Wednesday, October 30, 2013

الأيدي الملطخة بالدماء الزرقاء



الايدي الملطخة بالدماء الزرقاء
علي زبيدات – سخنين
أليس من سخرية الاقدار أن يتم اطلاق سراح٢٦ أسيرا فلسطينيا، "ملطخة أيديهم بالدماء" حسب القاموس الاسرائيلي، بينما تحيي الجماهير الفلسطينية ذكرى مجزرة كفر قاسم؟ لم تكن هذه المجزرة كما يعرف الجميع الاولى في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية التى تحولت الى دولة محترمة يطلب ودها القاصي والداني، بل سبقتها مجازر عديدة، ولم تكن الاخيرة فقد أعقبتها مجازر عديدة وكل الدلائل تشير إلى انها لن تتوقف مستقبلا أيضا. علي كل حال، لست هنا بصدد ذكر كافة هذه المجازر إو قياس كمية الدماء المسفوكة من الشعب الفلسطيني ولكن الخلاصة التي لا بد أن يتوصل اليها كل مراقب يتحلى بالقليل من الموضوعية: إذا كانت أيدي هؤلاء الاسرى المحررين ملطخة بالدماء فإن أجسام آسريهم من قمة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم تقطر بالدماء. ولكن يبدو أن دماء الاسرائيليين على غرار دماء ملوك ونبلاء القرون الوسطى هي دماء زرقاء، كيف لا وهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار؟ بينما دماء الفلسطينيين ليست حتى حمراء كباقي دماء البشر بل هي أشبه ما تكون بالمياة المسكوبة سدى على جوانب الطرقات. هذا بالطبع من غير التطرق الى أسباب سفك الدماء من كلا الطرفين إذ لا يعقل المقارنة بين من يدافع عن نفسه وبيته وأرضه وبين من يغزو ويشرد الآخرين ويحتل وطنه.
بما أن هذه المسألة حساسة جدا بالنسبة للجميع، أقترح مد خط فاصل بين إطلاق سراح الاسرى على الصعيد الشخصي وبين تجارة الاسرى أو عملية التبادل التجاري بالاسرى بين السلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل. على الصعيد الشخصي، إطلاق سراح كافة الاسرى من غير قيد أو شرط هو حق تكفله كافة القوانين الدولية التي تعترف بشرعية النضال من أجل الحرية والاستقلال والعودة، وتحمل الجانب المعتدي وليس المعتدى عليه المسؤولية الاولى والاخيرة عن سفك الدماء. تبدأ المشكلة عندما يتحول هذا الحق إلى تجارة بين فرقاء يتحركون وفق المبدأ الرأسمالي حول الربح والخسارة.
الدفعة الثانية من الاسرى المحررين بعد تجديد المفاوضات لا تشير إلى أي تقدم في المفاوضات نفسها، على العكس من ذلك تماما فكلا الطرفين يؤكدان بأن المفاوضات لم تتقدم قيد أنملة. وربما هذا الوضع بالذات هو السبب الرئيسي وراء اطلاق سراح هذه الدفعة في هذا الوقت بالذات. بالنسبة للسلطة الفلسطينية التي تعرف تمام المعرفة أكثر من غيرها عبثية هذه المفاوضات وطريقها المسدود من قبل أن تخوضها، هذا بالرغم من كل التنازلات التي قدمتها، فلم يعد لديهاشيء تلوح به أمام جمهورها سوى اطلاق سراح ٢٦ أسيرا مما يتيح الفرصة أمام رئيسها ليقول إنه سوف يستمر بالمفاوضات حتى اطلاق سراح كافة الاسرى. بالنسبة للطرف الاسرائيلي، وبعيدا عن ضجة التي يثيرها اليمين الصهيوني المتطرف حول الايدي الملطخة بالدماء، فهو يضرب عصفورين بحجر واحد: من جهة يظهر لما يسمى بالمجتمع الدولي وخصوصا أمريكا وأوروبا بأنه ملتزم ب"العملية السلمية" ويقدم ثمنا باهضا لهذا الالتزام، ومن أخرى يستمر في سياستة الرامية الى تهويد ما تبقى من القدس العربية والاراضي الفلسطينية المحتلة. فقبل أن يستنشق الاسرى النفس الاول من نسيم الحرية كانت الحكومة الاسرائيلية تبادر إلى بناء ١٥٠٠ شقة جديدة في القدس بالاضافة الى مشاريع أخرى هدفها محو المعالم الفلسطينية من المدينة، وهذا ما فعلته خلال اطلاق سراح الدفعة الاولى قبل عدة أشهر وهذا ما ستفعله خلال في الدفعة الثالثة والرابعة أيضا. هل هذه هي الصفقة التي لا يريد الطرفان الاعتراف بها رسميا: ٦٠ شقة استيطانية مقابل كل أسير محرر؟
حسب اتفاقيات أوسلو من قبل عشرين سنة كان من المفروض أن يتم إطلاق سراح جميع الاسرى بالاضافة الى قيام دولة فلسطينية مستقلة والاعلان عن نهاية الصراع العربي الاسرائيلي. ولكن شيء من هذا لم يحصل. اختطاف جندي اسرائيلي واحد أمن اطلاق سراح أسرى أكثر مما أمنته مفاوضات على مدار عشرين سنة. أقترح هنا ألا نحمل رئيس السلطة أكثر مما يستطيع أن يحمل، وفي كل مرة يطلق سراح بعض الاسرى نصرخ: وماذا مع أسرى الداخل؟ وماذا مع أسرى القدس؟ فالرجل يصرح بكل مناسبة ومن غير مناسبة انه ضد اعمال المقاومة التى يقوم بها هؤلاء الاسرى فكيف ترجون منه أن يعمل على تحريرهم بدون صفقات تعود عليه ببعض الفوائد السياسية على الاقل؟ من يؤمن بأن المفاوضات سوف تتمخض في نهاية المطاف عن حل عادل للقضية الفلسطينية فمن حقه أن يؤمن بأنها سوف تكفل اطلاق سراح كافة الاسرى. ومن يؤمن بأن حل القضية لا يمكن انجازه الا من خلال الاستمرار بالنضال التحرري الثوري فإن قضية الاسرى تبقى عنصرا أساسيا من هذا النضال.

