Saturday, May 09, 2015

العربي الجديد يبحث عن الاسرائيلي الجديد



العربي الجديد يبحث عن الاسرائيلي الجديد
علي زبيدات – سخنين

عندما نقول: "انسان يقوم بعمل لا انساني"، ألا نقف امام مفارقة؟ امام معضلة؟ امام ما يسمى في علم المنطق برادوكس؟ اذا كان الانسان انسانا فمن المفروض أن تكون أعماله انسانية، فاذا كان العمل غير انساني فلا يصح أن يكون من عمله انسانا، اليس كذلك؟ هل يعقل أن اقول لمن يقوم بأعمال غير انسانية: أنت أخي في الانسانية؟ هل يجب ان نعود إلى اكثر من الفين سنة لافلاطون وارسطو لكي نعرف من هو الانسان؟ هل الانسان الحقيقي موجود في عالم المثل وما الانسان الذي نراه حولنا سوى تقليد أو تقليد التقليد للانسان المثالي حسب نظرية المثل لافلاطون؟ ام أن الانسان هو صورة الانسان كما نراها في الواقع كما يزعم ارسطو؟ كيف نتخلص من هذه المعضلة؟
مرت كل هذه الافكار بذهني وانا اشاهد فيديو الخطاب الاول لرئيس القائمة المشتركة في الكنيست ايمن عودة. وتذكرت في الوقت نفسه صور الاحتفال بافتتاح الكنيست ووقوفه بخشوع عند سماع النشيد الوطني الاسرائيلي بالرغم من اعترافه بان هذا النشيد لا يعبر عن تطلعاته. كما تذكرت مقابلاته التلفزيونية في حملته الانتخابية وخصوصا تلك المناظرة مع ليبرمان ودرعي وغيرهما من زعماء الاحزاب الصهيونية. لقد استطاع ايمن عودة ان يرسم صورة جديدة للعربي الجديد وان يخترق بها الحيز اليهودي باحثا عن اليهودي الجديد الذي يتجاوب معه. الكلمة السحرية المستعملة لوصف لهذه الصورة هي: الانسانية. وكأن كل نضالنا السابق كان غير انساني،بل كان همجيا متطرفا مبنيا على الكراهية وغريزة الانتقام. اما العربي الجديد الذي يمثله ايمن عودة فلا يمثل الطفل البدوي سالم، الذي يعيش في قرية غير معترف بها مهددة بالهدم فحسب، ولا يمثل مجد الطالب في جامعة تل ابيب الذي لا يستطيع ان يجد مكانا للسكنى لكونه عربيا فحسب، ولا يمثل عماد وامل الزوج الشاب العاجز عن ايجاد بيت يأويه فحسب، ولا يمثل هبة خريجة المدرسة الثانوية التي تبحث عن عمل مؤقت فلا تستطيع بسبب اشتراط الخدمة العسكرية فحسب، بل يمثل ايضا المهاجرين الروس افضل من ليبرمان ويمثل اليهود الشرقيين افضل من كحلون ومن درعي ويمثل اليهود المتدينيين وغير المتدينين والاثويبيين ولولا الحياء لقال بانه يمثل المستوطنين افضل من بانيت ويمثل امن اسرائيل افضل من نتنياهو نفسه.
العربي الجديد يتفهم معاناة اليهود على مر الاجيال ويتفهم مخاوفهم الامنية. هنا على ارض فلسطين يوجد متسع للجميع يهودا وعربا، لا يوجد هنا محتل وشعب يرزح تحت الاحتلال، لا يوجد مستعمر وارض مغتصبة، لا يوجد شعب مشرد ومستوطنين اتوا من كافة ارجاء العالم. يوجد هناك حقان متساويان. العربي الجديد لا يعترف بوجود حق وباطل. المسألة هي مجرد سوء تفاهم ليس اكثر. خلال عشر سنوات سوف يغير الواقع وسوف تتحقق نبوءة يشعيا وسوف يلعب الذئب مع النعجة وتتحول البندقية الى منجل.سيسود البلاد السلام وسيعيش الجميع في ظل العدالة الاجتماعية والمساواة. سوف تختفي العنصرية تماما وتشتقل فلسطين وتقيم علاقات سياحية وافتصادية طبيعية مع اسرائيل، وسوف يتعلم اليهود اللغة العربية وسيحافظ العرب على العبرية، مشاكل القرى والمدن العربية سوف تختفي وخرائط هيكلية سوف تشملها جميعا والعمال العرب سوف يعملون في كافة المجالات بحرية، امنحوه عشر سنوات فقط!!.
حتى الشباك الذي عانى منه الاف الفلسطينيين سوف يصبح شريكا في بناء مجتمع ديمقراطي يكون مفخرة امام العالم.
العربي الجديد يحمل في داخله كل من مارتن لوثر كينغ ونلسون ماندبلا والمهاتما غاندي، ينظم المسيرات السلمية، ويدعو الى انهاء التمييز العنصري وهو يحمل عنزته. ولا يهم اذا جعل من كينغ ومانديلا وغاندي مجرد ابطال لفلم من الصور المتحركة انتجته شركة والت ديزني الامريكية. هذا العربي الجديد ليس سوى دمية سوف تهترئ سريعا من كثرة ركله اواللعب بها.
للاسف الجديد لم يحقق الانسان جوهره بعد، أي انه لم يحقق انسانيته بشكل كامل وما زالت غريزته الحيوانية تتحكم بتصرفاته بدرجات متفاوتة. الانسان يحقق انسانيته بواسطة الحرية والابداع والعمل. النظام الرأسمالي العالمي المسيطر يقمع كل هذه الامور. يستعبد العامل وينزعه عن نتاج عمله وعن غيره من العمال ويفرض عليه حالة من الاغتراب وينزع المبدع عن ابداعه. لذلك فان النضال ضد هذا النظام وضد ممثليه في جميع ارجاء العالم هو نضال من اجل الانسانية. والسكوت على مقترفي الجرائم ضد الانسانية لا يمكن ان يكون لصالح الانسانية مهما حمل من شعارات.

