Wednesday, April 27, 2016

عندما يلتقي المثقف الفهلوي بالسياسي الفهلوي



عندما يلتقي المثقف الفهلوي بالسياسي الفهلوي
علي زبيدات – سخنين
بتفق العديد من المفكرين وعلماء الاجتماع والنفس العرب على أن الشخصية الفهلوية هي الشخصية السائدة في المجتمعات العربية حتى اصبحت في كثير من البلدان الصفة الملازمة للشخصية القومية العربية. لعل افضل من تناول هذه الشخصية بالدراسة والتحليل عالم الاجتماع المصري حامد عمار في عدد من كتبه اهمها: "في بناء البشر: دراسات في التغيير الحضاري والفكر التربوي" و " التربية والنمط الاجتماعي للشخصية" والمفكر السوري صادق جلال العظم في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة". حيث طور افكار حامد عمار حول الشخصية الفهلوية وعممها على الشخصية القومية العربية وحملها المسؤولية عن الهزيمة النكراء التي تعرضت لها الجيوش العربية في حرب حزيران عام ١٩٦٧.
لا تطمح هذه المقالة الصحفية المتواضعة بأي شكل من الاشكال لان تكون بحثا اكاديميا او دراسة في علم الاجتماع أو علم النفس. كل ما اردت أن اؤكده هنا هو أن الشخصية الفهلوية التي تناولها كل من حامد عمار وصادق جلال العظم في سنوات الستين والسبعين من القرن الماضي بالنقد والتحليل ما زالت سارية المفعول وما زالت هذه الشخصية هي المسيطرة في مجتمعاتنا العربية ومن ضمنها مجتمعنا الفلسطيني المحلي موضوع هذه المقالة.
السمات الاساسية للشخصية الفهلوية حسب حامد عمار هي:
أولا، "القدرة على التكيف السريع لمختلف المواقف وادراك ما تتطلبه من استجابات مرغوبة والتصرف وفقا لمقتضياتها إلى الحد الذي يراه مناسبا". وهذه القدرة على التكيف السريع تتميز بجانبين متلازمين: المرونة والفطنة والقابلية للهضم والتمثل للجديد من جهة والمسايرة السطحية والمجاملة العابرة لتغطية الموقف وتورية المشاعر الحقيقية.
ثانيا، "النكتة المواتية التي غدت من خصائص النمط المصري"
ثالثا، " المبالغة في تأكيد الذات والميل الملح إلى اظهار القدرة الفائقة والتحكم بالامور"
رابعا، "سيادة نظرة رومانتيكية للمساواة". الشعور بالنقمة والسخط على الاوضاع التي توجد التمايز والتفرقة والتي يواجهها الفهلوي بعملية "الازاحة والاسقاط"، إزاحة المسؤولية إلى غيره من الناس واسقاطها على امور خارج نطاق الذات ليتيسر تبرير ما قد يقع فيه المرء من مواقف محرجة او تقصير في المسؤوليات الاجتماعية. وتزداد الفهلوة بازدياد القدرة على احكام هذه العمليات الازاحية والاسقاطية.
خامسا، "الطمأنينة إلى العمل الفردي وايثاره على العمل الجماعي".
سادسا، "الوصول إلى الهدف باقصر الطرق واسرعها وعدم الاعتراف بالمسالك الطبيعية".
هذه الصفات تكون نتائجها وخيمة على المجتمع عندما تحدد شخصية المثقف والسياسي، او عندما يخدم المثقف الفهلوي السياسي الفهلوي أو العكس، أو عندما يكون المثقف الفهلوي في الوقت نفسه سياسيا فهلويا. وحسب رأيي تغول هذه الشخصيةا هو السبب الرئيسي في اوضاعنا المزرية في هذه الايام. فالسياسي الفهلوي يحترف الخطابات النارية والكلام في العموميات وتكرار واجترار ما يقوله في عدة مناسبات واماكن. نراه يتكيف بسرعة غريبة تفوق سرعة الحرباء، فليس غريبا عليه أن يعتلي المنصة في مناسبة وطنية، يلقي خطابا عصاميا في النهار وفي المساء يتناول العشاء مع احد الوزراء. واذا كان يتبوأ مركزا مرموقا، رئيس بلدية على سبيل المثال وقصدته في شيء يستقبلك بحفاوة وربما بالاحضان ويبادرك بأن مشكلتك محلولة، ولكنه ينسى وعوده حال مغادرتك. يبحث عن اقصر الطرق واسهل الحلول ولكنه يتجنب العناء ومواجهة العقبات. تنتاب السياسي الفهلوي نوبات من الحماس المفاجئ والاستهانة بالصعاب ولكن سرعان ما يتبعها الفتور والتهرب من العمل الجدي والمثابرة والعمل المنظم. كثيرا ما يتكلم عن المبادىء ولكن قي عمله المهني وفي سلوكه اليومي لا يمقت شيئا أكثر من تذكيره بالمبادىء. يتكلم كثيرا عن العمل الجماعي وعن تكاتف الجهود والوحدة بين كافة الفرقاء ولكنه في الواقع عكس ذلك تماما: لا يعمل الا بشكل فردي استبدادي وفي احسن الاحوال من خلال شلة مغلقة من المساعدين الذين يشاركونه الفهلوية. عندما اتكلم عن الفهلوية في السياسة اقصد من حيث الاساس أعضاء الكنيست العرب، زعامات لجنة المتابعة والاحزاب السياسية وقسم كبير من رؤساء السلطات المحلية. ومما يزيد الطين بلة ويزيد الصورة تعقيدا هو دخول المثقفين الفهلويين إلى حلبة الصرا ع الامر الذي بنطوي على مخاطر جمة. فالمثقف الفهلوي يتستعمل عادة الكلمات الفخمة للتعبير عن معاني ركيكة. ثقافته انتقائية، غير منتجة، غير خلاقة وغير مبدعة يميل إلى التقليد والمحاكاة. في كثير من الاحيان يضع قدراته "الفكرية " في خدمة وتصرف السياسي الفهلوي فيشكلان جبهة فهلوية موحدة تقود المجتمع باسره إلى التقهقر والضياع. واذكر على سبيل المثال لا الحصر: التصور المستقبلي الصادر عن بعض المثقفين والسياسيين لتحديد (او بالاحرى لتشويه)الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال تعريف علاقة المواطن الفلسطيني بالدولة، مشروع الدستور الديمقراطي الذي قدمته عدالة، وثيقة حيفا الصادرة عن مركز مدى الكرمل وغيرها الكثير. انظروا إلى الايام الدراسية التي تنظمها هذه "المؤسسات الثقافية" بتمويل اجنبي (وهذا موضوع آخر قائم بذاته) والتي تضع دائماعلى المنصة اعضاء كنيست إلى جانب مثقفين مختصين. ليس من باب الصدفة انتشار ما يسمى بالمؤسسات الثقافية كالفقع بعد يوم ماطر، اذكر، مرة اخرى على سبيل المثال لا الحصر، عشرات الباحثين الاكاديميين في المعاهد الاسرائيلية: فان لير، بيت بيرل، جيفعات حبيبة، المركز اليهودي العربي وغيرها من المراكز والجامعات الاسرائيلية بالاضافة إلى المؤسسات "المستقلة" مثل إعلام، مساواة، انجاز، مسارات، مركز الثقافة العربية، المجلس التربوي، شتيل، مركز دراسات، عدالة، مدى الكرمل، المركز العربي للتخطيط البديل، المؤسسة العربية لحقوق الانسان، وغيرها وغيرها.
تنطوي الشخصية الفهلوية، حسب صادق جلال العظم في النقد الذاتي بعد الهزيمة، على شعور حقيقي بالنقص اتجاه الاآخرين. وهي لا تستطيع البوح به لانها تتمسك بقيم الحياء والخوف من الفضيحة اكثر مما تتمسك بالواقعية والموضوعية وبضرورة الاعتراف الصريح بالنقص لمعالجته والتغلب عليه.
تقف الشخصية الفهلوية عاجزة امام التحديات التي يواجهها شعبنا لذلك يجب العمل على مقاومتها على كافة الاصعدة والمستويات حتى التخلص منها نهائيا.

