Thursday, February 25, 2016

لماذا تركتم محمد القيق وحيدا؟



لماذا تركتم محمد القيق وحيدا؟
علي زبيدات – سخنين
بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام تم تنظيم تظاهرتين لانقاذ حياة المعتقل محمد القيق بعد أن تدهورت حالته الصحية بشكل خطير وللمطالبة باطلاق سراحه فورا من الاعتقال الاداري الظالم حسب كافة المعايير القانونية الدولية والانسانية. كانت التظاهرة الاولى بمبادرة لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية امام مستشفى العفولة، والتظاهرة الثانية في حيفا بمبادرة من حراك حيفا. في كلتا التظاهرتين تجمع بضع عشرات من المتظاهرين الذين هتقوا الشعارات المعهودة المتضامنة مع الاسير القيق والمطالبة باطلاق سراحه الفوري وشعارات تدين سياسة الحكومة الاسرائيلية العنصرية.
شاركت في التظاهرة الاولى على اعتبار، أو على أمل أن تكون التظاهرة المركزية، بادرت اليها ونظمتها لجنة منبثقة عن أعلى لجنة تمثل الجماهير العربية وتشمل كافة الاحزاب السياسية والمجالس المحلية والبلديات العربية ومعظم المؤسسات المدنية. وقد تفاجأت، مثلي مثل الكثيرين غيري ممن وقفت إلى جانبهم من غير سابق معرفة، من ضحالة الحضور ومن كون معظمهم ذو لون سياسي واحد يتبع الحركة التي ينتمي اليها رئيس لجنة الحريات. سألني احد الصحفيين الذي يقوم بتغطية التظاهرة والتقاط الصور لجريدته ولموقعه الالكتروني: ما رأيك في التظاهرة بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام وبعد الاخبار عن التدهور الخطير في صحته الى درجة وصف حالته بالاحتضار؟ فأجبت باختصار وبكل مرارة: بالرغم من كل ما ذكرت يبدو أن صحة محمد القيق المدد عى سرير المستشفى ما زالت افضل من صحتنا نحن الواقفين هنا والقابعين في بيوتهم، ألسنا في حالة احتضار سياسية طال امدها؟
عادة، في مثل هذه المواقف تدور نقاشات جانبية هادئة احيانا ومحتدة احيانا اخرى. وقد لفت نظري تعليق احد المشاركين الذي كما يبدو ينتمي لاحد الاحزاب السياسية بما معناه: كفى جلدا للذات والمزاودة على الاخرين الذين يعملون، فقيادتنا تبذل كل جهدها وتعمل كل ما تستطيعه من اجل تحرير محمد القيق وتحرير باقي الاسرى. فأجبت: لنبدأ من النهاية، قد يكون كلامك صحيح بأن القيادة تبذل كل جهدها وتعمل كل ما تستطيعه، ولكن انظر حولك، اذا كان ما نراه هو نتيجة لبذل بعض الحهد وبعض ما تستطيعه "القيادة" فقد توافقني الرأي بأن هذه مصيبة ولكن اذا كان ذلك نتيجة لبذل كل الجهد وكل ما تستطيعه القيادة كما تقول فالمصيبة اكبر. واضفت منهيا النقاش من ناحيتي: ومن قال لك أن كلامي موجها "للقيادة" أصلا؟ فلو كانت المشكلة تكمن في القيادة لوحدهالهانت ولكن حسب رأيي المشكلة اعمق من ذلك بكثير فهي تمس الجماهير التي افرزت مثل هذه القيادة.
انا شخصيا، لم أر في هذه لتظاهرة أي رئيس سلطة محلية عربية واحد. واذا صدف وكان هناك احدهم لم اشاهده فله كل الاحترام. والله يعطيه العافية. بعض الاحزاب السياسية التي تعد من اركان القائمة المشتركة وتدعي تزعم التيار الوطني كانت ممثلة بشخص او شخصين. تصوروا أن مدينة كسخنين تعد ٣٠ ألف مواطن شارك منها اقل من اصابع اليد الواحدة. وكم شخص قدم من مدينة الناصرة التي تعتبر وبحق عاصمة جماهيرنا والتي لا تبعد سوى بضع كيلومترات عن العفولة؟ وأصلا لماذا هذه الدعوة الخجولة للتظاهرة من قبل لجنة الحريات؟ وهل وصلت إلى معظم جماهير شعبنا أم انها كانت مصممة مسبقا لتصل إلى لون معين من الناس؟
لا ادري ماذا ستكون نهاية محمد القيق بعد ٩٢ يوما من الاضراب عن الطعام في ظل التعنت الاسرائيلي والعجز الفلسطيني والتخاذل العربي والتواطؤ العالمي. ولا استطيع انا او اي احد غيري أن يدعي بأنه يشعر بما يشعر به محمد القيق. هو وحده من يشعر بنوبات الالم، بالتشنجات، بتعطل اعضائه الداخلية الواحد تلو الآخر، ولكن في جميع الحالات، حتى وان تم انقاذ حياته في اللحظة الاخيرة واطلاق سراحه، لن تكون هناك نهاية سعيدة على طريقة افلام هوليوود بل نهاية مأساوية تليق بشعب منكوب. متشائم؟ واقعي؟ لا يهم، ولكن هذه المأساة مهما كانت نهايتهاستكون نبراسا يضيء الطريق دامس الظلام نحو الحرية.