Wednesday, October 23, 2013

انتهى الصراع على فقاقيع الهواء


انتهى الصراع على فقاقيع الهواء
علي زبيدات – سخنين

لم اشارك في احتفالات المرشح الفائز بكرسي رئيس البلدية التي اقضت مضاجع البلد منذ معرفة النتائج وحتى شروق الشمس وذلك لأني لم أكن شريكا في هذا الفوز. ولن اشارك في الاحتفالات القادمة التي مما لا شك فيه سوف تشمل على كل ما لذ وطاب. ولكني اذا ما صادفت الرئيس المنتخب صدفة فلن ابخل عليه بكلمة مبروك بعد تذكيره بواجبه. بالمقابل لن اشارك المرشح الخاسر في اتراحه، ليس من باب الشماتة لا سمح الله بل لأني هنا أيضا لم أكن شريكا في خسارته. وقد ابادر بتعزيته اذا ما قابلته صدفة. تقاعست عن النضال، على عكس ٩٠٪ من ابناء بلدي الذين خاضوا "معركة" الانتخابات البلدية ببطولة فائقة، ودفنت نفسي في زاوية مظلمة مقاطعا الانتخابات، وهذه بحد ذاتها تعد خيانة عظمى في قاموس الثورة. ولكني لست نادما على هذا الموقف. واكثر من ذلك فقد قررت أن احبس نفسي في المنزل يوميين اضافيين على الاقل وألا اخرج للشارع حتى تعود البلد التي اعرفها الى طبيعتها بعد أن تتنظف جدرانها من صور المرشحين التى نافس صور نجوم هوليوود من حيث الفخامة والالوان الزاهية وسيارتها من الاعلام وشوارعها من الاوراق، وحتى تزول التجمعات "الشبابية" من الساحات العامة ومن امام بيوت المرشحين.
يقص علينا جبران خليل جبران في احدى قصصه القصيرة قصة الثعلب الذي خرج من مأواه عند شروق الشمس فتطلع الى ظله منذهلا فقال: "سأتغذا اليوم جملا" ثم مضى في سبيله باحثا عن جمل يلتهمه الصباح كله، وعند الظهيرة تفرس في ظله ثانية وقال: "بلى، ان فأرة واحدة تكفيني". بعد أن تبخرت الدعاية الانتخابية، وانتهت المهرجانات، وتوقف التلويح بالكوفية، وغابت الشمس التي كتبوا عليها اسم البلد وفترت الهمة القوية من كثرة الشد، عاد المرشحون الفائزون منهم والخاسرون الى حجمهم الطبيعي. النسيج الاجتماعي والقيم الاخلاقية التي تم انتقائها حجرا حجرا وبنيت مدماكا مدماكا خلال خمس سنوات تم هدمها خلال شهر واحد. على غرار المثل الذي يقول: يحتاح الجسر الكبير إلى سنوات لبنائه وإلى دقائق معدودة لتفجيره. كل ذلك باسم الديمقراطية التي تعني في قاموسنا الديماغوغية والرشوات وشراء الذمم وغياب الوعي. لا بأس فأمامنا خمس سنوات لاعادة بنائها او ترميمها لكي نهدمها من جديد في الانتخابات القادمة بعد خمس سنوات.
السياسة التي خططت لها الدولة وفصلتهاعلى مقاسنا قمنا بتطبيقها على انفسنا بحذافيرها. كمن يقع بالفخ بارادته ويغلق على نفسة كافة الابواب مقابل بعض الفتات التي تقدمه لنا مؤسسات هذه الدولة التي ندمغها صباحا مساء بالعنصرية والتمييز. ولا مانع بأن نعلل انفسنا بالكذب والاوهام ونقول: جئنا لنقدم الخدمات (والكرامة) لابناء بلدنا. هل يوجد هناك رئيس بلدية أو مجلس محلي واحد انتخب على اساس تحدي هذه المؤسسات وسياستها العنصرية؟ لا أظن. ولكن بالمقابل هناك العديد من الرؤساء الذين انتخبوا حصرا لتنفيذ سياسة الدولة في مدننا وقرانا من وراء قناع الوطنية وتقديم الخدمة للمواطنين.
لقد قيل الكثير وكتب الكثير عن غريزة حب السلطة عند الانسان، حب الهيمنة والسيطرة، حب الظهور، حب الذات والتشبث بالرأي، حب الجلوس والالتصاق بالكرسي. ولكن الغريب أن هذه الغريزة تنمو وتترعرع عندنا في ظل خضوع تام للمؤسسة الاسرائيلية التي تدوس على كرامتنا يوميا. فإذا اردتم ان تمارسوا حب الجاه والسلطان فعليكم أن تتحرروا ولو قليلا أولا. لا يوجد ابشع من خادم وضيع يمارس السيادة والهيمنة على غيره.
انتهت الانتخابات المحلية بما انتهت عليه. كل الاخبار بالتفصيل الممل موجودة في الجرائد والمواقع الاخبارية وباقي وسائل الاعلام المرئي والمسموع. وجيد انها انتهت مع اني كنت افضل ألا تبدأ. لا حاجة للتحليل والتقييم: لماذا فاز هذا وخسر ذاك ولماذا ما زلنا نسير كالقطيع وراء راع يحترف حبه لذاته ولماذا نتهافت على الصناديق ضعف جيراننا أصحاب السلطة الحقيقية في هذه البلاد. كل شيء واضح واذا لم يكن واضحا للجميع فأمامنا خمس سنوات لتتضح لنا الصورة بكافة ملامحها وسماتها. عندما تتفجر فقاقيع الهواء بين اصابعنا ونشعر بأقدامنا مرة اخرى ترتطم بأرض الواقع سوف نتوصل جميعنا للنتيجة نفسها وهي أن هذه الدولة لا تمت لنا ولا نمت لها بصلة.
من يريد أن يحتفل ب"انتصاره" فليحتفل ومن يريد أن يترك وشأنه لمواجهة خسارته فليفعل. أما أنا فسوف الجأ لبعض الوقت الى الحزن والتفكير.

Wednesday, October 09, 2013

حرب الشعب جيش الشعب


حرب الشعب جيش الشعب
علي زبيدات – سخنين
"الدرس الاكبر الذي تعلمناه من تجاربنا في معركة ديان بيان فو هو أن أمة ضعيفة، صغيرة وجيش شعبي، قررت أن تنهض، توحد صفوفها وتحارب من أجل الاستقلال والسلام، سوف تمتلك القوة الكاملة من أجل دحر القوى المعتدية حتى ولو كانت قوة إمبريالية مثل الامبريالية الفرنسية المدعومة من الولايات المتحدة الامريكية". الجنرال فو نغوين جياب.
توفي هذا الجنرال الاسطورة، بطل استقلال فيتنام وبلدان الهند الصينية عن عمر يناهز ١٠٢ عاما. لقد مرمغ الجنرال جياب، الذي كان الساعد الايمن للزعيم هوشي منه، أنف أكبر قوتين امبرياليتين عرفهما التاريخ المعاصر في اوحال مستنقعات فيتنام ضاربا درسا قي كيفية انتزاع الحرية والاستقلال قدمه إلى كافة الشعوب المضطهدة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. لقد كان الجنرال جياب واحدا من أعظم ثلاثة ثوار في دول العالم الثالث إلى جانب ماو تسي تونغ وتشي جيفارا، الذين رسموا وشقوا الطريق على صعيد النظرية والممارسة أمام الشعوب المضطهدة لكي تقف شامخة الهامة وتطرد الامبرياليين من اوطانها.
بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن هناك حركة ثورية واحدة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بل في اوروبا وامريكا الشمالية ايضا لم تتأثر ولم تتعلم من هذا الثالوث الثائر. فلسطين لم تكن استثناء، ما زلت اذكر كيف كنا نحن الاسرى السياسيين في منتصف سنوات السبعين في سجن الرملة المركزي، وبغض النظر عن انتماءاتنا التنظيمية، نجلس في حلقة واسعة نقرأ ونناقش ونتعلم مما تيسر لنا من مواد شحيحة كتبها هؤلاء العظماء وتسربت داخل السجن. ما زلت اذكر كم كنت محظوظا عندما قمت بترجمة بعض الفصول من كتاب للجنرال جياب بعنوان:"حرب الشعب جيش الشعب" وبعض كتابات ماو تسي تونغ من الانجليزية الى العربية. كنا في ذلك الوقت نحلم بأن نحقق دعوة تشي جيفارا الذي قال:"لا حياة خارج الثورة ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة وأكثر". كنا نتكلم عن حرب التحرير الشعبية طويلة الامد، عن حرب العصابات والحرب المتحركة والحرب الخاطفة وحرب الابادة. كنا نتكلم عن الدفاع الايجابي والدفاع السلبي وعن التراجع الاستراتيجي والهجوم المضاد الاستراتيجي. كنا نتكلم عن دور الحزب الثوري في قيادة الجماهير، تعبئتها، تثقيفها وتسليحها. هذه المصطلحات سرعان ما تلاشت من الساحة الفلسطينية حتى انقرضت تماما وحلت مكانها مصطلحات "السلطة الوطنية"، "الدولة المستقلة"، المفاوضات، المؤتمرات وقرارات الامم المتحدة والمجتمع الدولي وغيرها من المصطلحات التي وأدت الثورة الفلسطينية وهي في مهدها. وقد بدأت هذه المصطلحات تكتسح الساحة الفلسطينية منذ أن تبنت القيادة الفلسطينية ما سمي في حينه (عام ١٩٧٤)بالبرنامج المرحلي. وكلما تفاقمت واستفحلت كانت توصف بالانتصارات هكذا كانت دعوة ياسر عرفات الى الامم المتحدة في جنيف لكي يعترف بقرار ٢٤٢ ويدين "الارهاب" انتصارا. وخطاب غصن الزيتون والبندقية في نيويورك انتصارا، وجلوس المنظمة مع امريكا مباشرة انتصارا واعلان الاستقلال الوهمي في الجزائر انتصارا، واجهاض الانتفاضة لصالح اتفاقيات أوسلوا انتصارا. وهكذا توالت الانتصارات حتى كدنا في ظل القيادة "الحكيمة" لمحمود عباس أن عراة أمام التاريخ والقضية ونفقد حتى ورقة التين التي تغطي عوراتنا.
نعود إلى الثائر الحقيقي الجنرال جياب: وهو على فكرة لم يصبح جنرالا لأنه تخرج من احدى الكليات العسكرية كما هو حال معظم جنرالات العرب الذين تخرجوا من الكليات العسكرية الغربية ولم يتعلموا سوى لغة الخنوع، بل اصبح جنرالا لأنه آمن بأن عنجهية وغطرسة المعتدين لا يتم سحقها الا بواسطة عنفوان وتضحيات الجماهير الكادحة وطبق ذلك على أرض الواقع. تسع سنوات من حرب الشعب بقيادة جيش الشعب تتوجت في عام ١٩٥٤ في معركة ديان بيان فو بالانتصار العظيم الذي لم يبق امام المستعمر الفرنسي الا أن يعض على ذيله ويغادر فيتنام ذليلا مهزوما. الا ان الحرب لم تنته عند هذا الحد فقد ابتليت فيتنام بعدو اشد عنجهية وغطرسة وشراسة وهي الامبريالية الامريكية الصاعدة، التي لم تكتف بأخذ مكان الامبريالية الفرنسية بل عملت على تقسيم البلاد إلى شمال وجنوب وهذا الامر لا يقبله ثائر حقيقي كالجنرال جياب. لقد ظنت امريكا أن سياسة البطش والارض المحروقة وابادة قرى بكاملها سوف تؤمن لها النصر. ولكن بعد عشر سنوات من النضال الاسطوري كان مصير امريكا اسوأ بما لا يقاس من مصير الفرنسيين. فقد افاق عمال فيتنام وعمال العالم اجمع في الاول من ايار عام ١٩٧٥ ولم يجدوا جنديا أجنبيا واحدا على ارض فيتنام بعد ان جرت فلولهم ذيول الهزيمة والذل وهم يهرولون للحاق بآخر طائرة . وهكذا بعد ما يقارب نصف قرن ما زالت امريكا تعاني من عقدة فيتنام ولا يبدو انها ستتحرر منها لسنوات طويلة قادمة.
في هذه الايام الحالكة من تاريخ شعبنا الفلسطيني وامتنا العربية ما احوجنا الى نبراس ثوري كالجنرال جياب.



