Thursday, September 27, 2018

أمام الكواليس وخلف الكواليس

 أمام الكواليس وخلف الكواليس
علي زبيدات - سخنين

عند كتابة هذه السطور لم يكن محمود عباس قد القى خطابه أمام الجمعية العمومية بعد. وأعتقد لا يوجد هناك أية ضرورة لانتظار هذا الخطاب لكي تكتب عما يجري في اروقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وأعتقد أيضا أن هذا الوضع لا ينطبق حصرا على رئيس السلطة الفلسطينية بل يشمل معظم إن لم يكن كافة الزعامات التي ألقت خطاباتها والتي لم يأت دورها بعد. خطابات ترامب واردوغان وروحاني كانت مكشوفة ومتداولة بين الناس وفي وسائل الإعلام قبل وقوفهم على المنصة. في حالة محمود عباس لم يترك المحيطين به والمقربين منه إلى حد الاحتضان مثل عريقات، العالول وشعث بالإضافة لابواق الدعاية الخاصة في وسائل الإعلام التابعة حتى ولو كلمة واحدة يفاجئنا بها الرئيس. فالرسالة وصلت قبل الخطاب وسوف تصل بعد الخطاب أو بدون خطاب. ولكن أحد قوانين اللعبة ينبغي على المسرحية أن تتم على المنصة، أمام الكواليس وخلف الكواليس، لم تعد تفرق فقد أصبح المكانان سيين.
فور عودة الرئيس الى رام الله، سوف يدعو الرئيس الى عقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير لاتخاذ القرارات. وكأن هذا المجلس لم يجتمع بدل المرة مرتين ولم يتخذ القرارات. صحيح أن ذاكرتنا قصيرة ولم نعد نتذكر بالضبط ما هي القرارات التي اتخذها هذا المجلس في اجتماعاته السابقة ولكن ليس إلى درجة أن ننسى تماما اجتماعاته واتخاذه للقرارات الحاسمة. في الماضي وعدونا باتخاذ القرارات ولكنهم لم يعدونها بتطبيقها أو أنهم لم يحددوا وقتا لتطبيقها. هذه المرة ستكون هناك خطوة مميزة وجريئة إلى الأمام، حيث سيكون النقاش المركزي ليس حول اتخاذ القرارات بل حول كيفية تطبيقها. صدق أو لا تصدق، هذه المرة سوف يكون هناك قرارات وتطبيق في الوقت نفسه. يبدو أن أحدهم قرأ عن العلاقة الديالكتيكية بين النظرية والممارسة. أنا شخصيا أحب مشاهدة المسرحيات والافلام. وقد شاهدت بعضها عدة مرات وشعرت وكأني أحضرها للمرة الاولى. ولكن يوجد هناك مسرحيات مملة حالما تبدأ بمشاهدتها يهجم عليك النعاس فكيف يكون شعورك إذا أخبرك احدهم على مشاهدتها عدة مرات؟ الان، وفي وقت كتابة هذه السطور اشعر بالنعاس كلما فكرت بمراجعة قرارات المجلس المركزي من أجل إنعاش الذاكرة لا اكثر ولا اقل. وأعترف، بالتالي تغلب على الكسل والملل ولم استطع أن اضغط على كبسة أو كبستين لكي تظهر هذه القرارات أمامي على الشاشة.
سوف يقول الرئيس أيضا أن السلطة الفلسطينية لن تكون الطرف الوحيد الذي يلتزم بالقرارات المبرمة. ولكن في الوقت نفسه لن يخفي فخره واعتزازه بأنه الطرف الوحيد الملتزم بها. سوف يعبر الرئيس عن خيبة أمله من الادارة الامريكية ويسهب في عتابه للقائمين عليها. سوف يصرح بصوت مثير للشفقة: لماذا تعاملونني هكذا؟ ما الخطأ الذي فعلته؟ تريدون مفاوضات؟ فأنا مع المفاوضات بالسر والعلن واليوم قبل غدا فلماذا تعاملونني وكأنني قطعة أثاث في صالونكم؟ لماذا لا تعطوني شيئا مهما كان بسيطا لكي الوح به أمام شعبي وأقول لهم: ها انا قد حققت لكم بعض المكاسب؟
 وربما سيدعو الرئيس الدول  ال132 التي اعترفت بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة أن تكمل معروفها وتعترف بها كدولة تحت الاحتلال، وكأن هذا التعريف افضل، ولكنه قد يدري او لا يدري أن العديد من هذه الدول على أتم الاستعداد للتراجع عن اعترافها المنقوص ومنها دول عربية شقيقة. وبعد عودته لأرض الوطن سوف يسيل الكلام كالفيضانات حول صلابة الموقف الفلسطيني والتمسك بالثوابت والوقوف أمام القوة الأكبر في العالم.
نعم، اكتب هذه السطور قبل إلقاء الخطاب ولكنها على الأرجح سوف تنشر بعد إلقاء الخطاب. فهل سوف اندم على ما كتبته؟ وهل ساضطر إلى لحس كل ما بصقته؟ هل سيفاجئنا الرئيس ويقول لأمريكا: أغربي عن وجهي، لا نريد سلامك ولا نريد أموالك وسوف ننتزع حقنا بسواعدنا، بدم شهدائنا، بتضحيات أسرانا وبعرق جماهيرنا؟. وهل سيقول لنتنياهو: ايها المحتل الغاشم سوف تغادر ارضنا مهما طال الزمن ومهما غلا الثمن؟. وهل سيقول للأمم المتحدة: أيها المنافقون، أنتم شركاء في هذه الجريمة كل على حدة وكلكم مجتمعين؟ لا أتصور أن يقول مثل هذا الكلام وبالتالي لا أتصور أن تخرج المسرحية عن روتينها المستمر منذ سنوات طويلة. لم يعد هناك أي فرق بين ما يجري أمام الكواليس وبين ما يجري خلفها.
قلت سابقا بأنني احب المسرحيات، ولكن المسرحيات الواقعية الجيدة. وأظن أن غالبية الناس تحب مثل المسرحيات. وأنا مثلي مثل غيري أكره المسرحيات المملة التافهة التي تقوم على النفاق. المسرحية الحقيقية التي تستحق المشاهدة هي المسرحية التي يكون أبناء الشعب ابطالها والتي يكون نضال الشعب وحريته موضوعها، وأرض الوطن منصتها. 

Thursday, September 13, 2018

شعب واحد... ولكن

شعب واحد … ولكن
علي زبيدات سخنين

نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده… ولكن
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني… ولكن
قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد… ولكن
من منا لم يسمع ولم يردد هذه الشعارات وما شابهها مرات لا تحصى ولا تعد؟ من أعضاء الكنيست العرب، من رؤساء البلديات والمجالس المحلية، من قيادات الاحزاب السياسية الاسلامية والقومية والعلمانية، من الناشطين في الجمعيات والمؤسسات المدنية وحتى الناس البسطاء في الشارع والبيوت.
ولكن ما قصة هذه الـ "لكن" التي تتكرر؟ حتى أن البعض يسميها "لكن كبيرة".
لغويا (حسب معجم المعاني الجامع) هي حرف عطف واستدراك يثبت لما بعده حكما مخالفا لما قبله. كمن يقول: الطقس جميل لكن الجو ملبد بالغيوم. فعندما تقول: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وتتبعها بكلمة لكن.. فهذا يعني انه لديك تحفظ ما، يختلف عما قلته سابقا. وفي سياق هنا المقصود اننا جزء يختلف عن باقي الاجزاء وتميزنا عنها.ل دينا ظروفنا الخاصة.
نحن جزء حي وفعال من الشعب الفلسطيني ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
صحيح، قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد ولكن... لدينا ظروفنا الخاصة.
وبالتالي إذا جمعنا كافة هذه "اللكنات" لتبين اننا في الواقع جزء يتجزأ من الشعب الفلسطيني وان قضيتنا ليست واحدة ومصيرنا ليس واحدا. على سبيل المثال لا الحصر: نطالب الشعب الفلسطيني بعدم التطبيع مع إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نطالب بالاندماج معها ونطالبها بمنحنا المساواة مع مستوطنيها. نطالب العالم بمقاطعة إسرائيل ولكن بسبب ظروفنا الخاصة نحن معفيين من هذه المقاطعة. مشاركة أهالي القدس في الانتخابات البلدية تعتبر خيانة بينما في الناصرة تعتبر موقفا وطنيا. لأن القدس محتلة وكأن الناصرة "محررة". لا بأس في أن تدير بلدية القدس الصهيونية شؤون الفلسطينيين. إذ حسب القانون الدولي على المحتل أن يوفر المتطلبات الاساسية لمن يقع تحت الاحتلال. ولكن في الوقت نفسه مرفوض رفضا باتا أن تعين الحكومة لجنة تدير شؤون أية بلدية عربية لأن مثل هذه اللجنة لن تكون حريصة على مصالح البلد.  لو شارك أهالي القدس بالانتخابات المحلية لاستطاعوا التأثير أكثر من تأثير من يشارك من العرب في انتخابات تل ابيب أو حيفا أو أي مدينة أخرى مما تسمى بالمدن المختلطة. طبعا أنا هنا لا اعمل دعاية بضرورة مشاركة أهل القدس بالانتخابات البلدية أو أية انتخابات أخرى، العكس تماما هو الصحيح، أنا أعمل دعاية لمقاطعة فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 لمقاطعة هذه الانتخابات. فنحن شعب واحد أليس كذلك؟ وجميعنا تحت الاحتلال والفرق بين الاحتلالين أقل من عشرين سنة، وعلى الاحتلال حسب القانون الدولي أن يوفر الظروف المعيشية الاساسية لجميع يرزحون تحت نير الاحتلال. ولن تكون آخر الدنيا أذا عينت الحكومة لجان لتدير كافة البلديات والمجالس العربية.
هذه يعني اننا شعب واحد وهذا يعني اننا جزء لا يتجزأ من هذا الشعب وغير ذلك ليس سوى كذب وغش وخداع. إذا كانت قضيتنا واحدة فحلها يجب أن يكون واحدا. الاعتراف بنا كأقلية قومية، منح الباقين دولة العوبة والمساومة على عودة الآخرين، هذا لا يعني قضية واحدة ولا يعني حلا واحدا. هل مصيرنا واحد أم لكل جزء فينا مصيره وعليه يسعى إليه ويتقبله؟
إذا أردنا حقا أن نكون شعبا واحدا يتكون من أجزاء لا تتجزأ وإذا أردنا أن تكون لنا قضية واحدة ومصير واحد، وليس من باب الشعارات والخطابات فحسب، علينا أن نمحى هذه الكلمة "لكن" بهذا المعنى من قاموسنا.
من هذا المنطلق ارفض شرعية السلطة الفلسطينية لأنها في أحسن الأحوال تستفرد بجزء واحد من الشعب الفلسطيني. وارفض سلطة حماس في غزة من المنطلق نفسه. وارفض أوهام الاقلية القومية التي تحيط بها غالبية عنصرية والتي تروج لها لجنة المتابعة. قد يقول البعض: ولكن ماذا عن الظروف الخاصة التي تميزنا وتفصل فيما بيننا موضوعيا ولا يمكن بأي حال من الاحوال تجاهلها أو إنكارها؟ ماذا يعني التمرد إذا لم يكن يعني التمرد على الظروف؟ ماذا يعني النضال إذا لم يكن ضد هذه الظروف؟ وماذا تعني الثورة إذا لم يكن هدفها قلب الواقع رأسا على عقب. فالظروف ليست أمرا منزلا حتى ولو آمن بذلك الكثيرون.
لنتذكر مقولة كارل ماركس الشهيرة: "إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان فعلينا أن نصنع ظروفا إنسانية"

Thursday, September 06, 2018

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم

فشلنا حتى في أن نقض مضاجعهم
علي زبيدات - سخنين

 تنشر دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية كل سنة قبيل رأس السنة العبرية تقريرا يحتوي على معلومات إحصائية أساسية عن السكان، الاقتصاد والمجتمع والتي تستعمل، بعد دراستها وتحليلها، من قبل الوزارات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتحديد سياساتها وبرامجها.
لن أخوض هنا بتفاصيل هذا التقرير فهو متوفر وفي متناول اليد لكل من يهتم بهذا الموضوع وقد نشرته معظم وسائل الإعلام الاسرائيلية إن لم يكن كافتها. جملة صغيرة وردت في صفحات التقرير لفتت نظري وهي محور مقالتي هذه. تقول هذه الجملة: " 89% من الإسرائيليين من سن عشرين فما فوق راضون عن حياتهم. 6% فقط يشعرون بالوحدة في أوقات متقاربة". على عكس غالبية الاحصائيات التي تأخذ بعين الاعتبار انتماءات السكان القومية لم يذكر هنا أي انتماء قومي، مما يوحي أن هذه النسبة تشمل اليهود والعرب على حد سواء وقد تكون نسبة غير الراضين من العرب أعلى من نسبة اليهود، ويظهر ذلك بشكل أوضح عندما تصبح نسبة عدم الراضين عن وضعهم الاقتصادي 37%.
لو افترضنا أن هذه المعلومات الاحصائية صحيحة، وهي حسب رأيي صحيحة ولو بشكل  تقريبي، فإننا نستنتج أن كل نضالاتنا داخل الكنيست وخارج الكنيست وكل احتجاجاتنا وإدانتنا لسياسة الحكومة قد فشلت حتى في أن تقض مضاجع المواطن الاسرائيلي المتوسط، بل أسوأ من ذلك، فإن هذه الاحصائيات تثبت بأننا شركاء في هذا الرضا. وإذا أضفنا إليها نضالات إخواننا في غزة والضفة الغربية ودول الجوار فهي الاخرى قد فشلت في أن تمس رضا غالبية السكان عن حياتهم. إن دل ذلك على شيء فإنه يدل إما على ضعفنا المطلق وإما على قوتهم الخارقة وربما يدل على الامرين معا. أنا شخصيا لا أؤمن بوجود ضعف مطلق. فالضعف قد يتحول إلى قوة إذا تعرفت على مصدره وأسبابه وعرفت كيف تعالجه وتعمل على تغييره. وفي الوقت نفسه لا أؤمن بوجود قوة خارقة. فكل قوة يمكن أن تتحول إلى ضعف أو على الاقل تواجه قوة أخرى مثلها أو أقوى منها. ولكن في لحظة معينة من الزمن، قد تطول أو تقصر، يبدو وكأنه يوجد هناك ضعف مطلق مقابل قوة خارقة، وهذه الحالة قريبة جدا من حالتنا في الوقت الراهن. وخير دليل على ذلك أن نسبة الراضين عن حياتهم تصل إلى 89%. فقط عندما تنعكس الصورة ويصرح 89% من السكان إنهم غير راضين عن حياتهم، تصبح امكانية التغيير الجذري إمكانية واردة بل ضرورية. من حيث المبدأ، نحن نطمح بالطبع لأن تكون نسبة الراضين عن حياتهم 100% ولكن بعد التخلص من هذا النظام الكولونيالي العنصري الذي يعمل على رفاهية مجتمعه الاستيطاني فقط، وبعد تحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني وعودته إلى وطنه.
المستوطن الصهيوني في الضفة الغربية يشعر بالأمن والرفاهية وبالتالي يصرح لدائرة الاحصاء المركزية بأنه راض عن حياته ليس  بسبب الدعم الحكومي (الاسرائيلي- الأمريكي) فحسب بل بسبب الحماية التي توفرها له أجهزة امن السلطة الفلسطينية وتقهقر النضال الشعبي المناهض للاستيطان أيضا. المستوطنون في الجليل والنقب راضون عن حياتهم ليس بسبب سياسة التهويد الحكومية ومنحهم كافة التسهيلات والامتيازات فحسب بل بسبب نضالنا البائس الذي أسفر عن مصادرة 93% من أراضينا أيضا. الاسرائيليون بشكل عام راضون عن حياتهم لأن الكنيست التابعة لهم لا تتوقف عن سن القوانين العنصرية بينما تتمسك بها الأحزاب العربية وكأنها حبل النجاة. المحاكم الاسرائيلية تفاجئنا كل يوم بأحكامها القراقوشية ولكننا نتهافت عليها بإستمرار طالبين الإنصاف والعدالة. نطالب الشرطة التي تتفنن في قمعنا و إذلالنا بترخيص وحماية مظاهراتنا واحتجاجاتنا. وأكثر من ذلك، بعد سن قانون القومية الأخير، وتعبيرا عن رفضنا لهذا القانون نناشد الدولة ونتوسل اليها أن تعيد لنا مواطنتنا الاسرائيلية كما كانت حتى ولو كانت مواطنة درجة ثانية أو ثالثة. في هذه الأيام، مع بداية الحملة الانتخابية المحلية، ننسى نكبتنا ونكستنا وكل قضايانا الجوهرية ونبدأ بعملية نهش جماعي لبعضنا من أجل الفوز ببعض الفتات التي القته الحكومة على طاولتنا.
لا أريد أن أتكلم هنا عن دور ومساهمة أشقائنا في الدول العربية من المحيط الى الخليج في تعزيز شعور الاسرائيلي بالرضا عن حياته. فالحديث في هذا المجال ذو شجون لا أول له ولا آخر. في ظل هذا الواقع المرير أصبح الاحتلال الإسرائيلي إحتلالا متنورا، وأصبح الجيش الإسرائيلي أكثر جيش أخلاقي في العالم بغض النظر عن جرائمه المثبتة والموثقة، وأصبح هذا الكيان هو الضحية والشعب الفلسطيني هو الإرهابي والمعتدي. وما زال العالم يفرد جناحية ويحتضن هذا الكيان العنصري.
للنتظر تقرير دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية  قبيل السنة العبرية القادمة لعل وعسى..


