Thursday, September 22, 2016

اين العرب على خارطة العالم؟

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012766 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000012750
أين العرب على خارطة العالم؟
على زبيدات – سخنين
من بين النتائج التي تمخضت عنها الحرب العالمية الثانية قيام معسكرين على صعيد السياسة العالمية، متنافسين ومتناقضين من جهة ومتعاونين من جهة اخرى. كانت التسمية الشائعة لهذين المعسكرين: المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي. طبعا، لم يخل هذا التقسيم العام من الاشكاليات خصوصا حول دور الدول الاخرى التي كانت معدودة على هذا المعسكر أو ذاك واذا كان هذان المعسكران يعكسان بالفعل وعلى ارض الواقع تسميتهما (الرأسمالي والاشتراكي) على الطايع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدول المنضوية تحت كنفيهما. وقد تم التعارف على تسمية هذه الفترة بالحرب الباردة وكان من ابرز تجلياتها قيام حلف الشمال الاطلسي (الناتو) العسكري الذي يمثل المعسكر الاول وحلف وارسو الذي يمثل المعسكر الثاني. كانت الحرب الباردةتعكس العلاقة بين الدول المركزية في هذين المعسكرين ولكنها كانت حربا ساخنة في العديد من دول الاطراف حيث كانت تدور هناك العديد من الحروبات الطاحنة بالوكالة. على سبيل المثال لا الحصر الحرب الكورية والفيتنامية والحروب ضد الاستعمار القديم في افريقيا وامريكا اللاتينية. في مرحلة معينة بدأت بعض الدول تتذمر وتتململ من هذا التقسيم القاتل بالنسبة لها بينما توصلت الدول المتطورة في كلا المعسكرين إلى صيغة من التعايش السلمي في ظل الرعب والردع الذي فرضته الاسلحة النووية. فحاولت هذه الدول أن تنظم نفسها في معسكر ثالث سمي حركة عدم الانحياز. كان المؤتمر التأسيسي في باندونغ عام ١٩٥٥ بمبادرة من الزعيم الهندي نهرو والمصري جمال عبدالناصر واليوغسلافي تيتو. وخلال فترة وجيزة استطاعت حركة عدم الانحياز ضم العديد من دول العالم الثالث التي كانت تتوق للابتعاد عن اجواء الحرب الباردة. بعد وفاة القادة المؤسسين تراجعت اهمية هذه الحركة حتى تلاشت تماما مع انها ما زالت قائمة رسميا وتضم حوالى نصف دول العالم. اهمية المرحلة الاولى لحركة عدم الانحياز والتي امتدت لحوالي عقدين من تأسيسها، أن العرب ممثلين بالزعيم المصري جمال عبد الناصر في هذه المرحلة فقط كانوا موجودين على الساحة السياسية العالمية.
في بداية سنوات التسعين، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، انهار معه المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو وبقي هناك معسكر واحد مهيمن هو المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية. في هذه المرحلة لعبت امريكا دور الشرطي العالمي بدون منازع فكانت تتدخل اينما تشاء وكيفما تشاء. الا ان هذه الفترة لم تطل كثيرا فقد بدأت الازمات الاقتصادية تعصف بها وبالدول المتطورة المتحالفة معها في اوروبا الغربية، هذا بالاضافة إلى سياسة التمرد على السياسة الامريكية التي اخذت تجرف العديد من دول العالم الثالث.
في بداية القرن الواحد وعشرين أخذت روسيا تعود لكي تملأ الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفياتي. وبدأت تخوض منافسة شرسة مع امريكا وحلفائها. وها هو العالم يتم تقسيمه مرة اخرى الى معسكرين أعادا سياسة الحرب الباردة لأن رعب التوازن النووي يؤجل التصادم الساخن بين القوتين العظميين. وفي الوقت نفسه عادت الحروب الساخنة بالوكالة إلى الدول النامية. وقد اتاح هذا الصراع الشرس بين امريكا وروسيا وجود قوى اقليمية تنفذ سياسة احدى القوتين العظمى بما ينسجم مع مصالح الطبقات الحاكمة في تلك الدول. في منطقتنا العربية يوجد ثلاثة قوى اقليمية لا يوجد بينها اية دولة عربية. وهي: اسرائيل وايران وتركيا. لست هنا بصدد الكلام عن دولة اسرائيل كقوة اقليمية فقد نجحت منذ قيامها وحتى اليوم بأن تلعب الدور الحاسم في سياسة المنطقة بفضل جيشها الذي يعتبر رابع اقوى جيش في العالم وبسبب تطورها الصناعي والتخنولوجي والدعم الهائل الذي تتلقاه من امريكا والدول الاوروبية. ايران اصبحت القوة الاقليمية الثانية، ليس بفضل برنامجها النووي فحسب لان هذا البرنامج نفسه كان نتيجة لاستقرارها الداخلي وتطورها الاقتصادي واستغلالها لثرواتها الطبيعية ولنجاعة نظامها بالرغم من مساوئه السياسية والاجتماعية. وها نحن نراها تلعب دورا سياسيا حاسما في المنطقة وخصوصا في العراق وسوريا واليمن.
تركيا هي القوة الاقليمية الثالثة. فقد استطاعت في السنوات الاخيرة ان تقفز قفزة نوعية وخصوصا في المجال الاقتصادي واستقرار النظام بالرغم من الصراعات الطبقية والاثنية التي تعصف بها منذ وقت طويل. فنراها تتدخل في شوون الدول المجاورة وخصوصا في سوريا. واصبحت الدولة الاولى من حيث تأثيرها على قطاع غزة بفضل علاقتها الجيدة مع اسرائيل من جهة ومع حماس من جهة اخرى. التوافق الامريكي - الاوروبي - الروسي منح هذه الدول الثلاث مساحة واسعة لكي تلعب دور القوة الاقليمية.
مرة أخرى يغيب العرب تماما عما يجري في بلدانهم. تبقى مصر هي المرشحة العربية الوحيدة التي تستطيع أن تلعب دور القوة الاقليمية. جميع الظروف الموضوعية متوفرة من حيث عدد السكان والمساحة والموارد الطبيعية. العامل الذاتي هو العامل الغائب، أي النظام الوطني التقدمي. عندما كان هذا العامل متوفرا زمن عبد الناصر لم تكن مصر قوة اقليمية فحسب بل كانت زعيمة لحركة عدم الانحياز العالمية ايضا. غياب مصر على هذا الشكل الكارثي ترك الساحة لاقزام من امثال السعودية وقطر والامارات. مصر كانت وما زالت بوابة العرب للعودة الى خارطة العالم.

