضا جزءا من الدعاية الانتخابية للحزبين الكبيرين؟ وفي عام ٢٠٠٩ عندما شن رجل السلام الآخر ايهود اولمرت الحرب على غزة، ألم يكن ذلك من أجل انتخابات الكنيست محاولا وقف تدهور حزبه نتيجة الهزيمة التي مني بها في حرب لبنان ٢٠٠٦؟.
تريد الاحزاب العربية أن تقنعنا أن الهدف من دخولها للكنيست هو مواجهة المد العنصري والسياسات العدوانية انطلاقا من نظرية "التغيير من الداخل" من خلال الخطابات وتقديم الاستجوابات والتصويت ضد القرارات الحكومية. لو لم يكن هذا الامر مأساويا لكان مثيرا للضحك. في بيان الجبهة الديموقراطية الاخير مثلا جاء: أن أهم شيء هو منع نتنياهو – ليبرمان من تشكيل الحكومة القادمة. لنفرض أن الجبهة قد حققت هذا المطلب السامي فمن يا ترى سيشكل الحكومة القادمة؟ أولمرت؟ ام ليفني؟ أم براك؟ ام يحموفيتش؟ أم لبيد؟ لكي نبدأ بسرد حكاية ابريق الزيت من جديد.
كالعادة، بالنسبة للاحزاب العربية، الانتخابات القادمة هي انتخابات استثنائية تأتي في ظروف خطيرة جدا لذلك يجب حشد كافة القوى ورفع نسبة التصويت عند الجماهير العربية. أما الذين ينادون بمقاطعة انتخابات الكنيست فما هم إلا مجموعة من اللامبالين الذين يريدون اقصاء الجماهير العربية عن السياسة او من المترددين وذوي المصالح الخاصة والنزاعات الشخصية. والبعض يروج للفرية التي ما زالت تجد من يصدقها والتي تقول أن كل صوت مقاطع يذهب مباشرة للاحزاب الصهيونية. مثل هذا الكلام هو اهانة واستخفاف بنصف الجماهير العربية التي تقاطع انتخابات الكنيست والتي تزيد عن عدد المصوتين للاحزاب العربية والصهيونية مجتمعة. حتى عندما نشطب عدد اللامبالين والزعلانين والمترددين من مجموع المقاطعين تبقى الاغلبية الساحقة للذين يقولون: لن نمنح الشرعية لهذه المؤسسة العنصرية التي تستطيع أن تعيش الا من خلال سفك دماء شعبنا.
يزعم البعض أن موقف المقاطعة يلتقي مع مواقف الاحزاب اليمينية المتطرفة والتي تحاول بشتى الطرق منع الاحزاب العربية من المشاركة في انتخابات الكنيست. مثل هذه المزاعم التي تتغاضى عن المنطلقات المبدئية والايديولوجية لن يكون غريب عليها أن تتوصل الى مثل هذه النتائج العبثية. التيار المركزي في الحركة الصهيونية من يسارة مرورا بوسطه وحتى يمينه سعيد جدا بالتواجد العربي في الكنيست. تواجد هامشي حدا على الصعيد الداخلي ولكنه على غاية الاهمية على صعيد الدعاية الصهيونية الخارجية. عندما يتم الحديث في العالم الغربي عن الديموقراطية الاسرائيلية الوحيدة في الشرق الاوسط فإن الركيزة الاساسية لمثل هذا الحديث هو: انتخابات الكنيست والمشاركة العربية فيها. وأقول أكثر من ذلك: ليس فقط أن التيار الصهيوني المركزي سعيد بالتواجد العربي في الكنيست بل يشجع على زيادته ايضا، فكلما زاد عدد النواب العرب كلما كان ذلك دليلا دامغا على ديموقراطية الكيان ككل.
لنفرض جدلا أن الاحزاب العربية قد ضاعفت من قوتها في الانتخابات القادمة وأصبح لديها ٢٢ نائبا فهل يشكل ذلك ضمانا لتغيير السياسة الاسرائيلية؟ حسب رأيي ستبقى الاحزاب اعربية على الهامش كما عهدناها. فها هو حزب كديما الصهيوني مع ٢٨ نائبا وهو الحزب الاكبر قد أمضى السنوات الاربع الاخيرة هو الاخر على الهامش.
ولكن بالمقابل لنفرض جدلا أيضا أن الكنيست القادمة ستكون وللمرة الاولى منذ عام ١٩٤٩ خالية تماما من النواب العرب جراء حملة مقاطعة تحت شعار: هذا البرلمان لا يمثلنا. اترك لكل واحد منكم تصور نتائج وتداعيات مثل هذا الموقف.

Wednesday, October 24, 2012

الكنيست اخطر من الحكومة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009022 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009006
الكنيست أخطر من الحكومة
علي زبيدات – سخنين

قد يكون الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو واضع نظرية فصل السلطات من ذوي النوايا الحسنة. ففي ذلك الوقت كانت اوروبا تنتقل من العصور الوسطى حيث النظام الاقطاعي كان ساـئدا يعبر عنه حكم الملوك المطلق والنبلاء إلى عصر الرأسمالية وصعود الطبقة البرجوازية وبداية نشوء النظام الجمهوري. ولكن منذ ذلك الحين وحتى اليوم جرت مياه كثيرة في نهر السين وفي نهر العوجا (اليركون) وانقلبت الامور رأسا على عقب من باريس الى تل أبيب. فسرعان ما تبين أنه لا يوجد فصل حقيقي بين السلطات بل العكس من ذلك هو الصحيح: فالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ليس فقط انها شديدة الترابط فيما بينها بل تكمل بعضها البعض الى حد تشكيل نظام واحد منسجم.
تحاول الاحزاب العربية التي تلهث وراء انتخابات الكنيست أن تقنعنا عكس ذلك. فالحكومة هي مصدر الشر الوحيد وهي لوحدها المسوؤلة عن جرائم الاحتلال وعن سياسة التمييز والعنصرية وهي التي ترفض السلام وتثير الحروب ولا تحقق العدالة الاجتماعية وهي السبب في الازمات الاقتصادية. لذلك تؤكد هذه الاحزاب انها تعارض الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة وتناضل من أجل اسقاطها. أما الكنيست فهي بريئة من كل ما ذكر. لذلك فإن مقاطعة الحكومة حلال أما مقاطعة الكنيست فهي حرام.
فإذا كانت الحكومة هي مصدر كل الجرائم فالكنيست هي أم كل الاجرام لأنها هي مصدر الحكومة. وعلى الاحزاب العربية ونوابها في الكنيست أن يراجعوا أسس كتب المدنيات التي تدرس في المدارس العربية قبل غيرها والتي توضح بشكل لا يقبل التأويل بأن الكنيست بصفتها السلطة التشريعية للدولة أهم بدرجات من السلطة التنفيذية (الحكومة) ومن السلطة القضائية (المحاكم). فالحكومة بحاجة لثقة الكنيست ليس فقط من أجل قيامها بل أيضا من أجل الموافقة على خطوطها العامة. ولأن الكنيست تستطيع أن تنزع ثقتها من الحكومة وتسقطها. بالاضافة الى ذلك فإن صلاحيات الحكومة تحددها القوانيين التي تسنها الكنيست. فقط قصير النظر يظن للوهلة الاولى بأن الحكومة هي كل شيء ولا يرى بأن الكنيست هي في الحقيقة كل شيء أو تكاد أن تكون كل شيء. ويجب ألا ننسى أيضا بأن رئيس الحكومة هو عضو كنيست ومعظم وزرائة وجميع نواب وزرائه أعضاء كنيست.
تدعي الاحزاب العربية بأن نوابها موجودين دائما في المعارضة وهم ليسوا جزءا من الائتلاف لا في الحكومة ولا في الكنيست. وقد يبدو هذا صحيحا للبعض ولكنه في حقيقة الامر أبعد ما يكون عن الصحة. ما زلنا نذكر الفترة التي شكل فيها النواب العرب درعا واقيا لحكومة رابين واعتبروا ذلك نجاحا ما بعده نجاح. ولو صح لهم أن يدخلوا الحكومة لدخلوها. ولكن هل وجودهم في المعارضة يزيل عن كاواهلهم وضمائرهم المسؤولية عن جرائم الكنيست والحكومة؟ ألا يعلمون أن الاكثرية المكلفة بتشكيل الحكومة بحاجة للمعارضة لكي تكتمل اللعبة وتسجل محليا وعالميا على أنها ديمقراطية لا غبار عليها؟ لا تخشى الاغلبية الصهيونية في الكنيست ولا تكترث أصلا بوجود عشرة نواب عرب ولا تكترث حتى لو ضاعفوا عددهم. فالاغلبية دائما مضمونة. ولا أبالغ إذا قلت أن وجود المعارضة العربية في الكنيست أهم بما لا يقاس من أوساط واسعة في الائتلاف الحكومي نفسه، إذ تستطيع الحكومة أن تقترف أفظع الجرائم وتخرج الى العالم لتقول: ها نحن دولة ديمقراطي خالصةة وأكبر دليل على ذلك وجود نواب عرب بينا في الكنيست لا يتوقفون لحظة عن شتمنا.
لنتصور للحظة واحدة فقط أن مقاطعة انتخابات الكنيست كانت شاملة وأن الجماهير الفلسطينية لم ترسل أي عضو للكنيست فكيف سوف تصبح صورة اسرائيل في العالم؟ إلى متى سنكتفي بستر عورات هذه الدولة؟
مقاطعة انتخابات الكنيست لا تعني التقوقع داخل انفسنا والاختباء داخل البيوت. فهناك شوارع كثيرة وساحات واسعة نستطيع أن نملأها.

