Wednesday, March 28, 2018

ألأرض - ذكريات وخواطر

ألارض - ذكريات وخواطر
علي زبيدات - سخنين

ها هي الذكرى ال42 ليوم الأرض تداهمنا من غير استئذان. من كان شابا في ذلك اليوم مثلي أصبح  اليوم كهلا أو عجوزا  هذا إذا لم يكن قد قضى نحبه. صبايا وشباب الجيل الحالي ولدوا بعد يوم الارض الاول ومعلوماتهم عنه لم تأت من مصدر مباشر بل جاءت من الأقارب أو من الآخرين أو مما قرأوه حول هذا الموضوع.  وبذلك يكونون قد عاشوا ذكرى يوم الأرض وليس يوم الأرض نفسه. وكما هو معروف يوجد هناك فرق بين الشيء وبين ذكراه، بين يوم الارض وذكرى يوم الأرض. وغالبا ما يكون الفرق شاسعا.  عندما نقول: الاسبوع القادم يوم الارض أو غدا يوم الارض نقول ذلك من باب المجاز وليس الحقيقة.
في يوم الارض الاول، كنت أقضي محكومية من ست سنوات في سجن الرملة. لذلك كانت مساهمتي وباقي الاسرى متواضعة جدا تكاد لا تذكر، واقتصرت على عدم تناول الطعام وعدم الخروج للنزهة اليومية ومدتها ساعة واحدة في ساحة السجن، وفي المساء كانت هناك نقاشات حول الأرض داخل الزنازين. كانت معلوماتنا عما حدث في يوم الارض ضئيلة جدا، مستمدة حصريا من بعض وسائل الإعلام الاسرائيلية الوحيدة المتاحة في ذلك الوقت (جريدة عبرية ونشرة أخبار في التلفزيون الاسرائيلي). بعد أسبوعين فقط خلال زيارة الاهل، علمت أن بنت خالي خديجة شواهنة وهي من جيلي كانت من بين الذين استشهدوا.
يوم الأرض الأول الذي شهدته شخصيا كان في عام 1982 أي بعد مرور ست سنوات على يوم الارض الاول. وقد لمست أن روح يوم الارض النضالية ما زالت حاضرة ومهيمنة على الأجواء خصوصا بين الشباب. حيث كانت الشرطة، قبيل يوم الارض بايام، تلاحق بعض الناشطين وتعتقلهم اعتقال استباقي. وكان تواجد الشرطة على مشارف البلد الذي يستضيف النشاط المركزي مكثفا وكثيرا ما كانت تمنع دخول أو تعتقل متضامنين جاؤوا من قرى أخرى. أما على المستوى الرسمي فقد كان التقهقر واضحا. كانت لجنة الدفاع عن الأراضي تلفظ أنفاسها الاخيرة بعد أن أنهكتها تناقضاتها وصراعاتها الداخلية وبعد أن قررت الاحزاب والحركات السياسية ورؤساء المجالس المحلية برعاية تشجيع من المؤسسات الحكومية تصفيتها نهائيا. في السنة نفسها انبثقت لجنة المتابعة العليا التي أخذت على عاتقها، من ضمن ما أخذته، جميع مهام لجنة الدفاع عن الأراضي. وأظن أنه بعد اربعة عقود على وجود هذه اللجنة الجديدة - القديمة يمكن الجزم بأنها فشلت في أن تشكل بديلا أفضل. ولكن هذا موضوع آخر. بالاضافة إلى ذلك وجدت صراعا شرسا بين الاحزاب والمجموعات المختلفة على إرث يوم الارض: كان الكل يدعي أنه هو الذي فجر وقاد يوم الارض وينفي دور الآخرين. تمشيا مع المثل الشعبي الذي يقول للنجاح ألف أب بينما الفشل يتيم.
 في بداية سنوات الثمانين عادت الروح النضالية ليوم الأرض لتنتعش من جديد، ولكنها لم تصل أبدا إلى ما وصلت إليه في اليوم الأول. وكان السبب الرئيسي لهذا "الانتعاش" هو أن دولة إسرائيل اضافت إلى رصيدها جريمة نكراء جديدة هي مجزرة صبرا وشاتيلا. ولكن سرعان ما عاد الروتين "النضالي" ليسيطر على الساحة من جديد. واقصد بالروتين النضالي: إحياء الذكرى بمسيرة هادئة (تحت رعاية التنسيق الأمني بين الشرطة والزعامة الرسمية) ومهرجان خطابي. الاستثناء الوحيد كان يوم الارض عام 2000 الذي تم تنظيمه للأول مرة (وآخر مرة) على أراضي سخنين الواقعة تحت نفوذ مجلس اقليمي مسغاف والتي أعلنت السلطات عن نيتها اقامة معسكر عليها. كانت النتائج صادمة للطرفين: الحكومي والرسمي العربي. فلم يتوقع أحد وقوع اشتباكات وصدامات راح ضحيتها آخر شهداء يوم الأرض وهي الشهيدة شيخة ابو صالح بالاضافة إلى عشرات الجرحى والمعتقلين. لقد شكلت أحداث يوم الأرض 2000 الخلفية الملتهبة لمواجهات انتفاضة القدس والاقصى بعد نصف سنة، في بداية أكتوبر/تشرين أول من العام نفسه. حيث سقط 13 شهيدا من الداخل الفلسطيني بالاضافة لمئات الجرحى والمعتقلين. منذ ذلك الحين عملت السلطات الامنية الاسرائيلية والزعامة العربية الرسمية ممثلة بلجنة المتابعة العليا ولجنة السلطات المحلية كل ما تستطيعه لضمان عدم تكرار مثل هذه المواجهات غير مأمونة العواقب (من كلا الطرفين) وللحق أقول: لقد حققا في ذلك نجاحا كبيرا. وهكذا بدأ الشباب والصبايا يصوتون بأرجلهم في ذكرى يوم الارض. فبينما كان عدد المشاركين في مسيرة يوم الأرض يصل إلى عشرين الف وأكثر اصبح العدد بالمئات أو ىآلاف ضئيلة.
في الواقع، لم يعد لدي أي نقد جديد. فكل ما لدي قد قلته وكتبته على مرّ السنوات. لم يبق لدينا سوى ذكرى ليوم أطلقنا عليه يوم الأرض الخالد (ولا أقلل من أهمية الذكرى)  بالاضافة إلى مسيرة متواضعة تنتهي بمهرجان خطابي ناري. لا اريد ان استبق الاحداث: ربما الامل الوحيد في استعادة الروح النضالية ليوم الارض سوف يأتي من خلال ربطه بيوم النكبة. أي ربط الأرض بالعودة. وقد تكون تجربة مسيرة العودة في غزة نقطة تحول وفاتحة في الاتجاه الصحيح. ومن الضروري العمل على فتح جبهات مشابهة في الضفة الغربية أيضا. لم يعد يوم الارض أسيرا لحدوده الجغرافية المحلية بل أصبح يوما وطنيا فلسطينيا شاملا. لنجعل من 30 آذار وحتى 15 أيار يوما نضاليا واحدا.
    

Thursday, March 22, 2018

لنتحدث قليلا عن عنصريتنا

لنتحدث قليلا عن عنصريتنا
علي زبيدات - سخنين

هناك يوم اسمه: "اليوم العالمي للقضاء على العنصرية" أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة قبل أكثر من نصف قرن وبالتحديد في عام 1966 . يصادف هذا اليوم اليوم الأول من فصل الربيع وعيد الأم في البلدان العربية أي في 21 من شهر آذار. كما هو واضح للجميع، بعد مرور نصف قرن، لم نقض على العنصرية بل هي التي تقضي علينا يوميا بعد أن استفحلت ووصلت شراستها إلى درجة لم يعد بالإمكان مواجهتها. لن أتطرق هنا، لا من قريب ولا من بعيد، للعنصرية على الصعيد العالمي. لن أتكلم عن نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا الذي استمد هذا اليوم اسمه وشرعيته من المجازر التي اقترفها ذاك النظام في حينه. ولن أتكلم عن العنصرية في أمريكا "زعيمة العالم الحر" وما فعلته بالشعوب الاصلانية والمهاجرين من أصل أفريقي، لاتيني، اسيوي وغيرهم. حتى انني لن اتطرق الى العنصرية التي تمارسها الصهيونية منذ 70 سنة ضد شعبنا الفلسطيني. لا حاجة لأحد بما أكتبه في هذا المجال فالعالم يفيض بالكتب والمقالات والوثائق في هذا الموضوع وجميعها في متناول اليد.
أود أن اقتصر الكلام في هذه السطور القليلة على عنصريتنا نحن. ما المقصود بكلمة نحن؟ المقصود نحن العرب، أو إذا شئتم الشعوب العربية أو الامة العربية أو البلدان العربية، اختاروا التسمية التي تلائمكم. طبعا سيكون هناك من يقطب حاجبيه متسائلا: وهل نحن عنصريون؟ تساؤل ينضح بالانكار وقد يتابع: ولكن كيف يعقل أن نكون عنصريين ونحن ضحايا العنصرية التي يشنها العالم علينا؟ مما لا شك فيه أنه يوجد هناك الكثير من الحقيقة في كوننا ضحايا للعنصرية، ولكن من يقول أن ضحية العنصرية لا يكون هو الآخر عنصريا؟ وقد يتفوق أحيانا على من يمارس العنصرية ضده؟ وأكثر من ذلك: من يضمن ألا يكون مدعو مناهضة العنصرية عنصريين متسترين أو مكشوفين؟ لقد آن الأوان أن ننزع القناع الفضيلة ونكشف وجهنا العنصري أمام شمس الحقيقة ونكف عن الاختباء وراء عدم الاعتراف والبحث عن التبريرات والتهرب من المسؤولية.
أريد هنا أن أتطرق إلى ثلاثة أشكال أساسية من أشكال عنصريتنا والتي أصبح السكوت عنها جريمة في حق شعوبنا أولا ومن ثم في حق الانسانية جمعاء:
العنصرية على أساس عرقي وقومي: جميع الأقليات العرقية والقومية في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وبدون استثناء تتعرض للتمييز العنصري.  الأمازيغ في المغرب "العربي" ووضع كلمة العربي هنا بين هلالين  مقصودة نظرا لكون الامازيغ هم سكان البلاد الاصليين، يتعرضون لشتى أنواع التمييز حتى أنهم يمنعون في بعض الاماكن من الكلام أو التعليم بلغتهم الاصلية. وهكذا حال الاكراد في المشرق العربي وباقي الاثنيات الصغيرة مثل اليزيديين والشركس والارمن والتركمان وغيرهم. القومية العربية فكرا وممارسة فشلت مرارا وتكرارا في إيجاد حل ديمقراطي لمسألة الأقليات يقوم على أساس المساواة والمواطنة الكاملة. وهذا الفشل هو أحد الأسباب الرئيسية للتخلف العالم العربي بجميع مركباته.
العنصرية على أساس ديني وطائفي، وهي لا تقل من حيث خطورتها عن الشكل الأول بل في كثير من الاحيان وفي بعض الاماكن تفوقه خطورة. لا يوجد هناك ديانة لا تتبنى موقفا عنصريا من ديانة أخرى. ولا يوجد هناك طائفة لا تتبنى موقفا عنصريا من طائفة أخرى. ومما يزيد الطين بلة هو انكار كافة الديانات وكافة الطوائف لهذه العنصرية. إذ لا يمكن ستر الواقع بورقة توت بالية من الشعارات المزيفة حول التسامح والاخوة والتعايش والحوار بين الاديان. هيا أعطوني طائفة واحدة متسامحة مع طائفة أخرى. أعطوني ديانة واحدة أو مذهب واحد يتقبل غيره؟ حتى داخل الديانة الواحدة لم يعد هناك أي تسامح، وإلا ماذا نسمي حرب داحس والغبراء الجديدة بين السنة والشيعة؟ ولا أريد أن أتكلم أكثر عن العلاقات المتبادلة بين باقي الطوائف من اسلامية ودرزية وقبطية ومارونية وارثوذكسية وعلوية وغيرها.
العنصرية ضد المرأة: قد يحتج البعض ويقول أن الاسلام قد منح المرأة كافة حقوقها وأن المرأة المسلمة تتمتع بحقوق غير موجودة حتى في أكثر البلدان تقدما. من غير الخوض في نقاش ديني لا أول له ولا آخر، قد يكون الإسلام منح المرأة بعض الحقوق عند ظهوره ولكن عاد المسلمون وصادروا هذه الحقوق باسم الإسلام نفسه. تعاني المرأة العربية المسلمة وغير المسلمة اليوم من التمييز العنصري في كافة مجالات الحياة: في البيت والمجتمع والدولة. بعد مرور أكثر من قرن على اختراع السيارة ما زالت المرأة العربية في بعض الأماكن تمنع من قيادتها وعندما قررت أخيرا السماح لها بذلك أعتبرنا ذلك انجازا تاريخيا. علاوة على أن المرأة العربية أكثر نساء الارض تعرضا للتحرش الجنسي في البيت والشارع وأماكن العمل.
بالاضافة لهذه الاشكال الاساسية الثلاثة حيث تظهر عنصريتنا بابشع صورها يوجد هناك اشكال اخرى عديدة للعنصرية لا يتسع المجال لذكر كلها، ولكني ساكتفي بالاشارة إلى بعضها فيما يتعلق بواقعنا الفلسطيني الخاص. هناك عنصرية مقيتة في تعاملنا مع بعض كأبناء شعب واحد يحمل قضية واحدة. طالما رايت بأم عيني وسمعت باذني عندما نقول ضفاوي أو غزاوي نقولها بكثير من العنجهية والاستعلاء وهذا توجه عنصري مرفوض بتاتا وله نتائج سلبية وخيمة على هويتنا ووحدة نضالنا. وأكثر من ذلك، طالما سمعت عن ظواهر ذات طابع عنصري ضد المهجرين في القرى التي استوعبتهم بعد تهجيرهم من قراهم عام النكبة. من العار أن تبقى هذه الظاهرة بعد 70 عاما حتى وإن لم تأخذ أشكالا عنيفة في أغلب الأحيان. هذا بالاضافة للعنصرية الطائفية التي تتحكم بالعلاقات بين طوائف شعبنا المختلفة والتي نكنسها عادة تحت البساط ولكنها تنفجر  بين الحين والآخر في وجوهنا ونجبن عن مواجهتها بشكل عقلاني مسؤول.
طبعا منسوب العنصرية يختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر ومن بلد لآخر، فمنها ما يصل إلى حد الابادة الجماعية ومنها ما يبقى كلاميا. ولكن المطلوب ليس خفض منسوب العنصرية بل القضاء عليها نهائيا. حسب رأيي يوجد داخل كل فرد فينا عنصري صغير، يمكن أن ينمو ويستفحل حتى يسيطر علينا تماما ويمكن أن نحاربه حتى نقضي عليه نهائيا. ومن هنا يجب أن نبدأ: مكافحة العنصرية على المستوى الفردي لأن المجتمع في نهاية المطاف مكون من أفراد. فقط أفراد أحرار قادرون على بناء وطنا حرا.  