Thursday, February 18, 2016

أجنحتنا المتكسرة



أجنحتنا المتكسرة
علي زبيدات – سخنين
مع الاعتذار والشكر لجبران حليل جبران لاستعارة العنوان.
الطيور ذات الاجنحة المتكسرة لا يستطيع التحليق في كبد السماء، هذه حقيقة. ولكنها قد تحاول ذلك وقد تنجح في الارتفاع قليلا عن سطح الارض قتطير مسافة قصيرة ولكنها تعود وتسقط على الارض. لا يمكن أن نلوم مثل هذا الطيور على عجزهاعن الطيران باجنحتها المكسور. اذا اردنا لها أن يعود إلى طبيعتها فلا بد اولا من تجبير الكسور. القاعدة التى لا يمكن أن ينكر صحتها احد تقول: لا يمكن للطيور أن تطير بأجنحة مكسورة.
المجتمع، كل مجتمع، كسرب من الطيور هو الآخر لا يستطيع أن يطير اذا كانت اجنحته متكسرة. اجنحتنا متكسرة، هذه حقيقة ولا نملك خيارا الا أن نعترف بها. ومن ثم علينا أن نعمل على تجبير هذا الكسور اذا اردنا التحليق في فضائنا. اجنحة المجتمع كثيرة ومتعددة وكل جناح له وظيفته ومهمته. دعوني اقتصر هنا على جناحنا السياسي، هل يبقي هناك من يشك في أن جناحنا هذا مكسور؟ وربما كان مهشما؟ لننظر إلى بعض الاحداث التي وقعت في السنتين الاخيرتين ولنبدأ بجريمة خطف وحرق الفتى محمد ابو خضير من قبل مجموعة من قطعان المستوطنين الفاشيين. هذه الجريمة التي هزت ضمير ومشاعر العالم بأسره حاولنا الرد علبها بمظاهرة هنا ووقفة احتجاج هناك وبالكثير من الاستنكار والادانات الشفوية. وما كان اشبهنا بطير مكسور الجناح. والنتيجة كانت اننا لم نستطع التحليق إلى مستوى الحدث. بعد ذلك بفترة وجيزة شنت دولة اسرائيل حربا شرسة على اهلنا في قطاع غزة حيث قتلت خلال ٥٣ يوما أكثر من ألفي شخص ربعهم من الاطفال، هذا بالاضافة إلى آلاف الجرحى وآلاف البيوت المدمرة. فجاء ردنا الخجول والمتواضع بعد مرور حوالي نصف فترة الحرب ومرة اخرى على شكل مظاهرة هنا ووقفة احتجاجية هناك وكميات هائلة من الادانات والاستنكارات اللفظية. حتى عندما استطعناأخيرا تنظيم مظاهرة قطرية ضمت بضعة آلاف كان من الواضح انها ابعد ما تكون من الارتقاء إلى مستوى الجريمة التي اقترقتها الدولة. وما كان اشبهنا بذلك الطير مكسور الجناح العاحز عن التحليق.
التجربة نفسها تكررت عدة مرات اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: اضراب الشيخ خضر عدنان عن الطعام للمرة الثانية خلال عامين لمدة ٥٦ يوما واضراب محمد علان ٦٥ يوما، حرق عائلة الدوابشة من قبل المستوطنين التي راح ضحيتها الطفل علي ابن السنة والنصف والاب سعد والام ريهام ولم ينج سوى الطفل أحمد ابن الاربع سنوات، واليوم الاضراب الاسطوري عن الطعام الذي يخوضه الصحفي المناضل محمد القيق. اذا كان جل ما نستطيع تقديمه هو مظاهرة متواضعة هنا أو وقفة احتجاجية هناك أو زيارة لمستشفى أو ادانات لفظية مهما كانت شديدة اللهجة ونعلم مسبقا أن كل هذه الامور لا ترتقي إلى مستوى الحدث، فمتى نعترف بأن سبب هذا كله هو جناحنا المكسور؟
لست مجبرا ولا ادعي الحرافة في علم التجبير ولكني بصفتي جزء من هذا الجناح اشعر بالكسر واشعر بعجزي عن التحليق. قد يقول البعض، واضم صوتي إلى صوتهم، بأن الطائر الذي لا يستطيع الطيران بسبب كسر في جناحه قد يجد أطباء مختصين يقومون بمعالجته ورعايته حتى تلتئم العظام المكسورة ويعود الجناح المكسور الى طبيعته ويمارس وظيفته السابقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: الا يوجد هناك اطباء مختصين لمعالجة كسور جناح المجتمع هذا؟ لقد جرت العادة أن نمنح هذه المهمة للقيادة السياسية من احزاب وحركات ومؤسسات مدنية ومثقفين وشخصيات اعتبارية اخرى. وربما لا يوجد هناك بديل عن هؤلاء. كل ما في الامر، وعلى غرار حقنا في أن نطالب ونطلب من الاطباء المختصين بتجبير الاجنحة المكسورة للطيور بأن يكونوا ملمين في هذا العلم والا يكونوا من المشعوذين أو الادعياء، واذا وجد في صفوفهم مثل هؤلاء فعليهم تنقية هذه الصفوف، كذلك من حقنا أن نطالب ونطلب ممن يدعون التخصص في تجبير اجنحة المجتمع المتكسرة أن يكونوا على درجة من المعرفة والعلم والا تكون ساحتهم سائبة يسرح ويمرح بها كل مدع ودجال.
الحرب الاخيرة على غزة لن تكون الحرب الاخيرة، وجرائم جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين ضد شعبنا في الضفة لن تتوقف وسياسة التمييز وهدم البيوت في مدننا وقرانا المحتلة عام ١٩٤٨ ستبقى في تصاعد، والصحفي محمد القيق الذي يواجه بأمعائه الخاوية أعتى قوة عسكرية في المنظقة لن يكون الاسير الفلسطيني الاخير. من أجل مواجهة كل هذه الامور وغيرها مجتمعنا بحاجة الى اجنحة قوية متينة تمكنه من الارتقاء والتحليق في سماء وطن حر.

Wednesday, January 27, 2016

مصر بين الثورة والثورة المضادة



مصر بين الثورة والثورة المضادة
علي زبيدات – سخنين

لم يحتفل أحد – تقريبا-بالذكرى الخامسة لثورة ٢٥ ينابر/ كانون الثاني المصرية. التطورات اللاحقة للثورة (استفراد الاخوان المسلمون بالسلطة ومن ثم الانقلاب العسكري وانتخاب السيسي رئيسا) جعلت الكثيرين يتراجعون عن تأييد الثورة حتى وصل الامر ببعضهم اعتبارها منذ البداية مؤامرة دولية تديرها امريكا واسرائيل والصهيونية العالمية بل وحتى الماسونية. لم يحتفل آخرون بالذكرى الخامسة للثورة ببساطة لانهم اصبحوا جزءا من الثورة المضادة التي يمثلها نظام السيسي وفلول النظام السابق الذين يعودون الى مواقعهم والى سابق عهدهم. وآخرون لم يحتقلوا بهذه الذكرى لانهم استشهدوا أو زجوا بالسجون أو لزموا بيوتهم خوقا من اعمال القع والبطش التي تقودها الاجهزة الامنية.
لن ادخل هنا في نقاش عقيم مع اصحاب نظرية المؤامرة الذين يعزون كل ما حدث في البلدان العربية في السنوات الخمس الاخيرة الى مؤامرة دولية تمت حياكة خطوطها في سراديب السي آي ايه ومراكز ابحاثها السرية ويجعلون عرابها مرة الفرنسي الصهيوني التافه برنار هنري ليفي ومرة شخص باسم جين شارب ويعود بعضهم إلى كيسنجر وبرجينسكس وكوندليسا رايس وغيرهم وتارة إلى قطر وقناه الجزيرة. يسمونها مرة سايكس بيكو الجديدة او الشرق اوسط الجديد وغير ذلك من الاسماء وجميعها تصب في نزع مشروعية التمرد على الانظمة الرجعية الجاثمة على صدور الشعوب العربية منذ قرون والاستهتار بالطاقات الثورية الكامنة في هذه الشعوب. ملايين المصريين الذين نزلوا الى الشوارع من ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ إلى ١١ فبراير ٢٠١١ لم ينزلوا امتثالا لاوامر أو تعليمات تلقوها من برنار هنري ليفي أو جين شارب أو هيلاري كلينتون أو قناة الجزيرة. بل بعد اربعين عاما من نظام حسني مبارك وزمرته حيث ساد الفساد والفقر والقمع ومصادرة الحريات والبطالة.
مع انتصار الثورة المصرية في مرحلتها الاولى في ١١ قبراير/ شباط ٢٠١١ عندما اضطر حسني مبارك تحت الضغط الشعبي للتنحي ، نظمنا في سخنين تحت المطر مهرجانا فنيا ملتزما كان الاول وربما الوحيد في فلسطين احتفالا برحيل نظام من اسوأ الانظمة التي عرفتها شعوبنا العربية.
لقد كانت ثورة وليست مؤامرة.
غير أن ثوار ربع الساعة الاخيرة ضيقي الافق يظنون الثورات نزهة على كورنيش الشاطىء أو سفرة ترفيهية على اوتوسترادة. لقد كتبت قبل خمس سنوات (قبل اختطاف الاخوان المسلمين للثورة وقبل اغتيالها من قبل العسكر): اذا لم تستمر الثورة لتحقيق كامل اهدافها وخصوصا الحرية والعدالة الاجتماعية فانها ستتلاشى حتى تتحول الى نقيضها، إلى ثورة مضادة. وكنت متشائما منذ البداية في مقدرة الثورة على الاستمرارية نظرا لغياب القيادة الثورية . قبل الاطاحة بالنظام كان التناقض الاساسي بين الجماهير الشعبية بكافة انتماءاتها الطبقية والفكرية وبين النظام، ولكن بعد الاطاحة بالنظام تحول التناقض الرئيسي إلى صراع داخل فئات الشعب بعدما تسللت اليه فلول النظام السابق. وهكذا وخلال خمس سنوات تحولت اعظم ثورة عرفتها مصر الحديثة إلى ثورة مضادة. ولكن هذا ليس ولا يمكن أن يكون نهاية التاريخ. فما هي خمس سنوات في حياة الشعوب؟ فها هي الثورة الفرنسية الكبرى، على سبيل المثال لا الحصر، تتفجر في عام ١٧٨٩ تقتحم سجن الباستيل، تلغي النظام الملكي الاقطاعي، تعدم الملك لتتوقف بعد عشر سنوات لتحل مكانها امبراطورية نابليون بونابرت، ومن بعده عادت الملكية البائدة لكي تسقط مرة اخرى في ثورة ١٨٣٠ والتي انتهت بدورها إلى ملكية دستورية تمت الاطاحة بها بثورة عام ١٨٤٨ والتي تمخضت عن امبراطورية جديدة اطاحت بها كومونة باريس عام ١٨٧٠.
بالاضافة إلى الاطاحة بنظام مبارك واسقاط نظرية التوريث نهائيا هناك انجازان عظيمان لثورة يناير/شباط ٢٠١١ المصرية: اولا: الثورة هي الطريق الوحيد لاسقاط النظام الفاسد. ثانيا: أن هذه الثورة ممكنة.
عندما يجعل النظام الرأسمالي العالمي والانظمة التي تدور في فلكه في البلدان النامية عملية التحول السلمي مستحيلة تصبح الثورة حتمية طال النضال أم قصر.
ومن مثلنا نحن الشعب الفلسطيني يعرف هذه البديهية؟ خمسون سنة من "الثورة" الفلسطينية تمخضت عن سلطة تجسد كل ما هو مضاد للثورة، فلماذا لم نستسلم للامر الواقع ونكفر بالثورة وقيمها ومبادئها؟ فاذا كنا بعد نصف قرن من النضال نكاد نقف في مكاننا فلماذا نلوم الثورة المصرية على تراجعها بعد خمس سنوات فقط؟ما حدث في العالم العربي في السنوات الخمس الاخيرة بالرغم من فظاعته وبالرغم من وحشيته وفي كثير من الاحيان وفي كثير من الاماكن بالرغم من عبثيته ليس سوى البداية. لتتفجر الثورات في كل مكان حتى ولو فشلت، لا يوجد هناك فشل مطلق. الهزيمة ام الانتصار.
لتكن الذكرى القادمة للثورة المصرية انطلاقة جديدة على درب الحرية والاستقلال للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