Wednesday, September 07, 2016

صبرا وشاتيلا أولا - أيلول يأتي قبل تشرين

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000011265 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000011249
صبرا وشاتيلا أولا
ايلول يأتي قبل تشرين
على زبيدات – سخنين
لفت انتباهي خبر عادي قرأته بطريق الصدفة على احد المواقع الاخبارية المحلية يفيد بان المجلس العام للجنة المتابعة العليا سوف يناقش في اجتماعه الدوري القادم (غدا الخميس، عند نشر هذه المقالة سيكون الاجتماع قد انتهى) كيفية احياء ذكرى هبة القدس والاقصى بالاضافة لموضوعات اخرى. ونوه الخبر ذاته انه قد جرى اجتماع آخر قبل اسبوع بمشاركة وفد من ذوي الشهداء وتمت مناقشة هذا الموضوع ، ومن المفروض ان يطرح رئيس لجنة المتابعة محمد بركة تصورات سكرتارية لجنة المتابعة لشكل احياء الذكرى، مناقشتها واتخاذ القرار فيها.
من الجيد جدا تتمسك جماهيرنا باحياء هذه الذكرى للمرة السادسة عشرة بالرغم من كافة الانتفادات الموجهة لشكل احياء هذه الذكرى من اطراف وجهات عديدة. ولا انفي انني شخصيا من ضمن الذين يوجهون الكثير من الانتقادات. في الحقيقة، انتقاداتي نفسها تتكرر كل سنة تقريبا، حتى بدأت افكر بالتوقف عنها لانها تكاد تخلو من اي شيء جديد. كنت اتساءل دائمت: لماذا نصر على احياء ذكرى الشهداء الثلاثة عشرة بمعزل وبشكل منفصل عن ذكرى مئات الشهداء الذين سقطوا خلال الانتفاضة نفسه،ا في القدس والخليل ونابلس وجنين وغزة وتقريبا في كل مدينة وقرية فلسطينية؟ في الوقت الذي نؤكد فيه باننا جزء لا يتجزأ من شعب واحد وان قضيتنا واحدة؟. التساؤل الثاني الذي مان وما زال يقلقني واعبر عنه كل سنة تقريبا: لماذا نقفز عن احياء ذكرى ابشع مجزرة عرفها شعبنا في تاريخه المليئ بالمجازر؟، وهي مجزرة صبرا وشاتيلا والتي حدثت في ١٦-١٨ أيلول اي بفارق أيام قليلة عن ذكرى هبة القدس والاقصى؟ هل من الغريب ان تدرج اللجنة التمثيلية الاعلى لجماهيرنا احياء ذكرى هذه المجزرة على جدول اعمالها لمناقشتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها؟ وإذا لم تفعل ذلك من تلقاء نفسها، فهل من الغريب مطالبتها بذلك؟ .
لست هنا بصدد الكلام بالتفصيل عما جرى في صبرا وشاتيلا في ايلول من عام ١٩٨٢، فقد كتبت المجلدات عن هذه المجزرة الرهيبة. بالرغم من ذلك ما زلنا نجهل الكثير مما جرى حقا. السؤال المهم هنا: ماذا بقى في وجداننا وفي ذاكرتنا الجماعية من هذه المجزرة؟ لا أظن اني ابالغ عندما اقول: لم يبق شيء يذكر. والا كيف يعقل ان تمر هذه الذكرى مرور الكرام وبشكل عابر ولا تهزنا من الاعماق وتخرجنا إلى الشوارع كما اخرجتنا في السنوات الاولى بعد وقوعها؟واذا كان الزمن هو المسؤول عن ذلك فلماذا ابقى هذا الزمن على ذكرى النكبة ويوم الارض وهبة القدس والاقصى؟ واليس من مهمات القيادة الوطنية ان تتحدى الزمن وتبقي الذكرى حية؟
اعتقد ان قرار احياء ذكرى وطنية وتناسي ذكرى وطنية اخرى هو في نهاية المطاف قرار سياسي. هناك قرار سياسي وراء التمسك باحياء ذكرى الشهداء الثلاثة عشر الذين سقطوا في بداية الانتفاضة الثانية بهذا الشكل المنعزل والخاضع لرقابة صارمة وبالمقابل القفز عن احياء ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا. قد يجد البعض تبريرات جيدة لذلك: الذكرى الاولى اقرب الينا جغرافيا واجتماعيا وسياسيا، اذ نعرف العائلات الثكلى شخصيا، وما زلنا نعاني يوميا من السياسة نقسها التي كان ابناؤنا ضحية لها. قد تفسر هذه التبريرات بعض الجوانب وقد تكون صحيحة بالنسبة لقطاعات واسعة من جماهيرنا ولكنها لا تفسر كافة الجوانب وخصوصا الجوهرية منها. حسب رأيي، بالنسبة لمتخذي القرارات، الامر ابعد من ذلك بكثير ويتعلق بالعلاقة الراهنة والمستقبلية من منظورهم بين الجماهير الفلسطينية والدولة. السؤال الاساسي الذي يقلق متخذي القرارات وقد عبروا عنه في مناسبات عديدة هو: كيف يعقل أن تطلق الدولة النار على مواطنيها؟ أي ان قلقهم الحقيقي يقتصر على "المواطنة" ومستقبلها. أن تطلق الدولة نيرانها على الفلسطينيين الاخرين هو أمر مدان ولكنه يحدث، ولكن أن تطلقها على مواطنيها؟ فهذا لا يجوز. من هذا المنطلق يكون من المسموح المطالبة بمحاكمة اليك رون أو غاي رايف ولكن لا تجوز المطالبة بمحاكمة شارون ورفول على دورهم في مجزرة صبرا وشاتيلا.
من المؤسف جدا ان محاكمة المجرمين في الحالتين أو على الاصح المطالبة بمحاكمتهم لم تسفر عن شيء. ذلك لان حال قيادتنا المحلية كحال قايدتنا على الصعيد الوطني تعيسة ويرثى لها. في هذه المناسبة وللتذكير فقط اذكر هنا بعض المسؤولين عن مجزرة صبرا وشاتيلا منهم من مات ومنهم من زال حيا، وأظن لأسف أن تقديمهم للمحاكمة في هذه الظروف هو آخر ما يقلق راحتهم: ١- أريك شارون ٢- رفائيل ايتان (رفول) ٣- ايلي حبيقة ٤- كوبرا روبير حاتم ٥- أمين جميل ٦- سمير جعجع ٧- اتيان صقر ٨- فادي افرام ٩- فؤاد ابو ناضر ١٠- سعد حداد ١١- وليد فارس ١٢- مارون مشعلاني

Thursday, September 01, 2016

المعتقدات الثابتة والثورات المتجددة

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012332 StartFragment:0000000454 EndFragment:0000012316
المعتقدات الثابتة والثورات المتجددة
على زبيدات – سخنين
لم يكن الفيلسوف الالماني هيغل هو الاب الروحي للنظرية الجدلية ولم يكن كارل ماركس كذلك، هذا بالرغم من مساهمتهما الفذة في نقلها إلى ذروة تطورها في الفلسفة المعاصرة مما اهلها لان تلعب دورا حاسما في التاريخ الفكري للبشرية في القرنين التاسع عشر والعشرين. تعود جذورالنظرية الجدلية إلى قرون عديدة خلت، فنجدها باروع صورها في الفلسفة اليونانية القديمة وخصوصا عند هرقليطس وافلاطون. وقد لخصها الاول بمقولته الغنية عن التعريف:” كل شيء يجري (Panta rhei)، لا يمكن الدخول مرتين إلى النهر نفسه".
النظرية الجدلية باختصار شديد هي تلك النظرية التي تقول أن كافة الظواهر: الطبيعية، الاجتماعية، الاقتصادية، الفكرية وغيرها في حركة مستمرة وتطور مستمر وتتعامل معها من منطلق قوانين عامة تحدد العلاقة بين وحدة وصراع الاضداد وتفسر كيف تتحول التراكمات الكمية في مجرى تطورها إلى تحولات نوعية وكيف تنفي بعضها البعض لكي ترتقي إلى درجة اعلى من التطور. على عكس النظرية الميتافيزيائية التي تنظر الى الظواهر منعزلة عن بعضها، متقوقعة داخل ذاتها، وتتطور بشكل تراكمي تتحكم بها قوانين سرمدية لا تتغير ابدا.
المعتقدات الدينية هي نموذج كلاسيكي للنظرة الميتافيزيائية (الغيبية) للعالم، فهي تسير حسب قواعد وقوانين تلائم كافة الازمنة والاماكن، بالرغم من انها نفسها تتطور بشكل جدلي. فالقبائل (الاسباط) اليهودية التوراتية شيء واليهود في زمننا الراهن هم شيء آخر تماما، ولا يكفي ان يردد المصلون اليوم عبارة: "مبارك انت يا رب الهنا ملك العالم.." لاثبات أية علاقة تاريخية فيما بينهم. معظم يهود اليوم لا يؤمنون بالرب الذي وصفه التوراة وبالتالي لا يعتبرون انفسهم شعبه المختار. النظرية الصهيونية هي مفارقة تاريخية لن تصمد طويلا. يمكن قول الشيء نفسه عن الديانة المسيحية فلا يوجد اية علاقة بين معتنقي المسيحية اليوم والذين حسب الاحصائيات تجاوز عددهم المليارين وبين المسيحيين الاوائل حتى ولو رددوا عبارة: بسم الآب والابن والروح القدس كل يوم في شتى ارجاء العالم. الديانة الاسلامية لا تشذ عن هذه القاعدة، فالنطق بالشهادتين: اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله، لم تنقذ المسلمين من حروبهم الداخلية على مر التاريخ. كذلك الديانات الاخرى مثل البوذية والهندوسية والكونفوشية والزرداشتية وغيرها، المتواجدة اليوم في اماكن شاسعة من عالمنا، ليست هي نفسها التي ظهرت قبل الاف السنين. وعلى غرار مقولة هرقليطس الشهيرة يمكن القول: لا يمكن للمؤمن الدخول إلى نفس الدين مرتين. وربما كانت مقولة تلميذه كراتيلوس هي الاصح عندما قال:”لا يمكن دخول النهر نفسه حتى مرة واحدة"، أي لا يمكن أن يدخل المؤمن الدين حتى مرة واحدة.
لا تنطبق هذه النظرة على المعتقدات الدينية فحسب بل على كافة الايديولوجيات التي تحجرت وتحولت مع الوقت إلى نقيضها أيضا. منها من يدعي تشبثه بالقوانين الجدلية العلمية مثل الماركسية والفوضوية وباقي النظريات الاشتراكية. هذه المعتقدات والايدولوجيات تتحجر مع الوقت وبعضها يتلاشى حتى يزول. أما شجرة الحياة فتبقى يانعة وتستمر بالنمو والتطور ليس بفضل هذه المعتقدات والايدولوجيات المتحجرة بل بالرغم منها. التطور لا بد منه، والسؤال الذي نواجهه اليوم هو السؤال نفسه الذي واجهه كبار المفكرين الثوريين: هل ندع هذا التطور ينمو بشكل عشوائي أم نعمل على ان يتم بشكل واع وهادف؟ احدى مشاكلنا الاساسية اليوم هو انقراض المفكرين الثوريين العظماء.
الثورات التي غيرت وجه التاريخ انتهت ولن تعود بعد ان حققت مهامها. هناك ضرورة لثورات جديدة. لا يمكن فصل الثورة عن مكان وزمان تفجرها وعن خلفيتها الاجتماعية والفكرية والسياسية. هذا لا يعني الا نتعلم من تجاربها ودروسها، من نقاط قوتها وضعفها، من انجازاتها وفشلها، بالعكس لا بد من ذلك وبشكل خلاق ومبدع. ينبغي التخلص من وهم القيام بثورات متطابقة والنضال من أجل تفجير ثورات جديدة تنسجم مع محيطها. الثورة الفرنسية الكبرى لن تعود لانه لم يبق في فرنسا ملك مطلق الصلاحية وطبقة ارستقراطية فاسدة وبرجوازية صاعدة. وكومونة باريس لن تعود. ثورة اكثوبر الاشتراكية لن تعود، فلم يعد هناك قيصر وحرب عالمية ومجاعات وحزب بلشفي ثوري وقيادة ثورية تعرف كيف تقتنص اللحظة المناسبة. كذلك الثورة الصينية والفيتنامية، والكوبية والجزائرية هي الاخرى لن تعود، ولكن ثورات جديدة سوف تنفجر في كل مكان وزمان. أذكر في سنوات مضت أن احدى الفصائل الفلسطينية ارادت أن تطبق استراتيجية الثورة الصينية ورفعت شعار محاصرة القرى للمدن حتى تحريرها وكأن الاردن أو فلسطين هي الصين بمساحتها وعدد سكانها وتركيبة مجتمعها والقوى الفاعلة بها. وبعضهم نادى بخوض حرب تحرير شعبية طويلة الامد على غرار فيتنام، وكأن البلاد مليئة بالادغال وكأن عمان أو بيروت هي هانوي وان العمق العربي هو نفس العمق الذي اعتمدت عليه الثورة الفيتنامية. واذكر ايضا من رفع شعار: كل السلطة للسوفيتات، عندما لم يكن هناك شيء اسمه سوفيتات، وعندما لم يفهم معظم العمال والفلاحين حتى معنى هذه الكلمة.
المعتقدات الثابتة مهما كان مصدرها وشكلها، والتي اكل الدهر عليها وشرب حتى تحجرت لن تسطيع ان تفجر ثورة تقدمية تكون رافعة للمجتمع ليلتحق بركب الحضارة. يجب التخلص منها اولا.

