Wednesday, March 05, 2014

المرأة العربية إلى جزر القمر



المرأة العربية إلى جزر القمر
علي زبيدات – سخنين

يوم المرأة العالمي على الابواب. في هذه المناسبة انصح النساء العربيات خصوصا من الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية والعراق والسودان واليمن وسوريا أن يقمن الرحال بزيارة لجزر القمر. هذه النصيحة ليست نكتة سمجة، حسب دراسة اجريت مؤخرا تبين أن مكانة المرأة هي الافضل في جزر القمر حيث تتمتع المرأة بقدر من الحرية الاجتماعية وبقدر من الحقوق والحماية الاجتماعية وأكثر وحتى قوانين تحمي المرأة من الانتهاكات الجنسية وتعاقب مرتكبيها. على عكس مصر، أم الدنيا، التي تبوأت المكان الاخير حيث تتعرض النساء بنسبة٩٩٪ للتحرش الجنسي من غير حساب أو عقاب. هذا بالاضافة الى ختان البنات وزواج القاصرات والعنف داخل العائلة وغيرها من الانتهاكات.
في يوم المرأة العالمي يصبح الجميع من أنصار المرأة، يحتلون كافة المنابر والمنصات لترويج بضاعتهم الكاسدة من شعارات مزيفة وتشويه للحقائق حتى تبدو المرأة العربية وكأنها قادمة من كوكب آخر تسوده الحرية والمساواة والتقدم والانجازات. ولكن في نهاية المطاف جميع هذه البهلوانيات لا تستطيع أن تطمس واقع المرأة العربية المأساوي.
أعلم أن الكتابة النقدية في هذا المجال أشد خطرا من السير في حقل من الالغام، لا تدري متى ينفجر تحت قدميك لغم بالرغم من حرصك الشديد على تجنبه. لقد أصبح الكلام عن حرية المرأة والدفاع عن حقوقها وعن رفع مكانتها صناعة تماما كالصناعة الدينية والوطنية والقومية تمتهنه كافة الاطراف من رجال الدين والسياسة وحتى الحركات النسوية الاشد رديكالية. بل الاصح انها اصبحت تجارة،على اعتبار أن الصناعة لا تخلو على الاقل من انتاج ومن ابداع. وبالفعل ترددت كثيرا قبل الكتابة في هذا الموضوع فلا احد يحب النقد مع اننا نتفق جميعا، نظريا على الاقل، على ضرورته. ولكن في بعض الظروف، كالظروف التي نمر بها هذه الايام، لا بد من اجتياح أعتى حقول الالغام.
لا يمكن تحييد الدين والعادات والتقاليد عما آلت اليه أوضاع المرأة العربية. ذكرت هذه العناصر الثلاث مجتمعة ليس من باب الصدفة فهي مممتزجة مع بعضها البعض منذ قرون حتى اصبح الفصل بينها مستحيلا. لا يهم هنا اذا كان الحجاب او النقاب دينيا صرفا ام ان هناك تأثير للعادات والتقاليد، ،كذلك الامر بالنسبة لختان البنات وزواج القاصرات وتعدد الزوجات ومكانة المرأة في المجتمع بشكل عام. جميعنا يعلم أن هذا الثالوث مجتمعا أو مفككا إلى عناصره الاولية هو من الاسباب الاساسية لوضع المرأة العربية المزري. من السهل الدعوة للتحرر من العادات والتقاليد البالية والرجعية، ولكن لا احد يجرؤ على الدعوة للتحرر من النصوص الدينية. لقد وقفت مذهولا وانا اشاهد شريطا لاحد شيوخ الدين يقول فيه: "لقد كرم الاسلام المرأة بالضرب" ويشرح نظريته هذه بالاعتماد على نصوص قرآنية. لكني لم اذهل أن يقوم احد المعاهد المعادية للعرب والاسلام بترويج هذا الشريط. قد يقول البعض: هذا رأي احد المشايخ وهناك بالتأكيد من يعارض هذا الرأي. ولكن هذا لا ينفي ان التفكير الديني ينطلق من مبدأ أن المرأة تحتاج الى تأديب، يبقى النقاش حول شكل هذا التأديب. السؤال الغائب هنا هو: من يؤدب المؤدبين؟. مبدأ آخر نابع من صلب التفكير الديني هوالفصل بين الجنسين منذ الولادة وحتى الممات والذي تعاني منه المرأة العربية وبالتالي المجتمع العربي بأسره. يبقى النقاش محصورا في شكل ودرجة هذا الفصل. الدعوة الى اعادة النظر في هذا النمط من التفكير هي ليست بحد ذاتها دعوة الى الكفر أو الانحلال أو إلى تقليد الاجانب بل هي ضرورية لتحرير المرأة العربية من سطوة الثقافة الذكروية.
الحركات النسوية المنتشرة كالفقع في طول البلاد وعرضها هي الاخرى تتحمل مسؤولية تردي أوضاع المرأة العربية وحبذا لو قامت هذه الحركات في هذه المناسبة بمراجعة تفكيرها واساليب عملها بدلا من كيل المدائح على نفسها لانجازاتها الوهمية. فمقياس تقدم المرأة مثلا هو قيامها بالتنافس على مكان مضمون في الكنيست أو للمجلس البلدي او للجنة المتابعة. هذا المقياس حسب رأيي يعكس خلل في الوعي اللازم من أجل نيل المرأة الحرية الفعلية لأن هذه المؤسسات فاسدة ومفسدة. هل تقدم المرأة يقاس بمنافسة الرجل على السلطة والفساد؟ أنا أصلا لا اؤمن بأن جوهر تحرر المرأة هو المساواة مع الرجل. فالنساء اللاتي وصلن الى هذا النوع من المساواة لم يكن افضل من الرجال، يكفي هنا أن نذكر هناعلى سبيل المثال لا الحصر تاتشر وغولدا مئير وانديرا غاندي وهيلاري كلينتون. المساواة مع شيء سيء هي مساواة سيئة.
حرية المرأة لن تتحقق من خلال مشاركتها لعالم الرجل بل من خلال العمل- مع الرجل -لتغيير هذا العالم القائم على الثقافة الذكروية وتخليد دونية المرأة. الطريق الى هذه الحرية يستوجب تعليم المرأة واقتحامها كافة مجالات العمل والنضال ضد الاستغلال والتمييز ضد النساء على اساس جنسي. حتى ذلك الحين اتمنى للمرأة العربية رحلة ممتعة الى جزر القمر.