Wednesday, October 17, 2012

برلماننا وبرلمانهم

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009615 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009599
برلماننا وبرلمناهم
علي زبيدات – سخنين

مبدئيا أنا ضد "النضال" البرلماني بغض النظر عن مكان وزمان هذا البرلمان وبغض النظر عن طبيعته ودوره واهدافه. حسب رأيي حتى في البرلمانات الاكثر ديموقراطية في العالم لا يعدو دور المواطن الكادح والمقموع سوى اختيار من يستغله ويقمعه حتى الانتخابات القادمة. ولكن التاريخ يعرف أيضا بعض الاستثناءات مع أن جميع هذه الاستثناءات كانت نسبية ومشروطة ومؤقتة. هذا الكلام لا يعني أبدا التقليل أو الاستخفاف بأهمية البرلمان بالنسبة للطبقات الحاكمة وللطبقات المحكومة على حد سواء. بالنسبة للطبقات الحاكمة البرلمان هو أهم هيئة تمثيلية تضمن شرعية النظام من جهة وتقدم أدوات ناجعة لاستمرار الاستغلال والاضطهاد من جهة أخرى. وبالنسبة للطبقات المحكومة البرلمان هو أكبر مصدر لتصدير الاوهام التي تصبح في حالة الادمان عليها بديلا عن التحرر الحقيقي. مما لا شك فيه أن الكنيست الاسرائيلي هو أهم وأقوى مؤسسة تمتلكها الصهيونية، فهي مؤسسة حديثة، عصرية، متطورة جدا وناجعة الى اقصى حدود النجاعة. فلولا وجود هذه المؤسسة على رأس باقي المؤسسات الصهيونية لما استمرت دولة اسرائيل في الوجود بالشكل الموجودة عليه. مقاطعة انتخابات الكنيست، التي سوف أعود لمناقشتها من كافة جوانبها مرارا في الفترة المقبلة، هي أولا وقبل كل شيء موقف سياسي لا ينفي أهميتها بالنسبة للكيان ولكنه ينفي أهميتها بالنسبة لي كفرد من الشعب الفلسطيني. المعادلة بالنسبة للشعب الفلسطيني هي بكل بساطة: شرعية الكنيست هي نفي للشرعية الفلسطينية. وكل التبريرات الاخرى لا تغير من هذه الحقيقة شيئا. يعني لو فرضنا جدلا أن هذه المؤسسة قد منحتنا كافة الحقوق المدنية والغت كافة القوانين العنصرية وحققت المساواة في الميزانيات وفرص العمل ومناطق النفوذ، وهي أصلا غير قادرة على ذلك، لسوف يبقى موقف المقاطعة هو الصحيح لأنه الموقف الوحيد القادر على تغيير معادلة الشرعية.
هنا يفسح المجال للإستثناء النسبي والمشروط الذي ذكرته آنفا. يجب معارضة الكنيست كأعلى هيئة تمثيلية تشريعية للكيان الصهيوني بالمجلس الوطني الفلسطيني كأعلى هيئة تمثيلية تشريعية توحد الشعب في الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. ومن أجل إقصاء أي التباس أفصل ما المقصود بالشعب الفلسطيني: جميع الفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ والمناطق المحتلة عام ١٩٦٧ وفي باقي دول الشتات.
ولكن يا للمأساة! شتان ما بين الهيئتين. خلال عملية بحث قصيرة وجدت نفسي أقف أمام ثلاثة برلمانات فلسطينية في برلمان واحد هو في الحقيقة لا برلمان على الاطلاق. البرلمان الاول هو "المجلس الوطني الفلسطيني" الذي توقف عن العمل منذ عام ١٩٩٨ بعد أن انعقد بشكل تعسفي لتغيير ميثاقه والتوقيع على وثيقة وفاته. ولا أحد يعرف ما هو عدد أعضائه بالضبط هل هو ٧٦٥ أم هو ٣٥٠ وما هي أسماءهم ومن توفي منهم ومن لا يزال على قيد الحياة. والبرلمان الثاني الذي يحتضنه الاول هو المجلس التشريعي المنبثق عن ديمقراطية أوسلو والذي أوقف عمله تماما منذ أكثر من خمس سنوات وأعضاؤه إما في السجون أو في البيوت أو في أروقة السلطة. والبرلمان الثالث ما يسمى بالمجلس المركزي وهو من مخلفات مرحلة بائدة عندما كانت السلطة توزع محاصصة على الفصائل.
أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني قد تنبهت لهذا الجانب المأساوي وأخذت تطالب بإعادة الاعتبار للمجلس الوطني الفلسطيني كأعلى هيئة تمثيلية للشعب الفلسطيني عن طريق انتخابه من قبل أصحاب حق الاقتراع بصورة ديمقراطية أسوة بباقي البرلمانات في العالم. ولكن هذه الاوساط ما زالت تتخبط في مستنقع من النقاشات العقيمة وتتحسس طريقها في الظلام.
من السهل جدا أن نكيل المسبات والشتائم على الكنيست الصهيوني بينما نبحث عن التبريرات الواهية عندما نتكلم عن المجلس الوطني الفلسطيني. في هذا المجال نستطيع أن نتعلم الكثير من التجربة الاسرائيلية. الجماهير تبحث عن بديل ولكنها تبحث عن بديل أفضل. في الوقت الذي ينبغي علينا بذل كافة الجهود لاقناع الجماهير الفلسطينية بمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني يجب علينا أن نبذل جهودا أكثر لاقناعهم بضرورة انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني كبديل للكنيست.

Wednesday, October 10, 2012

تحية من أمستردام

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010966 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010950
تحية من أمستردام
علي زبيدات – سخنين