Thursday, August 16, 2018

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة

وقفة وجودية أمام النصر والهزيمة
علي زبيدات - سخنين

تحيرنا معكم ولم نعد نفهم عليكم. هل نعيش أصعب أيام حياتنا وأحلك ليالينا؟ أم أن وضعنا على أحسن ما يرام بعد أن ولى زمن الهزائم من غير رجعة وأصبحنا نحقق الانتصارات كل نصر تلو الآخر؟ من أين نبدأ وماذا نقول؟ دعونا، بشكل عشوائي، نبدأ من إيران وهي كما هو معروف إحدى أعمدة جبهة المقاومة الأساسيين التي طالما رفعت معنوياتنا حتى السماء من كثرة ما بشرتنا به منذ سنوات بمحو دولة إسرائيل عن الخارطة وشكلت من أجل ذلك فيالق القدس التي بالفعل اتجهت غربا، وفي طريقها لتحرير القدس شاركت في تدمير بغداد ودمشق. ولكنها والحق يقال تابعت سيرها حتى وقفت أخيرا على مشارف فلسطين. عندها ظهرت على حقيقتها، حيث قامت دولة اسرائيل باستهداف مواقعها واصطياد جنودها من غير أن تحرك ساكنا. بعد ذلك سمحت لها، بوساطة روسية، أن تقيم مضاربها على بعد مائة كم من الحدود بشكل مؤقت حتى تنجز بعض المهام التي ما زالت معلقة ومن ثم تعود من حيث أتت. أما روسيا، زعيمة معسكر المقاومة والممانعة، والتي كان هدفها الوحيد محاربة الارهاب الداعشي ( لكي لا تظنوا خطأ أنها جاءت لمحاربة الإرهاب الصهيوني) والدفاع عن "الشرعية" في سوريا في وجه المؤامرة الكونية. وعندما تم لها ذلك ووصلت طائراتها وجنودها هي الأخرى إلى مشارف فلسطين، سارع الزعيم بوتين وبحضور ترامب وأمام العالم بالتعبير عن التزامه بأمن اسرائيل ووضعه في أولوية السياسة الروسية في المنطقة.
 الطرف الاخر في جبهة الممانعة، النظام الاسدي، أرسل جنوده بعد انقطاع دام سبع سنوات لحراسة حدوده المحتلة لحساب وصالح إسرائيل وذلك بمباركة من نتنياهو وليبرمان. الكلام عن جبهة المقاومة والممانعة لا يكتمل من غير التطرق لموقف حزب الله وزعيمه حسن نصرالله. فهو منذ 12 عاما يقول لنا أن حزب الله خرج من حرب 2006 اقوى، وأن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، ولكنه في خطابه الاخير قد تفوق على نفسه عندما صرح على الملأ ليسمعه خصومه قبل مؤيديه بأن حزب الله اليوم اقوى من الجيش الاسرائيلي ليس بالسلاح والعتاد فحسب بل في الخبرات والتجارب أيضا تلك التي اكتسبها في محاربة الشعب السوري.
إذا كانت هذه هي حالة جبهة المقاومة والممانعة فما بالك بجبهة الخنوع والعمالة؟ ولنبدأ بالسعودية وحلفها العربي المكون من دول الخليج (ومن ضمنها قطر المتمردة) ومن نظام السيسي في مصر فقد انتقلت هذه الدول من مرحلة التطبيع الرسمي وغير الرسمي مع دولة إسرائيل إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي معها حتى اصبحت شريكة فعالة في تصفية القضية الفلسطينية وفرض السلام الاسرائيلي- الأمريكي على المنطقة.
أما حركة حماس الغادرة التي طعنت ظهر جبهة المقاومة من الخلف، على حد تعبير هذه الاخيرة، فقد خضعت لضغوط المخابرات المصرية والخليجية ومن ورائها أمريكا وإسرائيل ووافقت على هدنة طويلة الامد مقابل بعض الفتات الذي سيعود، من حيث الأساس، على الفئات المتنفذة ولن يغير من واقع البؤس والحصار الذي يرزح تحته معظم أهالي القطاع شيئا. 
السلطة الفلسطينية التي فقد دوختنا وهي تدور فينا من المجلس الوطني إلى المجلس المركزي إلى المجلس التشريعي إلى اللجنة التنفيذية إلى المجلس الثوري، ودوختنا وهي تدور فينا في متاهات لعبة المصالحة، من وسيط إلى وسيط ومن اجتماع إلى اجتماع ومن قرار إلى قرار، ودوختنا وهي  تتخذ القرار ونقيضه في آن واحد، نراها ف\من جهة تسعى لتجميد عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة ومن جهة أخرى تجاهر بالاعتراف بها بشرعيتها. تقول لنا بأنها سوف تقدم مجرمي الحرب الاسرائيليين للمحاكمة في محكمة الجنائيات الدولية، وفي الوقت نفسه إذا ما قامت لجنة دولية بإصدار تقرير يدين الجرائم الإسرائيلية عملت على اجهاضه وافشاله. تدين التطبيع العربي مع إسرائيل وتقف على راس المطبعين معها. هذا ناهيك عن التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي مع الكيان الصهيوني. 
وأخيرا وليس آخرا، ها هم عربنا، الذين يطلقون على انفسهم عرب الداخل ويحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، يكاد يجن جنونهم من قانون القومية الاسرائيلي لأنه يسلبهم اسرائيليتهم المنقوصة ولكن الناعمة ويطالبون بمنحهم الفرصة لكي يكونوا اسرائيليين متساوين مع إخوانهم اليهود. 
على ضوء ما تقدم وعلى ضوء ما تخبئه لنا الأيام القادمة، نعود للمربع الاول ونسأل: هل نعيش اوقات عصيبة لم يسبق أن عشناها من قبل أم أن حالتنا على أحسن ما يرام؟ أترك الإجابة لكم.

Thursday, August 09, 2018

ما بين تايوان وإسرائيل

ما بين تايوان وإسرائيل
علي زبيدات - سخنين

لا أدري إذا كانت هذه القصة حقيقية أم أنها دعاية من صنع خيال ابتدعها شخص مجهول ورددها الفلسطينيون لفترة من الزمن حتى أصبحت تبدو وكأنها قصة حقيقية. وبما أن تاريخية أو واقعية القصة ليست هيالمقصودة بل رمزيتها فإني لا أرى هناك فرقا جوهريا في كلتا الحالتين.
تقول القصة (الدعاية): في بداية سنوات السبعين وفي أعقاب قبول الصين الشعبية للأمم المتحدة وانتزاعها العضوية الدائمة في مجلس الأمن من الجمهورية الصينية (تايوان)، بعثت دولة إسرائيل وفدا كبيرا للصين الشعبية مهمته إقناع الصين الشعبية بالاعتراف بها والعمل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الدولتين. ويقال أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ سأل الوفد: كم يبلغ عدد سكان دولتكم التي تتكلمون عنها؟ فأجابوه: حوالي ثلاثة ملايين. فرد عليهم بسخرية: وفي أي فندق تنزلون؟ وعاد الوفد خالي الوفاض يجر ذيول الخيبة.
ولكن ما علاقة تايوان وإسرائيل بهذه الحكاية؟ للاجابة على ذلك يجب العودة قليلا إلى الوراء. عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل في ايار/مايو 1948 كانت تدور في الصين حرب اهلية طاحنة بين الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ من جهة والحزب الوطني الصيني بقيادة تشيانغ كاي شيك من جهة أخرى. وكانت هذه الحرب تقترب من مراحلها الاخيرة. في أكتوبر/تشرين أول 1949 سيطر الحزب الشيوعي على معظم الأراضي الصينية وأعلن استقلال جمهورية الصين الشعبية التي تشكل أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. أما فلول الحزب الوطني الصيني فقد فروا إلى جزيرة تايوان تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأوروبية الاستعمارية واعلنوا عن قيام جمهورية الصين كممثل "شرعي" لكل الشعب الصيني ولكل الأراضي الصينية. طبعا، دولة إسرائيل الوليدة لحقت ربعها واعترفت بالجمهورية الصينية (تايوان) ولم تعترف بالصين الشعبية. وبعد فترة قصيرة انضمت إلى أمريكا في الحرب الكورية التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات والتي شاركت بها الصين الشعبية إلى  جانب الشعب الكوري. ومن ثم وقفت إلى جانبها في حرب فيتنام وكمبوديا ولاوس. وسرعان ما تبين أن دور إسرائيل لا يقتصر على خدمة المصالح الامبريالية في الشرق الأوسط فحسب بل وفي جنوب شرق آسيا وفي كافة ارجاء العالم أيضا. وبكل وقاحة، حاملة هذا الدور على أكتافها، جاءت تطلب الاعتراف من القيادة الصينية الثورية حينذاك.
لنعود إلى تايوان، أو بالاحرى إلى "الشرعية الدولية" المزيفة التي جعلت منها دولة عظمى لتكون واحدة من خمس دول تتمتع بحق الفيتو. ولكن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال. في بداية سنوات السبعين بدأ العالم يعي أن الصين الشعبية هي الدولة العظمى وأن الحماية الامبريالية مهما بلغت قوتها وشراستها لا تستطيع أن تمنح الشرعية لمن لا شرعية له. وهكذا عادت تايوان أو كما ما زال البعض يحب أن يسميها بالجمهورية الصينية إلى حجمها الطبيعي.
لا تختلف "الشرعية الدولية" التي فازت بها دولة إسرائيل عام 1948 من حيث الجوهر عن شرعية تايوان الدولية. وإذا كانت هناك بعض الجوانب للمقارنة فجميعها تصب في صالح تايوان. إذ كان الصراع في الصين،على الأقل وفي نهاية المطاف، بين طرفين صينيين أصليين واستمر لسنوات طويلة وكان من المحتمل نظريا أن تكون الغلبة لصالح الحزب الوطني وأن يصبح هو الحزب الحاكم على كل البلاد. لمعرفة أسباب هزيمة هذا الحزب يجب دراسة الثورة الصينية بعمق على مدار النصف الأول من القرن العشرين. 
أما الحركة الصهيونية التي تحولت بعد نصف قرن من تأسيسها إلى دولة أطلقت على نفسها دولة إسرائيل، فقد نشأت وترعرعت كحركة استعمارية بعيدا عن فلسطين لا تملك لتحقيق مشروعها حتى ولا ذرة واحدة من الشرعية، لذلك تكالبت كل القوى الاستعمارية لفبركة "شرعية" بل "شرعيات" كل واحدة تبز التي جاءت قبلها بفقدانها للشرعية. فإذا كانت البداية مع وعد بلفور مرورا بقرار الانتداب ومن ثم قرار التقسيم وإعلان الدولة فإن النهاية كانت سن قانون القومية العنصري الذي يعد تتويجا لهذه "الشرعيات" المفبركة.
لقد آن الأوان لبدء العمل لإعادة الشرعية الحقيقية لأصحابها ولمكانها الصحيح، وإن جاء ذلك متأخرا. فمن الأفضل أن يجيء متأخرا من الا يأتي أبدا. المرحلة القادمة تتطلب العودة إلى الجذور، إلى الأصول، وعدم الاكتفاء بالغاء أو تعديل هذا القانون أو ذاك أو مواجهة هذه السياسة أو تلك. كما تم نزع الشرعية عن تايوان وإعادتها للصين الشعبية ينبغي نزع الشرعية عن نظام الأبرتهايد الصهيوني وإعادتها لفلسطين. 