Wednesday, February 26, 2014

ليس كل ما يلمع ذهبا


ليس كل ما يلمع ذهبا

علي زبيدات – سخنين

يوجد في السياسة الاسرائيلية مصطلح على غاية من الاهمية يسمى "הסברה" (هسبراه). لا يتطابق هذا المصطلح تماما مع المعنى الحرفي للكلمة "تفسير" فهو لا يقتصر على مجرد تفسير، تبرير، وشرح السياسة الاسرائيلية وبثها في وسائل الاعلام المحلية والدولية وايصالها الى كل من ينبغي أن يعرفها، بل يتجاوزه حتى اصبح يجسد مجمل الاستراتيجية الاسرائيلية للدفاع عن سياسة الدولة في كافة المجالات. فهو يشمل من المنطلق الاسرائيلي محاربة الدعاية المعادية للدولة والتي ترى فيها مسا بحقها في الوجود ومحاولة لنزع شرعيتها، وتسويغ الاحتلال وتعاملها الفظ اتجاه الشعب الفلسطيني ومواجهة الانتقادات الدولية المتزايدة وخصوصا من قبل منظمات حقوق الانسان والرأي العام بالاضافة للترويج لديمقراطيتها ونزاهة جيشها واجهزتها الامنية. من أجل القيام بهذه المهمة على احسن وجه فإن كافة الوسائل مشروعة من كذب وتزييفوتشويه حقائق ومبالغة وغيرها. بالرغم من عدم وجود وزارة خاصة تركز هذا النشاط (كما هو متبع في بلدان عديدة من خلال وزارات الاعلام) الا ان كافة الوزارات والمؤسسات الاسرائيلية بقيادة وزارة الخارجية ومكتب رئيس الحكومة تضع نصب أعينها هذه المهمة.
لست هنا بصدد الغوص في اعماق هذا المصطلح الاسرائيلي فهو مجال واسع، مترامي الاطراف ومتعدد الجوانب بحاجة الى مراكز دراسات وابحاث من اجل ذلك. اكتفي هنا بالاشارة الى بعض الخطوط العامة لمساهمتنا نحن الفلسطينيين وخصوصا في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ في هذا المجهود الاعلامي الاسرائيلي من حيث ندري او لا ندري.
قبل أيام صرح رئيس الكنيست يولي ادلشطاين في مقابلة معه بأن اسرائيل تستفيد من وجود النواب العرب في برلمانها وتستخدمهم للعلاقات العامة وتزيين صورتها في العالم. وهذا يذكرني بخطاب رئيس الحكومة نتنياهو امام الكونغرس الامريكي قبل حوالي عامين حيث استقبل بتصفيق عارم لم يناله حتى الرؤساء الامريكيين انفسهم عندما تبجح بالقول: "٣٠٠ مليون عربي يعيشون في الشرق الاوسط منهم فقط مواطني دولة اسرائيل العرب يتمتعون بحقوق ديمقراطية حقيقية". فالعرب يشاركون في انتخابات الكنيست ويرسلون اليها ممثليهم الذين يتمتعون بحرية التعبير عن آرائهم فيصرخون وينتقدون، فهل يوجد هناك برهان اكثر من ذلك على ديمقراطية الدولة؟.
في السنوات الاخيرة تزداد الانتقادات الدولية على الممارسات الاسرائيلية وتتعالى الاصوات التي تنادي بمقاطعة هذه الدولة بصفتها دولة فصل عنصري وقد تبرع رئيس السلطة الفلسطينية بنفسه لكي يقنع العالم بعدم مقاطعة دولة اسرائيل خلال زيارته لموطن نظام الابرتهايد البائد في جنوب افريقيا. و في هذا الخصوص لنتذكر الفتاة العربية التي تسكن في القدس واصلها من احدى قرى الجليل التي انتدبت مع مجموعة اسرائيلية لمواجهة "اسبوع الابرتهايد الاسرائيلي" في جنوب افريقيا نفسها حيث صرحت بانها كفتاة عربية تتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن اليهودي. وفي الوقت نفسه كان يجول في أوروبا وامريكا شخص عربي آخر من قرية بدوية غير معترف بها في شمال البلاد، ونحن نعرف ماذا تعني القرى غير المعترف بها" يمتدح الديمقراطية الاسرائيلية ويمجد المساواة والوئام بين المواطنين العرب واليهود في هذه الدولة. ولعل المثال الطازج الذي يحمل خبرا طازجا كان تجنيد البروفسور نعيم عرايدي الشاعر والكاتب والمربي الخ. الخ. من قبل وزير الترانسفير ليبرمان وتعيينه سفيرا لاسرئيل في أوسلو لمواجهة التحول في الرزي العام النرويجي نحو التضامن مع فلسطين، وها هو يعود الى البلاد بفضيحة جنسية من الطراز الثقيل. هؤلاء ليسوا سوى غيض من فيض ممن رضوا أن يكونوا براغي صغيرة في آلة الدعاية الاسرائيلية الضخمة.
لا أقصد هنا المقارنة بين هذه النماذج وبين أعضاء الكنيست العرب وبالتأكيد ليس على الصعيد الشخصي. لكنهم في نهاية المطاف يدورون جميعهم في فلك ماكنة ال"هسبراه" الاسرائيلية كل حسب المسار المرسوم له أو الذي رسموه لانفسهم. بعض المراكز والوظائف قد تبهر الذين يشغلونها وتضع على أعينهم غشاوة تمنعهم من رؤية الامور على حقيقتها. مثل هذه المراكز والوظائف ذات البريق المزيف يجب ركلها إلى مزبلة التاريخ.

Wednesday, February 19, 2014

الانهزامية الثورية



الانهزامية الثورية
علي زبيدات – سخنين

أنا انسان انهزامي. لا يوجد هناك أي خطأ في هذا الاعتراف الذي يبدو خطيرا. أعود وأكرر: أنا انسان انهزاميييي، ولو استطعت مد الياء لمددتها أكثر. بل اكثر من ذلك، فأنا أدعو الجميع لكي يصبحوا انهزاميين. هل تريدون الدليل القاطع على انهزاميتي؟ حسنا، في مصر مثلا، بعد رحيل نظام مبارك، دعوت الى هزيمة سلطة الاخوان المسلمين وفورا بعد ذلك دعوت الى اسقاط سلطة الطغمة العسكرية المدعومة من قبل فلول النظام السابق والقوميين واليساريين المزيفين. اليوم بينما نعيش في حالة استقطاب ليس على مستوى مصر فحسب بل على طول وعرض العالم العربي: معسكر "الشرعية" الاخوانية من جهة ومعسكر "الشرعية" الانقلابية من جهة اخرى أدعو الى هزيمة الطرفين. ولو كنت في مصر الان لناضلت ولو كنت وحيدا من أجل اسقاط الطرفين. ما يحدث في مصر من صراع، بعد اسقاط الاقنعة، هو ليس صراعا من أجل مصر بل صراعا على مصر.
في سوريا دعوت الى اسقاط النظام السوري على الاقل منذ ٤٥ سنة أي منذ هزيمة حزيران، هل ما زال أحد يذكرها؟والتي تحولت بقدرة قادر الى انتصار مبين، مرورا بحرب تشرين التحريكية ومن ثم مغامراته في لبنان ودوره في تدمير العراق وحتى يومنا هذا لابسا قناع القومية والاشتراكية والوحدة والمقاومة. وفي الوقت نفسه أدعو الى هزيمة عصابات المرتزقة المدعومة خليجيا واجنبيا والتي لا تمت بأية صلة للشعب السوري. النظام يدافع عن النظام تحت شعار الدفاع عن الوطن والتنظيمات الدينية تتاجر بالدين بحجة الدفاع عن الدين.
وفي فلسطين، بينما كانت دعوات المصالحة بين حركتي فتح وحماس تتنقل من مكة الى القاهرة مرورا بعواصم عربية اخرى ولم تبق هناك وساطة الا وتم تجنيدها، دعوت الى هزيمة فتح وحماس معا وحذرت وما زلت احذر من المصالحة بينهما. في السنوات الاخير دمرت كل حركة على حدة القضية الفلسطينية بما يكفي، فماذا سيبقى من القضية لو تصالحتا وعملتا سويا لفرض التسوية المعروفة من حيث شروطها وابعادها؟ هل ما زال هناك فلسطيني واحد يتوهم بأن الصراع بين حركتي فتح وحماس هو صراع مبدئي وليس على فتات سلطة وهمية؟
حتى على الساحة المحلية أنا من أنصار الانهزامية. فها أنا ادعو الى هزيمة "ناصرة" جرايسي ومن حوله وفي الوقت نفسه الى هزيمة "ناصرة" سلام وانصاره. اعرف انه لا حق لي بالتصويت في انتخابات الناصرة، ولكن من حقي ابداء رأيي مع علمي المسبق برفضه من الطرفين لأن الناصرة اكبر من أي طرف. في سخنين حيث يوجد لي الحق في التصويت دعوت الى هزيمة القطبين لاني رأيت كيف سخنين تنهار تحت ثقل قبلات المرشحين، وكيف يتم عصرها من شدة احتضان هؤلاء المرشحين لها. والان برز كل ذلك على السطح عندما حانت لحظة تقسيم الكعكة. مساهمتي المتواضعة، وهي اضعف الايمان، كانت مقاطعة انتخابات الهازم والمهزوم والتمرد على عقلية القطيع الذي يساق للانتخابات حتى تقف نسبتها على عتبة ال١٠٠٪.
قد يقول البعض هذا هو الموقف العدمي بعينه، بل هو الجبن في اتخاذ موقف، وهو ليس سوى هروب من الواقع، ففي نهاية المطاف سوف ينتصر طرف وسوف يهزم آخر. وأنا اقول لا: كلا الطرفين مهزوم. وقد يكون "النصر" الوهمي أشد وطأة من الهزيمة. وقد يقولون أيضا: عندما يكون الطرفان سيئين يجب اختيار الاقل سوء. نظرية السيء والأسوأ هي بحد ذاتها نظرية سيئة لانها لا تؤمن بالجيد وبامكانية انتصاره لذلك يجب علينا دائما ان نختار السيء لقطع الطريق على الاسوأ.
في القرن الماضي كان هناك ثائر فذ اسمه فلاديمير ايليتش اليانوف والمعروف عالميا باسم لينين، مفجر احدى الثورات التى مازالت تشكل نقطة تحول في تاريخ البشرية الحديث بالرغم من نهايتها المأساوية. لم يتورع لينين من دمج الانهزامية تلك الكلمة الفظيعة بالثورية، ونادى بهزيمة روسيا القيصرية في الحرب العالمية الاولى الامبريالية. فما كان من زبانية النظام الا ان اتهموه بالعمالة للعدو وبالخيانة العظمى وأهدروا دمه. ولم تقتصر الاتهامات على زبانية النظام بل جرفت العديد من الاشتراكيين الشوفينيين والثوار المزيفين الذين دعوا الى الدفاع عن "الوطن" باسم الكرامة الوطنية الروسية. وكان لينين يرد على جميع المشككين بإنه لا كرامة وطنية للروس في ظل هذا النظام الاقطاعي المستبد، ولا يمكن النضال لاسقاط هذا النظام وفي الوقت نفسه النضال من اجل انتصاره. حتى بعد سقوط النظام الشكلي في أعقاب ثورة شباط البرجوازية وقيام الحكومة المؤقتة بمواصلة الحرب استمر لينين بالدعوة الى الانهزامية الثورية لأن الشعب الروسي لا تربطه أية علاقة بهذه الحرب اللصوصية. اذا تصارع لصان أو اكثر على غنيمة فيجب عدم مساعدة لص ضد آخر والا اصبحت شريكا بالجريمة. ينبغي مقاومة جميع اللصوص والبدء باللص خاصتك.
فقط خلال النضال الثوري وبعد انتصار الثورة وانتزاع الشعب لحريته يصبح هناك معنى للدفاع عن الثورة وعن الوطن ويصبح هناك معنى للكرامة الوطنية والقومية وتصبح الانهزامية عارا بل جريمة.