علاقتي بهولندا علاقة مركبة جدا. في الماضي غير البعيد سكنت في هذا البلد حوالي ٨ سنوات. زوجتي هولندية جاءت الى فلسطين للتضامن مع شعبها ولكنها كما يبدو تضامنت أكثر من اللازم بزواجها مني وبتفضيلها العيش في سخنين على العيش في قرية غاية في الجمال بالقرب من أمستردام. رزقت بإبنتين كنت اصفهما في الماضي بأنهن نصف فلسطينيتين ونصف هولنديتين ولكن تبين فيما بعد إني كنت على خطأ. فهن فلسطينيتان كاملتان وهولنديتان كاملتان. في الحقيقة، عدت للبلاد بعد ٨ سنوات لثلاثة أسباب رئيسية: أولا، حب اوشوقا للوطن السليب والتزاما بالقضية الوطنية التي استحوذت على فؤادي وعقلي منذ الصغر. ثانيا، الطقس البارد والماطر طيلة ايام السنة تقريبا وأنا من عشاق الشمس. ثالثا، الموقف الهولندي الحكومي والشعبي المؤيد لدولة اسرائيل من غير تحفظ. الموقف الحكومي ما زال على حاله ولكن الموقف الشعبي يتغير بخطوات حثيثة نحو التأييد للحق الفلسطيني.
لم اتوقع أن أعود الى هولندا ولكن هذه المرة في زيارة خاصة. بعد أن اختارت ابنتي الزواج من شاب غزاوي علقت ما بين سخنين وغزة ولم تجد مكانا تلجأ اليه غير امستردام معتمدة هذه المرة على هويتها الهولندية. كيف ستتطور الامور مستقبلا؟ لا أحد يعرف، كل ذلك يعتمد الى حد بعيد على قوانين المواطنة الاسرائيلية. على كل حال، هذا موضوع آخر قائم بذاته يعتمد على مقدرتنا جميعا في مواجهة هذه القوانين والتغلب عليها.
أود هنا أن أشارككم بثلاثة مواقف حصلت معي في الاسبوع الاول منذ قدومي الى هذا البلد. الموقف الاول: حصل في اليوم الثاني لوصولي حينما قابلت مجموعة من الشباب الهولنديين أعرف بعضهم معرفة سطحية. سألني أحدهم: من أين أنت؟ فأجبت: من فلسطين. فعاد وسأل من أين في فلسطين؟ هل من القدس أم من رام الله أم من الخليل؟ فقلت: لا، أنا من بلد اسمها سخنين. فسأل مجددا: أين في الضفة الغربية تقع؟ فقلت: انها لا تقع بالضفة الغربية اطلاقا بل تقع في الجليل. وسأل باستغراب: ولكن الجليل هو جزء من اسرائيل وليس من فلسطين. كنت متعبا بعض الشيئ ولا اريد أن اسرد الحكاية من بدايتها. فقلت له مختصرا: تصور أن المانيا عندما احتلت هولندا في الحرب العالمية الثانية غيرت اسمها وأطلقت عليها اسما آخرا فهل هذا يعني أن هولند اقد زالت؟ فقال بالطبع لا. فقلت له هذا ما حدث عندنا: البلد كلها تسمى فلسطين والاحتلال الاسرائيلي غير اسم مساحة واسعة منها. الفرق ان الاحتلال الالماني لهولندا دام خمس سنوات بينما الاحتلال الاسرائيلي ما زال مستمرا حتى اليوم بعد ٦٤ عاما من الاحتلال. والفرق الثاني أن الاحتلال الالماني لم يرحل السكان الاصليين ولم يجلب مستوطنين المان بدلا منهم كما حدث عندنا. والفرق الثالث، أن العالم أجمع كان ضد احتلال المانيا لهولندا بينما معظم هذا العالم لا يعتبر الاحتلال الاسرائيلي احتلالا. فأنتم محظوظين.
الموقف الثاني، قالت لي ابنتي: هناك متحف أفتتح مؤخرا سوف يعجبك وسوف نزوره غدا يسمى: "متحف التعذيب". وكان بالفعل متحفا فريدا،يسرد قصة التعذيب تاريخيا على مدى عصور ويشمل عددا كبيرا من الادوات التي استعملت للتعذيب منذ القرون الوسطى مرورا بمحاكم التفتيش وحتى الثورة الفرنسية. أدوات كانت تستعملها الكنيسة لتعذيب النساء اللاتي اتهمن بممارسة السحر. أدوات استعملها الحكام والنبلاء لتعذيب المتمردين. وفي وسط المتحف ارتفعت مقصلة حقيقية ما زالت بلطتها قادرة على قطع الرأس عن الجسد بضربة واحدة. عند الخروج من المتحف قلت للعامل المسؤول: المتحف جيد ولكن لماذا لا يوجد ذكر للتعذيب في العصر الراهن حتى تكتمل الصورة؟. عليك بزيارة بعض الدول "الديمقراطية" مثل أمريكا واسرائيل وتستمع لقصص التعذيب في السجون الاسرائيلية وأبو غريب وغوانتنامو.
الموقف الثالث والاخير أكثر تفاؤلا: بعد الخروج من متحف التعذيب وعلى الطرف الآخر من القناة يوجد هناك سوق فريد من نوعه هو "سوق الورود" عشرات بل مئات الانواع من الورود والاشتال والزهور والابصال والبذور، مناظر خلابة متعددة الالوان والروائح. التمشي في هذا السوق هي متعة حقيقية ليس فقط لعشاق الورد بل لكل شخص خصوصا بالنسبة لنا القادمين من أماكن أشبه بالصحراء.

Wednesday, September 26, 2012

مؤتمر تطبيعي جديد


مؤتمر تطبيعي جديد

علي زبيدات – سخنين

المؤتمر المزمع عقده في نهاية هذا الأسبوع وبالتحديد في 28 تشرين أول 2012 في الناصرة بمبادرة مركز مساواة تحت عنوان:"مكانة الأقلية العربية الفلسطينية القانونية" هو مؤتمر تطبيعي بامتياز. كان هذا المركز قد بدأ نشاطاته التطبيعية منذ عدة سنوات عندما كانت "التصورات المستقبلية" في الموضة بحجة تحديد العلاقة بين المواطنين الفلسطينيين والدولة العبرية. هكذا صدر في حينه "التصور المستقبلي" عن لجنة المتابعة العليا والدستور "الديمقراطي" عن مركز عدالة و"وثيقة حيفا عن مركز مدى الكرمل. وبالرغم من محاولات حزب التجمع الوطني نقل هذه الوثائق النظرية إلى الملعب السياسي من خلال مطالبته بدولة "المواطنين" و"دولة لجميع مواطنيها وبالأساس من خلال شعاره المتناقض :"هوية قومية ومواطنة كاملة" إلا أن جميع هذه المبادرات، النظرية منها والعملية، قد باءت بالفشل حيث نبذتها الجماهير الفلسطينية كل على طريقته حتى وجدت بالتالي طريقها إلى طي النسيان. كنت قدلمؤتمر المزمع عقده إحياء هذه المبادرات ويضيف عليها "صبغة قانونية" لذلك فهو موجه مسبقا من حيث الأساس إلى الحقوقيين والسياسيين المحترفين في الأحزاب العربية وليس للجماهير التي يدعي المنظمون الكلام باسمها وعنها. كنت  قد تعرضت في وقته لهذه الوثائق بالنقد ولست الآن بصدد تكرار ما كتبته في حقها حينذاك.
كان من الممكن في الماضي التغاضي عن بعض نشاطات مركز مساواة عندما كان يدعي أن الهدف من هذه النشاطات هو الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمواطنين العرب والعمل على تحصيلها حتى تحصيل المساواة المدنية، ولكن عندما يصل الأمر إلى التلاعب بالهوية الوطنية فلم يعد هناك مجال للتغاضي أو للصمت. وكل التبريرات حول ضرورة عقد مثل هذا المؤتمر على خلفية تصاعد العنصرية في المجتمع الإسرائيلي وخلفية الدعوة إلى يهودية الدولة لن تغير من الطبيعة التطبيعية لهذا المؤتمر بشيء.
لماذا الإصرار على مصطلح "الأقلية القومية" المشترك لكافة الوثائق المذكورة؟ حسب رأيي القصد من ذلك هو تبرير الاعتراف ب"الأغلبية القومية" للمستوطنين الذين اغتصبوا فلسطين عام 1948لأنه لا معنى لكلمة أقلية بمعزل عن الأغلبية.  وهذا بدوره يعني الاعتراف بالمبدأ الصهيوني الأول وهو اعتبار اليهود بغض النظر من أين جاؤوا يشكلون قومية واحدة الأمر الذي يرفضه الكثيرون من اليهود أنفسهم. الكلام عن أقلية قومية يحمل في طياته أيضا الاعتراف بكل ما حدث منذ عام 1948 وحتى اليوم. ولا يغير من هذه الحقيقة كل الشعارات التي تقول بأننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ومن الأمة العربية. فلو كان هذا الكلام صحيحا ومن يرددونه يعنونه بالفعل فكيف يعقل أن تكون أقلية وأنت تنتمي إلى أمة تعدادها أكثر من 300 مليون وتنتمي إلى شعب يزيد على 11 مليونا؟ إذن النتيجة إننا جزء يتجزأ من هذا الشعب ومن هذه الأمة وهو الجزء الذي يقبع تحت الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948 ولا يغير من هذه الحقيقة الكلمات التجميلية  حول الجزء المتشبث بأرضه و"الأقلية الاصلانية" . حتى لو اعتبرنا أن دولة إسرائيل وجدت لتبقى على حد تعبير أبي مازن، تبقى الجماهير العربية الفلسطينية هي الأغلبية القومية وباقي السكان يشكلون أقليات قادمة من خمسين دولة على الأقل. كنت أتفهم القائمين على هذا المؤتمر لو تحلوا ببعض الجرأة على غرار زملائهم اليهود الذين ينتمون إلى تيار "ما بعد الصهيونية" وقالوا: هناك قومية جديدة قد وجدت وهي القومية الإسرائيلية والتي تضم تاريخيا أقليات مختلفة انصهرت في قومية واحدة. وكما يحافظ اليهود المغاربة أو اليمنيين أو الروس على العديد من تقاليدهم وتراثهم يحق لل"أقلية الفلسطينية" هي أيضا الحفاظ على بعض تقاليدها وتراثها. وهذا هو أصلا جوهر جميع مؤتمراتهم السابقة واللاحقة.  إلا أن الواقع على العكس من ذلك تماما: دولة إسرائيل لم ولن تستطيع التخلص من صهيونيتها وبالتالي لن تستطيع أن تشكل "قومية إسرائيلية" تشمل جميع المواطنين.
في النقاط العشرة التي ذكرها مركز مساواة لتشكل محاور في المؤتمر تبدو هذه الإستراتيجية واضحة: من جهة الانخراط في الهيئات والمؤسسات الحكومية، إعادة تقسيم الموارد المادية وتعبير معين في رموز الدولة ك"العلم والنشيد الوطني" ومن جهة أخرى: إدارة ذاتية للمؤسسات الثقافية والدينية، الحفاظ على اللغة والحفاظ على العلاقة التاريخية بالشعب الفلسطيني والأمة العربية.
مكانة الجماهير الفلسطينية لا يحددها القانون الإسرائيلي ولا حتى القانون الدولي بل يحددها القانون الطبيعي المنبثق من صلب التاريخ والجغرافيا والقيم الإنسانية ولا مكان للمساومة في هذا المجال.

