Wednesday, April 01, 2015

الخروج من دائرة الذكرى إلى دائرة المقاومة



الخروج من دائرة الذكرى إلى فضاء المقاومة
علي زبيدات – سخنين

مرت الذكرى ال٣٩ ليوم الارض مرور الكرام. كالعادة، وفي الوقت بدل الضائع، يصدر قرار لا أحد يدري بالضبط من أين، لاحياء الذكرى بتنظيم مسيرة مركزية في مثلث يوم الارض(واخرى في النقب) تنتهي بمهرجان خطابي. بحكم العادة وحسب قانون قوة الدفع الذاتي هناك دائما ضمان لنجاح المسيرة والمهرجان. وللعادة كما هو معروف سحر خاص شبيه بوسائل التخدير المختلفة التي يحتاجها كل من يريد أن يعمل شيئا ما ويبقى مرتاحا في الوقت نفسه. يبقى مقياس النجاح عدد المشاركين في المسيرة والمهرجان: يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا حسب الجو العام الذي يرافق المسيرة وحسب المسافة التي يجب قطعها من نقطة انطلاق المسيرة وحتى مكان المهرجان المركزي، هل هي طويلة، مثلا من سخنين إلى دير حنا، أم متوسطة، مثلا من سخنين إلى عرابة أو من دير حنا إلى عرابة، أو قصيرة تدور في حلقة مفرغة داخل البلد الواحد.
وغدا سوف تمر الذكرى ٦٧ للنكبة هي الاخرى سوف تمر مرور الكرام وحسب نمط ذكرى يوم الارض: مسيرة فمهرجان.
وبعد غد سوف تمر الذكرى ال٤٨ لنكسة، والاصح هزيمة ١٩٦٧ ولكن في هذه الحالة بدون مسيرة وبدون مهرجان. ربما لانه لم يعد هناك ضرورة لمثل هذه الطقوس التي قد تعكر مزاج سلطة اوسلو التي قامت على اراضي النكسة.
لنعود لذكرى يوم الارض الاقرب الينا من الناحية الزمنية. عادة، من يهتم بذكرى معينة يكتب عنها قبل مرورها ليشرح موقفه منها ويبين انتقاداته من شكل ومضمون احيائها إن كان ناقداا أو ليعبر عن رضاه إن كان مقتنعا وراضيا عن طريقةاحيائها. وقد قمت بهذه المهمة في السنوات الماضية مرات عديدة الا انه هذه السنة تعذر علي ذلك ووجدت انه لدي ما يمكن قوله بعد مرور هذه الذكرى كنوع من التقييم الذي قد يكون مفيدا في السنوات القادمة. طبعا لا ولن ادعي اني استطعت في السنوات الماضية التأثير على مجريات الامور ولن ادعي الان بأن تقييمي (النقدي) سوف يؤتر على هذه الذكرى مستقبلا.
رأيي المبدئي يقول بكل بساطة: اذا اصبحت الذكرى سجنا، هروبا، مخدرا، قيودا، دائرة مغلقة فيجب كسرها والتحرر من نيرها ومن سحرها وذلك من أجل انقاذها من نقسها اولا ومن العابثين بها ثانيا.
كلنا نتفق، كلاميا على الاقل، أن يوم الارض هو يوم نضالي ويجب أن يبقى يوما نضاليا. المشكلة تبدأ في تعريفنا وفهمنا للنضال. واضح اننا لا نجرؤ على مقارنة يوم الارض الاول الذي نقوم بإحياء ذكراه بأيام الارض التي تلته وخصوصا في السنوات الاخيرة. هل يمكن تشبيه الاضراب في يوم الارض الاول من حيث اهميته وشموليته ودوره التعبوي بالاضرابات الضئيلة التي اعلنت في بعض السنوات اللاحقة تحت ضغط الاحداث؟ وهل يمكن المقارنة بين نضال المواجهة والتحدي الذي ميز اليوم الاول وبين نضال الخطابات الذي ميز السنوات الاخيرة؟. الجميع يتغني بتحديات وبطولات وتضحيات يوم الارض الاول ولكن يا للمفارقة، الجميع أو تقريبا الجميع يهربون من شبح يوم الارض الاول ويتمنون عدم تكراره. هذا بالرغم من أن جميع الاحزاب السياسية والتنظيمات المدنية تكاد أن تتفق على أن الاسباب التي أدت إلى انفجار يوم الارض الاول ما زالت قائمة بل وتفاقمت: مصادرة الاراضي استمرت حتى لم يبق هناك تقريبا ما يصادر، خنق القرى والمدن العربية ومحاصرتها اصبح لا يطاق، هدم البيوت جار على قدم وساق بل يطول الان هدم قرى كاملة عن بكرة ابيها.
لقد احبت جماهيرنا الفلسطينية يوم الارض الاول لسببين رئيسيين: الاضراب الناجح الذي هز الاقتصاد الاسرائيلي والمواجهة البطولية لجنود وشرطة اسرائيل المدججين بالسلاح ولآلياتهم العسكرية. وبما أن اسباب انفجار يوم الارض الاول، كما قلت وكما يقول الكثيرون، ما زالت سارية المفعول بل وصلت الى ذروتها من التصعيد فلا يوجد هناك بديل عن الاضراب العام الناجح وعن المواجهة على الارض. ولكي لا افهم خطأ: نحن جماهير عزلاء سلاحنا الوحيد هو حقنا بالدفاع اراضينا والحفاظ على ما تبقى منها واسترجاع ما سلب منها وتمسكنا بهذا الحق. المواجهة هنا تعني الصمود في وجه العدوان وعدم التراجع وكل نتيجة لهذا العدوان يتحمل مسؤوليتها الطرف الآخر المدجج بالسلاح.
لقد ظن البعض أن تشكيل القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الاخيرة وقبيل يوم الارض كفيل بتصعيد النضال. هذا الظن لم يتحقق ليس لقصر الفترة الزمنية على هذه القائمة بل لأن المواجهة ليست مركبا من مركبات استراتيجيتها. نعم، يجب أن تبقى ذكرياتنا الوطنية جميعها حية ولكنها يجب ان تتمتع بحياة صحية وليس اشبه بالموت السريري كما هي عليه الان.