Wednesday, February 12, 2014

شعب واحد - برلمان واحد


شعب واحد - برلمان واحد
علي زبيدات – سخنين

من حين لآخر يطفو موضوع لجنة المتابعة العليا على السطح. مرة تحت شعار اعادة بنائها أو اصلاحها، ومرات من حيث طريقة تشكيلها أو انتخابها أو من حيث دورها والمهمات الملقاة على عاتقها. في الاونة الاخيرة، أخذ هذا الموضوع بعدا جديدا في اعقاب تصريحات رئيسها محمد زيدان بالاستقالة اذا لم يعاد اختياره التوافقي بالاجماع. حتى الان يبدو انه لن يكون هناك توافق بين كافة المركبات لاعادة اختياره. ويبدو ايضا انه يوجد هناك العديد من المرشحين للمنافسة على هذا المنصب. رئيس مجلس دير الاسد السابق ابراهيم اسدي كان الوحيد الذي ىتجرأ حتى الان واعلن عن ترشيحه. حسب رأي الرئيس الحالي يوجد هناك على الاقل ١٤ مرشحا سوف يقدمهم في الجلسة الاولى عندما يكتمل النصاب ويقدم بها استقالته. واغلب الظن انه لن تكون هناك جلسة من هذا النوع حتى تحسم انتخابات الرئاسة لبلدية الناصرة نهائيا. هذا بالرغم من الفصل بين اللجنتين منذ خمسة اعوام. وهذا بدوره يعني أن رئاسة محمد زيدان سوف تستمر لفترة من الزمن قد تطول وقد تقصر. ولكن هذا لم يمنع العديد من مثقفينا ومفكرينا من أن يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع وقد تناولت وسائل الاعلام المحلية مؤخرا العديد من مقالاتهم وتصريحاتهم ولا ادري إذا كان لدى بعضهم النية في المنافسة على هذا المنصب. لا اريد أن اذكر هؤلاء المثقفين والمفكرين بالاسم وذلك ليس لان القائمة طويلة فحسب بل ايضا لان تحليلاتهم وانتقاداتهم على اهميتها لا تتطرق لوجهة النظر التي تعبر عن رأيي في الموضوع في هذه المقالة.
كعادتي، حاولت أن ابحث في الشبكة العنكبوتية عن المزيد من المعلومات عن هذه اللجنة التي تعتبر أعلى هيئة تمثلية لجماهيرنا. تصوروا انه في عصر الثورة المعلوماتية التي تجتاح عالمنا لم أجد هناك موقعا خاصا لهذه اللجنة، كل ما هناك هو زاوية تعيسة في موقع اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية والذي هو بحد ذاته لا يقل تعاسة. ولكني في الوقت نفسه وجدت أن لهذه اللجنة العديد من الاسامي ولا ادري ايها هو الاسم الحقيقي فهي: لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في اسرائيل، وفي اماكن اخرى: لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل، أو لجنة المتابعة العليا للاقلية العربية في اسرائيل، أو بإختصار لجنة المتابعة العليا وباختصار اشد: لجنة المتابعة أي بدون عليا.
في كافة هذه الاسماء لم اصادف كلمة فلسطين او احدى مشتقاتها ولو لمرة واحدة. طبعا خارج الاسم لم يبخلوا في استعمال تعابير مثل: الجماهير الفلسطينية المتشبثة بارضها، والشعب الفلسطيني الذي نحن جزء لا يتجزء منه وغيرها من الالفاظ. المهم يحب على الاسم أن يبرز ما يميزنا عن باقي الشعب الفلسطيني. وكما قرأتها في مقالة لاحد الناشطين الحزبيين: "الاسم ينطلق من الواقع والموقع". ألسنا مواطنين اسرائيليين؟ ألا نعيش في دولة اسرائيل؟
لن اتكلم هنا عن فشل هذه اللجنة أو عن نجاحها (يوجد هناك من يتكلم عن نجاح وانجازات مع بعض التقصيرات والانتقادات، من باب لا يوجد شيء كامل، ومن لا يعمل لا يخطئ)، ولا يهمني كثيرا اذا كانت منتخبة أم معينة وكأن الانتخابات عندنا دليل على ديمقراطيتنا. واذا تم اختيار رئيسها بالتوافق كما تريده الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أو منتخبا كما تريده الحركة الاسلامية أو التجمع الوطني أو ابناء البلد. المهم اذا كانت هذه اللجنة هي اعلى هيئة تمثلية فماذا يعني ذلك؟ إذا كنت تعرف نفسك كإسرائيلي فاعلى هيئة تمثلية لك هي الكنيست. وإذا كنت تعرف نفسك كعربي (أو فلسطيني) مواطن في دولة إسرائيل وتطالب بالاضافة للكنيست بهيئة تمثيلية اخرى تسميها برلمان للاقلية العربية،( كما تطالب بعض الاحزاب والحركات القومية) فسوف تتهم بإزدواجية الولاء وسوف تجد نفسك عاريا على الجهتين. اما اذا كنت تعرف نفسك كفلسطيني بدون أية تحفظات فعليك أن تبحث عن أعلى هيئة تمثيلية لك في مكان آخر.
مأساتنا أن اعلى هيئة تمثيلية لنا وهي المجلس الوطني الفلسطيني مشوهة ومعطلة كباقي مؤسساتنا التمثيلية من منظمة التحرير الفلسطينية ومجلسها المركزي ولجنتها التنفيذية وحتى المجلس التشريعي لسلطة أوسلو أسوة بكافة الهيئات التمثيلية في العالم العربي(البرلمانات) من المحيط الى الخليج التي هي اما معطلة واما مزيفة وفي اغلب الحلات الاثنتين معا.
حتى عندما كانت هيئاتنا التمثيلية تتمتع ببعض المضمون وببعض الحياة كنا نحن، فلسطينيو الاراضي المحتلة عام ١٩٤٨ نتحاشاها خوفا من القانون الاسرائيلي تارة وحفاظا على المصالح الذاتية لبعض الاوساط المتنفذة تارة اخرى. انا اقترح بدلا من هدر طاقات جماهيرنا على اصلاح ما لا يمكن اصلاحه ان تتضافر كافة جهود الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده لخلق المجلس الوطني الفلسطيني كأعلى هيئة تمثيلية للشعب الفلسطيني ككل، وأقول "خلق"استبعادا لاوهام اعادة بناء أو اصلاح ما قد دثر. وفقط بعد اقامة هذا المجلس الوطني ومن داخل إطاره نستطيع أن نعالج الواقع المختلف في المواقع المختلفة التى يتواجد بها الفلسطينيون.