Thursday, August 25, 2016

السماسرة قادمون السماسرة قادمون



السماسرة قادمون السماسرة قادمون
علي زبيدات – سخنين

هل تؤمنون بطاقية الاخفاء؟ تلك الطاقية السحرية التي اذا وضعها احدكم على رأسه يصبح غير مرئي ويستطيع ان يذهب إلى احيث يشاء ويعمل ما يشاء؟ اغلب الظن انه لا احد منكم يؤمن بوجود مثل هذه الطاقية ويعتبرها خرافة قدا تصلح لأن تكون قصة ترويها جدة لاحفادها الصغار قبل أن يخلدوا للنوم. أما أنا، فبعد مظااهرة سخنين الاخيرة ضد السماسرة فقد بدأت أؤمن بوجود بمثل هذه الطاقية يعتمرها حصرا هؤلاء السماسرة الذين سببوا الرعب والفزع لاهل البلد من غير أن يلمحهم أحد. تعالت الهتافات في هذه المظاهرة ضد السماسرة داعية إلى مقاطعتهم بل الى طردهم من البلد التي يقومون ببيع ارضها وحرمان ابناءها من بناء بيت يأويهم. وقبل المظاهرة تتالت البيانات المنددة بالسماسرة من البلدية والمعارضة واللجنة الشعبية ورجال الدين ومن الحراك الجديد الذي يطلق على نفسه الحراك الشبابي حتى سببت الاختناقات في أزقة مواقع التواصل الاجتماعي وكل طرف يتهم الطرف الآخر بالتقاعس أو التواطؤ أو التورط. وعندما سألت احد المنظمين القياديين الذي تكلم بانفعال شديد لكافة وسائل الاعلام المتواجدة عن خطر السماسرة: أين هم هؤلاء السماسرة، اريد أن اتعرف على احدهم، هل تعرف من هم؟ هل تعرف اين يسكنون؟ ولماذا كلامك دائما في صيغة المبني للمجهول؟ فكان جوابه بكل بساطة: لا اعرف، وسألت آخر وآخرين ومن عدة اطراف ودائما اتلقى نفس الجواب: لا أعرف. وكررت على مسمع من يريد أن يسمع ما كتبته في اليوم السابق في احد مواقع التواصل الاجتماعي: أعطوني اعطوني معلومات اكيدة وموثوقة واسم سمسار واحد وانا سوف افضحه في كل مكان وفي كل زمان وسوف اتحمل مسؤولية عملي مهما كانت العواقب وخيمة. ولكني لم احصل على اسم واحد، وأمامي (لأني مشيت في آخر المظاهرة) تعالت الهتافات: بدنا نحكي عالمكشوف سماسرة ما بدنا نشوف. ومنذ تلك اللحظة بدأت أؤمن بان هولاء السماسرة الملاعين يلبسون طواقي الاخفاء.
بعد انتهاء المظاهرة عدت إلى البيت وقررت اولا أن اجري بحثا قصيرا في الشبكة العنكبوتية لعلي اتوصل إلى تعريف مقنع لما هي السمسرة ؟ومن هو السمسار؟ فوجدت كما هائلا من التعريفات: عرفت أن اصل الكلمة فارسي ولكنها تعربت منذ زمن طويل وكانت مستعملة حتى في زمن الجاهلية وفي زمن الرسول الذي، حسب بعض المصادر، لم يحربها بل تقبلها ونعت بعض سماسرة المدينة بالتجار. وكدت أقع في فخ علماء الدين والمفسرين الذين كالعادة يختلفون حول كل مسألة: فمنهم من اتاحها ومنهم من حرمها ومنهم تحفظ منها واعتبرها مكروهة. ولكن، لغويا على الاقل، وجدت بعض التوافق، فالسمسرة هي التوسط بين البائع والشاري لتسهيل الصفقات التجارية والسمسار بكل بساطة هو من يجعل من السمسرة مهنته. وبما انه في عالمنا الحديث كل شيء يباع ويشترى فقد استنتجت أننا في الحقيقة جميعنا سماسرة بشكل أو آخر، فبالاضافة لسمسارة الارض والعقارات المتعارف عليهما يوجد هناك سمسارة البورصة والتأمين والاسهم والسندات والشحن، واضيف من عندي: سمسارة الوطن والفكر والدين.
هكذا لن اتقدم خطوة واحدة. تبا لجميع التعريفات ولجميع القواميس، في وضعنا الراهن، كلنا يعرف ما المقصود بالسمسرة والسماسرة ولا حاجة لمزيد من الفذلكة والتفلسف.
يوجد هناك ستة أطراف التفاعل فيما بينها انتج ظاهرة السمسرة بالمعنى الذي نفهمه جميعنا: ١- وزارة البناء والاسكان. ٢- سلطة اراضي اسرائيل. ٣- البلدية. ٤- لجنة التنظيم والبناء. ٥- المواطنون. ٦- السماسرة.
الطرف الاول،الوزارة، هي المسؤولة عن رسم سياسة حل مشاكل السكن وقد اتحفتنا في السنوات الاخيرة بمصطلحات جديدة في هذا المجال غريبة عن مجتمعنا مثل"سعر للساكن"، "بناء مشبع" أي بناء يصل إلى ٧-٨ طبقات، "بناء ملتصق بالارض" مع تحديد لوحدات السكن على الدونم الواحد. والتي قد تلائم البناء في المدن اليهودية ولكنها لم تأخذ بعين الاعتبار البناء في المدن العربية. الطرف الثاني، سلطة الاراضي، هي التي تحدد مكان ومقدار الارض المعدة للبناء.وبالتعاون بين الطرفين يتم تنظيم مناقصات لتسويق قسائم البناء المعروضة. هذه المناقصات لا تتم الا بالتعاون مع الطرف الثالث، ألا وهو البلدية، لا تتم المناقصات بدون موافقة البلدية. جاء في موقع الوزارة ما يلي:”هناك تعاون وثيق مع سلطة الاراضي وبلدية سخنين في تسويق وتطوير الحي الجديد". بناء على هذا التعاون الذي شمل زيارات ولقاءات عديدة على مستوى رفيع بين ممثلي الاطراف الثلاثة تم تنظيم المناقصة الاولى لبناء ٢٠٩ وحدات سكن تم تسويق ١٣٥ منها. كان ذلك بتاريخ ١٩-٣-٢٠١٣. وقد فاز في هذه المناقصة : ٢٤ وحدة سكن لشركة ديكل التي يملكها رجل الاعمال بسام شواهنة من سخنين. ٣٥ وحدة سكن لشركة فكتور غريب من الناصرة. ٣٤ وحدة سكن لشركة شتيت وصاحبها يهودي مقره في نيشر. المجموع ٩٣ وحدة سكن. (هذه المعلومات من موقع وزارة البناء والاسكان). وهذه حسب شروط المناقصة من المفروض ان تكون ما يسمى "وحدات اشباع" أي طوابق، ولكنها خلافا للشروط تم بيعها كقسائم بعشرة اضعاف سعر شرائها على الاقل. كما يبدو كانت هناك مناقصات اخرى فاز بها مقاولون ،جمعيات أو مبادرون عرفت منهم جمعية لراجح غاليه، اخوان حنا، حسن سيد احمد ويوسف سيد احمد. لم اجد في المواقع الرسمية معلومات عن هذه المناقصات ولا ادري كيف تم تسويق هذه القسائم التي فازوا بها ولكن بما ان هؤلاء الاشخاص معروفين في البلد كان من المفروض على اللجنة الشعبية الاستفسار منهم مباشرة. حسب رأيي البلدية تعرف كل التفاصيل على الاقل من خلال الطرف الرابع المشارك الا وهو لجنة التنظيم والبناء والتي اصدرت ترخيصات لكل االعمارات التي بنيت، ليس فقط من خلال تواجد ممثل دائم للبلدية في اللجنة بل ايضا لان مهندس البلدية يجب أن يوقع على كافة الخرائط. لجنة التنظيم والبناء تلعب في هذه الحالة دور مبيض الاموال. يبقى لغز السمسار مقاري من كفر كنا، لم اجد اي معلومات في المواقع الرسمية او غير الرسمية كيف حصل على الفسائم في سخنين، منهم من يقول انه فاز بها هو الآخر في مناقصة، والبعض يقول بل اشتراها من الشركة اليهودية التي لم تواصل عملها، والبعض يقول تم تبديلها مع اراضي كان قد سمسر عليها في اماكن اخرى بدعم وتشجيع اوساط حكومية . ولكن من المؤكد انه يوجد هناك من يعرف التفاصيل ولا يريد او لا يجرؤ على كشفها. الطرف الاخير وهم المواطنون، ما عدا بعض المتمكنين، فقد خرجوا من المولد بلا حمص،
الخلاصة الجميع متورطون. اذا كانت البلدية تعلم ولم تتحرك كما يجب فهذه مصيبة واذا كانت لا تعلم فالمصيبة اكبر. المعارضة تتحمل المسؤولية تماما كالبلدية فهي تشارك في الاجتماعات ولها حق المساءلة، واصدار بيان هنا وبيان هناك وغالبا بعد ان تنفضح الامور لا يمنحها صك البراءة، خصوصا وان هذه المعارضة كانت في الماضي غير البعيد في السلطة وكانت متورطة بعدة فضائح تتعلق بالارض. واخيرا وليس آخرا، اقل ما يقال عن اللجنة الشعبية انها كانت حاضر غائب على الهامش أو "شاهد مشفش حاجة”.
اعتذر سلفا اذا كانت بعض المعلومات الواردة هنا غير دقيقة او خاطئة، ومجال التصحيح والاضافة مفتوح امام الجميع.
تكلمت ببعض الاسهاب عن الوضع في سخنين، ولكن اليست هذه الظاهرة مشتركة في معظم قرانا ومدننا مع بعض الاختلاف بالتفاصيل؟