Wednesday, March 18, 2015

العرب قادمون العرب قادمون



العرب قادمون العرب قادمون
علي زبيدات – سخنين
"سلطة اليمين في خطر. المصوتون العرب يتحركون بكميات هائلة الى صناديق الانتخابات. الجمعيات اليسارية تنقلهم بالحافلات. اخرجوا إلى صناديق الاقتراع. احضروا اصدقائكم وعائلاتكم وصوتوا لليكود وقلصوا الفجوة. بعونكم وبعون الله سنشكل حكومة قومية تحافظ على دولة اسرائيل".
هذا ما قاله نتنياهو بالحرف الواحد لاتباعه ومؤيديه. الآن، تصوروا أن رئيس حكومة أو رئيس دولة أو رئيس حزب سياسي في أي مكان في العالم استعمل هذه العبارات في دعايته الانتخابية بعد أن غير كلمة "العرب" بكلمة" اليهود"، ماذا ستكون ردود الفعل وماذا ستكون النتائج؟ اترك الاجابة على هذا السؤال لكل واحد فيكم.
في كتابه" كفاحي" كتب ادولف هتلر عام ١٩٢٦:” تحاول الدعاية فرض المذهب على الشعب كله... دعاية تعمل على موقف الجماهير وتنطلق من فكرة تجعل الجمهور مهيئا لتقبل هذه الفكرة". (لم اقرأ كتاب كفاحي، الاقتباس مأخوذ من موسوعة الهولوكوست).
دعاية نتنياهو في الساعات الاخيرة هي تطبيق لنظرية هتلر هذه بحذافيرها. لمثل هذه الدعاية يوجد اسم واحد متعارف عليه في العالم باسره:الفاشية. بل الفاشية بحلتها الكلاسيكية النازية. كانت جريدة الحزب النازي، دير شتيرمر (المهاجم) تكتب في اسفل اعدادها:"اليهود هم حظنا السيئ". اليوم يستطيع نتنياهو، بنيت وليبرمان أن يكتبوا وهم مطمئنين في اسفل جرائدهم: “ العرب هم حظنا السيئ".
لم يهزم اليمين الصهيوني" المتطرف"، كل ما هنالك انه اعاد ترتيب صفوفه واعادة توزيع الاصوات على مركباته واصبح اقوى. بينما فشل اليمين الصهيوني" المعتدل" والذي يسمى مجازا بالوسط واليسار في أن يشكل بديلا لانه يقلد اليمين المتطرف في كل شيء ويتكلم لغته. كل ما فعله الناخب الاسرائيلي هو انه فضل الاصل على التقليد.
المشكلة ليست ولم تكن في يوم من الايام مسألة اشخاص يمكن تبديلهم من خلال انتخابات "ديمقراطية" أو كما كان يردد رئيس القائمة المشتركة:” ارسال اليمين الى الصفوف الخلفية للمعارضة". اننا أمام كيان استيطاني تجري في عروقه سموم العنصرية من رأسه إلى اخمص قدميه. الديمقراطية التي تتيح دعايات من هذا النوع هي ليست ديمقراطية بل هي اسوأ من أي نظام استبدادي، انها فاشية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. في انتظارنا العديد من قوانين نيرنبرغ العنصرية الاضافية وأمامنا ليال عديدة، وليس ليلة واحدة، من ليالي الكريستال.
ما اردت توضيحه في كل ما كتبته عن انتخابات الكنيست، للجماهير الفلسطينية الواهمة أولا وللجماهير اليهودية ثانيا وللعالم بأسره ثالثا أن هذه النظام لا يمكن مقارعته أو حتى التعامل الطبيعي معه من داخل جدران الكنيست. من الغباء أن تلعب لعبة، ولا اريد أن اقول أن تخوض معركة، في ملعب الخصم حسب القوانين والشروط التي يضعها هذا الخصم. عندما دافعنا عن موقف مقاطعة انتخابات الكنيست كان هذا التصور نصب اعيننا: الكنيست ليس برلمانا ديمقراطيا وانتخابات الكنيست ليست وسيلة ديمقراطية للنضال والتغيير. نتائج الانتخابات كفيلة بأن تعيد من كان محلقا في فضاء الاوهام ليضع قدميه مرة اخرى على ارض الواقع، وان يدأ بالتفكير كيف ينقل معركته الى مكانها الطبيعي بين الجماهير.
قد يقول البعض أن القائمة المشتركة حققت بعض احلامها واصبحت القوة الثالثة. صحيح، من حيث الكم فقط، ولكني لا اخجل من تكرار ما كتبته في مرة سابقة، تبقى الاخيرة من حيث القوة والتأثير. لقد آن الاوان بعد الاحتفال بهذا "النصر" أن يصحو المحتفلون ويدركوا انه كان مجرد حلم. فاليمين لم يتزحزح قيد انملة والبديل "اليساري" ممثلا بالمعسكر الصهيوني قد خيب الآمال.
الكنيست ليست أهم مؤسسة، بصفتها السلطة التشريعية لكيان استعماري غاصب، فحسب بل هي ايضا افضل واذكى وسيلة لضمان استمرار واستقرار هذا الكبان بما تبثه من غبار "ديمقراطي" في عيون الجماهير المسحوقة. لنغسل الغبار عن وجوهنا ونتابع المسيرة.

Wednesday, March 11, 2015

القوة الثالثة ولكن الاخيرة



القوة الثالثة ولكن الاخيرة
علي زبيدات – سخنين

اقصى ما تطمح اليه القائمة المشتركة، حسب تصريحات ممثليها المعلنة والمتكررة، هو أن تصبح القوة الثالثة في الكنيست بانجاح خمسة عشر عضوا. هذا الطموح، نظريا على الاقل، غير مؤكد ولكنه قابل للتحقيق. هناك ثلاث قوائم اخرى تنافس لاحتلال هذا الموقع وهي:" البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بانيت، "يش عتيد" برئاسة يائير لبيد و"كولانو" برئاسة موشه كحلون. وقد تستطيع اكثر من قائمة ان تعلن عن نفسها القوة الثالثة وذلك بانجاح العدد نفسه من الاعضاء. اذا كان حزب الليكود هو القوة الاولى فسوف تشكل هذه القوائم مجتمعة وكل على حدة احتياطي استراتيجي له. واذا كان "المعسكر الصهيوني" هو القوة الاولى فاعلب الظن أن تنشق القوى الثالثة على نفسها.
لنفرض جدلا أن القائمة المشتركة قد اصبحت القوة الثالثة بدون منازع وكما قلت آنفا هذا ممكن نظرياولكنها حسب رأيي ستكون القوة الثالثة عدديا فقط والاخيرة أو اقرب ما تكون للاخيرة كيفيا وفعليا. لماذا أرى ذلك؟ هنا لا اتكلم كماقطع معلن لانتخابات الكنيست بل كمراقب يهتم بما يجري حوله من تطورات على الساحة السياسية. وعلى كل مراقب ان يتحلى بدرجة من الموضوعية بقدر ما تسمح به الظروف وهذا ما اصبو اليه في هذه المقالة.
سأبدأ مراقبتي أو تحليلي بنظرة متفائلة، من وجهة نظر القائمة المشتركة: ستحقق هذه القائمة طموحها كما اعلن عنه رئيسها في شوارع الناصرة وفي اماكن عديدة اخرى وتفوز ب١٥ مقعدا بل دعوني أكون سوبر متفائل ولتفز ب١٧ مقعدا ولتصبح القوة الثالثة عدديا بدون منازع، فما هو اقصى تأثير على السياسة الاسرائيلية ممكن أن تحققه؟ خصوصا وأن الهدف المعلن لهذه القائمة هو "أن نصبح مؤثرين في السياسة الاسرائيلية".سيكون الانجاز الاكبر لهذه القائمة، كما صرح جميع قادته،ا هو منع معسكر اليمين الصهيوني بزعامة نتنياهو من العودة للسلطة وذلك عن طريق منح "المعسكر الصهيوني" جسما مانعا، أي تأييده من غير الانضمام إلى إئتلافه (لأن ظروف الانضمام غير ناضجة بعد). المثل الاعلى في هذا السيناريو هو الجسم المانع الذي شكله خمسة نواب عرب(٣ للجبهة و٢ للحزب الديمقراطي العربي) لتمكين حكومة رابين، قبل اكثر من عشرين سنة، من تمرير اتفاقيات اوسلو مقابل بعض الوعود والميزانيات للوسط العربي. بالرغم من فشل اتفاقيات اوسلو وبالرغم من نتائجها السلبية التي ما زلنا نعاني منها، ما زالت الاحزاب العربية تشعر بنوستالجيا شديدة لتجربة الجسم المانع حيث شعرت للمرة الاولى بنوع من التأثير.
الانجاز الثاني الذي قد تحققه القائمة المشتركة في حالة فشل القوتان الاولى والثانية من تشكيل الحكومة واتفقتا على تشكيل حكومة وحدة وطنية فسوف تصبح القائمة المشتركة زعيمة المعارضة وسوف يصبح رئيسها رئيس المعارضة لاول مرة في تاريخ اسرائيل. هذه المكانة "المحترمة" تدغدغ منذ فترة خيال أيمن عودة الذي صرح بنوع من الكبرياء بانه قد يصبح رئيسا لمعارضة في الكنيست.
ولكن هناك سيناريوهات أخرى أقل تفاؤلا ولكن اكثر واقعية وفي جميعها نصيب القائمة المشتركة، القوة الثالثة هو التهميش. ففي جميع السيناريوهات ستكون القوى الرابعة فما تحت أقوى من القوة الثالثة بما يخالف جميع قوانين ارخميدس ونيوتن حول القوة. وهكذا سوف تتقلص وتتقهقر احلام وطموحات الفائمة المشتركة من الجسم المانع إلى تزعم المعارضة وتنتهي كالعادة الى كتلة هامشية تحترف الخطابات والوقوف امام الكاميرات تلعب دور البطولة في مسرحية شكسبير: "جعجعة كبيرة بلا طحن" “Much Ado About Nothing”.
كان امام القائمة المشتركة الفرصة لكي تصبح القوة الاولى ليس كما فحسب ولكن كيفا أيضا لو كان لديها الجرأة لتقول: سوف نغير قواعد اللعبة. هذه الكنيست ليست لنا فاسرحوا وامرحوا في باحاتها بيمينكم ووسطكم ويساركم كما يحلو لكم. لن نكون ورقة توت لستر عوراتكم ولن نكون شهود زور على ديمقراطيتكم المزيفة. سوف نغادر اسوار الكنيست وننطلق إلى الفضاء الرحب ونعمل على بناء مؤسساتنا الوطنية التقدمية التي سوف تتسع للجميع.
طبعا، نعرف جميعنا ان القائمة المشتركة غير مبينة لمثل هذا الخطاب ولا داعي للتماهي بالتمنيات الوهمية. هل كتب علينا ان نلعب ادوارا ثانوية في مسرحية: في انتظار غودو؟