Wednesday, February 05, 2014

اليسار العربي - أزمة فكر وافلاس قيادات


اليسار العربي – أزمة فكر وافلاس قيادات
علي زبيدات – سخنين

عندما انهار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الذي دار في فلكه في نهاية ثمانينيات وأوائل تسعينات القرن الماضي، سارعت ابواق الدعاية الغربية السياسية والثقافية والاعلامية بالاعلان عن وفاة الاشتراكية والشيوعية نهائيا وبأن النصر الحاسم والنهائي كان من نصيب الرأسمالية فكرا وممارسة. قد يبدو هذا التقييم في أعين البعض للوهلة الاولى معقولا وواقعيا، فلا احد يستطيع أن ينكر حقيقة انهيار الاتحاد السوفييتي الذي اعتبر نفسه لعقود طويلة قائدا للمعسكر الاشتراكي العالمي وللحركات التحررية، الذي استطاع حسب ادعائاته ليس فقط بناء دولة اشتراكية عظمى بل أيضا الانتقال الى النظام الشيوعي حيث يلتغي الصراع الطبقي بعد القضاء على كافة اشكال الاستغلال والقمع والتمييز وتحقيق المساواة الكاملة. حسنا، ما حدث لم يكن في أحسن الاحوال سوى سقوط نموذج واحد للاشتراكية هو النموذج الروسي بغض النظر عن انجازاته واخفاقاته، ولكن حسب رأيي لم تكن الشيوعية هي التي سقطت في الاتحاد السوفييتي ومعسكره لأنه لم تكن هناك شيوعية أصلا لكي تسقط. ما سقط هناك هو شكل معين من الرأسمالية هي رأسمالية الدولة سميت مجازا اشتراكية. طبعا هذا لا يفقد ثورة اكتوبر الاشتراكية قيمتها واهميتها التاريخية ولكن هذا موضوع أخر لست بصدده هنا.
بالمقابل كان "انتصار" الرأسمالية الحاسم ابشع من الهزيمة. فالحروب الامبريالية استمرت وانتشرت في شتى اصقاع الارض . ومن لم يمت في هذه الحروب مات جوعا أو مرضا أو من جراء تلوث البيئة. والنضال ضد الهيمنة الرأسمالية حتى عندما تحولت الى نظام عالمي رهيب لم يتوقف بل ازداد حدة. وتنوعت اشكال النضال ضد هذه الهيمنة. ولكن هذا لا يعني أن النضالات المناهضة للنظام الرأسمالي العالمي لم تتعرض للهزائم والتقهقر على كافة الاصعدة، العكس هو الصحيح. هناك العديد من القوى المناهضة للامبريالية انهارت وسقطت حتى أن جزءا منها انضم للمعسكر الامبريالي. العديد من الاحزاب الشيوعية التقليدية إما انها غيرت اسمها وإما وجدت طريقها للاندماج بالنظام السائد في بلدانها بحجة النضال الديمقراطي من داخل هذا النظام.
لم يكن اليسار العربي استثناء بل شكل نموذجا لهذا الانهيار. بعض الاحزاب غيرت اسمها كمل فعل الحزب الشيوعي الفلسطيني، بعضها اندمج في الانظمة القائمة بمباركة فتاوى التنظيرات بكون هذه الانظمة وطنية وتقدمية. كان من المفروض أن تسقط هذه الاحزاب والحركات مع سقوط الاتحاد السوفييتي. الامر الوحيد الذي انقذها من السقوط التام هو انها لم تكن أصلا في موقع السيادة واكتفت بالوقوع في مستنقع من التخبط الفكري والتنظيمي والافلاس عل مستوى القيادات.
فاذا اخذنا اليسار الفلسطيني كمثل (وضع اليسار العربي لا يختلف من حيث الجوهر)، نرى أن كافة التنظيمات اليسارية لم تستوعب انهيار "المعسكر الاشتراكي" ولم تستطع ان تتعلم أي درس من هذا الانهيار. كان الاتحاد السوفييتي ومعسكره في نظر هولاء ايقونة مقدسة فوق النقد. حتى التنظيمات التي عانت من الانحرافات السوفييتية والتي عارضت بعض سياستها كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثلا كانت عاجزة عن التخلص من هذا العبء الفكري المتحجر. منذ النكبة لم يستطع اليسار الفلسطيني أن يلعب اى دور طليعي قيادي. وقبل طواعية أن يكون احتياطا للقيادة البرجوازية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية قبل سيطرة الفصائل الفلسطينية "المسلحة" عليها وبعد سيطرتها. وكان كل ذلك يجري في ظل تنظيرات فكرية عقيمة: فلسطين في مرحلة تحرر وطني وهذا لا يعني أن البرجوازية الفلسطينية حليف استراتيجي في النضال ضد الصهيونية فحسب بل تستطيع أن يقود هذا النضال أيضا. وهكذا شكلت التنظيمات اليسارية الفلسطينية في أحسن الحالات الجناح اليساري للبرجوازية المهيمنة. ما زلت اذكر بعض النقاش الذي كان يدور بين اكبر فصيلين يساريين: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. فبينما كانت الاولى تنظر حول مرحلتي الثورة: مرحلة التحرر الوطني ومن ثم مرحلة الثورة الاشتراكية والتحذير من عدم الخلط بينهما. كانت الثانية مشغولة بالتنظير حول حرب التحرير الشعبية طويلة الامد ومحاصرة المدن بالقرى وغيرها من الشعارات اليسارية البراقة وانتهت بعد فترة وجيزة بالارتماء في احضان البرجوازية الفلسطينية الدافئة وما زالت مرتمية هناك حتى هذا اليوم. ولسنوات طويلة حاول الفصيلان الوحدة على اساس تجاوز التنظيمات الجبهوية والانتقال الى بناء الحزب الشيوعي الثوري. فكانت النتيجة أن وجد الطرفان انفسهما يقفان على هامش النضال الفلسطيني بين تنظيمي فتح وحماس.
في هذه الايام هناك تيار يساري عارم يجتاح امريكا اللاتينية التي كانت تعد لسنوات قليلة مضت الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الامريكية ترتع وتمرح بها كما تشاء. هذا التيار يحقق الانتصارات الباهرة: ينتفض على الهيمنة الامريكية ويجبرها على التراجع. يرفض الانصياع لاوامر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. يحارب الفقر والتخلف والامية ويخطو خطوات كبيرة لتحقيق العدالة الاجتماعية. اليسار الفلسطيني واليسار العربي بشكل عام يستطيع تأن يتعلم الكثير من التاريخ النضالي لامريكا اللاتينية من نضال سيمون بوليفار ضد الاستعمار الاسباني مرورا بنضال فيدل كاسترو وتشي جيفارا وحتى هوغو شافيز وورثته. الخطوة الاولى التي تضمن الالتحاق بهذا التيار تتلخص في جملة واحدة: التخلص من الجمود العقائدي.