Wednesday, January 20, 2016

من عمان هنا فلسطيين



من عمان هنا فلسطن
علي زبيدات – سخنين
بعيدا عن السياسة وعن تعقيداتها وتناقضاتها وخلافاتها. يوجد هناك ما هو اعمق وابعد يعجز الانسان عن سبر أغواره وادراكه. انها حالة وجودية فريدة من نوعها تجسد الصراع من اجل البقاء لاشلاء جسد واحد يتوق إلى وحدة جسده.
قبل ايام وصلت إلى مدينة عمان في إطار زيارة خاصة. حجزت شقة في احد أحيائها تم اختياره بمحض الصدفة. لم بسبق لي أن زرت هذه المدينة العريقة من قبل لاسباب عديدة لست بصدد الخوض بها هنا. وللامانة ولكي أكون دقيقا جئت إلى عمان قبل ثمان سنوات ليوم واحد مع عدد من الرفاق للمشاركة في تشييع جثمان الرفيق جورج حبش. ولم اتعرف حينذاك على المدينة لا من قريب ولا من بعيد.
بعد وصولي للشقة المحجوزة والتخلص من الحقيبة خرجت لاستنشق بعض الهواء فوجدت نفسي امام لافتة تشير إلى اسم الشارع : الجليل. مشيت بعض خطوات فرأيت لافتة تشير الى الشارع الفرعي على يميني: شارع عكا وبعد ذلك طبريا، صفد، حيفا، عسقلان، المجدل، طول كرم، الخليل... كدت أن اصاب بالدوار. هل انا حقا في عمان؟ ام انا في مدينة فلسطينية؟ ولكن لا، لا اعرف مدينة فلسطينية تشمل هذا الكم الهائل من اسامي المدن والقرى الفلسطينية العامرة والمهجرة في واحدة من حاراتها. لا ادري من يسكن في هذا الحي على وجه التحديد ولكن من الواضح انهم فلسطينيون تهجروا من كافة ارجاء فلسطين في عامي النكبة والنكسة. فقط عندما تفقد الوطن تشعر بمدى اهميته. ما اجمل الشعور بالتواصل بين ابناء الشعب الواحد. الشيء الوحيد الذي ينغص هذا الشعور بالاضافة للوضع المأساوي الراهن انه يتم في ظل اتفاقيات مجحفة ومذلة: كامب ديفيد، وادي عربة وأوسلو.
الشي الاخر الذي هزني حتى الاعماق عندما عدت إلى الشقة وقرأت اسم الشارع الذي توجد به البناية: شارع الشهيد راتب محمد البطاينة. بدا لي الاسم مألوفا ولكن من هو؟ وأين استشهد؟ وكيف؟ دخلت الشقة بسرعة وشرعت بعملية البحث فوجدت هذه القصة التي كتبها احد اقارب الشهيد، وها انا انقلها كاملة كما كتبت:
"في 21-اذار - 1968 كانت معركة الكرامة
نشوة النصر التي بددت اسطورة "الجيش الذي لا يقهر" كانت عنوان فخر واعتزاز لكل أحرار الأمة خاصة وان الجيش العربي المصطفوي
الذي"افترس" جنود العدو في ساحة الوغى حقق النصر المبين واجبر قادة وجنود جيش العدو على العودة يجرون ذيول الخيبة ويتجرعون مرارة الهزيمة.
وتكبد العدو 250 قتيلا 450و جريحا واسقاط 7 طائرات مقاتلة وتدمير 88 آلية مختلفة تمكن العدو من إخلائها شملت 27 دبابة 18و ناقلة 24و سيارة مسلحة 19و سيارة شحن فيما بقيت 20 دبابة وآلية مختلفة في ارض المعركة ، واستشهد من قواتنا الباسلة 87
شهيدا 108و جرحى وتدمير 13 دبابة 39و آلية مختلفة  ومن ضمن الشهداء البواسل الشهيد راتب البطاينة صاحب القصة الشهيرة :
اعلنت إسرائيل الحرب على الاردن في صبيحة 21-اذار الساعة الخامسة والنصف فجراً
كان الملازم راتب البطاينة ضابط ملاحظة في جهاز اللاسلكي ودوره يكون بأن يعطي للمدفعية الاردنية موقع وإحداثيات الجيش و الدبابات الاسرائيلية لتدميرها.
في قلب المعركة والرصاص والقذائف تحجب نور الشمس وصل للملازم خبر استشهاد زميله وصديقه :عارف الشخشير فحزن حزناً لا يوصف واقسم بربه ان يأخذ بثأره من جيش العدو فإنتظر حتى الليل وترك كتيبته وبدأ يزحف قاصدا خطوط العدو الصهيوني حتى وصل جسر يسمى "جسر دامية" ليتفاجأ بتقدم دبابات العدو عبر الجسر ليصلو إلى الاراضي الاردنية إلاّ ان الروح الموجودة بالإنسان الأردني جعلته يفكر سريعاً بأي شيء يمنع الدبابات من التقدم التي لو تقدمت ستضع الجيش الاردني في موقف محرج
فإتخذ قراره !!! ووقف ينتظر إلى ان اصبح بين جنازير وعجلات الدبابات  
فأمسك بجهازه اللاسلكي وأمر كتيبة المدفعية بإطلاق الصواريخ على احداثياته
ماذا !!!!!!!!!!! يا سيدي انه موقعك كيف لنا ان نقصف النقطة التي تتواجد فيها انت
فقال : بدون نقاش احدثكم بالأمر العسكري ..... إقصفوني 
يا لله !!! ..... يريد من جيشه ان يضربوه بالصواريخ لتتفجر معه الدبابات 
فعملت كتيبة المدفعية بما امر الملازم وقصفوا الموقع قصفاً شديدا اسفر عن تفجير 8 دبابات  وقتل طواقمهم من جنود العدو
وهكذا استشهد البطل الأردني في سبيل الدفاع عن ثرى الوطن من اي مس وعبث
واخذ بثأر صديقه كما اقسم
وللشهيد حق علينا بأن ننقل قصته الى الكثير الذين لا يعرفونها كما نقلت قصة الشهيد فراس العجلوني وغيرهم من الشهداء الأبرار".
نسي قريب الشهيد الذي كتب هذه القصة ان يذكر أن اسرائيل لم تشن عدوانها على الاردن فحسب بل وعلى المقاومة الفلسطينية ايضا. وأن صديق الشهيد الذي اقسم ان يثأر له، عارف الشخشير هو فلسطيني من نابلس.
سقى الله تلك الايام عندما كان الجندي العربي يثأر لاخيه العربي وليس مثل اليوم حيث يثأر الجندي العربي من أخيه العربي.