Thursday, March 15, 2018

النظام يريد إسقاط الشعب

النظام يريد إسقاط الشعب
علي زبيدات - سخنين

سوف أكف منذ اليوم عن إدانة الانظمة العربية بما فيها السلطة الفلسطينية، انتقادها والتهجم عليها. وسوف اصب جام غضبي من الآن وصاعدا على الشعوب العربية وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني. كما أعترف أمام العالم أجمع انني قد ظلمت هذه الانظمة، جمهورية كانت أم ملكية وتلك التي بين بين والتي لا أدري كيف أصنفها كالسلطة الفلسطينية، التقدمية منها والرجعية، الوطنية والعميلة، الديمقراطية والاستبدادية، الدينية والعلمانية. وها أنا أعلن توبتي وأطلب السماح والغفران. هذه الانظمة المباركة من غير استثناء أليست هي أولي الأمر منا؟ وما علينا إلا اطاعتها طاعة عمياء حتى وإن كانت على خطأ. فهذه الانظمة مكونة من الطبقات والنخب المتعلمة، المثقفة، الراقية والمتحضرة على عكس الشعوب التي تتكون من الرعاع والطبقات المختلفة، القذرة والمثيرة للشغب والمشاكل. أليست الانظمة هي التي توفر لنا لقمة العيش؟ وتحافظ على سلامتنا واستقرارنا، تقودنا في الطريق السليم، تحافظ على صحتنا وحياتنا وتدافع عن أمننا من الأعداء المتربصين لنا؟. كم نحن جاحدون للجميل ناكرون للمعروف! نبصق في الصحن الذي يطعمنا وفي البئر الذي يروي ضمأنا.
من الآن وصاعدا سأكون أكبر نصير للأنظمة العربية وسوف أدعو الله أن يكون في عونها وينصرها على شعوبها الجاحدة. كما أناشد هذه الانظمة أن تضرب شعوبها بيد من حديد، لأنها ليست أكثر من دفيئة لتفريخ الإرهابيين والمندسين الذين لا يتورعون عن إحراق الأخضر واليابس وإغراق البلاد في دوامة الفوضى والفقر. ومن لا تنفع معه القوة سوف ينفع معه المزيد من القوة. لقد أثبت التاريخ أن الشعوب العربية لا تستطيع العيش بهدوء وسلام إلا إذا بقيت تحت بسطار الحكام المستبدين الطغاة. أنظروا ماذا حدث في العراق بعد زوال حكم صدام حسين؟ تفرقوا أيدي سبأ وعادوا قبائل وعشائر، سنة وشيعة، عربا واكراد وتركمان وأزيديين و آشوريين. وماذا حدث في ليبيا بعد مقتل القذافي؟ أصبحوا كعصابات الغرب المتوحش الجميع يطلق النار على الجميع. وها هم يحاولون منذ سنوات اسقاط نظام بشار الأسد القومي الممانع لكي يكون مصير سوريا كمصير العراق وليبيا. ويطالبون بإسقاط نظام السيسي حتى تعود مصر لكي تصبح لقمة سائغة في أفواه الإخوان المسلمين. وأكثر من ذلك يطالبون بتقويض الانظمة الملكية من المغرب مرورا بالأردن وحتى السعودية ودول الخليج، وهي أنظمة تعتبر نموذجا للاستقرار والامن والرفاهية. ألا يكفي أن هذه الانظمة تواجه مؤامرات كونية وتتصدى للأعداء من كل حدب وصوب فبدل أن تلتف الشعوب العربية حول حكامها تقوم بطعنها من الخلف؟
حسنا فعلت الانظمة العربية عندما تعلمت الدرس وجعلت من الكيان الصهيوني قدوتها ومرشدها حتى تفوقت عليه. فهي مثله واحة من الديمقراطية والرخاء ما دام المواطنون صامتين مطيعين. هل سمعتم أن إسرائيل قد قتلت أو سجنت أو هجرت فلسطينيا "جيدا" مطيعا، لا يتدخل في السياسة ولا يمس بأمن الدولة؟ ولكن هذا الكيان هو الاخر يضرب كل فلسطيني بيد من حديد إذا ما حاول أن يتحداه ويتمرد على قوانينه بحجة المطالبة بحقوقه الطبيعية. الحق الطبيعي الوحيد الذي تستطيع أن تحصل عليه في هذه الواحة، أو على الاصح الحق الذي يمنح لك هو أن تبقى على قيد الحياة لكي تخدم الطبقة الحاكمة الراقية. أليس هذا ما يقوله لنا ويؤمن به رئيس السلطة الفلسطينية عندما يصرح بمناسبة ومن غير مناسبة: الانتفاضة جلبت لنا الويلات، ولن يكون هناك انتفاضة جديدة من أي شكل كانت ما دام موجودا في السلطة. ومن يسمع يصدق انها سلطة. نعم شعوبنا العربية متخلفة وإلا لما افرزت مثل هؤلاء الحكام. نعم، شعوبنا العربية متخلفة وإلا لما صبرت على هؤلاء الحكام ساعة واحدة ولا اقول العمر كله.
ولكن لحظة، فأنا لست من أنصار الحديث، ولا أدري مدى قوته وصحته، الذي يقول: "كما تكونوا يولى عليكم".
يبدو أن بعض الامور قد غابت عني: الشعوب العربية ليست هي من ولت هذه الانظمة الفاسدة المستبدة عليها. النظام الرأسمالي العالمي مجسدا بالامبريالية الغربية هو الذي ولى هذه الانظمة على الشعوب. إذن، ليست شعوبنا "المتخلفة" هي التي انتجت هذه الانظمة الفاسدة المستبدة. بل العكس هو الصحيح: هذه الانظمة هي التي تعمل بدون كلل أو ملل على إبقاء شعوبنا متخلفة. لقد اقتنت هذه الانظمة الاسلحة الفتاكة وبنت جيوشا جرارة ليس دفاعا عن شعوبها بل دفاعا عن كراسيها، واستحوذت على ثروات وخيرات البلد لتترك الشعوب فريسة للفقر والجوع والمرض. سياسة الترهيب التي سلكتها منذ اللحظة الاولى لاستلامها الحكم انتجت الارهاب. 
النظام يريد إسقاط الشعب وإلا سقط هو. وقد آن الأوان أن يعرف كل مواطن أين مكانه الصحيح.


Thursday, March 08, 2018

ثوري! أحبك أن تثوري



ثوري! أحبك أن تثوري

علي زبيدات - سخنين

أعرف أن الكتابة عن المرأة بشكل عام وعن المرأة الفلسطينية (والعربية) بشكل خاص، بمناسبة يوم المرأة العالمي، أمر محفوف بالمخاطر واشبه ما يكون كمن يتجول في حقل ألغام، خصوصا عندما تكون الكتابة نقدية وليست مسحا للجوخ وكيلا للمدائح كما هي العادة عندنا. طبعا، الشعور بالخطر لا يصدر عن المرأة نفسها. فالمرأة على الراس والعين عربية كانت أم غير عربية، في آذار أو في غير آذار. ولكنه يصدر عن الحركات والتنظيمات "النسوية" التي تزعم الدفاع عن حقوق المرأة والنهوض بمكانتها حتى أصبحت تنافس الحركات والتنظيمات السياسية من حيث العدد ومن حيث عدم الفائدة 

لا أخفي عنكم/ن أنني ترددت كثيرا قبل كتابة هذه السطور فالمثل يقول: ابعد عن الشر وغني له ولا يقول: ارقص بين الالغام وتوقع في كل خطوة أن ينفجر بين قدميك لغم وتمنى أن تخرج سالما. ولكني بعد أن قرأت خبر إحياء يوم المرأة العالمي في الكنيست حسمت  أمري وقررت المضي في الكتابة حتى لو أغاظت هذه الكتابة بعض "المناضلات" من أجل حرية وتقدم المرأة

جاء في الفقرة الاولى من الخبر كما نقله موقع الجبهة، وانا اقتبس:" بمبادرة النائبة عايدة توما- سليمان رئيسة اللجنة البرلمانيّة للنهوض بمكانة المرأة والمساواة الجندريّة (الجبهة- القائمة المشتركة) نظّمت الكنيست، أمس الثلاثاء، يومًا خاصًا على شرف يوم المرأة العالمي، تخلّله جلسة خاصّة في لجنة مكانة المرأة حول القرار 1325 لدور النساء في حل الصراعات، توزيع ورود وبطاقات معايدة لعاملات شركات المقاولة في الكنيست، جلسة خاصة في الهيئة العامّة للكنيست ومهرجان مركزي بحضور المئات حول  ضرورة تعزيز التمثيل النسائي في انتخابات السلطات المحليّة القادمة

طبعا بحكم موقعها، كرئيسة اللجنة البرلمانية فالنائبة توما - سليمان لا تمثل المرأة العربية الفلسطينية فحسب بل تمثل النساء في إسرائيل عامة. أي أن الكنيست من خلال هذه اللجنة تعمل على النهوض بمكانة المرأة ومن أجل المساواة الجندرية. أما أنا فارى على العكس من ذلك تماما، هل يحق لي؟ ارى أن الكنيست تعمل على الانحطاط بمكانة المرأة وتعمل على تخليد التمييز الجندري من خلال دورها في انحطاط مكانة المجتمع ككل. بموقفي هذا اصطدم بباقي التنظيمات النسوية التي تصفق لهذه اللجنة البرلمانية وتشارك في نشاطاتها ومهرجانها. لقد قلت في السابق وها أنا أقولها مرة أخرى أن وجود نساء عربيات كنائبات في الكنيست الصهيوني لا يمكن أن تكون مقياسا على تقدم وتحرر المرأة العربية. بل على العكس من ذلك، إن دل على شيء فإنه يدل على عدم وعيها السياسي والوطني. إذ كيف تتحرر المرأة الفلسطينية عن طريق من يضع في معصميها قيود التمييز والاستغلال؟