Thursday, July 19, 2018

فلسطين ليست للبيع

فلسطين ليست للبيع
علي زبيدات - سخنين

لعل أكثر المصطلحات المتداولة على الساحة السياسية في هذه الأيام هو مصطلح: "صفقة القرن". هذا بالرغم من أنه لا أحد يعرف على وجه الدقة اية معلومة أكيدة عن هذه الصفقة: من هو البائع ومن هو المشتري وماهي البضاعة المعروضة للبيع، ما هو السعر وماهي شروط الدفع وإلى ما هنالك من تساؤلات اساسية في كل صفقة يتم إبرامها. منهم من يقول أن تفاصيل هذه الصفقة ما زالت سرية وما يتم تداوله ليس سوى إشاعات وتسريبات، وقلة تنكر وجود مثل هذه الصفقة أصلا. ولكن كلا الطرفين يتكلم عنها وكأنه طرف مشارك بها أو كأن له اسهم بها ويستطيع أن يحسب بدقة مقدار ربحه أو خسارته في حال تحقيقها أو عدمه.  في هذه السطور لن أخوض بتفاصيل هذه "الصفقة" لا من قريب أو بعيد من باب ما تقوله أمثالنا الشعبية: كالذي يبيع جلد الدب قبل صيده، أو كمن يشتري سمك في البحر. عندما نرى الصبي سوف نصلي على النبي.
أود هنا أن أتكلم عن ظاهرة مرضية مستشرية في مجتمعاتنا وهو انبهارنا الشديد بكل ما يقوله الغرب من تسميات ونبدأ بترويجه، عن حسن نية أو سوء نية، من حيث ندري أو لا ندري، وذلك بدون أن نفهمه بشكل عميق وبدون أن نسبر أغواره ونحلله بشكل موضوعي ومنطقي. 
يبدو أن أمريكا (وإسرائيل أيضا) لديها طاقم من المختصين من علماء النفس والسياسة والإعلام، تابعين لوزارة الخارجية وجهاز المخابرات وربما بالتعاون مع اجهزة أخرى ومراكز ابحاث ودراسات مهمتهم ابتكار مثل هذه المصطلحات الجذابة وإطلاقها في الفضاء الرحب لكي تنتشر مثل النار بالهشيم.
لا بد انكم تذكرون مصطلح "خارطة الطريق" الذي رافق المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية منذ مؤتمر مدريد مرورا باتفاقيات أوسلو وحتى سنوات قليلة مضت. كل شيء جرى في منطقتنا في تلك الفترة كان يجري تحت رعاية هذا المصطلح. نذهب إلى واي ريفر وكامب ديفيد أو شرم الشيخ وطابا لمناقشة خارطة الطريق. وبالتالي ماذا تبين؟ تبين أنه لا يوجد هناك خارطة ولا يوجد طريق أصلا. وقد تم سحب هذا المصطلح من السوق بهدوء كما تم طرحه مسبقا بهدوء.
مثل آخر: مصطلح "الشرق الاوسط الجديد" الذي روجت له إحدى الادارات الامريكية بتوجيه من قبل رجل " السلام" الإسرائيلي شمعون بيرس بمشاركة أبواق إعلامية عربية وعالمية. وقد تبين في النهاية أنه لا يوجد هناك ثمة شرق أوسط جديد ولا يحزنون. وأن كل القصد تقسيم المقسم وتفكيك ما يمكن تفكيكه من الدول العربية بهدف إخضاع المنطقة بكاملها للهيمنة الاسرائيلية كواجهة ومن ورائها نظام العولمة الامبريالي. وذلك لضمان الحفاظ على أمن اسرائيل من جهة ونهب الثروات العربية من جهة أخرى. وبعدما استنفذ هذا المصطلح تم سحبه هو الآخر بهدوء.
الشيء نفسه ينطبق على ما يسمى "صفقة القرن". ما الجديد في كل التسريبات التي كتب عنها صفحات لا تعد ولا تحصى؟ بل العديد من الدراسات والأبحاث والكتب ايضا؟ لا شيء. 
شطب حق العودة عن طريق التوطين، فكرة تراود الفكر الصهيوني والغربي منذ ايام النكبة الاولى وليست من اختراع هذه الصفقة. الوطن البديل إن كان في شرق الاردن او في قطاع غزة وجزء من سيناء كما هو مطروح اليوم هو أيضا مشروع قديم يظهر بقناع جديد من فترة لأخرى. إعادة تقسيم دول سايكس - بيكو بما يتلاءم مع التطورات على الساحة السياسية لم يفارق الساحة منذ قرن كامل. تهويد القدس يجري على قدم وساق منذ اليوم الأول لاحتلالها، تجنيد أكبر عدد ممكن من الانظمة العربية إما عن طريق عرض الحماية عليها لتحافظ على عروشها وإما عن طريق بعض المساعدات المادية هي أيضا سياسة قديمة، تحقق نجاحات هنا وهناك وتخفق في بعض الأماكن. إذن لو سلمنا جدلا بوجود " صفقة القرن" فما الجديد الذي تحمله ويستحق كل هذا الانبهار والترويج؟
كل ما اريد قوله هنا وباختصار: متى سنتحرر من هذه الكليشيهات المبتذلة التي لم تعد تنطلي على أحد سوانا؟ هل لغتنا عاجزة الى هذا الحد  لابداع مصطلح يعبر عن أمانينا؟ وهل تفكيرنا بهذه الضحالة إلى درجة الانجرار الاعمى وراء كل كلمة آتية من خلف البحار؟
 إن حرية الفكر هي الخطوة الاولى في مسيرة التحرر والاستقلال.

Thursday, June 28, 2018

طائرة الدولة الواحدة لم تحلق


طائرة الدولة الواحدة لم تحلق
علي زبيدات - سخنين

 عندما كنا صغارا، والحديث يعود إلى أكثر من نصف قرن، نحن أيضا كنا نلعب بالطائرات الورقية. ولكن على عكس طائرات غزة الورقية اليوم التي تقض مضاجع المستوطنين القريبين من القطاع بل تقض مضاجع الحكومة الاسرائيلية برمتها، كانت طائراتنا فاشلة ترفض التحليق. لم نعرف سبب ذلك حتى عندما كبرنا وتركنا هذه اللعبة وانتقلنا إلى ألعاب أخرى أكثر خطورة. أذكر أننا كنا نركض مسافات طويلة والطائرة الورقية المربوطة بخيط متين تجرجر ذيلها ورائنا، وكنا بين الخطوة والاخرى نشد الخيط بقوة لعلها ترتفع ولو قليلا ولكن من غير فائدة. وكم صعدنا إلى أحد السطوح العالية وأحيانا الى مأذنة الجامع أو إلى أي مكان مرتفع بحثا عن الهواء ولكن كانت الطائرة الورقية دائما توجه خرطومها نحو الأسفل وتهوي إلى الحضيض تماما كالطائرات الحقيقية التي كنا نشاهدها في الأفلام الحربية في ذلك الوقت.
يبدو أننا لم نكن الوحيدين الذين عجزوا عن تطيير طائرة ورقية. وأظن أن أخوتنا في الوطن العربي الكبير لم يكن حالهم افضل من حالنا. وربما من هنا جاء المثل الشعبي الذي يصف أي شيء يأبى التقدم والتغيير بأنه "لم يحلق". مع مرور الوقت  نسينا الطائرات الورقية ولكن الامور التي تأبى التحليق قد ازدادت ولم يعد هناك امكانية لنسيانها بعد أن حفرت في ذاكرتنا الجمعية. فكم من تنظيمات وأحزاب وحركات سياسية جائتنا بشعارات لامعة، بافكار في غاية الروعة بذل القيمون عليها الغالي والرخيص من جهود وأموال ومؤتمرات واجتماعات ولجان ومناشير وبرامج ولكنها في النهاية لم تحلق. وهذا الامر ينطبق على الاشخاص أيضا الذين يبدون للوهلة الاولى مثاليين، ذوي ثقة عالية بأنفسهم، مثقفين ومحبوبين، ولكنهم عندما طرحوا انفسهم لقيادة تنظيم أو حزب أو حتى جمعية متواضعة لم يحلقوا.
كانت هذه المقدمة الطويلة والمملة بكل ما تحتويه من لمز وغمز ضرورية لولوج شعار "الدولة الواحدة" الذي يحاول التحليق بنسخته الجديدة في سمائنا الكئيبة. على فكرة، الاشد كسلا من المبادرين الجدد يستعملون في خطابهم "الدولة الواحدة"، الاقل كسلا يستعملون "الدولة الديمقراطية الواحدة" أما الاكثر نشاطا منهم فإنهم يستعملون "الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة". وهناك بالطبع مفردات آخرى قد تستعمل للدلالة على المفهوم نفسه مع بعض التعديلات مثل: "دولة جميع مواطنيها" "دولة المواطنين" "دولة ثنائية القومية". ولكن لكي نبسط الامور دعونا نختزل كل هذه التسميات ب"الدولة الواحدة" فهي في نهاية المطاف جاءت ردا على حل الدولتين، أو كما يبرر البعض: جاءت ردا على فشل حل الدولتين وقد تسمع بعض الاصوات "الجذرية" تقول: جاءت ردا على إفشال اسرائيل لحل الدولتين.
عقد المبادرون الجدد اجتماعهم التحضيري الموسع الثاني قبل أيام في شفاعمرو وحضره نخبة من الناشطين والمثقفين، اليهود والعرب معظمهم من المخضرمين مع قلة ضئيلة من الوجوه الشابة. وأطلقوا على مبادرتهم هذه: حملة الدولة الديمقراطية الواحدة. واختيار كلمة حملة لم يكن عبثا أو من باب الصدفة بل كان مقصودا لتفادي استعمال كلمة حركة التي تتطلب بناء تنظيميا ثابتا. فالحملة هي وصف لحالة الطائرة الورقية في مرحلة التحضير والانطلاق وتتحول إلى حركة عندما تحلق. وهذا ليس ما يطمح إليه المبادرون فحسب بل ما يؤكدون حدوثه أيضا. ومن ثم تم توزيع بيان باللغة العربية والعبرية بعنوان: "إعلان الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين". قلت في نفسي: إعلان الدولة الواحدة مرة واحدة؟ بينما ما زالوا يناقشون استعمال كلمة حملة أم حركة؟ وأجبت: أكيد هذا بسبب الحماس الزائد لكاتب البيان فالمقصود: اعلان حول أو من أجل الدولة الديمقراطية الواحدة. فليس من العدل أن تقف لهم بالمرصاد على كل نقطة وفاصلة.
أنا ضد حل الدولتين وقد كتبت حول ذلك مرارا وتكرار. كنت ضده قبل أن تبنته التنظيمات والأحزاب الفلسطينية، أي قبل اتفاقيات أوسلو ومجيء السلطة الفلسطينية وبالتحديد بعد تبني ما يسمى البرنامج المرحلي عام 1974 وانتظار الدعوة التي لم تصل للمشاركة في مفاوضات جنيف. في ذلك الوقت كان معظم الفلسطينيين يرفضون هذا الحل. ولكن أن تكون ضد حل الدولتين هو شيء وأن تكون مع حل "الدولة الواحدة" هو شيء آخر. وقد كتبت مؤخرا، أنه في السنوات العشرة الاخيرة تمت اللغوصة بشعار حل الدولة الواحدة أضعاف ما تمت اللغوصة بشعار حل الدولتين خلال ما يقارب النصف قرن.
لنلق نظرة على البند الأول من البرنامج السياسي للحملة: 1. "دولة ديمقراطية - دستورية واحدة: تقام الدولة الديمقراطية الواحدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن ، كدولة لكل مواطنيها، بما فيهم اللاجئين الفلسطينيين، بحيث يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية، إضافة إلى الحرية والأمن. هذه الدولة تكون ديمقراطية دستورية، تنبع سلطة الحكم وسن القوانين فيها من إرادة الشعب، ويتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية في الانتخاب والترشح لأي منصب والمساهمة في حكم البلاد".
 شكرا لأنكم ذكرتم اللاجئين الفلسطينيين وكأنهم قادمون من كوكب آخر. ولكن ماذا عن المستوطنين؟ اه صحيح، مفهوم ضمنا، فالدولة لكل مواطنيها، وفي بند آخر تقولون يحق لكل مواطن أن يسكن اينما يشاء، يعني يستطيع أهل الخليل دعوة مستوطنيهم لاحتساء قهوة الصباح مع بعض. ويمكن بناء المستوطنات من غير عائق في كل مكان. وباقي الكلام: أليس هذا ما تقوله إسرائيل عن نفسها؟ الا يوجد هناك حقوق متساوية في الانتخاب والترشح لأي منصب؟ ألم يرشح أحد مفكرينا الكبار نفسه لرئاسة الحكومة وقلتم حينذاك: ضربة معلم؟ أما بالنسبة للدستور فهذه مسالة بسيطة إذ يوجد هناك حاليا قوانين اساسية أو دستورية ويوجد لجنة دستور في الكنيست وسوف تساعدها جمعية عدالة لوضع "دستور ديمقراطي" حيث كانت هناك محاولة من هذا النوع وسوف تأتي غيرها.
باقي البنود (وهي عشرة بنود) تعج بالتناقضات والتخبطات والشعارات التي ابتذلت على مر الأيام حول العدل، السلام، الحقوق الفردية والجماعية، حقوق الإنسان، القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. يحاول بعض المبادرين الذين يعتبرون أنفسهم خبراء في نظام الابرتهايد بعد عدة زيارات قاموا بها لجنوب افريقيا استيراد كلمة "تفكيك" نظام الابرتهايد واستعمالها بدون الاخذ بعين الاعتبار الفوارق الجوهرية بين النظامين العنصريين، ويتجاهلون أن ما تم تفكيكه في جنوب افريقيا هو الجانب السياسي فقط لنظام الأبارتهايد وتم الإبقاء على الجانب الاقتصادي والاجتماعي. لذلك ليس غريبا ألا تحلق طائرة الدولة الواحدة الورقية هذه المرة أيضا.
أيها الرفاق، للتوضيح والتفكير، أقول: الخيار الذي نقف أمامه في هذه المرحلة هو ليس بين حل الدولة الواحدة وبين حل الدولتين، الخيار الحقيقي ما زال بين الدولة والثورة. انا اختار الثورة. 