Wednesday, September 19, 2012

راحت الهبة وبقي أكتوبر

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010495 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010479
راحت الهبة وبقي أكتوبر
علي زبيدات – سخنين
للمرة الاولى منذ عام ٢٠٠٠ سوف تفوتني المشاركة في ذكرى ما يسمى هبة أكتوبر ، ذلك لأنني في اليوم نفسه سوف أكون على متن طائرة مسافرا إلى خارج البلاد. في البداية شعرت بنوع من تأنيب الضمير وفكرت مرارا بتأجيل السفر بالرغم من أهميته حتى قرأت البيان الصادر عن لجنة المتابعة بخصوص احياء هذه الذكرى، وتخلصت من تأنيب الضمير تماما بعد أن خرجت من الاجتماع الذي دعت اليه بلدية سخنين واللجنة الشعبية تحضيرا للمسيرة المركزية التي سوف تحتضنها سخنين في هذه الذكرى.
في الماضي كان لدي انتقادات كثيرة على كيفية احياء هذه الذكرى ولكني في الوقت نفسه كنت أحرص على المشاركة في كافة الاحوال من منطلق: شارك ثم انتقد ومن منطلق عمل شيء أفضل من لا شيء. ولكن إلى متى يجب على الانسان أن يجري وراء الوهم؟ أعود هنا وأكرر بعض انتقاداتي السابقة والتي تبدأ بالاسم: معظم المواقع الاخبارية تتكلم عن هبة آكتوبر وبعضها فقط يتبعها بهبة الاقصى وقد رأيت بعض المواقع تضع كلمة الاقصى بين قوسين. لجنة المتابعة في بيانتها المتكررة اضفت على هذا التشويه صبغة شرعية وبذلك تتحمل معظم المسؤولية عنه. هذه "الهبة" هي جزء من إنتفاضة عرفها القاصي والداني باسم إنتفاضة القدس والاقصى وهي بدأت قبل أكتوبر واستمرت الى ما بعد أكتوبر. مسخنا الانتفاضة الى هبة والهبة الى يوم وهذا اليوم الصقناه قصرا بالاول من أكتوبر. لماذا الاول؟ وقد سقط شهداء في الثاني وفي الثالث وفي الرابع وفي الثامن من أكتوبر؟ وإذا كان لا بد من اختيار يوم ووقع الاختيار على الاول فيجب على هذا اليوم أن يجمع في طياته ما حدث في باقي الايام. ولماذا الاستفراد بالشهداء الثلاثة عشرة وفصلهم عن آلاف شهداء الانتفاضة الآخرين؟ هل لأنهم يحملون البطاقة الزرقاء ولا يحق للدولة أن تطلق النار على "مواطنيها"؟ الاحزاب السياسية التي تلهث وراء التمثيل في الكنيست وباقي المؤسسات المدنية تبرر ذلك بوضعنا الخاص ك"مواطنين في الدولة" وك"أقلية قومية". من يريد أن يبحث عن تبريرات سوف يجد الكثير منها وبعضها تبريرات وجيهة ومقنعة ولكنها تبقى تبريرات. ما حدث في أكتوبر ٢٠٠٠ هو جزء من انتفاضة مجيدة بالرغم من الاوساط على طرفي الخط الاخضر التي تعتبر هذه الانتفاضة مصيبة. والشهدءا الثلاثة عشرة هم فرسان في قافلة شهداء هذه الانتفاضة. وكل محاولة لفصلهم عن هذه القافلة مهما كانت التبريرات هي انتقاص من مكانتهم ومن كرامتهم.
قررت لجنة المتابعة أن تكون المسيرة المركزية في سخنين وأن تختتم بمهرجان خطابي، وذلك كضمان لنجاحها. أي المهم هنا هو الكم وليس الكيف ومقياس النجاح الوحيد هو عدد المشاركين في المسيرة. في اجتماع اللجنة الشعبية في مبنى البلدية دار النقاش العقيم الذي يتكرر كل سنة: لماذا لا يوجد اضراب عام ايضا؟ وبما أن النقاش من أجل النقاش فقط فقد أيد أغلب الحضور ضرورة الاضراب ولكن حفاظا على الوحدة دعت للالتزام بقرارات المتابعة متناسين ان احزابهم هي التي اتخذت القرارات بالاجماع. الشعارات: ما هو مسموح وما هو ممنوع، الاعلام الحزبية، كلمة لشخصية يهودية والتي لاقت كالعادة معارضة جارفة من الجميع ما عدا من الجهة التي تقترحها سنويا. البعض طالب باختصار المسيرة وتقصير الطريق لانها متعبة مع انها لا تستغرق أكثر من ثلاثة ارباع الساعة. والبعض طالب بعدم مرور المسيرة في شوارع البلدة لأن المتفرجين من الشرفات اصبحوا أكثر من المشاركين. كان الجو السائد هو أنه يجب أن تكون هناك مسيرة ويجب ان تكون مسيرة ناجحة وذلك من باب إسقاط الواجب وليس كإستحقاق نضالي. سوف تكون هناك مسيرة تختتم بمهرجان خطابي يلعب به رئيس بلدية سخنين ورئيس لجنة المتابعة دور البطولة.
لا ادري لماذا بعد خروجي من هذا الاجتماع تذكرت نظرية أفلاطون في المثل، حيث يوجد هناك عالم المثل الكامل الذي يتكون من الحقائق المطلقة ويوجد هناك عالم المحسوسات وهو عبارة عن ظل أو صور منقولة أو محاكاة لعالم المثل. أما حياتنا اليومية ما هي الا ظل الظل أو تقليد التقليد. كل علاقة بين ما حدث في أكتوبر ٢٠٠٠ وما يحدث في الذكرى الثانية عشرة هو من باب الصدفة لا غير.