Wednesday, March 04, 2015

من الكنيست إلى الكونغرس وبالعكس



من الكنيست إلى الكونغرس وبالعكس
علي زبيدات – سخنين

مشاهد احتفاء اعضاء الكونغرس في واشنطن برئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو لا تثير القرف والغثيان فحسب بل تحتم أيضا اعادة النظر في جوهر الديمقراطية الغربية التي يقدسها غالبية المثقين العرب وينافقها رجال السياسة. هل الكونغرس حقا اكثر المؤسسات الديمقراطية عراقة في العالم؟ وهل هؤلاء الذين وقفوا مصفقين لنتنياهو وكأنه حل عليهم من كوكب آخر يمثلون اقوى دولة في العصر الحديث والتي تسمى مجازا زعيمة العالم الحر؟
لست هنا بصدد الخوض في مساوئ وسلبيات هذه الديمقراطية التي يعترف بها ويروج لها من يسمون انفسهم دبمقراطيين مرددين، في احسن الحالات، ما قاله احد اكبر زعماء الديمقراطية اللاديمقراطيين ونستون تشرتشل:" الديمقراطية اسوأ النظم السياسية ولكن لا يوجد نظام آخر افضل منها". فهذا الموضوع تعج به الدراسات والكتب السياسية على انواعها وغاياتها. ما يهمني هنا هو اثارة مشكل الديمقراطية كقيمة اخلاقية قبل ان تكون مصطلحا سياسيا واجتماعيا تتناقض ممارستها مع نظريتها.
تنبع مشكلتي مع الديمقراطية من إن جميع مفكريها ومنظريها عرضوها علينا عالميا وعربيا بانها النقيض للديكتاتورية ومن ثم البديل لها وليس كما هي في الواقع: شكل آخر من اشكال الديكتاتورية. للتوضيح فقط: انظمة الحكم تختلف فيما بينها كثيرا أو قليلا ولكنها لا تصل إلى درج تتناقض. النقيض لنظام الحكم (بغض النظر عن شكله) هو نفيه، الغائه وليس تغيير شكله. الديمقراطية كما هو متعارف عليها هي شكل من اشكال الحكم كما أن الديكتاتورية، الارستقراطية، الثيوقراطية وغيرها هي الاخرى شكل من اشكال الحكم. طبعا، من الشرعي جدا المقارنة بينها وبين باقي الاشكال وتفضيلها على غيرها ولكن هذا لا يجعلها النظام الامثل والدليل على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ما اتحفنا به الكونغرس الامريكي مؤخرا وما نعرفه ونلمسه من سياسات الاخ الاصغر٬ الكنيست الاسرائيلي.
الديمقراطية هي ديكتاتورية الاغلبية. وهذه الاغلبية هي في جميع الحالات اغلبية نسبية وفي معظم الحالات هي اغلبية وهمية أو مزيفة. لنأخذ انتخاب الرئيس الامريكي مثلا: لا يشارك نصف السكان تقريبا في هذه الانتخابات. ينال المرشح الفائز عادة اكثر بقليل من نصف الاصوات. والنتيجة هي أن الرئيس المنتخب لا يمثل اكثر من ربع السكان الا قليلا. طبعا هذا بدون أن نأخذ عوامل اخرى بالحسبان مثل غياب الوعي والجهل وصرف الاموال الطائلة على الرشوات والفساد والوعود وغيرها. الامر نفسه ينطبق على اعضاء الكونغرس المصفقين. وبالتالي يقولون لنا هذه ارادة الاغلبية أو هذه ارادة الشعب. العملية نفسها سارية المفعول في الديمقراطية الاسرائيلية في انتخابات الكنيست: الحزب الاكبر عادة لا يتجاوز نسبة ٢٠٪ من المصوتين (٢٤ عضو من مجموع ١٢٠) الذين تتراوح نسبتهم من السكان ٥٠-٦٠٪ فقط. وتشكيل إئتلاف من نصف النواب أو اكثر قليلا لا يكون سوى أغلبية مزيفة ليس فقط بسبب اسقاط غير المصوتين من الحساب بل لأن الائتلاف الحكومي بقوم على تقاسم الغنائم فقط ولا يشكل جسما واحدا.
مع كل الاحترام والتقدير للديمقراطية اليونانية القديمة (التي استثنت اكثر من نصف المجتمع: العبيد والنساء) ولمفكري عصر النهضة والثورات البرجوازية في اوروبا من امثال جون لوك، جان جاك روسو،مونتسكيه وغيرهم الذين شرعوا من حيث يدرون او لا يدرون اضطهاد طبقة لطبقة اخرى واضطهاد شعب لشعب آخر، فإن الديمقراطية قد تكون افضل النظم السياسية الموجودة ولكنها ليست جيدة بما فيه الكفاية لدرجة الفبول بها والتوقف عن السعي للتحقيق اقضل منها. ما دامت الانتخابات كما نعرفها تشكل العمود الفقري لهذه الديمقراطية، هذه الانتخابات التي تسفر عن انتخاب اشخاص مثل هتلر وموسيليني وتشرشل وبوش ونتنياهو ومن هم على شاكلتهم فمن الضروري اعادة النظر بكل ما يمت اليها بصلة.
مع الاعتذار لجورج برنارد شو الذي قال:" من عيوب الديمقراطية انها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى"، لن استمع لرأي الحمقى الذين يصفقون لمجرم حرب بل هم انفسهم مجرمو حرب في افغانستان والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها من بلدان العالم. ولن استمع لرأي حمقى الكنيست المهووسين بارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وضد الانسانية.
ديمقراطية الكنيست وديمقراطية الكونغرس التي تقوم عى اثارة الحروب والصراعات والفتن الدينية والطائفية لا تمثلني. الديمقراطية التي تقوم على العنصرية والتمييز والاستغلال والقمع باسم القانون الذي سنه الحمقى لا تمثلني. انتخابات الكنيست التي تعطي بعض الفلسطينيين الحق في اختيار من من الطبقة الصهيونية السائدة سوف يستمر في تشريد وقمع باقي الشعب الفلسطيني لا تمثلني ويجب مقاطعتها.