Wednesday, October 02, 2013

التطبيع الثقافي في السينما الاسرائيلية - الفلسطينية



التطبيع الثقافي في السينما الاسرائيلية -الفلسطينية
علي زبيدات – سخنين
لست ناقدا سينمائيا ولا علاقة لي بأي مجال يتعلق بالسينما من اخراج أو تمثيل أو كتابة سيناريو او أي شيء آخر اللهم سوي اني من عشاق مشاهدة الافلام. من هذا المنطلق، وبعد أن شاهدت الحملة الاسرائيلية المحمومة لاختراق الوعي الفلسطيني بواسطة ما يسمى بالسينما المشتركة الاسرائيلية الفلسطينية، قررت أن اكتب هذه السطور على أمل أن يقوم بعض المحترفين في النقد السينمائي بدراسة هذه الظاهرة وفضح مخاطرها وجوهرها التطبيعي.
عندما كنت يافعا بالسن كنت مغرما بمشاهدة افلام رعاة البقر الامريكية وكم صفقت للبطل جون وين وهو يطلق النار على الهنود الحمر ويرديهم قتلى بالعشرات . فهو ورجاله من حملة المسدسات يمثلون الخير بينما يمثل الهنود بسكاكينهم ورماحهم الشر المطلق وبالتالي لا بد من ابادتهم عن بكرة أبيهم. وكنت اشاهد افلام العنف الامريكية واتماثل مع البطل الامريكي (رامبو وغيره) وهو يقتل الفيتناميين بالجملة وكأنهم حشرات ضارة.
فيما بعد اكتشفت كم كنت سخيفا وانا اشاهد مثل هذه الافلام واتماثل مع ابطالها. تغيرت نظرتي وبدأت انتقي الافلام بما يتلاءم مع تطور وعيي السياسي. ولكن بالمقابل السينما الامريكية هي الاخرى تطورت فلم تعد تصنع افلاما تصور قتل الهنود بالجملة بل على العكس أنتجت افلاما تتعاطف مع الهنود وتصور قسوة المستوطنين الامريكيين تجاههم. وبدأت تصنع افلاما ضد الحرب وتصف الجرائم الامريكية في فيتنام وغيرها من البلدان. ولكنها استمرت في دس السم في الدسم وهذه المرة بصورة ذكية قد تنطلي على اشد المشاهدين وعيا وكان هدفها النهائي التركيز على تفوق الحضارة الغربية والقيم الغربية. هذا ما تحاول السينما الاسرائيلية صنعه اليوم من خلال موجة التطبيع السينمائي وآخر هذه المحاولات وليس اولها هو فيلم "بيت لحم" للمخرج الاسرائيلي يوفال ادلر وكاتب السيناريو العربي علي واكد والذي حاز على جائزة اقضل فلم اسرائيلي (أوفير) وبذلك تم اختياره ليمثل اسرائيل في مهرجان الاوسكار المعروف. يؤكد المخرج الاسرائيلي وكاتب السيناريو العربي أن الفيلم ليس سياسيا أصلا ولا يفضل طرفا على طرف آخر فلا يوجد هناك اسود وابيض في الفيلم بل يصف المنطقة الرمادية التي تظهر الطابع الانساني للاحتلال.أالا تدعي دولة اسرائيل منذ سنوات طويلة بانها تمارس احتلالا متنورا وحضاريا في الاراضي الفلسطينية؟ والا تدعي بأن جيشها هو الاكثر اخلاقية من جيوش العالم وان سلاحه من أطهر الاسلحة؟ طبعا الاحتلال مهما كان متنورا والجيش مهما كان اخلاقيا والسلاح مهما كان طاهرا فهي غير معصومة عن الخطأ. وهذه الاخطاء يمكن نقدها وهذا ما يفعله هذا الفيلم وباقي افلام التطبيع. وهذا بدورة يعتبر برهان قاطع على ديمقراطية الدولة. من اجل ذلك تكون الدولة على اتم استعداد لتمويل جزئي او كامل للفيلم عن طريق " الصندوق لتشجيع افلام نوعية أصلية" أو أية مؤسسة اسرائيلية اخرى.
السينما بصفتها وسيلة اعلامية فنية راقية تتمتع بقوة سحرية تجعلها قادرة على تشوية الحقائق والتلاعب بالعواطف وتجعلك بدون أن تشعر تتماثل مع الشرير الذي يقوم بدور البطولة بعد أن تحوله الى رمز للخير وتحاول أن تجد له الاعذار والتبريرات وتجد نفسك تتفهمه وتغفر له اخطاءه. هذا الشعور انتابني ايضا وأنا أشاهد فيلم " خمس كاميرات مكسورة" للمخرج الاسرائيلي جي دافيدي بالتعاون مع عماد برناط. وبالرغم من أن الطرفين قد اتفقا على وصف الفيلم بأنه فيلم فلسطيني بشكل كامل يصف نضال قرية بلعين ضد جدار الفصل العنصري على مدار سبع سنوات الا أن السفير الاسرائيلي في امريكا في سياق تمنياته للفيلم بالفوز أصر على أن الفيلم اسرائيلي حاز علي تمويل اسرائيلي رسمي وبصفته هذه خاض المنافسة للحصول على جائزة الاوسكار كأحسن فلم احنبي.
محاولات اسرائيل التطبيعية في السينما والتي تشهد في السنوات الاخيرة مدا خطيرا بدأت في ثمانينات القرن الماضي ولم تنقطع حتى اليوم واذكر على سبيل المثال لا الحصر الافلام التالية: خربة خزعة، خمسين، وراء القضبان، جسر ضيق جدا، عجمي وغيرها.
دولة اسرائيل بحاجة لهذا التطبيع السينمائي لفك عزلتها السياسية المتنامية على الصعيد الدولي، لتجميل وجهها الذي بشعته جرائم الحرب التي اقترفتها، للترويج لديمقراطيتها المزيفة ولتبرئتها من العنصرية والفاشية وكونها مصدرا لتأجيج الفتن والحروب ومصدرا لتهديد السلام العالمي.
يجب الحذر من هذا التطبيع الثقافي للسينم بحجة المشاركة، وفضحه في كافة وسائل الاعلام ومناهضته على جميع الاصعدة، ودعوة المهنيين في هذا المجال لكي يقوموا بدورهم كما ينبغي.