عندما تتكلم هذه اللجنة على لسان رئيستها عن دور المرأة في "حل الصراعات والوصول إلى أتفاقيات سلام" بهذه الثقة وذلك الحماس ألا تشاهد زميلاتها من الاحزاب اليمينية وغير اليمينية كيف تؤججن الصراعات وكيف يحرضن على الحروب؟ هل يجوز الكلام أصلا عن النساء بشكل مجرد بغض النظر عن انتماءاتهن الطبقية والسياسية والايديولوجية؟ هل يكفي انتقاد الحكومة بانها لا تطبق قرار الامم المتحدة 1325 وفي الوقت نفسه التغاضي عن دور النساء الموجودات في الحكومة أو في الاحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي؟

الموقف نفسه صحيح فيما يتعلق بالشق الثاني من المهرجان حول " تعزيز تمثيل النساء في السلطات المحلية". مرة أخرى، لا أجد في مثل هذا "التعزيز" مقياسا لتحرر وتقدم المرأة الفلسطينية. سلطاتنا المحلية في ظل هذا النظام هي أوكار للفساد بكل ما تعنيه كلمة فساد من معنى. إذا كانت نسبة المتنافسات النساء في البلديات والمجالس المحلية العربية لا تتجاوز أل 4% فإنها 4% أكثر من اللازم

المرأة العربية تستطيع أن تتقدم، تنهض بمكانتها وتحرر نفسها وفي الوقت نفسه تخدم شعبها ومجتمعها بدون أن تكون نائبة في الكنيست أو عضو في مجلس بلدي. كيف؟ يجب توجيه هذا السؤال للحركات والتنظيمات والجمعيات النسوية التي تنمو وتتكاثر في مجتمعنا كالفقع بعد يوم ماطر، لعل لديها بعض الاجوبة 

حاليا، كل جمعية نسوية تحتفل بيوم المرأة العالمي، فرحة بما لديها، توزع عليهن الورود، تقيم المهرجانات الخطابية التي تعلمتها من الأحزاب السياسية وتطلق شتائمها بشكل عشوائي ذات اليمين وذات الشمال. ليس من باب الصدفة أن معظم الناشطات في هذه الجمعيات هن في الوقت نفسه إما عضوات وإما عضوات سابقات في الأحزاب السياسية. وفي النهاية يرددن من غير كلل أو تعب: الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، هو يوم نضالي. نعم، انه يوم نضالي ولكن نضال عن نضال يفرق.

:وأخيرا، لا أجد أجمل من كلمات نزار قباني التي بدأت بها للختام
ثوري أحبك أن تثوري"
ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور
ثوري على التاريخ وانتصري على الوهم الكبير
لا ترهبي أحدا، فإن الشمس مقبرة النسور
"ثوري على شرق يراك وليمة فوق السرير

كل آذار وأنتن والثورة بخير 





Friday, March 02, 2018

نكبة داخل نكبة

نكبة داخل نكبة
علي زبيدات - سخنين
اسمحوا لي أن استبق هذا المقال بمقدمة قصيرة قد تبدو للوهلة الأولى خارج السياق. أنا لست من بين صانعي القرار في مجتمعنا، ولست حتى من المقربين منهم. وأكثر من ذلك، عادة لا تربطني بهم علاقة طيبة. لذلك أنا متاكد سلفا أن الموقف الذي سوف أعبر عنه كتابة هنا لن يترجم إلى قرار، خصوصا وأن قرار آخر قد أتخذ بهذا الموضوع ونال موافقة جميع المعنيين، ولا أظن أن أحدهم سوف يسعى إلى تغييره. بالرغم من هذه المقدمة فأنا مصر على حقي في طرح موقفي حتى وإن أغاظ البعض ومن بينهم من أطمح برضاه.
نقف على أعتاب الذكرى السبعين للنكبة. ومن المفروض أن تختلف هذه الذكرى عن السنوات الاخرى، وليس فقط بسبب الرقم: 70 بل أيضا وبالاساس ما حدث من تطورات سياسية متعلقة بالقضية الفلسطينية بشكل عام وبالقدس تحديدا. كما هو معروف لم يكتف دونالد ترامب وحكومته بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها، بل إختار ذكرى النكبة لكي يتم هذا النقل. السبب الرئيسي الذي دفع ترامب أن يتخذ هذا القرار هو الرد الفاتر والتعيس عربيا وفلسطينيا على اعترافه الأول. على الصعيد العربي لم يتجاوز الرد الادانات اللفظية وحتى هذه تم التعبير عنها باستحياء، بينما في الوقت عمليا كان التنسيق يزداد عمقا والتطبيع يزداد وقاحة، ولم يكن الموقف الفلسطيني أفضل بكثير، بل حسب رأيي كان أخطر من الموقف العربي لكثرة النفاق الذي يرافقه. كنا نستيقظ صباحا على بيان صادر من أحد أركان السلطة يقول بأن الموقف الأمريكي انفضح نهائيا، ولم تعد أمريكا وسيطا منزها أو راعيا للعملية السلمية. وفي المساء يصدر بيان آخر عن أحد أقطاب هذه السلطة نفسها ليقول: لا يمكن الاستغناء عن الدور الامريكي. وفي صباح اليوم الذي يليه يتم الإعلان عن مقاطعة زيارة نائب الرئيس الامريكي، وفي مساء اليوم نفسه يتم تسريب أخبار عن لقاءات محتملة مع موظفين أمريكيين كبار. يعلن عن التوجه للأمم المتحدة وفي الوقت نفسه يعلن عن الاستعداد لمتابعة المفاوضات الماضية. والاهم من كل ذلك عدم تذكير هذه السلطة بقرارات المجلس المركزي وإلى أين وصلت الأمور. أما في الداخل الفلسطيني فقد اكتفينا بمسرحية إبعاد النواب العرب من الكنيست. ألا يشكل هذا الواقع العربي الفلسطيني نكبة داخل نكبة؟
كانت الحكومة الاسرائيلية هي الوحيدة التي استغلت تطور الأحداث المتسارعة لصالحها إلى أبعد الحدود. فقد تلقفت اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لها ونيته على نقل سفارته اليها بلهفة ووصفته بالخبر التاريخي. أما تصريحه الأخير بنقل السفارة في ذكرى "استقلال" الدولة أي في ذكرى النكبة فقد أوصلها إلى قمة النشوة وصرحت أمام العالم أن الاحتفالات هذا العام لن تكون كمثل باقي الاعوام بل سوف تكون أضخم وافخم احتفالات عرفتها الدولة منذ قيامها.
ماذا كان موقفنا نحن أصحاب شعار: " يوم استقلالكم هو يوم نكبتنا"؟ 
...من أجل إحداث طفرة نوعية في الوعي الوطني وحتى نصبح قادرين على تنفيذ حق العودة بشكل فعلي ومن أجل الحفاظ على مسيرة العودة كحدث وطني تشارك فيه مختلف الفعاليات ومنظمات المجتمع المدني قررنا أن تكون مسيرة العودة هذه السنة على أراضي قرية جبع الساحلية…. وذلك بعد أن اكتشف المنظمون أنه بعد عشرين سنة وبعد عشرين مسيرة عودة لم تكن هناك مسيرة في أية قرية مهجرة من قرى الساحل الفلسطيني. لا اقصد هنا ولا بأي حال من الأحوال غمط جهود المنظمين وتفانيهم لإنجاح المسيرة، فاحترامهم في مكانه مطروح. كل ما هنالك هو نقد للقرار السياسي المتخذ وهو حق مشروع للجميع.
بإختصار شديد، موقفي بجرأة وصراحة: الرد المناسب على الموقف الأمريكي - الإسرائيلي هو أن تكون مسيرة العودة هذه السنة، في الذكرى ال70 للنكبة في القدس وفقط في القدس.
الساحل لنا تماما مثل الجليل والمثلث والنقب، وقد أنتظر عشرين سنه ويستطيع أن ينتظر سنة أخرى. وعلى فكرة، الساحل الفلسطيني الذي أهمل حتى الان هل هو المنطقة الوحيدة التي أهملت بهذا المعنى؟  في قضاء الرملة يوجد 58 قرية مهجرة فلماذا لم نفكر حتى الآن بتنظيم مسيرة عودة في هذا القضاء؟ ويوجد 38 قرية فلسطينية مهجرة في قضاء القدس فلماذا لم نفكر حتى الآن ولو بمسيرة واحدة في ذكرى النكبة في قضاء القدس؟ وحتى عندما نتكلم عن الساحل الفلسطيني، هل نعني الساحل الذي يمتد من رأس الناقورة إلى غزة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نستثني قرى الساحل المهجرة في قضاء يافا مثلا؟ أخشى أن يكون هناك إعتبارات أخرى. الاعتبار الأول الذي اصبح واضحا للجميع هو أن اختيار المكان خاضع للعلاقات الحساسة مع السلطة: من أجل الحصول على تصريح للمسيرة تحتفظ الشرطة بحق الفيتو على المكان والمسار أيضا. وهكذا اصبحت مسيرات العودة في السنوات الاخيرة وكأنها رحلة جبارة في احضان الطبيعة. وتساورني بعض الشكوك حول وجود اعتبارات اخرى اشد خطورة، وأتمنى أن أكون مخطئا، وفي حالة الخطأ سوف اقدم اعتذاري لكل من يشعر بأني ظلمته: هل أحد هذه الاعتبارات هو أن غالبية المهجرين من قرى (قضاء القدس، الرملة، غزة، طولكرم) لم يعودوا من سكان "اسرائيل"، أي ليسوا من "فلسطينيي الداخل" وبالتالي فهم ليسوا ضمن حساباتنا؟ على غرار فصل شهداء انتفاضة القدس والاقصى الثلاثة عشر واحتكار إحياء ذكراهم بشكل منفصل عن باقي الشهداء، بحجة "الدولة التي تقتل مواطنيها"؟
القدس تنتظر موقفا جريئا. تصوروا لو أن عشرات الالاف تجمعوا وساروا بين بيوت لفتا المهدمة، أو في شوارع دير ياسين أو عين كارم أو المالحة إحياء لذكرى النكبة! ولا أريد أن أقول: تصوروا مسيرة في الاحياء الفلسطينية التي تم تهجيرها عام 1948 مثل الطالبية، القطمون، مأمن الله، المصرارة وغيرها! هل تستطيعون تخيل قوة الرسالة التي سوف تصل إلى أذان ترامب ونتنياهو؟
القرار التاريخي ينبغي أن يرد عليه بقرار تاريخي مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، أليس كذلك؟ 
هل يستطيع متخذي القرارات في مجتمعنا أن يتفوقوا على أنفسهم لمرة واحدة ويقرروا بصوت واحد: ذكرى النكبة ومسيرة العودة هذه السنة في القدس. ما زال هناك متسع من الوقت لتغيير القرار بقرار افضل. الضغط الشعبي هو الضمان الوحيد لمثل هذا التغيير.

Friday, February 23, 2018

سقوط أوهام الزمن الجميل



سقوط أوهام الزمن الجميل
علي زبيدات - سخنين

ولدت بعد النكبة ولكني نموت وترعرعت قبيل النكسة وقضيت سنوات طفولتي والمراهقة بين أحضانها. أي أنني أنتمي إلى جيل ما بين النكبة والنكسة. تقبلت هذين المصطلحين: النكبة والنكسة برحابة صدر وبدون اعتراض يذكر حتى بعد أن اكتشفت لاحقا نواقصهما وتشويهما لحقيقة ما حصل. كنت اسمع عن بلاد أو مناطق منكوبة، تعرضت لكوارث طبيعية، مثلا سنة محل وقحط اسفرت عن انتشار المجاعة لفترة ما، أو منطقة تعرضت للفيضانات أو الزلازل والبراكين والعواصف فتعرض بسببها السكان إلى نكبة. بالاضافة إلى ذلك، كنت أسمع عن عائلات منكوبة، مثلا عائلة توفي معيلها بحادث مفجع أو فقدت بعض افرادها بمرض خبيث أو تورطت بجريمة قتل فزج بعض شبابها في السجون وتم ترحيل الآخرين. بإختصار، النكبة هي أمور لا سيطرة للبشر عليها وما اتفقنا على تسميته قضاء وقدر. والنكسة هي الاخرى من هذا الصنف ولكن أقل شدة. فالنكسة نوع من التعثر أو التراجع المؤقت لاسباب لم تؤخذ بالحسبان مسبقا ولكنها تبقى نسبية ومؤقته. ما ازعجني في هذين المصطلحين وما زال يزعجني أمران أساسيان: الأول: طمس حقيقة ما حدث على أنه هزيمة عسكرية وسياسية وحضارية لها اسبابها التي يمكن معرفتها بدقة ولها نتائجها التي يمكن استخلاص الدروس والعبر منها لتلافيها في المستقبل بل وتحويلها إلى ضدها. والثاني التنصل والهروب من المسؤولية على كافة الاصعدة والمستويات. كيف يعقل حدوث هزيمتين من أنكر الهزائم في التاريخ الحديث ولم يحاسب أحد من الزعامات التي صنعتها؟ ولكني، كما قلت، تقبلت هذين المصطلحين على مضض، فمن أنا حتى أتحدى كل هؤلاء السياسيين والمؤرخين والأدباء والشعراء الذين حولوا النكبة والنكسة إلى مصطلحات مقدسة اصبحت مفردات في لغات أخرى تكتب كما هي بحروف هذه اللغات.