Wednesday, April 20, 2016

نكتة الدجاجة وحبة القمح



نكتة الدجاجة وحبة القمح
علي زبيدات – سخنين

لا ادري اذا كنت قد قرأت هذه النكتة السمجة في احدى الصحف الصفراء قبل وقت طويل أو سمعتها من احد الاصدقاء ثقيلي الظل الذين يظنون انفسهم عكس ذلك تماما واغلب الظن انني لست الوحيد الذي قرأها أو سمعها. من حين لآخر تعود هذه النكتة، تراود ذاكرتي وتتجول في ذهني فترة من الزمن ثم تختفي. تذكرت هذه النكتة مؤخرا، تبسمت ابتسامة شاحبة بيني وبين نفسي، ولكن بعد قليل من التمعن اتضح لي ان هذه النكتة تصور حالتنا الراهنة على اصدق شكل وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي في تذكرها في هذا الوقت بالذات.
تقول النكتة أن شخصا ولنطلق عليه مجازا اسم "ع". وكان "ع" هذا يعاني من مرض نفسي يجعله يؤمن بأنه حبة قمح لذلك كان يخاف الخروج من البيت لئلا تصادفه دجاجة وتلتقطه علفا لها. لذلك لزم بيته وامتنع عن الخروج مهما كان السبب. بعد جهود كبيرة بذلها اصدقاؤه وبمساعدة مختصين في مجال علم النفس استطاعوا اقناعه بأنه ليس حبة قمح بل هو رجل مثله مثل غيره ولا يوجد لديه أي سبب للخوف من الدجاجة. بعد ذلك تأبطوا ذراعيه ورافقوه إلى خارج البيت لكي يثبت انه رجل. ما ان اجتاز عتبة البيت بامتار حتى رأى من بعيد دجاجة كبيرة قادمة نحوه. فانتفض "ع" وافلت ذراعيه من مرافقيه وعاد مرعوبا الى البيت واغلق وارءه الباب والشبابيك. عاد الاصدقاء والمختصين النفسيين ووبخوه بقولهم: ماذا جرى؟ الم نتفق بانك رجل ولست حبة قمح؟ فاجابهم: نعم، انا مقتنع بذلك تماما ولكن عليكم ان تقنعوا الدجاجة بأنني لست حبة قمح.
من غير استعارات وتوريات ومجازات، هذه هي حالتنا اليوم بحذافيرها. اننا نفكر ونشعر ونتصرف وكأننا ٣٥٠ مليون حبة قمح مبذورة على طول وعرض ما كان يسمى بالعالم العربي من المحيط وحتى الخليج، وأن اسرائيل هي تلك الدجاجة الشرسة التي سوف تلتقطنا حبة حبة. حتى تلك الفئات القليلة التي تحررت شكليا من عقدة حبة القمح ما زالت تعاني من عقدة عدم اقناع اسرائيل تبأننا لسنا حبات فمح واعتبارها تلك الدجاجة الشرسة التي سوف تلتقطها حال اعتراض طريقها.
ربما "ع" عنده حق: لا يكفي أن نقنع انفسنا بأننا لسنا حبات قمح، بل يجب أن نقنع الدجاجة الشرسة ايضا بأننا لسنا حبات قمح ملقاة على قارعة الطريق لمن يريد إن يلتقطها. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: على عاتق من ملقاة هذه المهمة؟ لن يفعل ذلك اصدقاء ولا مختصين نفسيين، ولا مجتمع دولي، ولا منظمات حقوق انسان. لن يفعل ذلك احد غيرنا. صحيح، الدجاجة الاسرائيلية مدججة باحدث الاسلحة الفتاكة من منقارها وحتى مخالبها (هذا على اعتبار ان الدجاج الشرس له مخالب وليس اظافر). فهي تنوء تحت حمل اسلحتها ولن تستطيع حمله لمسافة بعيدة ولزمن طويل، وبالتالي سوف تتفجر من فوقها ومن تحتها. ان جيشا يعتبر نفسه ويعتبره العالم رابع اقوى جيش في العالم يطلق على طفل أو طفلة اسم ارهابي/ة (מחבל/ת) ويطلق على قاتلهما بدم بارد اسم محارب (לוחם) ويصبح بطلا قوميا لن يكون مثل هذا الجيش سوى نمر من ورق. وان جيشا يدعي طهارة السلاح ويقتل احد جنوده جريحا مغمى عليه وتجتمع الجماهير الغفيرة تطالب باعتبار هذا القاتل بطلا قوميا لهو جيش يتمرمغ في حضيض اعمق مستنقع لا اخلاقي.
نعم، من يعتبر نفسه حبة قمح تصبح الدجاجة أقوى وألد اعدائه. ولكن على عكس صاحبنا "ع" الذي اعتكف في البيت واغلق على نفسه الابواب، نرى حبات القمح المهترئة والتي ينخر فيها السوس والمنتشرة في ارجاء الوطن العربي، والتي بالرغم من كل ذلك تتبوأ الصدارة وتحكم شعوبا وبلدانا، تهرول كرها أو طوعا مرتمية في احضان قن الدجاجة الاسرائيلية عارضة نفسها للالتقاط. تبدو دولة اسرائيل خارقة القوة في عيون حكام مصر والسعودية ودول الخليج وعصابة أوسلو ومن على شاكلتهم، ولكنها تصاب بالفزع والرعب امام اطفال القدس والخليل، حملوا حجرا أم لم يحملوا، حملوا سكينا أم لم يحملوا. تشير جميع الظواهر: قتل الاطفال، القتل بدم بارد، الحواجز، الجدار، تفاقم كافة اشكال العنصرية افعالا واقوالا، إلى أن المجتمع الاسرائيلي على شفا انهيار عصبي يسبق الانهيار الاقتصادي والسياسي القادمان لا محالة. من يريد أن يبقى علفا للدجاج الاسرائيلي فهنيئا له ومن يريد ان يحافظ على كرامته الانسانية فليتعلم من اطفال فلسطين.