Thursday, August 18, 2016

لماذا تخلى العرب عن فلسطين؟



لماذا تخلى العرب عن فلسطين؟
علي زبيدات – سخنين

قد يرفع بعض القراء حاجبه دهشة واستنكارا لمجرد طرح مثل هذا السؤال. غير معقول، من يقول مثل هذا الكلام الخطير والسخيف؟ اليست فلسطين هي قضية العرب الاولى؟ ألم تقاتل الدول العربية بغض المظر عن انظمتها دولة اسرائيل دفاعا عن فلسطين؟ ألم تعادي الشعوب العربية هذه الدولة الغاصبة بسبب ما جلبته من كوارث على فلسطين واهلها؟ مثل هذه الاسئلة الاستنكارية ان دلت على شيء فانها تدل على ان ما تستنكره قد وقع بالفعل.
سؤالي او تساؤلي لا يدور اصلا حول اذا ما تخلى العرب عن فلسطين أو لم يتخلوا فهذا الامر محسوم سلفا، ما احاول الاجابة عليه هنا: لماذا تخلى العرب عن فلسطين؟ فوجدت الاجابة سهلة جدا يستطيع كل واحد ان يتوصل اليها من غير عناء ويمكن تلخيصها حسب رأيي في سببين رئيسيين:
اولا: لان الفلسطينيين انفسهم تخلوا عن فلسطين.
ثانيا: لان الفلسطينيين تخلوا عن العرب.
مرة اخرى قد يصاب القارئ بالذهول والانكار. ومتى تخلى الفلسطينيون عن فلسطين وهم اكثر شعوب الارض تمسكا بوطنهم وبحقهم في العودة اليه؟ اليس مثل هذا الكلام مجرد افتراء لا يقبله المنطق؟ ولكن للاسف الشديد للحقيقة عدة وجوه وقد يخدعنا أحد وجوهها ويبهرنا إلى درجة عجزنا عن رؤية الصورة كاملة بكافة جوانبها. عند كتابة هذه السطور مر أمام بصري تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية كشريط سينمائي بدءا برفض قرار التقسيم والنتائج التي تمخضت عنها النكبة بكل ابعادها والتصميم على تحرير فلسطين كاملة من البحر الى النهر عن طريق حرب التحرير الشعبية طويلة الامدوالكفاح المسلح وحتى الوصول، بعد ربع قرن من النكبة، الى مرحلة مكانك قف ومن ثم إلى مرحلة خلفك در التي اعادتنا الى نقطة البداية بل الى ما قبل البداية وحتى تخلت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية وبشكل رسمي وامام العالم اجمع عن ٨٠٪ من فلسطين والان يجري التفاوض على ال٢٠٪ الباقية والتي لا احد يعلم كم سيبقى منها في نهاية المفاوضات والتوصل إلى" السلام العادل والثابت". لم يستمر البرنامج الوطني الفلسطيني الذي طالب بتحرير كامل التراب الفلسطيني لاكثر من تسع سنوات وبالتحديد من ١٩٦٥ (انطلاقة فتح) وحتى ١٩٧٤ (البرنامج المرحلي). ومن ثم جاءت مرحلة اقناع العالم باستعدادنا للتنازل والاكتفاء ب"تحرير جزء من فلسطين فقط لاقانة السلطة الوطنية عليها". امتدت هذه الفترة حوالي عشرين عاما حتى مفاوضات مدريد وأوسلو وتوجت بالتوقيع على اتفاقيات اوسلو التي نصت على الورق فقط على معادلة: ٨٠٪مقابل٢٠٪ ولكنها على ارض الواقع وبعد حوالي ربع قرن من التوقيع عليها ما زالت المعادلة ١٠٠٪مقابل صفر٪. بناء على ذلك فالسؤال الذي يطرحه العربي المتوسط: اذا تخلى الفلسطينيون عن فلسطين بهذا الشكل فلماذا اتمسك بها انا؟
وكيف تخلى الفلسطينيون عن العرب؟
منذ البداية، وضعت منظمة التحريرالحركة الفلسطينية نفسها، مع بعض التفاوت بين الفصائل، في سلة الانظمة العربية مقابل حفنة من الدولارات هنا أو الدعم السياسي مقابل السكوت هناك. الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت تطمح لان تكون طليعة حركات التحرر العربية سرعان ما وجدت نفسها جزءا لا يتجزأ من انظمة الاستبداد والرجعية العربية بحكم كونها عضو في جامعة الدول العربية وفي ممارساتها خارج الجامعة. في الوقت نفسه، قامت هذه الانظمة باستغلال فلسطين لتبرير جرائمها في حق شعوبها: مصادرة الحريات الاساسية للمواطنين لانها تضعف الدولة في حربها ضد العدو الصهيوني، القبول بالفقر والجوع والامراض لانه يجب حشد كافة الامكانيات للمعركة ضد العدو الصهيوني. وفي النهاية تبين انه لا يوجد حرب ولا معركة ضد العدو الصهيوني، على العكس من ذلك، يوجد هناك تحالف وانسجام سري أو علني وأن السياسة العربية مثلها مثل سياسة السلطة الفلسطينية هدفها الوحيد المحافظة على أمن اسرائيل ومن يتقاعس عن تأدية هذه المهمة او يحيد ولو قليلا عنها فانه يعرض نفسه لخطر السقوط. وهنا يتساءل العربي المتوسط مرة اخرى: اذا اختار الفلسطينيون جانب الانظمة العربية التي تقمعني يوميا فلماذا اقف إلى جانبها؟
العودة إلى برنامج التحرير بعد تصحيح المسار والابتعاد عن الانظمة القمعية والالتصاق بالجماهير العربية هو الضمان الوحيد لعودة هذه الجماهير لاحتضان قلسطين والكقيل باحداث تغيير جذري على صعيد العالم العربي.