Wednesday, January 29, 2014

داخل الاطار - خارج الاطار كيري يعيد اكتشاف مبادرة السلام العربية



داخل الاطار -خارج الاطار
كيري يعيد اكتشاف مبادرة السلام العربية

علي زبيدات – سخنين

لا يوجد هناك مؤامرة. اطار السلام الشامل مع اسرائيل حسب مبادرة السلام العربية التي قدمها الملك السعودي عبدالله في مؤتمر القمة المنعقد في بيروت عام ٢٠٠٢ معروف للجميع منذ ذلك الوقت. "اتفاق الاطار" الذي يعمل عليه جون كيري هو ايضا معروف حتى قبل أن يعلن عنه رسميا. وكان آخر من تناول تفاصيله صحيفة نيويورك تايمز بفلم كبير محلليها السياسيين توماس فريدمان. الخطوط العريضة وكثير من التفاصيل معروفة لكل من يريد أن يعرف وهي على بعد كبسة أو كبستين على لوحة المفاتيح للحاسوب. كلا الاطارين يعتمد على وينطلق من مصطلح الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧. طبعا، وهل اردتم ان يعتمد على فلسطين التاريخية؟ انسوا! ولتلافي العودة الى النقاش البيزنطي حول قرار ٢٤٢ هل المقصود الاراضي المحتلة ام أراض محتلة، قام الوصي على المبادرة العربية (جامعة الدول العربية برئاسة السعودية) بطرح مبدأ التبادل الذي تلقفه صاحب الاطار الثاني: كيري ويبدو انه ينال موافقة مبدئية من كافة الاطراف. فاذا تم الاتفاق على المبدأ فيمكن التغلب على العراقيل التي تعترض التوصل للاتفاق على التفاصيل.
يتفق الاطاران العربي والامريكي على ضرورة التوصل لحل عادل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. وبما أن العودة من وجهة نظر اسرائيلية هي ليست حلا عادلا وهي لن توافق عليه اصلا بأي حال من الاحوال، فيجب البحث عن حل "عادل آخر". ويبدوا أن جميع الاطراف قد وجدت مثل هذا الحل: "يعود"بعض الفلسطينيين الى الدولة الفلسطينية ويتم توطين البعض في اماكن اخرى وإن لم يكن في دول عربية فمن الممكن تجنيد كندا واستراليا مثلا لهذا الغرض والبعض الآخر سوف يكتفي بالتعويضات. ماذا يوجد ايضا داخل اتفاق الاطار (أو بالاحرى الاطارين)؟ تريدون عاصمة في القدس؟ ما المشكلة؟ ابو ديس تصبح هي القدس الشرقية وهي في الوقت نفسه خارج الجدار. واذا كانت ابو ديس لا تكفي فمن الممكن اخراج حي آخر خارج الجدار وضمه للعاصمة. اما بالنسبة للمستوطنات فهي ليست مشكلة على الاطلاق، فالكتل الكبيرة سوف يتم ضمها إلى إسرائيل مع تبادل أو بدونه أما بالنسبة للمستوطنات المبعثرة هنا وهناك فيمكن بسهولة التوصل إلى حل خلاق مثلا استئجارها لفترة طويلة ولنقل ل٩٩ سنة، أو اخلائها تدريجيا حسب تطور الامور، أو ابقائها تحت السلطة الفلسطينية.
ليس من باب الصدفة أن عرج كيري بعد زيارته الاخيرة على الاردن والسعودية. فقد صرح ابو مازن بما معناه: انا موافق على كل ما يتفق عليه الاخوة العرب. ليتحملوا هم المسؤولية.
اتفاق الاطار حسب المعلومات المسربة والمتداولة ليس فقط انه جاهز بل يحظى بموافقة الجميع. ولكن من باب المناورات أوعز ابو مازن لكبير المفاوضين عريقات وللمالكي بأن يعترضا بشكل معقول ومعتدل، و يكررا للاستهلاك المحلي الشعار الذي وصل الى درجة الابتذال حول التمسك بالثوابت الوطنية. كما أوعز نتنياهو بالطرف الاخر الى ياعلون وبانط بالتعبير عن تحفظهم من هذا الاتفاق. وترك ليبرمان ليعبر عن الموقف الاسرائيلي الحقيقي عندما صرح: "أن اقتراح كيري هو افضل اقتراح يمكن أن نقبله ويجب علينا أن نقبله".
بينما يصرح عريقات بأن الجانب الفلسطيني لن يمدد المفاوضات حتى بيوم واحد بعد انتهاء الاشهر التسعة المخطط لها، يقول أبو مازن بأننا سوف نقبل بفترة ثلاث سنوات حتى تكمل اسرئيل تنفيذ انسحابها ويرى من الضروري تواجد جنود من حلف الناتو لحفظ السلام. في النهاية يتفق الجميع: ابو مازن وكبير مفاوضيه ووزير خارجيته مع نتنياهو ووزرائه عن يمينه وشماله بإن "اتفاق الاطار" الذي يحمله كيري ولا يخفي مرجعيته للمبادرة العربية سوف يفرض على المنطقة بقوة المال السعودي والخليجي والغربي والذي تسميه اسرائيل بالسلام الاقتصادي.
ما تم نسيانه من قبل جميع الفرقاء أن إطارهم هذا ضيق جدا يضع داخله صورة مشوهة ومهزوزة للواقع. وان كافة القوى الحاسمة موجودة خارج هذا الاطار. وعلى هذا القوى أن تبدأ فورا في تحطيم إطار كيري وعبدالله وتصنع صورة مشرقة للمنطقة بأسرها.

Wednesday, January 22, 2014

خطوة إلى الامام خطوتان إلى الوراء - الذكرى الثالثة للثورة المصرية



خطوة إلى الامام، خطوتان إلى الوراء - الذكرى الثالثة للثورة المصرية
علي زبيدات – سخنين

الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير/ كانون الثاني على الابواب .لا أدري، في ظل الظروف الراهنة، كيف سوف يحيي المصريون ذكرى ثورتهم. حتى الان تبدو الصورة بمجملها سريالية: جميع الاطراف المتحالفة والمتناحرة سوف تحيي هذه الذكرى مجتمعة من جهة وكل على حدة من جهة أخرى. يدعي كل فريق بأن الثورة ثورته وإنه الاشد اخلاصا لها ولمبادئها. وبالمقابل سوف يكيل الشتائم للفرقاء الاخرين ويتهمهم بانهم تسلقوا على الثورة أو خانوها وقلبوها الى ضدها بل قدموها هدية للنظام البائد الذي يعود ويمارس الانتقام بمنهجية. إذا صح الكلام، سيحتفل في الوقت نفسه القاتل والمقتول، السجين والسجان، الحاكم والمحكوم، الاخوان المسلمون المعزولون والعسكريون المسيطرون وكل من التف حولهم ودار في فلكهم. شيء واحد اصبح مؤكدا: في هذه الذكرى لن يمتلئ ميدان التحرير بالملايين. لن تخرج الجماهير الغفيرة إلى الشوارع في المدن الكبيرة وفي كافة المحافظات. الشعب خرج في إجازة لا يعرف احد كم تطول. الثورة انتصرت لكن النظام الذي سقط ما زال حيا يرزق ويرفص بقدميه.
كنا في سخنين أول من احتفل بانتصار الثورة المصرية قبل ثلاثة أعوام. كنت شخصيا من المبادرين لهذا الاحتفال. فقد اتصلت بعدد كبير من الفنانين المحليين الملتزمين ودعوتهم لاحياء مهرجان وطني احتفالا بسقوط نظام حسني مبارك. لبى بعض الفنانين الدعوة واعتذر بعضهم كل واحد لاسبابه الخاصة. كان اليوم ماطرا والبرد قارصا ونصحني بعض الاصدقاء أن ننقل المهرجان الى داخل قاعة البلدية القريبة ولكني رفضت ذلك قائلا: على هذا الاحتفال ان يكون في الهواء الطلق، نحن هنا في سخنين امتداد للجماهير المحتفلة في ميدان التحرير فلنتحمل بعض زخات المطر ولنقاوم البرد بالرقص فرحا، فليس كل يوم لدينا ثورة تنتصر. وعلا صوت الفنانة الملتزمة سلام ابو إمنه يصدح: بلادي، بلادي لك حبي وفؤادي...
لم أكن اتصور بأن حياة الثورة المصرية سوف تكون قصيرة الى هذا الحد. كنت اشعر منذ البداية بانها ولدت هزيلة تعاني من عيوب تشكل خطرا على حياتها وإن الاحتمال الوحيد لانقاذها يكمن في استمراريتها، في السير بها حتى النهاية حتى تحقق كافة غاياتها في بناء مصر جديدة وقوية. ولكن ابناءها عملوا كل ما في وسعهم لاجهاضها من خلال تناحرهم لتحقيق اهدافهم الفئوية الخاصة. مرة اخرى اثبتت الثورة المصرية المقولة البائسة القديمة التي تقول: الثورة تأكل أبناءها. الثورة الفرنسية الكبرى التي بدأت بهدم سجن الباستيل واعدام الملك انتهت باعدام الثوار لبعضهم البعض ومهدت الطريق امام نابليون ليزج بفرنسا في حروب استمرت ربع قرن وانتهت بعودة الملكية مرة اخرى، وهذا ما حصل في الثورات التي تلتها في عام 1830 و1848 و1871 سرعان ما كانت الثورة تتحول الى ثورة مضادة. ولكنها لم تتخلى عن الاحتفال بالثورات السابقة التي مهدت لها الطريق للاستحواذ بالسلطة. وهذا ما حصل للثورة اكتوبر في روسيا والثورة الصينية والجزائرية وغيرها من الثورات. من سخرية الاقدار أن نظام مبارك البائد كان يحرص على احياء ذكرى ثورة يوليو حتى في سفارته في تل ابيب بمشاركة وزراء اسرائيليين.
مصير الثورات مهما كان مأساويا فأنه لا يقلل من قيمتها التاريخية كقاطرات تختزل الزمن وتنقل الشعوب من مرحلة الى أخرى. الثورة التونسية وسقوط نظام بن علي كانت ضرورة تاريخية بغض النظر عن النظام الجديد. سقوط نظام حسني مبارك هو الاخر كان ضرورة تاريخية تأخر لسنوات طويلة وسقوط حكم الاخوان في مصر ايضا ضرورة تاريخية وان تقدم كثيرا. وسقوط حكم العسكر عاجلا ام آجلا سيكون ضرورة تاريخية. الثورات في العالم العربي مهما كانت متواضعة ومهما اصابها من تشويه وانحرافات هي جميعها ضرورات تاريخية وليست نتيجة لفكر تآمري اجنبي كما يظن اصحاب نظرية المؤامرة. لا اعتقد أن وكالة المخابرات الامريكية أو برنارد ليفي الصهيوني الفرنسي باستطاعتهم على سبيل المثال جمع ملايين المصريين في ميدان التحرير وكأن هذه الملايين تتحرك بواسطة جهاز تحكم من بعيد. نظرية المؤامرة لا تدل على عجز وعفم أصحابها فحسب، بل تدل على عدم الثقة بشعوبهم وعلى تأليه القوة الاجنبية ايضا. اسباب الثورات اولا وقبل كل شيء هي نتيجة للتناقضات الداخلية ،واسباب فشلها أو نجاحها داخلية ايضا. العوامل الخارجية هي عوامل ثانوية مساعدة يمكن التغلب عليها.
أتمنى في الذكرى الثالثة للثورة المصرية ان يقوم الشعب المصري بتفجير ثورة جديدة تكون اكثر عمقا وجذرية من الثورة السابقة ويسير بها حتى تحقيق كافة مهامها لنقل البلاد نقلة نوعية للمكان الذي تستحقه. واتمنى قيام مثل هذه الثورة لتكنس الانظمة الملكية المهترئة التي تحتمي باموال النفط وبالحماية الاجنبية وتكنس كافة الانظمة العربية بما فيها سلطة أوسلو.



Wednesday, January 15, 2014

مخيم اليرموك مر من هنا



مخيم اليرموك مر من هنا
علي زبيدات – سخنين
كلنا يعلم انه اصبح من الصعب بل من المستحيل أن تجد في عالمنا العربي مواطنا يعيش بكرامة في وطنه ينعم ولو بنزر قليل من الحرية ومن حقوق الانسان الطبيعية. ولكن أن يصبح من الصعب بل من المستحيل أن تكون لاجئا، مجرد لاجىء، تعيش في مخيم وتحت رحمة الاخرين، فهل هذا معقول؟ اليس هذا كثيرا ايها الحكام والثوار والمسؤولون؟هل يوجد هناك من يعي ما يحدث؟ لا تستطيع أن تعيش لاجئا في المخيم ولا تستطيع أن تعيش لاجئا خارج المخيم. ومن لا يموت بالرصاص وتحت القصف يموت غرقا أو جوعا؟ حتى التشرد من جديد اصبح ترفا لا يتمتع به غير المحظوظين.
علمونا في التاريخ أن اليرموك هو اسم لاهم معركة خاضها المسلمون بقيادة خالد بن الوليد ضد الامبراطورية البيزنطية انتشر الاسلام بعدها في بلاد الشام. وعلمونا في الجغرافية أن اليرموك نهر ينبع من جبال حوران ويوحد على ضفتيه سوريا والاردن وفلسطين. اما السياسة العربية الحديثة فلم تعلمنا سوى أن اليرموك مخيم يقع الى الجنوب من دمشق ويفرض عليه الحصار حتى الموت جوعا.
١٤٢٠ سنة تفصل بين معركة اليرموك الاولى وبين معركة اليرموك الثانية. في معركة اليرموك الاولى انتصر العرب والمسلمون وفي معركة اليرموك الثانية انتصر العرب والمسلمون. الفرق انهم في المعركة الاولى انتصروا على امبراطورية استعمارية اما في المعركة الثانية فقد انتصروا على مخيم. وليذهب خالد بن الوليد الى جهنم فاليوم يوجد لدينا قادة متدينون يضعون الخلفاء الراشدين في جيوبهم الصغيرة كما يوجد لدينا رئيس قومي جدا بل آخر رئيس قومي ينحدر مباشرة من صلب الرسول لكي يحافظ على دولته القومية.
أشد ما يغظني ذلك النقاش الغبي والعقيم حول من هو المسؤول عن نكبة مخيم اليرموك. ابواق النظام "القومية" تتهم الارهابيين، التكفيريين، الوهابيين، المرتزقة، ثوار الناتو الخونة، بينما ابواق المعارضة الاسلامية الورعة تتهم النظام العلوي، النصيري، الكافر، الفاسد. ومن لم يمت بقذيفة قومية يتم نحره بسيف اسلامي. لم يسقط الاسلام السياسي أمام عجزه في مواجهة التحديات التي يفرضها عليه عالم الكفار ولم يسقط فرسان القومية العربية بسبب هزائمهم المشينة المتكررة امام إسرائيل والامبريالية الغربية التي تدعمها، بل يسقط الطرفان الان على اعتاب مخيم اليرموك. لا اريد أن اسمع المزيد من التبريرات فجميع الاطراف تملك كم لا يحصى منها. اذا كنتم غير قادرين على حسم معركتكم وغير قادرين على وقف القتل المتبادل فعلى الاقل تستطيعون ممارسة القتل الجماعي والعشوائي خارج المخيم. وهل تعرفون ماذا أيضا؟ يستطيع النظام السوري أن يأخذ معه القيادة العامة وفتح الانتفاضة وتستطيع المعارضة أن تأخذ معها حماس وارحلوا. ولكن رجاء اتركوا الاطفال والنساء والشيوخ وباقي المدنيين الذين لا ناقة ولا جمل لهم في هذا الصراع. لم يكف انكم استعرتم دموع التماسيح بل استعرتم جلودها ايضا. لا احد يملك ميزانا لوزن مسؤولية كل طرف، وكما يقول اليهود: حكم القرش كحكم المائة قرش. واذا كان الامر يسهل عليكم فلستم وحدكم من يتحمل المسؤولية فهناك ايضا المجتمع الدولي والامم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومجموعة عدم الانحياز ومنظمة التحرير الفلسطينية وسلطة أوسلو ومنظمات حقوق الانسان. هل هذا يكفي؟ هل نسيت أحدا؟ كلا، هذا لا يكفي وقد نسيت الكثيرين. نسيت أنفسنا، ابناء الشعب الفلسطيني في جميع اماكن تواجده، الذين نشاهد ما يجرى وكأننا نشاهد شريطا سينمائيا ولا نحرك ساكنا، نتحمل قدرا كبيرا من مسؤولية ما يجرى في مخيم اليرموك. ليزداد الحراك الشعبي زخما لرفع الحصار. ليخرج الجميع الى الشوارع والى الميادين. وبمناسبة وفاة السفاح شارون يجب الا نسمح بتكرار نكبة صبرا وشاتيلا جديدة. يجب على جميع القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية أن تصرخ صرخة واحدة: كلنا مخيم اليرموك.