Wednesday, September 12, 2012

الاحتجاجات في الضفة الغربية بين الاحتواء والتصعيد

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010021 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010005
الاحتجاجات في الضفة الغربية بين الاحتواء والتصعيد؟
أنا مع المبدأ الذي يقول: المظاهرة جيدة ولكن الاضراب العام أفضل. الانتفاضة جيدة ولكن الثورة أفضل. والافضل على الاطلاق هو استعمال كافة هذه الاساليب النضالية بشكل خلاق وبانسجام حتى يتم تحقيق المطالب المشروعة للجماهير المنتفضة. شهدت الضفة الغربية في الايام الاخيرة عدة مظاهرات تطورت في بعض الاماكن الى مواجهات مع قوات الامن وشهدت اضرابا عاما شمل بعض القطاعات وهذا بحد ذاته أمر جيد وفي الاتجاه الصحيح. ولكن هذه المظاهرات والاضرابات لم تتطور لتصل الى مستوى الانتفاضة وبالطبع ما زلنا بعيدين عن الثورة. هذه الاساليب النضالية ليست فوق النقد بل العكس هو الصحيح: يجب اخضاعها لعملية نقد بناء وجريء لأن ذلك هو الضمان الوحيد للمضي بها قدما.
قرأت بعض الآراء الصادرة عن شخصيات أو مؤسسات وطنية تقول: إن الاحتلال هو المسؤول الاول والوحيد عن الاوضاع الاقتصادية المتردية في الضفة وعن غلاء الاسعار خصوصا في الوقود. بمعنى معين، هذا الكلام صحيح تماما ولكن أن يصل الى تبرئة حكومة سلام فياض والسلطة الفلسطينية بأكملها فهذا كلام آخر وغير صحيح. معروف للجميع أن الاحتلال الاسرائيلي مستمر بفضل الحكومة والسلطة وليس رغما عنها. وللأسف الشديد أصبح من يريد مقاومة الاحتلال حقا فلا بد له الا أن يصطدم أولا بالحكومة والسلطة الفلسطينيتين. ويقول بعض المعدودين على المعسكر الوطني أيضا: أن المشكلة تكمن في اتفاقية باريس المجحفة ويطالب بمراجعة بنود هذه الاتفاقية بعد مرور ١٨ سنة على توقيعها. وقد نسي هولاء أو تناسوا أن اتفاقية باريس الاقتصادية هي جزء لا يتجزأ من اتفاقية أوسلو فلماذا لا يطالبون بمراجعة كافة بنود أوسلو؟
أعلن رئيس السلطة الفلسطينية منذ البداية لتزام السلطة بحرية الرأي والتعبير وأضاف: إن رياح الربيع العربي بدأت تهب على فلسطين. ولكن سرعان ما تبين أن حرية الرأي المقصودة محدودة الضمان وسرعان ما تحولت في أعين القوى الامنية الى تخريب واعمال شغب وهكذا كان لا بد من قمعها وفي حالات عديدة بمساعدة قوات الاحتلال. رئيس السلطة كرر موقفه المعروف: لا بديل عن المفاوضات ولن تكون هناك انتفاضة جديدة مهما كانت نتائج هذه المفاوضات ومهما كانت سياسة الاحتلال. لحسن الحظ أن هذا الامر ليس منوطا بالرئيس ولا بدولة الاحتلال بل هو منوط حصرا بالسواعد المناضلة ومستوى وعيها، وهناك احتمال أن تنفجر الانتفاضة في كل لحظة. وقد شعرت دولة إسرائيل بذلك قبل السلطة الفلسطينية حيث أوصت قوى الامن الاسرائيلية بتحويل مساعدات فورية للسلطة، وفعلا في اليوم التالي أعلنت الحكومة الاسرائيلية تحويل مبلغ ٢٥٠ مليون شيكل للسلطة كدفعة أولى وأعلنت الدول المانحة عقد مـؤتمر خاص الاسبوع القادم في نيويورك لبحث أزمة السلطة الفلسطينية.
اسرائيل تريد اضعاف السلطة الفلسطينية وابقائها في حالة تبعية وخضوع ولكنها لا تريد انهيارها. وهي مستعدة أن تراجع وتعدل هنا وهناك بعض بنود اتفاقية باريس وتنفذ ما تراه مناسبا ومفيدا لها وتتملص من تنفيذ ما لا يلائمها. وفي المقابل تريد السلطة الفلسطينية التشبث بمكانها وتفضل حالة الخضوع والتبعية على السقوط، ففي نهاية المطاف يوجد هناك قطاع لا يستهان به من المنتفعين الذين لا يستطيعون العيش بدون استمرار الاحتلال بشكل أو بآخر.
عندما يصل النضال الفلسطيني الى نقطة تحول فسوف تختار هذه السلطة الوقوف تماما وبشكل علني ومباشر الى جانب الاحتلال. اليوم يحولون بعض الاموال لاسكات الاوجاع ولكن غدا سوف يزودون القوى الامنية بالاسلحة لقمع نضالات الجماهير وسوف يبلغ التنسيق الأمني ذروته.
ما أريد أن أقوله هنا أنه لا يمكن الفصل بين الاحتلال وبين ادواته المحلية ولا يمكن تجزئة اتفاقية اوسلو المجحفة، قبول بعضها ورفض بعضها الآخر.
المطلوب هو دحر الاحتلال وليس التعايش معه، المطلوب هو اسقاط اتفاقيات أوسلو وليس مراجعة بعض بنودها، المطلوب هو اسقاط سلطة أوسلو وليس ترميمها.
من المظاهرة إلى الاضراب إلى الانتفاضة إلى الثورة وحتى النصر.

Wednesday, September 05, 2012

لجنة المتابعة: صامت طويلا وأفطرت على بصلة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000010712 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000010696
لجنة المتابعة : صامت طويلا وأفطرت على بصلة
علي زبيدات – سخنين
تقوم لجنة المتابعة العليا بجميع مركباتها في الآونة الاخيرة بجهود حثيثة للتحضير لمؤتمرها العام في إطار ما تسميه: "عملية إعادة البناء”. فها هو السكرتير العام لحزب التجمع الوطني عوض عبدالفتاح يقول: "إن ملف اعادة بناء لجنة المتابعة هو ملف قديم عمره ١٥ سنة". هو ملف قديم فعلا والجديد الذي طرأ عليه هو أنه بعد هذا الصوم الطويل تفطر المتابعة بكافة مركباتها على بصلة. ويتابع عبدالفتاح إن إعادة تنظيم اللجنة هو:”هو تنظيم الفلسطينيين في اسرائيل كمجموعة قومية لها قيادتها المنتخبة...”. أولا أرفض مصطلح " الفلسطينيين في إسرائيل" لأن الفلسطينيين موجودين إما في فلسطين المحتلة وإما في الشتات، كما أرفض مصطلح "مجموعة قومية" حيث يستبدله بعد ذلك في مقاله بمصطلح"أقلية قومية". فإن كان هناك ثمة بناء أو إعادة بناء فهو للجنة لا تستطيع أن تنظم نفسها بالشكل اللائق فكم بالاحرى أن تنظم الفلسطينيين؟
كتبت في حينه منتقدا وثيقة التصور المستقبلي الصادرة عن لجنة المتابعة ووثيقة حيفا الصادرة عن مركز مدى الكرمل والدستور الديموقراطي الصادر عن مركز عدالة بصفتها وثائق تطبيعية بإمتياز ويمكن اضافة ما يسمى بدولة المواطنين أو دولة كل مواطنيها لهذه القائمة. ولا أظن انه من الحكمة العودة الى هذه الوثائق التي اصبحت في خبر كان وطواها النسيان كما يليق بها. مثل لجنة المتابعة في التوفيق بين إسرائيل وفلسطين بكل ما تعنيه هاتين الكلمتين كمثل ذلك الغراب الذي شاهد حمامة تمشي فاعجبته مشيتها فبذل كل جهده ليقلد مشيتها ولكنه فشل وعندما حاول العودةإلى مشيته الاولى فشل أيضا. وهكذا اصبح كل مشيه أعوج. فلا هو إسرائيلي لأن اسرائيل ترفضه مبدئيا وتقبل به في أقضل الاحوال كمتأسرل ليس غير ولا هو فلسطيني طبيعي بسبب محاولات التوفيق والابتعاد.
حسب مشروع إعادة البناء، لجنة المتابعة فككت نفسها الى ٨ لجان وأعادت توحيد ما فككته في لجنة واحدة. ولكن في الواقع لم يتغير شيء تقريبا. فالمجلس العام الذي يعتبر أعلى هيئات اللجنة لم يحدد عدد أعضائه أو طريقة انتخابه أو اختياره ، هل سيخضع هو الآخر لمبدأ المخاصصة بين كافة المركبات أم لا؟ من هو العضو؟ هل سيكون هذا هو سؤال المرحلة القادمة؟ وماذا عن سكرتاريا لجنة المتابعه وهي ثاني أعلى هيئة؟ هل سوف تعين أم تنتخب وكيف؟ وماذا عن المجلس المركزي الذي سوف يقر السياسة الاستراتيجية العامة للجنة؟ ولا كلمة. أما رئيس لجنة المتابعة فقد أخرج نهائيا من كل دائرة نقاش خوفا من انهيار كل عملية اعادة البناء وسيبقى هذا الامر محكوما بالتوافق بين المركبات الاساسية.
أما اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الأم فقد أعطي كل حليب للقط الملائم لحراسته: لجنة الدفاع عن الارض والمسكن منحت لأبناء البلد ومع كل الاحترام لحركة أبناء البلد فهي بحاجة للدفاع عن الارض التي تقف عليها والمسكن الذي يأويها في ظل الانشقاقات والزلازل التي تعصف بها. لجنة مناهضة الخدمة المدنية والتجنيد منحت لحزب الشخص الواحد (القومي العربي). لجنة مناهضة الاحتلال والتواصل مع الشعب الفلسطيني (العربية للتغيير) والمقصود هنا طبعا التواصل مع السلطة الفلسطينية لكي تضمن تواصلها مع الاحتلال، ولجنة المالية والتنمية الاقتصادية (للتجمع الوطني] الذي أثبت نفسه في تجنيد الاموال وتيبيضهامن قطر وغيرها. ولجنة متابعة العمل الشعبي والتوجيه والاصلاح الاجتماعي (للحركة الاسلامية الجنوبية) وهي لا تستطيع اصلاح لجان الزكاة أو لجان الحج والعمرة. ولجنة الدراسات والتخطيط الاستراتيجي (العربي الديموقراطي) والتي سوف تقوم بدراسات عميقة وتخطيط استراتيجي من شأنها أن تغير وجه الخارطة السياسية في المنطقة بأسرها. ولجنة الحريات ومتابعة قضايا الاسرى السياسيين والجرحى واحياء ذكرى الشهداء ( للحركة الاسلامية الشمالية) ولا أدري كيف سوف تتفق الحريات بمعناها الواسع مع حركة مقيدة بقيود عقائدية جامدة.
أين هذا التقسيم من مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب؟ من مبدأ منح الفرص لذوي الكفاءات والقدرات؟ أين هذا التفسيم وآلاف المثقفين والمفكرين والاكاديميين غير المنتمين لهذا الحزب أو ذاك خصوصا عندما يكون الحزب مجازيا ؟
مما لا شك فيه أنه من الضروري أن تكون هناك هيئة قيادية لتنظيم وتعبئة وقيادة نضال الجماهير ولكن هذه الهيئة يجب أن تكون على صعيد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده منبثقة من خلال النضال تتبنى نظرية وممارسة ثوريتين.