Wednesday, February 25, 2015

أوهامكم تقتلنا



أوهامكم تقتلنا
علي زبيدات – سخنين
من يريد أن يقوم بعمل، أي عمل، سوف يجد أكثر مما يحتاجه من تبريرات ومسوغات تضفي على عمله هذا فناعا من الضرورة والفائدة تؤدي إلى تسويقه ومن ثم قبوله بغض النظر عن طبيعته، اهدافه ونتائجه. وقد تبدو بعض هذه التبريرات والمسوغات للوهلة الاولى جيدة ومنطقية وعقلانية، وقد تجد العديد من المصدقين والمتقبلين. ليس من السهل ان يقوم شخصب بالتخلي عن قناعاته أو بتغييرها، حتى عندما تثير هذه القناعات بينه وبين نفسه الشكوك والتساؤلات. من اجل التخلي عن القناعات او تغييرها يحتاج الانسان الى قدرات فكرية ووجدانية كامنة هائلة خصوصا عندما تكون هذه القناعات حقيقية تجعله يتفوق على نفسه.
لقد مر على حل الكنيست لنفسها وتعيين تاريخ لانتخابات جديدة شهران ونصف ونيف، قضت الاحزاب العربية معظم هذه الفترة في محاولات حتى استطاعت أن تتوصل الى صيغة مشتركة مكنت اربعة منها تشكيل قائمة مشتركة لخوض هذه الانتخابات، وانطلقت بحملتها الانتخابية منذ اسبوعين بالتقريب. ظن الكثيرون ان الفترة التي تفصل بين حل الكنيست لنفسها واجراء انتخابات جديدة، تخللتها محاولات مضنية لتشكيل القائمة المشتركة، قصيرة جدا قد ابقىت وقتا ضيقا للدعاية الانتخابية، التي يفضل المشاركون دعوتها بالحملة أو المعركة الانتخابية. ولكن بعد مشاهدة كل ما نشر من مقاطع فيديو دعائية وقراءة كل او معظم ما كتب من تقارير وتصريحات ومقابلات واجتماعات ومؤتمرات صحفية توصلت الى نتيجة عكسية مفادها ان فترة الدعاية الانتخابية طويلة جدا تكاد لا تنتهي، وتمنيت لو يأتي ١٧ اذار غدا لكي نطوي هذه الصفحة ونعود الى حياتنا الطبيعية مهما كانت روتينية ومملة.
لقد قال اقطاب ومركبات القائمة المشتركة في هذه الفترة الوجيزة كل ما ارادوا قوله واكثر، وها هم يكررون ما يقولونه في كل مكان تقودهم اليه اقدامهم حتى حفظنا ما يقولونه عن ظهر قلب: عن الوحدة التاريخية، ومنع اليمين من العودة للسلطة وارساله للمقاعد الخلفية، ومواجهة العنصرية والفاشية، والنضال ضد الاحتلال والاستيطان والتمييز والفقر والبطالة، والنضال من اجل السلام العادل والمساواة والعدالة الاجتماعية. هل نسيت شيئا؟
وللامانة اقول ان المقاطعين وانا واحد منهم قد قالوا هم ايضا كل ما ارادوا قوله وهم اليوم يكررون انفسهم. لقد انتبهت مؤخرا ان كل ما كتبته في الشهرين المنصرمين حول مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني كنت قد كتبته قبل سنتين، قبيل الانتخابات الماضية وقبل ست سنوات وها انا اكرر ما قلته، وزملائي في المقاطعة هم ايضا لم يأتوا بجديد لانه لا جديد تحت الشمس في هذا الموضوع.
كنت سأوافق بدون تحفظ مع كلمات كتبها ونشرها المرشح الاول للقائمة المشتركة أيمن عودة:”خصمنا الاساسي اليوم هو اليأس وغريمنا الاساسي اليوم اللامبالاة وقلة الحيلة، ولدينا فرصة حقيقية للخروج من عنق الزجاجة...”. ولكن يبدو انه لكل منا يأسه الخاص، ولامبالاته الخاصة وقلة حيلته الخاصة. انا شخصيا يئست من اقناع المقتنعين المؤمنين بإن انتخابات الكنيست هي "واجب وطني"، ولا ابالي لمن سيصوتون فكل الاصوات سوف تصب في نهاية المطاف بحضن الكنيست الدافئ، واشعر ليس بقلة الحيلة فحسب بل بانعدامها، فالعين بصيرة واليد قصيرة. بشيء واحد اختلف جذريا ومبدئيا مع كلمات ايمن عودة وهي ان الكنيست هي الزجاجة والانتخابات هي طريق الدخول لعنق الزجاجة وليس للخروج منها. هل يمكن اتباع سياسة "النأي بالنفس" ؟ مع الاعتذار لرئيس مجلس الوزراء اللبناني نجيب الميقاتي.
اذا كانت "ديمقراطية" الثورة في تونس قد تمخضت عن انتخاب الباجي قايد السبسي احد اقطاب الفساد في النظام البائد، واذا كانت "ديمقراطية" ثورة الملايين في مصر قد ادت الى انتخاب عبدالفتاح السيسي الذي سبق اسلافه خلال سنة واحدة من الحكم، واذا كانت "الديمقراطيات" المعروضة علينا في العالم العربي أسوأ من انظمة الاستبداد فلماذا نستغرب ممن يؤمن بان زيادة تمثيله في الكنيست الصهيوني هو طريق الخلاص؟
لا تقل للمغني غني حتى تنطلق حنجرته بالغناء من تلقاء نفسه، ولا تقل للمزمر زمر حتى يتناول مزماره بنفسه وتنطلق انفاسه ملئ السماء، ولا تقل للراقص ارقص حتى يقفز لوحده الى حلبة الرقص ويطلق لقدميه العنان. قريبا سوف تلمسون اوهام واقعيتكم وسوف نغني ونزمر ونرقص جميعا خارج الكنيست.

Wednesday, February 18, 2015

كذبة مستمرة تبحث عن مصدقين



كذبة مستمرة تبحث عن مصدقين
علي زبيدات – سخنين

ما زالت صور نتنياهو تملأ الشبكة العنكبوتية وهو يزاحم قادة اوروبا وغيرهم لكي يصل إلى الصف الامامي في مسيرة باريس بعد الهجوم على جريدة شارلي ابدو والمتجر اليهودي. هذه الصور التي اثارت خحل وسخرية حتى الكثيرين من مؤيدي رئيس الحكومة الاسرائيلي. لم تكن مشاركة نتنياهو بهذا الشكل بدافع حرصه على حرية التعبير عن الرأي أو قلقه على حقوق الانسان أو حتى محاربته للإرهاب. فالعالم، ومن بينهم من سار إلى جانبه من الزعماء الدوليين يعرف باعه الطويل في كبت حرية التعبير وخرق حقوق الانسان وممارسة الارهاب على شعب كامل هذا بالاضافة الى كونه مطلوبا في عدة اماكن بتهمة ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.
في هذه المسيرة تفوق نتنياهو على نفسه عندما وجه دعوة إلى يهود فرنسا بترك كل شيء فورا والهجرة إلى إسرائيل التي تشكل "المكان الوحيد الآمن لليهود في العالم”. رئيس الحكومة الفرنسية رد بخجل على دعوة نتنياهو هذه عندما قال: "أن فرنسا لن تبقى فرنسا إذا رحل عنها اليهود الفرنسيون”. ولكن الرد الحاسم جاء من يهود فرنسا انفسهم، فهم يعرفون تمام المعرفة ان هذا المكان "الآمن" هو في الحقيقة اخطر مكان على وجه الارض ليس فقط لليهود بل لشعوب المنطقة وللسلم العالمي أيضا.
لم تكن دعوة نتنياهو هذه في باريس الدعوة الاولى ولن تكون الاخيرة. ففي الاسبوع الماضي عاد ودعا يهود الدنمارك بل يهود اوروبا جميعهم بالاسراع للهجرة إلى اسرائيل قبل أن تمد اليهم يد اللاسامية المتنامية والارهاب الاسلامي. مرة اخرى جاء الرد حاسما من قبل اليهود انفسهم الذين قالوا بشكل لا يقبل التأويل: لا شكرا، لن تخدعنا مثل هذه الدعوات الكاذبة.
الواقع يقول أن الذين يهربون من دولة اسرائيل "الآمنة) أضعاف من يلجؤون اليها بحثا عن الامن. ومن لا يرحل بسبب الاوضاع الامنية يرحل بسبب الاوضاع الاقتصادية. لقد كان الاحرى بالدول الاوروبية، والدول العربية ايضا، أن تتوجه هي إلى يهودها الذين هاجروا إلى اسرائيل في الماضي وتدعوهم للعودة الى اوطانهم الاصلية. ليس فقط لان هذه البلاد اكثر امنا لليهود، بل ايضا لان جذورهم الحياتية التي قطعتها الصهيونية بأكاذيبها ووعودها الزائفة ما زالت حية هناك.
يحاول نتنياهو بكل ما يملك من حنكة ودهاء أن يكرر الكذبة الكبرى التي اخترعتها الحركة الصهيونية في اعقاب الحرب العالمية الثانية وانطلت على العديد من الشعوب الاوربية وغيرها والتي تقول: ان الضمان الوحيد لعدم تكرار ما حدث في اوروبا في تلك الفترة يحتم اقامة دولة يهودية قي فلسطين تحمي يهود العالم الذين يتعرضون للابادة. مما لا شك في ان هذه الكذبة قد ساهمت الى حد كبير في اقامة دولة اسرائيل وقد تحولت مع الوقت الى ابتزاز سافر ما زالت تستعمله الدولة في كل مناسبة وبدون مناسبة. في اماكن اخرى مثل العراق، مصر، المغرب، اليمن مارست الحركة الصهيونية شتى اشكال الارهاب ضد اليهود لاقناعهم بالهجرة الى المكان "الآمن الوحيد في العالم" لهم. ومن صدق هذه الكذبة وجد نفسه يسكن مكشوفا في المناطق الحدودية لكي يكون خط الدفاع الامامي للمستعمرين الجدد الاوروبيين، ومن ثم تم تجنيدهم في جيش زج في حروب لها اول وما لها آخر. فقد خاضت هذه الدولة منذ قيامها عشرات الحروب، منها الاقليمية والمحلية، الكبيرة والصغيرة وعدد لا يحصى من العمليات العدائية. هذا بالاضافة الى ان تشريد الشعب الفلسطيني ونهب ارضة ووقوعه تحت نير الاحتلال قد أوجد مقاومة مستمرة من ضمن من يدفع ثمنها هم اليهود الذين خدعوا للمجيئ الى هذا المكان "الآمن”.
كذبة المكان الآمن ليست حصرا على نتنياهو وعلى حزبه او على باقي الاحزاب الصهيونية بيمينها ووسطها ويسارها فحسب بل تشمل جميع الاحزاب التي تستظل بالكنيست بما فيها الاحزاب العربية التي تتخيل نفسها خارج اللعبة الصهيونية، لأن الكنيست هي التي تحمل كافة الاكاذيب والاساطير الصهيونية وتوزعها على اعضائها. صحيح، ليس بالتساوي ولكن في نهاية المطاف كل عضو يأخذ نصيبه منها. عندما زار النائب محمد بركة ضمن وفد من الكنيست قبل خمسة اعوام، معسكر أوشفيتز هل كان يمثل ضحايا النازية أو اللاجئين الفلسطينيين أم كان يمثل الكنيست الصهيوني؟ أنا طبعا لست ضد زيارة معسكرات التركيز النازية، بالعكس، يجب على كل فلسطيني قادر ان يقوم بذلك ليس فقط لكي يكشف العلاقة الوثيقة بين مقترفي الجرائم النازية ومقترفي الجرائم الصهيونية بل ايضا لكي يكشف العلاقة بين ضحايا النازية وضحايا الصهيونية.
لا يمكن أن تكون مناهضا للعنصرية وفي الوقت نفسه تكون عضوا في أعتى منظمة عنصرية. لا يمكن ان تقسم يمين الولاء لنظام ابرتهايد امام ارفع مؤسسة له وتدعي في الوقت نفسه مناهضة الابرتهايد.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا وبحاجة الى اجابة صريحة وجريئة هو: هل الاحزاب العربية الكنيستية تمثل الجماهير الفلسطينية في الكنيست أم انها تمثل الكنيست عند الجماهير الفلسطينية؟