Thursday, August 04, 2016

أين كرامة العامل الفلسطيني؟



أين كرامة العامل الفلسطيني؟
علي زبيدات – سخنين
اعتقالات، طرد، اهانات، ضرب، تعذيب، هذا هو اسلوب شرطة اسرائيل في تعاملها اليومي مع العمال الفلسطينيين. لم يعد هذا الاسلوب سرا، بل تتناقله وسائل الاعلام المحلية يوميا، الشرطة نفسها لا تنكره وتمارسه في وضح النهار، الحكومة لا تعترف به فحسب بل تبادر إلى سن القوانيين في الكنيست لتشريعه ايضا. بالمقابل لا يوجد هناك من يحرك ساكنا. لا اريد أن اتكلم هنا عن تقاعس سلطة اوسلو المعيب في الدقاع عن الحقوق الاساسية للعمال الفلسطينيين، فهذا موضوع قائم بذاته اتركه لاهلنا هناك، ولكني اريد الكلام عن تقاعس مؤسساتنا هنا في الداخل من لجنة المتابعة والاحزاب السياسية والنقابات العمالية التي تصمت صمت اهل القبور عن الممارسات الوحشية التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية امام بصرها وسمعها، فتغلق اعينها كي لا ترى وتصم آذانها كي لا تسمع.
معظم العمال الفلسطينيين يعملون بدون تصاريح لذلك يعتبرون متسللين أو حسب المصطلح الرسمي المتداول: متواجدين غير شرعيين. ومن هذا المنطلق يعاملون منذ اللحظة الاولى على اعتبارهم مجرمين، خارجين عن القانون يجب ملاحقتهم ومعاقبتهم. يقوم هؤلاء العمال، خلال سعيهم وراء لقمة العيش، باجتياز الاسلاك الشائكة والجدار العازل في جو من الخوف والرعب خوفا من اكتشاف امرهم من قبل حرس الحدود وقوات الجيش والشرطة. وبسبب فرض العقوبات ايضا على اصحاب العمل والمقاولين وعلى من ينقلهم بسيارته أو من يؤجرهم سكن، نراهم يسكنون في الملاجئ والمخازن وفي الحقول والكروم تحت الاشجار، بفترشون الارض ويلتحفون السماء. وكأن هذه الظروف غير الانسانية لا تكفي فهم عرضة دائما للمداهمات من قبل رجال الشرطة الذين لا يعرفون سوى استعمال العنف والاهانات والاذلال. ولا اريد ان اضيف ان معاملتنا نحن، الذين نعتبر انفسنا جزء حي من الشعب الفلسطيني، لهم في كثير من الاحيان ومن الاماكن تزيد الطين بلة ولا تزيدنا شرفا بسبب نظرتنا الفوقية المتعالية التي تصل في بعض الاحيان إلى استعمال العنف والاهانات اسوة برجال الشرطة.
المأساة لا تنتهي عند العمال "غير الشرعيين" الذين يعملون بدون تصاريح. إذ ان ظروف العمال الذين يحملون التصاريح ليست افضل بل في كثير من الحالات أسوأ. تبدأ معاناة هؤلاء في ساعات الصباح الباكر حيث يتجمعون باعداد كبيرة عند الحواجز. يصل البعض في الساعة الثانية او الثالثة بعد منتصف الليل لكي يؤمن دوره لاجتياز الحاجز في الساعة السادسة صباحا. هذا ناهيك عن التفتيش المهين كل صباح. وكل عامل معرض لأن يعود ادراجه لاسباب تافهة يختلقها رجال الامن. غنى عن القول أن هولاء العمال يعملون باجور منخفضة جدا لا تصل في معظم الاحيان الحد الادنى من الاجور وبدون أي حقوق عمالية هذا بالاضافة لاستغلالهم من قبل سماسرة العمل ومحاولة تجنيد بعضهم لخدمة الاجهز الامنية.
في الاشهر الاخيرة، كثفت الشرطة ملاحقتها ومطاردتها للعمال الفلسطينيين من النقب في الجنوب حيث تمت مداهمة احد المصانع واعتقال العمال الفلسطينيين واغلاق سوبرماركت لانه شغل عاملا من الضفة بدون ترخيص، مرورا بالمثلث وحتى الجليل حيث تقوم الشرطة يوميا بالمداهمات والملاحقات.
ازاء هذا الوضع، تصريحات الادانة من هذا الطرف أو ذاك وفي اوقات متباعدة، لم تعد مجدية. اننا بحاجة إلى حراك شعبي ورسمي لحماية العمال الفلسطينيين، تماما كما اننا بحاجة إلى حراك شعبي ورسمي لحماية الاسرى السياسيين وعلى نفس الدرجة من الاهمية. أين دور الاحزاب التي ترفع على رايتها شعار يا عمال العالم اتحدوا والشعارات العمالية الاخرى؟ اين النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني؟ لماذا لم ننظم حتى اليوم مظاهرة واحدة أو حتى وقفة احتجاجية واحدة دافاعا عن العمال الفلسطينيين.
احاول في هذه المقالة العاجلة أن أدق ناقوس الخطر: الدفاع عن حقوق العمال من الضفة الغربية ورفع الحصار عن العمال في قطاع غزة هي قضية وطنية بالغة الاهمية. لقد آن الاوان لكي نرفع شعار: لن نسمح بامتهان كرامة العمال الفلسطينيين.