Wednesday, August 29, 2012

هل حقا قضية الاسرى قضية وطنية؟

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009037 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009021
هل حقا قضية الاسرى قضية وطنية؟
علي زبيدات – سخنين
الجواب القاطع على هذا السؤال أو التساؤل من قبل كافة الحركات والتنظيمات واللجان في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ والمحتلة عام ١٩٦٧ وفي الشتات: إن هذه القضية هي قضية وطنية من الدرجة الاولى وتأتي مباشرة بعد حق اللاجئين بالعودة الى ديارهم. قد يكون ذلك صحيحا على الصعيد النظري وعلى صعيد الشعارات ولكن هل هو صحيح على الصعيد العملي أيضا؟ جوابي بدون تحفظ أو تردد هو لا ثم لا.
كتبت عن هذا الموضوع منذ حوالي سنة، في أعقاب تحرير بعض أسرى الداخل نتيجة لصفقة التبادل وقلت حينذاك: إذا كانت قضية الاسرى قضية وطنية فيجب التعامل معها بصفتها كذلك. أي يجب استقبال الاسرى والاحتفاء بهم وتهنئتهم من خلال مهرجان وطني عام يتم الاعداد له ودعوة كل من يحب أن يشارك مسبقا. وهذا الامر مهم جدا وضروري جدا للأشخاص غير المؤطرين في حزب معين أو لجنة معينة ولكنه في الوقت نفسه يهتم بقضية الاسرى كقضية وطنية. مثل هذا العمل لم يتم. حيث هرولت الوفود الحزبية ووفود اللجان المختصة من مكان الى مكان مستقبلة أو مهنئه هذا الاسير المحرر أو ذاك. وكانت هذه الوفود تشكل من خلال الالتزام الحزبي او المعرفة الشخصية وتظهر على الملأ بعد النشر عنها في جريدة أو في موقع إخباري.
كم كنت أود أن أكون من بين المستقبلين للأسيرة المحررة ورود قاسم في الطيرة أو على الاقل تقديم التهاني لها فيما بعد. وانتظرت حتى أشاهد دعوة عامة صادرة عن مؤسسة وطنية للقيام بهذا الواجب. انتظرت طويلا ولكني لم أشاهد دعوة من هذا النوع، كل ما شاهدته هو أن وفد التجمع يضم فلان وفلان وفلان يهنئ الاسيرة المحررة، ووفد من أبناء البلد يضم فلان وفلان يهنئ الاسيرة المحررة، ووفد من الحركة الوطنية الاسيرة يضم فلان وفلان يهنئ الاسيرة المحررة، وبيان صادر عن عضو الكنيست الفلاني أو الحركة الفلانية، وقس على هذا المنوال. وماذا يفعل من لا ينتمي الى هذا الحزب أو تلك اللجنة؟ يبقى يتيما ويكتفي بتهنئة صامتة صادرة من القلب. ما الذي سيحدث لو قامت هذه الاحزاب واللجان الفئوية بتوجيه دعوة عامة لربما وجد هناك من ليس لديه الحساسية وينظم لوفد معين حتى وإن لم يكن ملتزما في إطاره؟ ولا اريد أن أسأل لماذا لا تقوم هذه الاحزاب واللجان بالتنسيق فيما بينها للقيام بهذه المهمة السهلة وهي الاحتفاء أو تقديم التهنئة لأسير محرر بعيدا عن الفؤية؟ ولا أريد أن أسأل: أين دور لجنة المتابعة واللجنة المختصة بالاسرى المنبثقة عنها؟
قبل أيام تم تحرير الاسير السياسي صدقي المقت من الجولان المحتل بعد أن أمضى في غياهب السجون الاسرائيلية أكثر من ربع قرن وتكررت الصورة نفسها. هرولت الوفود من كل حدب وصوب مستقبلة ومهنئة وبقي المواطن البسيط متخلفا عن الركب وذلك فقط لأنه لا ينتمي الى هذا الحزب أو تلك الجمعية.
قد يقول البعض: يمكن القيام بهذا الواجب بشكل فردي أو على صعيد مجموعة من الاصدقاء. طبعا هذا ممكن، ولكني أقول أنه يجب التعامل مع قضية وطنية بشكل وطني. هل من المستحيل أو حتى من الصعب تشكيل وفد على صعيد وطني يصعد الى الجولان مهنئا بغض النظر عما يجري من مآسي في سوريا وبغض النظر من موقف الاسير المحرر أو الطرف المهنئ من هذه الاحداث؟.
عندما نقول أن قضية الاسرى في السجون الاسرائيلية هي قضية وطنية فإننا نعني من ضمن ما نعنيه أن هويته كأسير تغلب هويته كعضو في تنظيم معين أو كمن يتخذ هذه المواقف السياسية أو تلك ويعتنق هذه الايديولوجية أو تلك. عندما يكون المناضل أسيرا سياسيا يواجه المحتل ليس يوميا فحسب بل في كل لحظة من حياته يصبح انتماؤه التنظيمي ثانويا فلا فرق هناك بين الاسير الذي ينتمي لفتح أو حماس أو الشعبية أو أي تنظيم آخر أو كان من غير تنظيم بتاتا. فقط بعدما يتحرر ويصبح التزامه التنظيمي هو الغالب يمكن التعامل معه كعضو في هذا التنطيم أو ذاك.
يقول المثل: أن يجيء الشيء متأخرا خير من ألا يأتي بتاتا. أرجو أن نرتقي في تعاملنا مع الاسرى الى المستوى المطلوب ليس في حالة استقبالهم وتهنئتهم فحسب بل في مناصرتهم والوقوف الى جانبهم في نضالاتهم المستمرة أيضا.