Thursday, April 07, 2016

نودع ذكرى ونستقبل ذكرى ويبتعد الامل



نودع ذكرى ونستقبل ذكرى ويبتعد الامل
علي زبيدات – سخنين
الذكرى التي ودعناها هي الذكرى الاربعين ليوم الارض أما الذكرى التي نستعد لاستقبالها فهي الذكرى ال٦٨ للنكبة وأما الامل الذي يبتعد فهو أمل العودة وأمل تحرير اراضينا المسلوبة. تشاؤم؟ احباط للمعنويات؟ المس بالمناعة الوطنية؟ لا يهم، أليس هذا هو الواقع؟ أليست هذه هي الحقيقة العارية؟ لن يتغير شيء الا اذا اعترفنا بهذا الواقع وبهذه الحقيقة بدون لف ودوران، بدون خطابات نارية وشعارات رنانة وبدون ديماغوغية. اللهم الا اذا كان هناك من يعتبر ٦٨ أو ٤٠ عاما لا تعد زمنا طويلا. كم بؤلمني عندما اقرأ شهادات معظم، إن لم يكن جميع، اجدادنا الذين نزحوا في عام النكبة أن النزوح عن فلسطين لن يطول اكثر من ايام أو اسابيع وربما في اسوأ الحالات اكثر من أشهر معدودة. وها هم ماتوا ولم يعودوا بعد أن اورثونا الذكرى.
بعد احياء ذكرى يوم الارض الاخيرة قال "المتفائلون": كان الالتزام بالاضراب العام في بعض المدن والقرى العربية كان الالتزام كاملا وكان في اماكن اخرى جزئيا، وشارك الالاف في المسيرات المركزية، وإن دل ذلك على شيئ فانه يدل على أن شعبنا لم ينس الارض التي صودرت ولن يرضى بمصادرة المزيد من الاراضي خصوصا وان معظم المشاركين ممن ولدوا بعد يوم الارض الاول. اذا كان الهدف من احياء ذكرى يوم الارض هو عدم النسيان فقد نجح في تحقيقه كل هذه السنين الطويلة. ولكن الا ندعي بأن هدفنا هو منع المصادرة ومنع هدم البيوت واعادة الاراضي التي صودرت؟
لنتكلم قليلا عن الاضراب العام. انا شخصيا ( ولا ادعي بانني كنت الوحيد) كنت من المطالبين بأن يكون يوم الارض كل سنة يوم اضراب عام. ولكن عندما يصبح الاضراب العام جزءا من مسرحية عبثية (على ضوء المرات القليلة التي اقر بها الاضراب في يوم الارض) كان من الواجب اعادة النظر في هذه المسألة من جذورها. لا تقتصر المسألة على الالتزام او عدم الالتزام بالاضراب العام بقدر ما تعني من هي القوى الاجتماعية التي تخوضه وما هو الهدف السياسي من الاضراب. هل تنبه احد إلى تجاهل ا بل اخراج الطبقة العاملة الفلسطينية من جميع حسابات متخذي قرار الاضراب بالرغم من أن بعضهم يدعي تمثيل هذه الطبقة؟ لقد كانالتوجه دائما مقتصرا على اصحاب المصالح من الطبقة الوسطى والمستقلين والمؤسسات التابعة لها، خصوصا بعد ان اعفتهم عطلة الربيع من وجع الرأس مع الطلاب والمعلمين. اقول هنا بأعلى واوضح صوت: كل دعوة لاضراب عام لا يشمل بل لا يكون اساسها العمال الفلسطينيين فهي دعوة مشبوهة. لأن العمال هم الوحيدون القادرون على التأثير على الاقتصاد الاسرائيلي وتكبيده الخسائر التي لا يستطيع أن يتحملها. طبعا يترتب على دعوة كهذه مسؤوليات جسيمة لا تستطيع ولا تجرؤ لجنة المتابعة العليا (التي اتخذت قرار الاضراب) أن تتحملها. نجاح اضراب يوم الارض الاول يعود من حيث الاساس الى هؤلاء العمال الذين خاطروا بلقمة عيشهم ولم يتحدوا الحكومة واصحاب العمل فحسب بل الهستدروت المفروض (نظريا) حمايتهم والدفاع عنهم. خلال اربعين سنة تم تجاهل هذه الحقيقة البسيطة ولكنها الساطعة كنور الشمس وبالمقابل نسبوا النجاح لبعض الافراد من النخبة الذين تكالبوا على تبني هذا النجاح اسوة بالمثل الذي يقول: الفشل يتيم والنجاح له مائة أب.
في الدول الديمقراطية، والتي تدعي اسرائيل بانها من طيلعة هذه الدول، يحق للعمال أن يمارسوا حقهم بالاضراب من غير أن يتعرضوا للطرد والتهديد والملاحقة. ماذا يهم اسرائيل اذا اغلق مطعم، مقهى، دكان أو مكتب أبوابه في سخنين، عرابة، الناصرة ليوم أو حتى لشهر؟ ولكنها ستفقد اعصابها اذا شل العمال الفلسطينيون احد مرافقها الافتصادية ليوم واحد. وما يهمها اذا تظاهرنا بالالاف في شوارعنا الضيقة داخل مدننا وقرانا، ولكنها سوف تستنفر كامل قواتها اذا خرجنا عشرة امتار خارج قوقعاتنا. نحن بحاجة الى قيادة تضع كافة قطاعات شعبنا في صلب استراتيجيتها من اجل الدفاع عن الارض وتؤمن الاحتياجات الضرورية والحماي لكل من يتعرض للطرد من عمله.والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل لديها استراتيجية أصلا؟
قريبا جدا، سوف نحيي الذكرى ال٦٨ للنكبة. سوف نشارك بالآلاف في مسيرة العودة الى قرية وادي زبالة في النقب وسوف نستمع إلى العديد من الخطابات التي تحثنا على عدم نسيان ما جرى في عام النكبة وتذكرنا بحق العودة، وكأن مثل هذه الامور يمكن أن تنتسى، وكأننا بحاجة لمن يذكرنا بحقنا. ألا تثبت المشاركة الجماهيرية في مسيرات يوم الارض وفي مسيرات العودة، بالرغم من كافة العوائق وخيبات الامل،و بما لا يبقي مجالا للشك بأن ذاكرتنا سليمة ولا خوف عليها؟ ولكنها للأسف لا تقربنا إلى تحقيق العودة واسترجاع الارض. لقد آن الاوان لكي نخطو خطوة إلى الامام، خطوة تحررنا من سحر العادة ومن ارهاصات الذكرى وتقربنا من الامل، أمل العودة والتحرير. لا احد يملك اجوبة جاهزة ولا وصفات جاهزة ولكن شعبنا قادر على الابداع وابتكار وسائل واشكال جديدة للنضال. على سبيل المثال للحصر، تعميم تجربة شباب اقرت وبرعم الذين رفضوا الانتظار اكثر واعلنوا عودتهم إلى قراهم ولكنهم لم يتلقوا الدعم اللازم والكافي من الهيئات القيادية وغير القيادية حتى استفردت بهم السلطات الاسرائيلية. لقد سئمنا من استعمال الاعداد الترتيبية لوصف هذه الذكرى أو تلك. ليكن شعارنا المستقبلي: لتكن الذكرى القادمة هي الذكرى الاخيرة.