Thursday, July 28, 2016

مرة اخرى لندن مربط خيلنا



مرة اخرى لندن مربط خيلنا
علىي زبيدات – سخنين
اتفق المراقيون على أن مؤتمر القمة العربية الاخير في نواكشط عاصمة موريتنانيا هو الأسوأ منذ سنوات طويلة. ليس فقط لأن ستة زعماء عرب (من ٢٢) حضروا هذه القمة بينما اكتفى الاخرون بارسال ممثلين أقل اهمية عنهم، بل ايضا، وبالرغم من وفرة المواضيع الساخنة والمتفجرة التي تجتاح العالم العربي من الصحراء الغربية غربا إلى العراق شرقا ومن سوريا شمالا إلى اليمن جنوبا، لم يناقش اي من هذه المواضيع بشكل جدي ولم تتخذ أية قرارات حتى من الصنف التي كنا نصفها بالقرارات الهزيلة. لقد اثبتت هذه المؤسسة، ولا ادري للمرة الكم، انها ولدت مشوهة وتعاني من مرض بل امراض مزمنة وها هي اليوم تغط في حالة من الموت السريري حتى يقوم زعيم عربي حي ويعلن عن وفاتها بشكل رسمي.
في هذه الاجواء قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس ممثلا بوزير خارجيته رياض المالكي بخطف الاضواء والفوز بالعناوين الرئيسية عندما طالبا الزعماء العرب "بفتح ملف الجرائم الدولية والمساعدة لرفع قضية ضد الحكومة البريطانية لاصدارها وعد بلفور ما تسبب بنكبة فلسطين". ما هذا الاستهبال والاستخفاف بعقولنا؟ والمصيبة ان عددا من ابواق السلطة بدأت تروج لهذه السخافات وتعتبرها فكرة رائدة ومتميزة وكل ما هنالك ينبغي وضعها في موضع المتابعة والتنفيذ. ويطالبوننا بتصديق هذا الكلام. صحيح، اننا نعاني على المستوى الفردي والجماعي، من ضعف الذاكرة ولكننا لم نصل بعد الى درجة فقدان الذاكرة نهائيا. اليس هذا الثنائي، عباس -المالكي، من قام بعرقلة عرض تقرير غولدستون على الامم المتحدة؟ هذا التقرير الذي اعترف بخجل ببعض جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي اقترفتها اسرائيل في حرب الابادة التي شنتها على غزة في عامي ٢٠٠٨/٢٠٠٩ حتى تخلت عنه نهائيا مما دفع غولدستون نفسه للتراجع عن تقريره، مما اتاح لاسرائيل تحقيق نجاح سياسي مرموق عجزت عن تحقيقه على ارض المعركة. ألم يكن هذا الثنائي السبب في فلتان اسرائيل من المسؤوليه بعد الحربين التاليتين في ٢٠١٢ و٢٠١٤ ؟ وحتى عندما بادرت المحكمة الجنائية بتقديم اسرائيل للمحاكمة ألم يرفض المالكي بتوجيه من عباس التوقيع على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية؟ وفيما بعد عندما انضمت سلطة اوسلو إلى هذه المحكمة وبعض المؤسسسات الدولية الاخرى ألم تتعهد هذه السلطة بعدم الشكوى على اسرائيل مهما كانت الظروف والاسباب؟ والا لماذا لم تقدم حتى الآن شكوى واحدة ضد الاعدامات بدم بارد التي تجري يوميا تقريبا؟ ولماذا لم ترفع حتى ولا قضية واحدة ضد البؤر الاستيطانية التي تنتشر في الضفة الغربية؟
اصلا كيف يعقل أن ترفع قضية ضد الحكومة البريطانية لاصدارها وعد بلفور قبل قرن من الزمن وانت توافق على ما هو العن واسوأ من وعد بلفور؟ ألم يكن قرار التفسيم اسوأ من وعد بلفور؟ أليست اتفاقيات اوسلو أسوأ من وعد بلفور؟ ومفاوضات "السلام" في ربع القرن الاخير وفي افضل حالاتها الا تطرح حلولا اسوأ بما لا يقاس مما نص عليه وعد بلفور؟
اذن ما الهدف من اطلاق فقاعات الصابون هذه من على افشل منصة في العالم العربي؟ اولا وقبل كل شيء: الهاء الشعب الفلسطيني المنكوب بزعامته قبل ان يكون منكوبا من قبل الكيان الصهيوني ومن اوجدوه،بمواضيع تدغدغ عواطفه وتعمل على تخديره ولكنها تبعده عن النضالات الحقيقية. وثانيا، التستر على الافلاس الشامل الذي وصلت اليه هذه السلطة. وثالثا وليس اخيرا، القيام بالدور الذي كلفت به هذه السلطة من قبل اسرائيل وما يسمى بالمجتمع الدولي على أحسن وجه للحفاظ على امن الدولة الصهيونية وفي الوقت نفسه الحفاظ على الفساد المستشري في هذه السلطة والذي تستفيد منه بعض شرائح المجتمع وتبديل النضال الحقيقي بنضال وهمي.
هذا لا يعني ان الحكومة البريطانية لا تستحق المحاكمة اولا، على اتفاقية سايكس بيكو التي مزقت العالم العربي وثانيا، على وعد بلفور الذي انتزع فلسطين من قلب الامة العربية وثالثا، على سنوات الاحتلال تحت اسم الانتداب لتمكين العصابات الصهيونية من اقامة دولتها ورابعا، على سياستها المعادية لاحلام وطموحات شعبنا حتى هذا اليوم. مثل هذه المحاكمة قادمة لا محالة ولكن من سيرفعها هو الشعب الفلسطيني من خلال نضاله لتحرير ارضه وعودة اللاجئين وليس من خلال سلطة عاجزة، سقيمة وفاسدة.
الخطوة الاولى لرفع قضية ضد الحكومة البريطانية وضد جميع الحكومات التي ساهمت في هضم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تبدأ بالتخلص من حكومة أوسلو.

Thursday, July 21, 2016

ضد الجيش والشرطة



ضد الجيش و الشرطة
علي زبيدات – سخنين

تقوم المجتمعات الطبقية القديمة والحديثة، بغض النظر عن انظمتها وبغض النظر عن درجة تطور هاهذه، على تقديس مؤسستين اجراميتين لا مكان لهما في عالم يحلم بالحرية والسلام وهما الجيش والشرطة. تدعي الايديولوجية المهيمنة والتي استطاعت مسح ادمغة الغالبية العظمى من البشر بأنه لا بد من الجيش لحماية الاوطان من الاعداء الخارجيين ولا بد من الشرطة لحماية المواطن والحفاظ على الامن الداخلي. هذه الكذبة التي تتكرر كل يوم منذ آلاف السنين وحتى يومنا هذا اصبحت حقيقة عند الغالبية العظمى من الناس. فالدعاية التي تبثها هذه الايديولوجية تقول: لو لم يكن هناك جيوش لافترست الشعوب بعضها البعض وكدليل على ذلك تشير إلى تاريخ الحروب منذ غابر الازمنة وحتى عصرنا الراهن، هذا بالرغم من ان هذه الكذبة مكشوفة سلفا، إذ لو لم تكن هناك جيوش لما كانت هناك حروب اصلا ولما هاجم شعب شعبا آخرا. وتتابع هذه الدعاية القول: ولولا وجود الشرطة لقتل المواطنون بعضهم البعض كالحيوانات المفترسة، بينما يؤكد الواقع العكس من ذلك تماما فالشرطة هي المسؤول الاول عن ارهاب وقتل المواطنين.
يوجد للجيش، منذ أن اصبح مؤسسة قائمة بذاتها، وظيفة مزدوجة: الدفاع عن مصالح الطبقات الحاكمة امام اعدائها الخارجيين من جهة وتوسيع هذه المصالح على حساب هؤلاء الاعداء عن طريق شن الحروب العدوانية من جهة اخرى. اما وظيفة الشرطة الازلية فهي الدفاع عن مصالح الطبقة الحاكمة امام باقي الطبقات التي تركب المجتمع. ومن هنا تأتي ضرورة التنسيق والتعاون بين هاتين المؤسستين وفي الوقت نفسه حتمية الصراع فيما بينهما. لم يطرأ أي تغيير جذري على وظيفة الجيش هذه منذ ايام اسبارطة ومكدونيا وروما وفارس والمغول والتتر والهون وحتى ايامنا هذه حيث الجيوش المهنية الحديثة. واذا كان هناك ثمة تغيير فهو في نوعية وكمية الاسلحة التي يدجج كل جيش نقسه بها. فالاسلجة القديمة كالسيف والرمح والدرع والمنجانيق وغيرها من الاسلحة البدائية قد انقرضت وان وجدت فهي موجودة في المتاحف وحلت محلها الصواريخ المتطورة والقنابل الذكية والطائرات الحربية واسلحة الدمار الشامل من بيولوجية وكيماوية ونووية، الكفيلة بتدمير الكرة الارضية عدة مرات.
محاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة في تركيا مؤخرا اعادت هذه القضية من جديد ووضعتها في واجهة الاحداث والاخبار وعلى طاولة النقد والتحليل. مرة اخرى وقع الجميع في فخ الايديولوجية الطبقية، فخ الفصل بين المؤسسة العسكرية والسياسية. رأينا الصراع الظاهري بين المؤسستين غابت عنا الوحدة العضوية بينهما. الصراع السياسي داخل الطبقة الحاكمة له انعكاس و امتداد طبيعي في المؤسسة العسكرية. هناك اوساط عسكرية ايدت هذا الطرف السياسي واوساط اخرى ايدت ذاك الطرف. في الانظمة الرأسمالية الحديثة، كذبة الفصل بين المؤسسة السياسية والعسكرية مثلها مثل كذبة الفصل بين ما يسمى بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. جميعها اجتهادات الهدف منها واحد وهو: ايجاد انجع الطرق للحفاظ على النظام الطبقي.
لا نستطيع ان ننكر ان التاريخ البشري، في بعض محطاته التي شكلت نقاط انعطاف تاريخي اسفرت عن تغيير جذري في طبيعة النظام، عرف جيوشا وقفت امام مهام تختلف عن مهامها التقليدية، اذكر على سبيل المثال لا الحصر من التاريخ الحديث: الجيش الاحمر السوفياتي الذي قام بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية للدفاع عنها ضد فلول جيش القيصر والتدخلات الامبريالية، ومن ثم حربه ضد الوحش النازي، والجيش الاحمر الصيني الذي حارب ضد الاقطاع والاحتلال الياباني حتى انتزع استقلال الصين الشعبية، وجيش الشعب الفيتنامي الذي خاض حربا متواصلة لاكثر من ثلاثين سنة ضد الاستعمارين الفرنسي والامريكي. ولكن مثل هذه الامثلة كانت مؤقتة ونسبية وسرعان ما تحولت إلى نقيضها. اليوم، يرزح العالم باسره تحت نير نظام رأسمالي عالمي واحد بالرغم من تعدد اشكاله ودرجات تطوره من مكان لآخر. لا تصدقوا كذبة وجود جيوش وطنية هدفها حماية الاوطان، لانه لم يعد هناك انظمة وطنية اصلا. لم يبق سوى شعارات ديماغوغية. الجيش جهاز قمعي فتاك يسعى إلى احتكار العنف ويستخدم مجرد اداة في ايدي الطبقات الحاكمة للدفاع عن مصالحها وسلطتها. نقطة. الانظمة التي تدعي الوطنية ستكون اول من يستدعي الجيوش الاجنبيه لاجتياح بلادها اذا لزم الامر لذلك.
خلاصة هذا القول لا يعني انني اصبحت "مسالما" أي "باسيفست"، ادعو إلى نبذ كافة اشكال العنف. ما زال العنف الثوري الذي تخوضه الشعوب والطبقات المضطهدة من اجل استقلالها وتحررها ضرورة موضوعية وهو حق تكفله وتعترف به كافة الاعراف والقوانين الدولية. ولكن من أجل ذلك لا حاجة لهذا لجهاز المتوحش المدجج بأعتى الاسلحة واشدها دمارا المسمى بالجيش. الشعب المسلح بالوعي اولا وبالتنظيم ثانيا ومن ثم باسلحة دفاعية قادر على انتزاع حريته والدفاع عن نفسه. على النضال في المرحلة الراهنة ان يركز أولا، على نزع الاسلحة النووية وكافة اانواع اسلحة الدمار الشامل والاسلحة التقليدية المتطورة ذات القدرة على الدمار، جمعها وحجزها حتى تصبح اكواما معدنية يعلوها الصدأ تباع في سوق الخرداوات. ثانيا، دعوة الشباب في جميع ارجاء العالم الى رفض الخدمة العسكرية في اي جيش مهما كان. ثالثا، دعوة المجندين إلى ترك الجيش فورا.لكي لا يكونوا قاتلين أو مقتولين. واخيرا رفع شعار: حل وتفكيك اجهزة الجيش والشرطة الآن وفي كل مكان.