Wednesday, September 25, 2013

الانتخابات والذكرى


الانتخابات والذكرى
علي زبيدات – سخنين

تحيي جماهيرنا في هذا الجزء من الوطن المحتل على مستوى قطري وبشكل جمعي ثلاث مناسبات هي: يوم الارض، ذكرى النكبة وذكرى هبة القدس والاقصى. وكان إحياء هذه المناسبات يتعرض دوما إلى حالة من المد والجزر، وفي معظم الاحيان، على الاصح، إلى القليل من المد والكثير من الجزر. وذلك لاسباب عديدة اهمها حسب رأيي الطبيعة المحافظة للهيئات القيادية على كافة المستويات من لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية مرورا بالاحزاب السياسية وحتى لجان وهيئات ما يسمى بالمجتمع المدني. ولكن بالرغم من هذه القيادات وليس بفضلها كانت الجماهير الفلسطينية تشارك بقدر الامكان في احياء هذه المناسبات لانها كانت وما زالت تمس وجدانها وصراعها من أجل البقاء. وكانت الفئات الاكثر وعيا والتزاما من جماهير شعبنا تطالب بالاعتراف بهذه المناسبات الثلاثة كمناسبات وطنية يتم إحيائها على الاقل باعلان الاضراب العام. للأسف الشديد النجاح في هذا المجال محدود جدا والغلبة في النهاية كانت إلى جانب الهيئات القيادية المحافظة.
اليوم نخطو خطوة اخرى الى الوراء. فقد فاجأتنا وسائل الاعلام المحلية بأن اللجنة الشعبية في سخنين والتي تضم كافة الفعاليات السياسية بالاضافة للبلدية ولممثلي ذوي الشهداء قد قررت الغاء المسيرة التقليدية والتي لم تنقطع منذ عام ٢٠٠٠ وفي كثير من السنوات كانت المسيرة المركزية للجماهير العربية وذلك بسبب قربها من الانتخابات المحلية وخوفا من وقوع "احتكاكات بين الاطراف المتنافسة خصوصا بين الشباب الذين يصعب السيطرة عليهم" . وقرأت في الوقت نفسه أن اللجنة الشعبية في عرابة هي الاخرى تناقش الغاء المسيرة للاسباب نفسها. وربما كانت هناك مدن وقرى فلسطينية اخرى ستقتدي بهذا النموذج.
كنت قد كتبت في الماضي وفي مناسبات عديدة ضد محاولات تحجيم هذه الذكرى ابتداء من الاسم الذي اطلق عليها. فمعظم وسائل الاعلام تسميها هبة اكتوبر، بعضها يستعمل هبة القدس والاقصى أو حتى يوم القدس والاقصى ومنها من يكتفي بذكرى الشهداء ال١٣ الذين سقطوا في احداث أكتوبر ٢٠٠٠. وطالبت بأن يكون الاسم الرسمي: "ذكرى انطلاقة انتفاضة القدس والاقصى" والتي تعرف شعبيا بالانتفاضة الثانية. وكنت اعرف مسبقا ان مصير هذه التسمية الفشل ليس فقط جراء معارضة القيادات التقليدية ولا مبالاة الاوساط التقدمية بل ايضا لأن السلطة الفلسطينية قد شنت حربا شرسة على هذه الانتفاضة حتى وصفها ابو مازن بأنها اكبر خطأ وقد دمرتنا، وفي كل مرة تذكر فيه هذه الانتفاضة يتعهد بألا تكون هناك انتفاضة ثالثة مهما كانت الظروف.
وبما أن الانسان لا يستطيع أن يحقق كل ما يتمناه قبلت كالآخرين بالشكل الراهن للذكرى على امل أن يتصاعد النضال وينتقل الى اشكال ارقى مستقبلا. ولكن أن يحصل هذا التراجع؟ حتى الخوف من تنظيم مسيرة؟ ولماذا؟ ليس بسبب تهديدات سلطوية ولكن بسبب الانتخابات المحلية وامكانية حدوث احتكاكات نحن في غنى عنها. هذا الكلام غير مقبول مع كل الاحترام لعائلات الشهداء فالذكرى اصبحت ملكا للجماهير كما اصبح الشهداء انفسهم ملكا للجماهير. قد تكون هناك احتكاكات وقد تكون هناك مشاكل ولكن اصابع الاتهام يجب ان توجه في هذه الحالة للذين خلقوا هذه الاحتكاكات وليس للمسيرة. ومن لا يستطيع أن يسيطر على اتباعه لا يستحق أن يكون مسؤولا عن بلد بكامله.
طبعا يوجد اشكال اخرى للذكرى. يمكن زيارة الاضرحة ووضع اكاليل الورود، ويمكن زيارة ذوي الشهداء، ويمكن تخصيص ساعات تثقيفية في المدارس والتي ثبت حتى الان انها مجرد ضريبة كلامية لا تطبق . ولكن هل هذه الاشكال كافية وتليق بهذه الذكرى؟
في المستقبل قد تأتي الانتخابات متزامنة مع ذكرى يوم الارض مثلا فهل يجب الغاء مسيرة يوم خوفا من وقوع "احتكاكات"؟ . فاذا تقبلنا هذا المنطق فمن الافضل أن نلزم بيوتنا بعد أن نوصد ابوابها فهذه هي الطريقة الافضل الانجع للابتعاد عن النزاعات والمشاحنات.
أنا شخصيا أفضل مسيرة شعبية مع "احتكاكات" على الغاء المسيرة بالمرة. وكم كنت اتمنى أن تكون هناك احتكاكات في جميع مناسباتنا الوطنية بشرط أن توجه للعنوان الصحيح، للذين فرضوا علينا ذكرى هذه المناسبات المأساوية.

Wednesday, September 18, 2013

ذاكرة بين حربين


ذاكرة بين حربين
علي زبيدات – سخنين

من حيث المبدأ أنا ضد الحرب، كل حرب بغض النظر عن تعريفاتها وتصنيفاتها المتعددة: حرب امبريالية، حرب عدوانية، حرب عادلة، حرب تحررية، حرب هجومية، حرب دفاعية، حرب اختيارية، حرب مفروضة، إلى ما هنالك من تصنيفات. الحرب هي الحرب دائما وأبدا: قتلى، جرحى، مشردين، دمار، مجاعات، مصائب، مآسي والقائمة طويلة. ولكن، وهنا يوجد ولكن كبيرة، الحرب موجودة منذ بدء الحضارة البشرية وحتى اليوم، وهي موجودة موضوعيا بغض النظر عن ارادة وتمنيات الغالبية العظمى من بني البشر حتى هؤلاء الذين يحرضون عليها ويشعلونها ويخوضونها. فنحن هنا نقف امام معضلة حقيقية: نكره شيئا ولا نريده ولكننا في الوقت نفسه لا نتوقف عن ممارسته. فما العمل؟
انا شخصيا استسلم: الحروب لن تتوقف ولن تنتهي ما دامت هناك حياة على هذا الكوكب. ولا أومن بمجيء وقت يسكن الذئب به مع الخروف بينما بالكاد يستطيع الانسان أن يسكن مع الانسان. ولن يأتي وقت تتحول به السيوف إلى سكك والرماح الى مناجل بالعكس فالسيوف تتحول إلى دبابات وطائرات مقاتلة ومدافع والرماح تتحول الى صواريخ وقنابل فتاكة. وكلما ازدادت ثرثرتنا عن السلام كلما ازدات الحروب شراسة ووحشية. مرة اخرى: ما العمل؟
لقد وجدت إن افضل طريقة لمنع الحرب أو على الاقل لتحجيم اضرارها الى الحد الادنى هو عكس المعادلة السائدة حاليا: الكلام ضد السلام ومع الحرب. هل يبدو ذلك غير منطقي وغير عقلاني وغير اخلاقي؟ حسنا، اذا كانت ثرثرتنا عن السلام تتمخض عن المزيد من الحروبات الشرسة فلماذا لا نجرب؟
كانت هذه مقدمة ضرورية لكي استوعب ما قرأته في وسائل الاعلام الاسرائيلية في الذكرى الاربعين لحرب اكتوبر ١٩٧٣ والتي يطلقون عليها حرب الغفران ونسميها نحن تارة بحرب رمضان وطورا بحرب تشرين التحررية، وفي الوقت نفسه لكي استوعب ذاكرتي الخاصة عن هذه الحرب. من الواضح أن المجتمع الاسرائيلي بما فيه الجيش الذي وصف في يوم من الايام بالجيش الذي لا يقهر وبعد مرور ٤٠ سنة ما زال يعاني من الصدمة (بأل التعريف) وهذه الصدمة حسب رأيي سوف ترافقه لسنين طويلة قادمة. هذا بالرغم من ان هذه الحرب لم تلحق به أية هزيمة. على العكس ما خسره عسكريا عوضه بربح صاف على الساحة السياسية فيما بعد(اتفاقيات كامب ديفيد، وادي عربة وأوسلو). كان يكفي اسبوع واحد من الهجوم والصمود لكي يدب الرعب في قلبه لاجيال عديدة قادمة ويزيد من عجزه.
لا استطيع أن اتذكر حرب تشرين ١٩٦٧ بدون أن اتذكر حرب حزيران ١٩٦٧ . كنت حينها طالبا سنة أولى في الثانوية عندما دخل علينا مدير المدرسة ونحن نقدم احد الامتحانات قبل العطلة الصيفية وقال لنا: "ظبوا كتبكم ودفاتركم واذهبوا الى البيت، لقد بدأت الحرب". ستة أيام لم تكن كافية لاحتلال ما تبقى من فلسطين بالاضافة الى سيناء والجولان وحسب بل ايضا لالحاق هزيمة جديدة في نفوسنا المهزومة اصلا. لقد أصابتناحرب حزيران في كرامتنا وفي نظرتنا الى انفسنا. كنت أرى الشماتة في عيون كل اسرائيلي حتى عندما اكون متوهما. حرب اكتوبر ١٩٧٣ في اسبوعها الاول اعادت لنا الحياة. الجيش المصري يعبر القناة، يحطم خط بارليف ويجتاح سيناء. الجيش السوري يدخل الجولان، يتجه نحونا ويقترب منا وبدأنا في الجليل نستعد لاستقباله. كان حلما جميلا واللعنة على الذي ايقظنا منه.
بالرغم من تقلبات هذه الحرب لا يمكن بخسها من اهميتها. فالكيان الاسرائيلي لم يتحرر من الصدمة بعد وليس من باب الصدفة انه لم ينتصر في كافة حروبه اللاحقة وقد شن حروبا عديدة بعدها:حروب لبنان ١٩٧٨، ١٩٨٢، ٢٠٠٦ وحروب غزة ٢٠٠٨ و٢٠١٢ . صحيح انه لا يزال يحقق الانتصارات السياسية على الانظمة المهزومة. ولكن هذه الانتصارات من منظور تاريخي ليست سوى فقاعات سرعان ما تتلاشى وتزول.
للأسف الشديد الحروب لن تنتهي وسوف تستمر في التدمير وازهاق الارواح. ولن نستطيع ايقافها عن طريق مفاوضات عبثية أو تدخلات ما يسمى بالمجتمع الدولي.
الحرب على الحرب هي الطريق الوحيدة التي تضمن للشعوب العيش بسلام ولو كان سلاما نسبيا.