Wednesday, April 29, 2015

النضال مستمر، أجلوا الاحتفالات



النضال مستمر، أجلوا الاحتفالات

علىي زبيدات – سخنين
آكثر ما يستفزني ويغيطني في هذه الايام كثرة ما يكتب عن "الاحتفالات بعيد العمال العالمي". العناوين الزائفة والمغرضة لا تنهي: عمال العالم يحتفلون بعيدهم، الحزب الفلاني يصدر بيانا بمناسبة عيد العمال، النقابة الفلانية تنظم مسيرة او مهرجانا بمناسبة عيد العمال العالمي، القائد الفلاني يلقي كلمة... وهكذا إلى ما لا نهاية. في تراثنا العربي الاحتفال يعني الفرح، الانبساط، الرقص، الغناء والتهام ما لذ وطاب من الطعام والمشروبات. والعيد يعني الظهور بملابس جديدة وانيقة والخروج لرحلات ترفيهية في احضان الطبيعة او المجمعات التجارية وشراء ما لا فائدة منه بغض النظر عن الحالة الاقتصادية.
كل هذه الامور ابعد ما تكون عن روح الاول من ايار يوم العمال العالمي الذي كان ويجب أن يبقى يوما نضاليا. ليس من باب الصدفة ان معظم المحتقلين بهذا اليوم (واشدد على كلمة محتفلين) ليسوا عمالا، فالانظمة الرأسمالية حتى وان سمت نفسها عمالية أو منحدرة من اصول عمالية هي التي تنظم عادة هذه الاحتفالات يشاركها بعض الاحزاب والنقابات التي تسمي نفسها عمالية وهي وان صحت هذه التسمية تنتمي الى الارستقراطية العمالية التي تتاجر بقضايا العمال وتتعاون مع اعدائهم الطبقيين مقابل بعض الفتات.
فئة فليلة من العمال الثوريين ومن الاحزاب العمالية الثورية ما زالت تحيي يوم الاول من أيار كيوم نضالي قدم فيه العمال التضحيات الجمة ابتداء من المطالبة بتحديد يوم العمل بثماني ساعات مرورا بالمطالبة برفع الاجور والضمانات الاجتماعية والصحية ومحاربة البطالة وحتى النضال من أجل اسقاط نظام الاستغلال الرأسمالي وبناء مجتمع جديد يقوم على اسس الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية. فئة قليلة من العمال الثوريين والاحزاب العمالية الثورية التي ما زالت ترى في الاول من ايار رمزا لوحدة الطبقة العاملة العالمية لمواجهة الرأسمالية العالمية.
من هذا المنطلق ادعو جميع المخلصين لقضايا الطبقة العاملة والحريصين على ابقاء شعلة الثورة ملتهبة أن يتخلصوا من عقلية العيد والاحتفال في هذا اليوم. لنستغل هذا اليوم للدعوة إلى تنظيم العمال بشكل مستقل عن كافة الانتهازيين والسماسرة الذين يتاجرون بقضاياهم، في احزاب عمالية ثورية تناضل من اجل وحدة عمال العالم، ليس على مستوى الشعارات فحسب، ومن اجل النضال حتى اسقاط النظام الرأسمالي العالمي المسؤول عن الحروب والمجاعات والامراض.
في هذه المرحلة من النضال العالمي يجب أن نكون اكثر وعيا بالعلاقة الجدلية المليئة بالتناقضات بين الوطنية والاممية. تحاول الرأسمالية العالمية وقد نجحت الى حد بعيد جر قوى وطنية والحاقها باقتصادها وسياستها بعد أن نحجت في جر والحاق اوساط واسعة من الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة إلى اقتصادها وسياستها. وهكذا تشكلت جبهة رجعية على المستوى العالمي قوامها الطبقات الرأسمالية في الدول الامبريالية وحولها قوى خانت اوطانها واحزاب عمالية خانت طبقاتها. الاممية تشترط مسبقا حرية واستقلال كافة الشعوب ولا يمكن ان تكون ابدا غطاء للهيمنة الامبريالية. على الطبقات العاملة في الدول الرأسمالية المتطورة أن تحارب سياسة الهيمنة لحكوماتها اذ بدون ذلك لا يمكن الكلام عن الاممية. بالمقابل على الطبقات العمالية في البلدان النامية ان تميز نفسها وبرنامجها عن الحركات القومية الشوفينية التي ستكون اول من تخون اوطانها والاتفاق مع الامبريالية العالمية مقابل الحصول على بعض الامتيازات.
هذه القضية مهمة جدا في بلادنا فلسطين كرد على الاحزاب والتنظيمات الانتهازية التي تنادي باسم الاممية إلى وحدة الطبقة العاملة الفلسطينية و"الطبقة العاملة" الصهيونية. ما دام الطابع الكولونيالي هو الطابع المسيطر على هذه الطبقة (مع التحفظ دوما على تسميتها طبقة) وليس الطابع العمالي، وما دامت تشكل الركيزة الاساسية للدولة الصهيونية فلا يمكن الكلام عن الاممية. العامل الصهيوني في هذه الحالة مثله مثل العامل الفاشي الذي دعم فاشية دولته التي سحقت طبقته. الوحدة بين العامل العربي والعامل اليهودي في هذه البلاد ممكنة على قاعدة رفض الصهيونية والتخلص من سيطرتها.
عندما يتخلص العامل اليهودي من طابعه الكولونيالي، أي عندما يتخلص من صهيونيته ويصبح مواطنا عاديا مسحوقا مثله مثل العامل العربي عندها فقط تصبح الطريق إلى وحدة الطبقة العاملة الفلسطينية بيهودها وعربها سالكة، عندها فقط يمكن مواجهة النزعات الشوفينية عند العمال العرب وشن نضال مشترك ضد كافة الرأسماليين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية.
جوهر الصراع على المستوى العالمي طبقي حتى وان ظهر احيانا على اشكال قومية، طائفية، مذهبية أو اي شكل آخر. ليكن الاول من أيار مناسبة متجددة للنهوض بالنضال العمالي العالمي حتى الانتصار على الرأسمالية العالمية المتوحشة وانقاذ البشرية من شرورها.



Wednesday, April 22, 2015

إخوة في الفساد



اخوة في الفساد
علي زبيدات – سخنين
في الاسابيع الاخيرة يوجد في مدينة سخنين موضوعان ملتهبان. ومع الاخذ بعين الاعتبار بعض الاختلافات في التفاصيل نجد هذين الموضوعين ملتهبين في عدة مدن وقرى عربية. الموضوع الاول: قضية سماسرة الاراضي الذين استطاعوا الحصول بطرق ملتوية على قسائم للبناء مخصصة ل"حل الضائقة السكنية" المستفحلة من سلطة اراضي اسرائيل ووزارة البناء والاسكان بسعر مخفض وعرضها للبيع باسعار خيالية. الموضوع الثاني هو توصيات لجنة فحص الحدود التي شكلها وزير الداخلية السابق.
بالنسبة للموضوع الاول، تحاول البلدية جاهدة أن تتنصل من أية مسؤولية بحجة انها لم تكن تعلم بما يقوم به هؤلاء السماسرة تارة وبإلقاء المسؤولية على وزارة الاسكان وسلطة اراضي اسرائيل التى نظمت المناقصات تارة أخرى وانها اعترضت لدى هذين الطرفين حالما علمت بالموضوع. مثلي مثل العديد من المواطنين الذين استمعت اليهم اشك بمصداقية حجة عدم المعرفة وخصوصا من قبل قسم الهندسة المسؤول المباشر عن كل ما يجري من اعمال تطوير وبناء في المدينة. ولكن لنفرض جدلا أن ذلك صحيح فهذا العذر هنا اقبح من ذنب. فإذا كانت البلدية وقسم الهندسة يعلمان وتم التورط أو السكوت فهذه مصيبة أما إذا كانا لا يعلمان فالمصيبة تكون اكبر وفي هذه الحالة من الاحرى أن يغلقا الابواب ويبحثا عن عمل آخر.
واضح اننا هنا امام مثلث فاسد يتكون من سلطة اراضي اسرائيل، وزارة البناء والاسكان والبلدية. ومن الطبيعي أن تشكل مستنقعات الفساد ارضا خصبة لنمو وترعرع باعوض السمسرة.
لم يعد هناك سر بإن سلطة اراضي اسرائيل التي تدير آكثر من ٩٠٪ من الاراضي هي مرتع للفساد بعد اعتقال مديرها بنسي ليبرمان بتهم الفساد والغش وخيانة الامانة واعتقال عدد آخر من كبار الموظفين بسبب التهم نفسها. طبعا هذه الاتهامات لا تتعلق بتعامل سلطة الاراضي بعنصرية مع البلدات العربية، فكل ما تقدمه للوسط العربي ليس سوى بعض الفتات. الملايين موجودة في المدن اليهودية واالمستوطنات في الضفة الغربية.حتى وصل الامر إلى أن تقوم اطراف من المؤسسة الصهيونية نفسها بالمطالبة بتفكيك هذه السلطة ونقل صلاحياتها إلى مؤسسات اخرى.
تدعي البلدية كوسيلة دفاع عن نفسها أن وزارة الاسكان هي التي نظمت المناقصات التي بموجبها تم منح السماسرة قسائم البناء، وأن المناقصات نزيهة وتتم حسب شروط ومعايير صارمة. حقا؟ هل يوجد في هذه الدولة مناقصات نزيهة؟ من لم يسمع عن صناعة "تفصيل المناقصات" التي تتفوق على صناعة تفصيل الازياء من حيث الحجم وطرق التفنن. احدى التهم التي وجهت لمدير سلطة اراضي اسرائيل هي تحويل وحرف المناقصات لخدمة مصالحه الخاصة والتي تشمل ايضا الحصول على رشوات. لو ارادات دولة اسرائيل ملاحقة الفساد في المناقصات داخل مؤسساتها لاحتاجت إلى دولة أخرى. مراقب الدولة يعرف ذلك، مديرية خدمة الدولة تعرف ذلك ووحدة لاهف ٤٣٣ في الشرطة الاسرائيلية تعرف ذلك والاهم من هؤلاء كلهم أن البلديات والسلطات المحلية العربية تعرف ذلك بل وتتفوق في استعماله. لا ابالغ اذا قلت انه لا يوجد هناك مناقصة نزيهة واحدة تنظمها البلديات العربية. فإذا كانت وزارة الاسكان هي التي نظمت المناقصات التي منحت السماسرة قسائم البناء فالبلدية هي التي نظمت المناقصات التي منحت بعض المقاولين القسائم المسؤولة عنها. على فكرة في كثير من الاحيان لا يمكن التمييز بين السمسار والمقاول.
منذ أكثر من عقدين وانا اسمع عن "نضال" البلديات المتعاقية من أجل توسيع منطقة النفوذ. حتى اصبح هذا المصطلح العنوان الاساسي للجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، لجنة المتابعة، المؤسسات الاهلية والجماهير الواسعة بشكل عام. قي معظم الاحيان يقتصر هذا "النضال" على طلب من وزير الداخلية خلال زياراته لبلد عربي وبعد استقباله والاحتفاء بزيارته مما يضطر الوزير من الباب المجاملة بتوزيع بعض الوعود حول توسيع منطقة النفوذ. ولكن مع تزايد التذمر الشعبي تضطر البلديات الى المزيد من المطالبة فيقوم وزير الداخلية بتعيين لجنة لفحص مناطق النفوذ يستغرق عملها بعض سنوات تنتهي بتوصيات هزيلة لا يسع البلديات الا رفضها أو انها تموت موتا طبيعيا مع رحيل الوزير الراهن وانتظار الوزير الجديد. للمرة الخامسة أو السادسة تقدم مثل هذه اللجنة توصياتها لوزير الداخلية، وكلما زادت هذه التوصيات بعض الدونمات في منطقة النفوذ على التوصيات السابقة كلما تصعادت ابواق البلدية للكلام عن الانجازات التي تم تحقيقها. يبدو أن ادارة البلدية الراهنة قد اكتشفت نظرية "خذ ثم طالب" وها هي تنتظر قدوم وزير الداخلية الجديد ليصادق على توصيات لجنة الحدود. من التجارب السابقة ستتحول هذه النظرية إلى "خذ وعود وتنازل".

