Friday, November 29, 2019

كذبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني

كذبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني
قد يتساءل البعض: هل يوجد هناك رجل عاقل يرفض التضامن "العالمي" مع شعبه ومع قضيته العادلة خصوصا حينما يخوض هذا الشعب نضالا مريرا ضد قوى عاتية لا قدرة لديه على مواجهتها وحيدا؟ جوابي هو: نعم يوجد. أنا ضد هذا التضامن عندما يكون كذبة بل أكثر من ذلك عندما يكون قناعا لتصفية هذه القضية العادلة.
كنت في عام 1977 أسيرا سياسيا في سجن الرملة المركزي عندما أصدرت الأمم المتحدة قرار 32/40 بالاعلان عن يوم ال29 من نوفمبر/تشرين الثاني كيوم عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. كنا نستعد كعادتنا في سنوات سابقة لإحياء ذكرى قرار 181 المشؤوم الصادر عن المؤسسة ذاتها لتقسيم فلسطين. أذكر أنني فكرت كثيرا في هذا التحول المفاجئ: هل جاء اختيار هذا التاريخ بالذات من باب الصدفة؟  وإذا كانت النوايا حسنة فلماذا لم يتم إختيار تاريخ آخر. وقد ناقشت شكوكي هذه مع بعض أصدقاء السجن، ولكن كما يبدو كان الوقت متأخرا  فقد جاءت تعليمات قيادة فصائل منظمة التحرير للاحتفال بهذا اليوم على أنه يوم تضامن عالمي وليس كذكرى لقرار مجحف. وقد صور الأمر وكأنه انجاز بل انتصار فلسطيني تاريخي على الساحة الدولية. كان أكثر المتحمسين لهذا التحول الأسرى من حركة فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وبشكل أقل باقي التنظيمات والاسرى المستقلين. واذكر أن حديثا دار بيني وبين رفيق من الجبهة الشعبية حول هذا الموضوع وكان جوابه في النهاية: يا رفيقي ما المانع أن نحيي ذكرى التقسيم ونحتفل بيوم التضامن في آن واحد؟! كانت الجبهة الشعبية في ذلك الوقت تتزعم جبهة الرفض على الساحة الفلسطينية ومن ثم انضمت لبعض الانظمة العربية مشكلة جبهة الصمود والتصدي التي عارضت خطوات السادات التي افضت الى اتفاقيات كامب ديفيد. ولكن، حسب رأيي، لم تستطع الجبهة الشعبية الربط بين قرار الأمم المتحدة المشبوه حول يوم التضامن العالمي وبين تطورات الحلول التصفوية التي قادها السادات.
لنعود الى الساحة الفلسطينية: لم يأت هذا اليوم من فراغ ولم ينزل دفعة واحدة من السماء. تعود البداية (الرسمية) إلى قرارت المجلس الوطني في دورته الثانية عام 1974 والتي تعرف بالبرنامج المرحلي أو النقاط العشر وطرح شعار "السلطة الوطنية". جاء هذا التحول في أعقاب "الانتصار" في حرب أكتوبر 1973 والذي فتح الباب على مصراعيه للتوصل إلى تسوية سلمية مع إسرائيل حيث هرول "المنتصرون" إلى مؤتمر جنيف الذي صممه هنري كيسنجر.  وقد جلس ياسر عرفات ينتظر الدعوة للحاق بهذا المؤتمر تلك الدعوة التي لم تصل ابدا، وخرج النظام السوري من المؤتمر بلا حمص بعد تعنت الجانب الاسرائيلي ولم يبق في الميدان سوى أنور السادات الذي فضل الانتقال من جنيف إلى كامب ديفيد. 
نتائج التسوية على الساحة الفلسطينية فشلت مؤقتا ولكن نهج التسوية حافظ على استمراريته وتطوره حتى بلغ غايته بعد عقد من الزمن في اتفاقيات أوسلو. جاء قرار يوم التضامن العالمي أولا وقبل كل شيء دعما مباشرا لزيارة السادات إلى الكيان الصهيوني وخطابه في الكنيست وتقديم قطعة صغيرة من الحلوى صغيرة لزعامة منظمة التحرير كرشوة لتخفيف معارضتها لخطوات السادات. وقد حققت بذلك نجاحا كبيرا، فليس من باب الصدفة أن يكون ياسر عرفات متواجدا في البرلمان المصري عندما أعلن السادات عن نيته في زيارة القدس المحتلة. وحتى بعدما انضمت منظمة التحرير رسميا لجبهة الصمود والتصدي فقد كان انضمامها شكليا وعلى أي حال فقد انهارت هذه الجبهة بعد سنتين من قيامها.
الهدف الآخر من هذا القرار كان موجها للجماهير الفلسطينية وكانت الرسالة واضحة بأن انسوا قرار التقسيم وأنه لم يبق أمامكم سوى الانضمام لمن هللوا للتقسيم منذ صدوره والتهوا  واستمتعوا بيوم التضامن العالمي.
  بعد مرور 42 عاما على قرار الأمم المتحدة من حقنا أن نسأل: أين هو التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني؟ وماذا حقق أكثر من رفع العلم الفلسطيني على بناية الأمم المتحدة في نيويورك؟
هذا اليوم كان وسيبقى وصمة عار على جبين الأمم المتحدة ويوم ذكرى لأحد بشع القرارات في التاريخ الحديث، قرار تقسيم فلسطين الذي منح عمليا كلا القسمين للكيان الصهيوني.

Tuesday, September 03, 2019

الكبار يلعبون والصغار يصفقون

الكبار يلعبون والصغار يصفقون

لعل والغوغائية التي رافقت وتلت المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل وما انبثق عنها من لغط وهرج ومرج كانت أهم من المواجهة نفسها. خرج أنصار حزب الله ومعسكر "المقاومة" من جلودهم فرحا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. فهذه العملية قلبت موازين القوى راسا على عقب وشطبت كافة الخطوط الحمراء وكأنها الخطوة الأولى في مسيرة أل200كم (المسافة بين حدود لبنان والقدس). أما معارضو هذا المعسكر، الذين نطق بإسمهم وزير الخارجية البحريني، فقد أدانوا العملية "خوفا" على الشعب اللبناني والدولة اللبنانية ولكن في الحقيقة دعموا حليفهم الإسرائيلي. وكالعادة حاول "الممانعون" زج كافة المواقف في إحدى الزاويتين: إذا لم تكن مع "المقاومة" فأنت حتما مع إسرائيل والرجعيين العرب. وقد سارع أحد المتفذلكين على الفيسبوك الذي يعرف موقفي جيدا من حزب الله وحلفائه ومن إسرائيل وحلفائها مستفزا بسؤاله: هل أنت مع المقاومة أم مع خالد بن أحمد آل خليفة؟ وبما أني كنت مشغولا في حينه في أمر خاص (فحوصات في المستشفى) أجبته محاولا التخلص منه، بأن كل هذه الهيزعة ليست سوى مسرحية. الأمر الذي إستشاطه غضبا وتهجما. وبعدما إزداد الحاحا وعدته بالرد المفصل عندما أجد الوقت لذلك. بالرغم من معرفتي لهذا الشخص بأنه غير قادر على قراءة المقالات المفصلة لطولها ويكتفي بالتعليقات المستفزة على المنشورات القصيرة. لذلك أرى بجوابي هذا غير موجه لشخص بعينه بل لكل من يقرأ المقالات الهادفة ويناقشها بشكل موضوعي.
قال شكسبير قبل اربعة قرون:" الدنيا مسرح كبير وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح". وقد تقبل هذه المقولة العديد من المثقفين بغض النظر عن تياراتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية المتناقضة. المسرحية بحد ذاتها ليست مصطلحا ايجابيا أو سلبيا. أنا، وربما كان هناك غيري الكثيرون، لم أتقبل هذه المقولة المبهمة من غير نقد وتمحيص. شكسبير لم يتطرق الى الدور الذي يلعبه الممثلون (كل الرجال وكل النساء). هل هو دور إرتجالي أم يوجد هناك سيناريو، نص مسبق؟ وإن وجد فمن الكاتب يا ترى؟ ومن هو المخرج والمنتج لهذه المسرحية الكونية؟ وطبعا بعد مرور أربعة قرون غزت التكنولوجيا من بين ما غزته المسرح، فهناك المسؤول عن المؤثرات الصوتية والضوئية والملابس والمكياج والتي من شأنها أن تقلب المسرحية رأسا على عقب. وكيف يتعامل هذا المسرح الكوني مع أدوار البطولة والكومبارس.
لنقل أن مقولة شكسبير هذه في أحسن حالاتها مقولة إشكالية. على كل حال، لنعود هنا إلى المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل: تعريف المسرحية هنا اقتصر على بعد واحد فقط. حسب هذا التعريف المسرحية هي حكاية ملفقة، كاذبة هدفها خداع الناس. والممثل القدير هو الذي يقوم بدوره بشكل جيد ومقنع. من هنا أشد ما يغيظ "معسكر المقاومة" أن تصف هذه المواجهة وكأنها مسرحية. بينما تستطيع بل يجب أن تصف وبكل حرية محاولة إسرائيل نفي تكبدها خسائر بشرية بالمسرحية الفاشلة.
للتذكير فقط: موقفي من حزب الله مبني على ثلاث نقاط أساسية قلتها في الماضي بشكل علني وها أنا أعيد ذكرها الآن غير عابئ بما قد تثيره من خلاف عند أقرب الأصدقاء.
 أولا: تدخلة الدموي لقمع تطلعات الشعب السوري للحرية والكرامة بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية ودعم النظام السوري "الممانع".
ثانيا: ايديولوجية وتركيبة الحزب الطائفية. لا يمكن لحزب طائفي مهما كان أن يمتلك رؤيا تقدمية أو أفق ثوري.
ثالثا: تجيير القضية الفلسطينية لمصالح إقليمية وطائفية .ومواجهة العدو الصهيوني من هذا المنطلق.
تحليلي الشخصي لما حدث إنها بالفعل مسرحية، مسرحية على صعيد دولي يلعب بها الكبار أدوار البطولة ويقوم الصغار (الكومبارس) بالتصفيق. من الواضح للجميع أن الهدف الوحيد لرئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو في الانتخابات السابقة والحالية على حد سواء هو البقاء على قيد الحياة ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد الشخصي أيضا  لكي لا يدخل السجن لسنوات طويلة. فهو من أجل ذلك مستعد أن يعمل كل يستطيعه وكل ما يتفتق به تفكيره. في الانتخابات السابقة تلقى دعما غير محدود من قبل دونالد ترامب بنقل السفارة الامريكية إلى القدس، الاعتراف بضم الجولان وحق إسرائيل بضم مستوطنات الضفة. ومن جهته قدم بوتين هدايا ثمينة لصديقه نتنياهو بإعادة جثمان الجندي المفقود زخاريا باومل بعد 39سنة وقبلها إعادة الدبابة الاسرائيلية التي فقدت في نفس المعركة، وساعة ايلي كوهن، وإطلاق أيدي الطيران الاسرائيلي لكي يقصف سوريا من غير أن يحرك ساكنا، حتى بعد أن سببت إحدى هذه الغارات اسقاط طائرة روسية ومقتل طاقمها. ولم تقصر السعودية ودول الخليج بتقديم شتى المساعدات لاعادة انتخاب نتنياهو. ولكن كل هذه المساعدات لم تكن كافية لكي يحقق نتنياهو انتصارا في ساحة الانتخابات.
 اليوم تتجند كل هذه الاطراف مجتمعة وكل على حدة للقيام بمحاولات جديدة ومبتكرة تضمن بقاء نتنياهو . فمن المتوقع أن يقوم ترامب بخطوة جديدة غير مسبوقة مثل الإعلان عن معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. أما روسيا (حليف المقاومة) فانها تلعب دورا أشد قذارة من الموقف الأمريكي.
هكذا ينتج لنا مسرح اللامعقول السائد حاليا مسرحية سريالية بالغة التعقيد إلى درجة عدم تصديقها. لا أحد يدرك تفاصيل مشاهدها لأنها تحاك في الظلمات، ولكن التفكير العميق والتحليل المنطقي قد يلقي الضوء على بعض خيوطها. يعلم نتنياهو أن تصعيد الصراع مع إيران يعود عليه بمزيد من الاصوات الصهيونية، ولكنه يعلم أيضا أنه لا يستطيع التصعيد اللامحدود والوقوع في ورطة حرب ليس مستعدا لها ولا يعرف عواقبها. فهو يصعد من جهة و يفرمل قبل الوصول إلى مرحلة الانفجار من جهة أخرى. هكذا ضرب في العراق وسوريا ولبنان خلال اسبوع واحد، في الوقت نفسه أعلن ترامب عن استعداده لمقابلة روحاني لمناقشة ملفها النووي. بينما كانت مهمة الصديق الآخر بوتين أن يطمئن ايران وحزب الله بأن اسرائيل غير معنية بحرب واسعة، و كبادرة حسن نية ألغى الجيش الإسرائيلي مناورات واسعة كان سيقوم بها على الجبهة الشمالية.
 في ظل هذه الأجواء حصلت المواجهة الاخيرة بين حزب الله وإسرائيل. مما أتاح للأول أن يتباهى بالنصر الإلهي وأتاح للثاني أن يتبجح بمواجهة الخطر على الأمن القومي من غير وقوع خسائر بشرية في صفوف الجنود الإسرائيليين. مسرحية سريالية مع نهاية سعيدة (happy end).
وأخيرا، في ظل هذا الزمن التعيس وبغض النظر عن المسرح والمسرحيات والممثلين والأدوار والرسائل والغايات غيرها وغيرها.. يحق للشعوب العربية (بتنظيماتها وأفرادها مهما بلغت من انتهازية ) أن تدافع عن نفسها ضد كل إستعمار وضد كل استبداد. 

Saturday, August 10, 2019

قصة واقعية من الخيال

قصة واقعية من الخيال
بما أنني رجل شرقي ذو خيال جامح وواسع ساقص عليكم ماذا سيجري في يوم الانتخابات واليوم الذي يليه. نعم، سوف نهرول إلى صناديق الاقتراع بإلوفنا المؤلفة وسوف تنقلنا الحافلات الممولة من قبل المنظمات اليسارية (اليهودية) ليس نكاية في نتنياهو فحسب بل تحقيقا لحلم القائمة المشتركة أيضا. سوف تصل نسبة مشاركتنا إلى 99.9% وهذه النسبة ليست مستحيلة وليست غريبة علينا فقد حققناها في انتخابات العديد من الدول العربية وحتى في بعض مجالسنا المحلية. سوف تخرج القائمة المشتركة من ثيابها فرحا، لهول هذه المفاجأة إذ كان طموحها يقف عند رفع النسبة إلى 70%. وبما أن عدد الناخبين العرب (مع الجولان والقدس الشرقية الذين سوف يقفون وقفة رجل واحد لنصرة أخوانهم على الطرف الآخر) يصل إلى حوالي 900.000 ناخب سوف يدلون باصواتهم عن بكرة أبيهم وستكون كل هذه الأصوات صحيحة، سيصل عدد النواب العرب في الكنيست إلى 24 عضوا. لا تنسوا أن طموحات القائمة المشتركة حتى في أحلام يقظتها لا تتجاوز 15-17 نائبا. لن يخرج صوت عربي واحد خارج المشتركة حتى الذين رشحوا انفسهم ضمن أحزاب صهيونية سيضعون في اللحظة الاخيرة ورقة القائمة المشتركة. وهكذا كانت النتائج جنونية لا تصدق حيث تساوت القائمة المشتركة مع القائمتين المركزيتين في الوسط اليهودي.
في اليوم التالي سمع صوت نتنياهو يصرخ ويولول في شوارع تل أبيب:
 أيها الخون لقد أسقطوني بأصوات العرب، اخجلوا من انفسكم.
وفي الوقت نفسه سمع غانتس ولبيد على يمينه ويعلون على يساره يقول:
 لن ندخل في ائتلاف حكومي مع النواب العرب مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن.
ومن خلفهم وقف براك وحوله فلول اليسار الصهيوني قائلا:
 لسنا بحاجة لأي نائب عربي.
وما هي إلا لحظات حتى تعانق الجميع وهم يهتفون: حكومة وحدة وطنية، حكومة وحدة وطنية. 
خرجت باقي الاحزاب الصهيونية الصغيرة وانضمت إلى باقي الاحزاب تقف خلف قادتها والجميع يرقصون وينشدون: "هني ما طوف وما نعيم لشفت أحيم جم ياحد" (كم جيد وكم لطيف أن نجلس إخوانا ومع بعض)
خيال؟! صحيح. ولكن الحقيقة أبعد من الخيال. وكما يقول العندليب الاسمر: لا شفتها عين ولا خطرت ببال.