على كل حال، ظننا أنه بعد هاتين الهزيمتين التاريخيتين -نكبة 1948 ونكسة 1967- لم يعد هناك مجال للتقهقر أكثر، فقد وصلنا إلى القاع ومن هنا لا مخرج غير الصعود ولم يعد أمامنا طريق سوى السير إلى الامام. استولت الفصائل الفلسطينية المسلحة على منظمة التحرير الفلسطينية التي اقامتها جامعة الدول العربية وأعلنت أنها ستحولها الى منظمة ثورية ليس لتحرير فلسطين فحسب بل ستكون طليعة الثورة العربية أيضا. وتم تقسيم الدول العربية إلى معسكرين كبيرين: دول تقدمية وتضم الجمهوريات التي أعلنت عن معاداتها للاستعمار والصهيونية ودعم الثورة الفلسطينية، تتزعمها مصر وتضم كل من الجزائر وسوريا والعراق والدول الرجعية الملكية بزعامة السعودية وتضم الأردن والمغرب ومن ثم دول الخليج.

هذه الفترة والتي لم تدم طويلا والتي لم تتجاوز، في أحسن تقدير، العشر سنوات (من عام 1968 عندما استولت الفصائل المسلحة على منظمة التحرير الفلسطينية وحتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل عام 1978) ما اسميه الزمن الجميل. هنا ربينا أوهاما اخترقت حدود السماء. طبعا، في ذلك الوقت لم نطلق عليها أوهاما بل آمالا وأحلاما بل أكثر من ذلك، كانت برامج ومشاريع وعمليات فدائية ونضال وطني. وكنا نستعمل مفردات انقرضت في هذه الايام مثل: ايديولوجية، استراتيجية، اشتراكية، قومية تقدمية… أتذكر الآن، وأنا لا أعرف هل اضحك ام ابكي، عندما كنا نناقش: هل الوحدة طريق العودة أم العودة طريق الوحدة؟ وعندما كانت التنظيمات اليسارية تناقش: هل في مرحلة التحرر الوطني، تستطيع البرجوازية الوطنية قيادة النضال أم الطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة على ذلك؟ 

انتهت الكذبة الحلوة التي سميتها الزمن الجميل. فبينما كانت الشعوب العربية تنتظر الحرب التحريرية القادمة بفارغ الصبر، كانت زعيمة المعسكر "التقدمي" مصر تخطط لحرب تحريكية تنقلها إلى طاولة المفاوضات أولا في جنيف ومن ثم إلى كامب ديفيد توصلت في نهايتها الى اتفاقية تفوق النكبة والنكسة مجتمعتين في عواقبها. غضبت باقي الدول "التقدمية" لفترة وجيزة على الزعيمة الخائنة وشكلت "جبهة الصمود والتصدي" وسرعان ما تبين أن المقصود بالصمود هو التمسك بكراسيهم وأن التصدي يعني التصدي لشعوبهم وإبقائها تحت النعال العسكرية. اليوم فقط مشعوذ أو مهرج يستطيع أن يتكلم عن أنظمة عربية تقدمية وأخرى رجعية.

أما عن منظمة التحرير الفلسطينية التي سميناها مجازا بالثورة الفلسطينية فكما يقول المثل: لملمت أغراضها ولحقت ربعها. فالمنظمة نفسها قد تم تحنيطها بعد أن أفرغوا ميثاقها الوطني من أحشائها واستبدلوها بسلطة أوسلو. يخطئ من يظن أن التقهقر الفلسطيني واللهث وراء المساومات بدأ مع توقيع اتفاقيات أوسلو بل بدأ على الأقل 20 سنة قبل ذلك. 

نعم، سقطت أوهام الزمن الجميل المزيف من غير رجعة وآن لها أن تسقط. مهمتنا اليوم خلق زمن جميل حقيقي مفعم بالأحلام الجميلة التي تترجم إلى أعمال ثورية تقدمية جميلة. الشعب الفلسطيني وشعوب العالم المضطهدة قادرة على اجتراح مثل هذا الزمن.


Thursday, February 08, 2018

وماذا بعد أن أصبحت العمالة للعدو وجهة نظر؟

وماذا بعد أن أصبحت العمالة للعدو وجهة نظر؟
علي زبيدات - سخنين

إذا كانت الدعارة هي أقدم مهنة في التاريخ فإن العمالة هي أقذر مهنة في التاريخ.
وكما قال نابليون: "مثل الذي خان وطنه وباع بلاده كمثل الذي يسرق من مال ابيه ليطعم اللصوص فلا ابوه يسامحه ولا اللص يكافئه"
لا يوجد هناك جهاز مخابرات في العالم مهما بلغت قوته ودقة تنظيمه واستعماله لأحدث التكنولوجيا وحصوله على الموارد اللامحدودة يستطيع أن يستغني عن تجنيد العملاء والجواسيس. جهاز المخابرات الاسرائيلي "الشباك" ليس استثناء بل نموذجا مثاليا لهذه الحالة. إغتيال المناضل أحمد جرار مؤخرا كان من أبرز وأوضح الأمثلة على ذلك. فقد زجت الاجهزة الامنية الاسرائيلية بكافة مركباتها من جيش ورجال مخابرات ووحدات خاصة ومحللين بأعداد هائلة في مطاردته لمدة شهر من غير جدوى حتى وصلت ما سمته وسائل الاعلام الاسرائيلية "معلومات استخباراتية" تشير إلى مكان تواجده. وعادة المعلومات الاستخباراتية تعني معلومات صادرة عن العملاء والجواسيس.
لقد استعملت المخابرات الاسرائيلية كافة ما في حوزتها من وسائل تكنولوجية التي واستعملت كل "ذكائها" ولكن هذا لم يوصلها إلى مبتغاها. فالمعلومات لا تنزل من السماء ولا تخرج من باطن الارض ولكنها تصدر عن العملاء والجواسيس. تستعمل المخابرات الإسرائيلية كافة الوسائل والاساليب مهما بلغت قذارتها ولا إنسانيتها من أجل تجنيد العملاء والجواسيس الفلسطينيين فهي لا تكتفي بدفع المبالغ المالية الطائلة بل تلجأ إلى التهديد والابتزاز على كافة أشكاله مثل منح تصاريح للعمل أو التعليم أو العلاج و ابتزازات على خلفيات أخلاقية.
لا بد هنا أن نعترف بأن المخابرات الاسرائيلية قد حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال وجندت أعداد هائلة من العملاء والجواسيس الذين ساعدوا، وفي كثير من الاحيان شاركوا، في اقتراف جرائم عديدة في حق المناضلين الفلسطينيين من إغتيال واعتقال وكشف عمليات ضد الاحتلال واحباطها والامثلة العديدة معروفة للجميع. ما زلنا نذكر مئات العملاء إن لم يكن الآلاف الذين هربوا من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الانتفاضة الاولى وقيام السلطة الفلسطينية وحاولوا السكن في القرى والمدن العربية في الداخل وفي أماكن أخرى. منهم ما زال موجودا بيننا ومنهم من عاد إلى مواقعه في ظل التنسيق الامني بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وما زال يقوم بالمهام المطلوبة منهم كما يتلقونها من المخابرات الاسرائيلية.
تشكل ظاهرة العملاء أكبر خطر ينهش في جسم الشعب الفلسطيني وتمزق وحدته وتلحق ابلغ الضرر بقضيته الوطنية. وكما قال نابليون بونابرت مرة أخرى:" عميل واحد في مكانه الصحيح يساوي عشرة آلاف مقاتل في ساحة المعركة".
ما كانت المخابرات الإسرائيلية لتحقق مثل هذا النجاح الكبير في هذا المجال لولا الظواهر السلبية التالية:
1- قلة الوعي الوطني والاخلاقي عند فئات واسعة من الشعب الفلسطيني
2- هشاشة البناء التنظيمي، ليس على صعيد الخلايا الصغيرة فحسب بل وعلى صعيد الفصائل الفلسطينية أيضا. إذ ليس هناك تنظيم غير مخترق أمنيا
3- شعور الحقد والانتقام من المجتمع عند اصحاب النفوس المريضة والفاسدة والذي يقودهم للارتماء في أحضان المخابرات,
4- سياسة التنسيق الامني "المقدس" التي تسلكها السلطة الفلسطينية في تعاملها مع الاحتلال
5- تهافت العرب من كل حدب وصوب للتطبيع مع إسرائيل.
6- وهو الاهم حسب رأيي، تقهقر البرنامج الوطني التحرري على كافة المستويات.
يكمن الضمان الوحيد لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة والمخزية في العمل الدؤوب لرفع مستوى الوعي وتعزيز الحس الوطني والانتماء وصيانة الهوية الوطنية.
للاسف الشديد، ما زالت هذه الظاهرة لا تحظى بالاهتمام الكافي. ولم يجر حتى الان تناولها ومعالجتها بشكل جدي وجذري. وما دام الوضع مستمرا على هذه الحالة فإن أجهزة الامن الإسرائيلية سوف تسرح وتمرح بحرية، تغتال وتعتقل وتنكل بمن تشاء متى وأينما تشاء.  النضال ضد الاحتلال لا يمكن أن يقفز عن العملاء الذين وضعوا أنفسهم في سلة واحدة مع الاحتلال وربطوا مصيرهم بمصيره.

الشعب الفلسطيني الذي قدم آلاف الشهداء والاسرى والمعتقلين والمطاردين والمشردين يجب ويستطيع أن ينظف صفوفه من هؤلاء الساقطين والحثالات وذوي النفوس الضعيفة والمريضة ومتابعة مسيرته حتى العودة والتحرير.   