Thursday, April 16, 2015

أسرى ونكبة



أسرى ونكبة
علي زبيدات – سحنين

خلال أسبوع واحد، يحيي شعبنا الفلسطيني في جميع اماكن تواجده ذكرتين هامتين في تاريخه المعاصر: يوم الاسير الفلسطيني وذكرى النكبة. يبدو للوهلة الاولى وكأنه لا علاقة خاصة ومميزة بين المناسبتين ولكن في حقيقة الامر العلاقة بينهما عضوية ولا يمكن بأي حال من الاحوال فصل الواحدة عن الاخرى. فلولا النكبة، نتائجها واستمراريتها لما كان هناك ضرورة لوجود حركة اسيرة بهذا الزخم والكم الهائل من الاسرى السياسيين الفلسطينيين. ولولا وجود الحركة الاسيرة لكانت النكبة قد طواها النسيان منذ فترة طويلة. لا يوجد في المشهد الفلسطيني ثنائية اخرى تحمل الهم الفلسطيني والعبء الفلسطيني اكثر من ثنائية النكبة والاسرى. هذه الثنائية الفريدة من نوعها في تاريخ النضال التحرري سوف تتفكك في حالة واحدة فقط: زوال آثار النكبة بالعودة التى ستؤدي بدورها إلى تحرر الاسىرى بالكامل من السجون الاسرائيلية. ولكن بما ان النكبة ما زالت تربض على صدور شعبنا فسوف تبقى الحركة الاسيرة القلب النابض داخل هذه الصدور.
بالرغم من الاهمية البالغة لهاتين المناسبتين الا اننا حسب رأيي فشلنا حتى اليوم في الارتقاء بهما الى المستوى الوطني المطلوب. تقييمي هذا لا ينتقص بطبيعة الحال من اهمية الجهود المبذولة في احياء هاتين الذكرتين على مر السنوات. بالرغم من انتقاداتي الشخصية المتكررة على شكل ومضمون احيائنا للمناسبات الوطنية إلا انني لا ادعي بأي شكل من الاشكال امتلاكي لاجوبة نهائية على اي سؤال مطروح يتناول القصايا الوطنية. ولكني أشعر، وأظن يوجد هناك الكثيرون غيري من يشاركني هذا الشعور: يوجد هناك شيء ليس على ما يرام وليس هكذا تورد الابل.
لنسأل السؤال ولنترك الجواب لكل واحد منا لكي يجيب عليه بجرأة وصراحة: هل استطعنا حقا ان نرتقي بقضية الاسرى لنجعل منها قضية وطنية ومن يوم الاسير مناسبة وطنية؟ لا اريد ان اتشعب في الحديث عن الحركة الاسيرة وعن يوم الاسير في الضفة الغربية وفطااع غزة والشتات فهذا موضوع واسع لا تتحمله مقالة صحفية وساكتفي ببعض الملاحظات النقدية التي اكررها سنويا تقريبا في هذه المناسبة. الى متى هذا التشرذم بالعمل؟ وما الفائدة من تعدد اللجان والحركات الفاعلة في موضوع الاسرى اذا لم تكن قادرة حتى على التنسيق فيما بينها لاحياء هذا اليوم بالزخم الذي يستحقه؟ كيف ولماذا كونت كل لجنة دائرة مغلقة من النشطاء والمؤيديين تكاد ان تضع جدارا حديديا امام الاخرين؟ لقد اصبجت أظن واشعر بان هذه اللجان غير معنية بجعل هذه المناسبة مناسبة وطنية عامة، شعبية مفتوحة امام كافة المواطنين بل ابقاءها مغلغة على النشطاء ومؤيديهم. ما زلت اذكر ردنا الباهت على المستوى الرسمي والشعبي عندما كانت معركة الامعاء الخاوية في ذروتها. زيارات اعضاء الكنيست العرب الموسمية للاسرى لا تقدم ولا تأخر شيئا في هذا المجال خصوصا عندما تكون هذه الزيارات موظفة لاعتبارات حزبية ضيقة. اما عن دور لجنة المتابعة في هذا الموضوع فحدث ولا حرج فهي غائبة تماما. حاليا وحتى يتغير هذا الواقع، يبقى الاسرى وعائلاتهم هم الذين يتحملون عبء الاسر كاملا.
احياء النكبة تحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا" هو الآخر، حسب رأيي، استنفذ واصبح روتينا، عادة نسارع في احيائها لكي نسارع في نسيانها. اهمية مسيرة العودة انها ابقت هذه المناسبة حية تستقطب الاف المشاركين من كافة ارجاء الوطن الفلسطيني. ولكن السؤال الذي يطرح نفسها هنا: هل هذا يكفي لكي نجعل من احياء ذكرى النكبة رافعة للعودة نفسها؟ حسب رأيي من اجل ذلك هناك ضرورة قصوى للتغيير في نمط التفكير والسلوك لجميع الجهات المشاركة وعلى رأسها لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين التي تحتكر تنظيم مسيرة العودة بتفويض من لجنة المتابعة. القرى المهجرة والبالغ عددها ٥٣٠ قرية هي عزيرة على قلوبنا جميعا ويجب ان تبقى حية في ذاكرتنا الجمعية على مدار السنة وليس في يوم واحد في السنة فقط، ولكن احياء النكبة بمسيرة شعبية هي اولا وقبل كل شيء عمل سياسي واختيار المكان له اهمية بالغة. لقد توخيت خيرا عندما سمعت بان مسيرة النكبة لهذا العام سوف تكون في حيفا حيث تم تهجير اكثر من ٧٠ ألفا من سكانها عام النكبة، ولكنها "فرحة" ما تمت ولا تهمني الاسباب. مدننا الرئيسية تعرضت لحملات من التطهير العرقي الا تستحق احياء النكبة في احداها؟ لقد كتبت في الماضي وها انا اعود واكتب وأسأل: لماذا لا تكون مسيرة العودة في عكا، يافا، اللد، الرملة، طبريا، صفد؟ هل خوفا من رفض السلطات الاسرائيلية؟ ام خوفا من العواقب؟ لقد آن الاوان لمناقشة علاقة مسيرة العودة بالعودة نفسها وتقديم الاقتراحات من أجل ذلك.