Tuesday, July 30, 2019

من أنتم؟ ومن نحن؟

 من أنتم؟ ومن نحن؟
من غير اتهامات بالمزاودة، التطرف، العدمية وعشرات التهم الجاهزة من هذا القبيل، لندع الحقائق تتكلم:
لندع قانون الأحزاب الإسرائيلي لعام 1992 يتكلم:
" סייגים לרישום מפלגה (תיקון מס" 12)
5. לא תירשם מפלגה אם יש במורה ממטרותיה או במעשיה, במפורש או במשתמע, אחת מאלה:
שלילת קיומה של מדינת ישראל כמדינה יהודית ודמוקרטית.
הסתה לגזענות.
     (2א) תמיכה במאבק מזוין, של מדינת אויב או של ארגון טרור, נגד מדינת ישראל.
     (3) יסוד סביר למסקנה כי המפלגה תשמש מסווה לפעולות בלתי חוקיות".
ولمن يحتاج إلى ترجمة للعربية:
"قيود على تسجيل حزب (تصحيح رقم 12)
المادة 5. لا يسجل حزب إذا كان هدف من أهدافه أو أعماله،صراحة أو ضمنا، واحدا مما يلي:
نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.
التحريض على العنصرية
     (2أ)  دعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو تنظيم إرهابي ضد دولة إسرائيل.
     (3) أساس معقول للاستنتاج بأن الحزب سوف يستخدم للتستر على أعمال غير قانونية"
أظن القانون واضح وصريح ولا مجال لأي تأويل. حسب هذا القانون، مركبات القائمة المشتركة الاربعة وبالإسم: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة الاسلامية، الحركة العربية للتغيير، التجمع الوطني الديمقراطي هي أحزاب إسرائيلية تقر بأن دولة إسرائيل هي دولة "يهودية ديمقراطية". وكل ما تسمعوه غير ذلك ليس سوى ديماغوجية وكذب وخداع.
 انسوا: لا يوجد هناك أحزاب تريد اشتراكية أو علمانية أو خلافة اسلامية أو وحدة قومية.
 الاحزاب العربية هي أحزاب إسرائيلية، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، ولكن الكارثة أن جماهيرها، وهي الاخرى حقيقة لا تقبل الجدل، فلسطينية حتى النخاع.
إنتخابات الكنيست عملية أسرلة. نقطة.



Sunday, July 21, 2019

حزب جديد بحلة قديمة

حزب جديد بحلة قديمة
وربما الاصح: حزب مجدد بحلة مجددة، وذلك لكي اكون اكثر تفاؤلا.
هذا هو حال حزب الوحدة الشعبية كما أعلن عنه بالامس من خلال مؤتمره الأول في شفاعمرو. بعد أن أسدلت لجنة الوفاق الستار على مسرحية القائمة المشتركة، جاء هذا الحزب لكي يملأ الفراغ وفي الوقت ذاته لكي يطرح نفسه بديلا وشريكا ومنافسا لاحزاب القائمة المفككة. دعونا نتجاوز للحظة الشعارات البراقة المشتركة لكافة الاحزاب والتي ترددها بكلمات وصيغ مختلفة حول الاهتمام بجيل الشباب، رفع مكانة المرأة، ومكافحة العنف، إسقاط اليمين وتحقيق المساواة المدنية و لندخل في صلب الموضوع.
في الحقيقة نادرا ما قرأت هذا الكم الهائل من المغالطات والتناقضات في خطاب البروفيسور بالعلوم السياسية خصوصا وأن هذا الخطاب جاء في مؤتمر للإعلان عن ولادة حزب جديد.
افتتح اسعد غانم خطابه على الطريقة العرفاتية: باسم شعب الجبارين الذي لم يهزم أبدا..
عفوا، قليلا من التواضع لن يضر أحدا، من الذي فوضك بأن تتكلم باسم الشعب وما زلت في الخطوة الاولى في طريقك الحزبي أليس من الاوجب أن تنتظر حتى يمنحك الشعب شرف هذا التفويض؟ ومن قال لك أصلا اننا شعب الجبارين؟ نحن لسنا سوى شعب كباقي الشعوب يضم في طياته الجبارين والمتخاذلين، والجميع يعلم أن معظم الجبارين من شعبنا أما أن يكونوا شهداء تحت الارض واما اسرى فوقها واكثر الاحتمالات أن يكون مصير الباقين من جباري هذا الشعب مشروع شهادة أو أسر. لا أحسبني اتجنى على احد اذا قلت أن الاحزاب عندما تتكلم عن الشعب تقصد المتخاذلين منه وليس الجبارين. 
الذي لم يهزم أبدا؟؟!! وهل تسمي ما جرى لنا منذ عام النكبة وحتى اليوم انتصارات؟ هل أكفر عندما اقول: نحن شعب لم ينتصر ابدا؟؟!!وأننا في انتظار أول انتصار على أحر من الجمر؟ لقد قرأت كثيرا عن شعار:" إزالة آثار النكبة" ولكني لأول مرة اسمع شعار "ترميم آثار النكبة" لا أدري ما تقصده بالضبط وانتظر أن تشرح لنا كيفية ترميم آثار النكبة، ربما تستحق حق الملكية الفكرية على ابداع مثل هذا المصطلح الفريد من نوعه.  
لقد كشف مؤسس وزعيم الحزب الجديد عن وجهه الفتحاوي (جناح ياسر عرفات!) في نقطتين أساسيتين وردتا في خطابه. الاولى عندما قال: "في حزبنا لا يوجد يمين أو يسار، علماني أو متدين بل نحن حزب الوحدة الشعبية" هذا ما كان يردده ياسر عرفات عن حركة فتح قبل وبعد استيلائها على منظمة التحرير بقوله: لا يمين ولا يسار في حركة التحرر الوطني الفلسطيني فالجميع ضحايا الحركة الصهيونية. ولكن الحقيقة الساطعة ولم يكن بالإمكان طمسها بمثل هذا الكلام شكل تبريرا مكشوفا لسيطرة اليمين على الحركة الوطنية الفلسطينية.
النقطة الثانية "العرفاتية" التي ذكرها اسعد غانم في خطابه هي كذبة استقلالية القرار الفلسطيني. هذا الشعار الذي طالما استخدمه عرفات لتبرير هيمنته واحتكاره لزعامة حركة التحرر الوطني الفلسطيني والتي وقعت في فخها باقي التنظيمات الفلسطينية اليسارية واليمينية. هذه الاستقلالية المزعومة كان يضرب بها عرض الحائط عندما كانت تلتقي او تتقاطع مع مصالح هذه الفئة المتنفذة، مثل التماهي مع الحلول التصفوية التي كانت تطرح من حين لأخر، مؤتمر جنيف في أعقاب حرب تشرين 1973، لاعتراف بقرار 242 تمهيدا لفتح الحوار المباشر مع أمريكا واسرائيل، مؤتمر مدريد ومن ثم اتفاقيات أوسلو حتى تم التنازل عنها نهائيا بعد إقامة سلطة رام الله. أما استقلالية الحزب الجديد فإنها تعني رفض تدخل دول الخليج والسلطة الفلسطينية في سياسة الحزب ولكنها كما صرح رئيس الحزب صراحة لا تعني الائتلاف مع أحزاب دينية صهيونية تريد فرض شريعتها على تل أبيب مقابل الاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب. اين الاستقلالية بربط الاعتراف بهذه القرى بمثل هذا الائتلاف المعيب مع الأحزاب الصهيونية الدينية. أين الاستقلالية بأن تلعب دور الجسم المانع؟ عندما يكون المقصود بيع هذا الجسم مقابل ثمن بخس. الأمر الوحيد الذي يشوش هذا الظهور "العرفاتي" هو تواجد ضيف الشرف ساري نسيبة الذي تخلى علنا عن حق العودة ووصفه بالوهم.
لعل أخطر تناقض تضمنه خطاب اسعد غانم هو التلويح بالمقارنة بين منظمة التحرير الفلسطينية والكنيست الصهيوني. لا أدري ماذا قصد اسعد غانم بالضبط عندما قال يجب أن نشارك في انتخابات منظمة التحرير الفلسطينية وهو يعرف تمام المعرفة أن هذه المنظمة حتى في عصرها الذهبي لم تعرف أي شكل من أشكال الانتخابات. وهو يعلم تماما ما هي حالة منظمة التحرير الحالية والتي تشبه حالة الموت السريري. لا اذكر انني قرأت شيئا كتبه اسعد غانم، وأنا أعتبر نفسي متابعا لما ينشره، يتناول ما آلت إليه منظمة التحرير الفلسطينية وضرورة وكيفية إعادة بنائها.
لنعود إلى نقطة البداية، يدعي مؤسس حزب الوحدة الشعبية أن أهم ما يميز هذا الحزب عن الاحزاب الاخرى المنهارة هو امتلاكه لبرنامج عمل سيتم نشره قريبا جدا لان هذا البرنامج مكتوب ولا يحتاج سوى لجمعه، طباعته وتوزيعه. وهذا البرنامج ليس وليد اللحظة بل تراكم من ايام التصور المستقبلي الذي أعلن عنه قبل 12 سنة تحت رعاية اللجنة القطرية للمجالس المحلية العربية ولجنة المتابعة حيث لعب اسعد غانم دورا مركزيا في صياغته خلال عام من النقاش والبحث وحتى يومنا هذا. هذا التصور الذي أكل الدهر عليه وشرب، متاح للجميع ويمكن العودة لمراجعته وقد كتبت في حينة عدة مقالات نقدية عنه، لذلك لا مجال للخوض به مجددا يكفي أن أذكر هنا انه تصور ذو أفق ضيق ينطلق من كوننا اقلية نستجدي بعض المطالب المدنية من دولة الأكثرية باستخدام بعض المصطلحات الديكورية التجميلية مثل: أقلية اصلا نية، إدارة دينية وثقافية ذاتية، الخ..
أما باقي المطالب فقد سمعناها منذ زمن طويل من أحزاب ومؤسسات وأفراد آخرين مثل انتخاب لجنة المتابعة، إقامة صندوق وطني، التأثير على متخذي القرارات، والمشاركة الفعلية في السياسة الإسرائيلية.
 أهذه هي "المواطنة الثورية الجذرية" التي يقبلها البروفيسور ويدعو إليها؟        

Wednesday, April 03, 2019

مقاطعة انتخابات الكنيست - الجولة الاخيرة

مقاطعة إنتخابات الكنيست - الجولة الاخيرة
علي زبيدات - سخنين
دعونا نضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالانتخابات للكنيست الصهيوني، بعيدا عن الدعايات الانتخابية خصوصا وأن معظمنا يعرف ما تحتويه هذه الدعاية من فقدان للمصداقية والافتقار للثقة إلى جانب كم هائل من الكذب المكشوف وتشويه الحقائق وبكل جرأة وصراحة. السؤال الذي يطرح نفسه مرارا وتكرارا وفي كل حملة انتخابية بزخم متجدد هو: ما هو الموقف الوطني الصحيح: المشاركة في انتخابات الكنيست أم مقاطعتها؟
دعونا نتفق هنا أولا على أن الصراع بين معسكر المشاركة وبين المعسكر الذي يدعو للمقاطعة ليس وهميا وليس من باب الترف السياسي أو الفكري بل نابع من صلب الصراع المستمر على الارض منذ أكثر من قرن، أي أن خلفياته تتعدى وتتجاوز الموقف من الكنيست وتقع في جوهر القضية الفلسطينية نفسها. الأمر الذي يرفع هذا الصراع الى درجات عالية من التوتر تصل في بعض الاحيان الى درجة التصادم ناهيك عن سيل الاتهامات والشتائم التشكيك، هو أن كلا المعسكرين يعملان على وبين جمهور الهدف نفسه.
أنا، كواحد من المقاطعين، أتفهم جيدا مخاوف الأحزاب المشاركة وغضبها وحقدها على المقاطعين. حيث يشكل كل مواطن لا يصل الى صندوق الانتخابات بسبب المقاطعة خسارة لهذه الأحزاب. المعادلة واضحة في هذا الشأن واضحة لكلا الطرفين ولا يوجد مجال للتحايل عليها: كلما إزداد معسكر المقاطعين عددا وقوة كلما تراجعت الأحزاب المشاركة من حيث العدد وازدادت ضعفا. لسوء حظ هذه الأحزاب، هذا هو الواقع ولا يمكن تغييره. هدفي كمقاطع هو أن اقنع المواطنين حتى الذين ينتمون للأحزاب المشاركة بتغيير مواقفهم والانضمام إلى حركة المقاطعة، بل اكثر من ذلك، هدفي اقناع الاحزاب نفسها تبني موقف المقاطعة والخروج من الكنيست.
واتفهم أيضا أن ضعف الأحزاب العربية في الكنيست يؤثر سلبيا في تعاملها مع الاحزاب الاخرى ومن ضمنها الأحزاب اليمينية. ولكن الترويج للفرية وكأن المقاطعة تخدم الاحزاب اليمينية بعيدة كل البعد عن الحقيقة وتصل الى جريمة القذف والتشهير. أنا لا أعرف مقاطعا واحدا قد صوت للأحزاب الصهيونية (اليمينية وغير اليمينية) أو يدعو للتصويت لها.  ولكني أعرف الكثيرين الذين يتنقلون ذهابا وايابا فيما بينهما. وبالعكس، الحقيقة تقول أن المقاطعين هم دائما رأس الحربة في التصدي لسياسة اليمين على ارض الواقع ويتعرضون للملاحقات واحيانا يدفعون ثمنا باهضا.  المصدر الأول والأخير لقوة أو ضعف الاحزاب الصهيونية اليمينية وغير اليمينية هم المصوتون الصهاينة (والمتصهينين) وكيفية توزيعهم على الأحزاب الصهيونية.
بالرغم من أننا نعمل على نفس جمهور الهدف الذي هو جمهورنا إلا أن حملتنا ليست موجهة لا من بعيد ولا من قريب للأحزاب العربية المشاركة. بل هي موجهة حصريا ضد الكنيست الصهيوني وفقط ضد الكنيست  كأهم وارفع مؤسسة في هذا الكيان.
تستطيع الأحزاب العربية المشاركة أن تستمر في دعايتها الانتخابية التي أشرفت على الإفلاس التام حتى في أعين مؤيديها، حول تعظيم وتبجيل الكنيست وكأنه افضل مكان لخدمة الجماهير والدفاع عن حقوقهم. وحول ضرورة عدم ترك الكنيست للأحزاب الصهيونية وضرورة مواجهتها في عقر دارها وفضح سياستها امام العالم وعدم الانسحاب من السياسة الى غير ذلك من الدعايات الانتخابية.
دعونا نلقي نظرة سريعة على هذه الدعاية التي تؤسس السياسة البرغماتية كما تمارسها الأحزاب العربية في الكنيست:
خدمة جماهيرنا العربية في الداخل:
 ما هي الخدمات التي يقدمها الكنيست لمجتمعنا؟ مصادرة أراضيه، هدم بيوته، التمييز ضده في كافة المجالات، ضرب الحصار على مدننا وقرانا، ملاحقة مناضليه والزج بهم في السجون هذا من غير التطرق للجرائم المقترفة بحق شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. هل استطاعت الأحزاب العربية بعد سبعين عاما من "النضال" في الكنيست تغيير هذا الواقع ولو بقيد انملة؟. نحن نقول أن هذا الواقع لن يتغير حاشا وكلا بسبب كسل أو عدم اخلاص النواب العرب بل بسبب طبيعة الكنيست. 
   المطالبة والدفاع عن حقوقنا المشروعة:
نحن نطالب بحق شعبنا بالعودة الى وطنه، نطالب بعودة المهجرين في الداخل الى بيوتهم وقراهم. فما هو موقف الكنيست بكل أحزابها من هذا الحق؟ هل ما زلنا نعيش في عصر المعجزات وننتظر حتى تحصل معجزة وتغير الكنيست موقفها؟ من حقنا أن نسكن في بيت آمن غير مهدد بالهدم، ومن حقنا أن نتعلم لغتنا وتاريخنا وأدبنا بدون تدخل أصابع غريبة. هل تعترف الكنيست وتضمن لنا هذا الحق؟
فضح سياسة الحكومة العنصرية في المحافل الدولية:
حقا؟ هل من خلال الكنيست، نحن نفضح هذه السياسة العنصرية أم نتستر عليها ونجملها في أعين العالم؟
عدم ترك اليمين يسرح ويمرح في الكنيست لوحده. وهل من الوطنية بشيء أن تسرح وتمرح معه؟
انكم تدعون للانسحاب من السياسة!! كلا يا سادة اننا ندعو للانسحاب من الكنيست ومن سياسة الكنيست فقط. هناك سياسة بديلة من حولكم ولا ينقصكم سوى أن تفتحوا أعينكم لكي تتكحلوا بجمالها و افتحوا آذانكم لكي تصغوا الى انغامها ومن ثم الطريق مفتوحة لكي تنضموا إلى قوافلها.
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف وطني بامتياز. يحافظ على الهوية الوطنية وعلى وحدة الشعب الفلسطيني بالرغم من كل الظروف التي تجمعت لتقطيع اوصاله.
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف اخلاقي لأنه مع الحق والعدالة
مقاطعة انتخابات الكنيست هو موقف إنساني، لأنه يدافع عن حرية وكرامة الإنسان. 