Wednesday, March 23, 2016

يوم الارض بين الذكرى والنسيان



يوم الارض بين الذكرى والنسيان
علي زبيدات – سخنين
ها نحن نقف على عتبة الذكرى الاربعين ليوم الارض الذي طبعناه في ذاكرتنا الجماعية تحت اسم "يوم الارض الخالد". بعد اربعين عاما أليس من حقنا أن نسأل: هل ما زالت صفة الخلود هذه ملازمة ليوم الارض؟ ألم تخوننا ذاكرتنا أو على الاقل قد وهنت وتسرب اليها بعض النسيان؟ ماذا نذكر أو نتذكر بالضبط؟ وماذا نسينا أو تناسينا؟ وهل ما زال هناك اوجه شبه بين يوم الارض الاول وبين يوم الارض الاربعين؟.
لست هنا بصدد سرد تاريخ يوم الارض واهميته بالنسبة لشعبنا ليس في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ فحسب بل بالنسبة للشعب الفلسطيني في جميع اماكن تواجده ايضا. لكل واحد روايته الخاصة واحيائه لهذه الذكرى تعتمد من حيث الاساس على هذه الرواية. خلال اربعين عاما، كتب كم هائل من الروايات المتناقضة احيانا المختلفة دوما. ما تحمله هذه السطور وما تتحمله ليس اكثر من شعوري الخاص تجاه يوم الارض بما يحتويه من ذكرى ونسيان، قد يلاقي قبولا واستحسانا من البعض وقد يلاقي نفورا ورفضا من البعض الاخر.
مساهمتي في يوم الارض الاول كانت متواضعة جدا لا تؤهلني للادعاء بانني من صناع هذا اليوم. فقد كنت في ذلك الوقت اقبع للسنة الثانية في سجن الرملة المركزي مع الرعيل الاول من الاسرى السياسيين. لقد حجبت عنا الكثير من المعلومات و فاتتنا تفاصيل عديدة. في ذلك الوقت، كان المصدر الوحيد لمعلوماتنا عما يجرى في العالم الخارجي الاذاعة والتلفزيون الاسرائيلي وحتى هذا المصدر لم يكن متوفرا الا لفترات قصيرة ومتقطعة من الوقت. في يوم الارض الاول، بينما كانت جماهيرنا تخوض الاضراب العام، تواجه القوات الاسرائيلية وتقدم الشهداء والجرحى، اكتفينا نحن بالاعتصام في الزنازين، رفضنا الخروج للفسحة اليومية إلى ساحة السجن المغلقة وتنازلنا عن تناول وجبات الطعام. فقط بعد اسبوعين، وخلال زيارة الاهل لنصف ساعة، اخبرتني والدتي باستشهاد ابنة خالي (خديجة شواهنة) وجرح ابن عمي واعتقال اخي.
في السنوات التالية كنا نحيي يوم الارض بالاعتصام والاضراب عن الطعام وعقد ندوات سياسية مصغرة داخل الغرف اذ كان متعذرا على كافة الاسرى الاجتماع في قاعة واحدة، هذا ناهيك عن الخلافات بين الفصائل. وكنا نتابع احياء يوم الارض في الخارج بقدر ما تتيحه لنا وسائل الاعلام الاسرائيلية. كان شعوري العام بأن يوم الارض الاول شكل قمة استثنائية وأن مسيرة الهبوط قد بدأت.
تجربتي الحقيقية الاولى، بعد اطلاق سراحي، كانت في الذكرى السادسة ليوم الارض أي في عام ١٩٨٢. كانت الاجواء في البلد ما زالت مفعمة بالروح النضالية، كان الشباب يجولون الشوارع من ساعات المساء وحتى ساعات متأخرة من الليل، وكانت الشرطة تضع الحواجز على مدخل البلد اياما قبل يوم الارض وكثيرا ما كانت تقوم باعتقالات استباقية لعدد من الناشطين. بالمقابل كان هناك عدد من الاشخاص يجولون هم ايضا الشوارع ويحاولون بشتى الاساليب اقناع الشباب بالعودة الى بيوتهم بحجة الخوف عليهم من الاعتقال أو لمنعهم من استفزاز الشرطة ورجال المخابرات. في صباح يوم الارض كانت قوات الشرطة وحرس الحدود تغلق مداخل البلد. وقد بدا الانقسام واضحا بين معسكر الشباب الذين احتلوا الشارع الرئيسي ووقفوا في انتظار الاشتباك مع قوات الشرطة الذي ما لبث حتى وصل وبين المنظمين الرسميين الذين احتلوا فيما بعد المنصات ومكبرات الصوت مطلقين الشعارات الرنانة والخطابات النارية. كان يوما جيدا انتهى باعتقالي مع عشرات الشباب من سخنين ومن قرى اخرى.
في تلك الفترة وقفت على بعض التطورات التي حصلت خلال السنوات الست الماضية. وكان اهمها تراجع دور واهمية لجنة الدفاع عن الاراضي التي اتخذت قرار الاضراب الاول واحياء الذكرى في السنوات الاولى. وكانت هذه اللجنة تتمتع بقدر عال من الاحترام. السيناريو نفسه تقريبا تكرر في الذكرى السابعة حيث حصلت مواجهات عنيفة بين مجموعات من الشباب وقوات الشرطة. ولكن الانقسام بدا اوضح من قبل وكانت الامور تسير لصالح الذين ينادون بالركون إلى الهدوء والاكتفاء باحياء ذكرى يوم الارض بمسيرة هادئة ومهرجان خطابي. حسب رأيي يعود ذلك لسببين رئيسيين: الاول، تشكيل لجنة المتابعة المكونة من ممثلي الاحزاب السياسية ولجنة رؤساء السلطات المحلية والتي بدأت تحل مكان لجنة الدفاع عن الاراضي. والثاني، خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان وحالة التراجع السياسي الذي راافقها على كافة المستويات وطال جماهير الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده.
وهكذا، تم ترويض يوم الارض وشباب يوم الارض خلال اريعين عاما من التراكمات حتى اصبح يوم الارض في السنوات الاخيرة مجرد ذكرى بعيدة. المحاولة الوحيدة لضخ روح نضالية من جديد في يوم الارض كانت في الذكرى ال٢٤ في عام ٢٠٠٠ حيث قررت الحكومة نقل معسكر إلى مشارف سخنين وتحت الضغط الشعبي قررت لجنة المتابعة تنظيم يوم الارض امام المعسكر، فقامت مجموعة من الشباب بمهاجمة السياج وتدميره مما جر مواجهات عنيفة مع قوات الشرطة التي كانت تختبئ في الغابة المجاورة واسفرت هذه المواجهات عن سقوط الشهيدة شيخة ابو صالح لتكون الشهيدة السابعة ليوم الارض. غير أن االزعامة السياسية استطاعت في نهاية المطاف ان تحكم قبضتها وتجهض النضال ضد المعسكر وتقوم بمفاوضات مخزية مع السلطات تمخضت عن القبول يالمعسكر الذي ما زال جاثما على صدور البلد إلى يومنا هذا.
لم يعد لدينا الكثير من الاراضي لمصادرتها. اليوم نشهد حالة مستمرة لتغيير طبيعة الاراضي التي صودرت من خلال وضعها تحت نفوذ المجالس الاقليمية والبدء بتهويدها. الاراضي التي تحتاجها سخنين، عرابة، دير حنا والعديد من القرى الاخرى في المنطقة من اجل تطورها الطبيعي ومن اجل حل ازمة السكن المستعصية، موجودة تحت نفوذ (حراسة) المجلس الاقليمي مسغاف. وبدلا من مواجه هذا المجلس ومقاطعته تقوم سلطات هذه القرى وبعضها يسمى مجازا مدن بالحرص على التعاون وحسن الجوار معه.
سوف يتم، عما قريب، احياء الذكرى الاربعين ليوم الارض. وحسب قرارات لجنة المتابعة العليا سيكون هناك اضراب عام، ولكن رجاء لا تقارنوا هذا الاضراب باضراب يوم الارض الاول. وسوف تكون هناك مسيرات يشارك بها الالاف من المثلث وحتى النقب. ولكن الرجاء المحفاظة على الهدوء والاستماع إلى خطابات زعامتكم الحكيمة.
لا تقلقوا، سوف نستمر بالمطالبة بتوسيع مناطق النفوذ، وسوف نحتج على هدم البيوت وهدم القرى في النقب، وسوف ندين ونستنكر العنصرية وسياسة التمييز، فالذكرى الواحد واربعين ليوم الارض ليست بعيدة.

Thursday, March 10, 2016

هذه التحالفات الغريبة مع الارهاب أم ضده؟



هذه التحالفات الغريبة مع الارهاب أم ضده؟
علي زبيدات – سخنين
عندما كانت الحياة بسيطة نوعا ما كان هناك الكثير من الصحة في المثل القائل:"قل لي من تصاحب اخبرك من أنت"، ليس على صعيد الافراد فحسب بل على صعيد الاحزاب والحركات السياسية والدول ايضا. في ذلك الوقت كان الوعظ، الديني وغير الديني، حول ضرورة مصاحبة الاخيار والابتعاد عن مخالطة الاشرار كان رائجا ولكن في الوقت نفسه كان لا يخلو من فائدة ومصداقية ايضا. اما اليوم في ظل هذا الكم الهائل من التحالفات الغريبة العجيبة حيث اختلط الحابل بالنابل والاخيار بالاشرار اصبح من العسير، ان لم يكن من المستحيل أن يميز الشخص بين يمينه وشماله.
لا تستطيع مقالة صحفية الالمام بكافة التحالفات الدولية، الاقليمية والمحلية التي ابتلينا بها في هذه المنطقة من العالم، في ظل التناقضات والتحولات السريعة التي تتعرض لها هذه التحالفات. لذلك لن اتطرق هنا بالتفصيل للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية لمحاربة الارهاب العالمي على حد زعمها ، ذلك الارهاب الذي صنعته بيديها خلال سنوات طويلة وتحاربه الان بوسائل ارهابية تفوق كل ارهاب. ولن اتطرق بالتفصيل للتحالف الموازي والمقابل الذي تقوده روسيا والتي تيحارب هي الاخرى على طريقتها الخاصة الارهاب العالمي بارهاب مضاد يليق بدولة عظمى تعود بقوة للمنافسة على مواقع الصدارة في كافة المجالات. كما لن اتناول هنا التحالف الذي لا يقل غرابة عن التحالفين السابقين وهو التحالف العربي – الاسلامي الذي تقوده المملكة السعودية ضد الارهاب. أي ارهاب؟؟ يا له من سؤال. وهناك تحالفات اقليمية ومحلية اخرى لا تعد ولا تحصى تسرح وتمرح في ربوع المنطقة منها ما تقوده دول مثل تركيا وايران ومنها ما تقوده حركات سياسية ( سياسية مجازا لانهافي الحقيقة اقرب لان تكون اجرامية مافياوية). طبعا غني عن القول ان جميع هذه التحالفات تتقاطع فيما بينها، تحركها ديناميكية داخلية نشطة جدا مليئة بالتناقضات فنرى اطرافها تنقل من تحالف لآخر فالتحالفات بطبيعتها نسبية، مشروطة ومؤقتة وبالتالي لا يمكن تناولها بنجاعة منعزلة عن بعضها البعض.
في هذه العجالة اود أن اتوقف عند تحالف غريب آخر له تأثير مباشر على القضية الفلسطينية جرى تناوله مؤخرا وباسهاب من قبل وسائل الاعلام الاسرائيلية والذي سمته: التحالف الاسرائيلي – المصري – الاردني – الفلسطيني (سلطة اوسلو).نما هذا التحالف وترعرع كغيره تحت شعار مكافحة الارهاب. الارهاب، حسب هذا التحالف، بالنسبة لاسرائيل يعني من حيث الاساس حماس، وبالنسبة للنظام المصري يعني الاخوان المسلمين وبالنسبة للاردن يعني داعش والاسلام السياسي بشكل عام. اما بالنسبة لسلطة اوسلو فالارهاب لا يعني، كما قد يظن البعض، الاحتلال الاسرائيلي وممارساته خلال سنواته الطويلة بل ما تسميه انقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة.
مياه كثيرة جرت في وادي النيل منذ أن كانت مصر زعيمة العالم العربي والحارس الامين وصمام الامان للقضية الفلسطينية وحتى اصبحت دولة تابعة تقدم خدماتها مقابل ثمن بخس وفي كثير من الاحيان مجانا لحماية اصالح امريكيا واسرائيل. بالرغم من السنوات الطويلة التي مرت على اتفاقيات كامب ديفيد التي سميت زورا وبهتانا باتفاقيات سلام الا ان هذه الاتفاقيات بقيت مرفوضة شعبيا وما زالت إلى يومنا هذا مرفوضة شعبيا إلى درجة كبيرة. اليوم وصل تغول الطغمة العسكرية الحاكمة إلى درجة عدم الاكقراث بمشاعر الشعب المصري اتجاه القضية الفلسطينية. بحجة محاربة الارهاب في سيناء يشارك النظام المصري الكيان الصهيوني في خنق قطاع غزة واحكام الحصار عليه وبحجة ان حماس تدعم وتدرب وتسلح ليس فقط المجموعات الارهابية في سيناء بل ايضا حركة الاخوان المسلمين في كافة ارجاء مصر.
عندما كانت الصواريخ الاسرائيلية تتساقط على رؤوس المواطنين في غزة ودباباتها تجتاح القطاع، كانت زمرة اوسلو تحرض اسرائيل لمواصلة عدوانها وتوسيعه حتى تتم الاطاحة بسلطة حماس لكي تضمن عودتها على ظهور الدبابات الاسرائيلية. هذا السيناريو قد تحطم على صخرة مقاومة اهلنا في غزة . غير ان المؤامرات لم تنته. وما زالت سلطة اوسلو تراهن على هذا التحالف ليس فقط لعودتها الى غزة بل لضمان وجودها نفسه ايضا. دور الاردن في هذا التحالف يحدده ضمان استمرارية النظام الملكي الهاشمي. وهذا الضمان بين يدي امريكا واسرائيل اللتان تسهران على استقرار الاردن ما دام الهدوء يسود حدودها الطويلة مع الكيان الصهيوني.
اذن، هذا التحالف الغريب والمتناقض للوهلة الاولى ليس غريبا وتناقضاته تولد انسجاما بين كافة الاطراف. غياب الافق الثوري التحرري في كل من فلسطين ومصر والاردن هو الذي يجعل من هذا التحالف الاكثر خطورة على القضية الفلسطينية ويهدد بتصفيتها نهائيا. مقاومة هذا التحالف حتى دحرة تماما هو شرط مسبق لتحرر واستقلال المنطقة باسرها.