Thursday, January 25, 2018

مؤتمر دافوس: وكر الراسمالية الخنازيرية

مؤتمر دافوس: وكر الراسمالية الخنازيرية
علي زبيدات - سخنين

يجتمع في هذه الايام في مدينة دافوس السويسرية الواقعة على جبال الالب "نخبة" من المجتمع البشري. ولكنهم في حقيقة الامر ليسوا اكثر من حثالة المجتمع البشري. وهنا بالضبط تكمن مأساة المجتمع البشري في عصرنا الراهن: عندما تزول الفوارق وتصبح نخبته هي في الوقت نفسه حثالته. يطلقون على أنفسهم المنتدى الاقتصادي العالمي ويعرفون أنفسهم  بدون خجل بأنهم منظمة دولية غير حكومية وغير ربحية. في الوقت نفسه لا يقبلون عضوية أية شركة يقل مدخولها السنوي عن مليار دولار. فهي تضم أكبر 1000 شركة عالمية تقوم في نهب وسلب شعوب العالم من اقصى الكرة الارضية إلى اقصاها. حتى مجرد الدخول للمؤتمر لاربعة ايام يكلف الفرد 6250 دولار هذا بالاضافة لرسوم العضوية السنوية الباهضة فالشركة التي تود أن تصبح شريكا دائما عليها أن تدفع 78 ألف دولار، أما إذا أرادت أن تشارك في وضع أجندة المؤتمر فذلك يكلفها 250 ألف دولار. أما حول كونها غير حكومية، فمن بين المؤتمرين البالغ عددهم حوالي 3 آلاف شخص يوجد 70 رئيس دولة وحكومة و38 منظمة دولية من الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام أنطونيو غوتيريش وحتى منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، هذا بالاضافة إلى عشرات الوزراء والسفراء ورجال الاعمال وكبار الاعلاميين. يدعي منظموا المؤتمر بأنه مفتوح أمام الجميع وفي الوقت نفسه يجعلون من المدينة ثكنة عسكرية مغلقة بحراسة اربعة آلاف جندي وألف شرطي لمنع اقتراب كل من تسول له نفسه التظاهر والاحتجاج ضد هؤلاء المدعين.
وسائل الاعلام العالمية، تنعت المشاركين بمهندسي السياسة والاقتصاد على الصعيد العالمي. وربما كانت محقة في ذلك، بعد أن نسال أنفسنا: ولكن أي سياسة وأي إقتصاد؟ سياسة شن الحروب العدوانية وتأجيج النزاعات القومية والدينية في كافة بقاع العالم. سياسة نهب سلب ثروات الشعوب النامية. واقتصاد الفقر والجوع والبطالة لشعوب العالم مقابل الثراء الفاحش لطغمة ضئيلة من الراسماليين.
تبلغ وقاحة المنظمين ذروتها هذه السنة عندما يعقدون المؤتمر تحت شعار: "خلق مستقبل موحد في عالم ممزق" ومن المسؤول عن تمزيق العالم يا سادة؟ أليسوا نجوم المؤتمر من دونالد ترامب وحتى بنيامين نتنياهو وعشرات الزعماء الاسدين بينهما؟ عن أي مستقبل موحد تتكلمون ولم تبقوا حجرا على حجر في افغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا وعشرات البلدان الاخرى؟ عن أي مستقبل تتكلمون بينما الكرة الارضية باسرها مهددة بالدمار الشامل بالاسلحة النووية وتلويث البيئة والاحتباس الحراري والأوبئة والمجاعات؟
لا يكتفي المؤتمرون بمناقشة المشكلات الاقتصادية والسياسية التي يخلقونها، بل على هامش المؤتمر يعقدون الصفقات و يحيكون المؤامرات. فهذا نتنياهو على سبيل المثال لا الحصر سوف يستغل تواجده في دافوس لتأجيج النزاعات والحروب في المنطقة وتسويق سياسته العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني وعقد صفقاته القذرة لبيع الاسلحة لكل من يريد ويستطيع أن يشتري لذبح وقمع شعبه. أما عن أجندة دونالد ترامب فحدث ولا حرج.
المؤتمر السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هو أبلغ صورة للراسمالية الخنازيرية التي تفتك في عالمنا  والتي تختبئ وراء شعارات العولمة واقتصاد السوق الحرة ولكن هدفها يبقى واضحا: زيادة الفقراء فقرا وزيادة الاثرياء ثراء، تخليد إضطهاد الشعوب واستغلالها واستعمال كافة الوسائل لفرض هيمنتها إلى ما لا نهاية.
الاحتجاجات الشعبية ضد المؤتمر في المدن السويسرية جيدة ولكنها ليست كافية. وفضح الاهداف الحقيقية للمؤتمرين أمام شعوب العالم  ضرورية وجيدة ولكنها هي الاخرى ليست كافية. من أجل تحقيق شعار المؤتمر "خلق مستقبل موحد في عالم ممزق" الذي يستعمل حاليا لخداع الشعوب يجب التخلص من الرأسمالية بكافة اشكالها لأنها المسؤولة الاولى والاخيرة عن تمزيق العالم والتلاعب بمستقبله.   

Thursday, January 18, 2018

دولة متعهدي الدفن

دولة متعهدي الدفن
علي زبيدات - سخنين

كنت حتى زمن ليس ببعيد من محبي مشاهدة المصارعة الامريكية. بالرغم من معرفتي بأن هذه  المصارعة غير حقيقية وأنها أقرب إلى التمثيل والتسلية إلا انني كنت أغض الطرف عن هذه الناحية وأقوم بين الحين والآخر بمشاهدة بعض الحلقات بحماس. وكان من بين المصارعين الكثار مصارع شرس إلى أبعد حدود الشراسة يسمي نفسه: ذا أندرتيكر(the Undertaker) وبما انني في البداية لم أكن متأكدا من معنى هذا الاسم، بحثت عن المعنى في القاموس فوجدت انه يعني: متعهد الدفن، الشخص الذي يقتصر عمله على تحضير الموتى للدفن وترتيب الجنازات. وكان هذا المصارع يدخل الحلبة باضواء خافتة وترافقه موسيقى خاصة فيخيم جو من الموت والرعب على الحلبة وعلى المشاهدين حتى يصبح اقرب ما يكون إلى الواقع. طبعا غالبا ما تنتهي الجولة بفوز الاندرتيكر بعد أن يغيب الخصم عن الوعي فيضع يديه على صدره تحضيرا لدفنه.
لماذا أسوق هذه المقدمة الطويلة والتي تبدو للوهلة الاولى لا علاقة لها بأي موضوع جدي جدير بالكتابة عنه؟  لأننا نعيش في دولة من متعهدي الدفن الحقيقيين، يصنعون الموت ويصدرونه إلى كافة أرجاء العالم. المتعهد الاول ورئيس اتحاد متعهدي الدفن في هذه الدولة هو رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يقود بحنكة كيانا كاملا وظيفته تحضير مراسم الدفن والجنازات على الصعيد العالمي. في هذه الايام يقوم نتنياهو بزيارة طويلة تستمر اسبوعا كاملا إلى الهند. من ضمن مرافقيه وفد مكون من 130 رجل أعمال يمثلون 100 شركة أغلبها تحترف صناعة الموت، ذكر منهم: مدير عام شركة رفائيل يوآف هار إيفن لتسويق صواريخه، مدير الصناعة الجوية يوسي فايس، ممثلون كبار عن شركة أنظمة ألبيط، وعن شركة ايرناوتكس التي تصنع طائرات بدون طيار وتجربها على المدنيين لاثبات فعاليتها وتسهيل تسويقها، وتتعرض في هذه الايام لتحقيقات سرية لتورطها بتهم خطيرة في هذا المجال.
أصبحت الهند، حسب بعض الاحصائيات، أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بعد أن كانت الثانية بعد الصين الشعبية. وحسب بعض الاحصائيات يعيش 77% من سكانها تحت خط الفقر مع أن الحكومة الهندية تعترف بنصف هذه النسبة فقط. هذا ناهيك عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والطائفية والدينية التي لا تعد ولا تحصى والتي يعاني منها هذا البلد. وكـأن ذلك لا يكفي، إذ يقودها رئيس حكومة عنصري متطرف يهوى تبادل التحية مع نظيره الاسرائيلي بعبارة: صديقي العزيز. ماذا يجلب نتنياهو في جعبته للهند؟ 8000 صاروخ مضاد للدبابات من طراز سبايك بقيمة 850 مليون دولار وأنواع أخرى من الاسلحة والانظمة الامنية التي لا يعرف تفاصيلها سوى متعهدي الدفن. في عام 2016 اشترت الهند أسلحة إسرائيلية بقيمة 2.5 مليار دولار. ومن المتوقع بعد هذه الزيارة وبعد زيارة ناردانا مودي السابقة لنتنياهو قبل نصف سنة أن تتجاوز صفقات الاسلحة هذا المبلغ.
طبعا، يحتاج المتعهدون الكبار إلى مساعدة متعهدين ثانويين مقابل نسبة معينة من الارباح. مودي هو واحد من المتعهدين الثانويين الذي يسمسر بحياة شعبه ولكنه ليس الوحيد في هذا العالم. سبق وتم تطبيق هذا السيناريو في القارة الافريقية خلال زيارات نتنياهو المتكررة لها برفقة هذه الزمرة المتوحشة نفسها. لم يعد سرا أن دولة اسرائيل تلعب دورا اساسيا في كل حروب الابادة التي تعصف بالقارة الافريقية من جنوب السودان مرورا بأوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو وحتى مالي ورواندا ونيجيريا. وأخيرا يجب الا ننسى المتعهدين الثانويين الجدد في السعودية ودول الخليج وسوف تكشف الايام صفقاتهم لشراء أسلحة الموت الاسرائيلية. إننا أمام ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ البشري يصعب على العقل استيعابها:دولة إسرائيل التي قامت على احتلال كافة الأراضي الفلسطينية والتي يأتي ترتيبها في المكان أل 146 في العالم من حيث المساحة، والمكان ال108 من حيث عدد السكان يأتي ترتيبها في المكان السابع من حيث تصدير الاسلحة وقد تصبح في المكان الثالث عما قريب.

الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة ليست  الضحية الوحيدة لصناع وتجار الموت هؤلاء، بل شعوب العالم بأسره أيضا. وعلى هذه الشعوب أن توحد نضالاتها لمواجهة متعهدي الموت في كل مكان من تل ابيب إلى واشنطن ومن برلين إلى لندن مرورا بباريس ومن موسكو إلى بكين. الشعوب وجدت لتحيا لا لتقتل.