Thursday, June 07, 2018

الانظمة المستبدة بحاجة لشعوب ثائرة

الأنظمة المستبدة بحاجة لشعوب ثائرة
علي زبيدات - سخنين

 كتبت كثيرا عن العلاقة الجدلية بين الشعوب وبين الانظمة التي تحكمها. وربما من الاصح أن اقول، عن التناقض الذي قد يصل إلى درجة التناحر بين الشعوب وهذه الانظمة. من الطبيعي أن يكون التركيز بحكم الواقع وبحكم الصلة الخاصة على الشعوب والانظمة في منطقتنا العربية وخصوصا في الاماكن الملتهبة كبلاد الشام، مصر وشبه الجزيرة العربية. ولم أخف في يوم من الايام انحيازي المطلق لقضايا الشعوب وموقفي الثابت ضد الأنظمة. فقد توصلت إلى قناعة لا تتزحزح بأنه قد آن الأوان للأنظمة العربية بدون إستثناء أن ترحل.  يرفض البعض هذا المنطق المبسط والصريح بحجة أنه لا يمكن وضع كافة الانظمة بسلة واحدة فهناك الانظمة الملكية والجمهورية، التقدمية والرجعية، عميلة للامبريالية وممانعة أو مقاومة لها. و يستنتجون من ذلك أن هناك أنظمة يجب أن ترحل ولكن هناك أنظمة يجب أن تبقى حتى ولو فني الشعب وخرب البلد. طبعا لا يستطيع أحد أن ينفي أوجه الاختلاف بين الانظمة والتباينات في سياساتها الداخلية والخارجية، قناعاتي تقول أن مثل هذه الاختلافات تجميلية يعني مساحيق ومكياج تسهل إزالتها وأن التباينات في سياستها نسبية جدا، شكلية، مؤقتة ومشروطة وبالتالي تستحق أن توضع في سلة واحدة ويلقى بها إلى مزبلة التاريخ.
نظريا، يبدو هذا الانحياز المطلق للشعوب طبيعيا وسهلا. ولكن ترجمته إلى عمل، إلى مواقف سياسية ترافقه صعوبات ومخاطر جمة قد تصل إلى حد فقدان البوصلة وضياع الطريق. فالشعوب ذاتها تتكون من طبقات وشرائح مختلفة تعيش تناقضاتها وصراعاتها الداخلية. وهي بطبيعتها محافظة تصبو إلى الاستقرار والحياة الكريمة، ولكنها ثورية بالقوة وقد تصبح ثورية بالفعل إذا وعت واقعها التعيس وذوتت قدرتها على تغييره. ولا ننسى أن بعض هذه الشرائح مخترقة من قبل الانظمة ويمكن أن تنسلخ عن جسد الشعب مع تطور النضال. هنا يجب ألا ننسى ديماغوجية الأنظمة التي عادة ما تتكلم بإسم الشعوب وتستطيع أن تؤثر سلبا على شرائح واسعة منه.
في ظل نظام العولمة الامبريالي السائد على كوكبنا يمكن تقسيم الانظمة العربية إلى معسكرين: أنظمة يتم حمايتها من قبل دولة (أو دول) امبريالية مركزية. وأنظمة يتم إسقاطها أو محاولة إسقاطها من دول امبريالية مركزية أخرى. وقد تتواجد بعض الانظمة في المعسكرين في آن واحد، حسب زاوية النظر إليها. قد تستفيد بعض الأنظمة من حالة التوازن بين القوى الامبريالية العظمى لتأمين استمراريتها. في كل الأحوال ما أريد أن أقوله هنا أن نظام العولمة الامبريالي لا يسعى إلى مصادرة حق الشعوب في اسقاط انظمتها فحسب بل يسعى أيضا إلى ابقاء هذه الشعوب ترزح تحت هيمنته واستغلاله.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق وعلى الدوام: هل ما زال اسقاط نظام عربي أو تغييره  جذريا ممكنا من غير تدخل أجنبي؟ وبعبارة أخرى: هل ما زالت الثورات الوطنية ممكنة؟ لا أملك إجابات نهائية وقاطعة على هذه الأسئلة وأظن لا أحد يملك مثل هذه الإجابات. فقط الممارسة العملية طويلة الامد تستطيع أن تزودنا تدريجيا بالاجوبة، تستطيع أن تثبت أو أن تدحض هذه الفرضية. قد لا يكون مستحيلا ولكنه بالتأكيد سيكون في غاية الصعوبة. ثورات الربيع العربي في السنوات السبع الأخيرة هي خير دليل على هذه الظاهرة. فجميعها قد تم إجهاضها بعد اختراقها وحرفها عن مسارها الصحيح، كل ثورة حسب تجربتها وظروفها الخاصة. في تونس مثلا، أولى الثورات العربية الحديثة، خرج النظام البائد من الباب لكي يعود بعد سنوات قليلة من الشباك بمساعدة نظام العولمة. الشيء نفسه حدث في مصر بعد أخذ طبيعتها الخاصة بالحسبان. في ليبيا كان تدخل حلف الناتو المباشر سيد الموقف بمساعدة دول عربية وخصوصا الإمارات وقطر. في البحرين التدخل السعودي - الخليجي حسم الموقف مؤقتا لصالح النظام القائم. اليمن ما زال يتعرض لحرب أهلية واقليمية تحت مظلة العولمة إلى يومنا هذا. أما في سوريا فحدث بلا حرج، حيث اصبحت صورة مصغرة لحرب عالمية ثالثة سحبت البساط من تحت أقدام النظام السوري ومن تحت أقدام الحركات والتنظيمات المعارضة له. ربما أثبتت التجربة السورية أكثر من غيرها أن زمن الثورة الوطنية بمفهومها القديم والمعروف قد ولى إلى الأبد ومن غير رجعة، وأن الثورة الوطنية في هذا العصر وخصوصا في المناطق الحساسة يجب أن تكون جزءا من ثورة عالمية.
عندنا في فلسطين من الصعب الكلام عن نظام أصلا هذا من جهة، ومن جهة أخرى وبعد ربع قرن من اتفاقيات أوسلو، أصبح الكلام عن ثورة أصعب.  نستطيع أن نقول إن جاز التعبير: يوجد لدينا نظام مشوه وحنين لثورة تم إجهاضها وهي جنين. بالرغم من ذلك، فهذا النظام المشوه ليس استثناء على الساحة العربية حيث جميع  الانظمة مشوهة بشكل أو آخر. حسب رأيي مصير الشعب الفلسطيني مربوط بعلاقة لا تنفصم بمصير الشعوب العربية وباقي الشعوب التي تصبو للانعتاق من هيمنة العولمة الامبريالية، وأن نضاله مرتبط عضويا بنضالات هذه الشعوب. 
تحديات المرحلة القادمة ستكون كيف نجعل من النضال الوطني الفلسطيني نضالا أمميا؟ وكيف نجعل النضال الأممي حاضنة للنضال الفلسطيني؟ الشعب الثائر وحده قادر على إسقاط نظام مستبد.

Thursday, May 10, 2018

أوقفوا نووي أمريكا وإسرائيل أولا

أوقفوا نووي أمريكا وإسرائيل أولا
علي زبيدات - سخنين

هناك تسعة دول في العالم، من بين 195 دولة، تمتلك أسلحة نووية. الدولة الأكبر من حيث عدد السكان هي الصين الشعبية التي يبلغ عدد سكانها مليار و 379 مليون نسمة والدولة الاصغر هي دولة إسرائيل التي يبلغ عدد الساكنين فيها حوالي تسعة ملايين نسمة. أما الدول السبعة الاخرى فهي: الولايات المتحدة الامريكية وعدد سكانها 332 مليون نسمة. روسيا وعدد سكانها 144 مليون نسمة. بريطانيا وعدد سكانها 65 مليون نسمة. فرنسا وعدد سكانها 67 مليون نسمة. الهند وعدد سكانها مليار و324 مليون نسمة. الباكستان وعدد سكانها 193 مليون نسمة. كوريا الشمالية وعدد سكانها 25 مليون نسمة. الدولة العاشرة المرشحة لامتلاك اسلحة نووية، حسب الدعاية الامريكية - الاسرائيلية على الأقل، هي إيران وعدد سكانها 80 مليون نسمة. تشكل هذه الدول التسعة (أو العشرة) مجتمعة حوالي نصف سكان الكرة الأرضية.
كانت الولايات المتحدة الامريكية أول دولة صنعت القنبلة الذرية والوحيدة التي استعملتها حتى الآن. كان ذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث ألقتها على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين. نتائجها الوخيمة معروفة للجميع وهي تعد من ابشع جرائم الحرب التي اقترفت بحق السكان المدنيين والتي لم يقدم مقترفوها لأية محاكمة بل لم يتفوهوا حتى بكلمة إعتذار واحدة. لم تستعمل القنبلة الذرية لضرورات عسكرية. فاليابان كانت على حافة الاستسلام بدونها ولكن جاء استخدامها لغايات سياسية أهمها منع استسلام اليابان للاتحاد السوفياتي وفي الوقت نفسه توجيه تهديد شديد لهذه الاخيرة.
دفع هذا الواقع الجديد الاتحاد السوفياتي بقوة لامتلاك السلاح النووي وباسرع وقت. وهذا ما حصل بالفعل، فبعد أربع سنوات كان الاتحاد السوفياتي يمتلك قنبلته الذرية، وخيم على العالم نوع من الردع ومن توازن القوى المرعب. بعد سنوات قليلة لحقت بريطانيا وفرنسا، اللتان خرجتا منهكتي القوى من الحرب بالرغم من انتصارها، بركب الدول النووية. في تلك الفترة كانت الحرب الباردة قد وصلت إلى ذروتها، وكانت الصين الشعبية المستقلة حديثا حليفا للاتحاد السوفياتي، لذلك قام بمساعدتها على تطوير سلاحها النووي لكي تعيد التوازن الدولي الذي تعرض لبعض الخلل. حتى دب الخلاف بينهما فأكملت الصين برنامجها النووي بقواها الذاتية. في الفترة نفسها استقلت شبه الجزيرة الهندية التي وقعت لسنوات طويلة تحت الاستعمار الإنجليزي والذي زرع كعادته بذور النزاع الذي لم ينته حتى يومنا هذا بين الهندوس والمسلمين ونشأ عن هذا النزاع ولادة دولتين: الهند وباكستان التي انشقت عنها فيما بعد دولة بنغلاديش. ونتيجة لهذا النزاع سعت الهند ونجحت بامتلاك السلاح النووي  ولم تتأخر باكستان طويلا لتمتلك هي الأخرى السلاح النووي. أما بالنسبة لكوريا الشمالية فهي تدعي وتصرح بأنها تمتلك السلاح النووي وذلك لمواجهة الاسلحة النووية الامريكية المنتشرة في كافة نواحي كوريا الجنوبية. ولكن ليس بمقدور أحد أن يؤكد أو ينفي صحة هذه الادعاءات والتصريحات، بالرغم من ذلك ما زال برنامج كوريا الشمالية النووي يستحوذ على السياسة الامريكية .
كانت دولة إسرائيل خامس دولة تنظم إلى النادي النووي، أي بعد أمريكا والاتحاد السوفياتي وانجلترا وفرنسا مباشرة، وذلك في أواخر سنوات الخمسين حيث قامت فرنسا ببناء المفاعل النووي في ديمونا وقامت ألمانيا بتموليه ومن ثم انهالت عليها بعد ذلك المساعدات من كل حدب وصوب. وبما أن مساحة البلاد الصغيرة لا تسمح بإجراء تجارب نووية فقد تكرمت فرنسا بتقديم الجزائر المحتلة آنذاك لتكون حقلا لهذه التجارب.  بالاضافة للعلاقة الحميمة والتعاون مع نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا. وبالرغم من مرور كل هذه السنوات ومن كثرة الادلة ما زالت إسرائيل تعتبر قدراتها النووية سرا وترفض الاعتراف بها علنا.
بعيدا عن الخوض بالتفاصيل الذي لا تتحمله مقالة صحفية، التفاصيل لمن يرغب موجودة بين صفحات مئات الكتب والمجلدات. سوف أكتفي هنا بالاشارة إلى بعض النقاط الهامة:
اولا، الاموال والميزانيات المخصصة لتطوير وحماية البرامج النووية كانت سببا مباشرا في تفاقم أزمات هذه الدول الاقتصادية والتي دفع ثمنها المواطنون البسطاء. ففي الولايات المتحدة الأمريكية وهي أغنى واقوى دولة في العالم يوجد ملايين الفقراء والمشردين. وكذلك الأمر في كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا. أما في الدول الفقيرة أصلا فإن الوضع يصل إلى حد الكارثة الانسانية وخصوصا في الهند وباكستان وكوريا الشمالية.  الأمر يختلف بعض الشيء في دولة إسرائيل لكونها  دولة طفيلية تعتمد من حيث الاساس على مصادر تمويل خارجية يتيح لها تجاوز أزماتها الاقتصادية.
ثانيا، قد يشكل السلاح النووي نوعا من توازن القوى أو من الردع ولكنه توازن مبني على الرعب والخوف مما يجلب التعاسة لغالبية البشرية.
ثالثا، السلاح النووي في العالم والذي يقدر ب 2000 سلاح قادر على تدمير الحضارة البشرية على وجه الكرة الارضية كافة عدة مرات وبالتالي يصبح أي سباق عديم المعنى.
رابعا، تبقى أمريكا وروسيا صاحبتا الترسانة الاكبر في العالم وبدلا من الكلام حول خطر انتشار السلاح النووي لدول أخرى في العالم، عليهما وقف السباق النووي فيما بينهما أولا ومن ثم العمل الجاد لنزع هذا السلاح وتدميره. وهنا لا بد من التنويه أن كافة الدول النووية رفضت التوقيع على معاهدة حظر الاسلحة النووية.
الخلاصة: يجب رفض السلاح النووي بشكل مطلق ومقاومته على كافة الاصعدة وفي جميع الاماكن وكافة الاوقات وبدون أية تبريرات. يجب عدم الاكتفاء بالمطالبة بمنع انتشار الاسلحة النووية بل يجب المطالبة بنزعها وتدميرها قبل أن تدمرنا. هذا إذا أردنا إنقاذ البشرية من مصير مظلم مجهول.


Thursday, April 26, 2018

هل نحن مصابون بمرض ألزهايمر سياسي؟

هل نحن مصابون بمرض الزهايمر سياسي؟
علي زبيدات - سخنين

قد يظن البعض أن تشخيص حالتنا كمرض ألزهايمر فيه نوع من المبالغة والتجني. ويكفي أن نعترف بأننا نعاني من ضعف بسيط في الذاكرة أو باسوأ الحالات بحالة فقدان مؤقت للذاكرة إزاء بعض المسائل، ولكن الطريق إلى مرض ألزهايمر ما زال طويلا. وربما في المقابل سوف تجد من يقول: لماذا جلد الذات هذا كله فإن وضعنا مقبول وليس بهذا السوء.
أنا أميل للجزم بأننا نعاني من الزهايمر سياسي بمراحل متقدمة جدا اصبحت تشكل خطرا وجوديا. وإلا فليجبني أحدكم: ألم يعقد اجتماعا للمجلس المركزي الفلسطيني قبل ثلاثة أشهر فقط؟ ألم يتخذ "قرارات تاريخية"؟لاذكركم ببعضها: وقف التنسيق الامني "المقدس" بل تعليق الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل واعتبار فلسطين دولة تحت الاحتلال والتوجه لمحكمة الجنايات الدولية لمقاضاة إسرائيل على جرائمها. هل ما زلنا نذكر هذه الاجتماع؟ ونذكر تلك القرارات؟ وهل نذكر أصلا انه يوجد لدينا مؤسسة وطنية تسمى مجلس مركزي؟؟
ما الداعي إذن لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني في أواخر هذا الشهر؟  ما الذي ذكرنا فجأة بهذا المجلس بعد مرور 9 أعوام على آخر دورة غير إعتيادية له وبعد 22 عاما على آخر دوراته العادية؟ ماهي القرارات التي سوف يتخذها المجلس الوطني الفلسطيني ولم يتخذها المجلس المركزي المذكور؟ انه ليس الزهايمر فقط، وهو في نهاية المطاف مرض يكون الله في عون المصاب به، بل هو استهبال للذين لا يعانون منه أيضا. لست هنا بصدد الخوض في نقاشات لا أول لها ولا آخر بخصوص إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها وعلى رأسها المجلس الوطني الفلسطيني. ولكني أكتفي بأن اسأل نفسي أولا وأوجه السؤال نفسه لكل فلسطيني بحوزته ولو قدر ضئيل من الوعي الوطني: أين هو هذا المجلس الوطني؟ من هم أعضاؤه وماذا يفعلون؟ ومن هي هذه اللجنة التنفيذية التي دعت إلى عقد دورة جديدة لهذا المجلس؟
تصوروا أن الكونغرس الأمريكي بشقيه والذي يمثل أقوى دولة في العالم يتكون من 535 عضوا  (مجلس الشيوخ: 100 سيناتور ومجلس النواب: 435 عضو) أما المجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفروض أن يمثل شعبا مشردا أو يرزح تحت الاحتلال ولا تبلغ نسبته أكثر من 4% من الشعب الأمريكي، يبلغ عدد أعضائه 700 عضو. وإذا لم أكن مخطئا فإن المجلس الوطني الفلسطيني هو ثاني أكبر "برلمان" في العالم بعد الصين الشعبية.
وكأن هذه المهزلة لا تكفي، فهناك دائما الصراعات التي لا تنتهي بين الفصائل. فها هي حركة فتح تدفع بكل قواها لعقد اجتماع المجلس بأقرب فرصة وذلك لتجديد صلاحية رئيسها المنتهية صلاحيته منذ عشر سنوات الذي هو، بالصدفة أو بغير الصدفة، رئيسا للسلطة الفلسطينية في رام الله ولمنظمة التحرير الفلسطينية. من أجل ذلك جند ديناصورا منتهية صلاحيته هو الآخر يسمى سليم الزعنون بصفته رئيسا للمجلس الوطني. بينما تطالب حركة حماس بالتريث وتأجيل الاجتماع حتى تتحقق المصالحة فيما بينهما ويتم التوافق على عقد دورة المجلس. وقد استطاعت حركة فتح كالعادة كسب حزب الشعب وفدا إلى جانبها، بينما أعلنت الجبهة الشعبية والجهاد الاسلامي مقاطعة هذه الدورة وهددت بعقد اجتماع بديل في الوقت نفسه في بيروت وفي غزة. ولكنها لم تغلق الباب من خلفها فقد صرحت أنها ليست بصدد تأسيس كيان سياسي بديل.
لا يمكن وضع مصير الشعب الفلسطيني بين يدي هذه الزمرة التي تعاني من مرض الزهايمر سياسي. 
يكفينا البكاء عند رأس جثث مؤسسات كنا نعتبرها وطنية. الخطوة الأولى ينبغي أن تكون التحضير والدعوة لانتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد يضم الحريصين على القضية الفلسطينية وعلى حقوق الشعب الفلسطيني. سوف تعود إلينا ذاكرتنا كاملة فقط عندما يكون هناك مجلس وطني فلسطيني حقيقي ومنتخب. 