Wednesday, February 11, 2015

نبش صفحات منسية



نبش صفحات منسية
على زبيدات – سخنين
أنستنا انتخابات الكنيست القادمة كل المواضيع الاخرى. بتنا نفطر، نتغدى نتعشى على اخبار كنيست. نصلي الصلوات الخمس ورؤوسنا محشية باخبار الكنيست، نسهر وننام ونستيقظ على ذكر الانتخابات. لا حديث لنا سوى الانتخابات: القائمة المشتركة تدشن وتبشر بمرحلة جديدة ليس عندنا فحسب بل على مستوى العالم العربي. لاول مرة يتحالف الشيوعي، القومي والاسلامي. الوحدة التي فشل في صنعها عبدالناصر ومعمر القذافي حققتها لجنة الوفاق الوطني بجمعها عمالقة الاحزاب الاربعة في قائمة واحدة سوف تخوض انتخابات الكنيست وتكتسح الساحة وتصبح القوة الثالثة وتصبح قوة موثرة الى درجة تمنع عودة اليمين الصهيوني الى الحكم، ترسل نتنياهو الى الصفوف المعارضة الخلفية في الكنيست وتأتي بالبديل اليساري الممثل بالمعسكر الصهيوني. وكل من لا يتقبل هذه القائمة ويحتضنها ويمنحها صوته فإما ان يكون حارقا للاصوات واما ان يكون خادما لليمين الصهيوني المتطرف. لقد أصاب حمى الانتخابات مجتمعنا الفلسطيني بأسره بما في ذلك الذين يقاطعون هذه الانتخابات، وأنا من ضمنهم، كاتب هذه السطور. ولا يسعني الا ان اعترف: منذ الاعلان عن حل الكنيست وتعيين موعد لانتخابات جديدة وأنا اكتب اسبوعيا وحصريا عن ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست. التيار جرفنا جميعا لم يعد هناك ثمة فرق جوهري بين من ينادي برفع نسبة التصويت بين من ينادي بخفض نسبة التصويت. جميعنا طوينا كافة الصفحات الاخرى ودفناها عميقا في درج النسيان.
هذا الاسبوع صحوت قليلا بعد أن تلقيت بهدلة عنيفة من زوجتى(هولندية الاصل) بعدما صرخت في وجهي: كفى كلاما عن الانتخابات وعن المقاطعة، هل تذكرون شيئا اسمه غزة؟ كان ذلك بعد أن تكبدت عناء السفر ليوم كامل إلى معبر ايريز لدخول غزة حيث حصلت على تصريح من السلطات الاإسرائيلية طلبته لها السفارة الهولندية بصفتها تحمل الجنسية الهولندية وتعمل مع بعض الجمعيات الغزية التي تتلقى الدعم من مؤسسات هولندية. وقد تزامنت هذه الزيارة مع وفد هولندي يضم نائب وزير الخارجية. عندما وصلت المعبر تم تأخيرها لبضع ساعات بعدما اكتشفوا انها تحمل، بالاضافة لجواز السفر الهولندي، الهوية الاسرائيلية والقانون يمنع حاملها من دخول قطاع غزة. لم يحترموا التصريح الذي اصدروه هم (عن طريق الخطأ) واعادوها على اعقابها ولم يجديها نفعا تدخل السفارة الهولندية. في الساعات القليلة التي تم احتجازها في المعبر شاهدت المعاملة المهينة التي يتعرض لها النفر القليل من الفلسطينيين "المحظوظين" الذين حصلوا على تصريح للخروج او الدخول إلى اكبر سجن مفتوح في العالم بينما دخل بعض الاجانب الذين يعملون لصالح منظمات دولية باحترام.
ماذا فعلتم انتم المصوتون والمقاطعون لاهل غزة منذ أن توقف العدوان الاسرائيلي الاخير عليها؟ تابعت زوجتي صراخها في وجهي. حتى في ايام الحرب التي طالت لاكثر من شهر ونصف لم تفعلوا شيئا يذكر سوى الوقوف مرة أو مرتين على هذا الدوار او على ذلك المفرق. اذهبوا الى معبر ايريز واعتصموا هناك ولا تغادروا حتى يفتح هذا المعبر اللعين ابوابه.
الله يسامحك يا زوجتي على نبش هذه الصفحات المنسية.
لم اشارك اهل غزة حينذاك فرحتهم واحتفالهم بالنصر. وكتبت حينها: كيف يمكن الاحتفال ودماء الشهداء لم تجف بعد؟ وقلت ايضا: نصر آخر كهذا وعلى غزة ومن عليها السلام. صحيح، اسرائيل قد فشلت في تحقيق اهدافها من العدوان بعد أن اصطدمت بمقاومة وصمود اسطوريين، ولكن من هنا وحتى النصر ما زالت المسافة طويلة جدا. على عكس كل ما قيل، لم يرفع الحصار عن غزة بل اشتد واكتمل بعد ان قامت الحكومة المصرية بهدم 800 منزلا في رفح المصرية وجعلتها منطقة عازلة هذا بالاضافة للقتل وللدمار العظيم. ولم تستطع كذبة اعادة اعمار غزة والدول المانحة وملايين الدولارات على الورق أن تغير شيئا في هذا الواقع التعيس. كما جاءت حكومة الوفاق المزيفة لتزيد الطين بلة.
هل ستغير "القوة الثالثة" في الكنيست هذا الواقع؟ وكيف؟ في ابعاد نتنياهو وجلب هرتسوغ؟ هل سمعت هذه القوة الثالثة هرتسوغ وهو يتهم نتنياهو بانه انتظر طويلا وتردد في ضرب حماس ضربة قاضية وبدل القضاء عليها قام بتقويتها؟ حقا، ماذا فعلنا من أجل غزة؟ وكيف سوف نستعمل الكنيست لانقاذ غزة؟ مجنون يحكي وألف عاقل يسمع. وماذا لو نبشنا صفحة تهويد القدس وهدم البيوت هناك؟ وصفحة توسيع الاستيطان في كافة ارجاء الضفة الغربية؟ ماذا بالنسبة لصفحة هدم البيوت في النقب واللد وام الفحم وقلنسوة وغيرها؟ قد يقول البعض الدخول للكنيست لا يتعارض مع النضال من أجل هذه الامور، بل يعززه. حقا؟ هل هذا صحيح؟ ماذا تنتظرون إذن؟