Wednesday, August 22, 2012

ما الحكمة من وراء تغيير اسم مدرسة الحكمة الثانوية في سخنين؟

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009878 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009862
ما الحكمة من وراء تغيير اسم مدرسة الحكمة الثانوية في سخنين؟
علي زبيدات – سخنين
يفيد الخبر، بعد شطب كلمات المجاملة التي تجاوزت كل مقاييس المبالغة في مثل هذه المناسبات، والتي سوف اتحاشى بقدر الامكان التطرق اليها: أن بلدية سخنين برئاسة مازن غنايم بالتنسيق مع إدارة مدرسة الحكمة الثانوية وعائلة الفقيد قد قررت اطلاق اسم "جمال طربيه الثانوية" على مدرسة الحكمة الثانوية. حتى هنا يبدو الخبر عاديا خصوصا وأن هذا القرار قد اتخذ بالاجماع من قبل المعارضة الجبهوية التي كان ينتمي اليها الفقيد ومن قبل الائتلاف المنافس وأكاد أقول المعادي للجبهة، بتلاقي فريد من نوعه في المصالح وبمباركة كاملة من قبل ادارة المدرسة وعائلة المرحوم. ولكن بتغييب مقصود لباقي الاطراف الاخرى المعنية وخصوصا طلاب المدرسة الذين يفوق عددهم على ألف طالب، ولجنة أولياء الامور واللجنة الشعبية.ـ وكأن المدرسة التي خرجت قبل فترة وجيزة الفوج ال٣٩ هي مزرعة خاصة يمكن التلاعب بإسمها وبمكانتها حسب أهواء المسؤولين عنها بالرغم من كونهم عابرين.
أذكر أنه قبل ثلاثين عاما عندما كانت المدرسة الثانوية في أول عهدها وما زالت تبحث عن اسم لها، كنت يومها عضوا في حركة أبناء البلد وكانت الذكرى العاشرة لاستشهاد الكاتب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني. فوجدنا أن أفضل اسم يمكن أن يطلق علىيها هو: "مدرسة غسان كنفاني - سخنين" . وزعنا منشورا على أهل البلد تضمن اقتراحنا هذا، ولكن أبناء البلد في ذلك الوقت لم يكن لها مكان في البلديةــ لا مع المعارضة ولا مع الائتلاف. كان رئيس السلطة المحلية في ذلك الوقت المرحوم جمال طربيه. لم نتوجه اليه بشكل رسمي واكتفينا بتسليمه نسخة من المنشور. كنا نؤمن بالضغط الجماهيري، أي كنا ساذجين. طبعا بعضنا في حركة أبناء البلد وأنا منهم كنا متأكدين أنه لا يوجد هناك من يجرؤ على تبني مثل هذا الاقتراح. واليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة لم يتغير شيئ. وأنا أتحدى أن تقوم أية مؤسسة تعليمية تتلقى ميزانيتها من وزارة المعارف وتطلق على نفسها اسم غسان كنفاني أو أي شهيد آخر اغتالته دولة اسرائيل.
على كل حال، منشور أبناء البلد طواه النسيان، وقرر من قرر أن يكون اسم المدرسة "مدرسة الحكمة الثانوية" وهو اسم حيادي سياسيا ولكنه مقبول تراثيا إذ يستلهم بيت الحكمة من أيام هارون الرشيد والمأمون والذى يعتبر أقدم جامعة في العالم حتى دمره هولاكو فيما دمره من بغداد. ويستلهم دار الحكمة التي بناها الحاكم بأمر الله في القاهرة واصبحت من أهم المراكز العلمية في العالم العربي. ومن ثم انتشر هذا الاسم كالفقع بعد ليل ماطر على أرض خصبة وشمل العديد من المدارس والكليات والمراكز الثقافية في جميع أرجاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
تصوروا شخصا شارف الخمسين من عمره، يعرفه القاصي والداني باسمه وفجأة يطلق على نفسه اسما آخرا، ألا يبدو ذلك غريبا ومستهجنا؟ طبعا، احترام المرحوم جمال طربيه في مكانه محفوظ. المرحوم كان عضوا في تنظيم سياسي. كنا نتفق معه حينا ونختلف معه أحيانا. الان الاتفاق والاختلاف قد انتهيا وأصبحا في ذمة التاريخ. احياء ذكراه لا يتم بالخطابات العاطفية والمجاملات اللامعقولة. حسب رأيي هذا الاسلوب الذي يدغدغ العواطف والغرائز لا يخلد ذكرى أحد، بل على العكس فأنه يمس بمكانته وبذكراه. في خطابات التأبين والتعزية، كما في خطاباتنا السياسية، نفقد كل صلة لنا بالواقع حتى أتساءل في كثير من الاحيان: هل يدور الحديث عن الفقيد أم عن شخص آخر؟ بل في بعض الاحيان تجرفني هذه الخطابات وأتمنى، لكي أخرس الأنا القابع داخلي، أن آكون أنا المتوفي وكل هذه الخطابات تقال عني.
سوف نسمع المزيد من هذه الخطابات في أول الشهر القادم في الاحتفال الرسمي بتغيير الاسم.
لو ارادت البلدية حقا بالتعاون مع عائلة المرحوم واصدقائه أن تخلد ذكرى جمال طربيه فلماذا لا تبني مدرسة جديدة أو مركزا ثقافيا جديدا أو أية مؤسسة جديدة وتطلق عليها إسمه؟. أما أن تسطو على اسم قائم منذ حوالي نصف قرن فهذا أمر مستهجن ومرفوض خصوصا وأن وراء الأكمة ما وراؤها.
قد يقول البعض أن هذه حالة خاصة ومن الخطأ الفاحش تعميمها. حقا؟ لنقلب كل واحد من مكانه بعض صفحات التاريخ حتى نشاهد مدى تغلغل هذه الظاهرة السلبية في ثقافتنا.