Wednesday, April 08, 2015

المطلوب تدخل خارجي من نوع آخر



المطلوب تدخل خارجي من نوع آخر
علي زبيدات – سخنين

لقد وصل النفاق العالمي إلى اعلى مستوياته حتى وصل إلى درجة اللامعقول. الكل يدين ويرفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول وفي الوقت نفسه الكل يمارس مثل هذا التدخل. الامم المتحدة التي ينص ميثاقها على عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول بشكل مباشر أو غير مباشر هي أول من يتدخل بشكل اعتباطي وانتقائي بما يخدم في نهاية المطاف مصالح الدول الكبرى. امريكا تدين التدخل الروسي في اوكرانيا، روسيا تدين التدخل الامريكي في الشرف الاوسط، ايران تدين التدخل السعودي في اليمن، السعودية تدين التدخل الايراني في سوريا والعالم يدين التدخلات الاسرائيلية في كل مكان واسرائيل تدين تدخلات العالم في شؤونها. وهذا غيض من فيض من مسرح النفاق العالمي. هل بقي هناك ازمة واحدة في العالم لم يتم التدخل فيها من اطراف خارجية؟ وحتى عندما لا يوجد هناك ازمات فالتدخلات الخارجية تخلق الازمات كل صباح وكل مساء وتعمل على تأجيجها وتفاقمها حتى تتحول إلى ازمات دولية. الذين يدينون التدخل الخارجي ويدعون إلى رفضه هم أول من يتدخلون في شؤون غيرهم. لم بعد هناك بقعة واحدة على سطح الكرة الارضية مهما كانت نائية وغير ذات اهمية بمنأى ومعزل عن التدخلات الخارجية. لقد آن الاوان للاستفاقة من اوهام العيش في جزيرة معزولة على غرار جزيرة روبنسون كروزو لا تتعرض لأي تدخل خارجي.
في ظل هذا الواقع، المطلوب اليوم ليس رفض التدخل الخارجي وادانته لأن مثل هذا الموقف اصبح في احسن حالاته سذاجة لا تحتمل ولكنه في معظم حالاته اما غباء مطبق واما عمالة مكشوفة أو مستترة. المطلوب اليوم هو "تدخل خارجي" من نوع جديد: تدخل ثوري اممي لمواجهة ومحاربة التدخل الامبريالي الرجعي.
لدينا في مثل هذا التدخل نموذجا امميا انسانيا ينبغي حياءه ليس كأسطورة أو كحلم جميل بل كنموذج ومرشد لعمل ثوري دائم، واقصد نموذج تشي جيفارا الذي قال وفعل حسب ما قال:"اينما يوجد الظلم قذاك وطني" وقال ايضا: "ان انتصار الثورة هو الضمان الوحيد للقضاء على الحروب الامبريالية، لا حياة خارج الثورة، ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة واكثر" . تشي جيفارا ارجنتيني المولد ولكنه حارب في كوبا والكونغو وبوليفيا وأيد نضالات الشعوب المضطهدة والطبقات الكادحة في جميع انحاء العالم.
يجب ان تكون هناك معايير صارمة لمثل هذا التدخل الثوري المطلوب والا تحول هذا التدخل إلى نقيضه. هناك ثلاثة معايير اساسية وضعها او تبناها تشي جيفارا مع باقي الثوريين الحقيقيين في العالم وهي: ١) أن تكون ضد الامبريالية العالمية. ٢) أن تكون ضد الانظمة الفاسدة التي تسحق شعوبها. ٣) أن تكون ضد جميع القوى الانتهازية والرجعية التي تتقنع احيانا بالشعارات الثورية ولكنها تخدم في نهاية المطاق الامبريالية العالمية والانظمة الفاسدة.
يعرف التاريخ الحديث العديد من التجارب والنماذج المشرفة للتدخل الخارجي الثوري. ولعل اشهرها الكتائب الاممية التي شاركت في الحرب الاهلية الاسبانية ١٩٣٦ – ١٩٣٩ إلى جانب القوى الثورية الاسبانية. إزاء التدخل الخارجي من قبل النازية الالمانية والفاشية الايطالية الداعمة لقوات فرانكو الفاشية كان لا بد من مثل هذا التدخل. النقد الوحيد على هذا التدخل من منظور تاريخي هو انه لم يكن مكثفا وحاسما وجارفا مما ادى الى انتصار القوى الفاشية والرجعية. المقاومة الفلسطينية عرفت هي أيضا مثل هذا التدخل الثوري الخارجي وذلك في سنوات السبعين عندما كانت المقاومة اللسطينية تلهب خيالات العالم كمث أعلى لمقاومة الصهيونية والامبريالية. اعداد كبيرة من الشباب والصبايا المنتمين لقوميات وجنسيات مختلفة انخرطت في المقاومة الفلسطينية، اذكر في تلك الفترة كان سجن الرملة المركزي نموذجا لهذه الوحدة الثورية الاممية حيث كان إلى جانب الاسرى الفلسطينيين اسرى من المانيا، ايطاليا، فرنسا، اليونان، قبرص، بريطانيا، اليابان، كردستان، الهند، نيجيريا، تشيلي. على التنظيمات الفلسطينية وخصوصا التي تدعي الاممية أن تجاوب على السؤال: لماذا انفض كل هؤلاء عنها وعن القضية الفلسطينية؟
في تلك الفترة، كنا نتكلم عن " الجبهة العربية المشاركة في المقاومة الفلسطينية" واليوم صرنا نتكلم عن "الجبهة العربية المشاركة لاسرائيل في ضرب المقاومة الفلسطينية". في تلك القترة كنا نتكلم عن " الجبهة العالمية الداعمة للمقاومة الفلسطينية" واليوم اصبحنا نتكلم عن الدعم العالمي للاحتلال الاسرائيلي.
اليوم نتكلم عن الآلاف بل عشرات الآلاف من المرتزقة وغير المرتزقة ممن يتبنون ايديولوجيات تخدم في نهاية المطاف الامبريالية والانظمة الرجعية، يقطعون المسافات والحدود للانضمام إلى داعش والنصرة.
نعم أنا مع "التدخل الخارجي" إذا كان معاديا للامبريالية العالمية وللانظمة الفاسدة والقوى الرجعية والانتهازية. لقد آن الاوان للعودة إلى منابع التضامن الاممي الثورى وتشكيل كتائب اممية تنخرط بالنضال في كل مكان يخيم الظلم عليه.