Monday, April 23, 2018

كل بندوق (ولد غير شرعي) هو ملك

كل بندوق (ولد غير شرعي) هو ملك
علي زبيدات - سخنين

خواطر على هامش مؤتمر القمة الذي عقد مؤخرا في الظهران والذي سمي كذبا وبهتانا قمة القدس. لن أتناول خطابات أصحاب الجلالة والسمو والفخامة لا من قريب ولا من بعيد وذلك لأنها، حسب رايي، تخلو من أية فكرة جديدة تستحق التوقف عندها. ولن أقترب من بيانه الختامي لأن كل اقتراب منه مضيعة للوقت خصوصا وانه دخل طي النسيان قبل أن ينفض المؤتمرون ويعودون إلى بيوتهم. بإختصار، بهذا الخصوص، عقد مؤتمر القمة وعدم عقده سيان لا يقدم ولا يؤخر.
شيء آخر تماما هو الذي اغاضني بل سم بدني: من هم هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم قمة ويسمون ديوانهم مؤتمر قمة؟ من أين جاؤوا؟ ومن فوضهم أن يتكلموا بإسم 350 مليون عربي؟ قد يقول البعض: هؤلاء هم الحكام الشرعيون للدول العربية ال22. إنهم يمثلون الشرعية. قررت أن ابحر بجولة سريعة في الشبكة العنكبوتية لكي اتعرف عن قرب على هذه الشرعية. ماذا وجدت؟ ها أنا أضع أمامكم تقريرا موجزا عن هذه الجولة:
1- مصر، أم الدنيا، تشكل لوحدها حوالي ثلث العرب من حيث السكان. وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم أولا عن طريق انقلاب عسكري ومن ثم عن طريق انتخابات مزورة.
2- السعودية، مملكة الرمال كما يحب البعض تسميتها،  ولكي لا نظلمها اسميها هنا: مملكة الرمال والنفط. الملك سلمان هو الملك السادس من أبناء عبد العزيز آل سعود الذي كان الملك الأول بعد الاستيلاء على نجد والحجاز بمساعدة امريكا. 
3- الاردن، عبدالله الثاني، ورث البلاد عن والده الذي عمل موظفا رسميا لوكالة المخابرات الامريكية، الذي ورثها عن جده (بعد أن سجن والده في المستشفى) الذي عينته بريطانيا أميرا ثم رقته إلى رتبة ملك؟
4- سوريا، بشار الأسد ورث مزرعته الخاصة من والده بعد أن تم تغيير الدستور خلال ربع ساعة. أما والده فقد انتزعها من رفاقه الذين انتزعوها بدورهم ممن سبقهم بواسطة انقلاب. الانقلاب سمي ثورة والانقلاب على الثورة سمي ثورة تصحيحية. اليوم يعيش الرئيس بشار في حالة خصومة مقاطعة من قبل أشقائه العرب.
5- لبنان، رئيس طائفي، مجرم حرب، تحالف مع المقاومة والممانعة لتبيض صفحته والحصول على صك غفران
6- العراق، وصل الحكام الحاليون من رؤساء حكومة ودولة للحكم على ظهور الدبابات الامريكية التي احتلت بغداد. آخرهم كان حيدر العبادي كرئيس للوزراء وفؤاد المعصوم كرئيس للدولة وقد سبقهم المالكي والعلاوي والجعفري و الطالباني والبرزاني والجلبي والحكيم وغيرهم.
7- دولة الامارات: آل نهيان وآل مكتوم صناعة بريطانية تمت إعارتهم لجامعة الدول العربية عام 1971
8- الكويت:  التي كانت لسنوات غير بعيدة محافظة من محافظات العراق، آل الصباح صناعة بريطانية أخرى جعلت منهم أمراء
9- قطر: الجد والابن والحفيد من آل ثاني منحتهم بريطانيا "الاستقلال" ومن ثم ترقوا واصبحوا من زلم أمريكا.
10- البحرين: تطورت من إمارة إلى مملكة يحكمها آل ثاني. منحتهم بريطانيا الاستقلال عام 1971 وأهدتهم لجامعة الدول العربية زيادة في العدد.
11- عمان: السلطان قابوس بن سعيد المعظم الذي انقلب على السلطان سعيد المفروض أن يكون والده والذي يحكم البلاد منذ نصف قرن بدون نقاش.
12-اليمن:  كان في ماضي الزمان سعيدا وهو اليوم من أتعس خلق الله. ويمثل شرعيته الدمية عبد ربه منصور هادي ، الذي ورث الشرعية من الرئيس الفاطس علي عبدالله الصالح
13- ليبيا: بعد إحتلال دول الناتو أصبح كل رئيس عصابة أو ميليشيا يمثل الشرعية.
14- تونس: بعد رحيل الشرعية السابقة، شرعية المخابرات التي مثلها زين العابدين بن علي، جاءت شرعية جديدة تقاسمتها الفلول برئاسة الباجي قائد السبسي والاخوان  برئاسة الغنوشي. وهي شراكة ليست في الشرعية فحسب بل في الفساد واحتكار السلطة أيضا.
15- الجزائر: الرئيس الوحيد، ربما في العالم، ما زال رئيسا رغما عنه. رئيس يثير الشفقة، عاجز ومريض. في دولة تحترم نفسها يجب أن يعيش سنواته الاخيرة في بيت للمسنين أو أي مكان آخر تحت الرعاية والرقابة الصحية الدائمة. ولا أدري كيف يعدونه اليوم لفترة رئاسية خامسة. 
16- المغرب: ملك مطلق آخر ورث البلاد عن والده كمن يرث عقاراته الخاصة. برلمان مزيف، أحزاب مزيفة (موالية ومعارضة) وشعب يعامل كالعبيد.
17- موريتانيا: تاريخها الحديث منذ استقلالها عام 1960 وحتى اليوم، أي منذ الرئيس الأول المختار ولد داداه وحتى الرئيس الأخير محمد ولد عبد العزيز هو تاريخ انقلاباتها "الديمقراطية" التي يسبقها أو يليها انتخابات. رسميا، كانت العبودية موجودة  حتى سنوات قليلة خلت. عمليا، ما زالت موجودة حتى هذه اللحظة.
18- السودان: عمر البشير، جاء للحكم عن طريق انقلاب عسكري قبل حوالي 30 عاما. مطلوب للعدالة الدولية لارتكابه جرائم حرب، أفقر وأجاع أكبر وأغنى دولة عربية ومن ثم مزقها تمزيقا.
19- جيبوتي: مستعمرة فرنسية حتى عام 1977 ولا أدري ما هو جوهر علاقتها بالعالم العربي. ما زالت الفرنسية لغتها الرسمية.
20- الصومال: تحول صراع الدول الاستعمارية، ايطاليا، فرنسا وبريطانيا للسيطرة على الصومال بعد "الاستقلال" إلى صراع وحشي بين القبائل والعشائر التي جعلت البلاد مرتعا للموت والجوع والامراض. في السنوات العشرين الاخيرة لم يعد هناك دولة اصلا لكي يدعي أحد من حكامها الشرعية. 
21- جزر القمر: هل هي دولة؟ هل هي دولة عربية؟ يجب توجيه هذه الاسئلة للرئيس غزالي عثماني، انا شخصيا لا أعرف عنه شيئا سوى انه مشارك مجتهد في حضور مؤتمرات القمة العربية. 
22- فلسطين: وأخيرا، حبيب الشعب، محمود عباس المنتهية صلاحيته، كالحليب الفاسد، منذ عشر سنوات. ولكنه صامد بفضل أموال الدول المانحة والتنسيق الأمني مع الاحتلال.
هذه هي الشرعية العربية من ألفها إلى يائها والتي يدافع عنها البعض بشكل انتقائي. أمام مثل هذه الشرعية أليس من حق كل بندوق أن يصبح ملكا أو رئيسا أو أميرا؟؟
(ملاحظة: العنوان مسروق من إسم فيلم إسرائيلي قديم) 

Thursday, April 12, 2018

من يافا إلى غزة ومن غزة إلى يافا

من يافا إلى غزة ومن غزة إلى يافا
علي زبيدات - سخنين

عندي اقتراح. سأقوله هنا مباشرة، من غير مقدمات، من غير تنظير ومن غير تبريرات: أدعو إلى تنظيم مسيرة مليونية من يافا إلى غزة وبدأ الإعداد لها فورا. دعوتي هذه موجهة أولا وقبل كل شيء للمليون ونصف المليون فلسطيني الذين يعيشون في فلسطين المحتلة عام  1948 ومن ثم لكل من يريد أن يشارك من يهود وأجانب ممن يعارضون حصار غزة ويدعمون حق العودة. لذلك يمكن تسميتها بدون تردد، نظريا وعمليا، مسيرة مليونية. دعوتي هذه ليست موجهة حصرا لأية مؤسسة أو حركة أو حزب أو جمعية. يعني ليست للجنة المتابعة ولا للقائمة المشتركة ولا للأحزاب والحركات السياسية ولا ما يسمى منظمات المجتمع المدني. إنها موجهة إلى كل الجماهير التي ذكرتها آنفا من غير إستثناء.
 لماذا من يافا؟ لأن معظم سكان غزة هجروا من يافا ومن القرى الفلسطينية الواقعة على الطريق بين يافا وغزة والتي دمرتها دولة إسرائيل عام النكبة. المسافة بين يافا وقطاع غزة حوالي 60 كم، أي يمكن قطعها بسهولة خلال ثلاثة أيام وهو الزمن المحدد لهذه المسيرة المليونية.
كفى مسيرات هزيلة كالتي كانت مؤخرا في سخنين أو كالتي قد تنظم مستقبلا في أية مدينة أخرى.
كفى لوقفات احتجاجية عقيمة على مفارق الطرق. 
كفى لخطابات مجترة وشعارات براقة وزائفة.
كفى نواحا وذرف الدموع منها الحقيقية ومنها دموع التماسيح.
الجميع يتكلم عن ضرورة الارتقاء إلى مستوى الحدث: سبعون عاما على النكبة، 11 عاما على حصار غزة، التلاحم مع مسيرات العودة المليونية في غزة؟ إذن، هذه فرصتنا التاريخية، لا يوجد أمامنا خيار واحد: مسيرة مليونية سلمية تنطلق من يافا باتجاه غزة هدفها احتضان مسيرة غزة في الجانب الآخر من السياج.
هل هذا ممكن؟ ولماذا لا يكون ممكنا إذا توفرت الارادة والعمل الجاد والمخلص والإيمان بعدالة القضية؟ ألا ننظم ونشارك كل سنة في مسيرة جبارة لإحدى قرانا المهجرة؟ المسألة مسألة قرار جريء وتاريخي. في نقاش قديم مع أحد الرفاق في سياق نقد مسيرات العودة الراهنة، وضرورة الارتقاء بها حتى تصبح مطلبا وبرنامجا سياسيا تؤسس لتحقيق حق العودة، أجابني أن الهدف من هذه المسيرات هو توعوي يلائم الأطفال والشباب والعائلات. لذلك يجب أولا وقبل كل شيء ضمان عدم المواجهة مع الشرطة تحت كل الظروف. حسناً جدا، ليكن ذلك، لا داعي للنقاش هنا، هذه المسيرة المليونية المقترحة ليست بديلا لمسيرة العودة التقليدية. يوجد اليوم ظروف جديدة ومتغيرة. حتى الآن، قدمت جماهيرنا في غزة ثمنا باهظا تجاوز ال30 شهيد ومئات الجرحى، ولا أحد يعرف ماذا تخبئه الأيام والاسابيع القليلة القادمة. ولكن كل المؤشرات تشير إلى تصعيد شراسة الاحتلال. يكفي الاستماع إلى تصريحات رئيس الحكومة ووزير حربه للتأكد من ذلك. يمكن استخدام مسيرة العودة التقليدية للتعبئة والدعوة للمشاركة في المسيرة المليونية المقترحة.
عندما أقول أن هذه الدعوة ليست موجهة للمؤسسات القيادية هذا لا يعني استثناء هذه المؤسسات ولا يعني أن تتملص من واجباتها.  العكس هو الصحيح، على الكوادر الحزبية أن تضغط على قيادات أحزابها ووضعها أمام مسؤولياتها الوطنية. المسيرات المليونية في كل مكان في العالم تقودها الجماهير الشعبية ودور القيادات التقليدية في هذه الحالة السير بين الجماهير(وليس بالضرورة في الصف الأول) والعمل على تأمين الحماية لها.
قد تكون أيدي الجنود الاسرائيليين سريعة بالضغط على الزناد وقد تكون بنادق القناصين على أهبة الاستعداد لاطلاق النار باتجاه أبناء شعبنا في غزة. ولكن أغلب الظن أن تحظى المسيرة من الاتجاه المعاكس ببعض الامتيازات وتكتفي بالهراوات والغاز المسيل للدموع والاعتقالات. أما إذا تخطت ذلك فالمسؤولية كاملة سوف تقع على كاهل الحكومة الاسرائيلية وجنودها المدججين بالسلاح. 
كم كنت أتمنى حتى يكتمل العرس الفلسطيني أن تنطلق مسيرة مليونية أخرى بإتجاه فلسطين من الضفة الغربية وخصوصا من المخيمات. ومسيرة مليونية أخرى من أهلنا في الشتات وخصوصا من لبنان والأردن. 
على كل من يقتنع بضرورة مثل هذه المسيرة أن يبدأ حالا بالتحرك والتنظيم ولو كان في البداية على صعيد افراد او مجموعات صغيرة بشكل عفوي، التنسيق سوف يأتي لاحقا،فكل عمل مهما كان صغيرا ومهما كان عفويا له ديناميكية خاصة وفي ظروف معينة قد يتطور ويصبح انتفاضة شعبية عارمة. وكما قال ماو تسي تونغ: رب شرارة تشعل سهلا كاملا.