Thursday, January 11, 2018

هل ما زالت الثورات ممكنة؟

هل ما زالت الثورات ممكنة؟
علي زبيدات - سخنين

الثورة الشعبية الاخيرة التي تفجرت في منطقتنا (قبل ثورات الربيع العربي) هي الثورة الايرانية عام 1979. قد يقول البعض أن ثورات الربيع العربي قد فشلت جميعها أو انها لم تكن ثورات اصلا بل مؤامرة امبريالية - صهيونية لتقسيم العالم العربي وفرض الهيمنة عليه. وكأن العالم العربي قبل هذه الثورات كان موحدا ومستقلا. بالرغم من ذلك، لا يخلو قول هؤلاء من شيء من الصحة: بمعنى أن كل الثورات التي عرفها التاريخ البشري قد آلت إلى الفشل. ألم تنتهي الثورة الفرنسية الكبرى بامبراطورية نابليون التي ابتعدت عن مبادئ الثورة ومن ثم إلى عودة الملكية؟ وهكذا كان مصير ثورة 1830 و 1848 وكومونة باريس عام 1870 وكذلك الثورة البلشفية في الاتحاد السوفياتي 1917 وسقوطها النهائي عام 1991 وغيرها من الثورات. ولكن هذا جانب واحد من الحقيقة فحسب وهو في أغلب الاحيان الجانب الاقل اهمية، فقبل فشل هذه الثورات أو على الاصح بالرغم من فشلها فيما بعد فقد استطاعت أن تحدث تغييرا جذريا جعل العودة إلى الماضي مستحيلة. ومهما حاولت الثورات المضادة أو الانظمة التي لم تسقطها الثورات العودة إلى الوراء إلا أنها عجزت عن تحقيق ذلك ووجدت نفسها مرغمة على تحقيق ولو جزء بسيط من برنامج الثورة.
لنعود إلى الثورة الايرانية، وأنا هنا لست بصدد سرد اسباب الثورة ونتائجها وعرض سلبياتها وايجابياتها. بل للتأكيد على أن نجاحها باسقاط نظام الشاه الفاسد قد انتهى بالفعل الى فشلها كما نعيشه في هذه الايام. اذكر انه عند اندلاع الثورة (حوالي سنة ونصف قبل سقوط نظام الشاه) كنت اسيرا سياسيا في سجن الرملة المركزي الذي ضم في ذلك الوقت نخبة من الاسرى السياسيين المنتمين لمختلف التنظيمات الفلسطينية. وبالرغم من شح المصادر في ذلك الوقت، الذي اعتمد بشكل رئيسي على معلومات من نشرات الاخبار الاسرائيلية (الوحيدة المسموح بها) وبعض الجرائد الاسرائيلية الا أن جميع الاسرى كانوا متابعين لتطور احداث الثورة المتسارعة في ايران. وهذا الامر انعكس بقوة على الحوارات والنقاشات داخل التنظيمات وفيما بينها. بالطبع، أيد الجميع الثورة لاسقاط نظام الشاه بدون أي تحفظ. وذلك انسجاما مع مواقف التنظيمات الفلسطينية في الخارج وخصوصا القومية واليسارية ( لم تكن هناك تنظيمات إسلامية بعد، ولكن مع وجود تيار متدين داخل حركة فتح متاثرا بفكر الاخوان المسلمين). كنت من بين الاسرى القلائل غير الملتزمين تنظيميا لاحد الفصائل، مما حررني من القبول بالمواقف الجاهزة الصادرة عن التنظيمات والتي كان على باقي الاسرى الالتزام بها. كنا في ذلك الوقت نناقش مبدأ الوحدة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني وكنت أؤمن أن الوحدة الوطنية يجب ألا تنفي ضرورة قيادة الطبقة العاملة بواسطة تنظيمها الطليعي لهذه المرحلة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت تؤمن إلى حد ما بهذا المبدأ ولكن نظريا فقط). لأن ما اصطلحنا على تسميتها بالبرجوازية الوطنية غير قادرة على قيادة النضال الوطنى حتى النهاية، حتى التحرير والعودة. خصوصا بعد تبني البرنامج المرحلي والتحول الذي بدأ تدريجيا واصبح استراتيجيا نحو السعي وراء تسوية سلمية بكل ما تحمله من تنازلات وانحرافات. كان موقفي من الثورة الايرانية الذي لم يجد آذان صاغية انه يجب الوحدة الميدانية لاسقاط الشاه ولكن يجب عدم القبول بسيطرة الملالي السياسية على الثورة. سقط الشاه وغادر ايران بعد أن عين أحد رجال المعارضة وهو شابور بختيار رئيسا للحكومة كمحاولة أخيرة لانقاذ النظام الملكي (خطوة تذكرنا بتعيين عمر سليمان بعد استقالة حسني مبارك). في تلك المرحلة كان من الممكن ومن الضروري فرز القوى الثورية الجذرية التي لا تكتفي باسقاط النظام بل تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية واقامة نظام تقدمي، ديمقراطي عن القوى التي تكتفي باسقاط النظام لتحل محله وتقيم نظاما استبداديا لا يختلف عن النظام البائد الا بالشكل. وهذا بالضبط ما حصل، فبعد هيمنة الملالي الاصوليين مباشرة بدأ سحق ليس التنظيمات اليسارية مثل حزب تودة الشيوعي ومجاهدي خلق فحسب بل العديد من رجال الدين الوطنيين والليبراليين أيضا. وهكذا وخلال سنة تم استبدال النظام الملكي بنظام ولاية الفقيه والسافاك بالحرس الثوري. ولم يبق من الثورة سوى الشعارات المعادية لامريكا والتي استخدمت بفعالية لترسيخ أسس النظام الجديد.
بعد عام (1980) نشبت الحرب العراقية الايرانية. مرة أخرى، لست بصدد سرد اسباب ومجريات هذه الحرب إذ أن المعلومات عن هذه الحرب في متناول الجميع. ما يهمني هنا هو مواقف التنظيمات الفلسطينية كما انعكست على الاسرى السياسيين. هنا حصل بعض التغيير، فبعض التنظيمات القومية (مثل جبهة التحرير العربية التابعة لحزب البعث العراقي) والتيار الرئيسي في حركة فتح (المتذبذب في الخارج) وبعض الاسلاميين المستقلين ايدوا صدام حسين بحجة أنه حامي البوابة الشرقية للعالم العربي في وجه التمدد الفارسي. بينما مالت التنظيمات اليسارية وبعض التنظيمات القومية المقربة من نظام البعث السوري إلى تأييد النظام الايراني بحجة معاداته للامبريالية والصهيونية. اذكر أن الرفيق يوآب بار الذي كان يزورني في السجن قد طلب مني كتابة مقالة أحدد بها موقفي من الحرب العراقية - الايرانيه لينشره في مجلة يسارية محلية. كتبت المقالة المطلوبة وكان موقفي واضحا وبسيطا ويمكن تلخيصه فيما يلي: الحرب رجعية من كلا الطرفين. ويجب عدم تأييد طرف ضد الطرف الآخر. نظام ولاية الفقيه لا يقل رجعية عن نظام البعث الاستبدادي في العراق المتحالف مع امريكا والسعودية. في هذه الحرب الضحية الوحيدة هو الشعب الايراني والشعب العراقي. وأن الموقف الثوري الوحيد في هذه الحرب هو دعوة الجنود العراقيين والايرانيين لتوجيه بنادقهم إلى صدور ضباطهم. طبعا، مرة أخرى، هذا الموقف الذي قد يكون صحيحا نظريا وثوريا لم يجد أي آذان صاغية. وهكذا استمرت الحرب 8 سنوات سقط خلالها ما لا يقل عن مليون ضحية من كل طرف.
اليوم تعود الاحتجاجات الشعبية لتكتسح المدن الايرانية. فبينما يقول المرشد علي خامنئي أن هذه الاحتجاجات مؤامرة تقودها امريكا واسرائيل والسعودية لتقويض نظام المقاومة من الداخل، يعترف حسن روحاني (الاصلاحي) بأن اسبابها غلاء المعيشة، البطالة، التضخم وتراجع العدالة الاجتماعية. ولكن يتفق الشخصان على ضرورة سحقها السريع لكي لا تتطور على غرار ما يجري في سوريا.

هكذا اذن، فقد اصبح التدخل الامريكي-الاسرائيلي- السعودي أو حتى التلويح بمثل هذا التدخل وصفة فعالة وأكيدة قادرة على إخماد كل احتجاج شعبي ضد الطغاة المحليين. ولا استبعد أن تكون هذه خطة متفق عليها لانقاذ الانظمة الاستبدادية الفاسدة كما حدث في سوريا حيث كان التدخل الامريكي-السعودي ل"صالح" الثورة سببا حاسما في بقاء النظام . هكذا أصبح على شعوب العالم، وليس الشعوب العربية فحسب،  منذ اليوم أن تتنازل عن حلمها بالحرية والكرامة لأنه لا يمكن تفادي التدخلات الاجنبية حقيقية كانت أم وهمية وعلى القوى "الثورية" و"التقدمية" أن تدافع عن طغاتها المحليين مهما كانوا فاسدين في وجه الغزاة الاجانب. للوهلة الاولى تبدو الثورات التحررية قد اصبحت مستحيلة، للوهلة الاولى فقط. ولكنها في الحقيقة اصبحت اشد ضرورة والحاحا من أي وقت مضى. فالشعوب تعرف مضطهديها وسوف تكنسهم إلى مزبلة التاريخ عاجلا أم آجلا.

Thursday, December 14, 2017

كلاب الصيد وكلاب التسلية

كلاب الصيد وكلاب التسلية
علي زبيدات - سخنين

عندما كنت صغيرا كنت كثير الشقاوة. ولكني في الوقت نفسه كنت نحيل البنية ضئيل القوة. وكم عدت إلى البيت باكيا من ضرب الاولاد الاقوى والاكبر مني. وكانت جدتي تزجرني عن الخروج للعب في حواكير الحارة مع الاولاد الكبار ولكني كنت أصر على الخروج لأعود مرة أخرى باكيا واحمل على جسدي أو وجهي علامات الضرب والكدمات. وكانت جدتي تقول لي دائما: "كلاب الصيد مخرمشة الوجوه". كبرت وبقيت هذه الجملة التي ظننتها مثلا شعبيا شائعا مع اني لم اسمعها فيما بعد من  أي شخص آخر، محفورة في ذاكرتي. عرفت ما تعنيه جدتي: فليس كل كلب يصلح للصيد. فكلب الصيد يجب أن يتمتع بالجرأة والقوة فيقتحم الادغال الشائكة ويركض وراء الفريسة حتى يمسك بها وغالبا بعد صراع معها أو مع الكلاب الاخرى، وكان يعود إلى صاحبة ووجهه مليء بالخرمشات. بالمقابل يوجد هناك الكلاب التي يقتنيها بعض الناس في بيوتهم للتسلية واللعب وهي لا تصلح للصيد.
عادت جملة جدتي تستحوذ على تفكيري بعد قرار دونالد ترامب الأخير حول القدس. وكنت اردد بيني وبين نفسي: كم نحن بحاجة إلى كلاب صيد تهجم على ترامب، تنقض عليه وتحكم فكيها على عنقه وتجره ذليلا إلى القدس، حتى ولو عادت ووجوهها مخرمشة وتنزف دم. ولكن تبين إننا لا نملك سوى كلاب للتسلية واللعب.
لنبدأ من النهاية: في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد مؤخرا في اسطنبول وضم زعماء من 50 دولة إسلامية يمثلون أكثر من مليار ونصف نسمة، لم يكن بينهم كلب صيد واحد (طبعا كلمة كلب صيد هنا لا يقصد منها اي شكل من اشكال المسبة أو الهجاء، بالعكس). كانت القاعة تعج بكلاب للتسلية والترفيه وهذا ما اتعكس في بيانهم الختامي الذي تمخض عن قرارات هزيلة منها:
1- "الاعلان عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية ودعوة باقي الدول للاعتراف بدولة فلسطين وبالقدس الشرقية المحتلة عاصمة لها".على حد علمي عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين يفوق عدد الدول التي تعترف بإسرائيل ولكنه إعتراف لا يساوي جناح ذبابة. وسيكون اعترافهم بالقدس عاصمة لمثل هذه الدولة الوهمية هو الآخر بالقيمة نفسها. حيث صفر + صفر = صفر.
2- " قرار ترامب هو تقويض متعمد للجهود المبذولة لتحقيق السلام ويصب في مصلحة التطرف والإرهاب". جميل جدا، وكأن ترامب ومن سبقه من رؤساء أمريكيين بذلوا حقا جهودا جبارة لتحقيق السلام. وكأنهم بعيدون كل البعد عن التطرف والإرهاب.
3- "القرار بمثابة إعلان انسحاب الإدارة الأمريكية من ممارسة دورها كوسيط وراعية للسلام" طبعا، إذ كانت دوما وسيطا نزيها وغير منحاز: تسليح الجيش الاسرائيلي من رأسه إلى أخمص قدميه بأعتى الأسلحة الفتاكة، مساعدات سنوية بمقدار 4 مليار دولار، استعمال الفيتو لصالح إسرائيل عشرات المرات، هذا كله وغيره الكثير يخولها لأن تكون وسيطا نزيها وراعية لتحقيق السلام العادل!!.
4- " القرار تشجيع لإسرائيل لمواصلة سياسة الاستيطان و الابرتهايد". صح النوم، متى توقف الاستيطان؟ وهل كان الاستيطان ممكنا أصلا لولا الدعم الامريكي المادي والسياسي؟
آسف، قرارات كهذه لا تصدر عن كلاب صيد بل عن كلاب للتسلية والترفيه. هل أدلكم على بعض القرارات التي تليق بكلاب الصيد؟ هل فكرت دولة واحدة من الدول الخمسين المشاركة في مؤتمر القمة قطع علاقتها بأمريكا أو بإسرائيل؟ أو التهديد بقطع العلاقات؟ أو أن تدعو السفير الأمريكي وتحمله رسالة احتجاج مباشرة؟ أو على الأقل أن تقوم بإعادة سفيرها من واشنطن للتشاور؟ ولماذا بلع اردوغان كلامه؟ ألم يهدد بقطع علاقاته مع إسرائيل؟ لماذا لم يعلن ذلك في المؤتمر ويدعو المؤتمرين الآخرين أن يحذوا  حذوه؟ وهل فكرت الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بإغلاق سفاراتها أو طرد السفراء؟ هل أوقفت سلطة أوسلو التنسيق الأمني مع إسرائيل؟ وما هو سر هذا التمسك الغريب بجثة اتفاقيات أوسلو خصوصا وأن إسرائيل ضربت بها بعرض الحائط منذ سنوات طويلة؟
قبل مؤتمر القمة الإسلامي كان هناك مؤتمرا لوزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية وكانت كلاب التسلية تسرح وتمرح في الأروقة وخرجت ببيان ختامي أهزل من بيان القمة الاسلامية لم يتعد الإدانة اللفظية المهذبة بكلمة واحدة. أما عن زعامتنا المحلية فحدث ولا حرج: نواب الكنيست العرب يعملون من قلب "العاصمة الابدية" لدولة لدولة إسرائيل وفي أهم مؤسسة سياسية تابعة لها، هل فكروا بمغادرة هذه المؤسسة وهذه العاصمة كشكل من أشكال الرفض والاحتجاج؟ نراهم يستنكرون زيارة الوفد التطبيعي البحريني بينما هم غارقون حتى اذانهم بالتطبيع. وكل عتبهم على ترامب أنه لم يقل: القدس الغربية فقط، لصفقوا له وأراحهم من عناء الإدانات الكلامية ومشقة وقفات الاحتجاج العقيمة.
إسرائيل تمارس سيادتها على القدس الغربية وتعتبرها عاصمتها منذ عام 1948 وقبل أن يجف حبر قرار الامم المتحدة الذي اعتبرها منطقة تحت الإدارة الدولية. ولم تنتظر أحدا  ليعترف بالقدس عاصمة لها. وقبل 50 سنة احتلت القدس الشرقية وضمتها إلى القدس الغربية وأعلنت عنها عاصمتها الموحدة والأبدية بالرغم من أن معظم دول العالم ما زالت تعتبرها مدينة محتلة. خلال هذه الفترة وقعت إسرائيل اتفاقيات سلام مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية التي لم تزعجها حقيقة اعتبار إسرائيل للقدس عاصمتها الابدية، حتى أن المنظمة وافقت على ترك القدس لنهاية المفاوضات التي لم تنته بعد ربع قرن، بل في الحقيقة المفاوضات التي لم تبدأ بعد. المنطق يقول عندما يتفاوض طرفان متخاصمان حول قضية معينة يبدآن بحل القضايا الجوهرية بينما تستطيع القضايا الجانبية أن تجد حلولا فيما بعد. أما منظمة التحرير في اتفاقيات أوسلو فقد عكست هذا المنطق رأسا على عقب. فبدأت المفاوضات حول القضايا الجانبية التي استغرقت ربع قرن وارجأت القضايا الجوهرية وهي حق العودة والقدس والحدود إلى أجل غير مسمى.
يبدو أن جدتي رحمها الله قد كانت على علاقة وثيقة مع مالكوم إكس من غير أن تعرف اسمه فهو قد تكلم عن عبيد الحقل مقابل عبيد البيت، أما هي فقد اكتفت بالكلام عن كلاب الصيد وكلاب البيت للزينة والتسلية.