Wednesday, February 04, 2015

فاشية الدولة وفاشية الدين



فاشية الدولة وفاشية الدين
علي زبيدات – سخنين
لا أدري من القائل: "إذا التقى الدين مع الدولة خسر الطرفان"، ولكن مما لا شك فيه أن هذا القول يحتوي على نسبة عالية من الحقيقة التي لم يعد هناك مجال لتجاهلها. فكما تستطيع الدولة أن تتحول إلى دولة فاشية، وقد تحولت بالفعل في العصر الحديث وفي اماكن عديدة من العالم، هكذا يستطيع الدين، كل دين أن يتحول إلى دين فاشي. لا يمكن فهم شريط الفيديو الذي نشره تنظيم داعش حول اعدام الطيار الاردني حرقا بمعزل عن هذا المنظور. قبل سنوات عندما استعمل الرئيس الامريكي جورج بوش لاول مرة مصطلح "الفاشية الاسلامية" لتبرير حربه الاستعمارية في افعانستان والعراق تصدى له المتدين وغير المتدين. ولكن اليوم وبغض النظر عن اقوال بوش الذي ينتمي هو ايضا إلى تيار ديني فاشي، لا بد من الاعتراف بوجود تيار اسلامي فاشي ولا يكفي ترديد القول بأن هذا التيار لا يمثل الاسلام لدحض هذه الشبهة.
كتب الكثير عن الدولة الفاشية وخصوصا عن النموذج الكلاسيكي لهذه الدولة في المانيا وايطاليا ما بين الحربين العالميتين. وكتب الكثير عن فاشية الدولة في اسبانيا، تشيلي، الارجنتين، اليونان، تركيا واسرائيل التي تنفي عن نفسها هذه التهمة وتلاقي من يبرئها على الساحة الدولية، كما كتب الكثير عن الاحزاب والحركات الفاشية الجديدة التي تكتسح اوروبا وأمريكا. ولكن لم يكتب مثل هذا الكم عن الفاشية الدينية، ذلك لأن الدين بغض النظر عن تسميته ما زال يحظى بهالة من القدسية يجعل منه طابو لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. التاريخ الحديث يؤكد ان جميع الايدولوجيات قد تتحول في ظل ظروف معينة إلى ايديولوجيات فاشية. الشيء المشترك بينها وبسببه اسميها فاشية هو تقديس القوة والسلطة والدولة واخضاع الافراد واذابة شخصياتهم في التنظيم وفرض الولاء الاعمى عليهم. من هذا المنطلق، لا يهمني اذا كانت الديانة المسيحية ديانة تدعو إلى المحبة والاخاء. فمكن المؤكد أن ثمة حركات مسيحية هي فاشية بامتياز يكفي أن نذكر اليمين المسيحي، المحافظين الجدد، الليبراليين الجدد، حزب الشاي، ومنظمة الكو كلوكس كلان، فهي جميعها تنظيمات فاشية حتى ولو قال البعض انها لا تمثل الدين المسيحي. ولست هنا بصدد تعاون الكنيسة المسيحية ومن ضمنها الفاتيكان مع الانظمة الفاشية في اوروبا. وهناك فاشية يهودية وهي لا تقتصر على حفنة من اوباش المستوطنين في الضفة الغربية بل تشمل تيارات دينية مركزية في الكيان الصهيوني، هذا ناهيك عن الفاشية الاسرائيلية العلمانيه التي يمثلها الحزبان الرئيسيان الليكود والعمل. وهناك فاشية دينية بوذية ولا يغرنكم الادعاء بأن البوذية دين مسالم ينبذ العنف. فمن رأى الرهبان البوذيين في ميانمار يقتلون المسلمين العزل لن تنطلي عليه هذه الكذبة. وبعد أن تحولت الشيوعية إلى ايديولوجية جامدة لا تختلف من حيث الجوهر عن باقي الاديان انبتت هي الاخرى حركاتها الفاشية يكفي أن نذكر هنا نموذج الخيمر روج بزعامة بول بوت والنظام الفاشي الراهن في كوريا الشمالية.
من هذا المنطلق، وبعيدا عن الشعارات حول دين الرحمة والسلام، يجب أن نعترف وبدون أي تردد أو تحفظ بوجود فاشية اسلامية لا تجسدها داعش فحسب بل هناك العشرات إن لم يكن المئات من الحركات الاخرى مثل النصرة والقاعدة وانصار الله، وجند الله وجيش المهدي والعديد من الحركات الاصولية والسلفية المنتشرة من المحيط إلى الخليج. هذه الحركات نمت وترعرعت تحت كنف الفكر الوهابي والسلفي والاصولي وبتوجيه من عشرات الدعاة. وهنا لا يمكن ان نغمط الاخوان المسلمين حقهم في غرس الفاشية الاسلامية التي نمت وترعرعت في ظل تعاليم حسن البنا الذي لم يخف اعجابه بهتلر وموسوليني وتعاليم السيد قطب وغيره من منظري الاخوان.
منذ الثورة الفرنسية الكبرى وحتى يومنا هذا، كان الصراع على الصعيد السياسي يدور حول ضرورة فصل الدين عن الدولة المدنية. خلال هذا الصراع المتد لاكثر من قرنين وربع حققت الدولة المدنية في اماكن عديدة انجازات تاريخية في هذا المجال بعد أن اخلت الدين من اروقة البرلمانات والحكومات واعادته إلى دور العبادة لممارسة نشاطاته التطوعية. الا ان هذه السياسة لم تعد تجدي، ذلك لأن الدولة اصبحت وسيلة لسيطرة الطبقية البرجوازية الصاعدة وجهازا قمعيا اخطر بما لا يقاس من سيطرة الكنيسة الدينية البائدة.
في ظل النظام الرأسمالي العالمي المنفلت من عقاله، فقد شعار فصل الدولة عن الدين مضمونه الثوري التقدمي مما استوجب الاستعاضة عنه بشعار الغاء الدولة والغاء الدين. شعار الغاء الدولة ليس جديدا وطرح منذ ايام الثورة الفرنسية الاولى وناضلت الحركة الفوضوية لتحقيقه منذ ايام وليام جودوين وبرودون وباكونين وكروبتكين وحتى الثورة الاسبانية في الثلاثينيات وتمرد الطلاب في فرنسا في نهاية الستينات. كما ناضل الشيوعيون الاوائل بقيادة ماركس وانجلز لإلغاء الدولة عن طريق ديكتاتورية البروليتاريا الثورية ولكن ورثتهما الذين حققوا الغاء الدولة البرجوازية في بعض البلدان بنوا دولا جديدة تحولت بدورها الى اجهزة قمع وسيطرة طبقية. غير أن شعار الغاء الدولة ما زال حيا في صفوف العديد من الحركات الثورية والتحررية. ولكن السؤال الذي قد يثير سخط وغضب المتدينين هو: كيف يمكن الغاء الدين؟ والمقصود هنا ليس الغاء تلك النزعة الوجودية والقناعة الشخصية لكل انسان، وليس الغاء حرية المعتقدات. وكما أن الغاء الدولة لا يعني عدم وجود اسس لتنظيم المجتمع بل على العكس تحتم ذلك، فإن الغاء الدين كمؤسسة سلطوية، كجهاز قمعي، يعني تحرير الدين من قيوده التي تفرضها المؤسسات الدينية. لكي تكون مسلما جيدا انت لست بحاجة إلى مئات الجماعات والجمعيات والاتحادات والمنظمات والحركات والاحزاب الاسلامية. ولست بحاجة إلى مئات الدعاة الذين يلعبون دور الوسطاء والحراس. حرية المعتقدات مستحيلة مع هذه التنظيمات ومع هؤلاء الدعاة. بهذا المعنى مصلحة كل متدين قبل غيره أن يناضل من أجل الغاء هذا الدين الممأسس الذي يكبت حريته الدينية.