Thursday, January 14, 2016

صفورية واخواتها - تضامن في غير أوانه

 
صفورية واخواتها – تضامن في غير أوانه
علي زبيدات – سخنين
لم اخطط مسبقا للكتابة في هذا الموضوع، فقد تعودت، كغيري، الكتابة في مثل هذه المواضيع عندما تمر مناسبة تتعلق بها. فكنت بصفتي متورط باحداث الوطن حتى النخاع، كغيري أكتب عن يوم الارض مثلا قبيل يوم الارض أو بعد احياء ذكراه. وآكتب عن هبة القدس والاقصى عندما تقترب ذكرى هذه المناسبة وأكتب عن حق العودة وقضية اللاجئين والمهجرين ورأيي في مسيرة العودة مع اقتراب ذكرى النكبة عندما يحتفل الطرف الاخر بعيد استقلاله أو بعدها مباشرة. وهكذا. كانت صدفة فرضتها ظروف طارئة اخرجتني عن المألوف ودفعتني للكتابة في موضوع في غير اوانه. وعندما قررت الكتابة في هذا الموضوع شعرت كم كنت مخطئا في الماضي. لست بحاجة لانتظار يوم الارض لكي اكتب عن الارض أو الاصح عن ضياع الارض واعبر عن خيبة املي مما آلت اليه هذه المناسبة. ولست بحاجة للانتظار إلى اكتوبر حتى اكتب عما حدث في الانتفاضة الثانية وربطها بما يحدث اليوم. وهل من الضروري أن انتظر حتى اعرف اسم القرية المهجرة التي تم الاتفاق عليها لتنظيم مسيرة العودة حتى اكتب عن عبثية نشاطاتنا الموسمية التي لم تقربنا شبرا واحدا من قرانا المهجرة؟
سأكتب اليوم عن حق العودة بشكل عام وعودة المهجرين بشكل خاص ، ماذا نعمل بهذا الخصوص. ولكن دعوني اولا اسرد باختصار الظروف التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع الان وعدم انتظار الموسم. في الاسبوع الماضي حل علي اربعة ضيوف اجانب من حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني، اثنان من ايسلاندا وواحد من الولايات المتحدة الامريكية وواحدة من الدنمارك. وقد كان الثلاثة الاوائل متقدمين بالعمر ولديهم تجربة ومعرفة بما يجرى في بلادنا اما الرابعة الدنماركية فهي شابة في مقتبل العمر قدمت إلى البلاد للمرة الاولى وتعمل متطوعة في حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني وقد وجدت نفسها تعمل متطوعة مع زملائها في الخليل وبعض القرى المجاورة ووجدت نفسها امام اوضاع لم تتخيلها بالرغم من كل تحضيراتها قبل القدوم الى البلاد. في اليوم الثاني من استضافتي للمجموعة اقترحت عليهم زيارة بعض القرى المهجرة القريبة. تقبلوا اقتراحي بحماس نظرا لمعرفتهم الضئيلة في هذا المجال. من بين القرى التي اقترحتها عليهم كانت قرية صفورية . فاجأتني الشابة الدنماركية بالقول: ولكن صفورية ليست قرية مهجرة، انها قرية تعاونية (موشاف) فقد مكثت هناك عدة ايام عندعائلة يهودية قبل ان انضم إلى المتطوعين في الخليل، وهذه العائلة تقدمية وتحب الفلسطينيين وتتضامن معهم. استغربت من كلامها وسألتها: الم تخبرك هذه العائلة "التقدمية" أن مستوطنتهم (تسيبوري) تقوم على انقاض قرية صفورية؟ فقالت لا. فقلت لهم حسنا سنذهب الى صفورية لتشاهدوا بام اعينكم ما تبقى من انقاض هذه القرية التي كانت في عام ١٩٤٨ من اكبر القرى في المنطقة. وقالت الشابة الدنماركية: حسنا وسوف أزور العائلة اليهودية، اذا لم يكن لديك مانع، فقد كانت لطيفة معي. فقلت ليس لدي أي مانع.
عندما وصلنا كانت بوابة المستوطنة مغلقة، انتظرنا قليلا حتى جاءت سيارة من الداخل ففتحت البوابة الكهربائية ببطء فدخلنا. قمنا اول شيء بزيارة المقبرة وعندما ركنا السيارة قالت الشابة: بيت العائلة موجود قريب من هنا، انه في الجهة الاخرى من الشارع. قدرت المسافة بحوالي مائة متر لا اكثر. قلت سنتجول اولا في المقبرة المهجورة ومن ثم سنشاهد الكنيسة والدير والقلعة وبعض الآثار القديمة وعندما نعود سوف نزور هذه العائلة. وهذا ما فعلناه. استغربت القتاة من وجود القبور المبعثرة الموجودة من قبل عام ١٩٤٨ واشجار الصبار المحيطة بها ومن ثم اكوام الحجارة التي كانت بيوتا والتي لم تنجح اشجار الصنوبر والسرو الباسقة في طمسها واخفائها، وكيف لم تخبرها هذه العائلة "اللطيفة" بشيء عنها بينما اصطحبوها لزيارة الاثار القديمة فيما يسمى البارك الوطني تسيبوري.
دخلنا البيت، وسلمت الفتاة على افراد العائلة الموجودين، الاب والام والابنة. وقدمتنا لهم. لم يكن هذا البيت بيتا عاديا بل كان بداخله معصرة زيتون. واخذت الابنة تشرح لنا ماذا يعملون. وكان الكلام باللغة الانجليزية لكي يفهم الجميع: نحن ننتج هنا اجود انواع زيت الزيتون وهو زيت عضوي (اورغاني) ١٠٠٪ . وقادتنا في جولة قصيرة تشرح لنا كيف تتم عملية العصر. فسألت: هل هذه المعصرة لكل المستوطنة (الموشاف) فأجابت: لا ابدا انها ملكنا الخاص. فتساءلت بسذاحة وتعجب: وكم شجرة زيتون يوجد لديكم حتى تحتاجوا إلى معصرة خاصة؟ فاجابت بافتخار وبدون تردد: ستة آلاف شجرة، منها اكثر من ١٥٠٠ زيتونة عمرها مئات السنين وبعضها يصل إلى ١٠٠٠-١٥٠٠ سنة. فسألت بهدوء ولكن هذا السؤال كان كالقنبلة علىيها: وهل اشجار الزيتون هذه كانت ملك لاهالي قرية صفورية المهجرة؟ وهنا تغير لون وجهها ونبرة صوتها وقالت: لا ابدا، لقد استأجرنا هذه الاشجار من الحكومة. فقلت بسخرية: ومن أين جاءت الحكومة باشجار الزيتون هذه؟ لم ارد أن احرج الفتاة الدنماركية والاخرين اكثر من ذلك فتداركت وقلت: على أي حال لست هنا بصدد اي نفاش سياسي، كنت ساكتفي لو اخبرت زوارك على الاقل بانك بنيت بيتك على ارض فلسطينية وعلى انقاض بيت لعائلة فلسطينية. ويبدو أن كلامي هذا بدل تهدئة الاجواء زادها اشتعالا. إذ لم تستطع ان تضبط اعصابها اكثر فانفجرت في وجهي قائلة: لقد غادر اهل صفورية القرية بمحض ارادتهم وانا اعرف الكثيرين منهم ويسكنون في الناصرة، وهم لا يفكرون أصلا بالعودة إلى هنا، فكل واحد لديه بيت أو حانوت هناك. ونحن نتعاون مع الفلاحين الفلسطينيين في منطقة نابلس ولدينا مشاريع مشتركة، فهذه المعصرة بتمويل من يو أس ايد (USAID) وهي مؤسسة حكومية امريكية تقدم الدعم للمزارعين الفلسطينيين ايضا، ونحن اليوم نتعاون في انتاج وتسويق زيت الزيتون العضوي إلى الخارج لمصلحة الجميع واسم المشروع "زيت بلا حدود". يجب التوقف عن الكلام عما جرى في عام ١٩٤٨ فعائلة زوجي تهجرت من المانيا إلى الارجنتين ومن هناك قدمنا إلى هنا. لا يمكن اعادة الزمن الى الوراء فنحن لا نطالب بالعودة الى الارجنتين أو إلى المانيا. وهنا جاء دوري لافقد اعصابي وانفجر في وجهها قائلا: اسمعي ايتها السيدة، لا ادري من تعرفين من اهالي صفورية ولا يريد العودة اليها، ولكني اعرف الكثيرين ممن يريدون العودة، قبل عدة سنوات تجمع على مشارف صفورية اكثر من ١٥ ألف شخص معظمهم من اهالي صفورية وهتفوا من اجل العودة وحينها تمت مهاجمتهم من قطعان المستوطنين والشرطة، وقبل ذلك بسنوات تجمع اكثر من ٢٠ ألف في المكان نفسه ورددوا الهتافات نفسها. ولا ادري مع من تتعاونين في منطقة نابلس، ولكن معظم المزارعين يمقتون احتلالكم "المتنور"، وهؤلاء المتطوعين الاجانب يرون بام اعينهم كيف يقتلع المستوطنون اشجار الزيتون ويمنعون المزارعين من قطف زيتونهم.
سردت هذه القصة الان، اياما معدودة بعد حدوثها ولم انتظر حتى ننظم مسيرة العودة القادمة في يوم النكبة، حيث ننفخ صدورنا ونفرش ريشنا كالطاووس متفاخرين بمدى تمسكنا بحق العودة الى قرانا والدليل على ذلك آلاف المشاركين في المسيرة. سردت هذه القصة لكي اجدد اتهامي للجميع بالتقصير. لماذا لا تظهر لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين على الملأ الا مرة واحدة في السنة؟ ولماذا لا يزور معظم المهجرين قراهم الا مرة واحدة في السنة؟ بيني وبين نفسي، لا استغرب ان يكون في اقوال هذه السيدة من تسيبوري بعض الحقيقة، ولا يقتصر هذا الامر على اهالي صفورية بل يشمل قرى مهجرة اخرى ممن يتخذون رئيس السلطة الفلسطينية نموذجا وتخلوا علنا أو ضمنا عن حق العودة.
العودة لن تتحقق باصدار قرار ١٩٤ جديد ولا بمسيرة موسمية.