Wednesday, April 01, 2015

الخروج من دائرة الذكرى إلى دائرة المقاومة



الخروج من دائرة الذكرى إلى فضاء المقاومة
علي زبيدات – سخنين

مرت الذكرى ال٣٩ ليوم الارض مرور الكرام. كالعادة، وفي الوقت بدل الضائع، يصدر قرار لا أحد يدري بالضبط من أين، لاحياء الذكرى بتنظيم مسيرة مركزية في مثلث يوم الارض(واخرى في النقب) تنتهي بمهرجان خطابي. بحكم العادة وحسب قانون قوة الدفع الذاتي هناك دائما ضمان لنجاح المسيرة والمهرجان. وللعادة كما هو معروف سحر خاص شبيه بوسائل التخدير المختلفة التي يحتاجها كل من يريد أن يعمل شيئا ما ويبقى مرتاحا في الوقت نفسه. يبقى مقياس النجاح عدد المشاركين في المسيرة والمهرجان: يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا حسب الجو العام الذي يرافق المسيرة وحسب المسافة التي يجب قطعها من نقطة انطلاق المسيرة وحتى مكان المهرجان المركزي، هل هي طويلة، مثلا من سخنين إلى دير حنا، أم متوسطة، مثلا من سخنين إلى عرابة أو من دير حنا إلى عرابة، أو قصيرة تدور في حلقة مفرغة داخل البلد الواحد.
وغدا سوف تمر الذكرى ٦٧ للنكبة هي الاخرى سوف تمر مرور الكرام وحسب نمط ذكرى يوم الارض: مسيرة فمهرجان.
وبعد غد سوف تمر الذكرى ال٤٨ لنكسة، والاصح هزيمة ١٩٦٧ ولكن في هذه الحالة بدون مسيرة وبدون مهرجان. ربما لانه لم يعد هناك ضرورة لمثل هذه الطقوس التي قد تعكر مزاج سلطة اوسلو التي قامت على اراضي النكسة.
لنعود لذكرى يوم الارض الاقرب الينا من الناحية الزمنية. عادة، من يهتم بذكرى معينة يكتب عنها قبل مرورها ليشرح موقفه منها ويبين انتقاداته من شكل ومضمون احيائها إن كان ناقداا أو ليعبر عن رضاه إن كان مقتنعا وراضيا عن طريقةاحيائها. وقد قمت بهذه المهمة في السنوات الماضية مرات عديدة الا انه هذه السنة تعذر علي ذلك ووجدت انه لدي ما يمكن قوله بعد مرور هذه الذكرى كنوع من التقييم الذي قد يكون مفيدا في السنوات القادمة. طبعا لا ولن ادعي اني استطعت في السنوات الماضية التأثير على مجريات الامور ولن ادعي الان بأن تقييمي (النقدي) سوف يؤتر على هذه الذكرى مستقبلا.
رأيي المبدئي يقول بكل بساطة: اذا اصبحت الذكرى سجنا، هروبا، مخدرا، قيودا، دائرة مغلقة فيجب كسرها والتحرر من نيرها ومن سحرها وذلك من أجل انقاذها من نقسها اولا ومن العابثين بها ثانيا.
كلنا نتفق، كلاميا على الاقل، أن يوم الارض هو يوم نضالي ويجب أن يبقى يوما نضاليا. المشكلة تبدأ في تعريفنا وفهمنا للنضال. واضح اننا لا نجرؤ على مقارنة يوم الارض الاول الذي نقوم بإحياء ذكراه بأيام الارض التي تلته وخصوصا في السنوات الاخيرة. هل يمكن تشبيه الاضراب في يوم الارض الاول من حيث اهميته وشموليته ودوره التعبوي بالاضرابات الضئيلة التي اعلنت في بعض السنوات اللاحقة تحت ضغط الاحداث؟ وهل يمكن المقارنة بين نضال المواجهة والتحدي الذي ميز اليوم الاول وبين نضال الخطابات الذي ميز السنوات الاخيرة؟. الجميع يتغني بتحديات وبطولات وتضحيات يوم الارض الاول ولكن يا للمفارقة، الجميع أو تقريبا الجميع يهربون من شبح يوم الارض الاول ويتمنون عدم تكراره. هذا بالرغم من أن جميع الاحزاب السياسية والتنظيمات المدنية تكاد أن تتفق على أن الاسباب التي أدت إلى انفجار يوم الارض الاول ما زالت قائمة بل وتفاقمت: مصادرة الاراضي استمرت حتى لم يبق هناك تقريبا ما يصادر، خنق القرى والمدن العربية ومحاصرتها اصبح لا يطاق، هدم البيوت جار على قدم وساق بل يطول الان هدم قرى كاملة عن بكرة ابيها.
لقد احبت جماهيرنا الفلسطينية يوم الارض الاول لسببين رئيسيين: الاضراب الناجح الذي هز الاقتصاد الاسرائيلي والمواجهة البطولية لجنود وشرطة اسرائيل المدججين بالسلاح ولآلياتهم العسكرية. وبما أن اسباب انفجار يوم الارض الاول، كما قلت وكما يقول الكثيرون، ما زالت سارية المفعول بل وصلت الى ذروتها من التصعيد فلا يوجد هناك بديل عن الاضراب العام الناجح وعن المواجهة على الارض. ولكي لا افهم خطأ: نحن جماهير عزلاء سلاحنا الوحيد هو حقنا بالدفاع اراضينا والحفاظ على ما تبقى منها واسترجاع ما سلب منها وتمسكنا بهذا الحق. المواجهة هنا تعني الصمود في وجه العدوان وعدم التراجع وكل نتيجة لهذا العدوان يتحمل مسؤوليتها الطرف الآخر المدجج بالسلاح.
لقد ظن البعض أن تشكيل القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الاخيرة وقبيل يوم الارض كفيل بتصعيد النضال. هذا الظن لم يتحقق ليس لقصر الفترة الزمنية على هذه القائمة بل لأن المواجهة ليست مركبا من مركبات استراتيجيتها. نعم، يجب أن تبقى ذكرياتنا الوطنية جميعها حية ولكنها يجب ان تتمتع بحياة صحية وليس اشبه بالموت السريري كما هي عليه الان.


Wednesday, March 18, 2015

العرب قادمون العرب قادمون



العرب قادمون العرب قادمون
علي زبيدات – سخنين
"سلطة اليمين في خطر. المصوتون العرب يتحركون بكميات هائلة الى صناديق الانتخابات. الجمعيات اليسارية تنقلهم بالحافلات. اخرجوا إلى صناديق الاقتراع. احضروا اصدقائكم وعائلاتكم وصوتوا لليكود وقلصوا الفجوة. بعونكم وبعون الله سنشكل حكومة قومية تحافظ على دولة اسرائيل".
هذا ما قاله نتنياهو بالحرف الواحد لاتباعه ومؤيديه. الآن، تصوروا أن رئيس حكومة أو رئيس دولة أو رئيس حزب سياسي في أي مكان في العالم استعمل هذه العبارات في دعايته الانتخابية بعد أن غير كلمة "العرب" بكلمة" اليهود"، ماذا ستكون ردود الفعل وماذا ستكون النتائج؟ اترك الاجابة على هذا السؤال لكل واحد فيكم.
في كتابه" كفاحي" كتب ادولف هتلر عام ١٩٢٦:” تحاول الدعاية فرض المذهب على الشعب كله... دعاية تعمل على موقف الجماهير وتنطلق من فكرة تجعل الجمهور مهيئا لتقبل هذه الفكرة". (لم اقرأ كتاب كفاحي، الاقتباس مأخوذ من موسوعة الهولوكوست).
دعاية نتنياهو في الساعات الاخيرة هي تطبيق لنظرية هتلر هذه بحذافيرها. لمثل هذه الدعاية يوجد اسم واحد متعارف عليه في العالم باسره:الفاشية. بل الفاشية بحلتها الكلاسيكية النازية. كانت جريدة الحزب النازي، دير شتيرمر (المهاجم) تكتب في اسفل اعدادها:"اليهود هم حظنا السيئ". اليوم يستطيع نتنياهو، بنيت وليبرمان أن يكتبوا وهم مطمئنين في اسفل جرائدهم: “ العرب هم حظنا السيئ".
لم يهزم اليمين الصهيوني" المتطرف"، كل ما هنالك انه اعاد ترتيب صفوفه واعادة توزيع الاصوات على مركباته واصبح اقوى. بينما فشل اليمين الصهيوني" المعتدل" والذي يسمى مجازا بالوسط واليسار في أن يشكل بديلا لانه يقلد اليمين المتطرف في كل شيء ويتكلم لغته. كل ما فعله الناخب الاسرائيلي هو انه فضل الاصل على التقليد.
المشكلة ليست ولم تكن في يوم من الايام مسألة اشخاص يمكن تبديلهم من خلال انتخابات "ديمقراطية" أو كما كان يردد رئيس القائمة المشتركة:” ارسال اليمين الى الصفوف الخلفية للمعارضة". اننا أمام كيان استيطاني تجري في عروقه سموم العنصرية من رأسه إلى اخمص قدميه. الديمقراطية التي تتيح دعايات من هذا النوع هي ليست ديمقراطية بل هي اسوأ من أي نظام استبدادي، انها فاشية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. في انتظارنا العديد من قوانين نيرنبرغ العنصرية الاضافية وأمامنا ليال عديدة، وليس ليلة واحدة، من ليالي الكريستال.
ما اردت توضيحه في كل ما كتبته عن انتخابات الكنيست، للجماهير الفلسطينية الواهمة أولا وللجماهير اليهودية ثانيا وللعالم بأسره ثالثا أن هذه النظام لا يمكن مقارعته أو حتى التعامل الطبيعي معه من داخل جدران الكنيست. من الغباء أن تلعب لعبة، ولا اريد أن اقول أن تخوض معركة، في ملعب الخصم حسب القوانين والشروط التي يضعها هذا الخصم. عندما دافعنا عن موقف مقاطعة انتخابات الكنيست كان هذا التصور نصب اعيننا: الكنيست ليس برلمانا ديمقراطيا وانتخابات الكنيست ليست وسيلة ديمقراطية للنضال والتغيير. نتائج الانتخابات كفيلة بأن تعيد من كان محلقا في فضاء الاوهام ليضع قدميه مرة اخرى على ارض الواقع، وان يدأ بالتفكير كيف ينقل معركته الى مكانها الطبيعي بين الجماهير.
قد يقول البعض أن القائمة المشتركة حققت بعض احلامها واصبحت القوة الثالثة. صحيح، من حيث الكم فقط، ولكني لا اخجل من تكرار ما كتبته في مرة سابقة، تبقى الاخيرة من حيث القوة والتأثير. لقد آن الاوان بعد الاحتفال بهذا "النصر" أن يصحو المحتفلون ويدركوا انه كان مجرد حلم. فاليمين لم يتزحزح قيد انملة والبديل "اليساري" ممثلا بالمعسكر الصهيوني قد خيب الآمال.
الكنيست ليست أهم مؤسسة، بصفتها السلطة التشريعية لكيان استعماري غاصب، فحسب بل هي ايضا افضل واذكى وسيلة لضمان استمرار واستقرار هذا الكبان بما تبثه من غبار "ديمقراطي" في عيون الجماهير المسحوقة. لنغسل الغبار عن وجوهنا ونتابع المسيرة.