Thursday, January 31, 2019

الثورة العربية الدائمة

الثورة العربية الدائمة
علي زبيدات - سخنين

أولا وقبل كل شيء ينبغي أن أنوه بأنه لا علاقة لعنوان هذه المقالة بما كتبه ليون تروتسكي حول الثورة الدائمة. وفي الوقت نفسه لا علاقة له بالصراع الدامي الذي نشب بين تروتسكي وستالين والذي ظهرت بذوره الايديولوجية والسياسية في أعقاب فشل الثورة الروسية الاولى عام 1905 وتفاقمت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 حتى وصلت ذروتها بعد وفاة لينين حيث انتهت بطرد تروتسكي من الحزب ومن ثم من البلاد واغتياله في عام 1940 في المكسيك. لم يكن تروتسكي أول من تكلم عن الثورة الدائمة فقد سبقة في ذلك كل من ماركس وانجلز ولينين وكل حسب رؤيته. لذلك اسمح لنفسي استعمال هذا المصطلح حسب رؤيتي الخاصة وكما تمليه علي تطور العمل الثوري. فلا أحد يمتلك حق احتكار اي مصطلح سياسي خصوصا وأن ظروف الثورات العربية الحديثة التي أطلق عليها ثورات الربيع العربي والتي نقف أمام الذكرى الثامن لانطلاقها تختلف كليا عن ظروف الثورتين الروسيتين. هذا بالإضافة إلى أن معظم  التيارات الستالينية والتروتسكية  الراهنة قد تخلت منذ زمن طويل عن الثورة الاشتراكية الدائمة وغير الدائمة.
اليوم يقف معظم اليساريين من شيوعيين، اشتراكيين، راديكاليين، تقدميين وممانعين  في صف واحد مع الرجعيين التقليدين يصرخون بمناسبة وغير مناسبة حتى وصل صراخهم السماء بأن ما حدث في العالم العربي في السنوات الثماني الاخيرة وما زال يحدث لا صلة له بالثورات لا من بعيد ولا من قريب. واصطف كل فريق يدافع عن النظام الذي يفرد جناحي حمايته ونعمه عليهم واصفين ما يحدث بالمؤامرة الكونية هدفها تخريب لا بل تدمير الجنة التي شيدتها أنظمة الاستبداد وتعيش في ربوعها الشعوب العربية السعيدة. هذه المؤامرة التي تقوم الماسونية والصهيونية والامبريالية والعملاء المحليين بتنفيذها. حيث بدأت المؤامرة في تونس، ولا أدري لماذا قام قادة المؤامرة الكونية باختيار تونس لكي تكون نقطة الانطلاق خصوصا وأن نظامها كان من اشد الانظمة اخلاصا وطاعة لهؤلاء المتآمرين!. ومن ثم تمددت هذه المؤامرة الكونية الى مصر وليبيا واليمن والبحرين حتى وصلت الى سوريا، حيث سقطت كافة اقنعتها وبانت جميع ابعادها. وبدت حالة الانظمة كمن تلقى ضربة عنيفة على رأسه أدخلته في حالة من الدوخان، فاختصروا  المؤامرة الكونية تارة بفيلسوف فرنسي من الدرجة الثالثة يدعى برنارد هنري ليفي والذي كان بجرة قلم قادرا على إخراج ملايين المصريين الى ميدان التحرير وبكلمة واحدة كان يشتت دبابات معمر القذافي هذا، وتارة أخرى بعزمي بشارة حيث توجوه قائدا لثورات الربيع العربي، ومرة ثالثة يلصقون التهمة بامارة قطر، التي تكاد لا تحمي نفسها بدون القاعدة العسكرية الأمريكية، بزعزعة استقرار الأنظمة خدمة لاسيادها الاجانب. وتنتقل التهمة  بالسرعة نفسها الى دولة الامارات التي وضعت بترودولاراتها تحت تصرف الثوار. وأخيرا رست التهمة على مجموعة من الاشباح تلبس قبعات الاختفاء تقمع هنا لتظهر هناك وأطلقوا عليها اسم داعش. وقد راقت هذه الفكرة لجميع الاطراف وهكذا تشكلت تحالفات اقليمية ودولية لم تعرفها الحرب العالمية الأولى ولا الثانية هدفها الوحيد محاربة هؤلاء الأشباح.
منذ البداية، وصفت ثورات الربيع العربي بأنها ثورات متواضعة وجاءت متأخرة بعد حوالي خمسة قرون من الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولهذه الاسباب بالذات كان المفروض دعمها على علاتها على أمل أن تتعمق وتتطور وتختصر الزمن من منطلق أن الثورات حسب التعريف التقليدي هي قاطرة التاريخ. ولكن إنصافا للتاريخ أيضا اعتبرت هذه الثورات هي موجة ثورية ثانية إذ كانت بشكل أو آخر امتدادا للموجة الثورية التي اجتاحت العالم العربي في سنوات الخمسين والستين في خضم النضال ضد الاستعمار القديم ومن أجل الاستقلال الوطني. وأخص هنا بالذكر الثورة الجزائرية التي قدمت مليون شهيد لكي تنتهي إلى نظام فاسد يقوده رجل مقعد، والثورة اليمنية التي قطعت خطوات واسعة ليس على طريق التحول السياسي فحسب بل التغيير الاقتصادي والاجتماعي أيضا ولكنها انتهت بحرب أهلية دمرت كل شيء. والثورة العراقية التي أسقطت الملكية ولكنها انتجت نظاما استبداديا لم يعرف التاريخ الحديث مثله إلا قليلا من أيام عبدالكريم قاسم ومرورا بحكم البعث وصدام حسين تحت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية إلى ما بعد صدام حسين وقيام نظام طائفي برعاية الاحتلال الامريكي المباشر والهيمنة الايرانية. والثورة المصرية التي بدأت بإسقاط النظام الملكي ومواجهة مباشرة للاستعمار وانتهت الى  نظام فاسد موالي للاستعمار الأجنبي. وأخيرا وليس آخرا الثورة الفلسطينية والتي اعتبرت طليعة الثورات العربية وأطولها حيث انطلقت في عام 1965 تحت شعار التحرير وانتهت  باتفاقيات أوسلو التصفوية في أوائل سنوات التسعين من القرن الماضي.
عبرت ثورات الربيع العربي عن تواضعها ونسبيتها بطرح الشعار الجذاب ولكن الساذج في الوقت نفسه: "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي انتشر كالنار بالهشيم، حتى عندما بدأ في سوريا تحت شعار:" الشعب يريد إصلاح النظام". محدودية هذا الشعار بأن لشعوب فهمته وذوتته على أنه يعني اسقاط راس النظام، أي هروب بن علي، سقوط حسني مبارك، استقالة علي عبدالله الصالح، وهكذا. نادرا ما كانت تعني أن إسقاط النظام لا يقتصر على إسقاط النخبة الحاكمة بل يشمل تغيير جذري لكل نواحي الحياة.
حتى هذه الثورات المتواضعة استكثروها علينا. حيث تكالب الاعداء من قريب ومن بعيد لقمعها. ليس هنا المكان الملائم لسرد تفاصيل اسباب هذا الفشل، اكتفي بذكر ثلاثة أسباب رئيسية: أولا، استماتة الطبقات الحاكمة في الدفاع عن حكمها مستعملة جهاز الدولة القمعي المكون من جيش وشرطة ومخابرات وسجون.
 ثانيا، تكالب القوى الاقليمية والدولية لاخمادها.
 ثالثا، وهو الاهم الضعف الذاتي لقوى الثورة وخصوصا غياب قيادة ثورية وايديولوجية ثورية بالاضافة إلى سهولة اختراقها من قبل عناصر الثورة المضادة.
نعم، فشلت الثورات العربية. ولكنه فشل مؤقت، فهي سوف تعود بعنفوان أشد وبعمق أكبر. ما دام الاستبداد موجودا فلن تنتهي المقاومة. من هنا أقول أن الثورات العربية دائمة، تخمد هنا لتنطلق هناك. تتقهقر هنا لكي تتقدم هناك. تاريخ الشعوب لا يحصى بعدة سنوات. بهذا المعنى هي ثورة دائمة وعلى أنظمة الاستبداد الا تستعجل الاحتفال بانتصارها. فالنصر الأخير لثورات الشعوب.
l  

Thursday, January 24, 2019

المقاطعة الفاشلة

المقاطعة الفاشلة
علي زبيدات - سخنين
طالما كتبت أنا شخصيا وكتب رفاق آخرون عن ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست. ذكرنا كل ما يخطر ببال من أسباب سياسية واجتماعية وأخلاقية لشرح وتعميم موقف المقاطعة. ولا أخفي عليكم أنني قبل كتابة هذه السطور راجعت ما كتبته في هذا المجال في السنوات الماضية وما كتبه غيري  فلم أجد شيئا جديدا يمكن إضافته. ولو اخترت كتابة مقالا جديدا حول ضرورة مقاطعة انتخابات الكنيست لوجدت نفسي أغوص في تكرار ممل لا بل في اجترار أفكار وآراء كتبت مرارا وتكرارا. 
كتبت، وكتب غيري، عن خطر انتخابات الكنيست على هويتنا الوطنية الفلسطينية. إذ لا يعقل أن نهرول لانتخابات يحرم منها 80% من ابناء شعبنا بينما نهتف ليل نهار بأننا جزء لا يتجرأ من هذا الشعب المنكوب وقضيته هي قضيتنا ومصيره هو مصيرنا، وبالتالي نهرول إلى صناديق الاقتراع بحجة وضعنا الخاص الذي يختلف عن وضع باقي أبناء شعبنا ودورنا الخاص. 
كتبت عن عبثية التواجد في الكنيست وهي أرفع وأهم مؤسسة صهيونية في الدولة وعن عقم "النضال" الكلامي
كتبت عن المشكل الاخلاقي إذ كيف يعقل أن نكون جزءا من مؤسسة هدفها الأول والأخير العمل على استمرارية نكبة شعبك؟ بل كيف يعقل أن تكون شريكا في سن قوانين عنصرية تعاني منها حتى وإن كانت مشاركتك سلبية؟
وكتبت عن أمور أخرى كثيرة لن أدخل في تفاصيلها هنا حيث باتت معروفة لكل من يهمه الامر.
وجدت أنه يوجد هناك مقاطعة جماهيرية نقية، عفوية ووجدانية لانتخابات الكنيست ولكني لم أجد، مع الأسف الشديد، حركة مقاطعة منظمة، هادفة وأمينة. وعن هذا الموضوع بالذات قررت أن أكتب هذه المرة. العمل العفوي جيد خصوصا إذا كان نابعا من القلب وصادرا عن قاعدة واسعة من الناس، ولكنه سرعان ما يهدر إذا لم تكن هناك حركة طلائعية تنظم هذا العمل، تبث فيه روح الوعي الوطني الصادق وتقوده حتى يصبح سلاحا فعالا لتغيير الواقع نحو الأفضل. حتى الآن كانت مقاطعتنا لانتخابات الكنيست فاشلة، كما يقول عنوان هذا المقال، وعلينا أن نعترف بذلك. شخصيا، لا أملك أجوبة نهائية وحاسمة عن أسباب هذا الفشل، ولا أملك وصفات سحرية تحول هذا الفشل الذريع إلى نجاح باهر بجرة قلم. هذه المسؤولية ملقاة على عاتق جميع المقاطعين وأخص بالذكر منهم الناشطين والمثقفين الملتزمين (المثقفين العضويين على حد تعريف انطونيو غرامشي، أو المثقفين المشتبكين على حد تعبير الشهيد باسل الأعرج).
بالطبع هذا لا يعفيني من ذكر، حسب وجهة نظري، أسباب هذا الفشل وكيف يمكن تحويله الى نقيضه أي الى نجاح. وأكتفي هنا بذكر بعض النقاط الاساسية في هذا المضمار على أمل أن تتظافر الجهود لجعل موضوع مقاطعة انتخابات الكنيست في صلب كل برنامج وطني تحرري.
1- يعاني النشطاء، كافراد أو كمجموعات سياسية صغيرة، من حالة ركود أو سبات عميق تستمر اربع سنوات (تقريبا) وتستيقظ شهر أو شهرين قبل الانتخابات. مع أن المطلوب هو حالة من النشاط والعمل المستمر.
2- توجد هناك مشاكل تواصل تصل في كثير من الاحيان الى قطيعة كاملة بين النشطاء وبين القاعدة الجماهيرية بما في ذلك القطاعات المقاطعة ذاتها مما يترك الجماهير فريسة سائغة للأحزاب الكنيستية عربية كانت أم يهودية.
3- السماح لبعض الانتهازيين والمتسلقين ممن يتلفعون بشهادات أكاديمية تبوء مراكز قيادية في حركة المقاطعة لخدمة مصالحهم الخاصة.
4- التهاون مع المواقف الوسطية والمتذبذبة التي تتخذها بعض الأحزاب والحركات السياسية ذات القاعدة الجماهيرية وهدفها من وراء ذلك الربح من الطرفين.
5- تجاهل أو استخفاف بالجانب الإعلامي على أهميته، وعدم الاهتمام بتأسيس جهاز إعلامي مقاطع ومستقل.
6- بما أن المقاطعين ينتمون إلى تيارات سياسية، فكرية واجتماعية شتى ينبغي العمل الجاد على إيجاد معادلة تتيح التعايش بين المقاطعين رغم الاختلافات في الآراء والأفكار.
7- وأخيرا وليس آخرا،وهذا موضوع قائم بذاته، يجب التركيز على أن البديل لمقاطعة انتخابات الكنيست هو بناء وتنظيم مؤسساتنا الوطنية على أسس علمية وتحريرية تحت شعار: لا تنتخب بل تنظم. Don't vote-organize
  