Thursday, March 03, 2016

سباق التسلح وصناعة الموت

 
سباق التسلح وصناعة الموت
علي زبيدات – سخنين
مر أكثر من ربع قرن على نهاية الحرب الباردة. ومن ظن أن نهاية هذه الحرب سوف تقلصمن سباق التسلح على المستوى العالمي فقد خاب ظنه. العكس هو الصحيح، لم يكن مصير الكرة الارضية في خطر كما هو في هذه الايام. النظام الرأسمالي الذي انتج الحرب العالمية الاولى والحرب العالمية الثانية والتي اودت بحياة عشرات الملايين من البش،ر ينتج اليوم حربا عالمية ثالثة من نوع جديد: حرب استنزاف طويلة الامد للبشرية. فمن لا يموت بسبب الحروب المباشرة يموت من المجاعات والامراض. ما زالت الولايات المتحدة الامريكية تتبوأ الصدارة في صناعة الموت وفي تصديره. فهي اكبر منتج واكبر مصدر للاسلحة التي تحصد ارواح الناس في كل بقعة مهما كانت نائية في عالمنا هذا. فهي تسيطر لوحدها على ثلث قطاع الاسلحة في العالم. قد يقول البعض: ولكن تقدم الولايات المتحدة الامريكية المعونات "الانسانية" للدول الفقيرة. ومن غير الخوض في تفاصيل هذه الفرية التي يتم ترويجه،ا وحسب احد تقارير امنستي انترنشنال فإن تصدير اسلحة الموت والدمار الامريكية تفوق مساعداتها "الانسانية" ب١٥ مرة. روسيا لا تتخلف كثيرا وراء امريكا وتخوض معها سباق تسلح رهيب وتصارعها على انتزاع كل شبر من السوق العالمية واغراقه بالاسلحة.
بعد هذين العملاقين تأتي كل من فرنسا وبريطانيا والمانيا أما المكان السادس عالميا في هذه القائمة غير المشرفة فإنه من نصيب دولة اسرائيل "الصغيرة" كاكبر دولة تصنع الموت وتصدره لكل من يريد. السلاح الاسرائيلي فريد من نوعه ويلاقي رواجا منقطع النظير، فهو السلاح الوحيد الذي يتم تجربته على ارض الواقع قبل بيعه. فها هي تستعمل قطاع غزة، في السنوات العشرة الاخيرة على الاقل، كحقل تجارب لكل سلاح جديد قبل ان يتم عرضه للبيع في معارض الاسلحة المنتشرة في العالم. مثلا، ليس من باب الصدفة أن تصبح اسرائيل الدولة الاولى في صناعة الطيارات بدون طيار وتصدرها إلى الدول العظمى كامريكا وروسيا نفسها، فبعد ان جربتها في الاغتيالات والمهام العسكرية الاخرى في غزة تقوم اليوم روسيا وامريكا باستعمالها في سماء سوريا. المنافسة بين ارباب صناعة الموت لا تنفي التعاون والتنسيق فيما بينها، بالعكس في كثير من الاحيان لا بد من التنسيق والتعاون فيما بينها: تبادل الخبرات، قطع الغيار والصيانة، تبادل مواد الخام وغير ذلك. التنافس يأتي عندما يصبح المنتوج جاهزا ويتم البحث عن الاسواق لبيعه. حتى الان تصنع الاسلحة في الدول الصناعية المتطورة وتستعمل في الدول النامية. ولكن بعد اغراق اسواق الدول النامية بالاسلحة وتزيد عن الحاجة اليها، سوف ينتقل الصراع مباشرة الى الدول الصناعية المتطورة وسوف تعود اسلحتها اليها وعندها لا يعرف احد ماذا سيكون مصير العالم. ولكن ليس سرا أن هذه الدول تملك من الاسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل لتدمير الكرة الارضية برمتها مئات المرات.
صناعة الموت هذه التي تقودها الدول الستة المذكورة وربما يمكن اضافة بعض الدول الاخرى مثل ايطاليا، الصين، كندا، والسويد تصل الينا نحن شعوب الدول النامية تحت شعارات الحفاظ على السلم العالمي، الامن الاجتماعي، مؤتمرات نزع السلاح، اتفاقيات منع انتشار الاسلحة النووية ومجموعة كاملة من الشعارات حول الرقابة الدولية والحفاظ على حقوق الانسان. كل هذه الشعارات اصبحت مفضوحة امام الجميع. فإذا اخذنا دولة اسرائيل على سبيل المثال لا الحصر نرى اسلحتها مستعملة في كل مكان ترتكب فيه جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وانتهاك لحقوق الانسان، تبدأ في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وتنتشر الى اذريبجان وجنوب السودان ونيجيريا ورواندا ودول جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية. بالاضافة الى تصدير الاسلحة الفتاكة تقوم اسرائيل بتصدير الخبراء والمستشارين للتدريب على استعمال هذه الاسلحة. هناك حوالي ألف شركة اسرائيلية تعمل في هذا المجال "الامني": التصدير والتدريب.
بالطبع، سباق التسلح لم يقفز عن الدول العربية، ولكن هنا تصبح القصة مأساوية. المملكة السعودية مثلا تنفق معظم ايراداتها من النفط على التسلح. وفي السنوات الاخيرة انفقت ٦٠ مليارد دولار لشراء الاسلحة وتها هي تستعمله في قمع شعبها وقتل ابناء الشعب اليمني والسوري اما مباشرة واما عن طريق عصابات اجرامية تقوم بتمويلها وتسليحها. دول الخليج الاخرى وخصوصا دولة الامارات وقطر تحذو حذو السعودية. الجيش العربي السوري الذي من المفروض ان تكون مهمته حماية البلد وتحرير ارضه المحتلة تبين في نهاية المطاف أن مهمته هي حماية النظام ولو كان الثمن حرق البلد. الجيش المصري ترك مواجهة الكيان الصهيوني منذ سنوات طويلة ويتسلح الان لشن حربه ضد الشعب المصري بحجة مكافحة الارهاب. الجزائر والمغرب تخوضان معركة سباق التسلح ليس من اجل مواجهة التدخل الامبريالي او تحرير بعض المناطق التي ما زالت مستعمرة بل من أجل قمع شعبيهما من جهة ومن اجل التحضير لحرب طاحنة فيما بينهما من جهة اخرى والحال لا تختلف من حيث الجوهر في باقي الدول العربية.
واخيرا وليس آخرا، حيث القصة الاكثر مأساوية، فقد اصبح الفلسطيني اللاجئ والقابع تحت نير الاحتلال الصهيوني وسلاحه الحجر او السكين وفي احسن الحالات صواريخ من صنع بيتي ينعتها البعض بالصواريخ العبثية هو الارهابي بينما يصبح الجندي الاسرائيلي المدجج باحدث الاسلحة هو المحارب الذي يدافع عن نفسه.