Thursday, November 30, 2017

فلسطين لا تقبل القسمة إلا على نفسها

فلسطين لا تقبل القسمة إلا على نفسها
علي زبيدات - سخنين

قبل كتابة هذه السطور بمناسبة الذكرى السبعين لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين قرأت بعض المقالات التي نشرت حول هذه المناسبة على صفحات المواقع الالكترونية. انطباعي العام هو أن جل ما كتب هو تكرار واجترار لما كتب على مر السنوات إن كان مؤيدا لقرار التقسيم أو معارضا له. ولكن بالرغم من ذلك لفت نظري إفتتاحية موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومقال نشره عصام مخول تحت عنوان "قرار التقسيم والخيارات المعقدة". كلا المقالين تكرار واجترار من جهة ولكن مع غلاف متجدد من الإنكار، رد التهم، الدفاع عن النفس واختلاق شتى أنواع التبريرات.
للايضاح فقط، هذه المقالة لا تدور حول موقف الحزب الشيوعي الفلسطيني (الإسرائيلي فيما بعد) ولا حول تبريراته (تحليلاته) الجديدة والقديمة من قرار التقسيم. وسيتم التطرق لها ولنتائجها فقط لأهميتها بالنسبة لنا كجزء من الشعب الفلسطيني. ولكن قبل ذلك أود أن أعود خطوة إلى الوراء وأسأل: أين اختفت كل الأصوات التي علت قبل اقل من شهر تطالب بريطانيا بالاعتذار على إصدار وعد بلفور؟ لماذا لم تطالب الأمم المتحدة أو على الأقل جمعيتها العامة بالاعتذار عن تبني قرار التقسيم؟ هل وعد بلفور مشؤوم وقرار التقسيم ميمون؟ وهل بريطانيا منحت أرضا لا تملكها لمن لا يستحقها بينما الجمعية العامة للأمم المتحدة منحت أرضا تملكها لمن يستحق؟ هذا السؤال ليس موجها لتجار سلطة أوسلو الذين قادوا حملة الاعتذار فحسب بل لكل الاطراف الاخرى التي انضمت لهذه القافلة وبعضها محسوب على المعسكر الوطني والمقاوم.
يقول عصام مخول في منشوره المذكور" كان موقف الشيوعيين المبدئي والصحيح يرفض التقسيم وبحدة" وكبرهان على هذا الموقف المبدئي والصحيح يذكر بعض ما كتب في جريدة "كول هعام" والاتحاد ويقتبس مقطعا طويلا من خطاب لمائير فلنر يقول فيه أن الطريق الوحيد للحل يكمن في إقامة دولة عربية - يهودية ديمقراطية ومستقلة. وكأن هذا الحل في ذلك الوقت كان يعبر عن موقف مبدئي وصحيح، ولكن لنترك ذلك جانبا. إذن، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تخلى الشيوعيون عن موقفهم المبدئي والصحيح؟ ويجيب مخول: أولا، لم يكن للاتحاد السوفياتي دخل في هذا التغيير، والخطاب "الصهيوني" (هذه الإضافة مني) الذي ألقاه غروميكو في الأمم المتحدة لم يكن السبب، تصويت الاتحاد السوفياتي مع الولايات المتحدة ومع ال33 دولة لصالح التقسيم هو أيضا لم يلعب دورا. السبب الوحيد حسب رأي عصام مخول لتغيير هذا الموقف المبدئي والصحيح هو أنه مع تطور الأحداث واختلال ميزان القوى لم يعد مبدئيا ولا صحيحا، وحل مكانه موقف مبدئي وصحيح آخر (ديالكتيك يا أخي!) وتم تبني الموقف الجديد بفضل الرؤية الواضحة وبعيدة المدى للحزب الشيوعي. فقد اكتشف أن الرجعية العربية كانت متواطئة مع الصهيونية والامبريالية وهي لم ترسل جنودها لمنع إقامة الدولة اليهودية بل لمنع إقامة الدولة العربية وقد نجحت بذلك، ورأى الحزب بنظرته الثاقبة أن الخيار لم يعد بين تقسيم فلسطين وبين الدولة ثنائية القومية الديمقراطية المستقلة. بل أصبح الخيار بين تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية وبين نكبة فلسطين. وهكذا تمت الموافقة على قرار التقسيم لتفادي النكبة ولكنها يا فرحة ما تمت.
التاريخ وما أدراك ما التاريخ وكتابة التاريخ. كان بودي أن أصدق كل ما كتب لولا أن ذاكرتي ليست قصيرة إلى هذا الحد: فما زلت اذكر عندما انصاعت منظمة التحرير الفلسطينية للضغوطات الدولية والإقليمية وخضوع التيار المهيمن عليها واعترفت بدولة إسرائيل التي قامت على أساس قرار التقسيم المحسن بزيادة ربع فلسطين، كيف قامت أبواق الحزب الشيوعي بالطبطبة على ظهر مكسوري الظهر من زعماء المنظمة الذين تبنوا أخيرا موقفهم واصبح "الحجر الذي رفضه البناؤون حجر الزاوية" وأهم من الحجر الأسود.  

قد تحتل فلسطين. وقد احتلت بالفعل في تاريخها عشرات المرات. وقد يطول الاحتلال قرونا وقد يقتصر على بضع سنوات. وقد يتكالب عليها المستعمرون من كل حدب وصوب وينهشون منها الكثير أو القليل. ولكنها في النهاية تبقى فلسطين هي فلسطين ولا تقبل القسمة إلا على نفسها أو على واحد هو شعبها.

Thursday, November 23, 2017

جامعة أم مفرقة الدول العربية؟

جامعة أم مفرقة الدول العربية؟
علي زبيدات - سخنين

في أعقاب الاجتماع الطارئ الأخير لوزراء الخارجية العرب الذي دعت لعقده المملكة السعودية ومملكة البحرين بادعاء تعرضها للعدوان بعد أن أطلق الحوثيون من اليمن صاروخا بالستيا ايراني الصنع على مطار الرياض، بينما تواجه معظم الدول العربية واقعا أخطر بما لا يقاس من سقوط صاروخ بدون أن يحرك ذلك جامعة الدول العربية، كان من الضروري إلقاء نظرة ولو خاطفة على  نشاطات هذه المنظمة منذ تأسيسها وحتى هذا الاجتماع الاخير.
من المعروف أن المبادرة لإقامة جامعة الدول العربية لم تأت من أي طرف عربي بل جاءت من بريطانيا التي كانت في ذلك الوقت تستعمر معظم البلدان العربية حتى الدول العربية السبع التي كانت تعتبر مستقلة مجازا والتي شكلت مجموعة الدول المؤسسة وهي: مصر، المملكة السعودية، سوريا، الاردن، لبنان، العراق واليمن كانت ترزح تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية. ولكن لنتجاوز هذه النقطة ولنسأل: هل حققت جامعة الدول العربية ما جاء في ميثاقها ولو بشكل جزئي؟
أحد أهداف جامعة الدول العربية هو التعاون والتنسيق في الشؤون الاقتصادية بين الأعضاء. في الواقع مثل هذا التعاون والتنسيق يكاد أن يكون معدوما، على عكس منظمات دولية أخرى لا تدعي وحدة الانتماء القومي في أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا التي حققت الكثير من التعاون الاقتصادي فيما بينها ونقلت بلدانها نقلة نوعية في طريق التطور والتقدم الاقتصادي. الفوارق بين الدول العربية الغنية والدول الفقيرة تزداد اتساعا. بعض الدول العربية تعاني من المجاعات المزمنة بينما تقوم الدول الغنية باستثمار معظم ثرواتها في الدول الغربية الرأسمالية غالبا ما تكون في مشاريع غير إنتاجية وتعود أرباحها إلى الدول الغربية.
من نافل القول أن نتكلم عن التنسيق المعدوم بين الأعضاء، كما ينص الميثاق، في الشؤون الثقافية، الاجتماعية، التجارية والصحة. يكفي هنا أن نذكر أن نسبة الأمية في البلدان العربية من أعلى النسب في العالم وأن مجتمعاتها ما زالت عشائرية أو قبلية أو إقطاعية بينما تحصد الأمراض حتى تلك التي اندثرت من معظم بلدان العالم حياة الكثيرين مثل انتشار الملاريا في اليمن والموت جوعا في الصومال.
يتعهد أعضاء جامعة الدول العربية بالعمل على حل النزاعات فيما بينهم. بينما في الواقع تاريخ هذه المنظمة هو تاريخ زرع وتأجيج النزاعات إلى حد الحروب التي لا نهاية لها وتخليد العداء فيما بينها، نرى ذلك منذ قيامها وحتى اليوم على سبيل المثال لا الحصر: بين الجزائر والمغرب، بين مصر والسودان، بين سوريا والعراق، بين الأردن وفلسطين وبين دول الخليج المختلفة.
كما تدعي الجامعة من خلال ميثاقها حرصها على التنسيق السياسي بين أعضائها. ولكنها في الحقيقة تنسق مع غيرها وتتآمر على بعضها. ويصل هذا التنسيق مع الغير إلى درجة التحالف لضرب دولة عربية "شقيقة". مثل الوقوف مع أمريكا وبريطانيا لضرب العراق، والتحالف مع الحلف الأطلسي لضرب العراق والانضمام للتحالفات الدولية والإقليمية لتدمير سوريا واليمن. اما التآمر على فلسطين منذ البداية فحدث ولا حرج. فقد شاركت بعض الدول الأعضاء مشاركة فعلية في صنع النكبة وتقديم فلسطين للحركة الصهيونية على طبق من ذهب لإقامة دولتها الكولونيالية العنصرية. واستمر هذا التآمر بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل واخيرا رعاية اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. حتى عندما كانت تدعي الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله لاسترداد حقوقه المشروعة كانت في الحقيقة تحيك المؤامرات ضده. ويكفي أن نذكر هنا، بينما كانت إسرائيل تعيد احتلال الضفة الغربية وتحاصر ياسر عرفات كانت جامعة الدول العربية تجتمع في بيروت لتقدم لإسرائيل جائزة سمتها "مبادرة السلام العربية" والتي ألقتها هذه بدورها في سلة المهملات لانها عرفت منذ ذلك الوقت انها تستطيع التحالف مع معظم دول الجامعة العربية من غير أن تقدم أي تنازل مهما كان بسيطا. وها نحن نرى التحالف السعودي- الاسرائيلي كيف يتطور أمام أعيننا.
لا تتسع هذه المقالة لسرد كافة الكوارث التي جلبتها هذه المنظمة ليس فقط لدولها بل لشعوبها أيضا. باختصار، ماذا تتوقع من22 دولة فاشلة أن تنتج سوى منظمة أشد فشلا؟
لقد آن الأوان لطي صفحة جامعة الدول العربية مرة واحدة وإلى الأبد وبدأ العمل لإقامة منظمة شعبية مهمتها الأولى التخلص من هذه الأنظمة الفاسدة ومحاربة الهيمنة الامبريالية والصهيونية وتعمل على تحرير الشعوب العربية للحاق بركب الحضارة من جديد.