Wednesday, March 11, 2015

القوة الثالثة ولكن الاخيرة



القوة الثالثة ولكن الاخيرة
علي زبيدات – سخنين

اقصى ما تطمح اليه القائمة المشتركة، حسب تصريحات ممثليها المعلنة والمتكررة، هو أن تصبح القوة الثالثة في الكنيست بانجاح خمسة عشر عضوا. هذا الطموح، نظريا على الاقل، غير مؤكد ولكنه قابل للتحقيق. هناك ثلاث قوائم اخرى تنافس لاحتلال هذا الموقع وهي:" البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بانيت، "يش عتيد" برئاسة يائير لبيد و"كولانو" برئاسة موشه كحلون. وقد تستطيع اكثر من قائمة ان تعلن عن نفسها القوة الثالثة وذلك بانجاح العدد نفسه من الاعضاء. اذا كان حزب الليكود هو القوة الاولى فسوف تشكل هذه القوائم مجتمعة وكل على حدة احتياطي استراتيجي له. واذا كان "المعسكر الصهيوني" هو القوة الاولى فاعلب الظن أن تنشق القوى الثالثة على نفسها.
لنفرض جدلا أن القائمة المشتركة قد اصبحت القوة الثالثة بدون منازع وكما قلت آنفا هذا ممكن نظرياولكنها حسب رأيي ستكون القوة الثالثة عدديا فقط والاخيرة أو اقرب ما تكون للاخيرة كيفيا وفعليا. لماذا أرى ذلك؟ هنا لا اتكلم كماقطع معلن لانتخابات الكنيست بل كمراقب يهتم بما يجري حوله من تطورات على الساحة السياسية. وعلى كل مراقب ان يتحلى بدرجة من الموضوعية بقدر ما تسمح به الظروف وهذا ما اصبو اليه في هذه المقالة.
سأبدأ مراقبتي أو تحليلي بنظرة متفائلة، من وجهة نظر القائمة المشتركة: ستحقق هذه القائمة طموحها كما اعلن عنه رئيسها في شوارع الناصرة وفي اماكن عديدة اخرى وتفوز ب١٥ مقعدا بل دعوني أكون سوبر متفائل ولتفز ب١٧ مقعدا ولتصبح القوة الثالثة عدديا بدون منازع، فما هو اقصى تأثير على السياسة الاسرائيلية ممكن أن تحققه؟ خصوصا وأن الهدف المعلن لهذه القائمة هو "أن نصبح مؤثرين في السياسة الاسرائيلية".سيكون الانجاز الاكبر لهذه القائمة، كما صرح جميع قادته،ا هو منع معسكر اليمين الصهيوني بزعامة نتنياهو من العودة للسلطة وذلك عن طريق منح "المعسكر الصهيوني" جسما مانعا، أي تأييده من غير الانضمام إلى إئتلافه (لأن ظروف الانضمام غير ناضجة بعد). المثل الاعلى في هذا السيناريو هو الجسم المانع الذي شكله خمسة نواب عرب(٣ للجبهة و٢ للحزب الديمقراطي العربي) لتمكين حكومة رابين، قبل اكثر من عشرين سنة، من تمرير اتفاقيات اوسلو مقابل بعض الوعود والميزانيات للوسط العربي. بالرغم من فشل اتفاقيات اوسلو وبالرغم من نتائجها السلبية التي ما زلنا نعاني منها، ما زالت الاحزاب العربية تشعر بنوستالجيا شديدة لتجربة الجسم المانع حيث شعرت للمرة الاولى بنوع من التأثير.
الانجاز الثاني الذي قد تحققه القائمة المشتركة في حالة فشل القوتان الاولى والثانية من تشكيل الحكومة واتفقتا على تشكيل حكومة وحدة وطنية فسوف تصبح القائمة المشتركة زعيمة المعارضة وسوف يصبح رئيسها رئيس المعارضة لاول مرة في تاريخ اسرائيل. هذه المكانة "المحترمة" تدغدغ منذ فترة خيال أيمن عودة الذي صرح بنوع من الكبرياء بانه قد يصبح رئيسا لمعارضة في الكنيست.
ولكن هناك سيناريوهات أخرى أقل تفاؤلا ولكن اكثر واقعية وفي جميعها نصيب القائمة المشتركة، القوة الثالثة هو التهميش. ففي جميع السيناريوهات ستكون القوى الرابعة فما تحت أقوى من القوة الثالثة بما يخالف جميع قوانين ارخميدس ونيوتن حول القوة. وهكذا سوف تتقلص وتتقهقر احلام وطموحات الفائمة المشتركة من الجسم المانع إلى تزعم المعارضة وتنتهي كالعادة الى كتلة هامشية تحترف الخطابات والوقوف امام الكاميرات تلعب دور البطولة في مسرحية شكسبير: "جعجعة كبيرة بلا طحن" “Much Ado About Nothing”.
كان امام القائمة المشتركة الفرصة لكي تصبح القوة الاولى ليس كما فحسب ولكن كيفا أيضا لو كان لديها الجرأة لتقول: سوف نغير قواعد اللعبة. هذه الكنيست ليست لنا فاسرحوا وامرحوا في باحاتها بيمينكم ووسطكم ويساركم كما يحلو لكم. لن نكون ورقة توت لستر عوراتكم ولن نكون شهود زور على ديمقراطيتكم المزيفة. سوف نغادر اسوار الكنيست وننطلق إلى الفضاء الرحب ونعمل على بناء مؤسساتنا الوطنية التقدمية التي سوف تتسع للجميع.
طبعا، نعرف جميعنا ان القائمة المشتركة غير مبينة لمثل هذا الخطاب ولا داعي للتماهي بالتمنيات الوهمية. هل كتب علينا ان نلعب ادوارا ثانوية في مسرحية: في انتظار غودو؟