Wednesday, March 28, 2018

ألأرض - ذكريات وخواطر

ألارض - ذكريات وخواطر
علي زبيدات - سخنين

ها هي الذكرى ال42 ليوم الأرض تداهمنا من غير استئذان. من كان شابا في ذلك اليوم مثلي أصبح  اليوم كهلا أو عجوزا  هذا إذا لم يكن قد قضى نحبه. صبايا وشباب الجيل الحالي ولدوا بعد يوم الارض الاول ومعلوماتهم عنه لم تأت من مصدر مباشر بل جاءت من الأقارب أو من الآخرين أو مما قرأوه حول هذا الموضوع.  وبذلك يكونون قد عاشوا ذكرى يوم الأرض وليس يوم الأرض نفسه. وكما هو معروف يوجد هناك فرق بين الشيء وبين ذكراه، بين يوم الارض وذكرى يوم الأرض. وغالبا ما يكون الفرق شاسعا.  عندما نقول: الاسبوع القادم يوم الارض أو غدا يوم الارض نقول ذلك من باب المجاز وليس الحقيقة.
في يوم الارض الاول، كنت أقضي محكومية من ست سنوات في سجن الرملة. لذلك كانت مساهمتي وباقي الاسرى متواضعة جدا تكاد لا تذكر، واقتصرت على عدم تناول الطعام وعدم الخروج للنزهة اليومية ومدتها ساعة واحدة في ساحة السجن، وفي المساء كانت هناك نقاشات حول الأرض داخل الزنازين. كانت معلوماتنا عما حدث في يوم الارض ضئيلة جدا، مستمدة حصريا من بعض وسائل الإعلام الاسرائيلية الوحيدة المتاحة في ذلك الوقت (جريدة عبرية ونشرة أخبار في التلفزيون الاسرائيلي). بعد أسبوعين فقط خلال زيارة الاهل، علمت أن بنت خالي خديجة شواهنة وهي من جيلي كانت من بين الذين استشهدوا.
يوم الأرض الأول الذي شهدته شخصيا كان في عام 1982 أي بعد مرور ست سنوات على يوم الارض الاول. وقد لمست أن روح يوم الارض النضالية ما زالت حاضرة ومهيمنة على الأجواء خصوصا بين الشباب. حيث كانت الشرطة، قبيل يوم الارض بايام، تلاحق بعض الناشطين وتعتقلهم اعتقال استباقي. وكان تواجد الشرطة على مشارف البلد الذي يستضيف النشاط المركزي مكثفا وكثيرا ما كانت تمنع دخول أو تعتقل متضامنين جاؤوا من قرى أخرى. أما على المستوى الرسمي فقد كان التقهقر واضحا. كانت لجنة الدفاع عن الأراضي تلفظ أنفاسها الاخيرة بعد أن أنهكتها تناقضاتها وصراعاتها الداخلية وبعد أن قررت الاحزاب والحركات السياسية ورؤساء المجالس المحلية برعاية تشجيع من المؤسسات الحكومية تصفيتها نهائيا. في السنة نفسها انبثقت لجنة المتابعة العليا التي أخذت على عاتقها، من ضمن ما أخذته، جميع مهام لجنة الدفاع عن الأراضي. وأظن أنه بعد اربعة عقود على وجود هذه اللجنة الجديدة - القديمة يمكن الجزم بأنها فشلت في أن تشكل بديلا أفضل. ولكن هذا موضوع آخر. بالاضافة إلى ذلك وجدت صراعا شرسا بين الاحزاب والمجموعات المختلفة على إرث يوم الارض: كان الكل يدعي أنه هو الذي فجر وقاد يوم الارض وينفي دور الآخرين. تمشيا مع المثل الشعبي الذي يقول للنجاح ألف أب بينما الفشل يتيم.
 في بداية سنوات الثمانين عادت الروح النضالية ليوم الأرض لتنتعش من جديد، ولكنها لم تصل أبدا إلى ما وصلت إليه في اليوم الأول. وكان السبب الرئيسي لهذا "الانتعاش" هو أن دولة إسرائيل اضافت إلى رصيدها جريمة نكراء جديدة هي مجزرة صبرا وشاتيلا. ولكن سرعان ما عاد الروتين "النضالي" ليسيطر على الساحة من جديد. واقصد بالروتين النضالي: إحياء الذكرى بمسيرة هادئة (تحت رعاية التنسيق الأمني بين الشرطة والزعامة الرسمية) ومهرجان خطابي. الاستثناء الوحيد كان يوم الارض عام 2000 الذي تم تنظيمه للأول مرة (وآخر مرة) على أراضي سخنين الواقعة تحت نفوذ مجلس اقليمي مسغاف والتي أعلنت السلطات عن نيتها اقامة معسكر عليها. كانت النتائج صادمة للطرفين: الحكومي والرسمي العربي. فلم يتوقع أحد وقوع اشتباكات وصدامات راح ضحيتها آخر شهداء يوم الأرض وهي الشهيدة شيخة ابو صالح بالاضافة إلى عشرات الجرحى والمعتقلين. لقد شكلت أحداث يوم الأرض 2000 الخلفية الملتهبة لمواجهات انتفاضة القدس والاقصى بعد نصف سنة، في بداية أكتوبر/تشرين أول من العام نفسه. حيث سقط 13 شهيدا من الداخل الفلسطيني بالاضافة لمئات الجرحى والمعتقلين. منذ ذلك الحين عملت السلطات الامنية الاسرائيلية والزعامة العربية الرسمية ممثلة بلجنة المتابعة العليا ولجنة السلطات المحلية كل ما تستطيعه لضمان عدم تكرار مثل هذه المواجهات غير مأمونة العواقب (من كلا الطرفين) وللحق أقول: لقد حققا في ذلك نجاحا كبيرا. وهكذا بدأ الشباب والصبايا يصوتون بأرجلهم في ذكرى يوم الارض. فبينما كان عدد المشاركين في مسيرة يوم الأرض يصل إلى عشرين الف وأكثر اصبح العدد بالمئات أو ىآلاف ضئيلة.
في الواقع، لم يعد لدي أي نقد جديد. فكل ما لدي قد قلته وكتبته على مرّ السنوات. لم يبق لدينا سوى ذكرى ليوم أطلقنا عليه يوم الأرض الخالد (ولا أقلل من أهمية الذكرى)  بالاضافة إلى مسيرة متواضعة تنتهي بمهرجان خطابي ناري. لا اريد ان استبق الاحداث: ربما الامل الوحيد في استعادة الروح النضالية ليوم الارض سوف يأتي من خلال ربطه بيوم النكبة. أي ربط الأرض بالعودة. وقد تكون تجربة مسيرة العودة في غزة نقطة تحول وفاتحة في الاتجاه الصحيح. ومن الضروري العمل على فتح جبهات مشابهة في الضفة الغربية أيضا. لم يعد يوم الارض أسيرا لحدوده الجغرافية المحلية بل أصبح يوما وطنيا فلسطينيا شاملا. لنجعل من 30 آذار وحتى 15 أيار يوما نضاليا واحدا.
    

Thursday, March 22, 2018

لنتحدث قليلا عن عنصريتنا

لنتحدث قليلا عن عنصريتنا
علي زبيدات - سخنين

هناك يوم اسمه: "اليوم العالمي للقضاء على العنصرية" أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة قبل أكثر من نصف قرن وبالتحديد في عام 1966 . يصادف هذا اليوم اليوم الأول من فصل الربيع وعيد الأم في البلدان العربية أي في 21 من شهر آذار. كما هو واضح للجميع، بعد مرور نصف قرن، لم نقض على العنصرية بل هي التي تقضي علينا يوميا بعد أن استفحلت ووصلت شراستها إلى درجة لم يعد بالإمكان مواجهتها. لن أتطرق هنا، لا من قريب ولا من بعيد، للعنصرية على الصعيد العالمي. لن أتكلم عن نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا الذي استمد هذا اليوم اسمه وشرعيته من المجازر التي اقترفها ذاك النظام في حينه. ولن أتكلم عن العنصرية في أمريكا "زعيمة العالم الحر" وما فعلته بالشعوب الاصلانية والمهاجرين من أصل أفريقي، لاتيني، اسيوي وغيرهم. حتى انني لن اتطرق الى العنصرية التي تمارسها الصهيونية منذ 70 سنة ضد شعبنا الفلسطيني. لا حاجة لأحد بما أكتبه في هذا المجال فالعالم يفيض بالكتب والمقالات والوثائق في هذا الموضوع وجميعها في متناول اليد.
أود أن اقتصر الكلام في هذه السطور القليلة على عنصريتنا نحن. ما المقصود بكلمة نحن؟ المقصود نحن العرب، أو إذا شئتم الشعوب العربية أو الامة العربية أو البلدان العربية، اختاروا التسمية التي تلائمكم. طبعا سيكون هناك من يقطب حاجبيه متسائلا: وهل نحن عنصريون؟ تساؤل ينضح بالانكار وقد يتابع: ولكن كيف يعقل أن نكون عنصريين ونحن ضحايا العنصرية التي يشنها العالم علينا؟ مما لا شك فيه أنه يوجد هناك الكثير من الحقيقة في كوننا ضحايا للعنصرية، ولكن من يقول أن ضحية العنصرية لا يكون هو الآخر عنصريا؟ وقد يتفوق أحيانا على من يمارس العنصرية ضده؟ وأكثر من ذلك: من يضمن ألا يكون مدعو مناهضة العنصرية عنصريين متسترين أو مكشوفين؟ لقد آن الأوان أن ننزع القناع الفضيلة ونكشف وجهنا العنصري أمام شمس الحقيقة ونكف عن الاختباء وراء عدم الاعتراف والبحث عن التبريرات والتهرب من المسؤولية.
أريد هنا أن أتطرق إلى ثلاثة أشكال أساسية من أشكال عنصريتنا والتي أصبح السكوت عنها جريمة في حق شعوبنا أولا ومن ثم في حق الانسانية جمعاء:
العنصرية على أساس عرقي وقومي: جميع الأقليات العرقية والقومية في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وبدون استثناء تتعرض للتمييز العنصري.  الأمازيغ في المغرب "العربي" ووضع كلمة العربي هنا بين هلالين  مقصودة نظرا لكون الامازيغ هم سكان البلاد الاصليين، يتعرضون لشتى أنواع التمييز حتى أنهم يمنعون في بعض الاماكن من الكلام أو التعليم بلغتهم الاصلية. وهكذا حال الاكراد في المشرق العربي وباقي الاثنيات الصغيرة مثل اليزيديين والشركس والارمن والتركمان وغيرهم. القومية العربية فكرا وممارسة فشلت مرارا وتكرارا في إيجاد حل ديمقراطي لمسألة الأقليات يقوم على أساس المساواة والمواطنة الكاملة. وهذا الفشل هو أحد الأسباب الرئيسية للتخلف العالم العربي بجميع مركباته.
العنصرية على أساس ديني وطائفي، وهي لا تقل من حيث خطورتها عن الشكل الأول بل في كثير من الاحيان وفي بعض الاماكن تفوقه خطورة. لا يوجد هناك ديانة لا تتبنى موقفا عنصريا من ديانة أخرى. ولا يوجد هناك طائفة لا تتبنى موقفا عنصريا من طائفة أخرى. ومما يزيد الطين بلة هو انكار كافة الديانات وكافة الطوائف لهذه العنصرية. إذ لا يمكن ستر الواقع بورقة توت بالية من الشعارات المزيفة حول التسامح والاخوة والتعايش والحوار بين الاديان. هيا أعطوني طائفة واحدة متسامحة مع طائفة أخرى. أعطوني ديانة واحدة أو مذهب واحد يتقبل غيره؟ حتى داخل الديانة الواحدة لم يعد هناك أي تسامح، وإلا ماذا نسمي حرب داحس والغبراء الجديدة بين السنة والشيعة؟ ولا أريد أن أتكلم أكثر عن العلاقات المتبادلة بين باقي الطوائف من اسلامية ودرزية وقبطية ومارونية وارثوذكسية وعلوية وغيرها.
العنصرية ضد المرأة: قد يحتج البعض ويقول أن الاسلام قد منح المرأة كافة حقوقها وأن المرأة المسلمة تتمتع بحقوق غير موجودة حتى في أكثر البلدان تقدما. من غير الخوض في نقاش ديني لا أول له ولا آخر، قد يكون الإسلام منح المرأة بعض الحقوق عند ظهوره ولكن عاد المسلمون وصادروا هذه الحقوق باسم الإسلام نفسه. تعاني المرأة العربية المسلمة وغير المسلمة اليوم من التمييز العنصري في كافة مجالات الحياة: في البيت والمجتمع والدولة. بعد مرور أكثر من قرن على اختراع السيارة ما زالت المرأة العربية في بعض الأماكن تمنع من قيادتها وعندما قررت أخيرا السماح لها بذلك أعتبرنا ذلك انجازا تاريخيا. علاوة على أن المرأة العربية أكثر نساء الارض تعرضا للتحرش الجنسي في البيت والشارع وأماكن العمل.
بالاضافة لهذه الاشكال الاساسية الثلاثة حيث تظهر عنصريتنا بابشع صورها يوجد هناك اشكال اخرى عديدة للعنصرية لا يتسع المجال لذكر كلها، ولكني ساكتفي بالاشارة إلى بعضها فيما يتعلق بواقعنا الفلسطيني الخاص. هناك عنصرية مقيتة في تعاملنا مع بعض كأبناء شعب واحد يحمل قضية واحدة. طالما رايت بأم عيني وسمعت باذني عندما نقول ضفاوي أو غزاوي نقولها بكثير من العنجهية والاستعلاء وهذا توجه عنصري مرفوض بتاتا وله نتائج سلبية وخيمة على هويتنا ووحدة نضالنا. وأكثر من ذلك، طالما سمعت عن ظواهر ذات طابع عنصري ضد المهجرين في القرى التي استوعبتهم بعد تهجيرهم من قراهم عام النكبة. من العار أن تبقى هذه الظاهرة بعد 70 عاما حتى وإن لم تأخذ أشكالا عنيفة في أغلب الأحيان. هذا بالاضافة للعنصرية الطائفية التي تتحكم بالعلاقات بين طوائف شعبنا المختلفة والتي نكنسها عادة تحت البساط ولكنها تنفجر  بين الحين والآخر في وجوهنا ونجبن عن مواجهتها بشكل عقلاني مسؤول.
طبعا منسوب العنصرية يختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر ومن بلد لآخر، فمنها ما يصل إلى حد الابادة الجماعية ومنها ما يبقى كلاميا. ولكن المطلوب ليس خفض منسوب العنصرية بل القضاء عليها نهائيا. حسب رأيي يوجد داخل كل فرد فينا عنصري صغير، يمكن أن ينمو ويستفحل حتى يسيطر علينا تماما ويمكن أن نحاربه حتى نقضي عليه نهائيا. ومن هنا يجب أن نبدأ: مكافحة العنصرية على المستوى الفردي لأن المجتمع في نهاية المطاف مكون من أفراد. فقط أفراد أحرار قادرون على بناء وطنا حرا.  