Wednesday, September 11, 2013

عندما تصبح إهانة المرأة العربية رمزا لنهوضها


عندما تصبح إهانة المرأة العربية رمزا لنهوضها
علي زبيدات – سخنين
نتفق جميعا على أن وضع المرأة العربية في هذه البلاد (وفي كافة البلدان العربية) في غاية السوء. بل في كثير من الاحيان وضعها مزري جدا ويثير الشفقة إلى درجة الاحباط. تكاد المرأة العربية أن تكون مغيبة بصورة شبه كاملة ليس عن الساحة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فحسب ولكنها في الوقت نفسه تعاني من الاجحاف والقمع والكبت والاستغلال في كافة مجالات الحياة. هذا الوضع المأساوي لا يمكن أن يتغير من خلال دعوات نفاق صادرة عن رجال تحركهم الشوفينية الذكروية في إطار الانتخابات المحلية ولا من خلال دعوات صادرة عن نسويات يلهثن وراء الشوفينية الذكروية (بعد شن الهجوم الكلامي الكاسح عليها طبعا).
منذ فترة وانا اتابع الحملة الاعلامية لتشجيع ودعم مشاركة المرأة العربية في الانتخابات المحلية كما تابعت في السابق الحملة لترشيح نساء عربيات في اماكن مضموتة في انتخابات الكنيست، وكأن اندماج المرأة العربية في اجهزة السلطة الاسرائيلية أصبح هو المقياس بل هو المقياس الوحيد لرفع مكانة المرأة والنهوض بها مع انه حسب رأيي هو إهانة وإذلال للمرأة العربية الفلسطينية.
للتذكير فقط، لمن يعاني من قصر الذاكرة، بعض الاحزاب الصهيونية كانت السباقة في هذه المجال فقد اختار حزب العمل وحزب ميرتس نساء عربيات لكي تمثلهما في الكنيست الصهيوني بسنوات قبل ان تفكر الاحزاب العربية بذلك. وعندما اختار التجمع الوطني الديمقراطي النائبة حنين الزعبي لتمثله في الكنيست لم يكن ذلك من منطلق رفع مكانة المرأة بقدر ما كان وسيلة للفوز ببعض الاصوات الاضافية بما لم يمس طبيعة هذا الحزب الذكروية بشيء. وقد اتقنت حنين الزعبي لعب دورها في الكنيست حسب قوانين اللعبة الذكورية. الحالة في الاحزاب العربية الاخرى لا تختلف من حيث المبدأ. فهل حقا كان سيتغير شيء على الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة لو وضعت نبيلة اسبانيولي في المكان الاول بدلا من الخامس؟ وهل كان سيطرأ أي تغيير حقيقي على مكانة المرأة العربية؟ اما القائمة العربية الموحدة، وهي اكبر قائمة عربية تخوض الانتخابات للكنيست، فقد زينت قائمتها باسم انثوي في المكان الثالث عشر ولكن لنفرض جدلا أن هذا التزيين كان في مكان اكثر تقدما فهل ستتغير الصورة؟. باختصار، وصول المرأة العربية للكنيست الاسرائيلي أو زج اسمها كمرشحة في إحدى القوائم هو ليس مفخرة وليس تكريما لها بل إهانة مزدوجة من قبل السلطة الاسرائيلية من جهة ومن قبل الزعامة الذكروية التي رشحتها من جهة أخرى.
الوضع نفسه نواجهه اليوم قبيل الانتخابات للسلطات المحلية. ولكن المشكلة هنا أن هذه الانتخابات بعكس انتخابات الكنيست تجرف الغالبية العظمى من جماهيرنا وتنمي الوهم في صفوفنا بأننا نحكم انفسنا بأنفسنا. للمقارنة فقط: يوجد في الوسط اليهودي ٤٠ مرشحة لرئاسة بلدية او سلطة محلية. في مدينة هرتسليا يوجد هناك ثلاث مرشحات وفي حيفا يوجد مرشحتان اما في الوسط العربي فيوجد هناك مرشحة واحدة فقط وهي حنين الزعبي في الناصرة وكما هو معروف دوافعها للترشيح لا تمت بصلة بمكانة المرأة. أما نسبة المرشحات العربيات للعضوية فلا تصل إلى نصف بالمائة (في الوسط اليهودي حوالي ١٢٪).
المؤسسات التي تقود حملة تشجيع مشاركة المرأة العربية في الانتخابات المحلية إما تطبيعية (مركز مساواة) وإما نسوية مزيفة (الزهراء وما شابهها) والعديد من المرشحين الرجال الذين يقمعون زوجاتهم في البيت ويلبسون قناع مناصرة المرأة خارجه. وقد تابعت اخبار بعض الاجتماعات التي نظمها الائتلاف المذكور والذي جمع عددا من المرشحين الرجال للرئاسة وعددا من المرشحات للعضوية في سخنين وشفاعمرو وطمرة وغيرها من القرى العربية. وقد اجمع كافة المرشحين على مناصرتهم منقطعة النظير للمرأة. قال احدهم وهو رئيس سابق ومرشح جديد انه على استعداد للتنازل عن ترشيحه لو كانت هناك مرشحة متفق عليها. وقال آخر هو ايضا رئيس بلدية يترشح من جديد بأنه على استعداد لأن تقود قائمته للعضوية إمرأة ولكنه للأسف لم يجد إمرأة تبادر لذلك. خصوصا وأن قائمة منافسه على المنصب تقودها إمرأة فرض عليها هذا المنصب المشبوه. وتسابق باقي المرشحين كل على طريقته للتعبير عن مدى مناصرته للمرأة.
مجتمعنا العربي في هذه البلاد مهمش برجاله أصلا، وهذه الحملة في أحسن الحالات لن تؤدي إلى آكثر من ان تشارك بعض النساء في حالة التهميش هذه. المرأة المرشحة للانتخابات المحلية سوف تجد نفسها في أحضان قوائم عائلية وطائفية (بالرغم من الضريبة الكلامية ضد العائلية والطائفية) وسوف تحاصرها المصالح الشخصية وأشكال الفساد من كل حدب وصوب.
على المرأة العربية أن تبحث عن رفع مكانتها في مكان آخر بعيدا عن الكنيست وعن البلديات. وهذا المكان موجود وهو يستصرخ المرأة العربية لكي تطرق أبوابه وهو العمل الوطني الملتزم والهادف. لقد حققت المرأة العربية تقدما ملحوظا على الصعيد الشخصي من حيث التحصيل العلمي والعمل وما أجمل وأروع أن تستثمر ذلك في خدمة مجتمعها في نضاله من اجل الحرية والكرامة. لقد اكتسبت المرأة الفلسطينية مكانتها الرفيعة من خلال نضالها ضد المؤسسة الاسرائيلية العنصرية وليس من خلال الاندماج بها. نريد أن نرى نساء عربيات يكملن المشوار ويقدن النضال من أجل العودة، من أجل اطلاق سراح الاسرى، ومن أجل حياة حرة كريمة. 