Thursday, December 06, 2018

ماذا بعد السقوط الكبير للإيديولوجيات؟

ماذا بعد السقوط الكبير للايديولوجيات؟
علي زبيدات - سخنين

لا أدري مدى صحة تنظيرات فوكوياما حول نهاية عصر الأيديولوجيات وعدم حاجة العالم لها بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة واعلانه انتصار النظام الرأسمالي النهائي على الصعيد الاقتصادي: العولمة واقتصاد السوق المفتوح وعلى الصعيد السياسي بقيام انظمة "الديمقراطية الليبرالية" الغربية.
ولا أدري ما هو موقف فوكوياما الآن بعد قيام جدران أعلى وأعتى من جدار برلين،  وعودة الحرب الباردة بشراسة تفوق الحرب الاولى وترافقها حروب ساخنة لا تعد ولا تحصى في شتى أصقاع العالم. أما على الصعيد الاقتصادي فحدث ولا حرج عن الأزمات المزمنة لهذا النظام "المنتصر" والمجاعات والأمراض والحروب والاستعمار بأشكاله الحديثة.
ولكن بغض النظر عن تنظيرات فوكوياما المتناقضة والتي شكلت أساسا نظريا لقيام أشد الأنظمة رجعية ابتداء من رئاسة رونالد ريغن مرورا ببوش الاب والابن وحتى دونالد ترامب والمحافظين الجدد، علينا أن نعترف بسقوط الايدولوجيات الكبيرة التي طرحت نفسها كبديل للراسمالية العالمية. ولا يفيد الإنكار أحدا هنا والاكتفاء بالقول العيب ليس في الايديولوجية بل في معتنقيها وفي تطبيقاتها. وكأنه من الممكن الفصل بين  النظرية والتطبيق وتبرئة المعتنقين خصوصا بعدما شاركوا في وضع هذه الايدولوجيات.
وبما اننا بصدد مقالة صحفية وليس دراسة أو بحث أكاديمي (يوجد هناك كم لا يحصى ولا يعد من الدراسات والكتب حول هذا الموضوع) فإنني سأقتصر الكلام وباختصار شديد حول تبعات سقوط الأيديولوجيات في عالمنا العربي. حيث تنافست ثلاثة ايدولوجيات رئيسية فيما بينها لتغيير الواقع وكل واحدة ادعت بانها الافضل بل هي الوحيدة التي لا بديل لها وهي:
1- الأيديولوجية الشيوعية وتضم النموذج السوفياتي ممثلا بالاحزاب الشيوعية التقليدية، النموذج الصيني، الكوبي، الفيتنامي، الشيوعية الاوروبية والحركات الاشتراكية بمختلف اشكالها.
2- الايديولوجية القومية التي نمت وترعرعت في خضم النضال ضد الاستعمار ووصلت ذروتها مع جمال عبد الناصر وقيام الوحدة المصرية-السورية ومن ثم قيام حركات ناصرية في ارجاء العالم العربي وكذلك قيام حزب البعث واحزاب قومية اخرى عديدة تأرجحت بين الشيوعية يسارا وبين الفاشية يمينا. 
3- الايديولوجية الدينية. خصوصا بعدما تحول الدين من معتقدات وعبادة وطقوس الى ايديولوجية اتفق على تسميتها بالاسلام السياسي على يد حركة الاخوان المسلمين ومن ثم كافة مشتقاتها من سلفيين وجهاديين على شاكلة القاعدة وداعش وغيرها.
هذه الايدلوجيات الثلاثة قد سقطت في منطقتنا سقوطا مدويا. وكما قلت لن يفيدنا الانكار شيئا ولم يعد التبرير بأن العيب ليس في الايديولوجية نفسها بل بمعتنقيها وبتطبيقها كافيا وقد نسي هؤلاء أن الانسان هو الذي صنع الايديولوجية قبل أن تصنعه.
الشيوعية انهارت في الاتحاد السوفياتي والمعسكر التابع له ليس فقط بسبب الأفراد الذين قادوها من لينين وستالين مرورا بخورتشوف وبرجينف وحتى غورباتشوف، وليس فقط بسبب تطبيقات خاطئة من سياسة النيب مرورا بسياسة التصنيع السريع والاحتكار القصري للدولة وحتى سياسة السوق والانفتاح، بل أيضا وبالاساس بسبب فشل الايديولوجية الشيوعية في التطور ومواكبة التطورات الحديثة. بالرغم من أن جميع أتباعها كانوا يرددون: الماركسية ليست نظرية جامدة بل هي مرشد للعمل. ولكنهم في الواقع كانوا يفسرون كل ظاهرة جديدة بمفاهيم القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد باءت جميع المحاولات الجادة والرصينة لتطوير الشيوعية لكي تلائم متطلبات العصر بالفشل أولا وقبل كل شيء بسبب معاداة الشيوعيون  الذين وضعوا أنفسهم حراسا على "نقائها".
الايديولوجية القومية، منذ بدايتها لم تعرف كيف تتعامل مع الأقليات القومية التي تشاركها في الجغرافيا والتاريخ ولم تعرف كيف تتعامل مع نفسها. بالرغم من توفر ظروف موضوعية قابلة لنجاح المشروع القومي على الأقل على طريقة بيسمارك وغاريبالدي (توحيد ألمانيا وإيطاليا) إلا أنها فشلت في ذلك لأن قيادتها لم تكن مهيئة تاريخيا للقيام بهذا الدور. "الثورة العربية الكبرى" التي قادتها بدلت الاحتلال التركي بالاحتلال البريطاني والفرنسي ومن ثم بالهيمنة الامريكية والمساهمة في تمهيد الطريق لقيام الكيان الصهيوني. ومن ثم أصبح شعار الوحدة العربية قناعا للدفاع عن دول سايكس-بيكو واللهث وراء السلطة من قبل عائلات كومبرادورية في كل الدول العربية. أكبر برهان على فشل المشروع القومي العربي هو قيام ما يسمى بجامعة الدول العربية ومن ثم مجلس التعاون الخليجي. برهان آخر على فشل المشروع القومي العربي والذي لا يقل من حيث أهميته عن سابقه هو الحروب الحالية التي تمزق العالم العربي في العراق وسوريا واليمن وليبيا والتي تخوضها انظمة ومليشيات محسوبة على هذا التيار. وبرهان أخير، هو موقف الأنظمة العربية من دولة اسرائيل والذي تجاوز التطبيع ووصل الى مرحلة التحالف.
 الايديولوجية الدينية التي حلمت بملأ الفراغ بعد تقهقر الاستعمار القديم وفشل الشيوعية والقومية في إنجاز مشروعيهما. سرعان ما كان مصيرها مشابها من حيث الفشل والسقوط. كل ما فعلته هو اذكاء النعرات الطائفية التي وصلت في بعض الحالات الى حروب طائفية. هذا ناهيك عن تحالفها مع الاستعمار القديم لمواجهة منافسيها الآخرين. لقد أثبت التاريخ أن تحويل الدين الى ايديولوجية لا يختلف عن تحويل الايديولوجية الى دين وبالتالي لا غرابة أن تكون النتيجة واحدة. لقد حققت الأيديولوجية الدينية بعض النجاحات في أماكن معينة ولفترات زمنية معينة، تماما كما فعلت الأيديولوجيات الاخرى. فبينما كانت النجاحات نسبية ومشروطة كان الفشل مطلقا وشاملا.
سقوط هذه الأيديولوجيات المدوي لا يعني نهاية الصراع في المنطقة، على العكس فالصراع يتصاعد والمطلوب أولا وقبل كل شيء صراع ايديولوجي يخرجنا في نهاية المطاف من هذا المأزق.  

Thursday, November 29, 2018

ضد الإقطاع السياسي

ضد الإقطاع السياسي
علي زبيدات - سخنين

الإقطاع هو نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عرفته معظم بلدان العالم في مرحلة ما من تاريخها. ومثله مثل أي نظام عالمي كان تجسيده على أرض الواقع يختلف من بلد لآخر من حيث الشكل والتفاصيل والسمات الخاصة. غير أن جوهره يبقى واحدا ويقوم على اسس ثلاثة:
 1- الإقطاعي: الذي يملك المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية وينتمي عادة للطبقة الحاكمة التي عرفت في أوروبا، حيث بلغ النظام الإقطاعي ذروة تطوره وأخذ شكله الكلاسيكي، بطبقة النبلاء.
2- التابع: وهو الفلاح الذي يعمل في أرض الإقطاعي. وكان تابعا للأرض بمعنى انه كان يباع ويشترى مع الأرض إذا ما باعها الإقطاعي. فكان يملك حياته ولكنه لا يملك حريته وبذلك كان وضعه الاقتصادي والاجتماعي لا يختلف كثيرا عن وضع العبيد عندما كانت العبودية هي النظام السائد. وينتمي إلى طبقة الاقنان أو الفلاحين الفقراء.
3- الارض: وهي الأساس لكل نظام يقوم على الزراعة وكما سبق أن ذكرت، كان يمتلكها الإقطاعيون ويفلحها التابعون والفلاحون الفقراء.
ساد النظام الاقطاعي أوروبا في القرون الوسطى وأخذ يتقهقر تدريجيا وينهار مع تطور الصناعة وظهور النظام الرأسمالي. وكانت الثورة الفرنسية الكبرى أول ضربة قوية كادت أن تقوض هذا النظام تماما. وقد انهار نهائيا مع توالي الثورات في القرن التاسع عشر. في باقي بلدان العالم ومن ضمنها العالم العربي، استمر النظام الإقطاعي لفترة أطول لأسباب عديدة أهمها الاستعمار وغياب التطور الصناعي. في البلدان العربية، ساد النظام الاقطاعي اربعة قرون هي سنوات الحكم العثماني. وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى ومغادرتها لهذه البلدان بدأ هذا النظام هو الآخر بالتلاشي تدريجيا وخصوصا على الصعيد الاقتصادي. تغيرات جذرية عديدة لعبت دورا هاما في هذا التلاشي منها تقسيم المنطقة حسب اتفاقية سايكس بيكو ووقوع بلدان اخرى تحت الاستعمار المباشر أو الوصاية الاستعمارية، وفيما بعد اكتشاف البترول في شبه الجزيرة العربية، مما سبب إهمال الزراعة. هكذا تحول النظام العام الى مزيج من الاقطاعية والراسمالية التابعة وغير المتطورة. في مصر، قام جمال عبد الناصر بعد الثورة  ومن خلال الإصلاح الزراعي بالقضاء العملي على الإقطاع. في فلسطين ساد النظام الإقطاعي حتى عام النكبة 1948  حيث قام الكيان الصهيوني باحتلال 80% من أراضي فلسطين التاريخية وبعد أقل من عقدين احتل كامل التراب الفلسطيني. وكانت بعض العائلات الاقطاعية اللبنانية والسورية قد باعت أراضيها للحركة الصهيونية قبل عام النكبة.
انهار النظام الإقطاعي على الصعيد الاقتصادي نهائيا ولكنه ما زال موجودا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. كما هو معروف قد تتحول البنى التحتية (وسائل الإنتاج) بسرعة ولكن البنى الفوقية ومن ضمنها النظم والمؤسسات السياسية فإنها تتغير ببطء شديد وفي بعض الأحيان تدخل في مرحلة من الركود بحكم ارتباطها الشديد بالتقاليد والمعتقدات والموروث الاجتماعي والثقافي. يشكل النظام السياسي في لبنان نموذجا كلاسيكيا للإقطاع السياسي بالرغم من زوال الاقطاع الاقتصادي. تظهر اهم صفات الاقطاع السياسي باقامة الأحزاب العائلية والطائفية ومبدأ التوريث. لا يوجد في لبنان تقريبا عائلة اقطاعية الا وحافظت على هذا الشكل أو ذاك من الاقطاعية السياسية (عائلة الجميل، جنبلاط، كرامة ـ فرنجية، ارسلان  الخ.)  ولا تغرنك الأسماء التي اطلقوها على أحزابهم من الاشتراكية وحتى الفاشية).
في فلسطين، انهارت الاقطاعية على الصعيد الاقتصادي مع فقدان الأرض. وتلقت ضربة قاسية على الصعيد السياسي بسبب الهزائم التي مثلتها عائلتي الحسيني والنشاشيبي. إلا أن العقلية الاقطاعية السياسية لم تختفي نهائيا. خصوصا وأن مصالح الدول العربية المهزومة من جهة والكيان الصهيوني من جهة اخرى التقت في الحفاظ على هذه العقلية لا بل تقويتها أيضا. لفترة معينة ولدرجة معينة لعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا متمردا على هذا النظام الاقطاعي السياسي ولكنها فشلت في تمردها هذا كما فشلت في امور اخرى عديدة. ومع الوقت، خصوصا بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية واندثار دور منظمة التحرير الفلسطينية الريادي تماما أصبحت من أركان نظام الإقطاع السياسي في فلسطين.
لم تكن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 بمعزل عن هذا التطور، بعد أن تمت مصادرة أكثر من 90% منها لصالح الدولة و مستوطنيها اليهود. غير أن عقلية الاقطاع السياسي ما زالت مهيمنة على صعيد المدن والقرى وتظهر هذه العقلية بأبشع صورها في الانتخابات المحلية وانتخابات الكنيست. وأظن لا حاجة هنا لذكر أسماء العائلات والأفراد ذوي العقلية الاقطاعية في السياسة. هذه الظاهرة ليست بحاجة للدراسات والابحاث للبرهنة على وجودها، فمن منا لا يشعر بارهاصاتها على جسده؟
لم يكن النظام الاقطاعي بكافة اشكاله عائقا في الماضي أمام تطور بلداننا فحسب بل هو العائق الرئيسي لأي تطور مستقبلي. من أجل الحرية والعودة والاستقلال لا بد من التخلص من أدران ومفاسد هذه العقلية الاقطاعية السياسية المتخلفة مرة واحدة والى الابد.