Thursday, March 15, 2018

النظام يريد إسقاط الشعب

النظام يريد إسقاط الشعب
علي زبيدات - سخنين

سوف أكف منذ اليوم عن إدانة الانظمة العربية بما فيها السلطة الفلسطينية، انتقادها والتهجم عليها. وسوف اصب جام غضبي من الآن وصاعدا على الشعوب العربية وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني. كما أعترف أمام العالم أجمع انني قد ظلمت هذه الانظمة، جمهورية كانت أم ملكية وتلك التي بين بين والتي لا أدري كيف أصنفها كالسلطة الفلسطينية، التقدمية منها والرجعية، الوطنية والعميلة، الديمقراطية والاستبدادية، الدينية والعلمانية. وها أنا أعلن توبتي وأطلب السماح والغفران. هذه الانظمة المباركة من غير استثناء أليست هي أولي الأمر منا؟ وما علينا إلا اطاعتها طاعة عمياء حتى وإن كانت على خطأ. فهذه الانظمة مكونة من الطبقات والنخب المتعلمة، المثقفة، الراقية والمتحضرة على عكس الشعوب التي تتكون من الرعاع والطبقات المختلفة، القذرة والمثيرة للشغب والمشاكل. أليست الانظمة هي التي توفر لنا لقمة العيش؟ وتحافظ على سلامتنا واستقرارنا، تقودنا في الطريق السليم، تحافظ على صحتنا وحياتنا وتدافع عن أمننا من الأعداء المتربصين لنا؟. كم نحن جاحدون للجميل ناكرون للمعروف! نبصق في الصحن الذي يطعمنا وفي البئر الذي يروي ضمأنا.
من الآن وصاعدا سأكون أكبر نصير للأنظمة العربية وسوف أدعو الله أن يكون في عونها وينصرها على شعوبها الجاحدة. كما أناشد هذه الانظمة أن تضرب شعوبها بيد من حديد، لأنها ليست أكثر من دفيئة لتفريخ الإرهابيين والمندسين الذين لا يتورعون عن إحراق الأخضر واليابس وإغراق البلاد في دوامة الفوضى والفقر. ومن لا تنفع معه القوة سوف ينفع معه المزيد من القوة. لقد أثبت التاريخ أن الشعوب العربية لا تستطيع العيش بهدوء وسلام إلا إذا بقيت تحت بسطار الحكام المستبدين الطغاة. أنظروا ماذا حدث في العراق بعد زوال حكم صدام حسين؟ تفرقوا أيدي سبأ وعادوا قبائل وعشائر، سنة وشيعة، عربا واكراد وتركمان وأزيديين و آشوريين. وماذا حدث في ليبيا بعد مقتل القذافي؟ أصبحوا كعصابات الغرب المتوحش الجميع يطلق النار على الجميع. وها هم يحاولون منذ سنوات اسقاط نظام بشار الأسد القومي الممانع لكي يكون مصير سوريا كمصير العراق وليبيا. ويطالبون بإسقاط نظام السيسي حتى تعود مصر لكي تصبح لقمة سائغة في أفواه الإخوان المسلمين. وأكثر من ذلك يطالبون بتقويض الانظمة الملكية من المغرب مرورا بالأردن وحتى السعودية ودول الخليج، وهي أنظمة تعتبر نموذجا للاستقرار والامن والرفاهية. ألا يكفي أن هذه الانظمة تواجه مؤامرات كونية وتتصدى للأعداء من كل حدب وصوب فبدل أن تلتف الشعوب العربية حول حكامها تقوم بطعنها من الخلف؟
حسنا فعلت الانظمة العربية عندما تعلمت الدرس وجعلت من الكيان الصهيوني قدوتها ومرشدها حتى تفوقت عليه. فهي مثله واحة من الديمقراطية والرخاء ما دام المواطنون صامتين مطيعين. هل سمعتم أن إسرائيل قد قتلت أو سجنت أو هجرت فلسطينيا "جيدا" مطيعا، لا يتدخل في السياسة ولا يمس بأمن الدولة؟ ولكن هذا الكيان هو الاخر يضرب كل فلسطيني بيد من حديد إذا ما حاول أن يتحداه ويتمرد على قوانينه بحجة المطالبة بحقوقه الطبيعية. الحق الطبيعي الوحيد الذي تستطيع أن تحصل عليه في هذه الواحة، أو على الاصح الحق الذي يمنح لك هو أن تبقى على قيد الحياة لكي تخدم الطبقة الحاكمة الراقية. أليس هذا ما يقوله لنا ويؤمن به رئيس السلطة الفلسطينية عندما يصرح بمناسبة ومن غير مناسبة: الانتفاضة جلبت لنا الويلات، ولن يكون هناك انتفاضة جديدة من أي شكل كانت ما دام موجودا في السلطة. ومن يسمع يصدق انها سلطة. نعم شعوبنا العربية متخلفة وإلا لما افرزت مثل هؤلاء الحكام. نعم، شعوبنا العربية متخلفة وإلا لما صبرت على هؤلاء الحكام ساعة واحدة ولا اقول العمر كله.
ولكن لحظة، فأنا لست من أنصار الحديث، ولا أدري مدى قوته وصحته، الذي يقول: "كما تكونوا يولى عليكم".
يبدو أن بعض الامور قد غابت عني: الشعوب العربية ليست هي من ولت هذه الانظمة الفاسدة المستبدة عليها. النظام الرأسمالي العالمي مجسدا بالامبريالية الغربية هو الذي ولى هذه الانظمة على الشعوب. إذن، ليست شعوبنا "المتخلفة" هي التي انتجت هذه الانظمة الفاسدة المستبدة. بل العكس هو الصحيح: هذه الانظمة هي التي تعمل بدون كلل أو ملل على إبقاء شعوبنا متخلفة. لقد اقتنت هذه الانظمة الاسلحة الفتاكة وبنت جيوشا جرارة ليس دفاعا عن شعوبها بل دفاعا عن كراسيها، واستحوذت على ثروات وخيرات البلد لتترك الشعوب فريسة للفقر والجوع والمرض. سياسة الترهيب التي سلكتها منذ اللحظة الاولى لاستلامها الحكم انتجت الارهاب. 
النظام يريد إسقاط الشعب وإلا سقط هو. وقد آن الأوان أن يعرف كل مواطن أين مكانه الصحيح.


Thursday, March 08, 2018

ثوري! أحبك أن تثوري



ثوري! أحبك أن تثوري

علي زبيدات - سخنين

أعرف أن الكتابة عن المرأة بشكل عام وعن المرأة الفلسطينية (والعربية) بشكل خاص، بمناسبة يوم المرأة العالمي، أمر محفوف بالمخاطر واشبه ما يكون كمن يتجول في حقل ألغام، خصوصا عندما تكون الكتابة نقدية وليست مسحا للجوخ وكيلا للمدائح كما هي العادة عندنا. طبعا، الشعور بالخطر لا يصدر عن المرأة نفسها. فالمرأة على الراس والعين عربية كانت أم غير عربية، في آذار أو في غير آذار. ولكنه يصدر عن الحركات والتنظيمات "النسوية" التي تزعم الدفاع عن حقوق المرأة والنهوض بمكانتها حتى أصبحت تنافس الحركات والتنظيمات السياسية من حيث العدد ومن حيث عدم الفائدة 

لا أخفي عنكم/ن أنني ترددت كثيرا قبل كتابة هذه السطور فالمثل يقول: ابعد عن الشر وغني له ولا يقول: ارقص بين الالغام وتوقع في كل خطوة أن ينفجر بين قدميك لغم وتمنى أن تخرج سالما. ولكني بعد أن قرأت خبر إحياء يوم المرأة العالمي في الكنيست حسمت  أمري وقررت المضي في الكتابة حتى لو أغاظت هذه الكتابة بعض "المناضلات" من أجل حرية وتقدم المرأة

جاء في الفقرة الاولى من الخبر كما نقله موقع الجبهة، وانا اقتبس:" بمبادرة النائبة عايدة توما- سليمان رئيسة اللجنة البرلمانيّة للنهوض بمكانة المرأة والمساواة الجندريّة (الجبهة- القائمة المشتركة) نظّمت الكنيست، أمس الثلاثاء، يومًا خاصًا على شرف يوم المرأة العالمي، تخلّله جلسة خاصّة في لجنة مكانة المرأة حول القرار 1325 لدور النساء في حل الصراعات، توزيع ورود وبطاقات معايدة لعاملات شركات المقاولة في الكنيست، جلسة خاصة في الهيئة العامّة للكنيست ومهرجان مركزي بحضور المئات حول  ضرورة تعزيز التمثيل النسائي في انتخابات السلطات المحليّة القادمة

طبعا بحكم موقعها، كرئيسة اللجنة البرلمانية فالنائبة توما - سليمان لا تمثل المرأة العربية الفلسطينية فحسب بل تمثل النساء في إسرائيل عامة. أي أن الكنيست من خلال هذه اللجنة تعمل على النهوض بمكانة المرأة ومن أجل المساواة الجندرية. أما أنا فارى على العكس من ذلك تماما، هل يحق لي؟ ارى أن الكنيست تعمل على الانحطاط بمكانة المرأة وتعمل على تخليد التمييز الجندري من خلال دورها في انحطاط مكانة المجتمع ككل. بموقفي هذا اصطدم بباقي التنظيمات النسوية التي تصفق لهذه اللجنة البرلمانية وتشارك في نشاطاتها ومهرجانها. لقد قلت في السابق وها أنا أقولها مرة أخرى أن وجود نساء عربيات كنائبات في الكنيست الصهيوني لا يمكن أن تكون مقياسا على تقدم وتحرر المرأة العربية. بل على العكس من ذلك، إن دل على شيء فإنه يدل على عدم وعيها السياسي والوطني. إذ كيف تتحرر المرأة الفلسطينية عن طريق من يضع في معصميها قيود التمييز والاستغلال؟

عندما تتكلم هذه اللجنة على لسان رئيستها عن دور المرأة في "حل الصراعات والوصول إلى أتفاقيات سلام" بهذه الثقة وذلك الحماس ألا تشاهد زميلاتها من الاحزاب اليمينية وغير اليمينية كيف تؤججن الصراعات وكيف يحرضن على الحروب؟ هل يجوز الكلام أصلا عن النساء بشكل مجرد بغض النظر عن انتماءاتهن الطبقية والسياسية والايديولوجية؟ هل يكفي انتقاد الحكومة بانها لا تطبق قرار الامم المتحدة 1325 وفي الوقت نفسه التغاضي عن دور النساء الموجودات في الحكومة أو في الاحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي؟

الموقف نفسه صحيح فيما يتعلق بالشق الثاني من المهرجان حول " تعزيز تمثيل النساء في السلطات المحلية". مرة أخرى، لا أجد في مثل هذا "التعزيز" مقياسا لتحرر وتقدم المرأة الفلسطينية. سلطاتنا المحلية في ظل هذا النظام هي أوكار للفساد بكل ما تعنيه كلمة فساد من معنى. إذا كانت نسبة المتنافسات النساء في البلديات والمجالس المحلية العربية لا تتجاوز أل 4% فإنها 4% أكثر من اللازم

المرأة العربية تستطيع أن تتقدم، تنهض بمكانتها وتحرر نفسها وفي الوقت نفسه تخدم شعبها ومجتمعها بدون أن تكون نائبة في الكنيست أو عضو في مجلس بلدي. كيف؟ يجب توجيه هذا السؤال للحركات والتنظيمات والجمعيات النسوية التي تنمو وتتكاثر في مجتمعنا كالفقع بعد يوم ماطر، لعل لديها بعض الاجوبة 

حاليا، كل جمعية نسوية تحتفل بيوم المرأة العالمي، فرحة بما لديها، توزع عليهن الورود، تقيم المهرجانات الخطابية التي تعلمتها من الأحزاب السياسية وتطلق شتائمها بشكل عشوائي ذات اليمين وذات الشمال. ليس من باب الصدفة أن معظم الناشطات في هذه الجمعيات هن في الوقت نفسه إما عضوات وإما عضوات سابقات في الأحزاب السياسية. وفي النهاية يرددن من غير كلل أو تعب: الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، هو يوم نضالي. نعم، انه يوم نضالي ولكن نضال عن نضال يفرق.

:وأخيرا، لا أجد أجمل من كلمات نزار قباني التي بدأت بها للختام
ثوري أحبك أن تثوري"
ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور
ثوري على التاريخ وانتصري على الوهم الكبير
لا ترهبي أحدا، فإن الشمس مقبرة النسور
"ثوري على شرق يراك وليمة فوق السرير

كل آذار وأنتن والثورة بخير 





Friday, March 02, 2018

نكبة داخل نكبة

نكبة داخل نكبة
علي زبيدات - سخنين
اسمحوا لي أن استبق هذا المقال بمقدمة قصيرة قد تبدو للوهلة الأولى خارج السياق. أنا لست من بين صانعي القرار في مجتمعنا، ولست حتى من المقربين منهم. وأكثر من ذلك، عادة لا تربطني بهم علاقة طيبة. لذلك أنا متاكد سلفا أن الموقف الذي سوف أعبر عنه كتابة هنا لن يترجم إلى قرار، خصوصا وأن قرار آخر قد أتخذ بهذا الموضوع ونال موافقة جميع المعنيين، ولا أظن أن أحدهم سوف يسعى إلى تغييره. بالرغم من هذه المقدمة فأنا مصر على حقي في طرح موقفي حتى وإن أغاظ البعض ومن بينهم من أطمح برضاه.
نقف على أعتاب الذكرى السبعين للنكبة. ومن المفروض أن تختلف هذه الذكرى عن السنوات الاخرى، وليس فقط بسبب الرقم: 70 بل أيضا وبالاساس ما حدث من تطورات سياسية متعلقة بالقضية الفلسطينية بشكل عام وبالقدس تحديدا. كما هو معروف لم يكتف دونالد ترامب وحكومته بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها، بل إختار ذكرى النكبة لكي يتم هذا النقل. السبب الرئيسي الذي دفع ترامب أن يتخذ هذا القرار هو الرد الفاتر والتعيس عربيا وفلسطينيا على اعترافه الأول. على الصعيد العربي لم يتجاوز الرد الادانات اللفظية وحتى هذه تم التعبير عنها باستحياء، بينما في الوقت عمليا كان التنسيق يزداد عمقا والتطبيع يزداد وقاحة، ولم يكن الموقف الفلسطيني أفضل بكثير، بل حسب رأيي كان أخطر من الموقف العربي لكثرة النفاق الذي يرافقه. كنا نستيقظ صباحا على بيان صادر من أحد أركان السلطة يقول بأن الموقف الأمريكي انفضح نهائيا، ولم تعد أمريكا وسيطا منزها أو راعيا للعملية السلمية. وفي المساء يصدر بيان آخر عن أحد أقطاب هذه السلطة نفسها ليقول: لا يمكن الاستغناء عن الدور الامريكي. وفي صباح اليوم الذي يليه يتم الإعلان عن مقاطعة زيارة نائب الرئيس الامريكي، وفي مساء اليوم نفسه يتم تسريب أخبار عن لقاءات محتملة مع موظفين أمريكيين كبار. يعلن عن التوجه للأمم المتحدة وفي الوقت نفسه يعلن عن الاستعداد لمتابعة المفاوضات الماضية. والاهم من كل ذلك عدم تذكير هذه السلطة بقرارات المجلس المركزي وإلى أين وصلت الأمور. أما في الداخل الفلسطيني فقد اكتفينا بمسرحية إبعاد النواب العرب من الكنيست. ألا يشكل هذا الواقع العربي الفلسطيني نكبة داخل نكبة؟
كانت الحكومة الاسرائيلية هي الوحيدة التي استغلت تطور الأحداث المتسارعة لصالحها إلى أبعد الحدود. فقد تلقفت اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لها ونيته على نقل سفارته اليها بلهفة ووصفته بالخبر التاريخي. أما تصريحه الأخير بنقل السفارة في ذكرى "استقلال" الدولة أي في ذكرى النكبة فقد أوصلها إلى قمة النشوة وصرحت أمام العالم أن الاحتفالات هذا العام لن تكون كمثل باقي الاعوام بل سوف تكون أضخم وافخم احتفالات عرفتها الدولة منذ قيامها.
ماذا كان موقفنا نحن أصحاب شعار: " يوم استقلالكم هو يوم نكبتنا"؟ 
...من أجل إحداث طفرة نوعية في الوعي الوطني وحتى نصبح قادرين على تنفيذ حق العودة بشكل فعلي ومن أجل الحفاظ على مسيرة العودة كحدث وطني تشارك فيه مختلف الفعاليات ومنظمات المجتمع المدني قررنا أن تكون مسيرة العودة هذه السنة على أراضي قرية جبع الساحلية…. وذلك بعد أن اكتشف المنظمون أنه بعد عشرين سنة وبعد عشرين مسيرة عودة لم تكن هناك مسيرة في أية قرية مهجرة من قرى الساحل الفلسطيني. لا اقصد هنا ولا بأي حال من الأحوال غمط جهود المنظمين وتفانيهم لإنجاح المسيرة، فاحترامهم في مكانه مطروح. كل ما هنالك هو نقد للقرار السياسي المتخذ وهو حق مشروع للجميع.
بإختصار شديد، موقفي بجرأة وصراحة: الرد المناسب على الموقف الأمريكي - الإسرائيلي هو أن تكون مسيرة العودة هذه السنة، في الذكرى ال70 للنكبة في القدس وفقط في القدس.
الساحل لنا تماما مثل الجليل والمثلث والنقب، وقد أنتظر عشرين سنه ويستطيع أن ينتظر سنة أخرى. وعلى فكرة، الساحل الفلسطيني الذي أهمل حتى الان هل هو المنطقة الوحيدة التي أهملت بهذا المعنى؟  في قضاء الرملة يوجد 58 قرية مهجرة فلماذا لم نفكر حتى الآن بتنظيم مسيرة عودة في هذا القضاء؟ ويوجد 38 قرية فلسطينية مهجرة في قضاء القدس فلماذا لم نفكر حتى الآن ولو بمسيرة واحدة في ذكرى النكبة في قضاء القدس؟ وحتى عندما نتكلم عن الساحل الفلسطيني، هل نعني الساحل الذي يمتد من رأس الناقورة إلى غزة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نستثني قرى الساحل المهجرة في قضاء يافا مثلا؟ أخشى أن يكون هناك إعتبارات أخرى. الاعتبار الأول الذي اصبح واضحا للجميع هو أن اختيار المكان خاضع للعلاقات الحساسة مع السلطة: من أجل الحصول على تصريح للمسيرة تحتفظ الشرطة بحق الفيتو على المكان والمسار أيضا. وهكذا اصبحت مسيرات العودة في السنوات الاخيرة وكأنها رحلة جبارة في احضان الطبيعة. وتساورني بعض الشكوك حول وجود اعتبارات اخرى اشد خطورة، وأتمنى أن أكون مخطئا، وفي حالة الخطأ سوف اقدم اعتذاري لكل من يشعر بأني ظلمته: هل أحد هذه الاعتبارات هو أن غالبية المهجرين من قرى (قضاء القدس، الرملة، غزة، طولكرم) لم يعودوا من سكان "اسرائيل"، أي ليسوا من "فلسطينيي الداخل" وبالتالي فهم ليسوا ضمن حساباتنا؟ على غرار فصل شهداء انتفاضة القدس والاقصى الثلاثة عشر واحتكار إحياء ذكراهم بشكل منفصل عن باقي الشهداء، بحجة "الدولة التي تقتل مواطنيها"؟
القدس تنتظر موقفا جريئا. تصوروا لو أن عشرات الالاف تجمعوا وساروا بين بيوت لفتا المهدمة، أو في شوارع دير ياسين أو عين كارم أو المالحة إحياء لذكرى النكبة! ولا أريد أن أقول: تصوروا مسيرة في الاحياء الفلسطينية التي تم تهجيرها عام 1948 مثل الطالبية، القطمون، مأمن الله، المصرارة وغيرها! هل تستطيعون تخيل قوة الرسالة التي سوف تصل إلى أذان ترامب ونتنياهو؟
القرار التاريخي ينبغي أن يرد عليه بقرار تاريخي مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، أليس كذلك؟ 
هل يستطيع متخذي القرارات في مجتمعنا أن يتفوقوا على أنفسهم لمرة واحدة ويقرروا بصوت واحد: ذكرى النكبة ومسيرة العودة هذه السنة في القدس. ما زال هناك متسع من الوقت لتغيير القرار بقرار افضل. الضغط الشعبي هو الضمان الوحيد لمثل هذا التغيير.