Wednesday, March 04, 2015

من الكنيست إلى الكونغرس وبالعكس



من الكنيست إلى الكونغرس وبالعكس
علي زبيدات – سخنين

مشاهد احتفاء اعضاء الكونغرس في واشنطن برئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو لا تثير القرف والغثيان فحسب بل تحتم أيضا اعادة النظر في جوهر الديمقراطية الغربية التي يقدسها غالبية المثقين العرب وينافقها رجال السياسة. هل الكونغرس حقا اكثر المؤسسات الديمقراطية عراقة في العالم؟ وهل هؤلاء الذين وقفوا مصفقين لنتنياهو وكأنه حل عليهم من كوكب آخر يمثلون اقوى دولة في العصر الحديث والتي تسمى مجازا زعيمة العالم الحر؟
لست هنا بصدد الخوض في مساوئ وسلبيات هذه الديمقراطية التي يعترف بها ويروج لها من يسمون انفسهم دبمقراطيين مرددين، في احسن الحالات، ما قاله احد اكبر زعماء الديمقراطية اللاديمقراطيين ونستون تشرتشل:" الديمقراطية اسوأ النظم السياسية ولكن لا يوجد نظام آخر افضل منها". فهذا الموضوع تعج به الدراسات والكتب السياسية على انواعها وغاياتها. ما يهمني هنا هو اثارة مشكل الديمقراطية كقيمة اخلاقية قبل ان تكون مصطلحا سياسيا واجتماعيا تتناقض ممارستها مع نظريتها.
تنبع مشكلتي مع الديمقراطية من إن جميع مفكريها ومنظريها عرضوها علينا عالميا وعربيا بانها النقيض للديكتاتورية ومن ثم البديل لها وليس كما هي في الواقع: شكل آخر من اشكال الديكتاتورية. للتوضيح فقط: انظمة الحكم تختلف فيما بينها كثيرا أو قليلا ولكنها لا تصل إلى درج تتناقض. النقيض لنظام الحكم (بغض النظر عن شكله) هو نفيه، الغائه وليس تغيير شكله. الديمقراطية كما هو متعارف عليها هي شكل من اشكال الحكم كما أن الديكتاتورية، الارستقراطية، الثيوقراطية وغيرها هي الاخرى شكل من اشكال الحكم. طبعا، من الشرعي جدا المقارنة بينها وبين باقي الاشكال وتفضيلها على غيرها ولكن هذا لا يجعلها النظام الامثل والدليل على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ما اتحفنا به الكونغرس الامريكي مؤخرا وما نعرفه ونلمسه من سياسات الاخ الاصغر٬ الكنيست الاسرائيلي.
الديمقراطية هي ديكتاتورية الاغلبية. وهذه الاغلبية هي في جميع الحالات اغلبية نسبية وفي معظم الحالات هي اغلبية وهمية أو مزيفة. لنأخذ انتخاب الرئيس الامريكي مثلا: لا يشارك نصف السكان تقريبا في هذه الانتخابات. ينال المرشح الفائز عادة اكثر بقليل من نصف الاصوات. والنتيجة هي أن الرئيس المنتخب لا يمثل اكثر من ربع السكان الا قليلا. طبعا هذا بدون أن نأخذ عوامل اخرى بالحسبان مثل غياب الوعي والجهل وصرف الاموال الطائلة على الرشوات والفساد والوعود وغيرها. الامر نفسه ينطبق على اعضاء الكونغرس المصفقين. وبالتالي يقولون لنا هذه ارادة الاغلبية أو هذه ارادة الشعب. العملية نفسها سارية المفعول في الديمقراطية الاسرائيلية في انتخابات الكنيست: الحزب الاكبر عادة لا يتجاوز نسبة ٢٠٪ من المصوتين (٢٤ عضو من مجموع ١٢٠) الذين تتراوح نسبتهم من السكان ٥٠-٦٠٪ فقط. وتشكيل إئتلاف من نصف النواب أو اكثر قليلا لا يكون سوى أغلبية مزيفة ليس فقط بسبب اسقاط غير المصوتين من الحساب بل لأن الائتلاف الحكومي بقوم على تقاسم الغنائم فقط ولا يشكل جسما واحدا.
مع كل الاحترام والتقدير للديمقراطية اليونانية القديمة (التي استثنت اكثر من نصف المجتمع: العبيد والنساء) ولمفكري عصر النهضة والثورات البرجوازية في اوروبا من امثال جون لوك، جان جاك روسو،مونتسكيه وغيرهم الذين شرعوا من حيث يدرون او لا يدرون اضطهاد طبقة لطبقة اخرى واضطهاد شعب لشعب آخر، فإن الديمقراطية قد تكون افضل النظم السياسية الموجودة ولكنها ليست جيدة بما فيه الكفاية لدرجة الفبول بها والتوقف عن السعي للتحقيق اقضل منها. ما دامت الانتخابات كما نعرفها تشكل العمود الفقري لهذه الديمقراطية، هذه الانتخابات التي تسفر عن انتخاب اشخاص مثل هتلر وموسيليني وتشرشل وبوش ونتنياهو ومن هم على شاكلتهم فمن الضروري اعادة النظر بكل ما يمت اليها بصلة.
مع الاعتذار لجورج برنارد شو الذي قال:" من عيوب الديمقراطية انها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى"، لن استمع لرأي الحمقى الذين يصفقون لمجرم حرب بل هم انفسهم مجرمو حرب في افغانستان والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها من بلدان العالم. ولن استمع لرأي حمقى الكنيست المهووسين بارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وضد الانسانية.
ديمقراطية الكنيست وديمقراطية الكونغرس التي تقوم عى اثارة الحروب والصراعات والفتن الدينية والطائفية لا تمثلني. الديمقراطية التي تقوم على العنصرية والتمييز والاستغلال والقمع باسم القانون الذي سنه الحمقى لا تمثلني. انتخابات الكنيست التي تعطي بعض الفلسطينيين الحق في اختيار من من الطبقة الصهيونية السائدة سوف يستمر في تشريد وقمع باقي الشعب الفلسطيني لا تمثلني ويجب مقاطعتها.

Wednesday, February 25, 2015

أوهامكم تقتلنا



أوهامكم تقتلنا
علي زبيدات – سخنين
من يريد أن يقوم بعمل، أي عمل، سوف يجد أكثر مما يحتاجه من تبريرات ومسوغات تضفي على عمله هذا فناعا من الضرورة والفائدة تؤدي إلى تسويقه ومن ثم قبوله بغض النظر عن طبيعته، اهدافه ونتائجه. وقد تبدو بعض هذه التبريرات والمسوغات للوهلة الاولى جيدة ومنطقية وعقلانية، وقد تجد العديد من المصدقين والمتقبلين. ليس من السهل ان يقوم شخصب بالتخلي عن قناعاته أو بتغييرها، حتى عندما تثير هذه القناعات بينه وبين نفسه الشكوك والتساؤلات. من اجل التخلي عن القناعات او تغييرها يحتاج الانسان الى قدرات فكرية ووجدانية كامنة هائلة خصوصا عندما تكون هذه القناعات حقيقية تجعله يتفوق على نفسه.
لقد مر على حل الكنيست لنفسها وتعيين تاريخ لانتخابات جديدة شهران ونصف ونيف، قضت الاحزاب العربية معظم هذه الفترة في محاولات حتى استطاعت أن تتوصل الى صيغة مشتركة مكنت اربعة منها تشكيل قائمة مشتركة لخوض هذه الانتخابات، وانطلقت بحملتها الانتخابية منذ اسبوعين بالتقريب. ظن الكثيرون ان الفترة التي تفصل بين حل الكنيست لنفسها واجراء انتخابات جديدة، تخللتها محاولات مضنية لتشكيل القائمة المشتركة، قصيرة جدا قد ابقىت وقتا ضيقا للدعاية الانتخابية، التي يفضل المشاركون دعوتها بالحملة أو المعركة الانتخابية. ولكن بعد مشاهدة كل ما نشر من مقاطع فيديو دعائية وقراءة كل او معظم ما كتب من تقارير وتصريحات ومقابلات واجتماعات ومؤتمرات صحفية توصلت الى نتيجة عكسية مفادها ان فترة الدعاية الانتخابية طويلة جدا تكاد لا تنتهي، وتمنيت لو يأتي ١٧ اذار غدا لكي نطوي هذه الصفحة ونعود الى حياتنا الطبيعية مهما كانت روتينية ومملة.
لقد قال اقطاب ومركبات القائمة المشتركة في هذه الفترة الوجيزة كل ما ارادوا قوله واكثر، وها هم يكررون ما يقولونه في كل مكان تقودهم اليه اقدامهم حتى حفظنا ما يقولونه عن ظهر قلب: عن الوحدة التاريخية، ومنع اليمين من العودة للسلطة وارساله للمقاعد الخلفية، ومواجهة العنصرية والفاشية، والنضال ضد الاحتلال والاستيطان والتمييز والفقر والبطالة، والنضال من اجل السلام العادل والمساواة والعدالة الاجتماعية. هل نسيت شيئا؟
وللامانة اقول ان المقاطعين وانا واحد منهم قد قالوا هم ايضا كل ما ارادوا قوله وهم اليوم يكررون انفسهم. لقد انتبهت مؤخرا ان كل ما كتبته في الشهرين المنصرمين حول مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني كنت قد كتبته قبل سنتين، قبيل الانتخابات الماضية وقبل ست سنوات وها انا اكرر ما قلته، وزملائي في المقاطعة هم ايضا لم يأتوا بجديد لانه لا جديد تحت الشمس في هذا الموضوع.
كنت سأوافق بدون تحفظ مع كلمات كتبها ونشرها المرشح الاول للقائمة المشتركة أيمن عودة:”خصمنا الاساسي اليوم هو اليأس وغريمنا الاساسي اليوم اللامبالاة وقلة الحيلة، ولدينا فرصة حقيقية للخروج من عنق الزجاجة...”. ولكن يبدو انه لكل منا يأسه الخاص، ولامبالاته الخاصة وقلة حيلته الخاصة. انا شخصيا يئست من اقناع المقتنعين المؤمنين بإن انتخابات الكنيست هي "واجب وطني"، ولا ابالي لمن سيصوتون فكل الاصوات سوف تصب في نهاية المطاف بحضن الكنيست الدافئ، واشعر ليس بقلة الحيلة فحسب بل بانعدامها، فالعين بصيرة واليد قصيرة. بشيء واحد اختلف جذريا ومبدئيا مع كلمات ايمن عودة وهي ان الكنيست هي الزجاجة والانتخابات هي طريق الدخول لعنق الزجاجة وليس للخروج منها. هل يمكن اتباع سياسة "النأي بالنفس" ؟ مع الاعتذار لرئيس مجلس الوزراء اللبناني نجيب الميقاتي.
اذا كانت "ديمقراطية" الثورة في تونس قد تمخضت عن انتخاب الباجي قايد السبسي احد اقطاب الفساد في النظام البائد، واذا كانت "ديمقراطية" ثورة الملايين في مصر قد ادت الى انتخاب عبدالفتاح السيسي الذي سبق اسلافه خلال سنة واحدة من الحكم، واذا كانت "الديمقراطيات" المعروضة علينا في العالم العربي أسوأ من انظمة الاستبداد فلماذا نستغرب ممن يؤمن بان زيادة تمثيله في الكنيست الصهيوني هو طريق الخلاص؟
لا تقل للمغني غني حتى تنطلق حنجرته بالغناء من تلقاء نفسه، ولا تقل للمزمر زمر حتى يتناول مزماره بنفسه وتنطلق انفاسه ملئ السماء، ولا تقل للراقص ارقص حتى يقفز لوحده الى حلبة الرقص ويطلق لقدميه العنان. قريبا سوف تلمسون اوهام واقعيتكم وسوف نغني ونزمر ونرقص جميعا خارج الكنيست.