Thursday, July 14, 2016

نفط وقطران



نفط وقطران
علي زبيدات – سخنين

لا ادري مدى الصحة التاريخية للرواية المنسوبة إلى عمر بن لخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، عندما مر باعرابي يدعو ربه لشفاء بعيره الذي اصابه الجرب فقال له:" اجعل مع دعائك قليلا من القطران". ما يهمنا هنا أن هذه الرواية اصبحت تراثا شعبيا نرويها منذ قرون طويلة لكل من يحب سماعها، ندونها في كتب الصغار والكبار، نعلمها في المدارس والجامعات وكل جيل يورثها للجيل الذي يليه. ولكن على ما يبدو انقطع القطران من بلادنا الغنية بالنفط حتى اصابنا الجرب الذي لم يترك بقعة واحدة من جسدنا سليمة. ولكننا في الوقت نفسه تفوقنا على انفسنا في اجادة الادعية والتفنن بها، اقصد بالتفوق المعنى الحرفي والمجازي لهذه الكلمة وذلك بدون التطرق إلى اي نقاش عقائدي. خذوا مثلا في شهر رمضان الاخير تعرضنا إلى كم هائل من الادعية وصلت ذروتها في ليلة القدر، حيث الادعية "مستجابة" واستمر هذا الطوفان من الادعية ايام العيد ولا اظن انه سوف يتوقف مع انه عاد الان إلى حجمه الطبيعي.
دعوني اتوقف عند بعض هذه الادعية التي من شأنها ان تفقد كل شخص عاقل الصواب اذا ما فكر فيها للحظة واحدة: "اللهم انصر الاسلام والمسلمين”، ينصرهم على من؟ وهل يخوض المسلمون حربا ضد الكفر والكافرين؟ أم انهم يشنون حرب ابادة ضد بعضهم البعض؟. ومن هم المسلمون الذين ينبغي ان ينصرهم الله؟ هل هم المسلمون السنة ام الشيعة؟ تنظيم الدولة ام جبهة النصرة؟ الحشد الشعبي ام حزب الله؟ ام جيش الاسلام؟هل تظنون الله مقاول يشتغل عندكم أو عند ابوكم؟ فلو استجاب الله لأدعيتكم جميعا لفنيتم عن بكرة ابيكم.
هناك ادعية اخرى لا تعد ولا تحصى اصبحت تستفز السامعين تختص بالشهداء. المصيبة هنا اننا لم نعد ندري من هم هؤلاء الشهداء بالضبط؟ هل هم الذين يقتلون منكم أم الذين تقتلونهم انتم؟ وان نسيت فلن انسى ادعيتكم في الماضي، وبعضها ما زال مستمرا حتى اليوم، على الصهاينة والدولة الصهيونية والتي حسب رأيي لم ترتفع اكثر من شبر واحد فوق رؤوسكم. لان نفاقكم الذي كان مبطنا اصبح اليوم مكشوفا، فمن لا يتمرمغ تحت اقدام هذه الدولة علنا يمارس ذلك خلسة. فبينما كانت الصواريخ الصهيونية تدك غزة ومن قبل بيروت وبغداد كنتم انتم تدكونها بادعيتكم المزيفة التي اشبه بالبالونات الجوفاء التي تطلق صوتا مبحوحا في حالة انفجارها.
لقد جبنتم أن تضيفوا حتى ولو نقطة قطران واحدة الى ادعيتكم هذه. من يدري لربما صنعت هذه النقطة الفرق. حتى النبي محمد، الذي تتخذونه قدوة، لم يكتف بالدعاء بالرغم من ايمانه المطلق باستجابة الله لدعائه وبنصرته له. فعندما تفاقمت مضايقات عشيرته له هاجر من بلده مكة إلى المدينة ولم يقل سأبقى هنا لأني دعوت الله ان ينصرني على القوم الظالمين، وكان قبل ذلك قد اشار إلى اتباعه بالهجرة إلى الحبشة لكي يتجنبوا ظلم ذوي القربى من المشركين. وعند وصوله إلى المدينة لم يجلس مكتوف اليدين بل باشر برص صفوفه ليكون جاهزا للمواجهة التي سرعان ما جاءت في غزوة بدر وما تلاها من غزوات. لم يتوقف النبي عن الدعاء ولكنه عرف كيف ومتى يستعمل القطران.
قد يظن البعض أن المقصود بهذا الكلام حصرا الانظمة التي تتخذ من الدين قناعا لها بالاضافة للحركات والاحزاب التي تطلق على نقسها أو يطلق عليها الاخرون بالاسلام السياسي. ولكن لا، هذا الكلام يشمل ايضا انظمة الاستبداد "القومية" و"الوطنية" والتي فتحت بلادها على مصراعيها للتدخل الاجنبي وعملت على تدميرها بحجة محاربة الارهاب ولكن في الحقيقة للمحافظة على كراسيها. او تلك التي اعادت النفوذ الاستعماري الى سابق عهده. والاحزاب والحركات القومية التي تدور في فلك هذه الانظمة. قد تستبدل هذه الانظمة والحركات السياسية الادعية بالخطابات الرنانة ولكن هدفها واحد، وكان الاحري بها هي الاخرى اضافة القليل من الفطران إلى خطاباتها. وان انسى لن انسى دعاة الاشتراكية في وطننا العربي، فمن يذكر انه كان لدينا بلد اشتراكي واحد في اليمن الجنوبي؟ سرعان ما بدأ الثوار "الاشتراكيون" بصفون بعضهم البعض حتى اصبحوا لقمة سائغة ابتلعها اليمن الشمالي الاقطاعي. ويظن البعض ان العراق وسوريا تحت حكم شقي حزب البعث -الاخوة الاعداء- انظمة اشتراكية وكذلك في مصر زمن عبد الناصر حتى جاء السادات واعادها إلى احضان الرأسمالية، واليوم يلتف معظم الناصريين حول السيسي الذي بز السادات ومبارك في ولائه لامريكا واسرائيل. هذا بالاضافة للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى التي كان يديرها القذافي كمزرعة خاصة حتى اطاح به حلف الناتو وحلفائه العرب. واخيرا الجزائر واسمها الكامل: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية على طريقة تشاوشيسكو وباقي "الديمقراطيات الشعبية" المنهارة في اوروبا الشرقية. ولكي لا انسى احدا لا بد من ذكر الاحزاب والحركات الاشتراكية والشيوعية المنتشرة في كافة ارجاء الوطن العربي تحت شعار: يا عمال العالم اتحدوا.. بينما هم في الحقيقة ليسوا اكثر من سماسرة يتاجرون بقضايا العمال في السوق الرأسمالية "الحرة".
ليذهب النفط العربي في ستين داهية وليباع بثمن بخس لدول العالم المتحضرة، ولكن على الاقل اتركوا لنا القطران لعله يشفينا من الجرب الذي ينهش اجسادنا.