Thursday, November 08, 2018

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي

الانتخابات المحلية والصراع الطبقي
علي زبيدات - سخنين

الانتخابات المحلية من وراء ظهورنا غير أن تبعاتها ونتائجها سوف تلاحقنا لفترة طويلة من الزمن. ولا أبالغ إذا قلت اننا لن نتخلص منها ابدا لأنها تتجدد كل خمس سنوات بالشكل نفسه والمضمون نفسه. وإذا طرأت عليها بعض التغيرات ستكون هامشية وجانبية ولن تمس جوهرها.
بعض الدول تسن القوانين لاجبار مواطنيها على المشاركة في الانتخابات برلمانية كانت أو المحلية وذلك من منطلقات سياسية أو ايديولوجية لا مجال للخوض بتفاصيلها هنا، وإلا تعرض المواطنون للعقوبات من دفع غرامات مرورا بأشغال لخدمة الجمهور وحتى السجن في بعض الحالات. تصل نسبة المصوتين في هذه الدول إلى 90% وأكثر.
 تصل مشاركة العرب في هذه البلاد في الانتخابات المحلية هذه النسبة وقد تتجاوزها بدون أن يكون هناك قانون الانتخابات اجبارية. فهم يذهبون الى صناديق الاقتراع بمحض ارادتهم وبحماس يحسدون عليه. يقف جميع المحللين والمراقبين عند شكل هذه الانتخابات ويتفقون على أن هذا الشكل يقوم على أساس عائلي يتلاءم وينسجم مع تركيبة المجتمع. وربما وجدوا هنا وهناك بعض الدلائل لمؤشرات حزبية أو شبه حزبية أو طائفية أو نوع من الخليط العائلي - الحزبي - الطائفي. فالحزب السياسي مهما كانت عراقته ضاربة الجذور ومهما تزين بالايديولوجيات والنظريات والشعارات البراقة فأنه يعترف في نهاية المطاف أن كل هذه الامور لا تملأ الصناديق بالاصوات وأنه من أجل ذلك لا غنى عن الانتماءات العائلية.  فيبحث عن عائلة أو عائلات تشد من عضده وفي كثير من الاحيان يبحث عن عائلة كبيرة تتبناه كحزب. وتشعر العائلة أيضا بتغير الازمنة فتبدأ بتقليد الاحزاب بطريقة اختيار مرشحها وبكيفية إدارة حملته الانتخابية. الطوائف المختلفة لا تبتعد كثيرا عن هذا النموذج  فمنها من أقامت احزابا طائفية بشكل علني ومفضوح ومنها، خصوصا الطوائف الصغيرة، فقد شكلت لنفسها قوائم طائفية خجولة بعض الشيء.
أهتمام المحللين والمراقبين بالشكل فقط أفقدهم الاهتمام بالجوهر، مع أنه هو الجانب الرئيسي والأكثر أهمية في هذه المعادلة. حسب رأيي، والذي أؤكد عليه كل التأييد، أن جوهر هذه الانتخابات ( وعلى فكرة كل انتخابات) هو طبقي وربما الاصح أن نسميه: صراع طبقي. بذلك فأنا هنا لا أعيد اختراع العجلة أو اكتشاف امريكا. فالأمر واضح كل الوضوح ولا ادري لماذا يتجاهله الجميع ويخافون من سبر غوره.
المرشحون أصحاب الحظوظ الاوفر بالنجاح لا ينتمون لعائلة كبيرة فحسب بل يعتبرون من أغنياء هذه العائلات.  وغالبا ما يكونون رجال أعمال أو أصحاب ممتلكات أو ذوي مهنة رفيعة ومكانة مرموقة وربما جمعوها كلها أو معظمها في آن واحد. وهكذا يكونون قادرين على شراء الاصوات بشكل مباشر أو بواسطة مقاولي أصوات. هذا بالاضافة الى كرمهم الزائد في توزيع الوعود. بالمقابل هناك جمهور المصوتين الذين لا يكادون يملكون شيئا، وتحت وطأة الحاجة والفقر ومقابل النزر القليل المدفوع مسبقا والوعود المستقبلية نراهم يهرعون لصناديق الاقتراع. ومن الطبيعي أن تذهب اصواتهم للقريبين اليهم عائليا أو سياسيا ضاربين بمصالحهم الحقيقية عرض الحائط. وكما تزعم الزعامات على المستوى الوطني أن الوطن للجميع ولكنهم يخفون ما في سرائرهم بأن لهم في هذا الوطن حصة الأسد، كذلك تردد الزعامات المحلية القول ذاته بأن البلد للجميع وفي الوقت نفسه ينسون أو يتناسون القول بأن لهم حصة الاسد في هذا البلد. 
قلت أن جوهر الانتخابات المحلية طبقي بل صراع طبقي. وقد يعترض البعض قائلا: ولكن اين هو الصراع؟  ما نشاهده ليس صراعا بل هو أقرب إلى  التعاون والانسجام. نعم، هذا صحيح، وهذا ما يبدو للوهلة الاولى. فقد يبدو الصراع الطبقي في مرحلة معينة تعاونا وذلك لاسباب كثيرة وتحت ظروف شتى أهمها انعدام الوعي الطبقي عند الجماهير، تقهقر النضال الوطني التحرري وتقاعس وفي بعض الأحيان خيانة القيادات التي مهمتها قيادة الصراع الطبقي وتطويرة بشكل يحقق أماني هذه الجماهير ويخدم مصالحها . 
قلت في الماضي وها أنا أعود وأكرر ما قلت: إن الهدف من الانتخابات المحلية في ظل هذا الكيان الاستيطاني العنصري هو خدمة الدولة وسياستها وليس خدمة الجماهير. مع تزايد الوعي الطبقي عند الجماهير وبزوغ قيادة جديدة ثورية تقدمية مخلصة سوف يعود الصراع الطبقي الى مساره السليم، وسوف تقترب الزعامات المحلية المنتفعة أكثر فأكثر للطبقة الحاكمة في الدولة لتشكل جبهة واحدة. وفي المقابل سوف يلتحم النضال الطبقي المحلي بالنضال الوطني العام. عندها سوف تبزغ شمس الحرية وسوف تكنس هذه الديمقراطية المزيفة الى مزبلة التاريخ.

Thursday, October 25, 2018

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية!

هذه هي الديمقراطية الفلسطينية
علي زبيدات - سخنين

من يظن أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة فهو مخطئ. يوجد هناك دولة أخرى تنافسها بالديمقراطية وهي دولة فلسطين. نعم يوجد هناك من يصر على تسميتها دولة بينما يكتفي البعض بتسميتها سلطة وطنية أو سلطة فلسطينية، إما تواضعا وإما تشكيكا. عن "الديمقراطية" الاسرائيلية نحن نعرف كل شيء أو تقريبا كل شيء: فهي دولة قانون ودولة مؤسسات. لها برلمان يسمى الكنيست منتخب بشكل ديمقراطي كل اربع سنوات أو كلما دعت الحاجة لذلك. وهو مفتوح أمام الجميع بمن فيهم نواب يمثلون من يطلقون على أنفسهم الاقلية الاصلانية الفلسطينية مواطني الدولة. وهناك سلطة تنفيذية تسمى الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي يستطيع أن يحجب عنها الثقة ويسقطها. وهناك جهاز قضائي "مستقل" يستطيع أن يضع البرلمان والحكومة عند حدهما إذا تجاوزا القوانين الأساسية. وهذه الدولة تملك جيشا يعتبر من أقوى جيوش العالم، ولكن هذه الصفة ليست أهم صفاته. ما يميزه عن باقي جيوش العالم هو كونه الأكثر أخلاقية حتى أصبحت ابشع الجرائم التي يقترفها تخرج من تحت يديه نعمة على المقتولين بسبب "طهارة" سلاحه. ويمارس احتلالا متنورا لا مثيل له في العالم إلى درجة أن الذين يعيشون تحت هذا الاحتلال لا يموتون من أجل دحره والتخلص منه بل على العكس يموتون حرصا عليه وعلى بقائه ويعشقون الحواجز والجدران العازلة والاغتيالات. أصلا لا يوجد هناك احتلال وبالتالي لا يوجد جيش احتلال إذ هل يعقل أن يحتل جيش أرضه؟ هذا غيض من فيض من سمات "الديمقراطية" الاسرائيلية. ومن يريد أن يتنور أكثر في هذا المجال سوف يجد الجواب عند معتوهي الأرض وأشدهم عنصرية ليزودوه بما يريد من معلومات.
ولكن ما هي حكاية الديمقراطية الفلسطينية؟ في هذا الصدد لدي تجربة شخصية مع هذه الديمقراطية تعود إلى ما قبل قيام السلطة، عفوا الدولة، واسمحوا لي أن أقصها عليكم بإختصار: في نهاية عام 1988 قدم ياسر عرفات على رأس وفد فلسطيني رفيع المستوى من أجل إلقاء خطاب في مقر الأمم المتحدة في جنيف. وكان ذلك بناء على إملاءات أمريكية في إطار المساعي للتوصل إلى اتفاقية سلام مع اسرائيل. وقد وصلت هذه المساعي إلى ذروتها شهرا قبل موعد الخطاب المذكور في جنيف، وبالتحديد في الدورة ال19 للمجلس التشريعي في الجزائر حيث تم الإعلان عن " استقلال" فلسطين والاعتراف الضمني بدولة إسرائيل. ولكن التنازلات التي قدمها المجلس الوطني في الجزائر لم تكن كافية بالنسبة للادارة الامريكية حتى تقبل بمنظمة التحرير شريكا رسميا وتبدأ بمفاوضات مباشرة معها. وطالبت ياسر عرفات بالقدوم الى جنيف لكي يلقي خطابا ينص بشكل صريح على الاعتراف بقرار 242 الذي كانت المنظمة بكافة فصائلها ترفضه وإدانة كافة انواع الارهاب والذي يعني نبذ الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الكيان الصهيوني. 
كانت الجلسة مفتوحة، وقد غصت القاعة بالوفود القادمة من كافة أرجاء العالم. وكان هناك وفد كبير من عرب اسرائيل ( في ذلك الوقت لم تكن هذه التسمية حساسة كما هي عليه اليوم). كنت هناك، جئت بمفردي قادما من دولة أوروبية. بعد عاصفة من التصفيق استمرت لبضع بدأ ياسر عرفات بإلقاء خطابه.دقائق وفي مرحلة ما من الخطاب قال:" إن الشعب الفلسطيني يعترف بقرار مجلس الأمن 242 ويستنكر ويدين كافة أشكال الإرهاب". فلم أجد نفسي الا وأنا واقفا في احد الصفوف الخلفية في القاعة صارخا في وجه عرفات: " هذا الكلام كذب. فالشعب الفلسطيني يرفض قرار 242 المجحف في حقه وقد قدم آلاف الشهداء لاسقاطه، كما أن الكفاح الفلسطيني ليس إرهابا بل ما تقوم به إسرائيل وامريكا هو الارهابي". فما كان من عرفات الا أن صمت للحظة وقد بدت على وجهه الصدمة، اذ كيف يقوم شخص نكرة بمقاطعة الرئيس بهذه الوقاحة.  ومن ثم قال: "هذه هي الديمقراطية الفلسطينية"  وتابع خطابه بعد أن تفجرت عاصفة التصفيق.
وقعت هذه الحادثة قبل 30 سنة. ولكن ما هي مناسبة سرد هذه القصة الآن؟ المناسبة هي أن منظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت تقريرا يدين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية (وسلطة حماس في غزة) باعتقال وتعذيب منهجي للمنتقدين والمعارضين السلميين. وأنها شكلت كيانات بوليسية تمارس انتهاك حقوق الانسان. وطالبت الدول المانحة بتعليق مساعداتها للوحدات والاجهزة الامنية الضالعة بمثل هذه الممارسات. وقد كان رد السلطة على هذه الاتهامات عنيفا ملخصه: أن دولة فلسطين هي دولة ديمقراطية، دولة قانون ومؤسسات (لاحظوا، العبارات نفسها التي تستعملها إسرائيل)، تلتزم بتعهداتها وواجباتها، تحترم حقوق الإنسان وتدافع عنها، وتعتمد في ذلك ليس على المعاهدات الدولية بهذا الخصوص فحسب بل على وثيقة الاستقلال الفلسطينية من حيث الاساس، وأن تقرير هيومن رايتس ووتش حول التعذيب الممنهج والاعتقال هو تقرير سياسي يتوافق مع الموقف الأمريكي.
لست هنا بصدد الدفاع عن هذه المنظمة أو مهاجمتها. ولكن اظن اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا التقرير لمعرفة ما يدور في دهاليز الأجهزة الامنية  الفلسطينية (في الضفة وفي قطاع غزة على حد سواء) من تعذيب واعتقالات تعسفية. قامت الادارة الامريكية مؤخرا بتقليص مساعداتها للصحة والتعليم في فلسطين وإيقاف مساعداتها لمنظمة الأونروا، الاجهزة الامنية كانت الوحيدة التي استثنيت من هذه التقليصات. على غرار الديمقراطية الاسرائيلية، اعترفت الديمقراطية الفلسطينية بحصول بعض التجاوزات الفردية التي تقوم الاجهزة الامنية بواجبها بالتحقيق في حيثياتها، ولكن النتيجة كانت دائما، كما في الجارة اسرائيل، عندما يقوم جهاز أمني بالتحقيق مع نفسه، انه لم تتم محاسبة او ادانة أي عنصر ارتكب مثل هذه التجاوزات.
خذوا ديمقراطيتكم وانصرفوا. ليست هذه هي الديمقراطية التي يطمح بها ويناضل من أجلها الشعب الفلسطيني. 