Wednesday, January 28, 2015

انتخابات الكنيست أقصر طريق للأسرلة



انتخابات الكنيست أقصر طربق للاسرلة
علي زبيدات – سخنين
سعت دولة اسرائيل منذ قيامها وبعد أن تخلصت من غالبية الشعب الفلسطيني إلى أسرلة من تبقى منه متشبثابارضه وبيته. ألاسرلة لا تعني بأي حال من الاحوال جعل هؤلاء الفلسطينيين اسرائيليين كما يظن البعض، أي منحهم المواطنة الكاملة في الدولة الوليدة. بل تعني منحهم مواطنة شكلية، مشروطة ومشوهة (درجة ثانية أو ثالثة) بحكم تواجودهم الفيزيائي لا أكثر. بينما اقتصرت المواطنة الحقيقية على اليهود من المستوطنين القدامي والجدد ولليهود في شتى ارجاء العالم ممن يحتمل مجيئهم مستقبلا. اذن لا بد من التمييز بين ان تكون متأسرلا وبين أن تكون إسرائيليا، فبينما تبذل الحكومة كل جهدها لاسرلة الفلسطينيين فهي ترفض جعلهم اسرائيليين لان ذلك يتناقض مع طبيعة الدولة العنصرية. وهذا ينطبق على كبار المتأسرلين الحائزين على منسوب عال من الاسرلة ويتوهمون بانهم اصبحوا بذلك اسرائيليين (كشريم) حتى يقفوا امام اول اختبار. أسرلة الجماهير العربية من وجهة نظر اسرائيلية تعني أن تتخلى هذه الجماهير عن هويتها الوطنية الفلسطينية أو على الاقل إفراغها من مضمونها الوطني التحرري، تشويهها وحشوها بمفاهيم الخنوع والولاء.
طالت سياسة الاسرلة هذه كافة نواحي حياة الجماهير العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. حيث مارست الحكومة سياسة فرق تسد وتعاملت معها على اساس طائفي: اسلام، مسيحيين ودروز، وعلى اساس قبلي: بدو وقرى ومدن، وجغرافي: جليل مثلث نقب مدن مختلطة. المهم في هذه السياسة هو تفتيت الهوية الوطنية الجامعة بأي ثمن. ومن اجل تحقيق هذا الهدف شنت الدولة حملة ممنهجة لمحو الذاكرة التاريخية الوطنية لهذه الجماهير وتشويه وعيها الوطني والقومي. الهدف النهائي لهذه السياسة هو اخضاع وتدجين الجماهير الفلسطينية وجعلها افرادا ومجموعات مقطعة الاوصال تعلن ولائها للدولة مقابل الاستمرار في الحياة.
واجهت جماهيرنا سياسة الاسرلة هذه من خلال تمسكها بهويتها الوطنية ومن خلال دفاعها عن ذاكرتها الجمعية وعن وعيها الوطني الامر الذي اخرج المؤسسة الاسرائيلية عن طورها وقامت بتكثيف جهودها لاسراع عملية الاسرلة. فقد شهدت السنوات الاخيرة العديد من القوانين العنصرية التي تهدف حصرا الى ضرب الهوية الفلسطينية وتقوية مفهوم يهودية الدولة. في خضم هذا الصراع المستمر حققت الدولة بعض الانجازات والمكاسب التي يجب لا نتهاون بها ونتهادن معها. فسياسة فرق تسد سببت شرخا لا يمكن نكرانه بين مركبات جماهيرنا وآخرها كان محاولة سلخ الشباب المسيحيين عن طريق تجنيدهم والاحداث الطائفية المتراكمة التي انفجرت في ابو سنان. غير أن الخوف الاكبر ليس من سياسة الحكومة التي اصبحت مفضوحة امام معظم قطاعات شعبنا بل من المفاهيم الخاطئة التي ما زالت سائدة في اوساط واسعة من جاهيرنا واخطرها هو الفصل بين الكنيست والخدمة داخلها وبين سياسة الاسرلة.
استغرب أن ترى معظم الجماهير وقواها الفاعلة وخصوصا شريحة الشباب الخطر الكامن في الخدمة المدنية وفي الخدمة في سلك الشرطة والجيش ولا ترى الخطر الكامن في الخدمة في الكنيست وفي التصويت لها. عندما يقف عضو الكنيست امام الكاميرات في جلسة الكنيست الاولى ويتلى امامه يمين الولاء وهذا نصه: "انا التزم بالولاء لدولة اسرائيل واداء واجبي في الكنيست بأمانة" ويجيب مرددا: "انا التزم"، لا أظن أن الخادم في الخدمة المدنية مجبر على قول ذلك. ولاء عضو الكنيست لدولة اسرائيل "اليهودية الديمقراطية" وسوف يصبح قريبا ولاء "لدولة اليهود القومية". فأين المنطق في ان نعتبر الخدمة المدنية في مدرسة او مستشفى او حتى في الشرطة أو الجيش أسرلة بينما الخدمة في الكنيست لا تمت للاسرلة بصلة بل على العكس، تصبح واجبا وطنيا. تذكرني هذه المفارقة العبثية بمقال لاحد المثقفين المعتبرين الذي ينظر ويمهد الطريق امام اعضاء الكنيست العرب، حيث يقسم الأسرلة إلى قسمين: ١) أسرلة صهيونية تشترط التخلي عن الهوية الوطنية. ٢) أسرلة وطنية تتمسك بالهوية الوطنية هدفها اسماع صوتنا والدفاع عن حقوقنا. ويدعو إلى الانخراط في هذه "الأسرلة الوطنية". بالنسبة للاحزاب وللنواب العرب الكنيست هي منبر للاسماع صوتنا والدفاع عن حقوقنا وهذا هو الشيء الوحيد المهم. أما كونها السلطة التشريعية لكيان كولونيالي سنت القوانين العنصرية وسوف تسن المزيد منها، وتنتخب رئيس الدولة وتكلف أحد اعضائها لتشكيل الحكومة فهذا كما يبدو أمر عادي. الانتخابات للكنيست الصهيوني ليست فقط اقصر الطرق للأسرلة بل هو اخطرها و اكثرها فعالية. من أجل احباط سياسة الأسرلة ومن أجل الحفاظ على هويتنا الوطنية يجب مقاطعة انتخابات الكنيست. نحن شعب فلسطين والكنيست لا تمثلنا.

Wednesday, January 21, 2015

النضال الشعبي وانتخابات الكنيست



النضال الشعبي وانتخابات الكنيست
علي زبيدات – سخنين
في خضم النقاش بين انصار مقاطعة انتخابات الكنيست وبين انصار الاحزاب الكنيستية سرهان ما يطرح السؤال المفحم من وجهة نظر هذه الاحزاب: ما هو البديل للنضال البرلماني؟ أليس التقوقع داخل قرانا ومدننا والانسحاب من الساحة السياسية وترك الميدان للاحزاب الصهيونة كي تسرح وتمرح فيه كما يطيب لها؟ وعندما نجاوب بكل بساطة أن البديل للنضال البرلماني (هذا إذا استطعنا اصلا أن نسميه نضالا) هو النضال الشعبي، النضال الجماهيري، النضال في الشارع وعلى الارض، نراهم يردون بكل صلف وغرور كالديوك منفوشة الريش منتفخة الاوداج: وهل يتناقض النضال البرلماني مع النضال الشعبي؟ ألسنا نحن، الاحزاب السياسية من يتصدر النضالات الشعبية أيضا، يبادر لها ويقوودها؟
لقد وفرت لنا الايام القليلة الماضية فرصة جديدة لاثبات صحة أو عدم صحة هذه الادعاءات. حيث قامت شرطة اسرائيل باعدام شابين من النقب ليس لسبب اللهم سوى كونهما عربا، والعربي في هذه البلاد متهم دوما حتى تثبت براءته، وبما ان الاتهام عادي وطبيعي ودائم فالبراءة تبقى مفقودة. أين هي النضالات الشعبية التي بادرت اليها الاحزاب العربية وقادتها؟ وهل كان ردنا "الشعبي" على مستوى الحدث؟ هل كان الاعلان عن اضراب شامل (لم يلتزم به في اماكن عديدة) هو اقصى ما نستطيع فعله؟ لماذا لم نشاهد الاحزاب السياسية تنزل الى الشارع لتعبر عن احتجاجها وغضبها؟ واكتفت في أحسن الحالات بتجنيد بعض الشبان لرفع الشعارات هنا وهناك. في بلد مركزي كمدينة سخنين حيث تنشط كافة الاحزاب وبها عضو كنيست سوف يترأس قائمته في الانتخابات القادمة، تمت الدعوة لاجتماع "شعبي" غاب عنه الشعب حضره نخبة من القيادات الحزبية استمعت إلى خطاب من رئيس البلدية وكلمة عابرة من ممثل اللجنة الشعبية والتي دارت معظمها حول الانتخابات وليس حول ما جرى ويجري في النقب.
البوادر القليلة لدفع العمل الشعبي الى الامام صدرت عن مجموعات شبابية في معظمها غير مؤطرة حزبيا، أو حزبية ولكنها تصرفت بمعزل عن أي قرار حزبي. حتى هذه البوادر لم تكن كافية ولم تكن فعالة ولم ترتق إلى المستوى المطلوب. وأحد الاسباب لذلك هو التهاء الجميع بانتخابات الكنيست. ما ذكرته عن احداث النقب هو مثل واحد فقط على عنجهية الكنيست المنحلة والحكومة المنفلتة من عقالها التي انبثقت عنها. فهي في الوقت نفسه تضرب في لبنان وفي سوريا من غير رادع وتواصل حصارها الاجرامي على قطاع غزة بعد أن شنت حرب ابادة ضده وتوسع سياستها الاستيطانية في الضفة الغربية وتسارع في تهويد القدس وتخرج الى العالم لابسة قناع الضحية التي تدافع عن نفسها.
هدف الاحزاب العربية هو لجم اليمين الصهيوني المتطرف ومنعه من العودة للسلطة؟ ولكننا رأينا هذا اليمين هائجا خارج جدران الكنيست كالفيل في حانوت من الخزف فلماذا لم نحاول أن نلجمه هنا؟ لماذا يجب أن نتوحد في"النضال" داخل الكنيست ونتفرق في النضال خارجها؟ ماذا يجب أن يحدث بعد لكي تقتنع هذه الاحزاب ومؤيديها بعبثية "النضال" من داخل الكنيست؟ الا يكفي ٦٦ عاما من هذا النضال؟ قد لا يعود هذا اليمين ذاته لتشكيل الحكومة فهناك دائما يمين آخر على اهبة الاستعداد لتشكيل حكومة جديدة حتى لو اطلق على نفسه موقتا يمين معتدل، أو مركز أو يسار. كم مرة علينا أن نحضر هذا الفلم الرديء؟ ونصفق للدور الاشد رداءة الذي تلعبونه في هذا الفلم؟.
صرخ احد المحروقين على الكنيست والمعدود على الزعامة الوطنية في وجه بعض المتناقشين حول ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست: سلموا بطاقات هويتكم اذا كان الوضع لا يعجبكم، وحرروا فلسطين من الذي يمسككم. ربما بالنسبة لهذا الشخص والذين على شاكلته بطاقة الهوية الزرقاء هي التي تحدد هويته ولكن بالنسبة لغالبية جماهيرنا هذه البطاقة ليست سوى قصاصة من الورق لا تمت بإية صلة إلى هويته الوطنية. وبالتأكيد، تحرير فلسطين لن يتم من داخل الكنيست بل حتما سيتم من خلال نضال الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده.
حتى في الدول الديمقراطية العريقة حيث لا يوجد كيانات كولونيالية ولا يوجد احتلال ولا يوجد عنصرية رسمية منهجية يفقد النضال البرلماني أهميته وقدرته على التغيير. معظم التحولات الايجابية في هذه المجتمعات تأتي نتيجة لنضالات احتجاجية شعبية خارج البرلمان. فكم بالاحرى في هذه البلاد حيث الكنيست هي المؤسسة العليا التي ترعى وتحرس الاحتلال والاستيطان والعنصرية؟ لقد آن الاوان أن يتحرر ابناء شعبنا من أوهام الكنيست وأن يخرجوا من ظلمات سرادبها إلى نور الفضاء الرحب حيث أفق النضال واسع، ومجال الرؤية واسع، وحيث الامل الواعد بالحرية.