Thursday, February 25, 2016

لماذا تركتم محمد القيق وحيدا؟



لماذا تركتم محمد القيق وحيدا؟
علي زبيدات – سخنين
بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام تم تنظيم تظاهرتين لانقاذ حياة المعتقل محمد القيق بعد أن تدهورت حالته الصحية بشكل خطير وللمطالبة باطلاق سراحه فورا من الاعتقال الاداري الظالم حسب كافة المعايير القانونية الدولية والانسانية. كانت التظاهرة الاولى بمبادرة لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية امام مستشفى العفولة، والتظاهرة الثانية في حيفا بمبادرة من حراك حيفا. في كلتا التظاهرتين تجمع بضع عشرات من المتظاهرين الذين هتقوا الشعارات المعهودة المتضامنة مع الاسير القيق والمطالبة باطلاق سراحه الفوري وشعارات تدين سياسة الحكومة الاسرائيلية العنصرية.
شاركت في التظاهرة الاولى على اعتبار، أو على أمل أن تكون التظاهرة المركزية، بادرت اليها ونظمتها لجنة منبثقة عن أعلى لجنة تمثل الجماهير العربية وتشمل كافة الاحزاب السياسية والمجالس المحلية والبلديات العربية ومعظم المؤسسات المدنية. وقد تفاجأت، مثلي مثل الكثيرين غيري ممن وقفت إلى جانبهم من غير سابق معرفة، من ضحالة الحضور ومن كون معظمهم ذو لون سياسي واحد يتبع الحركة التي ينتمي اليها رئيس لجنة الحريات. سألني احد الصحفيين الذي يقوم بتغطية التظاهرة والتقاط الصور لجريدته ولموقعه الالكتروني: ما رأيك في التظاهرة بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام وبعد الاخبار عن التدهور الخطير في صحته الى درجة وصف حالته بالاحتضار؟ فأجبت باختصار وبكل مرارة: بالرغم من كل ما ذكرت يبدو أن صحة محمد القيق المدد عى سرير المستشفى ما زالت افضل من صحتنا نحن الواقفين هنا والقابعين في بيوتهم، ألسنا في حالة احتضار سياسية طال امدها؟
عادة، في مثل هذه المواقف تدور نقاشات جانبية هادئة احيانا ومحتدة احيانا اخرى. وقد لفت نظري تعليق احد المشاركين الذي كما يبدو ينتمي لاحد الاحزاب السياسية بما معناه: كفى جلدا للذات والمزاودة على الاخرين الذين يعملون، فقيادتنا تبذل كل جهدها وتعمل كل ما تستطيعه من اجل تحرير محمد القيق وتحرير باقي الاسرى. فأجبت: لنبدأ من النهاية، قد يكون كلامك صحيح بأن القيادة تبذل كل جهدها وتعمل كل ما تستطيعه، ولكن انظر حولك، اذا كان ما نراه هو نتيجة لبذل بعض الحهد وبعض ما تستطيعه "القيادة" فقد توافقني الرأي بأن هذه مصيبة ولكن اذا كان ذلك نتيجة لبذل كل الجهد وكل ما تستطيعه القيادة كما تقول فالمصيبة اكبر. واضفت منهيا النقاش من ناحيتي: ومن قال لك أن كلامي موجها "للقيادة" أصلا؟ فلو كانت المشكلة تكمن في القيادة لوحدهالهانت ولكن حسب رأيي المشكلة اعمق من ذلك بكثير فهي تمس الجماهير التي افرزت مثل هذه القيادة.
انا شخصيا، لم أر في هذه لتظاهرة أي رئيس سلطة محلية عربية واحد. واذا صدف وكان هناك احدهم لم اشاهده فله كل الاحترام. والله يعطيه العافية. بعض الاحزاب السياسية التي تعد من اركان القائمة المشتركة وتدعي تزعم التيار الوطني كانت ممثلة بشخص او شخصين. تصوروا أن مدينة كسخنين تعد ٣٠ ألف مواطن شارك منها اقل من اصابع اليد الواحدة. وكم شخص قدم من مدينة الناصرة التي تعتبر وبحق عاصمة جماهيرنا والتي لا تبعد سوى بضع كيلومترات عن العفولة؟ وأصلا لماذا هذه الدعوة الخجولة للتظاهرة من قبل لجنة الحريات؟ وهل وصلت إلى معظم جماهير شعبنا أم انها كانت مصممة مسبقا لتصل إلى لون معين من الناس؟
لا ادري ماذا ستكون نهاية محمد القيق بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام في ظل التعنت الاسرائيلي والعجز الفلسطيني والتخاذل العربي والتواطؤ العالمي. ولا استطيع انا او اي احد غيري أن يدعي بأنه يشعر بما يشعر به محمد القيق. هو وحده من يشعر بنوبات الالم، بالتشنجات، بتعطل اعضائه الداخلية الواحد تلو الآخر، ولكن في جميع الحالات، حتى وان تم انقاذ حياته في اللحظة الاخيرة واطلاق سراحه، لن تكون هناك نهاية سعيدة على طريقة افلام هوليوود بل نهاية مأساوية تليق بشعب منكوب. متشائم؟ واقعي؟ لا يهم، ولكن هذه المأساة مهما كانت نهايتهاستكون نبراسا يضيء الطريق دامس الظلام نحو الحرية.