Tuesday, September 03, 2013

الحرب على الحرب


الحرب على الحرب
علي زبيدات – سخنين

سألني صديق: ما رأيك هل ستندلع الحرب في سوريا؟ فأجبته على الفور: ولو؟ هل كل ما يحدث في سوريا منذ سنتين ونيف لا يستحق أن تسميه حربا؟ عشرات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين المهجرين وكل ذلك الدمار الرهيب ألا تسميه حربا؟ فعاد صديقي وسأل: طبعا، طبعا ولكني أقصد هل سوف تتدخل أمريكا؟ فأجبته: وهل حتى الان امريكا لم تتدخل؟ لقد تدخلت امريكا منذ اليوم الاول، بل وقبل اليوم الاول، ولم تكن هناك حرب في الشرق الاوسط الا وتدخلت امريكا فيها بشكل مباشر او غير مباشر، عسكريا احيانا وسياسيا واقتصاديا دوما. فصرخ صديقي في وجهي قائلا: وبعدين معك؟ لماذا تتفلسف وتتهرب؟ أقصد هل ستوجه امريكا ضربة الى سوريا كما يتوقع العالم أجمغ وكما آكدته امريكا نفسها وما زال العالم حتى هذه اللحظة يحبس انفاسه منتظرا حصول هذه الضربة، وما هو موقفك من هذه الضربة؟. فقلت لصديقي: طبعا افهم قصدك منذ البداية وما تعده تفلسف إنما هو مجرد مقدمة لما سوف اقوله وليس تهربا وما سوف تسمعه مني في هذا الموضوع للوهلة الاولى سوف يصدمك وسوف يصدم العديد من القراء. أنا، وبكل صراحة مع هذه الضربة وسوف أشرح لماذا:
اذا كانت الضربة الامريكية كما يؤكد النظام السوري من رئيس الجمهورية مرورا بوزير الخارجية وحتى وزير الاعلام وباقي الموظفين سوف تشعل النار في المنطقة بإسرها، وإذا كان حلفاء النظام المحليين والدوليين يؤكدون ذلك، فها هو قائد الحرس الثوري الايراني يصرح بأن أي هجوم عسكري على سوريا سيؤدي "إلى زوال إسرائيل قريبا، وستكون سوريا فيتنام أخرى للأمريكيين". واذا كانت روسيا، الحليف الاول للنظام السوري تهدد بضرب السعودية وقطر. إذا كان كل ذلك صحيحا فما علين إلاا أن نخرج إلى الشوراع متظاهرين تأييدا للضربة الامريكية والمطالبة بتعجيلها وليس من أجل التظاهر ضدها ومن أجل منعها. لماذا على الشعب السوري وحده أن يتحمل كل هذه الضحايا بينما في اسرائيل ينعمون بالاستقرار والامان؟ ولماذا تسقط الصواريخ على دمشق وحلب وحمص وحماة ولا تسقط على القدس وتل ابيب وحيفا؟ ولماذا لا تسقط الصواريخ على عمان التي كانت وما زالت منذ قيام المملكة مركزا للتآمر على الأمة العربية؟ ولماذا لا تسقط الصواريخ على الدوحة والرياض وابوظبي وغيرها من العواصم التي يحكمها عملاء امريكا واسرائيل؟ إذا كانت الضربة الامريكية سوف تجعل من سوريا فيتناما جديدة فنحن متأخرون بنصف قرن ولكن كما يقول المثل: متأخرا أفضل من أبدا.
لاحظوا اني استعملت كلمة "إذا" وإذا هذه هي ظرف للمستقبل تتضمن معنى الشرط. فإذا كان فعل الشرط كاذبا فجواب الشرط هو الآخر كاذب. وفي حالتنا هذه فإن فعل الشرط كاذب صادر عن اشخاص كاذبين. بصراحة انا لا اصدق اصحاب نظرية "الرد في الوقت المناسب" أن يحولوا الضربة أمريكية إلى " كتلة من النار واللهيب ستحرق الشرق الاوسط كله" على حد قول وزير الاعلام السوري. وانا لا اصدق قائد الحرس الثوري بان هذه الضربة سوف تؤدي الى زوال اسرائيل. وانصحه أن يكف عن العزف على هذا الوتر الحساس ويتلاعب بأعصابنا. فإذا كان زوال إسرائيل ممكنا حاليا فلماذا انتظار الضربة الامريكية. وأنا لا اصدق بأن روسيا سوف توجه ضربة للدوحة أو للرياض وأرجح أن تتوصل إلى صفقة مع امريكا وما كل تصريحاتها ومناوراتها الا لرفع سعر الصفقة.
والحالة هذه وبعد الاستفاقة من التخيلات والتعلل بالاوهام كان لا بد من الوقوف بحزم ضد مجمل التدخلات الامريكية في المنطقة ومن ضمنها الضربة المرتقبة والتي لو حصلت لن تكون أكثر من ضربة موضعية تكنيكية تضعف النظام ولكن لا تسقطة، تقوي عصابات المعارضة العميلة ولكن ليس الى درجة الحسم. أي أن هدفها هو الحفاظ على الوضع الراهن (ستاتوس كوو) وليستمر الطرفان باستنزاف بعضهما البعض حتى آخر رمق. فهذه افضل طريقة لكي تنعم اسرائيل بمزيد من الامن والاستقرار وافضل طريقة لكي تبقي السعودية والاردن ودول الخليج بمنأى عن التغيرات الثورية.
الطريقة الوحيدة للقضاء على هذه الحرب الامبريالية الرجعية هي بشن الحرب عليها وذلك بتحويلها الى حرب تحرير شعبية. الثورات هي الوحيدة القادرة على اخماد الحروب الامبريالية والرجعية. في الحرب الراهنة، الشعوب العربية تمزق وتقطع إربا إربا ويتم استعمالها وقودا للدفاع عن مصالح الطبقات الحاكمة محليا ودوليا. الثورة في المنظور التاريخي سوف توحد الشعوب العربية من المحيط الى الخليج وسوف تقوده الى الحرية والاستقلال الحقيقي والتقدم والازدهار.