Wednesday, January 08, 2014

عام قديم - فلسطين جديدة



عام قديم - فلسطين جديدة
علي زبيدات – سخنين
في الاسبوع الماضي بعد نشر مقالتي بعنوان "عام جديد – عالم عربي قديم" لامني بعض الاصدقاء واتهمت بالمبالغة في التشاؤم. فالعالم العربي قد تغير الى درجة اصبح بالكاد التعرف عليه، وبالقفز عن الوضع الفلسطيني خصوصا في المناطق لمحتلة عام ١٩٤٨ . بالنسبة للتهمة الاولى، بالعكس لم يكن التشاؤم سوى شكل عرضي وعابر ومن خلفه يكمن التغاؤل بلا حدود يبشر بعالم عربي جديد. لا انكر ان العالم العربي القديم قد تعرض، خصوصا بالسنوات الثلاثة الاخيرة، الى العديد من الزلازل والعواصف السياسية والاقتصادية ولكنه ما زال صامدا وبشراسة بفضل اموال النفط وبفضل الاحلاف والتوازنات الاقليمية والدولية. فالتغيير موجود في كل يوم بل وفي كل لحظة ولكنه بطيئ ومتردد واحيانا في الاتجاه الخطأ، ولكنه مستمر بلا توقف. وقلت أن أوروبا كانت بحاجة الى أكثر من قرنين من الزمن لكي تخرج من القرون الوسطى الى العصر الحديث. فما قيمة ثلاث سنوات في تاريخ الشعوب؟
بالنسبة للتهمة الثانية صحيح، لم اتطرق لوضعنا الخاص في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ وذلك لضيق المجال الذي تفرضه حدود مقالة صحفية،وهذا ما أود التطرق اليه بقدر ما تتيحه مثل هذه المقالات. ولكي لا افهم خطأ واتهم مرة اخرى بالتشاؤم المبالغ فيه أبدأ بالتفاؤل المبالغ فيه لانه في الحقيقة لا يوجد هناك مبالغة بالتفاؤل. لذلك قمت بعكس عنوان المقالة. العام الجديد هو استمرار للعام القديم. لم نشهد في الليلة الاخيرة من العام الماضي خسوفا للقمر ولم يشهد اليوم الاول من السنة الجديدة كسوفا للشمس. العام الجديد هو مجازا جديد. ولكي يصبح جديدا حقا ينبغي شحنه بشكل واع بالتجديدات والتغيرات الهادفة وهذا بدوره سوف يتمخض في نهاية المطاف لخلق فلسطين الجديدة.
استقبل العام القديم الذي حل علينا بقناع جديد بالترحاب من قبل المؤسسات الرسمية القديمة وبالتحديد من قبل لجنة المتابعة والاحزاب السياسية العربية. المصيبة ان هذه المؤسسات لا تعترف بأن وجودها اصبح مفارقة تاريخية وانها لا تصلح لأن تكون اداة للتغيير بل هي اداة لمحاربة التغيير. بالطبع المؤسسة الصهيونية هي الاخرى مفارقة تاريخية. لذلك نرى الوحدة بين المؤسسات الرسمية من كلا الطرفين هي الاساس بينما الصراع بينها نسبي ومشروط واحادي الجانب. وسوف تقف موحدة في وجه كل تغيير جذري. تتشبث هذه المؤسسات بالقديم بكل ثمن وترفض وتقاوم كل تغيير حقيقي. بالمقابل يوجد هناك قوى تبادر وتتحمس للتغيير وتقوده في ظروف صعبة قد تؤدي الى النجاح وقد تؤدي الى الفشل. ولكن حتى الفشل قد يكون مقدمة للنجاح مستقبلا حيث أن قوى التغيير تتجدد على الدوام. لنأخذ المعركة على النقب كمثال: لو بقيت القضية في اروقة الكنيست أو محصورة في احتجاجات لجنة المتابعة لدى السلطات لحسمت المعركة منذ زمن طويل ولتم تنفيذ سياسة التطهير العرقي لفلسطينيي النقب. ولكن صمود أهل النقب ودخول قوى التغيير الشبابية الى الصورة قد قلب المعادلة. اليوم يتكرر الوضع نفسه في قرية رمية المهددة بالتطهير العرقي. تدخل لجنة المتابعة سابقا تمخض عن اتفاق مجحف في حق أهالي القرية وتدخلها اليوم جاء لاجهاض أي مبادرة نضالية قد تعيد لهم بعض حقوقهم. لذلك من الضروري أن تنتزع قوى التغيير الشبابية قيادة نضال اهل الرمية وتسير به الى النهاية. وغدا سوف نواجه حملة أخرى لتهويد الجليل فكيف نواجهها؟ بخطابات اعضاء الكنيست المجترة؟ أم باحتجاحات لجنة المتابعة ورؤساء السلطات المحلية الخجولة؟
وكيف سنواجه المخطط الاخير لتصفية القضية الفلسطينية والذي يسمى كذبا وبهتانا باتفاقية السلام؟ اتفاقية اذا ما تم التوصل اليها سوف نتوق حنينا الى اتفاقيات اوسلو التصفووية. جامعة الدول العربية ستدخل التعديلات المطلوبة على مبادرتها بخصوص الاعتراف بالدولة اليهودية والتبادل السكاني. والسلطة الفلسطينية سوف تقبل بذلك بحجة قبول الدول العربية لها.
الصراع بين الجديد والقديم، بين التغيير والتشبث بالقديم، بين التجديد والتقليد، بين العقل والنقل لم ولن ينتهي. لكي نتخلص من الزمن الرديء الذي يلاحقنا عاما بعد عام منذ قرون، ولكي نبني فلسطين الجديدة نجد انفسنا واقفين امام تحديين: الاول، أن نتحرر ذاتيا من العوامل والقوى التي تشدنا الى الوراء وعلى كافة الاصعدة. والثاني، أن نوظف طاقاتنا الحضارية والانسانية من أجل تقويض نظام الفصل العنصري الصهيوني.