Thursday, February 18, 2016

أجنحتنا المتكسرة



أجنحتنا المتكسرة
علي زبيدات – سخنين
مع الاعتذار والشكر لجبران حليل جبران لاستعارة العنوان.
الطيور ذات الاجنحة المتكسرة لا يستطيع التحليق في كبد السماء، هذه حقيقة. ولكنها قد تحاول ذلك وقد تنجح في الارتفاع قليلا عن سطح الارض قتطير مسافة قصيرة ولكنها تعود وتسقط على الارض. لا يمكن أن نلوم مثل هذا الطيور على عجزهاعن الطيران باجنحتها المكسور. اذا اردنا لها أن يعود إلى طبيعتها فلا بد اولا من تجبير الكسور. القاعدة التى لا يمكن أن ينكر صحتها احد تقول: لا يمكن للطيور أن تطير بأجنحة مكسورة.
المجتمع، كل مجتمع، كسرب من الطيور هو الآخر لا يستطيع أن يطير اذا كانت اجنحته متكسرة. اجنحتنا متكسرة، هذه حقيقة ولا نملك خيارا الا أن نعترف بها. ومن ثم علينا أن نعمل على تجبير هذا الكسور اذا اردنا التحليق في فضائنا. اجنحة المجتمع كثيرة ومتعددة وكل جناح له وظيفته ومهمته. دعوني اقتصر هنا على جناحنا السياسي، هل يبقي هناك من يشك في أن جناحنا هذا مكسور؟ وربما كان مهشما؟ لننظر إلى بعض الاحداث التي وقعت في السنتين الاخيرتين ولنبدأ بجريمة خطف وحرق الفتى محمد ابو خضير من قبل مجموعة من قطعان المستوطنين الفاشيين. هذه الجريمة التي هزت ضمير ومشاعر العالم بأسره حاولنا الرد علبها بمظاهرة هنا ووقفة احتجاج هناك وبالكثير من الاستنكار والادانات الشفوية. وما كان اشبهنا بطير مكسور الجناح. والنتيجة كانت اننا لم نستطع التحليق إلى مستوى الحدث. بعد ذلك بفترة وجيزة شنت دولة اسرائيل حربا شرسة على اهلنا في قطاع غزة حيث قتلت خلال ٥٣ يوما أكثر من ألفي شخص ربعهم من الاطفال، هذا بالاضافة إلى آلاف الجرحى وآلاف البيوت المدمرة. فجاء ردنا الخجول والمتواضع بعد مرور حوالي نصف فترة الحرب ومرة اخرى على شكل مظاهرة هنا ووقفة احتجاجية هناك وكميات هائلة من الادانات والاستنكارات اللفظية. حتى عندما استطعناأخيرا تنظيم مظاهرة قطرية ضمت بضعة آلاف كان من الواضح انها ابعد ما تكون من الارتقاء إلى مستوى الجريمة التي اقترقتها الدولة. وما كان اشبهنا بذلك الطير مكسور الجناح العاحز عن التحليق.
التجربة نفسها تكررت عدة مرات اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: اضراب الشيخ خضر عدنان عن الطعام للمرة الثانية خلال عامين لمدة ٥٦ يوما واضراب محمد علان ٦٥ يوما، حرق عائلة الدوابشة من قبل المستوطنين التي راح ضحيتها الطفل علي ابن السنة والنصف والاب سعد والام ريهام ولم ينج سوى الطفل أحمد ابن الاربع سنوات، واليوم الاضراب الاسطوري عن الطعام الذي يخوضه الصحفي المناضل محمد القيق. اذا كان جل ما نستطيع تقديمه هو مظاهرة متواضعة هنا أو وقفة احتجاجية هناك أو زيارة لمستشفى أو ادانات لفظية مهما كانت شديدة اللهجة ونعلم مسبقا أن كل هذه الامور لا ترتقي إلى مستوى الحدث، فمتى نعترف بأن سبب هذا كله هو جناحنا المكسور؟
لست مجبرا ولا ادعي الحرافة في علم التجبير ولكني بصفتي جزء من هذا الجناح اشعر بالكسر واشعر بعجزي عن التحليق. قد يقول البعض، واضم صوتي إلى صوتهم، بأن الطائر الذي لا يستطيع الطيران بسبب كسر في جناحه قد يجد أطباء مختصين يقومون بمعالجته ورعايته حتى تلتئم العظام المكسورة ويعود الجناح المكسور الى طبيعته ويمارس وظيفته السابقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: الا يوجد هناك اطباء مختصين لمعالجة كسور جناح المجتمع هذا؟ لقد جرت العادة أن نمنح هذه المهمة للقيادة السياسية من احزاب وحركات ومؤسسات مدنية ومثقفين وشخصيات اعتبارية اخرى. وربما لا يوجد هناك بديل عن هؤلاء. كل ما في الامر، وعلى غرار حقنا في أن نطالب ونطلب من الاطباء المختصين بتجبير الاجنحة المكسورة للطيور بأن يكونوا ملمين في هذا العلم والا يكونوا من المشعوذين أو الادعياء، واذا وجد في صفوفهم مثل هؤلاء فعليهم تنقية هذه الصفوف، كذلك من حقنا أن نطالب ونطلب ممن يدعون التخصص في تجبير اجنحة المجتمع المتكسرة أن يكونوا على درجة من المعرفة والعلم والا تكون ساحتهم سائبة يسرح ويمرح بها كل مدع ودجال.
الحرب الاخيرة على غزة لن تكون الحرب الاخيرة، وجرائم جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين ضد شعبنا في الضفة لن تتوقف وسياسة التمييز وهدم البيوت في مدننا وقرانا المحتلة عام ١٩٤٨ ستبقى في تصاعد، والصحفي محمد القيق الذي يواجه بأمعائه الخاوية أعتى قوة عسكرية في المنظقة لن يكون الاسير الفلسطيني الاخير. من أجل مواجهة كل هذه الامور وغيرها مجتمعنا بحاجة الى اجنحة قوية متينة تمكنه من الارتقاء والتحليق في سماء وطن حر.

Wednesday, January 27, 2016

مصر بين الثورة والثورة المضادة



مصر بين الثورة والثورة المضادة
علي زبيدات – سخنين

لم يحتفل أحد – تقريبا-بالذكرى الخامسة لثورة ٢٥ ينابر/ كانون الثاني المصرية. التطورات اللاحقة للثورة (استفراد الاخوان المسلمون بالسلطة ومن ثم الانقلاب العسكري وانتخاب السيسي رئيسا) جعلت الكثيرين يتراجعون عن تأييد الثورة حتى وصل الامر ببعضهم اعتبارها منذ البداية مؤامرة دولية تديرها امريكا واسرائيل والصهيونية العالمية بل وحتى الماسونية. لم يحتفل آخرون بالذكرى الخامسة للثورة ببساطة لانهم اصبحوا جزءا من الثورة المضادة التي يمثلها نظام السيسي وفلول النظام السابق الذين يعودون الى مواقعهم والى سابق عهدهم. وآخرون لم يحتقلوا بهذه الذكرى لانهم استشهدوا أو زجوا بالسجون أو لزموا بيوتهم خوقا من اعمال القع والبطش التي تقودها الاجهزة الامنية.
لن ادخل هنا في نقاش عقيم مع اصحاب نظرية المؤامرة الذين يعزون كل ما حدث في البلدان العربية في السنوات الخمس الاخيرة الى مؤامرة دولية تمت حياكة خطوطها في سراديب السي آي ايه ومراكز ابحاثها السرية ويجعلون عرابها مرة الفرنسي الصهيوني التافه برنار هنري ليفي ومرة شخص باسم جين شارب ويعود بعضهم إلى كيسنجر وبرجينسكس وكوندليسا رايس وغيرهم وتارة إلى قطر وقناه الجزيرة. يسمونها مرة سايكس بيكو الجديدة او الشرق اوسط الجديد وغير ذلك من الاسماء وجميعها تصب في نزع مشروعية التمرد على الانظمة الرجعية الجاثمة على صدور الشعوب العربية منذ قرون والاستهتار بالطاقات الثورية الكامنة في هذه الشعوب. ملايين المصريين الذين نزلوا الى الشوارع من ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ إلى ١١ فبراير ٢٠١١ لم ينزلوا امتثالا لاوامر أو تعليمات تلقوها من برنار هنري ليفي أو جين شارب أو هيلاري كلينتون أو قناة الجزيرة. بل بعد اربعين عاما من نظام حسني مبارك وزمرته حيث ساد الفساد والفقر والقمع ومصادرة الحريات والبطالة.
مع انتصار الثورة المصرية في مرحلتها الاولى في ١١ قبراير/ شباط ٢٠١١ عندما اضطر حسني مبارك تحت الضغط الشعبي للتنحي ، نظمنا في سخنين تحت المطر مهرجانا فنيا ملتزما كان الاول وربما الوحيد في فلسطين احتفالا برحيل نظام من اسوأ الانظمة التي عرفتها شعوبنا العربية.
لقد كانت ثورة وليست مؤامرة.
غير أن ثوار ربع الساعة الاخيرة ضيقي الافق يظنون الثورات نزهة على كورنيش الشاطىء أو سفرة ترفيهية على اوتوسترادة. لقد كتبت قبل خمس سنوات (قبل اختطاف الاخوان المسلمين للثورة وقبل اغتيالها من قبل العسكر): اذا لم تستمر الثورة لتحقيق كامل اهدافها وخصوصا الحرية والعدالة الاجتماعية فانها ستتلاشى حتى تتحول الى نقيضها، إلى ثورة مضادة. وكنت متشائما منذ البداية في مقدرة الثورة على الاستمرارية نظرا لغياب القيادة الثورية . قبل الاطاحة بالنظام كان التناقض الاساسي بين الجماهير الشعبية بكافة انتماءاتها الطبقية والفكرية وبين النظام، ولكن بعد الاطاحة بالنظام تحول التناقض الرئيسي إلى صراع داخل فئات الشعب بعدما تسللت اليه فلول النظام السابق. وهكذا وخلال خمس سنوات تحولت اعظم ثورة عرفتها مصر الحديثة إلى ثورة مضادة. ولكن هذا ليس ولا يمكن أن يكون نهاية التاريخ. فما هي خمس سنوات في حياة الشعوب؟ فها هي الثورة الفرنسية الكبرى، على سبيل المثال لا الحصر، تتفجر في عام ١٧٨٩ تقتحم سجن الباستيل، تلغي النظام الملكي الاقطاعي، تعدم الملك لتتوقف بعد عشر سنوات لتحل مكانها امبراطورية نابليون بونابرت، ومن بعده عادت الملكية البائدة لكي تسقط مرة اخرى في ثورة ١٨٣٠ والتي انتهت بدورها إلى ملكية دستورية تمت الاطاحة بها بثورة عام ١٨٤٨ والتي تمخضت عن امبراطورية جديدة اطاحت بها كومونة باريس عام ١٨٧٠.
بالاضافة إلى الاطاحة بنظام مبارك واسقاط نظرية التوريث نهائيا هناك انجازان عظيمان لثورة يناير/شباط ٢٠١١ المصرية: اولا: الثورة هي الطريق الوحيد لاسقاط النظام الفاسد. ثانيا: أن هذه الثورة ممكنة.
عندما يجعل النظام الرأسمالي العالمي والانظمة التي تدور في فلكه في البلدان النامية عملية التحول السلمي مستحيلة تصبح الثورة حتمية طال النضال أم قصر.
ومن مثلنا نحن الشعب الفلسطيني يعرف هذه البديهية؟ خمسون سنة من "الثورة" الفلسطينية تمخضت عن سلطة تجسد كل ما هو مضاد للثورة، فلماذا لم نستسلم للامر الواقع ونكفر بالثورة وقيمها ومبادئها؟ فاذا كنا بعد نصف قرن من النضال نكاد نقف في مكاننا فلماذا نلوم الثورة المصرية على تراجعها بعد خمس سنوات فقط؟ما حدث في العالم العربي في السنوات الخمس الاخيرة بالرغم من فظاعته وبالرغم من وحشيته وفي كثير من الاحيان وفي كثير من الاماكن بالرغم من عبثيته ليس سوى البداية. لتتفجر الثورات في كل مكان حتى ولو فشلت، لا يوجد هناك فشل مطلق. الهزيمة ام الانتصار.
لتكن الذكرى القادمة للثورة المصرية انطلاقة جديدة على درب الحرية والاستقلال للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