Friday, February 23, 2018

سقوط أوهام الزمن الجميل



سقوط أوهام الزمن الجميل
علي زبيدات - سخنين

ولدت بعد النكبة ولكني نموت وترعرعت قبيل النكسة وقضيت سنوات طفولتي والمراهقة بين أحضانها. أي أنني أنتمي إلى جيل ما بين النكبة والنكسة. تقبلت هذين المصطلحين: النكبة والنكسة برحابة صدر وبدون اعتراض يذكر حتى بعد أن اكتشفت لاحقا نواقصهما وتشويهما لحقيقة ما حصل. كنت اسمع عن بلاد أو مناطق منكوبة، تعرضت لكوارث طبيعية، مثلا سنة محل وقحط اسفرت عن انتشار المجاعة لفترة ما، أو منطقة تعرضت للفيضانات أو الزلازل والبراكين والعواصف فتعرض بسببها السكان إلى نكبة. بالاضافة إلى ذلك، كنت أسمع عن عائلات منكوبة، مثلا عائلة توفي معيلها بحادث مفجع أو فقدت بعض افرادها بمرض خبيث أو تورطت بجريمة قتل فزج بعض شبابها في السجون وتم ترحيل الآخرين. بإختصار، النكبة هي أمور لا سيطرة للبشر عليها وما اتفقنا على تسميته قضاء وقدر. والنكسة هي الاخرى من هذا الصنف ولكن أقل شدة. فالنكسة نوع من التعثر أو التراجع المؤقت لاسباب لم تؤخذ بالحسبان مسبقا ولكنها تبقى نسبية ومؤقته. ما ازعجني في هذين المصطلحين وما زال يزعجني أمران أساسيان: الأول: طمس حقيقة ما حدث على أنه هزيمة عسكرية وسياسية وحضارية لها اسبابها التي يمكن معرفتها بدقة ولها نتائجها التي يمكن استخلاص الدروس والعبر منها لتلافيها في المستقبل بل وتحويلها إلى ضدها. والثاني التنصل والهروب من المسؤولية على كافة الاصعدة والمستويات. كيف يعقل حدوث هزيمتين من أنكر الهزائم في التاريخ الحديث ولم يحاسب أحد من الزعامات التي صنعتها؟ ولكني، كما قلت، تقبلت هذين المصطلحين على مضض، فمن أنا حتى أتحدى كل هؤلاء السياسيين والمؤرخين والأدباء والشعراء الذين حولوا النكبة والنكسة إلى مصطلحات مقدسة اصبحت مفردات في لغات أخرى تكتب كما هي بحروف هذه اللغات.

على كل حال، ظننا أنه بعد هاتين الهزيمتين التاريخيتين -نكبة 1948 ونكسة 1967- لم يعد هناك مجال للتقهقر أكثر، فقد وصلنا إلى القاع ومن هنا لا مخرج غير الصعود ولم يعد أمامنا طريق سوى السير إلى الامام. استولت الفصائل الفلسطينية المسلحة على منظمة التحرير الفلسطينية التي اقامتها جامعة الدول العربية وأعلنت أنها ستحولها الى منظمة ثورية ليس لتحرير فلسطين فحسب بل ستكون طليعة الثورة العربية أيضا. وتم تقسيم الدول العربية إلى معسكرين كبيرين: دول تقدمية وتضم الجمهوريات التي أعلنت عن معاداتها للاستعمار والصهيونية ودعم الثورة الفلسطينية، تتزعمها مصر وتضم كل من الجزائر وسوريا والعراق والدول الرجعية الملكية بزعامة السعودية وتضم الأردن والمغرب ومن ثم دول الخليج.

هذه الفترة والتي لم تدم طويلا والتي لم تتجاوز، في أحسن تقدير، العشر سنوات (من عام 1968 عندما استولت الفصائل المسلحة على منظمة التحرير الفلسطينية وحتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل عام 1978) ما اسميه الزمن الجميل. هنا ربينا أوهاما اخترقت حدود السماء. طبعا، في ذلك الوقت لم نطلق عليها أوهاما بل آمالا وأحلاما بل أكثر من ذلك، كانت برامج ومشاريع وعمليات فدائية ونضال وطني. وكنا نستعمل مفردات انقرضت في هذه الايام مثل: ايديولوجية، استراتيجية، اشتراكية، قومية تقدمية… أتذكر الآن، وأنا لا أعرف هل اضحك ام ابكي، عندما كنا نناقش: هل الوحدة طريق العودة أم العودة طريق الوحدة؟ وعندما كانت التنظيمات اليسارية تناقش: هل في مرحلة التحرر الوطني، تستطيع البرجوازية الوطنية قيادة النضال أم الطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة على ذلك؟ 

انتهت الكذبة الحلوة التي سميتها الزمن الجميل. فبينما كانت الشعوب العربية تنتظر الحرب التحريرية القادمة بفارغ الصبر، كانت زعيمة المعسكر "التقدمي" مصر تخطط لحرب تحريكية تنقلها إلى طاولة المفاوضات أولا في جنيف ومن ثم إلى كامب ديفيد توصلت في نهايتها الى اتفاقية تفوق النكبة والنكسة مجتمعتين في عواقبها. غضبت باقي الدول "التقدمية" لفترة وجيزة على الزعيمة الخائنة وشكلت "جبهة الصمود والتصدي" وسرعان ما تبين أن المقصود بالصمود هو التمسك بكراسيهم وأن التصدي يعني التصدي لشعوبهم وإبقائها تحت النعال العسكرية. اليوم فقط مشعوذ أو مهرج يستطيع أن يتكلم عن أنظمة عربية تقدمية وأخرى رجعية.

أما عن منظمة التحرير الفلسطينية التي سميناها مجازا بالثورة الفلسطينية فكما يقول المثل: لملمت أغراضها ولحقت ربعها. فالمنظمة نفسها قد تم تحنيطها بعد أن أفرغوا ميثاقها الوطني من أحشائها واستبدلوها بسلطة أوسلو. يخطئ من يظن أن التقهقر الفلسطيني واللهث وراء المساومات بدأ مع توقيع اتفاقيات أوسلو بل بدأ على الأقل 20 سنة قبل ذلك. 

نعم، سقطت أوهام الزمن الجميل المزيف من غير رجعة وآن لها أن تسقط. مهمتنا اليوم خلق زمن جميل حقيقي مفعم بالأحلام الجميلة التي تترجم إلى أعمال ثورية تقدمية جميلة. الشعب الفلسطيني وشعوب العالم المضطهدة قادرة على اجتراح مثل هذا الزمن.


Thursday, February 08, 2018

وماذا بعد أن أصبحت العمالة للعدو وجهة نظر؟

وماذا بعد أن أصبحت العمالة للعدو وجهة نظر؟
علي زبيدات - سخنين

إذا كانت الدعارة هي أقدم مهنة في التاريخ فإن العمالة هي أقذر مهنة في التاريخ.
وكما قال نابليون: "مثل الذي خان وطنه وباع بلاده كمثل الذي يسرق من مال ابيه ليطعم اللصوص فلا ابوه يسامحه ولا اللص يكافئه"
لا يوجد هناك جهاز مخابرات في العالم مهما بلغت قوته ودقة تنظيمه واستعماله لأحدث التكنولوجيا وحصوله على الموارد اللامحدودة يستطيع أن يستغني عن تجنيد العملاء والجواسيس. جهاز المخابرات الاسرائيلي "الشباك" ليس استثناء بل نموذجا مثاليا لهذه الحالة. إغتيال المناضل أحمد جرار مؤخرا كان من أبرز وأوضح الأمثلة على ذلك. فقد زجت الاجهزة الامنية الاسرائيلية بكافة مركباتها من جيش ورجال مخابرات ووحدات خاصة ومحللين بأعداد هائلة في مطاردته لمدة شهر من غير جدوى حتى وصلت ما سمته وسائل الاعلام الاسرائيلية "معلومات استخباراتية" تشير إلى مكان تواجده. وعادة المعلومات الاستخباراتية تعني معلومات صادرة عن العملاء والجواسيس.
لقد استعملت المخابرات الاسرائيلية كافة ما في حوزتها من وسائل تكنولوجية التي واستعملت كل "ذكائها" ولكن هذا لم يوصلها إلى مبتغاها. فالمعلومات لا تنزل من السماء ولا تخرج من باطن الارض ولكنها تصدر عن العملاء والجواسيس. تستعمل المخابرات الإسرائيلية كافة الوسائل والاساليب مهما بلغت قذارتها ولا إنسانيتها من أجل تجنيد العملاء والجواسيس الفلسطينيين فهي لا تكتفي بدفع المبالغ المالية الطائلة بل تلجأ إلى التهديد والابتزاز على كافة أشكاله مثل منح تصاريح للعمل أو التعليم أو العلاج و ابتزازات على خلفيات أخلاقية.
لا بد هنا أن نعترف بأن المخابرات الاسرائيلية قد حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال وجندت أعداد هائلة من العملاء والجواسيس الذين ساعدوا، وفي كثير من الاحيان شاركوا، في اقتراف جرائم عديدة في حق المناضلين الفلسطينيين من إغتيال واعتقال وكشف عمليات ضد الاحتلال واحباطها والامثلة العديدة معروفة للجميع. ما زلنا نذكر مئات العملاء إن لم يكن الآلاف الذين هربوا من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الانتفاضة الاولى وقيام السلطة الفلسطينية وحاولوا السكن في القرى والمدن العربية في الداخل وفي أماكن أخرى. منهم ما زال موجودا بيننا ومنهم من عاد إلى مواقعه في ظل التنسيق الامني بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وما زال يقوم بالمهام المطلوبة منهم كما يتلقونها من المخابرات الاسرائيلية.
تشكل ظاهرة العملاء أكبر خطر ينهش في جسم الشعب الفلسطيني وتمزق وحدته وتلحق ابلغ الضرر بقضيته الوطنية. وكما قال نابليون بونابرت مرة أخرى:" عميل واحد في مكانه الصحيح يساوي عشرة آلاف مقاتل في ساحة المعركة".
ما كانت المخابرات الإسرائيلية لتحقق مثل هذا النجاح الكبير في هذا المجال لولا الظواهر السلبية التالية:
1- قلة الوعي الوطني والاخلاقي عند فئات واسعة من الشعب الفلسطيني
2- هشاشة البناء التنظيمي، ليس على صعيد الخلايا الصغيرة فحسب بل وعلى صعيد الفصائل الفلسطينية أيضا. إذ ليس هناك تنظيم غير مخترق أمنيا
3- شعور الحقد والانتقام من المجتمع عند اصحاب النفوس المريضة والفاسدة والذي يقودهم للارتماء في أحضان المخابرات,
4- سياسة التنسيق الامني "المقدس" التي تسلكها السلطة الفلسطينية في تعاملها مع الاحتلال
5- تهافت العرب من كل حدب وصوب للتطبيع مع إسرائيل.
6- وهو الاهم حسب رأيي، تقهقر البرنامج الوطني التحرري على كافة المستويات.
يكمن الضمان الوحيد لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة والمخزية في العمل الدؤوب لرفع مستوى الوعي وتعزيز الحس الوطني والانتماء وصيانة الهوية الوطنية.
للاسف الشديد، ما زالت هذه الظاهرة لا تحظى بالاهتمام الكافي. ولم يجر حتى الان تناولها ومعالجتها بشكل جدي وجذري. وما دام الوضع مستمرا على هذه الحالة فإن أجهزة الامن الإسرائيلية سوف تسرح وتمرح بحرية، تغتال وتعتقل وتنكل بمن تشاء متى وأينما تشاء.  النضال ضد الاحتلال لا يمكن أن يقفز عن العملاء الذين وضعوا أنفسهم في سلة واحدة مع الاحتلال وربطوا مصيرهم بمصيره.

الشعب الفلسطيني الذي قدم آلاف الشهداء والاسرى والمعتقلين والمطاردين والمشردين يجب ويستطيع أن ينظف صفوفه من هؤلاء الساقطين والحثالات وذوي النفوس الضعيفة والمريضة ومتابعة مسيرته حتى العودة والتحرير.