Wednesday, January 01, 2014

عام جديد - عالم عربي قديم



عام جديد – عالم عربي قديم
علي زبيدات – سخنين

عندما تنضب القدرة على الابداع ويتحجر الفكر ويشل العجز كل تغيير نحو الافضل، يلجأ المرأ إلى البحث عن بديل وهمي لتبرير عجزه وواقعه التعيس. يمكن تفهم هذا الوضع اذا تعلق بفرد او بمجموعة من الافراد ولكنه يصبح مصيبة عندما يتحول الى ظاهرة تكتسح العالم العربي على طوله وعرضه. في هذه هذه الايام بالذات اصبحت هذه الظاهرة هوسا اسميها: اللهث وراء التنجيمات والتنبؤات والتوقعات في العام الجديد. ولا أظنني ابالغ اذا قلت لا يوجد هناك قناة تلفزيونية عربية الا وكرست الساعات لمثل هذه الخزعبلات، ولا يوجد اذاعة عربية الا وخصصت الساعات الطويلة لبثها، ولا يوجد مجلة او جريدة مهما كانت مكانتها الا ولطخت صفحاتها بها، بدءا بالكوارث الطبيعية من زلازل واعاصير وفيضانات وجفاف وحتى المؤمرات السياسية والاغتيالات والحروب.
لست منجما. ولا تستهويني برامج التنبؤات المرئية والمسموعة والمكتوبة. ولكن هذا لا يعني بأنه، مثلي مثل غيري، ليس لدي توقعات قد تصدق وقد تخيب مبنية على نظرة نقدية للواقع الذي يحمل بين طياته الماضي وينقله بل يفرضه على المستقبل. العام الجديد هو امتداد للعام المنصرم ليس فقط بالمفهوم الزمني اذا لا يوجد هناك حالة انقطاع بينهما بل بالمفهوم الاجتماعي والفكري والاقتصادي والسياسي أيضا. انا لا ادعي بانه لا يوجد هناك تغيير من عام لاخر بالعكس يوجد هناك تغيير حتى خلال فترات اقصر من ذلك، في كل يوم بل كل ساعة وكل لحظة. ما أود قوله هنا أن التغيير الذي يشمل الامة بأسرها في عالمنا العربي هو تغيير بطيء، عشوائي، نسبي، وسطحي. وفي كثير من الاحيان يجرنا الى الخلف أو نحو الاسوأ وبالتالي نفقد الامل بأن يكون هوالتغيير الجذري المطلوب الذي ينهض بهذه الامة ويعيدها الى ركب الحضارة.
لست هنا بصدد تحليل ما يجلبه العام الجديد على الصعيد العالمي فهذا موضوع وواسع لا تتحمله مقالة صحفية. سوف اكتفي باعطاء رأيي بما يحمله العام الجديد للعالم العربي، وهنا ايضا يتعذر تناول كافة المجالات والاصعدة وسوف اقتصر على بعض الخطوط العامة الاساسية التي تشير الى الاتجاه العام الذي نسير نحوه في العام المقبل.
ثلاثة مراكز تتنازع صدارة الاحداث التي سوف تؤثر على مستقبل العالم العربي في العام الجديد والاعوام القادمة. وهذه المراكز هي مصر وسوريا وفلسطين. مصر بصفتها أكبر دولة عربية كان من المتوقع ومن المفروض أن تقود عملية التغيير الجذري على الصعيد العربي وليس عن طريق التدخل بشؤون الدول العربية الاخرى بل يكفي أن ينجح هذا التغيير في مصر لكي تنتقل ديناميكته بشكل طبيعي الى باقي البلدان العربية. في المرحلة الاولى كانت بوادر مثل هذا التغيير واضحة وملموسة تجسدت في خروج الملايين الى الشوارع والميادين حتى تمت الاطاحة بنظام مبارك الفاسد. ويبدو أن الجماهير الشعبية ارتعبت من انتصاراتها وانجازاتها، وفي غياب قيادة ثورية منظمة وقوية بدأت عملية التراجع رافقتها عملية صراع على السلطة انتهت بانفراد الاخوان المسلمين بالسلطة السياسية وبدل أن يستغلوا هذه السلطة في تصفية أسس النظام البائد استغلوها في محاولة الهيمنة على شركائهم في تقويض نظام مبارك مما اتاح المجال لفلول هذا النظام تنظيم انفسهم والاستعداد لهحوم مضاد سرعان ما أصبح حقيقة واقعة. الاستياء الشعبي وصل أوجه بعد مرور سنة على حكم الاخوان وأسفر عن الاطاحة بحكمهم بواسطة الجيش. ولكن في هذه المرة لم يتخذ الجيش موقفا حياديا بين الشعب والنظام وفي الوقت نفسه لم يستلم السلطة من اجل ولمصلحة الشعب كما يدعي بل لاكمال عودة النظام السابق ولكن بشكل جديد. المعركة التي بدأت بين الاطراف المتناحرة في منتصف العام الماضي لم تحسم نهائيا بعد، وسوف تستمر في العام الجديد بكل شراستها. الشعب المصري يواجه أزمة ذات ثلاثة ابعاد: الاول، رفض حكم العسكر المتحالف مع اركان النظام البائد والعائد الى احضان النظام الرأسمالي العالمي. البعد الثاني، رفض سيطرة الاخوان الاقصائية والتي لم يستطع الشعب المصري تحملها اكثر من سنة. والبعد الثالث، غياب قيادة ثورية مخلصة ذات رؤيا تحررية تحظى بدعم جماهيري. هل تستطيع قيادة غير ثورية رموزها البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي قيادة ثورة؟ طبعا لا. الخلاصة حسب رأيي أن ما حدث في السنوات الثلاثة الاخيرة في مصر لم يكن سوى مقدمة للثورة الحقيقية وأن الصراع الراهن سوف يستمر حتى تتغير المعادلة جذريا ويستطيع الشعب المصري افراز قيادة ثورية تستطيع السير بالثورة حتى النهاية
ما يحدث في سوريا لا يختلف من حيث الجوهر عما يحدث في مصر، هذا بالاضافة الى سمات خاصة اهمها الاستقطاب الاقليمي والدولي. وفي ظل هذا الاستقطاب دخول مجموعات من المرتزقة. الصراع في سوريا لن يحسم محليا لأنه لا يدور بين النظام والمعارضة فحسب. فالنظام مدعوم من قبل قوى اقليمية ودولية وكذلك معظم المعارضة المسلحة. ولم يبق امام الشعب السوري سوى تقديم التضحيات والدم والجوع والتهجير. وهذا يتم باسم الاسلام تارة وباسم القومية والمقاومة تارة اخرى وباسم الديمقراطية تارة ثالثة. التوازن الدولي في الازمة السورية فرض توازنا على المتحاربين على الارض. وهذه الازمة لن تحل في مؤتمر جنيف أو في أي مؤتمر مشابه. ولن تنتهي حتى ولو انتصر عسكريا طرف على طرف آخر. فلو فرضنا أن النظام حسم المعركة لصالحه، وهو من طبيعة الانظمة التي لا تتغير، فالصراع سيبقى حتى ولو اتخذ لفترة شكلا آخرا. اما اذا انتصرت قوى المعارضة عسكريا سوف تبدأ فورا بتصفية بعضها البعض وزج الشعب السوري في أتونها. لذلك اتوقع ان يستمر القتل والدمار في سوريا في العام الجديد ايضا حتى يستطيع الشعب السوري بما تبقى لديه من قوى كامنة أن يضمد جراحه وينتفض وينهض لبناء سوريا الحرة الجديدة الخالية من كافة اشكال الاستبداد والطائفية.
في فلسطين، وبسبب ضيق المجال، اختصر وأقول أن المهمة الاساسية أمام الشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة تكمن في القضاء على معادلة المفاوضات والاستيطان. انتفاضة ثالثة جيدة ولكن لن يكون في مقدورها تغيير الاوضاع جذريا. يجب العودة الى منطق الثورة ، بدءا بتصعيد النضال ضد المفاوضات وضد الاستيطان ومن ثم التخلص من سلطة اوسلو نهائيا حتى تحقيق الانتصار التاريخي على الكيان الاستيطاني الصهيوني وعودة اللاجئين وتحرير فلسطين واعادة بنائها على مبادىء الحرية والعدالة.
مع تجدد العالم العربي سوف يطيب الاحتفال بالعام الجديد.