Wednesday, August 28, 2013

تسييس الانتخابات المحلية أم تتييسها؟ - مدينة سخنين نموذجا


تسييس الانتخابات المحلية أم تتييسها؟ – مدينة سخنين نموذجا
علي زبيدات – سخنين
لفت نظري تقرير صادر عن مجلس الجبهة القطري يدعو الى تسييس الانتخابات المحلية تم نشره على الموقع الرسمي للجبهة. عندما قرأت هذا التقرير تذكرت قول كارل ماركس الذي يحذر من الحكم على شخص (أو على حزب) من خلال اقواله أو من خلال نظرته إلي نفسه بل من خلال ممارساته العملية. من الطبيعي ان تكون هناك فجوة بين النظرية والتطبيق عند جميع الاحزاب ولكن أن تكون هناك قطيعة تامة فيما بينهما أو حتى أن يكونا على طرفي نقيض فهذه مسألة آخرى.
لن أدعو في هذه المفالة الى مقاطعة الانتخابات المحلية كما أدعو دائما الى مقاطعة انتخابات الكنيست لسبب واحد فقط وهو ان أكثر من ٩٥٪ من ابناء شعبنا يشاركون في هذه الانتخابات والمطروح هنا ليس تسجيل موقف أو المزاودة على أحد. قد يأتي يوم من الأيام ويكون موضوع مقاطعة الانتخابات المحلية موقفا عمليا لا بد منه وذلك كجزء من عملية تغيير جذري تمر على المنطقة. فحتى ذلك الحين أكتفي بالاشارة الى بعض مساوئ الانتخابات المحلية التي يجب الحذر منها والحد بقدر الامكان من اضرارها على مجتمعنا.
تنجم مساوئ الانتخابات المحلية عن ظروف موضوعية وأخرى ذاتية. الظروف الموضوعية نابعة من طبيعة الحكم المحلي في هذه الدولة ومن علاقته بالحكم المركزي. حكم مركزي يقوم على العنصرية والتمييز والاقصاء لا يمكن أن يفرز حكما محليا لصالح الجماهير التي تتعرض للعنصرية والتمييز والاقصاء. الحكم المحلي في دولة اسرائيل هو اداة ادارية وتنفيذية بين يدي الحكم المركزي. رئيس البلدية او المجلس المحلي هو في نهاية المطاف موظف عند وزير الداخلية وتقع على عاتقه مهمة تنفيذ السياسة الحكومية على الصعيد المحلي واذا فشل في مهمته هذه بغض النظر عن الاسباب تتم اقالته وتعيين رئيس آخر ولا يشفع له انه تم انتخابه (ديمقراطيا) ويتم ارسال الاعضاء المنتخبين الي بيوتهم. لذلك يفضل رئيس السلطة المحلية أن يختار طريق الاستجداء والخضوع وليس المواجهة. في الدول الحديثة، التي تزعم دولة اسرائيل انها تنتمي اليها، يتمتع الحكم المحلي بصلاحيات اوسع واستقلالالية اكثر. هذه العلاقة المشوهة بين الحكم المركزي والحكم المحلي تعاني منه البلدات اليهودية ايضا ولكن بسبب الطبيعة العنصرية للدولة تتحاشى كافة الاحزاب الصهيونية الخوض فيها.
نعود الى الظروف الذاتية لمساوئ الانتخابات والتي نتحمل نحن المسؤولية الحصرية عنها، ونعود الى تقرير الجبهة كما قرأه النائب محمد بركة: "الجبهة هي الجسم السياسي الوحيد في البلاد الذي يخوض الانتخابات المحلية في كل البلاد، على اساس برنامج سياسي واحد واستراتيجية شمولية واحدة، تطمح الى خدمة الناس في قضاياها اليومية وتتصدى لسياسة التمييز العنصري".
لنأخذ سخنين مثلا (وأظن لا يختلف الوضع في المدن والقرى العربية الاخرى من حيث الجوهر) يوجد بالاضافة للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ثمانية أجسام أخرى تسمي نفسها أحزاب سياسية: حركتان اسلاميتان جنوبية وشمالية، حركتان لابناء البلد، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة العربية للتغيير، الحزب الديمقراطي العربي والحزب القومي العربي. المجموع تسعة أحزاب. لا يوجد أي حزب يشارك في هذه الانتخابات بصفته الحزبية ويطرح اي برنامج سياسي. احد اصدقائي من الجبهة الديمقراطية قال لي بمزيج من المرارة والتهكم: "هذه المرة تخوض الجبهة الانتخابات بدون جبهويين". فقد تم اقصاء المرشح الجبهوي (بشكل ديمقراطي طبعا) بعد التآمر عليه من قبل الجبهويين لصالح وافد جديد ينتمي لعائلة أكبر. ولمواجهة الطرف الآخر "العائلي" قامت الجبهة بالاتصال بالعائلات الرئيسية وتحالفت مع اوساط منها لدعمها. حتى ان احدى العائلات اختارت مرشحها ليتبوأ المكان الثاني في قائمة الجبهة قبل أن يتم اختيار المرشح الاول بشهور. وهكذا ترجمت جبهة سخنين الاستراتيجية الشمولية التي تكلم عنها محمد بركة بضرورة بناء قائمة عائلية في جميع العائلات التي لديها قائمة عائلية تدعم منافسها العائلي التاريخي. وهكذا استفقنا في الصباح لنجد قائمتين عائلتين عند عائلة خلايلة وطربية وابو صالح و زبيدات، واحدة تابعة للجبهة واخرى للمرشح الآخر. أما المرشح الآخر الذي يدغم بالعائلية لم يعد كذلك بالمفهوم الانتخابي المحلي، إذ يتمتع بدعم سبعة من الاحزاب المذكورة آنفا على الاقل وعلى رأسها التجمع الوطني الديمقراطي واحد شقي ابناء البلد. اما الحركة الاسلامية ومن اجل الحفاظ على وحدتها لانتخابات الكنيست فقد اعلنت عدم خوض الانتخابات المحلية ومنحت افرادها حرية التصويت لمن يشاؤون وهكذا تحللت الى عناصرها العائلية. أحد رفاقي القدامى في أبناء البلد همس في أذني: للأسف الشديد المبادئ لا تتحول إلى أصوات في الصناديق، سوف أصوت للعضوية فقط لأني ملتزم ولكني لن أصوت للرئاسة. طبعا هذه المسرحية الرديئة تجري تحت شعار: الحفاظ على النسيج الاجتماعي. هل هذا ما قصده سكرتير الجبهة عندما قال في اجتماع مجلس الجبهة المذكور: "الشين بيت أراد من الانتخابات المحلية أن تمزق النسيج الاجتماعي في قرانا"؟ مع مثل هذه الاحزاب التي تشمئز من مجرد الجلوس مع بعضها البعض فما الحاجة إلى الشين بيت؟
لم يعد هناك مجال في هذه المقالة لطرح باقي العوامل الذاتية التي تجعل من الانتخابات المحلية آفة اجتماعية واخلاقية مثل الفساد بكافة اشكاله وعلى رأسها الرشوات وشراء الذمم والمصالح الشخصية والعائلية، والتي اصبحت من تقاليدنا المتعارف عليها: ننكرها ونستنكرها ولكننا نمارسها.
آسف، أنا شخصيا لن أصوت في هذه الانتخابات لا للرئاسة ولا للعضوية.

Wednesday, August 21, 2013

بين حكم المرشد وحكم العسكر ضاعت الثورة


بين حكم المرشد وحكم العسكر ضاعت الثورة
علي زبيدات – سخنين
مرة اخرى يحتدم الصراع في مصر. ولكن هذه المرة ليست ككل المرات. في هذه المرة يوجد وجبة دسمة من القتل وسفك الدماء والتدمير ذاتي على الطريقة الكلاسيكية التي نعرفها ونبدع فيها كما حصل في الجزائر والعراق وسوريا. في الوقت نفسه يحتدم عندنا صراع من نوع آخر، صراع فكري من باب الترف افرزته الامتيازات الصادرة عن حالة الطمأنينة التي توفرها لنا دولة الاحتلال. جوهر هذا الصراع هو تحديد موقف: مع أو ضد. وكأنه يوجد موقف كهذا. في الحقيقة، اكتب هذه المقالة في حالة اضطرارية بعدما أصبت بنوع من الانهيار العصبي من وطأة الاسئلة التي لا ترحم: هل انت مع الانقلاب أم مع الشرعية؟ هل تؤيد الاخوان المسلمين أم جبهة الانقاذ؟ كيف تنتقد حكم الاخوان المسلمين منذ اليوم الاول بل ومن قبل أن يستلموا الحكم وحاليا تدافع عنهم؟ حدد موقف! هذا هروب!
هل حقا لا يوجد هناك خيار آخر؟ إما الموت تحت أقدام المرشد الحجرية وإما الانسحاق تحت نعال العسكر الفولاذية؟ اليست هذه عملية اغتصاب بشعة؟ بالنسبة لنا هنا هي مجرد عملية اغتصاب فكرية، مجرد تحديد موقف. اما بالنسبة للشعب المصرى فهي عملية اغتصاب حقيقية: الاختيار بين ارهاب الاخوان المسلمين وبين ارهاب الجيش والمؤسسات الامنية الاخرى. طبعا يجري كل ذلك باسم الثورة وباسم الحرية وباسم الشعب.
قلت عندما نزلت الملايين في نهاية شهر يونيو/حزيران الى الميادين والشوارع تهتف بسقوط حكم المرشد أن الشرعية الثورية تلغي الشرعية الانتخابية الناتجة عن شكل من اشكال الديمقراطية الشكلية. وهذا المبدأ لا ينطبق على مصر فحسب بل وعلى جميع البلدان التى تناضل من اجل حريتها واستقلالها. ولكن هذه الشرعية هي الاخرى تفقد شرعيتها عندما يتم استغلالها من قبل فئة غاشمة تلبس العديد من الاقنعة. مما لا شك فيه أن ملايين المصريين يشكلون شرعية ثورية ولكن مؤسسة عسكرية مخترقة من اركان النظام السابق لا تشكل اية شرعية. آسف.
لأول مرة في تاريخ الثورات أسمع عن طلب قوات الامن بوقاحة من جماهير الشعب أن تنزل الى الشوارع لكي تفوضها بممارسة ارهابها من اجل محاربة "ارهاب" آخر. والارهاب الاخر هنا الملايين من المصريين الذين يتظاهرون او يعتصمون او يؤيدون حكم الاخوان المسلمين. هذا هو منطق جورج بوش الابن في حربه العالمية على الارهاب الدولي. لقد أثبت عبدالفتاح السيسي انه من أكبر تلامذة جورج بوش وليس عبدالناصر.
لقد عارضت حكم الاخوان المسلمين لأنه يقوم على ايديولوجية إقصائية جامدة تلغي الآخر وتحتكر الحقيقة وتمزج الدين بالدولة بشكل يفرغ المواطنة من اي مضمون تقدمي. فدولة الاخوان لن تكون معادية لغير المتدينين فحسب بل ايضا وفي الاساس للذين يعتنقون الدين الاسلامي من منظار غير اخواني. ولكن من هنا وحتى اعتبار كل آخواني ارهابي يجب تصفيته المسافة بعيدة جدا. قلت في السابق وما زلت اقول ان فصل الدين عن الدولة هو في نهاية المطاف وبعدما يترسخ في ذهون الناس سوف يكون لمصلحة الطرفين. الدين سوف ينمو ويترعرع بشكل طبيعي عندما يكون بمنأى عن تدخل الدولة وعندما هو لا يتدخل بشؤون الدولة. حرية المعتقدات التي يجب أن تكون مضمونة للجميع سوف تتكبد اضرارا فادحة اذا ما تدخلت في شؤون الدولة أو سمحت للدولة التدخل في شؤونها. هذا هو المعنى الصحيح للعلمانية وهو لا يتناقض مع المفهوم الديني الا على المستوى الفكري المسموح به. لا يوجد هناك حرب بين الدين والعلمانية الا في عقول بعض التنظيمات العلمانية أو الدينية. يوجد هناك حروب طبقية أو قومية يتم فيها استغلال الدين والعلمانية.
الثورة المصرية ولاسباب تاريخية، كنت قد تطرقت الى بعض جوانبها سابقا، كانت منذ البداية ثورة متواضعة من حيث مضامينها وآفاقها، فهي لم تطرح تغييرا جذريا عميقا على البنية الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وحتى السياسية. وقد اكتفت بتغيير النخبة الحاكمة التي تراجعت الى صفوف الخلفية ولكنها لم تغادر المسرح وها هي اليوم في ظل حكم العسر تتقدم من جديد. اما التغييرات في المجالات الاخرى فقد كانت تدريجية وفي كثير من الاحيان تكاد لا تذكر ولا تلمس خصوصا في علاقتها الحميمة مع المعسكر الامبريالي – الصهيوني – الرجعي العربي. لذلك كانت الثورة دائما عرضة لعمليات اجهاضية وكان من الضروري الاستمرار بها من أجل انقاذها. اليوم تقف الثورة امام مفترق طرق تاريخي وحسب رأيي فإن حكم العسكر وحكم المرشد يقودا الثورة الى طريق مسدود. من أجل انقاذ الثورة يجب البحث عن خيار ثالث. ولا شك أن الشعب المصري قادر على أن يجد طريقه الثوري من أجل مستقبل أفضل.