Thursday, January 07, 2016

الاخلاق بين الجريمة والاستنكار



الاخلاق بين الجريمة والاستنكار
علي زبيدات – سخنين
من نافل القول أن كل شيء في ظل النظام الرأسمالي العالمي اصبح سلعة. والسلعة هي ما يتم انتاجه ومن ثم بيعه وشراؤه بهدف تحقيق الارباح. وبما انه ليست كل السلع مادية كذلك ليس بالضرورة ان تكون الارباح مادية. لذلك، لا غرابة في أن تصبح القيم الاخلاقية في ظل هذا النظام سلعا تحقق ارباحا فاحشة عند رواجها ويتم نبذها في حالة كسادها.
احدى القيم الاخلاقية التي تبنتها المجتمعات البشرية منذ القدم ورفعتها الى درجة القداسة حتى اصبحت رمزا يميز المجتمعات البشرية عن غيرها من المخلوقات هي: لا تقتل. والتي تحولت مع مرور الزمن من حيث ندري أو لا ندري، إلى نقيضها، أي إلى: أقتل. اقتل عدوك، اقتل من يخالفك بالعقيدة، اقتل من تظن انه ينوي قتلك، اقتل من يقف في طريق تحقيق اطماعك، اقتل دفاعا عن نفسك حتى عندما تكون المخاطر المحدقة بك وهمية. باختصار: قيمة لا تقتل ما زالت تتربع على عرشها في برجها المقدس، أما على ارض الواقع اصبحت اقتل ثم اقتل ثم اقتل ومن ثم ابحث عن التبريرات.
مما يزيد الطين بلة في هذا النظام الرأسمالي "الحضاري" المستشرس الازدواجية في المعايير والتعامل الانتقائي من ادانات وعقوبات واعمال انتقامية لبعض اعمال القتل وايجاد تبريرات والتسامح مع عمليات قتل اخرى. فعندما قتل مؤخرا ١٢٠ مواطن فرنسي في باريس قامت الدنيا ولم تقعد وتوحد اقطاب النظام الرأسمالي العالمي للانتقام من مقترفي هذه الجريمة فأقاموا التحالفات وحشدوا القوات وشنوا الغارات. ولكن عندما قتل الآلاف بل مئات الالاف في افغانستان، العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، مانيمار، رواندا، نجيريا، افريقيا الوسطى وغيرها من بلدان العالم الفقيرة فلم يستحق ذلك سوى بعض السطور في الصفحات الداخلية للجرائد أو بعض اللحظات في نشرات الاخبار في القنوات الفضائية العالمية.
هذه الحالة المأساوية السائدة على الصعيد العالمي سارية المفعول على صعيدنا المحلي الصغير. فبينما يسقط الشهداء من رجال ونساء واطفال بشكل يومي في القدس والخليل وباقي مدن وقرى الضفة الغربية، هذا ناهيك عن عمليات القتل الجماعي في غزة، يكاد ذلك لا يحرك ساكنا لا على الصعيد المحلي ولا على الصعيد الدولي. بينما عندما يقتل اثنان في تل ابيب تقوم الدنيا ولا تقعد، لأن تل ابيب من أخوات باريس ولا تمت بصلة لبغداد أو دمشق أو بيروت. وعلى العالم اجمع، وعلى رأسهم فلسطينيي هذه البلاد المتهمين دوما، مطالبين باستنكار هذه العملية. هكذا يصرح رئيس الحكومة الاسرائيلية من موقع الحدث: "والان اتوقع من كل اعضاء الكنيست العرب من غير استناء استنكار الفتل من غير تلعثم ومن غير فذلكة كلامية". ويسارع هؤلاء فرادى ومجتمعين ومن خلال اعلى هيئة تمثيلية تضمهم بتصريح صادر عن لجنة المتابعة: "ترفض لجنة المتابعة لقضايا الجماهير العربية العمل الاجرامي الذي وقع في مقهى في تل ابيب، وتؤكد انه يستحق كل استنكار، فهو يتعارض من حيث الجوهر، مع طريق نضالنا الديمقراطي والشرعي، الذي اختارته الجماهير العربية بكل تياراتها، وهذه الجريمة تشكل خروجا قاسيا جدا عن طريق النضال العادل من اجل تحقيق حقوق الجماهير العربية، كما انها تشمل هدية للمحرضين الدائمين ضد جماهيرنا".
يا له من موقف اخلاقي مهترئ ومنافق.
القضية هنا ليست اذا كنت تؤيد مثل هذه العمليات أو تعارضها بل هي اعمق من ذلك وابعد بكثير. انها هي الاخرى قضية اخلاقية من الدرجة الاولى. هل يحق لمن لا يخضع لقيمة اخلاقية أن يطالب غيره باستنكار عمل ما باسم هذه القيمة الاخلاقية؟وهل يحق لمن يفسر القيم الاخلاقية على هواه ان يفرض تقسيره على غيره؟ بالنسبة لنتنياهو، كما صرح مرارا، لا يوجد هناك أية مقارنة بين الارهاب "اليهودي" والارهاب "العربي". فالاول اذا وجد فهو محدود جدا وبمكن تفهمه والتسامح معه، وهو على حد زعمه مدان من قبل الحكومة ومن قبل المواطنين اليهود. أما الارهاب الثاني فهو عام وشامل ويحظى بتأييد معظم العرب لذلك يجب ملاحقته ومحاربته. بالنسبة لنتنياهو، ولباقي الزعامة الاسرائيلية من اقصى اليمين إلى اقصى اليسار الصهيوني، لا يوجد شيء اسمه مقاومة فلسطينية بل يوجد ارهاب فلسطيني فحسب. وبالتالي لا يوجد مقاومون فلسطينيون بل يوجد فقط ارهابيون ومخربون يحق قتلهم بل يجب قتلهم أو في احسن الاحوال زجهم في السجون. لم يكن من باب الصدفة أن يصطحب نتنياهو في زيارته لموقع العملية في تل ابيب وزير الامن الداخلي والمفتش العام للشرطة ويصرح : بأنه لن يقبل بوجود دولة داخل دولة: دولة "حضارية" تحترم القانون تشمل الاغلبية اليهودية ودولة خارجة عن القانون تشمل الاقلية العربية وان سياسته القادمة سوف تركز على فرض القانون وهذا هو دور الشرطة واجهزة الامن الاخرى.
في تصريحها الاخير ترقص لجنة المتابعة على اللحن الذي تعزفه الاوركسترا التي يقودها نتياهو. وبما أن اللحن نشاز ويثير الاشمئزاز جاءت الرقصة مجرد تخبط ودوس على اقدام الراقصين. اذا كانت عملية تل ابيب تشكل، على حد هذا التصريح، "هدية للمحرضين الدائمين ضد جماهيرنا" فإن استنكارها يشكل جائزة مقدمة مجانا لهؤلاء المحرضين.
ارهاب الدولة هو الارهاب الحقيقي الوحيد الذي يسود منطقتنا. الارهاب الذي يشنه الجيش "الاكثر اخلاقية" في العالم، الجيش المدجج بالاسلحة الاكثر "طهارة" في العالم والذي يفرض الاحتلال الاكثر "ديمقراطية وانسانية" في العالم.
حقا يهزأ التاريخ من قيمه الاخلاقية.

