من
عمان هنا فلسطن
علي
زبيدات – سخنين
بعيدا
عن السياسة وعن تعقيداتها وتناقضاتها
وخلافاتها.
يوجد هناك ما
هو اعمق وابعد يعجز الانسان عن سبر أغواره
وادراكه. انها
حالة وجودية فريدة من نوعها تجسد الصراع
من اجل البقاء لاشلاء جسد واحد يتوق إلى
وحدة جسده.
قبل
ايام وصلت إلى مدينة عمان في إطار زيارة
خاصة. حجزت
شقة في احد أحيائها تم اختياره بمحض
الصدفة. لم
بسبق لي أن زرت هذه المدينة العريقة من
قبل لاسباب عديدة لست بصدد الخوض بها هنا.
وللامانة
ولكي أكون دقيقا جئت إلى عمان قبل ثمان
سنوات ليوم واحد مع عدد من الرفاق للمشاركة
في تشييع جثمان الرفيق جورج حبش.
ولم اتعرف
حينذاك على المدينة لا من قريب ولا من
بعيد.
بعد
وصولي للشقة المحجوزة والتخلص من الحقيبة
خرجت لاستنشق بعض الهواء فوجدت نفسي امام
لافتة تشير إلى اسم الشارع :
الجليل.
مشيت بعض
خطوات فرأيت لافتة تشير الى الشارع الفرعي
على يميني:
شارع عكا وبعد
ذلك طبريا، صفد، حيفا، عسقلان، المجدل،
طول كرم، الخليل...
كدت أن اصاب
بالدوار. هل
انا حقا في عمان؟ ام انا في مدينة فلسطينية؟
ولكن لا، لا اعرف مدينة فلسطينية تشمل
هذا الكم الهائل من اسامي المدن والقرى
الفلسطينية العامرة والمهجرة في واحدة
من حاراتها.
لا ادري من
يسكن في هذا الحي على وجه التحديد ولكن
من الواضح انهم فلسطينيون تهجروا من كافة
ارجاء فلسطين في عامي النكبة والنكسة.
فقط عندما
تفقد الوطن تشعر بمدى اهميته.
ما اجمل الشعور
بالتواصل بين ابناء الشعب الواحد.
الشيء الوحيد
الذي ينغص هذا الشعور بالاضافة للوضع
المأساوي الراهن انه يتم في ظل اتفاقيات
مجحفة ومذلة:
كامب ديفيد،
وادي عربة وأوسلو.
الشي
الاخر الذي هزني حتى الاعماق عندما عدت
إلى الشقة وقرأت اسم الشارع الذي توجد به
البناية: شارع
الشهيد راتب محمد البطاينة.
بدا لي الاسم
مألوفا ولكن من هو؟ وأين استشهد؟ وكيف؟
دخلت الشقة بسرعة وشرعت بعملية البحث
فوجدت هذه القصة التي كتبها احد اقارب
الشهيد، وها انا انقلها كاملة كما كتبت:
"في 21-اذار
- 1968 كانت معركة الكرامة
نشوة النصر التي
بددت اسطورة "الجيش
الذي لا يقهر" كانت
عنوان فخر واعتزاز لكل أحرار الأمة خاصة
وان الجيش العربي المصطفوي
الذي"افترس"
جنود العدو في ساحة الوغى حقق
النصر المبين واجبر قادة وجنود جيش العدو
على العودة يجرون ذيول الخيبة ويتجرعون
مرارة الهزيمة.
وتكبد العدو
250 قتيلا 450و
جريحا واسقاط 7 طائرات
مقاتلة وتدمير 88 آلية
مختلفة تمكن العدو من إخلائها شملت 27
دبابة 18و ناقلة
24و سيارة مسلحة 19و
سيارة شحن فيما بقيت 20 دبابة
وآلية مختلفة في ارض المعركة ، واستشهد
من قواتنا الباسلة 87
شهيدا 108و
جرحى وتدمير 13 دبابة 39و
آلية مختلفة ومن ضمن الشهداء البواسل
الشهيد راتب البطاينة صاحب القصة الشهيرة
:
اعلنت
إسرائيل الحرب على الاردن في صبيحة 21-اذار
الساعة الخامسة والنصف فجراً
كان
الملازم راتب البطاينة ضابط ملاحظة في
جهاز اللاسلكي ودوره يكون بأن يعطي
للمدفعية الاردنية موقع وإحداثيات الجيش
و الدبابات الاسرائيلية لتدميرها.
في قلب
المعركة والرصاص والقذائف تحجب نور الشمس
وصل للملازم خبر استشهاد زميله وصديقه
:عارف
الشخشير فحزن حزناً لا يوصف واقسم بربه
ان يأخذ بثأره من جيش العدو فإنتظر حتى
الليل وترك كتيبته وبدأ يزحف قاصدا خطوط
العدو الصهيوني حتى وصل جسر يسمى "جسر
دامية"
ليتفاجأ بتقدم
دبابات العدو عبر الجسر ليصلو إلى الاراضي
الاردنية إلاّ ان الروح الموجودة
بالإنسان الأردني جعلته يفكر سريعاً بأي
شيء يمنع الدبابات من التقدم التي لو
تقدمت ستضع الجيش الاردني في موقف محرج
فإتخذ
قراره !!! ووقف
ينتظر إلى ان اصبح بين جنازير وعجلات الدبابات
فأمسك
بجهازه اللاسلكي وأمر كتيبة المدفعية
بإطلاق الصواريخ على احداثياته
ماذا
!!!!!!!!!!! يا
سيدي انه موقعك كيف لنا ان نقصف النقطة
التي تتواجد فيها انت
فقال
: بدون
نقاش احدثكم بالأمر العسكري .....
إقصفوني
يا لله
!!! ..... يريد
من جيشه ان يضربوه بالصواريخ لتتفجر معه
الدبابات
فعملت
كتيبة المدفعية بما امر الملازم وقصفوا
الموقع قصفاً شديدا اسفر عن تفجير 8
دبابات وقتل
طواقمهم من جنود العدو
وهكذا
استشهد البطل الأردني في سبيل الدفاع عن
ثرى الوطن من اي مس وعبث
واخذ
بثأر صديقه كما اقسم
وللشهيد
حق علينا بأن ننقل قصته الى الكثير الذين
لا يعرفونها كما نقلت قصة الشهيد فراس
العجلوني وغيرهم من الشهداء الأبرار".
نسي
قريب الشهيد الذي كتب هذه القصة ان يذكر
أن اسرائيل لم تشن عدوانها على الاردن
فحسب بل وعلى المقاومة الفلسطينية ايضا.
وأن صديق
الشهيد الذي اقسم ان يثأر له، عارف الشخشير
هو فلسطيني من نابلس.
سقى
الله تلك الايام عندما كان الجندي العربي
يثأر لاخيه العربي وليس مثل اليوم حيث
يثأر الجندي العربي من أخيه العربي.