Thursday, June 30, 2016

عمليات واتفاقيات



عمليات واتفاقيات
علي زبيدات – سخنين

حسب كافة المصادر الاخبارية، لا يوجد هناك علاقة مباشرة بين العملية الارهابية في مطار اتاتورك في اسطنبول والتي اودت بحياة حوالي ٥٠ شخصا بالاضافة إلى عدد من الجرحى وبين اتفاقية المصالحة التي وقعتها الحكومتين التركية والاسرائيلية في اليوم نفسه. أي أن هذه العملية لم تأت لا من قريب ولا من بعيد كرد على تلك الاتفاقية. ولكن حسب رأيي يوجد هناك علاقة متينة بينهما، علاقة تبدو غير مرئية للوهلة الاولى ولكنها تصبح أوضح كلما نظرنا إلى الصورة شاملة ومن كافة جوانبها حتى تصبح واضحة وضوح الشمس. لا اقصد بذلك أن الذين اقترفوا هذا العمل الاجرامي في المطار والذي راح ضحيته الابريياء هم من الفلسطينيين أو ممن تربطهم أية علاقة بفلسطين، أو ان ما قاموا به كان نوعا من الانتقام للعلاقات الحميمة المتجددة بين الدولة التركية والاسرائيلية أو للغدر بفلسطين وخصوصا بقطاع غزة من وجهة معارضي الاتفاقية. ما اقصده هنا باختصار هو أن العملية والاتفاقية كل على حدة ومجتمعتان تشكلان عناصر اولية مركبة ليس للسياسة التركية فحسب بل للسياسة السائدة في دول المنطقة باسرها ايضا: عمليات اجرامية رهيبة من جهة واتفاقيات قذرة من جهة اخرى. وهي نفسها تصبح بالنسبة للآخرين عمليات بطولية من جهة واتفاقيات تحقق انجازات عظيمة من جهة اخرى. الامر يتعلق بمن تسأل. فمثل عملية مطار اسطنبول الاخيرة حدث في السابق الكثير، في تركيا نفسها وفي سوريا، العراق، لبنان، مصر، الاردن، فلسطين وغيرها من الدول. وسوف يحدث في المستقبل العديد من مثل هذه العمليات. فما هو الجديد إذن؟ اما بالنسبة للاتفاقية، ولا ادري اذا كان هذا الاسم يليق بها اصلا، ففي كل يوم يوجد اتفاقية، بعضها يبقى سرا او انها لا تصل اصلا إلى وسائل الاعلام. غالبا ما لا يلتزم بها اي طرف، كل طرف يفسرها على هواه، ينفذ ما يريده بشكل انتقائي ويخرق ما يريده. وبعد فترة تزول ويطويها النسيان ولن تجد من يسميها اتفاقية الا الصحف القديمة، اليس هذا ما حدث لاتفاقيات أهم من اتفاقية تركيا واسرائيل؟ كإتفاقية كامب ديفد وأوسلو على سبيل المثال وغيرها الكثير؟.
لقد كتبت منذ زمن طويل وبالتحديد في الاجواء التي تلت احداث سفينة مرمرة عندما سطع نجم اردوغان وأخذ يلعب دور الفارس المنقذ، انه لم يتغير شيء جذري على تركيا فما دامت عضوا مركزيا في الحلف الاطلسي، تحتضن قواعد عسكرية امريكية وتسلح جيشها بالسلاخ الغربي فانها لن تخرج من دائرة هذا الحلف مهما فعلت ومهما اختلفت مع باقي حليفاتها. وما دامت تهضم حقوق ٢٠ مليون كردي وتمارس ضدهم ابشع اشكال القمع والاضهاد فهي لا يمكن ان تكون نصيرا حقيقيا لشعب مشرد ومضطهد كالشعب الفلسطيني. كتبت في ذلك الوقت، وها انا اكتب حاليا أن النظام التركي قبل مرمرة هو نفسه بعد مرمرة. وأن النظام التركي قبل الاتفاقية الاخيرة هو نقسه بعدها. والحالة هذه لا يمكن دمغه بالخيانة لانه لم يكن في يوم من الايام متهما بالاخلاص مثله مثل غيره، فهو يبحث أولا وقبل كل شيءعن مصلحته كنظام، وليس كشعب او كبلد. وكباقي الانظمة يسير على هدى المبدأ المكيافيلي الذي يقول: لا علاقة بين الاخلاق والسياسة، فاذا كان الوعد الذي اعطي ضرورة في الماضي فالوعد المنتهك هو ضرورة في الوقت الحاضر. نعم، وعد اردوغان برفع الحصار عن غزة والا لن يعيد العلاقات إلى طبيعتها مع اسرائيل. كان هذا الوعد ضروريا قبل ٦ سنوات عندما اراد أن يجعل من تركيا قوة اقليمية. في الوقت الحاضر لم يعد هناك ضرورة فاصبح بالامكان التخلي عنه.
بنود الاتفاقية كما نشرتها وسائل الاعلام المختلفة ليست ذات اهمية، فهناك من يؤيدها بحماس ويرى فيها انجازا عظيما وهناك من يرفضها على اعتبار قبولها خيانة عظمى وهناك من يتأرجح بين هذين القطبين. الموقف المسطح المطلوب من الجميع ان يتخذوه ازاء الاتفاقيات هو بشكل عام اما االقبول أو الرفض. لا يشعر المفكرون والسياسيون والمحللون الذين يتبنون مثل هذا الموقف في أي فخ يقعون. فاذا قبلوها على الصعيد المحلي فسيجدون انفسهم في صف نتنياهو ومعظم وزرائه وان رفضوها فسيجدون انفسهم في صف ليبرمان وبينيت وشاكيد. وفلسطينيا يوجد هناك اصطفاف جديد ملفت للنظر جمع حماس وسلطة اوسلو في صف القبول بينما وجدت بعض الفصائل الاخرى نفسها في صف الرفض. طبعا، هذا لا يعني عدم وجود بعض الحقيقة في مواقف كلا الطرفين، ولكن احيانا بعض الحقيقة يكون اسوأ بما لا يقاس من غيابها تماما. بالنسبة لاسرائيل، فقد حصلت على اعتراف تركي (ومن خلفه على اعتراف حمساوي واوسلوي) بحقها في حصار غزة. وكل مساعدة "انسانية" يجب ان ترسي في ميناء اشدود اولا وتمر تحت الرقابة الاسرائيلية قبل ان تتوجه نحو غزة وكل هذا خاضع لحسن النوايا الاسرائيلية واعتباراتها الامنية. حصل الجنود الاسرائيليون مقابل ٢٠ مليون دولار على صك براءة وعدم الملاحقة. وهو ميلغ زهيد اذا ما قارناه مثلا بما دفعه القذافي في حينه لضحايا لوركربي حيث بلغت التعويضات ٢،٧ مليار دولار. هذا بالاضافة لمد انبوب الغاز وبيع الغاز المسروق الى تركيا ومنها الى الدول الاوروبية الاخرى. على الساحة الفلسطينية، حصلت حماس على بعض الفتات الذي يمكنها من اطالة عمر سلطتها تحت الحصار، ويبدو ان بعض هذا الفتات سيجد طريقه الى الضفة الغربيه الامر الذي من شأنه ضخ بعض الحياة في شرايين سلطة اوسلو التي ينخرها الفساد.
المطلوب ليس انتظار العملية القادمة او الاتفاقية القادمة وتحديد الموقف منها، بل المطلوب هو خلق حالة ثورية شاملة تكنس كافة الانظمة التي تنتج هذه العمليات والتفاقيات الى مزبلة التاريخ.