Wednesday, December 30, 2015

ماذا اريد في السنة الجديدة؟



ماذا اريد في السنة الجديدة؟
علي زبيدات – سخنين
في السنة الجديدة وفي السنوات الجديدة القادمة أربد الكثير الكثير. لن ارضى بعد اليوم بالنزر القليل، ولن اقنع بالفتات الذي يتساقط عن موائد اللئام. وداعا للقناعة. سوف أركل المثل الذي يقول: القناعة كنز لا يفنى في مؤخرتة حتى يرحل من غير رجعة فقد عمل بما فيه الكفاية على تخليد تخلفنا وفقرنا.
اولا وقبل كل شيء اريد أن أرى البلدان العربية نظيفة من كل تدخل اجنبي ومن جميع القواعد العسكرية الاجنبية. فليرحل كل إلى بلده. ليعود الامريكي إلى شوارع شيكاغو وحقول تكساس وليطلق النيران هناك كما يشاء وحسب التقاليد العريقة للمافيا ولرعاة البقر. وليرجع الروسي الى صقيع سيبيريا وليرافقه من يعشق احتضان الدببة. وليرحل الفارسي والتركي والاوروبي وكل من دنس بقدميه الاراضي العربية. اريد في السنة الجديدة تكنيس القواعد العسكرية في قطر والكويت والامارات والبحرين وعمان والسعودية والاردن ومصر وجيبوتي والمغرب والعراق وسوريا وفي كل مكان من المحيط إلى الخليج. هل يوجد هناك من يدعي وجود دول عربية مستقلة؟ لقد اصبحت هذه الدول كالعاهرات ينتهك كل من تسول له نفسه من قوادي العالم ويستبيح حرمتها بل اسوأ من ذالك فالعاهرات على الاقل يملكن حرية اختيار زبائنهن. لنبدأ بتوزيع المكانس على الجماهير لتباشر بحملة التنظيف.
وبعد ذلك اريد اسقاط كافة الانظمة التي جلبت هذه القواعد وادخلت الجيوش الاجنبية من اجل حمايتها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: حمايتها من من؟ والجواب، من شعوبها المسحوقة طبعا. فلو كانت هذه الانظمة تستحق الحياة لحمتها شعوبها ولم تكن بحاجة إلى قوات اجنبية من أجل حمايتها. اريد في السنة الجديدة وفي السنوات الجديدة القادمة أن يكون الشعار السائد: الشعب يريد اسقاط النظام. واذا قام نظام متعفن آخر مكان النظام الذي سقط فليسقط هو الاخر حتى القضاء على كل الانظمة القمعية الاستبدادية وحتى تنال الشعوب حريتها وكرامتها كاملتبن. فمن يريد نظاما يقتل شعبه؟ ومن يريد نظاما يسرق القوت من افواه اطفال شعبه؟ ومن يريد نظاما لا يتعامل مع شعبه الا بالعصا؟ وبواسطة اجهزة قمعية من مخابرات وشرطة وسجون وغيرها؟ لا احد.
في السنة الجديدة وفي السنوات الجديدة القادمة اريد أن ارى فلسطين نظيفة من رجس الكيان الصهيوني الكولنيالي العنصري وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وتعمير قراهم ومدنهم المدمرة. لن اتمنى في السنة الجديدة قيام "الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس" لاني لا اريد أن ارى دولة معوقة ومشوهة تسمى مجازا دولة فلسطين. لن اصفق ولن احتفل عندما تقوم احدى الدول أو احدى المنظمات الدولية بالاعتراف بهذه الدولة. ولن اتمنى كما يفعل الاخرون بأن يعم السلام (الامريكي – الاسرائيلي – العربي الرجعي) في المنطقة لأن من مثل هذا السلام ستفوح رائحة النفط والبارود إلى سنوات طويلة قادمة. سوف ارجئ تمنياتي بالسلام حتى يعود الحق لاصحابه وتتحقق العدالة.
في السنة الجديدة وفي السنوات الجديدة القادمة اريد أن ارى البلدان العربية نظيفة من الحركات الطائفية والتكقيرية على اشكالها. اريد ان ارى هذه البلدان خالية من الافكار والمعتقدات والايدولوجيات الرجعية والعنصرية التي تنمو عليها وتترعرع مثل هذه الحركات. اريد ان ارى هذه البلدان نبراسا للفكر الحر، لحرية المعتقدات، للتسامح، ولقبول الاخر المختلف.
في السنة الجديدة وفي السنوات الجديدة القادمة اريد أن ارى شعوب العالم تنتفض ضد النظام الرأسمالي العالمي الذي جلب للعالم الحروب والامراض والجوع. اريد ان ارى هذه الشعوب حرة ومستقلة وفي الوقت نفسه متحدة لا حدود تفرقها ولا صراعات تمزقها ولا حروب تدمرها.
قد يقول البعض هذه احلام بل هي اضغاث احلام. ربما. ولكني انصح من يقول ذلك أن يستمع أولا إلى اغنية جون لنون "تخيل"” Imagine” ويتذكر الكلمات التي تقول: “قد تقول انا حالم. ولكني لست الوحيد. اتمنى في احد الايام أن تنضم الينا. وسيعيش العالم وكأنه واحد".