Wednesday, January 14, 2015

انتخابات الكنيست طريقنا إلى الحضيض



انتخابات الكنيست طريقنا إلى الحضيض
علي زبيدات – سخنين
وضع الاحزاب العربية يثير الشفقة. المحكمة العليا ترفض الالتماسات لاعادة نسبة الحسم الى سابق عهدها ٢٪ وتبقيها كما أقرته الكنيست المنحلة ٣.٢٥٪ الامر الذي ادخل كافة الاحزاب إلى حالة لا تطاق من الضغط وإلى سباق مع الزمن. محاولات الوحدة فيما بينها تتعثر وتواجه مشاكل لم تكن بالحسبان. هذا ناهيك عن ازماتها الداخلية المزمنة الناتجة عن الصراع على الاماكن المضمونة. قناعاتي الشخصية حول واجب مقاطعة انتخابات الكنيست، انخفضت نسبة الحسم ام ارتفعت، توحدت الاحزاب في قائمة مشتركة واحدة أو في قائمتين أو بقيت على حالها أو زادت عن حالها، ليس فقط لم تتغير بل ازدادت رسوخا. ما جرى في الايام القليلة الماضية (والخير لقدام) يجب أن يضيء ضوءا احمرا امام كل مواطن تهمه مواصلة الحياة على هذه الارض. بما أن هذه الاحزاب قد تبنت الشعار السياسي الكلاسيكي الذي صاغه مكيافيلي:"الغاية تبرر الوسيلة" بكل حذافيره وحددت هذه الغاية بالوصول الى الكنيست اصبحت كل الوسائل متاحة. ولا اعني هنا الوسائل السلبية المنتشرة في كل مكان من فساد ورشوات ووعود بلا رصيد وتزييف وغيرها فحسب، بل اعني ايضا ابتذال شعارات سامية طالما تغنينا بها وهتفنا من اجلها مثل الوحدة وخدمة الجماهير والدفاع عن حقوقها.
لم يعد الكلام حول ابتذال شعار الوحدة مقتصرا على المقاطعين ذوي النوايا السيئة بل جرف المشاركين في هذه الانتخابات ايضا الذين قد بزوا المقاطعين في ذلك. في البداية، كان يجرى الحديث عن اربعة احزاب كبيرة اذا ما اتفقت تحققت الوحدة بسلاسة وعلى احسن وجه. وهذه الاحزاب هي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الديمقراطي الوطني، الحركة الاسلامية والحركة العربية للتغيير. فيما بعد يبدو انه تم الاستغناء عن هذه الاخيرة بعد رفضها من قبل الثلاثة الكبار الاخرين وكل له اسبابه. وهكذا انضمت الحركة العربية للتغيير الى الحزب الديمقراطي العربي والحزب القومي العربي مشكلة ثلاثية من "الصغار" تقف في مواجهة "الكبار" وتدعي انها في الحقيقة هي التي تمثل غالبية الشعب بعد أن انضم اليها قائمة ناصرتي وبعض المثقفين المستقلين الذين يئسوا من ايجاد مكان آمن لهم في الاحزاب الكبيرة حيث الازدحام خانق في الصفوف الامامية.
يقول المثل: "اذا اختلف لصان انكشفت السرقة". فالاحزاب "الكبيرة" تتهم الاحزاب الصغيرة بانها تعرقل الوحدة لا بل تخربها تنفيذا لأجندة حكومية لتكريس الفرقة والانشقاق يقودها اشخاص انتهازيون تحركهم مصالحهم الشخصية. فترد الاحزاب الصغيرة بأن هذه الاحزاب "الكبيرة" التي هي في الحقيقة ليست كبيرة إذ لا تحظى بأكثر من ثلث الاصوات لا تمثل كافة شرائح المجتمع وتهمش قطاعات واسعة ومهمة داخله مثل الشباب والنساء والاكاديميين والسلطات المحلية والنقب ومدن الساحل وتتبنى سياسة الاقصاء والاستثناء والاحتكار. من على حق؟ جميعهم على حق فيما يقولونه عن بعضهما البعض ولكن جميعهم على غير حق في مواقفهم السياسية الوطنية. بغض النظر عن التصنيف حسب الحجم خصوصا عندما يكون الميزان مختلا، ولكن من الواضح اننا نزن البضاعة نفسها. اجتماع الناصرة الذي ضم مجموعات تسمى مجازا أحزاب وأطراف اخرى لا يختلف من حيث الجوهر عن اجتماع الناصرة الاخر الذي ضم المجموعة الاخرى من الاحزاب. لا خوف، عندما يتوصلون الى صفقة مقبولة سوف يلحس كل طرف شتائمه وينتهي الزعل بقبلة على اللحى وطبطبة على الاكتاف حسب العادات والتقاليد العربية الاصيلة. في النهاية، منهم من سيجد له مكانا في ثنايا القائمة المشتركة ومنهم من سيكتفي ببعض التعويضات المالية كما كان الوضع في السابق وأثبت فعاليته.
لم تبتذل في هذه الانتخابات شعارات سامية كالوحدة فحسب بل تم ابتذال الثقافة ايضا. لست هنا بصدد الخوض في دور الثقافة والمثقفين في المجتمع بشكل عام وفي مجال السياسة بشكل خاص بالرغم من اهميته الفائقة. فهذا موضوع قائم بذاته ويستحق دراسات جدية لا تتحملها مقالة صحفية. يظن بعض المثقفين أن شهادته الجامعية هي جواز سفر سحري يمنحه الحق في تجاوز جميع الحدود وولوج كافة الاماكن من غير أن يغادر برجه العاجي، يتنقل "فكريا" من حزب إلى آخر ويغير مواقفه كما يغير جواربه فتارة يدعو الى اقامة حزب جديد وطورا يدعو الى مقاطعة الانتخابات ويعود لينضم الى بعض المستائين ويسخر لهم ثقافته المتلونة وهكذا دواليك.
لا بد هنا من الاعتراف بأننا في حركة مقاطعة انتخابات الكنيست قد فشلنا في تحويل هذه الحركة الشعبية العفوية التي تعبر أحسن تعبير عن اشمئزاز معظم حماهيرنا من الكنيست وكل ما يدور حولها إلى برنامج سياسي منظم يشكل بديلا للهث وراء أوهام الكنيست. يبدو أن المقاطعة اكبر من الاشخاص ومن الحركات السياسية التي تتبناها. ولكني على ثقة بأن الشهرين القادمين حتى موعد الانتخابات سوف تزود شعبنا بما يكفي من القناعات لكي تؤسس مستقبلا لبرنامج وطني تحرري لن تكون الكنيست احدى مفرداته.