Thursday, October 11, 2018

ما وراء البرامج الانتخابية

ما وراء البرامج الانتخابية
علي زبيدات - سخنين

للوهلة الاولى، قد يظن القارئ أن هذه المقالة تدور حول الانتخابات المحلية الوشيكة. ولكنها بكل تأكيد ليست كذلك حتى ولو تم ذكر اسمها مرات عديدة. فالقصد منها أبعد ما يكون عن الانتخابات المحلية. موقفي كان ولا يزال مقاطعة هذه الانتخابات أسوة بمقاطعة شقيقتها الكبرى، انتخابات الكنيست. وقد سبق وشرحت الاسباب التي دفعتني لاتخاذ مثل هذا الموقف ولا رغبة لدي لتكرار ما قلته في هذا المجال. أعتقد أننا ظلمنا المرشحين لرئاسة البلديات والمجالس المحلية والمرشحين  لعضوية مجالس هذه البلديات. وأعترف بأنني كنت ممن ظلموا هؤلاء المرشحين في بعض الأمور من أهمها أنه لا يوجد هناك اي مرشح قد طرح برنامجا انتخابيا. ولكني غيرت رأيي تماما في هذه النقطة بالذات بعد أن استمعت إلى خطاباتهم في المهرجانات الداعمة وشاهدت عشرات الفيديوهات ومئات البوستات على شبكات التواصل الاجتماعي وتبين لي أن لجميعهم برامج انتخابية رهيبة تعجز عن تحقيقها الدول طوال عشرات السنوات فكم بالاحرى بلديات محدودة الصلاحيات والميزانيات في خمس سنوات؟ هل صادفتم مرشحا لرئاسة بلدية أو حتى لمجلس محلي متواضع ولم يضع على رأس سلم أولوياته واهتماماته البنود التالية:
التربية والتعليم، بناء المدارس والروضات والمراكز الثقافية، رفع نسبة النجاح في البجروت، وتخصيص المنح للطلاب الجامعيين.
حل مشاكل الازواج الشابة وأزمة السكن من خلال توفير القسائم وبناء الدور والشقق لجميع المحتاجين وباسعار شعبية.
توسيع مناطق النفوذ والمسطحات في كل مدينة وقرية.
محاربة العنف في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع.
محاربة الفساد في البلدية وفي كافة المؤسسات التابعة لها.
تمكين المرأة ودمجها بالعمل البلدي هذا بالاضافة الى محاربة العنف والتحرش والتمييز الذي تتعرض له ومحاربة القتل على خلفية ما يسمى ب"شرف العائلة".
بناء المرافق الثقافية والاقتصادية والترفيهية.
ألا تشكل كل هذه البنود برنامجا انتخابيا تعجز عن تحقيقه دولة تتحكم بميزانيات تفوق ميزانيات البلديات مجتمعة وكل على حدة بمئات وربما بآلاف المرات؟ وهذا ليس كل شيء، إذا ما أضفنا "الانجازات" التي يروجها رؤساء البلديات الحاليين والذين يطمحون بالعودة لفترة أخرى والتي لا تقل عن "برامجهم" المستقبلية.
هذا يذكرني ببرامج وانجازات أحزابنا و تنظيماتنا على الصعيد الوطني التي لا تتوقف عن أحصاء انتصاراتها على الكيان الصهيوني الغاصب. فمن يستمع لخطاب رئيس اصغر حزب وحتى خطاب أكبر تنظيم فلسطيني في اي مهرجان أو ذكرى أو مناسبة يخرج بشعور لا يقاوم بأن الاحتلال يلفظ أنفاسه الاخيرة وأن الاعداء من تل أبيب إلى واشنطن على وشك رفع الراية البيضاء والاستسلام من غير قيد أو شرط. برامج براقة شكلا فارغة مضمونا كالطبل الأجوف كلما اتسع حجما ضخم صوته وبقي خاويا.
هذا الكلام الذي أقوله هنا يحاكم صاحبه في كافة الدول العربية بتهمة تخريب معنويات الأمة والمس بالامن القومي وتحطيم مناعة الدولة وقد تصل التهم الى الخيانة ومساعدة العدو.
أظن أنه بعد سبعين عاما من العيش بالاوهام ومن غرس وتربية الأوهام والمتاجرة بها آن الأوان لكي نستفيق ونبحث لنا عن بديل آخر. أن نضع على الاقل رجلا واحدة على الأرض ولتبق الرجل الاخرى مرفوعة في الفضاء. أن نتوقف للحظة واحدة عن عد الانتصارات والانجازات ونتذكر الهزائم والنكبات المستمرة. لنبدأ بتواضع وعلى مهلنا: نعترف أولا بضعفنا وعجزنا، وهذا ليس عيبا، لأنه من غير هذا الاعتراف لن نستطيع قلب الضعف إلى قوة والعجز إلى مقدرة. لنبدأ بتنظيف عقولنا وأفكارنا من الغبار المتراكم طوال قرون عديدة من الركود والتخلف. لتكن بداية جديدة على أسس متينة جديدة نستطيع من خلالها أن نكمل المسيرة. دعونا نبدأ من مدننا وقرانا، نتخلص من تفكيرنا العائلي الضيق العقيم، نتوقف عن اللهث وراء مصالحنا الشخصية وننفض عن وجوهنا وكواهلنا غبار الماضي السحيق. ولا تقلقوا سوف يأتي دور البرامج الطموحة التي سوف تصبح قابلة للتطبيق وليس مرتعا للاوهام كما  هي عليه اليوم.
يقول بعض سياسيينا الذين اتحفونا على مدى عقود بمعاركهم الدونكيشوتية وبعنترياتهم داخل أروقة الكنيست وخارجه، أن قانون القومية الاسرائيلي قد أعاد الصراع إلى المربع الأول. حسنا ما السيء في ذلك؟ هذا يعني أن الطريق الذي سلكتموه قد وصل الى نهايته المسدودة بل أعادنا الى نقطة الانطلاق الأولى. فلماذا لا تكملون معروفكم وتتنحون جانبا وتفسحون المجال لغيركم من الأجيال الشابة أن تجرب حظها وتقود المسيرة بفكر جديد ومعنويات جديدة وأساليب عمل جديدة؟.



Thursday, September 27, 2018

أمام الكواليس وخلف الكواليس

 أمام الكواليس وخلف الكواليس
علي زبيدات - سخنين

عند كتابة هذه السطور لم يكن محمود عباس قد القى خطابه أمام الجمعية العمومية بعد. وأعتقد لا يوجد هناك أية ضرورة لانتظار هذا الخطاب لكي تكتب عما يجري في اروقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وأعتقد أيضا أن هذا الوضع لا ينطبق حصرا على رئيس السلطة الفلسطينية بل يشمل معظم إن لم يكن كافة الزعامات التي ألقت خطاباتها والتي لم يأت دورها بعد. خطابات ترامب واردوغان وروحاني كانت مكشوفة ومتداولة بين الناس وفي وسائل الإعلام قبل وقوفهم على المنصة. في حالة محمود عباس لم يترك المحيطين به والمقربين منه إلى حد الاحتضان مثل عريقات، العالول وشعث بالإضافة لابواق الدعاية الخاصة في وسائل الإعلام التابعة حتى ولو كلمة واحدة يفاجئنا بها الرئيس. فالرسالة وصلت قبل الخطاب وسوف تصل بعد الخطاب أو بدون خطاب. ولكن أحد قوانين اللعبة ينبغي على المسرحية أن تتم على المنصة، أمام الكواليس وخلف الكواليس، لم تعد تفرق فقد أصبح المكانان سيين.
فور عودة الرئيس الى رام الله، سوف يدعو الرئيس الى عقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير لاتخاذ القرارات. وكأن هذا المجلس لم يجتمع بدل المرة مرتين ولم يتخذ القرارات. صحيح أن ذاكرتنا قصيرة ولم نعد نتذكر بالضبط ما هي القرارات التي اتخذها هذا المجلس في اجتماعاته السابقة ولكن ليس إلى درجة أن ننسى تماما اجتماعاته واتخاذه للقرارات الحاسمة. في الماضي وعدونا باتخاذ القرارات ولكنهم لم يعدونها بتطبيقها أو أنهم لم يحددوا وقتا لتطبيقها. هذه المرة ستكون هناك خطوة مميزة وجريئة إلى الأمام، حيث سيكون النقاش المركزي ليس حول اتخاذ القرارات بل حول كيفية تطبيقها. صدق أو لا تصدق، هذه المرة سوف يكون هناك قرارات وتطبيق في الوقت نفسه. يبدو أن أحدهم قرأ عن العلاقة الديالكتيكية بين النظرية والممارسة. أنا شخصيا أحب مشاهدة المسرحيات والافلام. وقد شاهدت بعضها عدة مرات وشعرت وكأني أحضرها للمرة الاولى. ولكن يوجد هناك مسرحيات مملة حالما تبدأ بمشاهدتها يهجم عليك النعاس فكيف يكون شعورك إذا أخبرك احدهم على مشاهدتها عدة مرات؟ الان، وفي وقت كتابة هذه السطور اشعر بالنعاس كلما فكرت بمراجعة قرارات المجلس المركزي من أجل إنعاش الذاكرة لا اكثر ولا اقل. وأعترف، بالتالي تغلب على الكسل والملل ولم استطع أن اضغط على كبسة أو كبستين لكي تظهر هذه القرارات أمامي على الشاشة.
سوف يقول الرئيس أيضا أن السلطة الفلسطينية لن تكون الطرف الوحيد الذي يلتزم بالقرارات المبرمة. ولكن في الوقت نفسه لن يخفي فخره واعتزازه بأنه الطرف الوحيد الملتزم بها. سوف يعبر الرئيس عن خيبة أمله من الادارة الامريكية ويسهب في عتابه للقائمين عليها. سوف يصرح بصوت مثير للشفقة: لماذا تعاملونني هكذا؟ ما الخطأ الذي فعلته؟ تريدون مفاوضات؟ فأنا مع المفاوضات بالسر والعلن واليوم قبل غدا فلماذا تعاملونني وكأنني قطعة أثاث في صالونكم؟ لماذا لا تعطوني شيئا مهما كان بسيطا لكي الوح به أمام شعبي وأقول لهم: ها انا قد حققت لكم بعض المكاسب؟
 وربما سيدعو الرئيس الدول  ال132 التي اعترفت بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة أن تكمل معروفها وتعترف بها كدولة تحت الاحتلال، وكأن هذا التعريف افضل، ولكنه قد يدري او لا يدري أن العديد من هذه الدول على أتم الاستعداد للتراجع عن اعترافها المنقوص ومنها دول عربية شقيقة. وبعد عودته لأرض الوطن سوف يسيل الكلام كالفيضانات حول صلابة الموقف الفلسطيني والتمسك بالثوابت والوقوف أمام القوة الأكبر في العالم.
نعم، اكتب هذه السطور قبل إلقاء الخطاب ولكنها على الأرجح سوف تنشر بعد إلقاء الخطاب. فهل سوف اندم على ما كتبته؟ وهل ساضطر إلى لحس كل ما بصقته؟ هل سيفاجئنا الرئيس ويقول لأمريكا: أغربي عن وجهي، لا نريد سلامك ولا نريد أموالك وسوف ننتزع حقنا بسواعدنا، بدم شهدائنا، بتضحيات أسرانا وبعرق جماهيرنا؟. وهل سيقول لنتنياهو: ايها المحتل الغاشم سوف تغادر ارضنا مهما طال الزمن ومهما غلا الثمن؟. وهل سيقول للأمم المتحدة: أيها المنافقون، أنتم شركاء في هذه الجريمة كل على حدة وكلكم مجتمعين؟ لا أتصور أن يقول مثل هذا الكلام وبالتالي لا أتصور أن تخرج المسرحية عن روتينها المستمر منذ سنوات طويلة. لم يعد هناك أي فرق بين ما يجري أمام الكواليس وبين ما يجري خلفها.
قلت سابقا بأنني احب المسرحيات، ولكن المسرحيات الواقعية الجيدة. وأظن أن غالبية الناس تحب مثل المسرحيات. وأنا مثلي مثل غيري أكره المسرحيات المملة التافهة التي تقوم على النفاق. المسرحية الحقيقية التي تستحق المشاهدة هي المسرحية التي يكون أبناء الشعب ابطالها والتي يكون نضال الشعب وحريته موضوعها، وأرض الوطن منصتها. 

Thursday, September 13, 2018

شعب واحد... ولكن

شعب واحد … ولكن
علي زبيدات سخنين

نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده… ولكن
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني… ولكن
قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد… ولكن
من منا لم يسمع ولم يردد هذه الشعارات وما شابهها مرات لا تحصى ولا تعد؟ من أعضاء الكنيست العرب، من رؤساء البلديات والمجالس المحلية، من قيادات الاحزاب السياسية الاسلامية والقومية والعلمانية، من الناشطين في الجمعيات والمؤسسات المدنية وحتى الناس البسطاء في الشارع والبيوت.
ولكن ما قصة هذه الـ "لكن" التي تتكرر؟ حتى أن البعض يسميها "لكن كبيرة".
لغويا (حسب معجم المعاني الجامع) هي حرف عطف واستدراك يثبت لما بعده حكما مخالفا لما قبله. كمن يقول: الطقس جميل لكن الجو ملبد بالغيوم. فعندما تقول: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وتتبعها بكلمة لكن.. فهذا يعني انه لديك تحفظ ما، يختلف عما قلته سابقا. وفي سياق هنا المقصود اننا جزء يختلف عن باقي الاجزاء وتميزنا عنها.ل دينا ظروفنا الخاصة.
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
صحيح، قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
وبالتالي إذا جمعنا كافة هذه "اللكنات" لتبين اننا في الواقع جزء يتجزأ من الشعب الفلسطيني وان قضيتنا ليست واحدة ومصيرنا ليس واحدا. على سبيل المثال لا الحصر: نطالب الشعب الفلسطيني بعدم التطبيع مع إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نطالب بالاندماج معها ونطالبها بمنحنا المساواة مع مستوطنيها. نطالب العالم بمقاطعة إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نحن معفيين من هذه المقاطعة. مشاركة أهالي القدس في الانتخابات البلدية تعتبر خيانة بينما في الناصرة تعتبر موقفا وطنيا. لأن القدس محتلة وكأن الناصرة "محررة". لا بأس في أن تدير بلدية القدس الصهيونية شؤون الفلسطينيين. إذ حسب القانون الدولي على المحتل أن يوفر المتطلبات الاساسية لمن يقع تحت الاحتلال. ولكن في الوقت نفسه مرفوض رفضا باتا أن تعين الحكومة لجنة تدير شؤون أية بلدية عربية لأن مثل هذه اللجنة لن تكون حريصة على مصالح البلد.  لو شارك أهالي القدس بالانتخابات المحلية لاستطاعوا التأثير أكثر من تأثير من يشارك من العرب في انتخابات تل ابيب أو حيفا أو أي مدينة أخرى مما تسمى بالمدن المختلطة. طبعا أنا هنا لا اعمل دعاية بضرورة مشاركة أهل القدس بالانتخابات البلدية أو أية انتخابات أخرى، العكس تماما هو الصحيح، أنا أعمل دعاية لمقاطعة فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 لمقاطعة هذه الانتخابات. فنحن شعب واحد أليس كذلك؟ وجميعنا تحت الاحتلال والفرق بين الاحتلالين أقل من عشرين سنة، وعلى الاحتلال حسب القانون الدولي أن يوفر الظروف المعيشية الاساسية لجميع يرزحون تحت نير الاحتلال. ولن تكون آخر الدنيا أذا عينت الحكومة لجان لتدير كافة البلديات والمجالس العربية.
هذه يعني اننا شعب واحد وهذا يعني اننا جزء لا يتجزأ من هذا الشعب وغير ذلك ليس سوى كذب وغش وخداع. إذا كانت قضيتنا واحدة فحلها يجب أن يكون واحدا. الاعتراف بنا كأقلية قومية، منح الباقين دولة العوبة والمساومة على عودة الآخرين، هذا لا يعني قضية واحدة ولا يعني حلا واحدا. هل مصيرنا واحد أم لكل جزء فينا مصيره وعليه يسعى إليه ويتقبله؟
إذا أردنا حقا أن نكون شعبا واحدا يتكون من أجزاء لا تتجزأ وإذا أردنا أن تكون لنا قضية واحدة ومصير واحد، وليس من باب الشعارات والخطابات فحسب، علينا أن نمحى هذه الكلمة "لكن" بهذا المعنى من قاموسنا.
من هذا المنطلق ارفض شرعية السلطة الفلسطينية لأنها في أحسن الأحوال تستفرد بجزء واحد من الشعب الفلسطيني. وارفض سلطة حماس في غزة من المنطلق نفسه. وارفض أوهام الاقلية القومية التي تحيط بها غالبية عنصرية والتي تروج لها لجنة المتابعة. قد يقول البعض: ولكن ماذا عن الظروف الخاصة التي تميزنا وتفصل فيما بيننا موضوعيا ولا يمكن بأي حال من الاحوال تجاهلها أو إنكارها؟ ماذا يعني التمرد إذا لم يكن يعني التمرد على الظروف؟ ماذا يعني النضال إذا لم يكن ضد هذه الظروف؟ وماذا تعني الثورة إذا لم يكن هدفها قلب الواقع رأسا على عقب. فالظروف ليست أمرا منزلا حتى ولو آمن بذلك الكثيرون.
لنتذكر مقولة كارل ماركس الشهيرة: "إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان فعلينا أن نصنع ظروفا إنسانية"