Wednesday, December 23, 2015

تراجيديا المقاومة والموت



تراجيديا المقاومة والموت
علي زبيدات – سخنين

الحدث الذي طغى على الساحة العربية، الفلسطينية خاصة، في الاسبوع الاخير هو قيام طائرات الحرب الاسرائيلية باغتيال سمير القنطار في احدى ضواحي دمشق. قلت الفلسطينية خاصة، لان سمير القنطار هو فلسطيني قبل أن يكون لبنانيا شاء من شاء وأبى من أبى، وهو مقاوم فلسطيني قبل أن يصبح عضوا في حزب الله وقبل أن يقاتل في سوريا دفاعا عن النظام. وذلك ليس فقط لانه امضى اكثر من نصف عمره في غياهب السجون الاسرائيلية بل أبضا بسبب عشقه لفلسطين البلد والشعب والقضية، كما كان يصرح دائما. تراجيديا القنطار الشخصية ان أمنيته كانت أن يستشهد على ارض فلسطين ولكنه بدل ذلك استشهد على ارض سوريا. ولكن هناك تراجيديا اعم واشمل من هذه التراجيديا الشخصية انها تراجيديا المقاومة الفلسطينية والمقاومة العربية بشكل عام. على الصعيد الشخصي اليد القاتلة واحدة ان كانت على ارض فلسطين أو على ارض سوريا. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف وصلنا إلى درجة أن يموت المقاوم العربي في سوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا بأيدي عربية أو بأيدي اجنبية بمباركة عربية ويهرب من فلسطين وكأنه يهرب من الطاعون؟ أين اختفى عصر الدوريات العربية، الذي كان القنطار احد فرسانه، عندما كان الفدائيون يقتحمون حدود فلسطين طالبين الشهادة؟
لن اتكلم هنا عن سمير القنطار الفدائي ولا عن معرفتي به عن بعد داخل السجون الاسرائيلية فهو ليس بحاجة إلى شهادة لا مني ولا من غيري. وفي الوقت نقسه لن اتكلم عن خياراته اللاحقة بالانضمام إلى حزب الله والقتال إلى جانب النظام السوري. فقد كتب في الاسبوع الاخير الكثير عن هذا وعن ذاك ولا يوجد لدي ما اضيفه في هذا الموضوع . ولن انجر إلى هذا الاستقطاب البغيض الذي لا يعرف سوى كيل الشتائم والمسبات ويستبعد كل تفكير عقلاني بهذه الحالة التي افقدتنا البوصلة ورمتنا في دوامة زعزعت كياننا وجرتنا إلى الهاوية. وبالمقابل لن اجامل أحد ولن اساوم على الموقف الحاسم من الكيان الصهيوني المغتصب ومن القوى الامبريالية القديمة والجديدة ومن الرجعية العربية وارهاب التنظيمات والانظمة.
لو بذل العرب، رجعيون وتقدميون، ارهابيون ومقاومون، وجميعهم يقسمون أغلـظ الايمان بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الاولى، لو بذلوا في مقاومة إسرائيل ١٪ فقط مما بذلوه في تدمير سوريا لكان مصير اسرائيل اليوم على كف عفريت. ولو بذل النظام السوري خلال نصف قرن من حكمه ١٪ فقط مما بذله في هذه الحرب القذرة لتحررت الجولان منذ زمن بعيد. نعم، بهذا المعنى ومن هذا المنطلق اضع الجميع في سلة واحدة.
حقارة الشاعر اللبناني سعيد عقل وحقده على الفلسطينيين الى درجة ترحيبه بالجيش الاسرائيلي الذي احتل بيروت تتقزم امام حقارة وحقد الطائفيين الذين عبروا عن شكرهم للطائرات الاسرائيلية التي اغتالت القنطار. وكأن الطائرات الاسرائيلية قامت بجريمتها هذه دفاعا عن الشعب السوري.
دولة إسرائيل، بالاضافة لما تمثله من كبان كولونيالي مغتصب، فهي توقع على اتفاقيات لا تحترمها ولا تلتزم بها، ليس على الصعيد السياسي كما في اتفاقيات اوسلو التفريطية فحسب بل وفي تعهداتها التي ترغم على توقيعها مثل تبادل الاسرى. فهي لا تغفر للمقاومين ابدا وتتحين الفرص للانتقام منهم. حيث اعادت معظم المحررين في صفقة شاليط الى السجون واغتالت بعضهم. اغتيال الفنطار نابع اولا وقبل كل شيء من هذا الحقد وغريزة الانتفام. اسرائيل هي الدولة الوحيدة المستفيدة مما يجري من قتل ودمار في منطقتنا. وهي مستعدة للعمل على تدمير مصر والاردن والسعودية ودول الخليج وكافة الدول العربية التي تطلب الان مودتها اذا ما اقتضت مصلحتها ذلك تماما كما تعمل اليوم على تدمير سوريا وكما عملت في الماضي القريب على تدمير العراق. على هذه الدول ان تأخذ العبرة من العملاء الذين تجندهم اسرائيل لخدمتها على الساحة الفلسطينية وتلقي بهم بعد عصرهم وانتهاء صلاحيتهم إلى المزابل. وسيكون مصيرهم، في أحسن الاحوال، كمصيرها إلى زوال.
تستطيع السعودية وباقي دويلات الخليج، بواسطة اموال النفط وتغول اجهزتها الامنية والحماية الاجنبية، أن تؤجل سقوطها ولكن يخطئ من يظن ان هذه ستشكل ضمانا دائما. تظن هذه الدول من خلال دعمها للحركات التكفيرية والطائفية على شتى اشكالها في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها من الدول، بالاضافة إلي ارتمائها في احضان امريكا واسرائيل، أن تؤمن على حياتها ومستقبلها. ولكن الطوفان سوف يجرفها عاجلا ام آجلا إى مزبلة التاريخ.
الانظمة العربية الجمهورية التي اعتدنا أن نطلق عليها انظمة قومية وتقدمية لم تقدم هي الاخرى نموذجا افضل لشعوبها وها هي تنهار الواحد تلو الآخر والسبب الرئيسي في ذلك ليس الحركات الارهابية المتكالبة عليها وليست مؤامرة كونية تتعرض اليها، بل بسبب سنوات طويلة من الحكم الفاسد والقمعي الذي صادر ابسط حقوق الحياة الكريمة للمواطن.
الاستقطاب والاصطفاف في قطبين متصارعين هو تبسيط لطبيعة الصراع وهذا التبسيط قد اوقع العديد من حركات المقاومة الشريفة في مطبات وورطات تتناقض مع اهدافها. ايران ليست افضل من تركيا أو من السعودية لا من حيث نظامها السياسي والاجتماعي ولا من حيث اطماعها . الصراع الروسي الامريكي هو صراع امبريالي لا يمكن ان يصب في مصلحة الشعوب.
الشعوب العربية هي الوحيدة المغيبة في هذه التحالفات والائتلافات وهي الوحيدة التي تدفع الثمن.
الدرس الذي ينبغي علينا جميعا ان نستخلصه من عمليةاغتيال سمير القنطار هو اعادة توجيه البوصلة العربية إلى فلسطين.