Wednesday, August 15, 2012

الحرب القادمة والجبهة الداخلية

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000008672 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000008656
الحرب القادمة والجبهة الداخلية
علي زبيدات – سخنين
أظن كان ذلك دافيد بن غوريون الذي قال: “كل الشعب جيش وكل البلاد جبهة". في تاريخ البشرية، هذا التعريف ينطبق، بالاضافة إلى دولة إسرائيل الحديثة، على مدينة اسبارطة الاغريقية فقط. هذه المدينة التي دارت عليها الدوائر ودمرت أخيرا جراء الحروب المتواصلة التي شنتها. نحن، الفلسطينيون الذين لم يرحلوا في عام النكبة لسنا جزء من الشعب الاسرائيلي أو الشعب اليهودي، لا أدري أية تسمية هي الاصح، وبالتالي نحن لسنا جزءا من الجيش. وبالرغم من وجودنا في البلاد إلا أننا نعامل وكأننا غير موجودين. وإذا صدقنا أن هدف الجبهة الداخلية هو تقوية "المناعة الوطنية" وانقاذ حياة المواطنين، من خلال اعدادهم وتحضيرهم قبل المواجهات المسلحة وإنقاذ حياتهم خلالها وتأهيلهم وتقديم المساعدة لهم بعدها، فنجد أنفسنا نحن الفلسطينيون خارج هذه الاهداف. فإذا كان الوسط اليهودي يشكو من نقص في الملاجئ ومن جاهزيتها ونجاعتها، فماذا نقول نحن؟ أين هي الملاجئ؟ وطبعا لا ضرورة هناك للكلام عن إنقاذ حياة أثناء المواجهات ولا تأهيل والدعم بعدها. يبدو أن دولة إسرائيل لم تكتف بالحروب التي شنتها مند قيامها وحتى اليوم فها هي تحضر وتشد العالم الى حرب جديدة قد تكون من أشرس وأخطر الحروب التي عرفها عالمنا منذ الحرب العالمية الثانية. حتى اليوم شنت إسرائيل حروبها خارج حدودها ولكن منذ الحرب على لبنان عام ٢٠٠٦ ومن ثم على غزة اقتربت الحرب ليس فقط الى الحدود ولكن الى ما وراء الحدود أيضا. وبالرغم من كونها حروبا متواضعة إلا أن قيادة الجبهة الداخلية قد فشلت فشلا ذريعا في أول إختبار لها. لقد أجمعت كافة الاطراف الاسرائيلية من حكومة ومعارضة أن الجبهة الداخلية لم تكن جاهزة وأن صواريخ حزب الله اجتازت الحدود ووصلت الى حيفا، وكادت صواريخ غزة البدائية أن تصل الى تل أبيب. وأثناء المواجهات لم تستطع هذه القيادة انقاذ حياة شخص كما فشلت بعد المواجهات في تقديم التأهيل والدعم اللازم للمتضررين. حتى أن بعض الجنود الذين خاضوا المعارك تذمروا من الاهمال على شاشات التلفزيون الاسرائيلي نفسه.
في المدة الاخيرة نشهد تمارين مختلفة ومكثفة تقوم بها قيادة الجبهة الداخلية من ضمنها محاولة انقاذ مواطنين في حالة تعرضهم لهجوم صاروخي وفحص نظام توجيه رسائل نصية عبر الهواتف الخلوية وغيرها. تعامل هذه القيادة مع الفلسطينيين لم يتغير، فما زال هذا التعامل في اطار كونهم "طابورا خامسا".
أنا شخصيا أتفهم هذا التعامل على عكس اعضاء الكنيست العرب ورؤساء السلطات المحلية ولجنة المتابعة العليا الذين ينادون ببسط مظلة قيادة الجبهة الداخلية لكي تشمل الوسط العربي. ليس لأننا نمتلك المناعة ضد الصواريخ والاسلحة الكيماوية أو أننا نهوى الموت ولكن لأننا لا نشعر بأننا جزء من هذه الحرب أو هذا الجيش أو هذا الشعب ولا يوجد ما نربحه من هذه الحرب. فبينما كان سكان تل أبيب يبحثون عن الملاجئ عندما سقطت بعض الصواريخ بالقرب منها في حرب الخليج كان الفلسطينيون يصعدون الى سطوح المنازل للتفرج عليها. وبينما كان معظم سكان الجليل يرحلون جنوبا في عام ٢٠٠٦ كان الفلسطينيون يتفرجون عليها حتى عندما كانت تسقط عليهم وتوقع الخسائر بين صفوفهم.
أظن أن بن غوريون كان صادقا في مقولته آنفة الذكر، وربما اليوم أكثر من أي يوم مضى: كل الشعب جيش. والجيش بالطبع يريد الحرب. وكل البلاد جبهة ولكن ما العمل عندما تكون البلاد بطولها وعرضها أصغر من مدى صاروخ صغير؟ مع تعيين افي ديختر وزيرا لقيادة الجبهة لداخلية تكتمل الدائرة من العسكريين الاسرائيليين المهوسين بالحرب: وزير الحرب براك وقائد الجيش بني غينس يترأسهم رئيس الحكومة بمنيامين نتياهو، ليس فقط ضد ايران بحجة احباط برنامجها النووي بل أيضا في المنطقة بأسرها مما يهدد السلام العالمي. هل وصلت اسبارطة العصر الحديث الى نهاية طريقها؟

Wednesday, August 08, 2012

مؤامرة ومتآمرون

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000009195 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000009179
مؤامرة ومتآمرون
علي زبيدات – سخنين

لم أكن في يوم من الايام من أنصار نظرية المؤامرة. ببساطة أن لا أومن بأن الاحداث تحاك في الظلمات على شكل أسرار تقوم بها عقول منظمة متآمرة من العسير معرفتها ومعرفة نواياها الحقيقية وبالتالي تفتح المجال أمام الخيال الجامح ليمسك بخيوطها ويكشف حبكتها وتسلسلها حتى ينتهي الى كشف المؤامرة وإحباطها. وبالمقابل كنت أومن بأن نظرية المؤامرة هي في الحقيقة سلاح العاجز الذي يبحث عن تبريرات لعجزه وفشله المتواصلين. أو الغبي الذي لا يستطيع ان يستوعب تطور الاحداث ويتفاجأ دوما من حدوثها. شعوبنا العربية مدمنة على نظرية المؤامرة. ضياع فلسطين كان مؤامرة، تدمير العراق مؤامرة، الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا كلها مؤامرات. والقائمة تطول.
في المدة الاخيرة بدأت أغير رأيي وبدأت اتذوق هذا الادمان الشعبي على نطرية المؤامرات. ووجدت بالفعل أن كل ما يحدث لنا لا يمكن فهمه إلا بوجود مؤامرات دنيئة تحاك بطريقة شيطانية في الخفاء هدفها تقويض الأمة العربية وابقائها مفككة وضعيفة ترزج تحت نير الاستعمار الاجنبي المتعاون مع التخلف المحلي. وهكذا بدأت رحلتي ليس فقط لكشف هذه المؤامرات بل أيضا لتعقب آثار المتآمرين. فوجدت أن المؤامرات التي تحيكها لنا امريكا واوروبا واسرائيل هي مؤامرات مكشوفة ولا تستحق أن تسمى اصلا مؤامرات، فهي تجري في وضح النهار ويعبر عنها اصحابها يوميا من خلال البيانات والتصريحات الرسمية وغير الرسمية. ومن خلال سياسات وقرارات الحكومات المعنية بالامر. فإذا كانت المؤامرة مفضوحة والمتآمرون مكشوفون فعن أية مؤامرة نتكلم؟
لا بد أن يكون هناك مؤامرة أو مؤامرات أخرى غير مكشوفة ولا بد أن يكون هناك متآمرون آخرون غير مرئيين. وأظن أنني أمسكت بطرف الخيط: أخطر مؤامرة تحاك ضدنا هي المؤامرة التي نحيكها نحن بأصابعنا وننفذها نحن بأيدينا. وتبين أن هذه المؤامرة ليست جديدة بل هي موجودة منذ قرون طويلة يحيكها العرب العاربة ضد العرب المستعربة وبالعكس٫ قيس ضد يمن وبالعكس، السنة ضد الشيعة وبالعكس، يحيكها عشرات القبائل والطوائف والملل والنحل من وهابيين وسلفيين واخوان مسلمين وجهاديين وتكفيريين وعشرات أذا لم يكن المئات من التنظيمات التي تقرن اسمها بالله وبالاسلام.
على ضوء ما حدث مؤخرا في العالم العربي، وخصوصا على ضوء ما يجري في سوريا وعلى ضوء العملية الاخيرة في سيناء، هل نحن بحاجة الى ١١ سبتمبر والى حرب عالمية ضد الارهاب الاسلامي من قبل أعتى الارهابيين الذين عرفهم التاريخ؟. ارحمونا وقولوا لنا من هو المسلم الحقيقي في سوريا: القاتل أم المقتول؟ ومن المسلم الحقيقي في سيناء: القاتل أم المقتول؟ هل سمع أحدكم القاتل قبل أن يشهر سلاحه يقول: اللهم اني صائم؟ ويعيد سلاحه الى مكانه؟ قولوا لنا من نتبع: خادم الحرمين الشريفين ومفتيه عبد العزيز آل الشيخ؟ أم أمير قطر ومفتيه يوسف القرضاوي؟ أم الرئيس المصري الجديد ومرشده محمد بديع؟ أم المئات من امراء الحرب الاسلاميين المنتشرين في عالمنا العربي من المحيط الى الخليج ويتلذذون في سفك دماء المسلمين الذين يخالفونهم في الرأي؟.
نظن اننا اذا نظرنا الى بعيد، الى أمريكا وأوروبا وإسرائيل رأينا ابعاد المؤامرة ولكننا نعمى عن رؤية ما يجري تحت اقدامنا. لقد آن الأوان لكي ننظر إلى داخلنا، نتخلص من وهمنا وكأننا نعرف كل شيء ونحن من أجهل شعوب الأرض. لقد آن الأوان أن نضع جميع مفاهيمنا ومواقفنا وسلوكنا موضع السؤال. بعض التنظيمات الاسلامية لاقت نجاحا مؤخرا في بعض البلدان ولكن ذلك يجب الا يعفيها من مساءلة نفسها، فالنجاح والفشل توأمان، ورب نجاح أسوأ من فشل. لا يوجد أحد يحتكر الحقيقة. لا يوجد أحد يمتلك أجوبة نهائية. حرية الفكر والتعايش مع الآخر رغم الاختلاف في الرأي هي ليست شعارات ترفع ولا نظريات يروج لها بل هي في الاساس ممارسة يومية على الصعيد الشخصي والجماعي.
لقد آن الأوان أن نفضح المؤامرة التي نحيكها بأنفسنا وأن نحارب المتآمر الذي يعشش في داخلنا.