Thursday, September 06, 2018

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم
علي زبيدات - سخنين

 تنشر دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية كل سنة قبيل رأس السنة العبرية تقريرا يحتوي على معلومات إحصائية أساسية عن السكان، الاقتصاد والمجتمع والتي تستعمل، بعد دراستها وتحليلها، من قبل الوزارات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتحديد سياساتها وبرامجها.
لن أخوض هنا بتفاصيل هذا التقرير فهو متوفر وفي متناول اليد لكل من يهتم بهذا الموضوع وقد نشرته معظم وسائل الإعلام الاسرائيلية إن لم يكن كافتها. جملة صغيرة وردت في صفحات التقرير لفتت نظري وهي محور مقالتي هذه. تقول هذه الجملة: " 89% من الإسرائيليين من سن عشرين فما فوق راضون عن حياتهم. 6% فقط يشعرون بالوحدة في أوقات متقاربة". على عكس غالبية الاحصائيات التي تأخذ بعين الاعتبار انتماءات السكان القومية لم يذكر هنا أي انتماء قومي، مما يوحي أن هذه النسبة تشمل اليهود والعرب على حد سواء وقد تكون نسبة غير الراضين من العرب أعلى من نسبة اليهود، ويظهر ذلك بشكل أوضح عندما تصبح نسبة عدم الراضين عن وضعهم الاقتصادي 37%.
لو افترضنا أن هذه المعلومات الاحصائية صحيحة، وهي حسب رأيي صحيحة ولو بشكل  تقريبي، فإننا نستنتج أن كل نضالاتنا داخل الكنيست وخارج الكنيست وكل احتجاجاتنا وإدانتنا لسياسة الحكومة قد فشلت حتى في أن تقض مضاجع المواطن الاسرائيلي المتوسط، بل أسوأ من ذلك، فإن هذه الاحصائيات تثبت بأننا شركاء في هذا الرضا. وإذا أضفنا إليها نضالات إخواننا في غزة والضفة الغربية ودول الجوار فهي الاخرى قد فشلت في أن تمس رضا غالبية السكان عن حياتهم. إن دل ذلك على شيء فإنه يدل إما على ضعفنا المطلق وإما على قوتهم الخارقة وربما يدل على الامرين معا. أنا شخصيا لا أؤمن بوجود ضعف مطلق. فالضعف قد يتحول إلى قوة إذا تعرفت على مصدره وأسبابه وعرفت كيف تعالجه وتعمل على تغييره. وفي الوقت نفسه لا أؤمن بوجود قوة خارقة. فكل قوة يمكن أن تتحول إلى ضعف أو على الاقل تواجه قوة أخرى مثلها أو أقوى منها. ولكن في لحظة معينة من الزمن، قد تطول أو تقصر، يبدو وكأنه يوجد هناك ضعف مطلق مقابل قوة خارقة، وهذه الحالة قريبة جدا من حالتنا في الوقت الراهن. وخير دليل على ذلك أن نسبة الراضين عن حياتهم تصل إلى 89%. فقط عندما تنعكس الصورة ويصرح 89% من السكان إنهم غير راضين عن حياتهم، تصبح امكانية التغيير الجذري إمكانية واردة بل ضرورية. من حيث المبدأ، نحن نطمح بالطبع لأن تكون نسبة الراضين عن حياتهم 100% ولكن بعد التخلص من هذا النظام الكولونيالي العنصري الذي يعمل على رفاهية مجتمعه الاستيطاني فقط، وبعد تحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني وعودته إلى وطنه.
المستوطن الصهيوني في الضفة الغربية يشعر بالأمن والرفاهية وبالتالي يصرح لدائرة الاحصاء المركزية بأنه راض عن حياته ليس  بسبب الدعم الحكومي (الاسرائيلي- الأمريكي) فحسب بل بسبب الحماية التي توفرها له أجهزة امن السلطة الفلسطينية وتقهقر النضال الشعبي المناهض للاستيطان أيضا. المستوطنون في الجليل والنقب راضون عن حياتهم ليس بسبب سياسة التهويد الحكومية ومنحهم كافة التسهيلات والامتيازات فحسب بل بسبب نضالنا البائس الذي أسفر عن مصادرة 93% من أراضينا أيضا. الاسرائيليون بشكل عام راضون عن حياتهم لأن الكنيست التابعة لهم لا تتوقف عن سن القوانين العنصرية بينما تتمسك بها الأحزاب العربية وكأنها حبل النجاة. المحاكم الاسرائيلية تفاجئنا كل يوم بأحكامها القراقوشية ولكننا نتهافت عليها بإستمرار طالبين الإنصاف والعدالة. نطالب الشرطة التي تتفنن في قمعنا و إذلالنا بترخيص وحماية مظاهراتنا واحتجاجاتنا. وأكثر من ذلك، بعد سن قانون القومية الأخير، وتعبيرا عن رفضنا لهذا القانون نناشد الدولة ونتوسل اليها أن تعيد لنا مواطنتنا الاسرائيلية كما كانت حتى ولو كانت مواطنة درجة ثانية أو ثالثة. في هذه الأيام، مع بداية الحملة الانتخابية المحلية، ننسى نكبتنا ونكستنا وكل قضايانا الجوهرية ونبدأ بعملية نهش جماعي لبعضنا من أجل الفوز ببعض الفتات التي القته الحكومة على طاولتنا.
لا أريد أن أتكلم هنا عن دور ومساهمة أشقائنا في الدول العربية من المحيط الى الخليج في تعزيز شعور الاسرائيلي بالرضا عن حياته. فالحديث في هذا المجال ذو شجون لا أول له ولا آخر. في ظل هذا الواقع المرير أصبح الاحتلال الإسرائيلي إحتلالا متنورا، وأصبح الجيش الإسرائيلي أكثر جيش أخلاقي في العالم بغض النظر عن جرائمه المثبتة والموثقة، وأصبح هذا الكيان هو الضحية والشعب الفلسطيني هو الإرهابي والمعتدي. وما زال العالم يفرد جناحية ويحتضن هذا الكيان العنصري.
للنتظر تقرير دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية  قبيل السنة العبرية القادمة لعل وعسى..


Thursday, August 16, 2018

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة
علي زبيدات - سخنين

تحيرنا معكم ولم نعد نفهم عليكم. هل نعيش أصعب أيام حياتنا وأحلك ليالينا؟ أم أن وضعنا على أحسن ما يرام بعد أن ولى زمن الهزائم من غير رجعة وأصبحنا نحقق الانتصارات كل نصر تلو الآخر؟ من أين نبدأ وماذا نقول؟ دعونا، بشكل عشوائي، نبدأ من إيران وهي كما هو معروف إحدى أعمدة جبهة المقاومة الأساسيين التي طالما رفعت معنوياتنا حتى السماء من كثرة ما بشرتنا به منذ سنوات بمحو دولة إسرائيل عن الخارطة وشكلت من أجل ذلك فيالق القدس التي بالفعل اتجهت غربا، وفي طريقها لتحرير القدس شاركت في تدمير بغداد ودمشق. ولكنها والحق يقال تابعت سيرها حتى وقفت أخيرا على مشارف فلسطين. عندها ظهرت على حقيقتها، حيث قامت دولة اسرائيل باستهداف مواقعها واصطياد جنودها من غير أن تحرك ساكنا. بعد ذلك سمحت لها، بوساطة روسية، أن تقيم مضاربها على بعد مائة كم من الحدود بشكل مؤقت حتى تنجز بعض المهام التي ما زالت معلقة ومن ثم تعود من حيث أتت. أما روسيا، زعيمة معسكر المقاومة والممانعة، والتي كان هدفها الوحيد محاربة الارهاب الداعشي ( لكي لا تظنوا خطأ أنها جاءت لمحاربة الإرهاب الصهيوني) والدفاع عن "الشرعية" في سوريا في وجه المؤامرة الكونية. وعندما تم لها ذلك ووصلت طائراتها وجنودها هي الأخرى إلى مشارف فلسطين، سارع الزعيم بوتين وبحضور ترامب وأمام العالم بالتعبير عن التزامه بأمن اسرائيل ووضعه في أولوية السياسة الروسية في المنطقة.
 الطرف الاخر في جبهة الممانعة، النظام الاسدي، أرسل جنوده بعد انقطاع دام سبع سنوات لحراسة حدوده المحتلة لحساب وصالح إسرائيل وذلك بمباركة من نتنياهو وليبرمان. الكلام عن جبهة المقاومة والممانعة لا يكتمل من غير التطرق لموقف حزب الله وزعيمه حسن نصرالله. فهو منذ 12 عاما يقول لنا أن حزب الله خرج من حرب 2006 اقوى، وأن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، ولكنه في خطابه الاخير قد تفوق على نفسه عندما صرح على الملأ ليسمعه خصومه قبل مؤيديه بأن حزب الله اليوم اقوى من الجيش الاسرائيلي ليس بالسلاح والعتاد فحسب بل في الخبرات والتجارب أيضا تلك التي اكتسبها في محاربة الشعب السوري.
إذا كانت هذه هي حالة جبهة المقاومة والممانعة فما بالك بجبهة الخنوع والعمالة؟ ولنبدأ بالسعودية وحلفها العربي المكون من دول الخليج (ومن ضمنها قطر المتمردة) ومن نظام السيسي في مصر فقد انتقلت هذه الدول من مرحلة التطبيع الرسمي وغير الرسمي مع دولة إسرائيل إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي معها حتى اصبحت شريكة فعالة في تصفية القضية الفلسطينية وفرض السلام الاسرائيلي- الأمريكي على المنطقة.
أما حركة حماس الغادرة التي طعنت ظهر جبهة المقاومة من الخلف، على حد تعبير هذه الاخيرة، فقد خضعت لضغوط المخابرات المصرية والخليجية ومن ورائها أمريكا وإسرائيل ووافقت على هدنة طويلة الامد مقابل بعض الفتات الذي سيعود، من حيث الأساس، على الفئات المتنفذة ولن يغير من واقع البؤس والحصار الذي يرزح تحته معظم أهالي القطاع شيئا. 
السلطة الفلسطينية التي فقد دوختنا وهي تدور فينا من المجلس الوطني إلى المجلس المركزي إلى المجلس التشريعي إلى اللجنة التنفيذية إلى المجلس الثوري، ودوختنا وهي تدور فينا في متاهات لعبة المصالحة، من وسيط إلى وسيط ومن اجتماع إلى اجتماع ومن قرار إلى قرار، ودوختنا وهي  تتخذ القرار ونقيضه في آن واحد، نراها ف\من جهة تسعى لتجميد عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة ومن جهة أخرى تجاهر بالاعتراف بها بشرعيتها. تقول لنا بأنها سوف تقدم مجرمي الحرب الاسرائيليين للمحاكمة في محكمة الجنائيات الدولية، وفي الوقت نفسه إذا ما قامت لجنة دولية بإصدار تقرير يدين الجرائم الإسرائيلية عملت على اجهاضه وافشاله. تدين التطبيع العربي مع إسرائيل وتقف على راس المطبعين معها. هذا ناهيك عن التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي مع الكيان الصهيوني. 
وأخيرا وليس آخرا، ها هم عربنا، الذين يطلقون على انفسهم عرب الداخل ويحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، يكاد يجن جنونهم من قانون القومية الاسرائيلي لأنه يسلبهم اسرائيليتهم المنقوصة ولكن الناعمة ويطالبون بمنحهم الفرصة لكي يكونوا اسرائيليين متساوين مع إخوانهم اليهود. 
على ضوء ما تقدم وعلى ضوء ما تخبئه لنا الأيام القادمة، نعود للمربع الاول ونسأل: هل نعيش اوقات عصيبة لم يسبق أن عشناها من قبل أم أن حالتنا على أحسن ما يرام؟ أترك الإجابة لكم.

Thursday, August 09, 2018

ما بين تايوان وإسرائيل

ما بين تايوان وإسرائيل
علي زبيدات - سخنين

لا أدري إذا كانت هذه القصة حقيقية أم أنها دعاية من صنع خيال ابتدعها شخص مجهول ورددها الفلسطينيون لفترة من الزمن حتى أصبحت تبدو وكأنها قصة حقيقية. وبما أن تاريخية أو واقعية القصة ليست هيالمقصودة بل رمزيتها فإني لا أرى هناك فرقا جوهريا في كلتا الحالتين.
تقول القصة (الدعاية): في بداية سنوات السبعين وفي أعقاب قبول الصين الشعبية للأمم المتحدة وانتزاعها العضوية الدائمة في مجلس الأمن من الجمهورية الصينية (تايوان)، بعثت دولة إسرائيل وفدا كبيرا للصين الشعبية مهمته إقناع الصين الشعبية بالاعتراف بها والعمل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الدولتين. ويقال أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ سأل الوفد: كم يبلغ عدد سكان دولتكم التي تتكلمون عنها؟ فأجابوه: حوالي ثلاثة ملايين. فرد عليهم بسخرية: وفي أي فندق تنزلون؟ وعاد الوفد خالي الوفاض يجر ذيول الخيبة.
ولكن ما علاقة تايوان وإسرائيل بهذه الحكاية؟ للاجابة على ذلك يجب العودة قليلا إلى الوراء. عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل في ايار/مايو 1948 كانت تدور في الصين حرب اهلية طاحنة بين الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ من جهة والحزب الوطني الصيني بقيادة تشيانغ كاي شيك من جهة أخرى. وكانت هذه الحرب تقترب من مراحلها الاخيرة. في أكتوبر/تشرين أول 1949 سيطر الحزب الشيوعي على معظم الأراضي الصينية وأعلن استقلال جمهورية الصين الشعبية التي تشكل أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. أما فلول الحزب الوطني الصيني فقد فروا إلى جزيرة تايوان تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأوروبية الاستعمارية واعلنوا عن قيام جمهورية الصين كممثل "شرعي" لكل الشعب الصيني ولكل الأراضي الصينية. طبعا، دولة إسرائيل الوليدة لحقت ربعها واعترفت بالجمهورية الصينية (تايوان) ولم تعترف بالصين الشعبية. وبعد فترة قصيرة انضمت إلى أمريكا في الحرب الكورية التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات والتي شاركت بها الصين الشعبية إلى  جانب الشعب الكوري. ومن ثم وقفت إلى جانبها في حرب فيتنام وكمبوديا ولاوس. وسرعان ما تبين أن دور إسرائيل لا يقتصر على خدمة المصالح الامبريالية في الشرق الأوسط فحسب بل وفي جنوب شرق آسيا وفي كافة ارجاء العالم أيضا. وبكل وقاحة، حاملة هذا الدور على أكتافها، جاءت تطلب الاعتراف من القيادة الصينية الثورية حينذاك.
لنعود إلى تايوان، أو بالاحرى إلى "الشرعية الدولية" المزيفة التي جعلت منها دولة عظمى لتكون واحدة من خمس دول تتمتع بحق الفيتو. ولكن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال. في بداية سنوات السبعين بدأ العالم يعي أن الصين الشعبية هي الدولة العظمى وأن الحماية الامبريالية مهما بلغت قوتها وشراستها لا تستطيع أن تمنح الشرعية لمن لا شرعية له. وهكذا عادت تايوان أو كما ما زال البعض يحب أن يسميها بالجمهورية الصينية إلى حجمها الطبيعي.
لا تختلف "الشرعية الدولية" التي فازت بها دولة إسرائيل عام 1948 من حيث الجوهر عن شرعية تايوان الدولية. وإذا كانت هناك بعض الجوانب للمقارنة فجميعها تصب في صالح تايوان. إذ كان الصراع في الصين،على الأقل وفي نهاية المطاف، بين طرفين صينيين أصليين واستمر لسنوات طويلة وكان من المحتمل نظريا أن تكون الغلبة لصالح الحزب الوطني وأن يصبح هو الحزب الحاكم على كل البلاد. لمعرفة أسباب هزيمة هذا الحزب يجب دراسة الثورة الصينية بعمق على مدار النصف الأول من القرن العشرين. 
أما الحركة الصهيونية التي تحولت بعد نصف قرن من تأسيسها إلى دولة أطلقت على نفسها دولة إسرائيل، فقد نشأت وترعرعت كحركة استعمارية بعيدا عن فلسطين لا تملك لتحقيق مشروعها حتى ولا ذرة واحدة من الشرعية، لذلك تكالبت كل القوى الاستعمارية لفبركة "شرعية" بل "شرعيات" كل واحدة تبز التي جاءت قبلها بفقدانها للشرعية. فإذا كانت البداية مع وعد بلفور مرورا بقرار الانتداب ومن ثم قرار التقسيم وإعلان الدولة فإن النهاية كانت سن قانون القومية العنصري الذي يعد تتويجا لهذه "الشرعيات" المفبركة.
لقد آن الأوان لبدء العمل لإعادة الشرعية الحقيقية لأصحابها ولمكانها الصحيح، وإن جاء ذلك متأخرا. فمن الأفضل أن يجيء متأخرا من الا يأتي أبدا. المرحلة القادمة تتطلب العودة إلى الجذور، إلى الأصول، وعدم الاكتفاء بالغاء أو تعديل هذا القانون أو ذاك أو مواجهة هذه السياسة أو تلك. كما تم نزع الشرعية عن تايوان وإعادتها للصين الشعبية ينبغي نزع الشرعية عن نظام الأبرتهايد الصهيوني وإعادتها لفلسطين. 