Thursday, December 17, 2015

ذكرى الانطلاقات وسنوات الضياع

 
ذكرى الانطلاقات وسنوات الضياع
علي زبيدات – سخنين

تشهد نهاية كل سنة وبداية كل سنة جديدة ذكرى انطلاقة ثلاثة تنظيمات فلسطينية مركزية. وهي حسب الترتيب الزمني لذكرى انطلاقتها (وليس حسب الانطلاقة نفسها): الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حركة حماس وحركة فتح. كما تشهد نهاية كل سنة ذكرى الانتفاضة الفلسطينية الاولى. مما لا شك فيه تستحق كل مناسبة من هذه المناسبات منفردة مقالة خاصة بل عدة مقالات. كتابة مقالة واحدة تشمل جميع هذه المناسبات ليس فقط انها لن تفي الموضوع حقه بل سيكون من المستحيل تفادي التبسيط والسطحية. لذلك لست هنا بأي حال من الاحوال بصدد تقييم أو حتى ما يشبه التقييم لأي من هذه التنظيمات. انها مجرد خواطر بطبيعة الحال نقدية جاءت من وحي ما قرأته وشاهدته في ذكرى الانطلاقة التي نظمتها هذه الفصائل نفسها. (الجبهة الشعبية وحماس، اما فتح فسوف تحتفل في انطلاقتها في اليوم الاول من العام الجديد ولا اظن انها ستحمل طياتها اي تجديد)
حسب رأيي بدت هذه التنظيمات وكأنها قد تعبت من احياء ذكرى انطلاقتها كل سنة تماما كالشخص الذي يمل من الاحتفال بعيد ميلاده. فنراها كل سنة تقلص من مراسيم هذه الذكرى وتكتفي باصدار بيان عادة ما يمجد نضالات الماضي وبعض الاجتماعات المتواضعة هنا وهناك تقتصر غالبا على بعض النخبة القيادية دائرة ضيقة من الاعضاء الملتزمين. نظرة عابرة على مراسيم الذكرى في السنوات الاخيرة كافية للتأكد من هذا الانحسار.
انطلقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سنة النكسة، كرد على النكسة من أجل محو آثارها. من أجل ذلك كانت انطلاقتها محاولة لتيغير شكلها التنظيمي وجوهرها الايدولوجي، من حركة قومية عربية إلى حزب ماركسي- لينيني. هل نجحت في هذه المهمة؟ أظن، بعد مرور ٤٨ عاما على المؤتمر التأسيسي الاول (الانطلاقة)، لا حاجة لجواب على هذا السؤال. وأظن أن القيادة تتساءل قبل الاعضاء: أين أخطأنا؟ أين فشلنا؟
ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من صلب حركة القوميين العرب. ومن سخرية الاقدار التي لا ترحم أن هذه الحركة ولدت بدورها في عام النكبة كرد فعل على النكبة ومن اجل محو آثارها. كان الرأي السائد في ذلك الوقت أن محو آثار النكبة (تحرير فلسطين) لا يمكن ان يتم الا من خلال نضال قومي عربي موحد. لم تكن حركة القوميين العرب وحيدة في هذا المضمار. في الوقت نفسه تقريبا تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تبنى المنطلقات نفسها، وبعد ذلك بسنوات قليلة اكتسحت الناصرية الساحة العربية وبدا ان الحركات القومية العربية قريبة من تحقيق حلمها خصوصا على ضوء الوحدة المصرية – السورية في اطار الجمهورية العربية المتحدة. في هذه الفترة عاشت حركة القوميين العرب اجمل سنوات حياتها القصيرة،حتى أن صدمة الانفصال لم تؤثر عليها كثيرا نظرا لسيطرة القوميين على الحكم في العراق واستيلاء البعث على السلطة في سوريا، وعاد حلم الوحدة بزخم اكبر مرة اخرى ليضم مصر وسوريا والعراق. ولكن سرعان ما تهشم هذا الحلم تحت اقدام الاحزاب والحركات القومية المتنازعة في هذه البلدان الثلاث. وجاءت النكسة لتدق المسمار الاخير في نعش الوحدة. وهنا تفرقت حركة القوميين العرب الى عناصرها المكونة حسب انتماءت اعضائها القطرية، الفرع الفلسطيني اصبح الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لقد واجهت انطلاقة الجبهة الشعبية عوائق ذاتية وموضوعية عديدة وشديدة التعقيد. فقد توصل بعض القادة المؤسسين إلى قناعة عميقة بأن البرجوازية العربية التي تتبنى الايديولوجية القومية عاجزة عن قيادة اي نضال تحرري وانه لا بد من تبني الماركسية – اللينينية بصفتها ايديولوجية الطبقة العاملة. ولكن هذا التحول بدا مستحيلا: قسم كبير من القيادة ومن الجماهير رفض مثل هذا التحول، وقسم آخر نادى بالتحول السريع حتى ولو كان الثمن انقسام الصفوف. ومن ثم كيف يمكن تبنى الماركسية التي تتبناها الاحزاب الشيوعية العربية التي اعترفت بقرار تقسيم قلسطين ووقفت ضد الوحدة العربية؟هذا ناهيك عن النزاع السوفياتي – الصيني حول مفهوم الماركسية – اللينينية. حسب رأيي هذا التخبط الايدولوجي مستمر حتى هذا اليوم وكان السبب الرئيسي للوضع البائس الذي وصلت اليه الجبهة الشعبية.
التخبط الايديولوجي جر وراءه تخبط تنظيمي وسياسي. على الصعيد التنظيمي حصلت هناك انشقاقات اهمها انشقاق الجبهة الديمقراطية. على الصعيد السياسي تبنت الجبهة الشعبية سياسة المراحل اسوة بباقي الفصائل الفلسطينية. وشددت في ادبياتها على ثلاثة مراحل: ١) اقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، مما برر تحالفها الاستراتيجي مع حركة فتح (البرجوازية الفلسطينية) بل والتسليم بقيادتها لهذه المرحلة. ٢) تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني واقامة دولة فلسطين الديمقراطية. ٣) اقامة المجتمع الاشتراكي. النتيجة انطلاقة جبارة وسنوات طويلة من الضياع.
حركة حماس التي احتفلت بانطلاقتها بعد ايام قليلة من احتفالات الجبهة الشعبية هي اصغر التنظيمات الفلسطينية سنا ولكن اكبرها قوة وتأثيرا. جاءت انطلاقتها في مرحلة مد ثوري وهي الانتقاضة الفلسطينية الاولى. هذه الانتفاضة جاءت بدورها في مرحلة تراجع منظمة التحرير الفلسطينية التي تشمل الفصيلين المركزيين: قتح والجبهة الشعبية. فجاءت حماس لتملأ الفراغ على اعتبار انه فصيل جديد مقاوم بعيد عن القساد والمساومة وملتحم بالجماهير. واصبح خلال فترة وجيزة التنظيم الرئيسي على الساحة الفلسطينية مما دفع قيادة منظمة التحرير للاسراع في انهاء الانتفاضة وعقد اتفاقيات اوسلو مع اسرائيل. فشل هذه الاتفاقيات انقذ حركة حماس ليس لانها قاومتها أو رفضتها مبدئيا بل لانها لم تكن في اعين الجماهير طرفا فيها مع انها ااستفادت منها كثيرا. في عام ٢٠٠٦ حققت حماس نجاحا كبيرا في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية. مما افزع الحزب الحاكم في السلطة ممثلا بحركة فتح ودفعه للتحالف مع دولة الاحتلال لاقصاء حماس. ومن هنا بدأت حكاية الانشقاق الفلسطيني وسيطرة حماس على قطاع غزة المعروفة. ولكن سرعان ما وقعت حماس هي الاخرى في فخ السلطة وتخبطت بين المقاومة والمساومة في ظل ايديولوجية الاخوان المسلمين الانعزالية والرجعية على الصعيد الاجتماعي. وهي في هذه المرحلة تعيش في اوج تخبطها، فمن جهة واجهت وصمدت امام ثلاثة حروب شنتها اسرائيل في اقل من ست سنوات بالاضافة إلى الحصار الاسرائيلي المحكم الذي انضمت اليه مصر وسلطة اوسلو. ولكنها من جهة اخرى انتهت هي الاخرى إلى هدنة مع دولة الاحتلال لاجل غير مسمى. انعكس هذا التخبط على مراسيم الذكرى الاخيرة لانطلاقتها التي اقتصرت على الخطابات والبيانات وبعض النشاطات المتواضعة في ظل انسداد افاق المقاومة الفعلية. مرة اخرى انطلاقة جبارة تلتها سنوات من الضياع.
في اليوم الاول من الشهر الاول من كل سنة تحتفل حركة فتح بانطلاقتها. يكفي أن اذكر هنا انه في سنواتها الاولى لم نسمع اصلا عن شيء اسمه انطلاقة فتح بل كنا نسمع عن انطلاقة الثورة الفلسطينية. من منطلق أن الثورة الفلسطينية هي فتح وأن فتح هي الثورة الفلسطينية. وهذا عكس في وقته الكثير من الحقيقة. اما اليوم فلم يتبق من هذه الثورة سوى الجملة التي يختتم بها رئيس حركة فتح الذي هو رئيس السلطة والذي هو رئيس منظمة التحرير خطابه قائلا: وانها لثورة حتى النصر، قبل أن يعود للتنسيق الامني مع دولة الاحتلال.
تبدو الصورة مأساوية. وهي حقا كذلك. لا يعرف التاريخ حروبا تحررية كوميدية. سنوات الضياع سوف تنتهي وانطلاقات جديدة سوف تتفجر.