Thursday, November 09, 2017

بيريسترويكا في السعودية

بيريسترويكا في السعودية
علي زبيدات - سخنين

قال آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، عندما بدأ بتطبيق سياسة البيريسترويكا(إعادة البناء) في منتصف سنوات الثمانين من القرن الماضي، إن هدفه هو إنقاذ البلاد من الانهيار وبعد خمس سنوات احتفل غورباتشوف وحوله زعماء العالم الغربي الذين دعموه وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي رونالد ريغن بالانهيار التام للاتحاد السوفياتي. وتبين فيما بعد أن البيريسترويكا (والغلاسنوست) ليس فقط أنها لم تنقذ الاتحاد السوفياتي بل سارعت في انهياره. هل سينجح محمد بن سلمان بما فشل فيه غورباتشوف؟ هل يستطيع أن ينقذ المملكة السعودية من الانهيار؟
قد يتساءل البعض: ولكن ما العلاقة بين الاتحاد السوفياتي السابق والمملكة السعودية؟ حيث لا يوجد هناك مجال للمقارنة ولا يوجد أي وجه للشبه بين الشخصين أو بين النظاميين. طبعا لكل شخص ولكل نظام خصوصياته وللوهلة الأولى يبدو أن الفرق بينهما شاسع إلى درجة حتى الخيال الجامح يعجز عن الربط بينهما. ولكن الحقيقة أن المشترك بين الحالتين أكثر وأعظم مما تظنون. فجوهر الصراع بين الأنظمة أو داخل النظام الواحد، وليس بالضرورة في الاتحاد السوفياتي السابق والسعودية، هو على الثروة والسلطة: من الذي يسيطر على ثروة البلد وما هو شكل السلطة التي تحقق وتضمن هذه السيطرة؟.
طبعا، لست هنا بصدد دراسة أو تحليل أو حتى الكتابة عما جرى في الاتحاد السوفياتي في تلك المرحلة التي انتهت بإنهياره التام، فهذا موضوع قائم بذاته وقد كتب حوله الكم الكثير وله مناسبته. وفي الوقت نفسه لست بصدد دراسة أو تحليل ما يجري حاليا في السعودية، كل ما هنالك هو كتابة مقالة صحفية متواضعة تتناول الأحداث المتسارعة وتشير إلى جوانبها الأساسية بشكل عام.
المملكة العربية السعودية، وهذا اسمها الرسمي، هي دولة حديثة نسبيا تأسست في عام 1932 ولكنها في الواقع ما زالت تعيش في ظلمات القرون الوسطى من كافة النواحي: من حيث التركيبة العشائرية للمجتمع والنظام السياسي والاقتصادي الإقطاعي بل وفي بعض جوانبه يعود إلى ما قبل الإقطاع، أي إلى العصر العبودي. هذا بالإضافة للتشبث بعادات وتقاليد وتراث ومعتقدات تعود هي الأخرى إلى القرون الوسطى تأبى التغيير، ولكن هبوط الثروة عليها بلا حساب من السماء أو على الأصح تفجرها من باطن الأرض على شكل نفط نقل هذه المملكة الصحراوية خلال سنوات قصيرة إلى القرن العشرين والواحد والعشرين حاملة معها مجتمعها القبلي بعاداته وتقاليده البالية. وهنا يكمن التناقض الرئيسي في السعودية. وقد تفاقم هذا التناقض مؤخرا حتى وصل إلى مرحلة الصدام وأصبح غير ممكن إلا بأساليب عنيفة.  
ما يجري في السعودية ابعد ما يكون عن "مكافحة الفساد" كما صرح ولي العهد بل هو صراع بين الفاسدين داخل العائلة المالكة. فالفاسدون الذين تم اعتقالهم من أمراء ووزراء ورجال أعمال تبلغ ثروتهم أكثر من 2 تريليون دولار مما جعل الملك وولي عهده يشعران بالظلم والاجحاف خصوصا وأن تورط المملكة في النزاعات الإقليمية وخصوصا في سوريا واليمن قد استنزف خزينة الدولة هذا بالإضافة إلى سباق التسلح الذي فرضته المواجهة مع إيران والذي كلف في السنة الأخيرة لوحدها أكثر من 100 مليار دولار ثمنا للاسلحة الامريكية. في ظل هذه الظروف ليس غريبا أن يكون الهاجس الذي يستحوذ على عقلية الطغمة الحاكمة هو كيف يمكن إنقاذ المملكة من الانهيار القادم بخطوات سريعة؟. عندما بدأ ما سمي بالربيع العربي في تونس وقفت السعودية ضده وقدمت الدعم من لزين العابدين بن علي وعندما فشلت في مسعاها استقبلته هاربا. كما وقفت إلى جانب حسني  مبارك في وعارضت إسقاط حكمه، ولكنها مرة أخرى لم تستطع انقاذه. ولكنها دعمت بأموالها إنقلاب السيسي الذي أجهض تطور الثورة في مصر وأعاد نظام مبارك بدون مبارك. وعندما وصل الربيع العربي إلى سوريا غيرت السعودية استراتيجيتها وادعت أنها تقف إلى جانب الثورة السورية ضد النظام، ولكنها في الحقيقة أنقذت النظام السوري من خلال عملها الدؤوب على حرف الثورة عن مسارها الشعبي التحرري  من خلال تقديم الدعم للتنظيمات التكفيرية. وكان هدفها من وراء كل ذلك هو إبعاد رياح التغيير عن المملكة بكل ثمن.

كل ذلك لم يطمئن محمد بن سلمان ووالده على سلامة المملكة والاستحواذ على ثروات البلاد، لذلك نراه يرتمي في أحضان المحور الأمريكي- الصهيوني لعله يوفر لهما سبل النجاة. انهيار المملكة السعودية قادم لا محالة، المسألة مسألة وقت لا أكثر ورياح الحرية سوف تجتاح الجزيرة العربية وتنقل البلاد إلى العصر الحديث.  

Wednesday, October 25, 2017

وعد بلفور - مائة عام من الضياع

وعد بلفور - مائة عام من الضياع
علي زبيدات - سخنين

تمر علينا هذه الايام الذكرى المئوية لوعد بلفور. في هذه الذكرى سوف نكرر للمرة المليون عبارتين اصبحتا عماد أدبنا السياسي ولا غنى عنهما عند الكتابة حول هذا الموضوع. الأولى: وعد بلفور المشؤوم، والثانية: وعد من لا يملك لمن لا يستحق. وكل ما نكتبه ونقوله عدا ذلك ليس سوى تفاصيل. بعد قرن من الزمن وغزارة ما كتب عنه فلسطينيا وعربيا لا يوجد أحد يجرؤ على تجاوز أو انتقاد هذين المصطلحين. ماذا تقول المعاجم العربية عن معنى كلمة مشؤوم؟؟ المشؤوم هو المنحوس، سيء الحظ، المنكود، وباختصار كل ما يجلب الشؤم. كل هذه المعاني ومشتقاتها تشترك بصفة واحدة: التملص من المسؤولية عنها، فهي غيبية، ميتافيزيقية: لسوء حظنا صدر هذا الوعد.. كان شؤما علينا إذ سلخ جزءا عزيزا من بلادنا ومنعنا من الاستقلال والوحدة. المهم، في نهاية المطاف، لا أحد يتحمل مسؤولية الشؤم.
أما العبارة الثانية: "من لا يملك يعد من لا يستحق"، فإننا ننسى أنه في فترة تاريخية معينة كانت الشمس لا تغيب عن ممتلكات الإمبراطورية البريطانية. وأن الحرب العالمية الأولى، التي صدر هذا الوعد في أوجها، كان سببها وهدفها إعادة تقسيم العالم بين الدول الاستعمارية خصوصا وأن ألمانيا انضم إلى نادي الدول الاستعمارية متأخرة وبادرت بالحرب لتضمن "حقها" من السوق العالمية والأراضي التي استولت عليها بريطانيا وفرنسا. وبالرغم من أن فلسطين ودول المشرق العربي كانت في ذلك الوقت تحت السيطرة العثمانية إلا أن بريطانيا كانت تتربص الفرص للاستيلاء عليها وكانت تتعامل معها وكأنها تملكها بالفعل وهذا ما أكدته اتفاقية سايكس- بيكو قبل صدور وعد بلفور بسنة. إذن، كانت بريطانيا "تملك" فلسطين قبل صدور وعد بلفور بسنوات. أصلا أحد أسباب دخولها الحرب العالمية الأولى عام 1914 وشن الحرب على الدولة العثمانية هو الاستيلاء على فلسطين ودول عربية أخرى. وقد حققت غايتها هذه في نهاية الحرب عام 1918. وجاء صك الانتداب ليمنح بريطانيا شرعية دولية لاحتلال فلسطين تحت مسمى لطيف لكن مزيف هو الانتداب، وذلك لكي تستطيع أن تفي بوعدها الذي قطعته للحركة الصهيونية.
هكذا تسلسلت الأحداث باختصار: وضعت بريطانيا عينها على ممتلكات الرجل المريض في تركيا، اتفقت مع شريكتها فرنسا لتقاسمها هذه الممتلكات، أصدرت وعدا لحليفتها الاستراتيجية الواعدة، الحركة الصهيونية، بإقامة وطن قومي لليهود. وفي المقابل منحت حلفاءها العرب الذين حاربوا تركيا إلى جانبها وعودا ضبابية بالاستقلال. عرفت الزعامة العربية برئاسة الشريف حسين وأولاده كل هذه المعطيات حتى السرية منها بعد أن كشفتها الثورة الروسية قبيل نهاية الحرب. إختارت هذه الزعامة، بدلا من مقاومة هذه المخططات واحباطها، طريق المساومة والعمالة. فقد حاولت طوال الوقت أن تقنع بريطانيا بأنها سوف تخدمها أفضل من الحركة الصهيونية. إلا أن بريطانيا لم تقتنع لانها تعرف تركيبة الحركة الصهيونية وتركيبة الزعامة العربية وقد ثبت ذلك فيما بعد، حيث خدمت الصهيونية ومن ثم دولة إسرائيل الاستعمار القديم والاستعمار الجديد على أفضل وجه.
تابعت الزعامة الفلسطينية طوال الحكم البريطاني سياسة الزعامة العربية، التي سميت مجازا بالثورة العربية الكبرى، أي إقناع بريطانيا بأنها سوف تخدمها بشكل أفضل من الحركة الصهيونية،  و كبادرة حسن نية لم تخض مقاومة تذكر ضد وعد بلفور وضد صك الانتداب وضد السياسة الانجليزية التي عملت على قدم وساق لتعبيد الطريق أمام الحركة الصهيونية لإقامة دولتها الموعودة. وبقيت المقاومة محصورة بالاحتجاجات والتمردات الشعبية العفوية. استمرت هذه السياسة حتى قدوم عز الدين القسام في بداية الثلاثينات وقال ما معناه: لا يمكن الفصل بين الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني ولا يمكن مقاومة الأولى والتحالف مع الثانية. غير أن التيار الرئيسي في الحركة القومية الفلسطينية بزعامة أمين الحسيني راهن على بريطانيا حتى اللحظة الأخيرة، حتى نشوب الحرب العالمية الثانية، عندها فقط نقل ولاءه لألمانيا النازية والنتائج معروفة.
اليوم يطالب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس بريطانيا بالاعتذار عن هذا الوعد "المشؤوم". أما بريطانيا فقد صرحت أنه ليس بنيتها أن تعتذر فحسب بل على العكس من ذلك سوف تحتفل بمشاركة إسرائيل بهذه الذكرى. لا أدري بأي عين يطالب رئيس السلطة بريطانيا بالاعتذار وإذا كان جديا بذلك بعد أن قبل بأقل مما ينص عليه وعد بلفور بما لا يقاس. أية مصداقية لمطلبه هذا وهو قد أجهض تقارير متواضعة لإدانة اسرائيل كتقرير غولدستون على سبيل المثال؟ قد يكون هذا المطلب من ناحيته خطوة جيدة للدعاية والاستهلاك المحلي ودغدغة مشاعر الجماهير الفلسطينية، وفي أحسن الحالات نوع من العتب على بريطانيا كيف تعترف بدولة اسرائيل وترفض الاعتراف بدولة فلسطينية على 22% من فلسطين.

رفض وعد بلفور يجب ألا ينفصل عن رفض صك الانتداب، قرار التقسيم، قبول إسرائيل في الأمم المتحدة، قرار 242 و338 واتفاقيات أوسلو وعواقبها. رفض وعد بلفور يجب أن يكون جزءا من رفض الهيمنة الإمبريالية بكل أشكالها القديمة والحديثة. وإذا كان وعد بلفور مشؤوما فإن الزعامة العربية من المحيط للخليج أشد شؤما.