Wednesday, January 20, 2016

من عمان هنا فلسطيين



من عمان هنا فلسطن
علي زبيدات – سخنين
بعيدا عن السياسة وعن تعقيداتها وتناقضاتها وخلافاتها. يوجد هناك ما هو اعمق وابعد يعجز الانسان عن سبر أغواره وادراكه. انها حالة وجودية فريدة من نوعها تجسد الصراع من اجل البقاء لاشلاء جسد واحد يتوق إلى وحدة جسده.
قبل ايام وصلت إلى مدينة عمان في إطار زيارة خاصة. حجزت شقة في احد أحيائها تم اختياره بمحض الصدفة. لم بسبق لي أن زرت هذه المدينة العريقة من قبل لاسباب عديدة لست بصدد الخوض بها هنا. وللامانة ولكي أكون دقيقا جئت إلى عمان قبل ثمان سنوات ليوم واحد مع عدد من الرفاق للمشاركة في تشييع جثمان الرفيق جورج حبش. ولم اتعرف حينذاك على المدينة لا من قريب ولا من بعيد.
بعد وصولي للشقة المحجوزة والتخلص من الحقيبة خرجت لاستنشق بعض الهواء فوجدت نفسي امام لافتة تشير إلى اسم الشارع : الجليل. مشيت بعض خطوات فرأيت لافتة تشير الى الشارع الفرعي على يميني: شارع عكا وبعد ذلك طبريا، صفد، حيفا، عسقلان، المجدل، طول كرم، الخليل... كدت أن اصاب بالدوار. هل انا حقا في عمان؟ ام انا في مدينة فلسطينية؟ ولكن لا، لا اعرف مدينة فلسطينية تشمل هذا الكم الهائل من اسامي المدن والقرى الفلسطينية العامرة والمهجرة في واحدة من حاراتها. لا ادري من يسكن في هذا الحي على وجه التحديد ولكن من الواضح انهم فلسطينيون تهجروا من كافة ارجاء فلسطين في عامي النكبة والنكسة. فقط عندما تفقد الوطن تشعر بمدى اهميته. ما اجمل الشعور بالتواصل بين ابناء الشعب الواحد. الشيء الوحيد الذي ينغص هذا الشعور بالاضافة للوضع المأساوي الراهن انه يتم في ظل اتفاقيات مجحفة ومذلة: كامب ديفيد، وادي عربة وأوسلو.
الشي الاخر الذي هزني حتى الاعماق عندما عدت إلى الشقة وقرأت اسم الشارع الذي توجد به البناية: شارع الشهيد راتب محمد البطاينة. بدا لي الاسم مألوفا ولكن من هو؟ وأين استشهد؟ وكيف؟ دخلت الشقة بسرعة وشرعت بعملية البحث فوجدت هذه القصة التي كتبها احد اقارب الشهيد، وها انا انقلها كاملة كما كتبت:
"في 21-اذار - 1968 كانت معركة الكرامة
نشوة النصر التي بددت اسطورة "الجيش الذي لا يقهر" كانت عنوان فخر واعتزاز لكل أحرار الأمة خاصة وان الجيش العربي المصطفوي
الذي"افترس" جنود العدو في ساحة الوغى حقق النصر المبين واجبر قادة وجنود جيش العدو على العودة يجرون ذيول الخيبة ويتجرعون مرارة الهزيمة.
وتكبد العدو 250 قتيلا 450و جريحا واسقاط 7 طائرات مقاتلة وتدمير 88 آلية مختلفة تمكن العدو من إخلائها شملت 27 دبابة 18و ناقلة 24و سيارة مسلحة 19و سيارة شحن فيما بقيت 20 دبابة وآلية مختلفة في ارض المعركة ، واستشهد من قواتنا الباسلة 87
شهيدا 108و جرحى وتدمير 13 دبابة 39و آلية مختلفة  ومن ضمن الشهداء البواسل الشهيد راتب البطاينة صاحب القصة الشهيرة :
اعلنت إسرائيل الحرب على الاردن في صبيحة 21-اذار الساعة الخامسة والنصف فجراً
كان الملازم راتب البطاينة ضابط ملاحظة في جهاز اللاسلكي ودوره يكون بأن يعطي للمدفعية الاردنية موقع وإحداثيات الجيش و الدبابات الاسرائيلية لتدميرها.
في قلب المعركة والرصاص والقذائف تحجب نور الشمس وصل للملازم خبر استشهاد زميله وصديقه :عارف الشخشير فحزن حزناً لا يوصف واقسم بربه ان يأخذ بثأره من جيش العدو فإنتظر حتى الليل وترك كتيبته وبدأ يزحف قاصدا خطوط العدو الصهيوني حتى وصل جسر يسمى "جسر دامية" ليتفاجأ بتقدم دبابات العدو عبر الجسر ليصلو إلى الاراضي الاردنية إلاّ ان الروح الموجودة بالإنسان الأردني جعلته يفكر سريعاً بأي شيء يمنع الدبابات من التقدم التي لو تقدمت ستضع الجيش الاردني في موقف محرج
فإتخذ قراره !!! ووقف ينتظر إلى ان اصبح بين جنازير وعجلات الدبابات  
فأمسك بجهازه اللاسلكي وأمر كتيبة المدفعية بإطلاق الصواريخ على احداثياته
ماذا !!!!!!!!!!! يا سيدي انه موقعك كيف لنا ان نقصف النقطة التي تتواجد فيها انت
فقال : بدون نقاش احدثكم بالأمر العسكري ..... إقصفوني 
يا لله !!! ..... يريد من جيشه ان يضربوه بالصواريخ لتتفجر معه الدبابات 
فعملت كتيبة المدفعية بما امر الملازم وقصفوا الموقع قصفاً شديدا اسفر عن تفجير 8 دبابات  وقتل طواقمهم من جنود العدو
وهكذا استشهد البطل الأردني في سبيل الدفاع عن ثرى الوطن من اي مس وعبث
واخذ بثأر صديقه كما اقسم
وللشهيد حق علينا بأن ننقل قصته الى الكثير الذين لا يعرفونها كما نقلت قصة الشهيد فراس العجلوني وغيرهم من الشهداء الأبرار".
نسي قريب الشهيد الذي كتب هذه القصة ان يذكر أن اسرائيل لم تشن عدوانها على الاردن فحسب بل وعلى المقاومة الفلسطينية ايضا. وأن صديق الشهيد الذي اقسم ان يثأر له، عارف الشخشير هو فلسطيني من نابلس.
سقى الله تلك الايام عندما كان الجندي العربي يثأر لاخيه العربي وليس مثل اليوم حيث يثأر الجندي العربي من أخيه العربي.