Wednesday, August 14, 2013

نسينا وغفرنا

 
نسينا وغفرنا
علي زبيدات – سخنين
عندما نقول: ل"ن ننسى ولن نغفر" ماذا نعني بالضبط؟ هل نعني حقا كل ما نقوله؟ اليست وظيفة الزمن انتاج النسيان ووظيفة الانسان استهلاك هذا الانتاج؟ وهل من الممكن مواصلة الحياة بشكل طبيعي نسبيا بدون أن ننسى ولو قليلا المصائب التي حلت بنا؟ وبدون أن نغفر ولو قليلا للذين انزلوا هذه المصائب على رؤوسنا؟ هذه التساؤلات غيرها الكثير تتصارع في مخيلتي كلما وقفت أمام ذكرى من الماضي ما زالت تجري وتتشعب في شرايين الحاضر. عدم النسيان هو أولا وقبل كل شيء عملية تحدي للزمن وفي الوقت نفسه عملية تحدي للضعف الانساني. وهي عملية واعية ومدروسة ولا تأتي أو تستمر من تلقاء نفسها. اذا قررت ان تنسى مصيبة، مهما عظمت، فسوف تنساها. الزمن بمساعدة امور اخرى سوف يساعدك على ذلك حتى تصبح تصبح الذكرى الاليمة في كثير من الحالات كالقطة الاليفة. ومع النسيان يأتي عادة الغفران. ولكن اذا قررت عدم النسيان فلا بد من أن تتحدى الزمن وتشحن نفسك بمزيد من الغضب والحقد على مسببي هذه الذكرى.
في هذه الايام وفي غضون شهر من الزمن يحي شعبنا ذكرى مجزرتين رهيبتين طبعتا خاتما عميقا لا يمحى في ذاكرتنا الجمعية بالرغم من كل محاولات النسيان الذاتية والمفروضة علينا: مجزرة تل الزعتر التي صادفت قبل ايام (حدثت في منتصف شهر آب ١٩٦٧) ومجزرة صبرا وشاتيلا الشهر القادم (حدثت في منتصف شهر أيلول ١٩٨٢).
لست بصدد سرد تاريخي لهاتين المجزرتين فقد كتب تاريخها وأعيد كتابته عشرات بل مئات المرات وكل مرة بشكل مختلف. وقد كانت النتيجة النهائية التى اتفق عليها الجميع: "ثمة جريمة ولكن لا يوجد هناك مجرمون". وهكذا سجلت ضد مجهولين يعرفهم الجميع.
هل شعر احدكم باحياء ذكرى مجزرة تل الزعتر التي واجهناها في حينه بشعر "لن ننسى ولن نغفر"؟ أنا لم أشعر بشيء اللهم سوى بعض الشهادات من الماضي البعيد تناقلتها بعض المواقع الاخبارية. وقد يستاء البعض من نبش الدفاتر القديمة الان خصوصا وان احد الاطراف التي شاركت في المجزرة هو حليف اليوم، بل هو النظام العربي الوحيد الذي ما زال متمسكا بخيار المقاومة والممانعة ويتعرض اليوم لمؤامرة عالمية لم يسبق لها مثيل، فهل هذا هو الوقت الملائم لنبش ما حدث قبل اكثر من ٣٧ سنة؟
استبق الاحداث واقول: احياء دكرى مجزرة صبرا وشاتيلا في الشهر القادم، بناء على السنوات الماضية، سيكون هو الاخر على نفس الموال: نسيان وغفران. وكما تجد من يدافع عن الجيش السوري في تل الزعتر تجد من يدافع عن الجيش الاسرائيلي في صبرا وشاتيلا وتذهل من تشابه الدفاع. فالجيش السوري لم يقتحم مخيم تل الزعتر ولم يقتل مواطنين عزل. هو فقط قام باحكام الحصار وتوفير الفرصة لحلفائه من حزب الكتائب وباقي المليشيات المسيحية للدخول وتنفيذ المهمة. وهذا ما فعله الجيش الاسرائيلي في صبرا وشاتيلا، هو فقط فرض الحصار وأضاء شوارع المخيمين وترك لحلفائه في القوات اللبنانية أن تتكفل بالامور الاخرى. وعندما سئل مناحيم بيغن عن ذلك أجاب ببراءة الذئب:" عرب يقتلون عربا ويتهمون الدولة اليهودية". هذا الدفاع يصب في نهاية المطاف لتبرير المفاوضات التي لا تنتهي مع هذا الكيان.
حسب القانون الدولي، لا تخضع الجرائم ضد الانسانية لقانون التقادم. لم تكن الجرائم التي ارتكبت في تل الزعتر وفي مخيمي صبرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين فحسب بل هي اولا واخيرا جرائم ضد الانسانية ويجب على مرتكبيها مهما طال الزمن وحتى بعد رحيلهم عن هذا العالم أن يمثلوا أمام القضاء الدولي. انه وصمة عار في جبين الانسانية أن تقترف مثل هذه الجرائم ويبقى المجرم حرا طليقا بل وفي كثير من الحالات يصبح بطلا قوميا مما يمنحه الرخصة لاقتراف المزيد من الجرائم.
انا لست من مؤيدي شعار"لن ننسى ولن نغفر" بشكل مطلق. يوجد أمور يجب نسيانها والا اصبحت الحياة لا تطاق. ويوجد جرائم يجب منح مرتكبيها الغفران. ولكن كيف تستطيع أن تنسى شيئا ما زال يتكرر؟ فالمجازر في حق الشعب الفلسطيني حدثت قبل تل الزعتز وصبرا وشاتيلا وما زالت تحدث بعدها. وكيف يمكن أن تغفر لمجرم لم ينل عقابه بل لم يقدم للمحاكمة أصلا بل حتى أنه لم يعترف بمسؤوليته عنها. نعم، حتى ذلك الحين يجب أن يبقى شعارنا: "لن ننسى ولن نغفر".