Wednesday, February 18, 2015

كذبة مستمرة تبحث عن مصدقين



كذبة مستمرة تبحث عن مصدقين
علي زبيدات – سخنين

ما زالت صور نتنياهو تملأ الشبكة العنكبوتية وهو يزاحم قادة اوروبا وغيرهم لكي يصل إلى الصف الامامي في مسيرة باريس بعد الهجوم على جريدة شارلي ابدو والمتجر اليهودي. هذه الصور التي اثارت خحل وسخرية حتى الكثيرين من مؤيدي رئيس الحكومة الاسرائيلي. لم تكن مشاركة نتنياهو بهذا الشكل بدافع حرصه على حرية التعبير عن الرأي أو قلقه على حقوق الانسان أو حتى محاربته للإرهاب. فالعالم، ومن بينهم من سار إلى جانبه من الزعماء الدوليين يعرف باعه الطويل في كبت حرية التعبير وخرق حقوق الانسان وممارسة الارهاب على شعب كامل هذا بالاضافة الى كونه مطلوبا في عدة اماكن بتهمة ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.
في هذه المسيرة تفوق نتنياهو على نفسه عندما وجه دعوة إلى يهود فرنسا بترك كل شيء فورا والهجرة إلى إسرائيل التي تشكل "المكان الوحيد الآمن لليهود في العالم”. رئيس الحكومة الفرنسية رد بخجل على دعوة نتنياهو هذه عندما قال: "أن فرنسا لن تبقى فرنسا إذا رحل عنها اليهود الفرنسيون”. ولكن الرد الحاسم جاء من يهود فرنسا انفسهم، فهم يعرفون تمام المعرفة ان هذا المكان "الآمن" هو في الحقيقة اخطر مكان على وجه الارض ليس فقط لليهود بل لشعوب المنطقة وللسلم العالمي أيضا.
لم تكن دعوة نتنياهو هذه في باريس الدعوة الاولى ولن تكون الاخيرة. ففي الاسبوع الماضي عاد ودعا يهود الدنمارك بل يهود اوروبا جميعهم بالاسراع للهجرة إلى اسرائيل قبل أن تمد اليهم يد اللاسامية المتنامية والارهاب الاسلامي. مرة اخرى جاء الرد حاسما من قبل اليهود انفسهم الذين قالوا بشكل لا يقبل التأويل: لا شكرا، لن تخدعنا مثل هذه الدعوات الكاذبة.
الواقع يقول أن الذين يهربون من دولة اسرائيل "الآمنة) أضعاف من يلجؤون اليها بحثا عن الامن. ومن لا يرحل بسبب الاوضاع الامنية يرحل بسبب الاوضاع الاقتصادية. لقد كان الاحرى بالدول الاوروبية، والدول العربية ايضا، أن تتوجه هي إلى يهودها الذين هاجروا إلى اسرائيل في الماضي وتدعوهم للعودة الى اوطانهم الاصلية. ليس فقط لان هذه البلاد اكثر امنا لليهود، بل ايضا لان جذورهم الحياتية التي قطعتها الصهيونية بأكاذيبها ووعودها الزائفة ما زالت حية هناك.
يحاول نتنياهو بكل ما يملك من حنكة ودهاء أن يكرر الكذبة الكبرى التي اخترعتها الحركة الصهيونية في اعقاب الحرب العالمية الثانية وانطلت على العديد من الشعوب الاوربية وغيرها والتي تقول: ان الضمان الوحيد لعدم تكرار ما حدث في اوروبا في تلك الفترة يحتم اقامة دولة يهودية قي فلسطين تحمي يهود العالم الذين يتعرضون للابادة. مما لا شك في ان هذه الكذبة قد ساهمت الى حد كبير في اقامة دولة اسرائيل وقد تحولت مع الوقت الى ابتزاز سافر ما زالت تستعمله الدولة في كل مناسبة وبدون مناسبة. في اماكن اخرى مثل العراق، مصر، المغرب، اليمن مارست الحركة الصهيونية شتى اشكال الارهاب ضد اليهود لاقناعهم بالهجرة الى المكان "الآمن الوحيد في العالم" لهم. ومن صدق هذه الكذبة وجد نفسه يسكن مكشوفا في المناطق الحدودية لكي يكون خط الدفاع الامامي للمستعمرين الجدد الاوروبيين، ومن ثم تم تجنيدهم في جيش زج في حروب لها اول وما لها آخر. فقد خاضت هذه الدولة منذ قيامها عشرات الحروب، منها الاقليمية والمحلية، الكبيرة والصغيرة وعدد لا يحصى من العمليات العدائية. هذا بالاضافة الى ان تشريد الشعب الفلسطيني ونهب ارضة ووقوعه تحت نير الاحتلال قد أوجد مقاومة مستمرة من ضمن من يدفع ثمنها هم اليهود الذين خدعوا للمجيئ الى هذا المكان "الآمن”.
كذبة المكان الآمن ليست حصرا على نتنياهو وعلى حزبه او على باقي الاحزاب الصهيونية بيمينها ووسطها ويسارها فحسب بل تشمل جميع الاحزاب التي تستظل بالكنيست بما فيها الاحزاب العربية التي تتخيل نفسها خارج اللعبة الصهيونية، لأن الكنيست هي التي تحمل كافة الاكاذيب والاساطير الصهيونية وتوزعها على اعضائها. صحيح، ليس بالتساوي ولكن في نهاية المطاف كل عضو يأخذ نصيبه منها. عندما زار النائب محمد بركة ضمن وفد من الكنيست قبل خمسة اعوام، معسكر أوشفيتز هل كان يمثل ضحايا النازية أو اللاجئين الفلسطينيين أم كان يمثل الكنيست الصهيوني؟ أنا طبعا لست ضد زيارة معسكرات التركيز النازية، بالعكس، يجب على كل فلسطيني قادر ان يقوم بذلك ليس فقط لكي يكشف العلاقة الوثيقة بين مقترفي الجرائم النازية ومقترفي الجرائم الصهيونية بل ايضا لكي يكشف العلاقة بين ضحايا النازية وضحايا الصهيونية.
لا يمكن أن تكون مناهضا للعنصرية وفي الوقت نفسه تكون عضوا في أعتى منظمة عنصرية. لا يمكن ان تقسم يمين الولاء لنظام ابرتهايد امام ارفع مؤسسة له وتدعي في الوقت نفسه مناهضة الابرتهايد.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا وبحاجة الى اجابة صريحة وجريئة هو: هل الاحزاب العربية الكنيستية تمثل الجماهير الفلسطينية في الكنيست أم انها تمثل الكنيست عند الجماهير الفلسطينية؟