Thursday, July 19, 2018

فلسطين ليست للبيع

فلسطين ليست للبيع
علي زبيدات - سخنين

لعل أكثر المصطلحات المتداولة على الساحة السياسية في هذه الأيام هو مصطلح: "صفقة القرن". هذا بالرغم من أنه لا أحد يعرف على وجه الدقة اية معلومة أكيدة عن هذه الصفقة: من هو البائع ومن هو المشتري وماهي البضاعة المعروضة للبيع، ما هو السعر وماهي شروط الدفع وإلى ما هنالك من تساؤلات اساسية في كل صفقة يتم إبرامها. منهم من يقول أن تفاصيل هذه الصفقة ما زالت سرية وما يتم تداوله ليس سوى إشاعات وتسريبات، وقلة تنكر وجود مثل هذه الصفقة أصلا. ولكن كلا الطرفين يتكلم عنها وكأنه طرف مشارك بها أو كأن له اسهم بها ويستطيع أن يحسب بدقة مقدار ربحه أو خسارته في حال تحقيقها أو عدمه.  في هذه السطور لن أخوض بتفاصيل هذه "الصفقة" لا من قريب أو بعيد من باب ما تقوله أمثالنا الشعبية: كالذي يبيع جلد الدب قبل صيده، أو كمن يشتري سمك في البحر. عندما نرى الصبي سوف نصلي على النبي.
أود هنا أن أتكلم عن ظاهرة مرضية مستشرية في مجتمعاتنا وهو انبهارنا الشديد بكل ما يقوله الغرب من تسميات ونبدأ بترويجه، عن حسن نية أو سوء نية، من حيث ندري أو لا ندري، وذلك بدون أن نفهمه بشكل عميق وبدون أن نسبر أغواره ونحلله بشكل موضوعي ومنطقي. 
يبدو أن أمريكا (وإسرائيل أيضا) لديها طاقم من المختصين من علماء النفس والسياسة والإعلام، تابعين لوزارة الخارجية وجهاز المخابرات وربما بالتعاون مع اجهزة أخرى ومراكز ابحاث ودراسات مهمتهم ابتكار مثل هذه المصطلحات الجذابة وإطلاقها في الفضاء الرحب لكي تنتشر مثل النار بالهشيم.
لا بد انكم تذكرون مصطلح "خارطة الطريق" الذي رافق المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية منذ مؤتمر مدريد مرورا باتفاقيات أوسلو وحتى سنوات قليلة مضت. كل شيء جرى في منطقتنا في تلك الفترة كان يجري تحت رعاية هذا المصطلح. نذهب إلى واي ريفر وكامب ديفيد أو شرم الشيخ وطابا لمناقشة خارطة الطريق. وبالتالي ماذا تبين؟ تبين أنه لا يوجد هناك خارطة ولا يوجد طريق أصلا. وقد تم سحب هذا المصطلح من السوق بهدوء كما تم طرحه مسبقا بهدوء.
مثل آخر: مصطلح "الشرق الاوسط الجديد" الذي روجت له إحدى الادارات الامريكية بتوجيه من قبل رجل " السلام" الإسرائيلي شمعون بيرس بمشاركة أبواق إعلامية عربية وعالمية. وقد تبين في النهاية أنه لا يوجد هناك ثمة شرق أوسط جديد ولا يحزنون. وأن كل القصد تقسيم المقسم وتفكيك ما يمكن تفكيكه من الدول العربية بهدف إخضاع المنطقة بكاملها للهيمنة الاسرائيلية كواجهة ومن ورائها نظام العولمة الامبريالي. وذلك لضمان الحفاظ على أمن اسرائيل من جهة ونهب الثروات العربية من جهة أخرى. وبعدما استنفذ هذا المصطلح تم سحبه هو الآخر بهدوء.
الشيء نفسه ينطبق على ما يسمى "صفقة القرن". ما الجديد في كل التسريبات التي كتب عنها صفحات لا تعد ولا تحصى؟ بل العديد من الدراسات والأبحاث والكتب ايضا؟ لا شيء. 
شطب حق العودة عن طريق التوطين، فكرة تراود الفكر الصهيوني والغربي منذ ايام النكبة الاولى وليست من اختراع هذه الصفقة. الوطن البديل إن كان في شرق الاردن او في قطاع غزة وجزء من سيناء كما هو مطروح اليوم هو أيضا مشروع قديم يظهر بقناع جديد من فترة لأخرى. إعادة تقسيم دول سايكس - بيكو بما يتلاءم مع التطورات على الساحة السياسية لم يفارق الساحة منذ قرن كامل. تهويد القدس يجري على قدم وساق منذ اليوم الأول لاحتلالها، تجنيد أكبر عدد ممكن من الانظمة العربية إما عن طريق عرض الحماية عليها لتحافظ على عروشها وإما عن طريق بعض المساعدات المادية هي أيضا سياسة قديمة، تحقق نجاحات هنا وهناك وتخفق في بعض الأماكن. إذن لو سلمنا جدلا بوجود " صفقة القرن" فما الجديد الذي تحمله ويستحق كل هذا الانبهار والترويج؟
كل ما اريد قوله هنا وباختصار: متى سنتحرر من هذه الكليشيهات المبتذلة التي لم تعد تنطلي على أحد سوانا؟ هل لغتنا عاجزة الى هذا الحد  لابداع مصطلح يعبر عن أمانينا؟ وهل تفكيرنا بهذه الضحالة إلى درجة الانجرار الاعمى وراء كل كلمة آتية من خلف البحار؟
 إن حرية الفكر هي الخطوة الاولى في مسيرة التحرر والاستقلال.

Thursday, June 28, 2018

طائرة الدولة الواحدة لم تحلق


طائرة الدولة الواحدة لم تحلق
علي زبيدات - سخنين

 عندما كنا صغارا، والحديث يعود إلى أكثر من نصف قرن، نحن أيضا كنا نلعب بالطائرات الورقية. ولكن على عكس طائرات غزة الورقية اليوم التي تقض مضاجع المستوطنين القريبين من القطاع بل تقض مضاجع الحكومة الاسرائيلية برمتها، كانت طائراتنا فاشلة ترفض التحليق. لم نعرف سبب ذلك حتى عندما كبرنا وتركنا هذه اللعبة وانتقلنا إلى ألعاب أخرى أكثر خطورة. أذكر أننا كنا نركض مسافات طويلة والطائرة الورقية المربوطة بخيط متين تجرجر ذيلها ورائنا، وكنا بين الخطوة والاخرى نشد الخيط بقوة لعلها ترتفع ولو قليلا ولكن من غير فائدة. وكم صعدنا إلى أحد السطوح العالية وأحيانا الى مأذنة الجامع أو إلى أي مكان مرتفع بحثا عن الهواء ولكن كانت الطائرة الورقية دائما توجه خرطومها نحو الأسفل وتهوي إلى الحضيض تماما كالطائرات الحقيقية التي كنا نشاهدها في الأفلام الحربية في ذلك الوقت.
يبدو أننا لم نكن الوحيدين الذين عجزوا عن تطيير طائرة ورقية. وأظن أن أخوتنا في الوطن العربي الكبير لم يكن حالهم افضل من حالنا. وربما من هنا جاء المثل الشعبي الذي يصف أي شيء يأبى التقدم والتغيير بأنه "لم يحلق". مع مرور الوقت  نسينا الطائرات الورقية ولكن الامور التي تأبى التحليق قد ازدادت ولم يعد هناك امكانية لنسيانها بعد أن حفرت في ذاكرتنا الجمعية. فكم من تنظيمات وأحزاب وحركات سياسية جائتنا بشعارات لامعة، بافكار في غاية الروعة بذل القيمون عليها الغالي والرخيص من جهود وأموال ومؤتمرات واجتماعات ولجان ومناشير وبرامج ولكنها في النهاية لم تحلق. وهذا الامر ينطبق على الاشخاص أيضا الذين يبدون للوهلة الاولى مثاليين، ذوي ثقة عالية بأنفسهم، مثقفين ومحبوبين، ولكنهم عندما طرحوا انفسهم لقيادة تنظيم أو حزب أو حتى جمعية متواضعة لم يحلقوا.
كانت هذه المقدمة الطويلة والمملة بكل ما تحتويه من لمز وغمز ضرورية لولوج شعار "الدولة الواحدة" الذي يحاول التحليق بنسخته الجديدة في سمائنا الكئيبة. على فكرة، الاشد كسلا من المبادرين الجدد يستعملون في خطابهم "الدولة الواحدة"، الاقل كسلا يستعملون "الدولة الديمقراطية الواحدة" أما الاكثر نشاطا منهم فإنهم يستعملون "الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة". وهناك بالطبع مفردات آخرى قد تستعمل للدلالة على المفهوم نفسه مع بعض التعديلات مثل: "دولة جميع مواطنيها" "دولة المواطنين" "دولة ثنائية القومية". ولكن لكي نبسط الامور دعونا نختزل كل هذه التسميات ب"الدولة الواحدة" فهي في نهاية المطاف جاءت ردا على حل الدولتين، أو كما يبرر البعض: جاءت ردا على فشل حل الدولتين وقد تسمع بعض الاصوات "الجذرية" تقول: جاءت ردا على إفشال اسرائيل لحل الدولتين.
عقد المبادرون الجدد اجتماعهم التحضيري الموسع الثاني قبل أيام في شفاعمرو وحضره نخبة من الناشطين والمثقفين، اليهود والعرب معظمهم من المخضرمين مع قلة ضئيلة من الوجوه الشابة. وأطلقوا على مبادرتهم هذه: حملة الدولة الديمقراطية الواحدة. واختيار كلمة حملة لم يكن عبثا أو من باب الصدفة بل كان مقصودا لتفادي استعمال كلمة حركة التي تتطلب بناء تنظيميا ثابتا. فالحملة هي وصف لحالة الطائرة الورقية في مرحلة التحضير والانطلاق وتتحول إلى حركة عندما تحلق. وهذا ليس ما يطمح إليه المبادرون فحسب بل ما يؤكدون حدوثه أيضا. ومن ثم تم توزيع بيان باللغة العربية والعبرية بعنوان: "إعلان الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين". قلت في نفسي: إعلان الدولة الواحدة مرة واحدة؟ بينما ما زالوا يناقشون استعمال كلمة حملة أم حركة؟ وأجبت: أكيد هذا بسبب الحماس الزائد لكاتب البيان فالمقصود: اعلان حول أو من أجل الدولة الديمقراطية الواحدة. فليس من العدل أن تقف لهم بالمرصاد على كل نقطة وفاصلة.
أنا ضد حل الدولتين وقد كتبت حول ذلك مرارا وتكرار. كنت ضده قبل أن تبنته التنظيمات والأحزاب الفلسطينية، أي قبل اتفاقيات أوسلو ومجيء السلطة الفلسطينية وبالتحديد بعد تبني ما يسمى البرنامج المرحلي عام 1974 وانتظار الدعوة التي لم تصل للمشاركة في مفاوضات جنيف. في ذلك الوقت كان معظم الفلسطينيين يرفضون هذا الحل. ولكن أن تكون ضد حل الدولتين هو شيء وأن تكون مع حل "الدولة الواحدة" هو شيء آخر. وقد كتبت مؤخرا، أنه في السنوات العشرة الاخيرة تمت اللغوصة بشعار حل الدولة الواحدة أضعاف ما تمت اللغوصة بشعار حل الدولتين خلال ما يقارب النصف قرن.
لنلق نظرة على البند الأول من البرنامج السياسي للحملة: 1. "دولة ديمقراطية - دستورية واحدة: تقام الدولة الديمقراطية الواحدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن ، كدولة لكل مواطنيها، بما فيهم اللاجئين الفلسطينيين، بحيث يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية، إضافة إلى الحرية والأمن. هذه الدولة تكون ديمقراطية دستورية، تنبع سلطة الحكم وسن القوانين فيها من إرادة الشعب، ويتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية في الانتخاب والترشح لأي منصب والمساهمة في حكم البلاد".
 شكرا لأنكم ذكرتم اللاجئين الفلسطينيين وكأنهم قادمون من كوكب آخر. ولكن ماذا عن المستوطنين؟ اه صحيح، مفهوم ضمنا، فالدولة لكل مواطنيها، وفي بند آخر تقولون يحق لكل مواطن أن يسكن اينما يشاء، يعني يستطيع أهل الخليل دعوة مستوطنيهم لاحتساء قهوة الصباح مع بعض. ويمكن بناء المستوطنات من غير عائق في كل مكان. وباقي الكلام: أليس هذا ما تقوله إسرائيل عن نفسها؟ الا يوجد هناك حقوق متساوية في الانتخاب والترشح لأي منصب؟ ألم يرشح أحد مفكرينا الكبار نفسه لرئاسة الحكومة وقلتم حينذاك: ضربة معلم؟ أما بالنسبة للدستور فهذه مسالة بسيطة إذ يوجد هناك حاليا قوانين اساسية أو دستورية ويوجد لجنة دستور في الكنيست وسوف تساعدها جمعية عدالة لوضع "دستور ديمقراطي" حيث كانت هناك محاولة من هذا النوع وسوف تأتي غيرها.
باقي البنود (وهي عشرة بنود) تعج بالتناقضات والتخبطات والشعارات التي ابتذلت على مر الأيام حول العدل، السلام، الحقوق الفردية والجماعية، حقوق الإنسان، القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. يحاول بعض المبادرين الذين يعتبرون أنفسهم خبراء في نظام الابرتهايد بعد عدة زيارات قاموا بها لجنوب افريقيا استيراد كلمة "تفكيك" نظام الابرتهايد واستعمالها بدون الاخذ بعين الاعتبار الفوارق الجوهرية بين النظامين العنصريين، ويتجاهلون أن ما تم تفكيكه في جنوب افريقيا هو الجانب السياسي فقط لنظام الأبارتهايد وتم الإبقاء على الجانب الاقتصادي والاجتماعي. لذلك ليس غريبا ألا تحلق طائرة الدولة الواحدة الورقية هذه المرة أيضا.
أيها الرفاق، للتوضيح والتفكير، أقول: الخيار الذي نقف أمامه في هذه المرحلة هو ليس بين حل الدولة الواحدة وبين حل الدولتين، الخيار الحقيقي ما زال بين الدولة والثورة. انا اختار الثورة.